← Джавами‘

Джавами‘ · id 7704

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (7 040 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

وجود الجنة والنار السؤال هل الجنة والنار موجودتان الآن؟ الجواب نعم. لا شك في ذلك، فإن الله خلق الجنة والنار، وقال لجبريل: اذهب وانظر إليهما، فذهب ونظر إليهما، فحفت النار بالشهوات، وحفت الجنة بالمكاره، فهي قطعاً موجودة، والنبي ﵊ في صلاة الكسوف تقدم ليأخذ قطفاً من عنب عرض له، وتأخر -أيضاً- لأنه خشي من لهب النار، فالجنة والنار موجودتان الآن، فـ المعتزلة والمبتدعة والضالون يقولون: إنهما غير موجودتان وغير مخلوقتان الآن، وهذا من ضلالهم وإفكهم. ومن الأدلة على أنهما موجودتان: أن الإنسان عندما يموت إذا كان من أهل الجنة تفتح له طاقة إلى الجنة ويأتيه من ريحها وريحانها ويرى مقعده وزوجاته وقصره من هذه النافذة، وأما الذي في النار، فتفتح له طاقة إلى النار، فيأتيه من سمومها وحميمها. وقال لما قبض آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً﴾ [غافر:٤٦] وهم في البرزخ يعرضون على النار غدواً وعشياً. إذاً: لا شك في وجودهما -الآن- قطعاً.

стр. 1297

القزع كيفيته وحرمته السؤال نهى رسول الله ﷺ عن حلق القزع، ما هي كيفيته؟ الجواب القزع: هو حلق بعض الرأس من أي جانب، فإذا حلق من الخلف، أو من اليمين، أو من الشمال، أو من الوسط، أو من المقدمة، فإنه يكون قزعاً منهياً عنه، فيدخل في التشبه بالكفار تخفيفه جداً من الجوانب وترك الوسط كالطاقية مثلما يفعل بعض المقلدين للكفرة، والآن الابتداعات والبدع في الشعر كثيرة جداً، ولذلك ينبغي التنبيه على أحكام الشعر، لأن كثيراً من الناس يقعون في مشابهة الكفار ويقعون في أشياء محظورة، فالشعر أصبح مجالاً للمحرمات، فمثلاً: بعض النساء تقصره جداً حتى يكون مثل الرجل وهذا حرام، وبعضهن تصبغ كل خصلة بلون؛ مشابهة لبعض فرق الخنافس والبنكس، وكذلك من العبث به حلق بعضه وترك بعضه، أو تقصير بعضه من الجوانب وتوفيره في الوسط، كذلك مشطة المائلات المميلات للنساء، المشطة المائلة التي هي من منكرات الكوافير في الشعر. كذلك بعضهم عندهم الآن رسم على الرأس، فيحلقون القفا ويرسمون عليه وجهاً لا تميز وجهه من قفاه، واخترع الكفرة أشياء وقلدهم كثير من المسلمين في هذا الأمر، فالمهم أن الشعر مجال واسع في التلاعب بالخلقة، وتغيير خلق الله؛ مشابهة للكفار، وارتكاباً للمحذورات، وبعض النساء يحلقن الشعر بالكلية حلاقة، وحلاقة المرأة لشعرها حرام، اللهم إلا إذا كان لعلاج أو شيء اضطراري، فالمهم أنه ينبغي معرفة أحكام الشعر في الشريعة حتى لا يقع الإنسان في المحظورات.

стр. 1298

معنى: لا يفد إليّ لمحروم السؤال قال رسول الله ﷺ : (إن الله تعالى يقول: إن عبداً أصححت له جسمه، ووسعت عليه في معيشته، تمضي عليه خمسة أعوام لا يفد إلي لمحروم) ما المراد بقوله: لا يفد إلي لمحروم؟ الجواب أي: في الحج لا يأتي البيت العتيق، والحديث حسن أو صحيح.

стр. 1299

حكم من طاف للقدوم بدون وضوء ولم يذكر إلا بعد الحج السؤال ذهبت إلى مكة لأداء مناسك الحج، ودخلت في النسك بنية التمتع بعد الانتهاء من طواف القدوم، ثم تذكرت أني لم أكن على طهارة، وأنهيت جميع المناسك؟ الجواب إذا كان المقصود من أنه أنهى جميع المناسك، يعني: ذهب إلى عرفة ومزدلفة ومنى ورمى الجمرات، فهذا يكون حجه قد انقلب من تمتع إلى قران، لأن طواف العمرة قد فسد، إذاً ماذا فعل هذا عندما أحرم بالحج في اليوم الثامن؟ أدخل العمرة على الحج وصار قارناً، لكن لو كان ذكر ذلك أنه على غير وضوء بعدما سعى، أو قبل أن يسعى فماذا يفعل؟ يعيد طواف القدوم.

стр. 1300

نصيحة مقدمة للزوجات الضرائر السؤال يقول: في تناولك لموضوع الضرة حيث أن زوجتي معي، فهل من كلمة عن صبر المرأة على الضرة ولو من كلمات قليلة جداً حتى لا يحدث هذه الليلة طرد من المنزل، والله أعلم أين أنام؟ الجواب على أية حال: هو لم يقل: لا تقرأ الرسالة، فلعل قراءتها لوحدها موعظة، إن كان يمزح، فالحمد لله، وإن كان جاداً فهذه المصيبة، أن الرجل يخشى ما سيحدث له، فإذا كان النبي ﷺ يقول: (والله لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه) إذا كان الذي لا يأمن جاره يبقى في خوف، الليلة لا يدري ماذا يحدث له من جاره يا ترى! أي مصيبة ستنزل علي من جاري؟ فإذا كان الزوج لا يأمن على نفسه هذه الليلة ماذا سيحدث له من زوجته وأي مصيبة ستفعلها له، فهذه من الطوام! والحديث السابق دلَّ على غيرة عائشة ﵂، وكيف تحمل النبي ﷺ غيرتها، وأنه لما غضب لم يخرج من عند عائشة إلا وقد تعهدت بعدم إيذاء النبي ﷺ ، وقالت: [لا أذكرها إلا بخير] وأن عائشة ﵂ كل الذي حصل منها كلام في قضية ما تذكر من خديجة، أما التمرد على الزوج فهذا شيء خطير، الآن بعض النساء تقول: هذه عائشة ونحن نفعل أكثر، نقول: لا. أولاً: عائشة إذا كان الذي صدر كلام، فبعض الزوجات تمتنع من الخدمة، ومن المبيت مع الزوج، ولا تطبخ طعامه، ولا تكوي ثيابه ولا تغسله، ولا تنظف بيته، وهذا تمرداً ونشوز. ثانياً: عند عائشة من الفضائل ما يغطي على كل ما فعلت، فماذا عند النساء هؤلاء من الفضائل حتى يغطين كل ما يفعلن؟ فلا تقول هي: إذا فعلت عائشة كذا نحن نفعل أكثر، لا، لأن عائشة عندها من الفضائل ما إذا انغمرت فيها هذه الكلمات ذهبت، لكن ماذا عند المرأة من الفضائل حتى تغمر إيذاءها لزوجها فيه، يعني: هذا كلامنا كله في خديجة، وكيف أنها هيأت لزوجها السكن المريح والجو الهادئ وخدمته ونحو ذلك، هذا الذي ينبغي أن تقوم به المرأة تجاه زوجها، ونحن بلينا بالأفلام والمسلسلات التي تصور أن الشقاء لازم لكل من تزوج اثنتين، وأنه لابد أن تحدث كوارث، ولابد أن ينتهي بطلاق إحداهما، وأنه إذا انكشف أنه تزوج الثانية معناه أنه سوف يحصل شر عظيم ونحو ذلك، كل هذا جاء من أعداء الإسلام لأجل أن يقع الناس في الحرام ولا يتزوجوا الزوجة الثانية والثالثة، وتكون هناك عوائق كبيرة جداً أمام من يريد أن يعف نفسه، فهذا الكلام هذا طويل في موضوع تعدد الزوجات، وليس الآن مجال الطرح، ولكن نوصي الزوج إذا أراد التعدد فعليه بالعدل، ويجب على الزوجات أن يتقين الله في الزوج، والعدل أساس كل شيء بالتجربة، كل المجربين يقولون: إن المرتاح هو الذي يعدل، لأنه إذا عدل، لم يبق لامرأة أي كلام عليه.

стр. 1301

حكم لبس القفازين في الصلاة السؤال ما حكم من تصلي وهي لابسة القفازين؟ الجواب جائز، ولكن تركه أولى؛ لأن النبي ﷺ استحب لنا مباشرة الأرض، فتخلع القفازين وتصلي، إلا إذا كان هناك رجال أجانب مثلاً فلا تخلعها.

стр. 1302

وجوب الإحرام من الميقات السؤال شخص يريد أن يذهب إلى أهله في الإجازة إلى مكة والمدينة وعنده نية أن يعتمر فماذا يفعل؟ الجواب إذا مر بالميقات أحرم ما دام عنده نية.

стр. 1303

سجود السهو بعد السلام للزيادة في الصلاة السؤال إمام أراد أن يقوم في صلاة المغرب من الرابعة ظناً منه أنها الثالثة، ثم تيقن أنها الرابعة، فرجع؟ الجواب إذا كان قد قام، فإنه يسجد للسهو بعد السلام.

стр. 1304

الهدية بمقابل تعتبر رشوة السؤال ما الحكم في أحد أعطى موظفاً هدية نظير خدمة أسداها له؟ الجواب لا يجوز إعطاء الموظف هدية كما قال النبي ﷺ : (هدايا العمال غلول) إذاً لا يجوز أن يعطيه، وهذه تعتبر رشوة.

стр. 1305

بقاء المرأة مع زوجها في الجنة السؤال هل المرأة تبقى مع زوجها في الجنة أم تستطيع أن تختار من تشاء من أهل الدنيا؟ الجواب قال ﵊: (المرأة لآخر أزواجها) فإذا كانت هي وإياه من المؤمنين، فإنها ستتغير وهو سيتغير قلباً وقالباً، ولذلك لن يكون شعورها نحوه في الجنة مثل شعورها الآن، فإنه يختلف تماماً.

стр. 1306

حكم من حلف أكثر من مرة السؤال من حلف اليمين أكثر من مرة لا يتذكر عددها فكيف يخرج الكفارة؟ الجواب يقدرها تقديراً بما يغلب على ظنه، ويخرج الكفارة.

стр. 1307

بيان النقاب الشرعي ووجوبه السؤال ماذا أفعل في النقاب الشرعي لزوجتي؟ الجواب إذا كنت تقصد أنها تلبس نقاباً واسعاً فيه فتحتين، فهذا يعني: أنك تحتاج إلى إصلاح وضع النقاب بأن تكن فيه فتحة صغيرة على قدر العين أو لا تكن فيه فتحة إذا كانت تحسن الرؤية من وراء الغطاء، وأما إن كانت لا تضع شيئاً على وجهها أصلاً، فعند ذلك لا بد أن تستر الوجه الذي فيه معالم الجمال عند المرأة. فينبغي إذاً التركيز على قضية تبيان الحجاب ووجوب ستر المرأة وجهها، وهذا قد ذكر العلماء فيه رسائل، مثل: رسالة الحجاب للشيخ/ محمد بن صالح العثيمين وهي رسالة جيدة فيها ردود على الشبهات، فلعلها تكون محل إقناع أو حجة.

стр. 1308

مصيبتنا سمعنا وعصينا أفرد الله المنافقين بآيات كثيرة، بل سمى سورة باسمهم؛ وما ذاك إلا لعظم خطرهم على المجتمع؛ ولكي يفضحهم أمام الملأ. وقد بين سبحانه أن من أبرز علاماتهم مبدأ: (سمعنا وعصينا) الذي قد ينزلق الكثير فيه وهم لا يشعرون، وذلك من خلال شبهات يردون بها حكم الله وحكم رسوله، وقد ذكر الشيخ بعض ذلك في هذه الخطبة.

стр. 1309

أظهر علامات النفاق إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فيا عباد الله! لقد أُفرد ذكر المنافقين في القرآن الكريم في آيات كثيرة تنبيهاً من الله تعالى على خطرهم، وعلى سوء مبدئهم وعملهم، كما جاء ذلك في مطلع سورة البقرة في آيات فاقت في عددها ذكر المتقين والكافرين، وذلك لخفاء أمر المنافقين، وأيضاً في سور النساء، والتوبة، والنور، والأحزاب، وسورة محمد ﷺ ، كما أُفردت سورة لهم سميت بسورة المنافقين؛ لأجل بيان حال هؤلاء. وخطر النفاق عظيم، ويكفي أن المنافق في الدرك الأسفل من النار تحت الكافر الصريح. عباد الله! لقد امتاز المنافقون بعلامات وسمات كانت لهم، ومن ذلك سمتان فظيعتان: الأولى: الإعراض عن الحكم الشرعي، وعدم تحكيمه وقبوله والصد عنه. الثانية: العصيان والامتناع عن التنفيذ، والتلكؤ والتباطؤ في العمل بحكم الله ورسوله، وعدم التسليم له والقناعة به، ومن جهة أخرى مبدأ: (سمعنا وعصينا). فهاتان الصفتان الفظيعتان للمنافقين كانتا من أعظم أسباب الخطر.

стр. 1310

عدم التسليم لحكم الله المسألة الأولى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾ [النساء:٦٠ - ٦١]. فإذاً: لا يوجد إقرار بحكم الله ورسوله، ولا قناعة به، ولا تسليم له، بل يوجد صد وإعراض عنه، وتحاكم إلى غير شرع الله ورسوله، ولذلك قال الله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: من الخصومات ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ﴾ [النساء:٦٥] فليس فقط أن يحكموك في ما شجر، وإنما أيضاً لا يجدون في أنفسهم حرجاً مما قضيته، وليس هذا فقط بل: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] منقادين مذعنين طائعين، مذللين أنفسهم وقلوبهم لحكم الله ورسوله. ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور:٤٨ - ٤٩] إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم تولوا وأعرضوا؛ لأنهم لا يسلِِّّمون بحكم الله ورسوله، لكن إذا كان الحكم لهم في الخصومة وكان الشرع سيحكم لهم، قالوا: لا نريد إلا الشريعة، ثم جاءوا منقادين لأن الحق لهم، ولأنه وافق هواهم، ولأنه في مصلحتهم: ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ [النور:٤٩ - ٥٠] أي: فيظلمهم ويجور عليهم: ﴿أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [النور:٥٠]. فإذاً: لقد ناقض المنافقون قاعدة الإسلام العظيمة في التسليم لله ورسوله بالحكم، وعدم الاعتراض عليه بعدم قناعتهم به، بل واستبدلوا الشريعة بقوانين الكفر واللجوء إلى الكافر واليهودي والكاهن للحكم بينهم. والمسألة الثانية أيها الإخوة: (مبدأ سمعنا وعصينا) عدم التنفيذ وعدم العمل، قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً﴾ [النساء:٨١] يظهرون الطاعة، وأبطنوا المخالفة والمعصية: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾ [النور:٥٣] أي: في الجهاد، ويطيعوا أمرك وينفذوا: ﴿قُلْ لا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ [النور:٥٣] فقد جربناكم من قبل، وبلوناكم وعرفنا أمركم من التجارب السابقة: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [النور:٥٣] طاعة معروفة في الظاهر أما في الباطن فلا. ولذلك لما وقعت غزوة تبوك تخلفوا وما خرجوا، فقال الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً﴾ [التوبة:٤٢] أي: غنيمة سهلة ﴿وَسَفَراً قَاصِداً﴾ [التوبة:٤٢] أي: قريباً ليس ببعيد ﴿لَاتَّبَعُوكَ﴾ [التوبة:٤٢] لكن عصوا. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي﴾ [التوبة:٤٩] لقد برروا عدم خروجهم واعتذروا عن الخروج بالأعذار السخيفة، وقال قائلهم: إني أخاف على نفسي من نساء بني الأصفر (الروم): ﴿أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ [التوبة:٤٩] أي: سقطوا في الفتنة بعدم خروجهم وتنفيذهم أمر رسول الله ﷺ : ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [التوبة:٤٩].

стр. 1311

ذرائع المخالفين لحكم الله عباد الله! إذا نقلنا المسألة إلى واقعنا، ووقفنا مع أنفسنا وقفة صريحة وصادقة للنناقش: هل نحن ننفذ حكم الله ورسوله فينا أم لا، فماذا سنجد؟ نحن نتعلم أشياء كثيرة: فنسمع في الخطب والأشرطة، ونقرأ في الكتب، ونُوعَظ في المجالس، ونسمع كلاماًَ كثيراً عن الأحكام الشرعية وعن الحلال والحرام، فما هو الموقف إزاء ذلك؟ وهل ننفذ ونسمع ونطيع، أم أننا نسمع ولا نطيع؟ وما هي أسباب عدم التنفيذ؟

стр. 1312

التذرع بالجهل وعدم العلم قد يقول قائل: إننا لا نعلم، لكن بعد انتشار شيء من التوعية يصعب أن نصدق أن واحداً من هؤلاء لا يعلم، أي: أو ليست لديه أية فكرة عن الحلال والحرام، إنهم من خلال الخطب والدروس وما سمعوه ووعظوا به ونصحوا يعلمون، والأشياء التي لا يعلمون بها إما أنهم معذورون بالجهل فيها، أو أنهم على معصية بعدم تعلمها لإمكانهم تعلمها، فندع هذه المسألة جانباً ولنأخذ ما نعلمه وما اطلعنا على حكمه، وما تبين لنا ونُصحنا به. المعلومات كثرت، لكن أين التطبيق وأين التنفيذ؟ مما يفاجئك به بعض الناس في هذه المسألة أن يقول لك: ليس عندي قناعة بالحكم. فمثل هذا الكلام كيف يزول؟ إنه يزول ببيان الدليل والحكم الشرعي، فإذا بينت المسألة، وقامت الحجة، وذكر الدليل، وسوق كلام أهل العلم، وأورد شبهة ورددت على شبهته؛ فعند ذلك إذا قال لك: غير مقتنعٍ، فإن كلامه بعدم القناعة نفاق واضح لا لبس فيه؛ لأنه يكون حينئذٍ عدم تسليمٍ بحكم الله ورسوله، أوردت له الحكم، وبينته له، وأعطيته كتاباً حول الموضوع، وشرحاً وافياً، وجواباً عن شبهة، ماذا بقي؟ بقيت قضية واحدة لا غير، ليس هناك إلا شيء واحد: نفاق عدم تسليم بالحكم الشرعي مشاغبة على الحكم الشرعي. وهذه مسألة يجب أن يصارح فيها الشخص نفسه إذا وقع فيها، إذا تبين له الحكم بالدليل وكلام أهل العلم ثم لم يقتنع؛ فإنه لا يكون إلا منافقاً، وليس هناك احتمال ثانٍ ألبتة، ليس إلا النفاق: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] أي: أنه لو أقره ولكن على مضض وعن كره للحكم فهو منافق، فكيف إذا ما أقر بذلك؟

стр. 1313

التذرع بعدم وجود البديل المباح وقد يتذرع بعض الناس في تلكئهم بعدم تنفيذ الحكم بعدم وجود البديل، ويقولون: هات البديل؟ والحمد لله أن الله ما حرم شيئاً إلا وجعل من الحلال من جنسه ما هو أكثر منه ويفوقه، فعندما حرمت الشريعة الخمر أباحت من المشروبات ما لا عد له ولا حصر، وعندما حرمت لبس الحرير على الرجال ولبس الذهب، أباحت لهم من الملابس ما لا حصر له ولا عد، وأباحت خاتم الفضة للرجل مقابل خاتم الذهب المحرم؛ لأن الشارع يعلم حاجة الناس إلى التزين، وعندما حرمت الشريعة الربا أباحت البيوع بأنواعها مما لا حصر له ولا عد من وجوه المكاسب المختلفة، فبدل أن تكسب من الربا جعل لك البيع بأنواعه: المعجل والمؤجل بشروطه، وبيع السلم بشروطه، والمعاوضة، والمعاطاة، والمزاد، والأمانة، ثم من المكاسب: الإجارة، والجعالة، والوكالة بالمقابل وغير ذلك مما تأخذ عليه أجراً. فلما حرمت الشريعة وحرمت وحرمت؛ جعلت هناك من الحلال من جنسه ما هو أكثر منه ويفوقه. ثم إن البدائل عن سائر الأشياء قد تتوفر في الواقع، وقد لا تتوفر من تقصير المسلمين وليس من قصور الشريعة، وفي مسألة البديل يشاغب بعض الناس فيقولون في مسألة الموسيقى والألحان مثلاً: ما هو البديل؟ فإذا قلنا: بديل سماع الألحان هو سماع القرآن، فيقول: لا. سماع القرآن ثقيل على النفس، أما سماع الألحان خفيف ولذيذ ومطرب، فليس هذا من هذا، فنقول: ما هو إلا الهوى والله، وإلا فقل أيضاً: إن الزنا له لذة، وعندما يزني بعشرات النسوة ليس كهذه الزوجة التي قد صارت مملةً. فنقول: قد لبت الشريعة ذلك بالتعدد والتسري وملك اليمين، وكون الحرام له لذة من تزيين إبليس لا يعني أن الزواج ليس بديلاً؛ لكن يعني أن الفطرة قد أصبحت منتكسة، فالبديل الذي يلبي حاجة النفس موجود في الشريعة، لكن البديل الذي يلبي هوى النفس دائماً هذا الذي يريده هؤلاء العصاة. فنقول: هذا البديل موجود في الجنة، سماع غناء الحور العين، سماع غناء النساء في الجنة، ولبس الحرير والذهب لك في الجنة، فإن العوض سيأتي بعد قليل، اصبر: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد:٢٠]. وعندما يقول بعض الناس: نريد أن نُؤَمِّن؛ لأن التأمين قد صار حاجة، والحوادث قد كثرت، فنحن مضطرون للتأمين ولا يوجد له بديل. نقول: إن التأمين التعاوني هو البديل، وهو أن يدفع هؤلاء المشتركون مبالغ توضع في صندوق يستثمر أو لا يستثمر، ويتراضون بينهم على أن يعوض من أصيب من هذا الصندوق التعاوني، ولا يكون هذا المال في الصندوق ملكاً لشركة أو لطرف ثالثٍ يأخذه لنفسه ثم يعطيك إذا حصل لك، ويضيع مالك إذا لم يحصل لك كما هو التأمين المحرم، وهذا هو الميسر والقمار بعينه. فإذا وجد التأمين التعاوني بتعاون المسلمين فالحمد لله، وإذا لم يوجد البديل بسبب تقصير المسلمين فما هو الحل وما هو المخرج؟ الجواب لا بد من الصبر حينئذٍ على هذا البلاء، ووفر نقودك واشتراكاتك في شركة التأمين حتى إذا حصل لك شيء تأخذ من الرصيد، وربما تكتشف أنك كنت على ربح عظيم، فإذا لم يوجد بديل من جراء تقصير المسلمين، فلا بد أن نصبر ولا نقول: نحن مضطرون لارتكاب الحرام. إن الاضطرار موضعه عندما يكره الشخص على الشيء، ولا بد له منه ولا مخرج له إلا به، ولا مندوحة عنه لديه، ولا يستطيع أن يترك القضية ولا أن يتلافاها، ويجبر عليها من الخارج، فهذه المسألة مسألة اضطرار، والله لا يؤاخذ عليها، كما لو كان في بلد يمنع من القيادة فيه إلا بالتأمين ويكره على ذلك، فهذه مسألة اضطرار، أما أن يختار التأمين اختياراً فليس باضطرار، ولابد أن يصبر ويؤمن بقضاء الله وقدره، ويتوكل على الله ، وإذا حصل شيء كان الرضا بالمكتوب هو المفروض أن يقع، أما أن يقال: نحتاط بالتأمين المحرم، فلا وألف لا أيها الإخوة، إن وجد الحلال أخذنا به والحمد لله، وإن لم يوجد صبرنا.

стр. 1314

التذرع بالمشقة والتعب بعض الناس يقولون في سبب عدم التنفيذ: إن الحكم فيه مشقة وتعب، سواء كان فعل واجب أو ترك محرم. وهل يظن هذا أن الجنة رخيصة، وأن طريقها مفروش ومعبد وميسور لا مشقة فيه ولا عوائق؟ إذاَ: ً كيف ستحصل المجاهدة، والجهاد إنما هو جهاد النفس أولاً؟ كيف سيحصل جهاد النفس المؤدي إلى الجنة والذي يتفاوت الناس فيه، فيتفاوتون في مراتب الجنة؟ كيف سيحصل الجهاد إذا لم توجد مشقات في الأحكام؟ كيف ستحصل المجاهدة إذا لم توجد مشقة في صلاة الفجر تُبيِّن الطائع من العاصي، والمجاهد من غير المجاهد؟ أليست هي حجة المنافقين بعينها: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً﴾ [التوبة:٤٢] لو كانت القضية مريحة، وغنيمة سهلة، وسفراً قصيراً ﴿لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ [التوبة:٤٢] المسافة من المدينة إلى تبوك طويلة، والعدو الروم وليست قبيلة من قبائل العرب؛ ولكن الروم! ﴿وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ [التوبة:٤٢] ولذلك تخلفوا عن الذهاب لأجل المشقة، وكانت غزوة تبوك في حر شديد لذا تناصحوا بقولهم: ﴿وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ [التوبة:٨١] فبماذا أجابهم الله؟ ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة:٨١]. إذاً: لابد أن يكون في التكاليف مشقة، ولكن من رحمة الله أنه جعل المشقة محتملة في التكاليف، فلا تقول: أنا لا أستطيع أن أقوم لصلاة الفجر، لا. بل تستطيع، فأنت عندما لا تستطيع تنفيذ الحكم يسقطه عنك الشارع ولا يطالبك به، ولا يقول للمريض الذي لا يستطيع القيام: صلِّ قائماً، وإنما يقول له: فإن لم تستطع فصل قاعداً، هذه شريعة من الله وليست دساتير وضعية من البشر. وبعض الناس يتعللون بعدم تنفيذ الأحكام الشرعية بأن الجو الاجتماعي والوظيفي المحيط بالشخص لا يساعد، وهذه حجة سخيفة؛ لأن معنى ذلك: أنه يُقَدم الناس على الله، وأنه يطيع الناس ويعصي الله، وأنه يرضي الناس بسخط الله، هذا معنى كلمة: الجو الاجتماعي المحيط لا يساعد على ترك هذا المنكر، والناس من حولي لا يعينونني على أداء الواجب، هذا معناه: أنه أرضى الناس بسخط الله، هذا معناه نوع من النفاق، وضعف في الإيمان، وتخاذل ومحبة للناس فوق محبة الله.

стр. 1315

التذرع بالصعوبات والمشكلات وهذا يقودنا إلى نقطة أخرى هي: أن بعض الناس مستعد لتنفيذ الأحكام الشرعية ما دام لا يتعرض للمشكلات، فإذا تعرض للصعوبات والمشكلات امتنع عن التنفيذ؛ لأنه غير مستعد للتضحية في سبيل الله، وغير مستعد أن يواجه صعوبة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج:١١] أي: حافة ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ﴾ [الحج:١١] قال: هذه شريعة حسنة وهذا دين عظيم، وهذه أحكام بليغة: ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ [الحج:١١] ماذا يفعل إن أصابته مصيبة وشدة؟ ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج:١١] ارتد وانتكس وتولى وأعرض، ولم ينفذ الحكم، وعصى الله ورسوله: ﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج:١١]. ومما يتعلق بهذا السبب أيضاً: خوف الاضطهاد: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت:١٠] وهذه الآية العظيمة تبين لنا مبدأً عظيماً، وهو: ﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت:١٠] ما مسه في الدنيا من سخرية، أو كلمات جارحة، أو شيء من المقاطعة أو الهجر، جعلها كعذاب الله في الآخرة، ورضخ، وأعطاهم ما يريدون، ووافقهم على معصيتهم، أما الاضطهاد الذي يكره الإنسان فإن الله لا يؤاخذ على ترك الحكم فيمن هذا حاله. وهذا الذي حصل للمسلمين بـ مكة، كان الرجل يضرب حتى لا يستطيع أن يستوي قاعداً من شدة ألم الضرب، ولا بد أن يستلقي طيلة الوقت، حتى يقولوا له: هذا الجعل إلهك، وهذا الخنفس إلهك فيقول: نعم! من شدة الضر الذي نزل به، لكن هؤلاء أكرهوا وقلوبهم مطمئنة بالإيمان، ولذلك عذرهم الله تعالى واستثناهم، وقال في شأنهم: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦] ولكن المصيبة: ﴿مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً﴾ [النحل:١٠٦] أي: قَبِل الكفر ورضي به، فعندما تصل المسألة إلى أذىً لا يطيقه البشر، ولا يطيقه الشخص كالضرب الشديد، والسجن الطويل، والتعذيب المؤلم، عند ذلك إذا ترك الحكم في الظاهر وقلبه مطمئن بالإيمان فعند ذلك لا حرج عليه لو تكلم بما يريدون، أما أن يترك الإنسان حكماً شرعياً لكلمة أو سخرية أو استهزاء فهذه سخافة؛ لأن هذا طريق الأنبياء، وبماذا كان الأنبياء يقابلون الاستهزاء والسخرية؟ إذاً لا يجوز مطلقاً أن نترك الأحكام لمثل هذه الأسباب الواهية التي يضخمها الشيطان ليقنعنا بأننا معذورون في ترك الحكم الشرعي. ونحن في زمن فتنة، والقابض على دينه كالقابض على الجمر، نسأل الله أن يقوي إيماننا، وأن يحفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا، اللهم ارزقنا اليقين، وتب علينا إنك أنت أرحم الراحمين، اللهم لا تؤاخذنا بما فعلنا واغفر لنا أجمعين. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1316

التذرع بضغط الزوجة والأولاد الحمد لله رب العالمين؛ ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين، وأشهد أن محمداً رسول الله النبي الأمين، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى أزواجه وذريته الطيبين الطاهرين، وعلى من اتَّبعهم بإحسان إلى يوم الدين. عباد الله: ومما يتعلل به كثير من الناس في مسألة عدم تنفيذ الأحكام الشرعية، وبالذات في قضية إخراج المنكرات من البيوت: عدم الصبر على ضغط الزوجة والأولاد. فهم يتذرعون في عدم إخراج آلات اللهو، وصحون الاستقبال التي تسمم البيت، وتدخل الدياثة فيها؛ بأنهم لا يقوون على احتمال ضغط الزوجة والأولاد، وهذه ذريعة سخيفة أيضاً. وقدر يا عبد الله! ماذا ستجيب الله يوم القيامة عندما يسألك عما استرعاك، وعن هذا المنكر الذي أدخلته بيتك، فهل ستقول له يوم القيامة: ضغط الزوجة والأولاد؟ وهل يقبل الله مثل هذا العذر؟ ألم يقل لك في كتابه: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن:١٤] هل قال لك: طاوعوهم؟ هل قال: وافقوهم؟ هل قال: أعطوهم مطلبهم؟ هل قال: أعطوهم ما يشتهون، وأدخلوا لهم ما يريدون أم قال: فاحذروهم؟ هذا هو الوقت الذي يجب عليك أن تطبق فيه قول الله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦] الناس هم شعلة النار، هم حطبها، هم وقودها وجمرها: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (التحريم:٦] ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧]. هذه حيلة، وهذا عذر غير مقبول، والواجب الآن دعوة الزوجة والأولاد وتربيتهم والاهتمام بهم؛ فإذا وجدت مجالات مباحة للترفيه -وهذه عبارة صارت في عصرنا خطيرة جداً، ولها أبعاد كثيرة (صناعة الترفيه في العالم) - وألعاب وتسليات مباحة فعند ذلك يكون البديل لهذه الأشياء المحرمة، وهناك أشياء كثيرة مباحة والحمد لله.

стр. 1317

التذرع باختلاف المفتين وبعض الناس يعتذرون عن عدم الالتزام بالحكم الشرعي بتضارب الفتاوى واختلاف المفتين، ويقولون: لكن فلاناً يقول: هي حلال، لقد احترنا، نسمع من هنا أنه حرام، ومن هنا أنه حلال، ونحن في سعة ما دام هناك من يقول بالإباحة. نعم. إذا كان إبليس يقول بالإباحة؛ فهناك دائماً من يقول بالإباحة في أي محرم، وهناك من هو متساهل ومفرط، وهناك من يفتي بشبهة في الفتوى، يقول: نوسع على الناس ليدخلوا في الدين، وما هو إلا إدخالهم من باب وإخراجهم من الباب الآخر، هذا معنى التساهل في الفتوى، هؤلاء يحملون أوزارهم يوم القيامة كاملة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم: ﴿أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [الأنعام:٣١] ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت:١٣] أي: يفترون على الله . والإنسان إذا عرف شخصاً أنه مفرط ومتساهل في الفتوى فبأي حجة عند الله يتبعه. ثم أليس لك عقل؟ أليس عندك ميزان؟ ألا يوجد تفكير في الأمور؟ عندما يأتي مثلاً من يحلل الربا، ويقول: هو حلال، وأنت تعلم لو فكرت بعقلك أن هذا المال الذي تضعه عند المرابي، لو كان مجرد وديعة وأمانة هل يجوز التصرف فيها؟ هل يجوز للمرابي الذي يأخذ المال الذي عنده أو يتصرف في الوديعة والأمانة، هو يتصرف ويستثمر فيها ويعمل إذاً فهو قرض، وليس أمانة ولا وديعة، وكلامه هذا كذب وحيلة واحتيال، والمال إنما هو قرض بدليل أن الأمانة لا يجوز التصرف فيها، وهذا يتصرف في المال. ثم الوديعة لو تلفت بغير تفريط من المستأمن فإنه لا يضمن في الشريعة، ويقول: احترقت مع بيتي، لكن هذا المرابي يضمن المال لو سرق ولو احترق مكانه؛ لأنه أخذه قرضاً لا وديعة، فأنت تعلم أنه قرض، ثم تأخذ عليه زيادة فماذا يكون؟ لا يكون إلا ربا. فلو جاء مائة وألف من المفتين وأصحاب العمائم، وأقسموا بالله جهد أيمانهم، وأنهم يتحملون المسئولية أمام الله عن هذه الفتوى وقالوا: إنه حلال، فماذا تفعل وقد عرفت الحكم؟ لو جاء من هؤلاء الأئمة المضلين من قال: إن الغناء مباح، والموسيقى إذا كانت ليست بصاخبة وكانت هادئة فهي حلال، وأنت تعلم من حديث النبي ﷺ الصحيح الذي سمعته مراراً وتكراراً عن أناس أخبر عنهم النبي ﷺ أنهم يستحلون -أي: يأخذون الحرام فيجعلونه حلالاً- الحر يعني: الزنا، والحرير: المحرم على الرجال، والمعازف، وما هي المعازف؟ أليست الأورج والبيانو، والقانون والكمنجا، والعود والطبل، أليست هي المعازف؟ فلماذا نلف وندور؟ أليس الشارع قد حرمها بالكلية، وما استثنى منها إلا الدف فقط للنساء في الأعراس والأعياد؟ ثم ألم تسمع حديث النبي ﷺ الصحيح: (صوتان ملعونان: وذكر منهما مزمار عند نعمة) والملعون هل يكون مكروهاً أو مباحاً؟ الملعون لا يكون إلا محرماً، فهل تقول بعد ذلك إن المزمار مباح؟ وعندما يأتي حديث النبي ﷺ : (نهى عن الكوبة) والكوبة هي: الطبل، فعندما نعلم يقيناً أيها الإخوة الحكم الشرعي والأدلة فهل بعد ذلك إذا قال فلان وفلان من الناس؛ مهما كان ارتفاع عمامته؛ وطول لحيته، وشهرته؛ إذا قال إنها مباحة فهل نسمع له ونطيع؟ وهل نقول: إن المسألة فيها اختلاف، وإنه يسعنا أن نأخذ بما نريد من أقوال المفتين وكلٌ على خير؟ ما هذا اللعب؟! ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ [الطارق:١٣ - ١٤] هذا دين ليس بلعب. ولذلك أيها الإخوة! لو تعارض عندك أقوال المفتين، فإذا علمت بالدليل الصحيح والحكم الشرعي فلا يسعك أن تتركه ولا أن تخالفه إلى قول أحد كائناً من كان، لأنك تطيع الله ورسوله؛ لا فلان وفلان، فإذا جاء الحكم عن الله ورسوله فعلى الرأس والعين، لابد أن نقبل به ولو قال من قال بذلك، قد يكون مجرماً منافقاً مضلاً، وقد يكون مسكيناً فمن قلة عمله والشبهة التي عنده قال بذلك. أيها الإخوة! إن التذرع باختلاف المفتين في أن ننتقي ما نريد بأهوائنا مدخل شيطاني، لكن عندما تسمع أقوالاً ولا تعرف أدلة ولا تعرف حكم الله ورسوله، وليس عندك حجة ولا بينة، ماذا تفعل؟ تقلد الأعلم، هذا هو المطلوب منك كعامي من عامة الناس أن تقلد الأعلم، إذا لم تكن طالب علم تحسن البحث وتنظر في الأدلة فتقلد الأعلم من العلماء، وقلنا تقلد الأعلم ولم نقل تقلد الأشهر، لأن هذه مصيبة في هذا العصر، أن الناس يقلدون المشهور بسبب شهرته ولا يقلدون الأعلم، وهذه فضيحة جديدة في عالم الإفتاء؛ أن يتجه الناس إلى الأشهر وليس إلى الأعلم، فكم من مشهور أقل علماً ممن هو أقل منه شهرةً. نسأل الله أن يجنبنا الهوى والفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم إذا أردت فتنةً بعبادك فاقبضنا إليك غير مفتونين، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. اللهم انصر الإسلام والمسلمين، وأعل كلمة الدين، وأقم لواء الجهاد في الأرض يا رب العالمين، اللهم اقمع أهل البدعة والمشركين، اللهم انصر إخواننا المستضعفين في كوسوفا وكشمير وفلسطين، اللهم أنقذ المسلمين من الفيضانات في السودان وبنجلادش إنك على كل شيء قدير، اللهم إنهم حفاة فاحملهم، وإنهم عراة فاكسهم، وجياع فأطعمهم، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد، والحمد لله رب العالمين.

стр. 1318

جسر الأهوال جهنم مصير الكافرين والفاجرين نعوذ بالله منها، يضرب بين ظهرانيها جسر وهو الصراط، سيمره جميع الخلق، وهذا الصراط له صفات تشيب لها رءوس الولدان، فمن صفات هذا الصراط، أنه يضرب في ظلمة جهنم، وأن له كلاليب وخطاطيف تخطف الناس، وحده ودقته كحد السيف. والناس على الصراط بين ناجٍ وهالك، أما الناجون فبين ناج مسلم وبين ناج مخدوش، وأما الهالكون فبين هالك مكردس، وهالك منكوس في نار جهنم، فالعدة العدة لذلك الأمر الجلل.

стр. 1319

الصراط حقيقة لا مرية فيها إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن يوم القيامة يوم عظيم يوم كان شره مستطيراً، وكان يوماً عبوساً قمطريراً، وطول ذلك اليوم خمسون ألف سنة، ذكره الله لنا في كتابه لنحذر شره، وذكَّر عباده به ليستعدوا لذلك اليوم لئلا يقول أحد: يا رب! لم تخبرني بما يكون فيه، فقد أخبرنا الله بالتفصيل في كتابه وسنة نبيه ﷺ ، وقد سبق أن ذكرنا في خطبة ماضية الحشر وبعض ما يكون فيه، وسنذكر في هذه الخطبة -إن شاء الله- أمراً واحداً من الأمور التي تكون في ذلك اليوم، وهو الصراط ولا شك أن التفكر في أهوال الآخرة هو الضامن لإصلاح النفوس وتغيير الحال إلى الأفضل. العظة باليوم الآخر هي التي تغير سلوك الناس توقظ الغافلين، وتنبه السادرين في غيهم. عباد الله: إذا جمع الله الأولين والآخرين، وحُشِرَ الناس، وأخذ بالكفار إلى النار، يبقى من ينتسب إلى الإسلام ينتظرون الله تعالى، فيأتيهم الله في صورة غير صورته -كما جاء في صحيح البخاري - يمتحنهم، والمؤمنون يعرفون ربهم، فإذا جاء في صورته سجد المسلمون الذين كانوا يسجدون لله في الدنيا؛ لأنهم عرفوا ربهم، وأما المنافقون الذين كانوا يسجدون رياءً يجعل الله ظهر الواحد منهم طبقاً واحداً فلا يستطيع السجود، وهذا الامتحان لكشف المنافقين من المؤمنين، ثم إن الله تعالى يدعوهم فيتبعونه، فيأخذهم الله إلى شفير جهنم، ويستشفع النبي ﷺ ، فيأُذن بضرب الجسر على متن جهنم، وهو الصراط. فالصراط: هو الجسر الممدود على متن جهنم، وهو الطريق الذي سيعبر عليه الناس، والصراط حتم واجب الإيمان به، قامت الأدلة عليه من الكتاب والسنة، قال الطحاوي ﵀ في عقيدة أهل السنة والجماعة: ونؤمن بالبعث وجزاء الأعمال يوم القيامة، والعرض والحساب، وقراءة الكتاب، والثواب والعقاب، والصراط والميزان، فالميزان من عقيدة أهل السنة والجماعة لا بد من الإيمان به.

стр. 1320

عبور الصراط أمر لا خيار فيه إذا صار الناس عند الجسر، تقول عائشة ﵂: إن رسول الله ﷺ سئل: (أين الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال: هم في الظلمة دون الجسر)، قال مجاهد: قال ابن عباس: (أتدري ما سعة جهنم؟ قلت: لا. قال: أجل والله ما تدري؛ إن بين شحمة أذن أحدهم وبين عاتقه - أي: الواحد من أهل النار- مسيرة سبعين خريفاً -أي: سبعين سنة- تجري فيها أودية القيح والدم. قلت: أنهاراً؟! قال: لا. بل أودية. ثم قال: أتدري ما سعة جهنم؟ قلت: لا. قال: أجل والله ما تدري، حدثتني عائشة أنها سألت رسول الله ﷺ عن قوله: ((وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ)) [الزمر:٦٧]، فأين الناس يومئذٍ يا رسول الله -إذا طوى الله الأرضين والسماوات، أين يكون الناس واقفين؟ - قال ﷺ : هم على جسر جهنم) أخرجه الإمام أحمد، وإسناده صحيح. فالصراط: هو جسر جهنم الذي سيعبر عليه الناس، وتكليفهم بعبوره هو اضطرارهم إليه حيث لا خيار لهم فيه، بل لا بد لهم من عبوره، فالأوامر يوم القيامة ملزمة للجميع لا يستطيع أحدٌ أن يتخلف عن تنفيذ أمر الله أبداً، فإذا شق عن قبورهم دعاهم الداعي إلى أرض المحشر مرغمين، يجب عليهم أن يجتمعوا إلى ذلك الموقف، وإذا ناداهم الله إلى الجسر اتبعوا ذلك مرغمين لا خيار لهم، وإذا أمروا بعبور الصراط فهم مرغمون على ذلك لا خيار لهم الأوامر يوم القيامة لا مجال للنكوص عنها أو التلكؤ عن تنفيذها.

стр. 1321

أوصاف الصراط وصف النبي ﷺ الصراط بعدة أوصاف: أولاً: أنه زلقٌ؛ فقد جاء في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قلنا: (ما الجسر يا رسول الله؟ قال: مدحضة مزلة) ومعنى مدحضة: أي: تزلق فيه الأقدام. ومزلة أي: تسقط فيه الأجساد والأرجل. إذاً: أول صفة للصراط أنه مضروب على متن جهنم من الطرف إلى الطرف. أتدرون -يا عباد الله- ما سعة جهنم؟ يؤتى بها ولها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها، وعمقها إذا رمي الحجر من شفيرها لا يصل إلى القعر إلا بعد سبعين عاماً وإذا كان الواحد من أهل النار ضرسه كالجبل، وما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعين سنة من الدم والقيح، فكيف سيكون سعة جهنم؟ يانياً: أ، هـ دحض مزلة. ثالثاً: أن له جنبتين وحافتين كما جاء في حديث أبي بكرة: أن رسول الله ﷺ قال: (يحمل الناس على الصراط يوم القيامة، فتتقادع بهم جنبتا الصراط تقادع الفراش في النار)، وهذا حديث حسن، أخرجه ابن أبي عاصم رحمه الله تعالى وغيره. ومعنى: تتقادع بهم جنبتا الصراط: أي: يسقط بعضهم فوق بعض. وإذا جاء في بعض صفات هذا الصراط أنه أدق من الشعر فهل يكون لبعض الناس دون بعض؟ أو يكون في مرحلة دون مرحلة؟ أو هو من علم الله بالغيب الذي لا يمكن أن ندركه؟ كيف يكون له جنبتان وهو أدق من الشعرة؟ نقول: إن الله على كل شيءٍ قدير، فتتقادع جنبتا الصراط بالناس تقادع الفراش في النار، تسقطهم فيها بعضهم فوق بعض؛ تتلاعب بالناس تلاعباً. رابعاً: أن له كلاليب على حافتيه؛ فقد روى مسلم ﵀ أن النبي ﷺ قال: (وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أمرت به)، وفي حديث أبي سعيد: (قلنا: يا رسول الله! ما الجسر؟ قال: مدحضة مزلة، عليه خطاطيف وكلاليب وحسكة مفلطحة لها شوكة عقيفاء، تكون بـ نجد يقال لها: السعدان) رواه مسلم. وفي البخاري عن أبي هريرة: عن النبي ﷺ أنه قال في صفة الصراط: (وبه كلاليب مثل شوك السعدان أما رأيتم شوك السعدان؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: فإنها مثل شوك السعدان، غير ألا يعلم قدر عظمها إلا الله). قال الشراح: الكلاليب: جمع كلوب، وهو حديدة معطوفة الرأس يعلق عليها اللحم. والخطاف: الحديدة المعوجة كالكلوب يختطف بها الشيء. والحسكة: شوكةٌ صلبةٌ معروفة؛ وقيل: نبات له ثمر خشن يتعلق بأصواف الغنم. والمفلطحة: العريضة. والعقيفاء: المعوجة. وشوك السعدان: نبات ذو شوك يَرعى البدو إبلهم عنده، وهو مشهور بـ نجد، يقال: مرعى ولا كالسعدان. أراد النبي ﷺ أن يقرب لهم كيف تعلق هذه الكلاليب بأجساد الناس، وكيف تتخطف هذه الخطاطيف الناس، وتعلق بأجسادهم مثل شوك السعدان الذي يعلق، وإذا نشب لا يخرج. خامساً: أن حده مثل حد الموسى أو حد السيف؛ كما جاء في حديث سلمان ﵁: عن النبي ﷺ قال: (ويوضع الصراط مثل حد الموسى، فتقول الملائكة: من يجيز على هذا؟ فيقول الرب : من شئت من خلقي. فيقولون: ما عبدناك حق عبادتك) أخرجه الحاكم وإسناده صحيح. وفي حديث ابن مسعود الطويل:) والصراط كحد السيف دحض مزلة). إذاً: هو حاد جداً مثل حد السيف أو الموس، وبه خطاطيف وكلاليب تنهش الناس يميناً وشمالاً، ومن أسفل حدٌ كحد السيف يقطع من يمر عليه، وهو يروغ بالناس تتقاذفهم جنبتاه، فيتساقطون في جهنم إلا من شاء الله.

стр. 1322

كيفية مرور الناس على الصراط المرور على الصراط إجباري لجميع الخلق، فلا بد أن يمر عليه الذين نجوا من غير الكفار، فإن الكفار لا يمرون على الصراط؛ لأنه قد أُخِذَ بهم إلى جهنم من قبل، أما الذين يمرون على الصراط فهم المسلمون منهم الطائع ومنهم العاصي منهم البر ومنهم الفاجر منهم المؤمن ومنهم الفاسق. أما المرتدون والكفرة فقد أُخذ بهم إلى جهنم من قبل، فلا مرور لهم على الصراط.

стр. 1323

مرور المنافقين يتفاوت الناس في المرور على الصراط تفاوتاً عظيماً، وذلك لأن المرور عليه يكون بقدر الأعمال الصالحة؛ فيعطي الله كل إنسان نوراً على قدر عمله يتبعه على الصراط؛ لأن من صفة الصراط أنه مظلم إظلاما تاماً فتأمل الآن يروغ بهم وتتقاذفهم جنبتاه، وعليه كلاليب وخطاطيف وحسك، وهو كحد السيف؛ فتكون الأنوار على قدر الأعمال قال النبي ﷺ : (ويعطى كل إنسان منهم منافق أو مؤمن نوره، ثم يتبعونه) قبل المرور على الجسر يعطى كل واحد نوراً حتى المنافقون الذين دخلوا مع المؤمنين في الدنيا، ثم يبدأ المرور على الجسر، فيطفئ الله أنوار المنافقين، فتكون الخدعة الكبيرة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢]، فإذا اطفئت أنوار المنافقين سقطوا في جهنم.

стр. 1324

النور في الصراط على قدر الأعمال بقي المسلمون البر والفاجر الطائع والعاصي، فيعطون أنواراً على قدر أعمالهم، قال النبي ﷺ : (ثم يتبعونه وعلى جسر جهنم كلاليب وحسك تأخذ من شاء الله) رواه مسلم. وفي حديث ابن مسعود، عن النبي ﷺ : (فيعطون نورهم على قدر أعمالهم؛ فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل بين يديه يضيئ كل ما أمامه، ومنهم من يعطى نوره فوق ذلك، ومنهم من يعطى نوره مثل النخلة بيمينه، ومنهم من يعطى دون ذلك بيمينه، حتى يكون آخر من يعطى نوره على إبهام قدمه؛ يضيء مرة ويطفئ مرة، إذا أضاء قدَّم قدمه وإذا أطفئ قام) لا يستطيع أن يمشي لأنه نور في تلك الظلمة، فإذا أضاء له مشى، وإذا أظلم قام واقفاً؛ لأنه إذا غامر بالمشي ربما يسقط؛ فيقوم على حد السيف والكلاليب من حوله، يطفأ نوره مرة ويوقد مرة بحسب العمل، أما أولياء الله فنورهم فوق الجبل، وفي ذلك الموقف الرهيب ينطفئ نور المنافقين فيسقطون -كما تقدم- وينجو المؤمنون.

стр. 1325

سرعة المرور على الصراط الناس لهم سرعات تختلف بحسب أعمالهم في المرور على الصراط؛ لأن جهنم في الأسفل، واللهب يشتد، والنار لها زفير وشهيق، والمنظر من الأسفل في غاية الرعب؛ فإن جهنم من الأسفل توقد ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ﴾ [الهمزة:٦]، وتختلف سرعة الناس في المرور على الصراط باختلاف قوة النور الذي يُعطى لهم؛ فالنور تابع للسرعة. جاء في حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: (ويمرون على الصراط؛ والصراط كحد السيف دحض مزلة، فيقال لهم: امضوا على قدر نوركم؛ فمنهم من يمر كانقضاض الكوكب) هناك أناس يمرون على الصراط من الجهة إلى الجهة الأخرى كانقضاض الكوكب هل رأيت النجم عندما يرمى به في السماء بغاية السرعة مع المسافة الشاسعة؟ كذلك هم. قال النبي ﷺ : (ومنهم من يمر كالريح -كالإعصار في السرعة- ومنهم من يمر كالطرف -كطْرف العين- ومنهم من يمر كشد الرِّجِل أو الرَّجِل -أي: الراجل غير الراكب الذي يجري جرياً- يرمل رملاً، فيمرون على قدر أعمالهم، حتى يمر الذي نوره على إبهام قدمه، تخر يدٌ وتعلق يدٌ، وتخر رجل وتعلق رجل، وتصيب جوانبه النار، فيخلصون بعد العنا الشديد إلى الطرف الآخر، فإذا خلصوا قالوا: الحمد لله الذي نجانا منك بعد أن أراناكِ، لقد أعطانا الله ما لم يعطِ أحداً). وجاء في صحيح مسلم في صفة سرعة هؤلاء، قال النبي ﷺ : (فيمر أولكم كالبرق)، ولذلك لا يتأثر هؤلاء بجهنم مطلقاً؛ لا بخطاطيف، ولا بكلاليب، ولا بحسك، ولا بحد السيف، ولا بلهب النار، وهؤلاء هم أولياء الله، وكبار الصالحين، والعلماء العاملون (قلت: بأبي أنت وأمي! أي شيء كمر البرق؟ قال: ألم تروا إلى البرق كيف يمر ويرجع في طرفة عين؟ ثم كمر الريح، ثم كمر الطير وشد الرجال، تجري بهم أعمالهم، ونبيكم قائم على الصراط يقول: رب سلِّم سلِّم، حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفاً) زحف على حد الموسى، أو حد السيف، مع الخطاطيف من أول جهنم إلى آخرها، هكذا جزاء الله تعالى ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠]، ويقول الله في الحديث القدسي: (يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه)، يكفي هذا الموقف موقف الصراط حتى نغير كل الطريقة التي نسير عليها، ومن كان يراوغ في الدنيا فليعتدل، ومن كان يعصي الله فليتب، والله لو عقلنا الصراط فقط من دون عذاب جهنم لاعتدل سلوكنا وتغير. ثم يمر آخر واحد ويزحف زحفاً، جاء في حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: (يرد الناس كلهم النار، ثم يصدرون منها بأعمالهم، فأولهم كلمع البرق، ثم كمر الريح، ثم كحضر الفرس، ثم كالراكب، ثم كشد الرجال، ثم كمشيهم) وهذا على حسب الأعمال، فكلما كانت حسناتك أكثر كلما كان مرورك أسرع، وكلما كانت حسناتك أقل كلما كان مرورك أبطأ. وهكذا تكون السرعة على متن جهنم حسب أعمال العباد، حتى يكون آخر الناس مروراً على الصراط بعد الزاحف رجل آخر هو المسحوب؛ كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري ﵁: عن النبي ﷺ أنه قال: (حتى يمر آخرهم يُسحب سحباً) رواه البخاري، يسحب على حد السيف سحباً حتى يجاز به إلى الطرف الآخر على متن جهنم. وجاء في وصف آخر رجل في حديث ابن مسعود، قال: (ثم يكون آخرهم رجلاً يتلبط على بطنه، يقول: يا رب! لم أبطأت بي؟ فيقول: إنما أبطأ بك عملك) وهو صحيح عن ابن مسعود، وهذا لا يقال: إنه من جهة الرأي، فله حكم الرفع. وهذا الأخير مع ما لقي من العذاب الأليم إذا جاز الصراط عدَّها نعمة ما بعدها نعمة، ولذلك جاء في الحديث عن النبي ﷺ قال: (إن آخر من يدخل الجنة رجلٌ يمشي على الصراط، فينكب مرةً ويمشي مرةً، تسفعه النار مرةً، فإذا جاوز الصراط التفت إليها -إلى جهنم- فقال: تبارك الذي نجاني منك، لقد أعطاني الله -انتبهوا لعبارة الرجل؛ عبارة آخر واحد يجوز جهنم مع ما لاقاه من العذاب الأليم ما لم يعط أحداً من الأولين والآخرين)، إلى هذه الدرجة يستشعر الرجل النعمة، ويظن أنه ما أحد أعطي نعمة مثله من الأولين والآخرين من الأهوال التي رآها، فكيف بالذين يسقطون في النار؟!

стр. 1326

الأمانة والرحم على جنبي الصراط وأخبر النبي ﷺ عن صفة الصراط -أيضاً- وما يحدث عنده، فلما ذكر ذهاب الناس إلى آدم وإبراهيم وموسى ثم عيسى ثم محمد ﷺ ، قال ﵊: (وترسل الأمانة والرحم فتقومان جنبتي الصراط يميناً وشمالاً) الأمانة عن يمين الصراط والرحم عن شماله؛ يبعث الله الأمانة -والله يخلق ما يشاء- عن يمين الصراط، والرحم عن شماله. قال العلماء: لعظم شأنهما عند الله، وضخامة أمرهما، وعظم حقهما، يوقفان هناك عن يمين الصراط وعن شماله؛ لأجل أن تكونا شاهدتين للأمين وعلى الخائن، وللواصل وعلى القاطع يحاجان عن المحق فينجو، ويشهدان على المبطل فيهلك؛ فكل من خان في أمانة فليحذر، وكل من هو قاطع للرحم فلينتبه.

стр. 1327

أول من يجتاز الصراط أول من يجيز الصراط هو النبي ﷺ ثم أمته قال ﵊: (يضرب الصراط بين ظهراني جهنم، فأكون أنا وأمتي أول من يجيزها) أول من يخترق ويمر هو محمد ﷺ وأمته، وفي رواية: (فيضرب الصراط بين ظهراني جهنم، فأكون أول من يجوز من الرسل في أمته)، حتى جاء في رواية: (أنهم يفسحون الطريق يميناً وشمالاً لمحمدٍ ﷺ وأمته)، قال ﵊: (ولا يتكلم يومئذٍ أحد إلا الرسل، وكلام الرسل يومئذٍ: اللهم سلِّم سلِّم) لا يتكلم أحد مطلقاً من هول الموقف، ولا يتلفظ أحد بكلمة ما عدا الرسل، فإن عندهم قدرة على الكلام، لكن كلامهم محدود بعبارة من ثلاث كلمات فقط، وهي: اللهم سلِّم سلِّم، يدعون بالسلام للناس لهول الموقف. وفي رواية أبي هريرة عند مسلم: (إلى أن تمر أمتي كلها، ونبيكم قائم على الصراط يقول: رب سلِّم سلِّم)، وهذا من شفقته ﵊ على أمته، وكذلك الأنبياء كما جاء في رواية أبي سعيد، عن النبي ﷺ أنه قال: (والأنبياء بجنبتي الصراط، وأكثر قولهم: اللهم سلِّم سلِّم). نسأل الله تعالى أن يجعلنا في ذلك اليوم من الناجين، اللهم ثبت أقدامنا يوم تزل الأقدام، اللهم ثبت أقدامنا على الصراط يوم تزل الأقدام، وعافنا في الدنيا والآخرة يا رب العالمين. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1328

الناس على الصراط بين ناج وهالك الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً، وأشهد أن لا إله إلا هو الحي القيوم لم يتخذ صاحبةً ولا ولداً، وأشهد أن محمداً رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين. عباد الله: أما حال الناس على الصراط فهم بين ناجٍ وهالك. ذكر أبو سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ في نتيجة مرور الناس، فقال: (فناجٍ مسلم، ومخدوش مكلَم، ومكردس في النار)، وجاء في حديث أبي سعيد عند ابن ماجة، عن النبي ﷺ أنه قال في تصنيف العابرين على الصراط: (فناجٍ مسلم، ومخدوجٌ به ثم ناجٍ، ومحتبسٌ به ومنكوس فيها)، وفي رواية البخاري (فناجٍ مسلم، وناجٍ مخدوش، ومكدوس في نار جهنم)، فاتضح أن الذين يمرون على الصراط ينقسمون إلى أقسام: أولاً: ناجٍ بلا خدش؛ لا تمس منه الكلالبيب والخطاطيف شيئاً، ولا تصيبه النار مطلقا؛ قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠١]، وقال تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء:١٠٢]، وذلك من سرعة المرور ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ * ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء:١٠٢ - ١٠٣]، وأي فزعٍ أكبر من فزع ذلك اليوم؟!! أولاً: ناج بلا خدش. ثانياً: هالكٌ من أول وهلة، ساقط في النار. ثالثاً: متوسط بينهما، يصاب ثم ينجو، وكذلك جاء في رواية ابن ماجة: المحتبس به؛ أي: يحبس على الصراط حتى يطلق سراحه. وأما الناجي بلا خدشٍ، فقد ذكره النبي ﷺ بقوله: (ناجٍ مسلَّم) وهؤلاء الذين يعطون نوراً عظيماً لأجل أعمالهم، فينجون ويجوزون، قال ﷺ في حديث جابر: (ثم ينجوا المؤمنون، فتنجو أول زمرةٍ وجوههم كالقمر ليلة البدر سبعون ألفاً لا يحاسبون)، وهؤلاء هم أولياء الله الذين تعبوا في الدنيا قاموا الليالي، وصاموا الأيام، وعفوا عن الحرام، وعملوا لله، وجاهدوا في سبيل الله، بوارق السيوف على رءوسهم، فهؤلاء لا يفوت أجرهم عند الله ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [النساء:١٣]. قال (ثم الذين يلونهم كأضوأ نجم في السماء)، وأما الهالك من أول وهلة؛ فإن النبي ﷺ وصفهم بأوصاف، فقال: (مكردس في النار)، وقال: (منكوس فيها)، وقال:) مكدوس في نار جهنم)، ومن هؤلاء المنافقون، والناس الذين زادت سيئاتهم على حسناتهم، فهؤلاء يسقطون في النار ويعذبون حتى يأتي فرج الله، أما المنافقون فهم في الدرك الأسفل من جهنم. قال العلماء: المكردس الذي جمعت يداه ورجلاه وألقي إلى موضع. والمنكوس: المقلوب على رأسه؛ فرأسه إلى أسفل، ورجلاه إلى أعلى في نار جهنم. والمكدوس هو من تكدس الإنسان إذا دفع من ورائه فيسقط. والمكدوش: الذي يساق سوقاً شديداً حتى يوقع فيها. هؤلاء الذين أوبقتهم أعمالهم. أما الصنف الثالث؛ الذي يصاب ثم ينجو: فهؤلاء وصفهم بقوله: (مخدوش مكلم)، وفي رواية: (مخدوج به)، وفي رواية: (ومنهم المجازى حتى ينجى) رواه مسلم. ومعنى ذلك: أن هذا الصنف الثالث تتخطفهم الكلاليب، فتجرح أجسادهم، ثم ينجون بعد ذلك. ومعنى مخدوشٌ مكلم: خدش الجلد قشره. ومعنى مخموش: ممزوق، والمخدوش هو المخمش الممزق، والخمش تمزيق الوجه بالأظافير، والمكلم أي: المجروح. ومخدوجٌ به: من الخداج وهو النقصان؛ ومعنى ذلك: أن كلاليب الصراط والخطاطيف تجرحه وتنهشه يميناً وشمالاً، فتنقص من جسده، ويجرح طيلة الطريق وهو يعبر من أول جهنم إلى آخرها، جراحٌ وخدشٌ وخدج، أي: نقصان ينقص من جسده بحسب ما يسحب الخطاطيف والكلاليب من أجسادهم، فإذا نجوا بعد ذلك يقولون كما مر في الرواية: (الحمد لله الذي نجانا منكِ بعد أن أراناكِ، لقد أعطانا الله ما لم يعطِ أحداً) هذا كلامهم إذا نجوا.

стр. 1329

تذكروا الصراط وأعدوا له حسنات وقد نصب الصراط لكي يجوزوا فمنهم من يكب على الشمال ومنهم من يسير لدار عدن تلقاه العرائس بالغوالي يقول له المهيمن يا وليي غفرت لك الذنوب فلا تبال قال القرطبي ﵀: فتفكر الآن فيما يحل بك من الفزع بفؤادك، إذا رأيت الصراط ودقته، ثم وقع بصرك على سواد جهنم من تحته، ثم قرع سمعك شهيق النار وتغيظها، وقد كلفت أن تمشي على الصراط مع ضعف حالك، واضطراب قلبك، وتزلزل قدمك، وثقل ظهرك بالأوزار المانعة لك من المشي على بساط الأرض فضلاً عن حدة الصراط، فكيف بك إذا وضعت عليك إحدى رجليك فأحسست بحدته، واضطررت إلى أن ترفع القدم الثاني، والخلائق بين يديك يزلون ويعثرون، وتتناولهم الخطاطيف والكلاليب، وأنت تنظر إليهم كيف ينكسون فتسفل إلى جهة النار رءوسهم، وتعلوا أرجلهم، فياله من منظرٍ ما أفظعه! ومرتقىً ما أصعبه! ومجازٍ ما أضيقه! ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة:١٩٧]. عباد الله: إن الورود على الصراط هو المقصود بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ [مريم:٧١ - ٧٢] فما من أحدٍ منا إلا وهو سيمر على جهنم؛ فإن نجا عرف نعمة الله عليه، وإن هلك ففي النار، فليس لأحدٍ -حتى الأنبياء- إلا وهم يمرون على جهنم ولا بد؛ لأن الله قال: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً﴾ [مريم:٧١] فلا بد من الورود على جهنم؛ وقد فسر كثيرٌ من العلماء الورود بالمرور على الصراط، وقال بعضهم: بالدخول ولكنها لا تؤذي المؤمنين فينجيهم الله تعالى ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ [مريم:٧٢]. عباد الله: من أراد النجاة فلينجُ من الآن قبل أن يندم حين فوات الأوان. نسأل الله أن يجعلنا في ذلك الموقف من الناجين، وأن يرزقنا شفاعته عند الصراط؛ فإن أنس بن مالك ﵁ قال: (سألت النبي ﷺ أن يشفع لي يوم القيامة، فقال: أنا فاعل، قلت: يا رسول الله! فأين أطلبك؟ -هؤلاء الأولون والآخرون أين أجدك وسط هؤلاء؟ - قال: اطلبني أول ما تطلبني على الصراط. قلت: فإن لم ألقك على الصراط؟ قال: فاطلبني عند الميزان. قلت: فإن لم ألقك عند الميزان؟ قال: فاطلبني عند الحوض فإني لا أخطئ هذه الثلاثة المواطن) رواه الترمذي وهو حديث حسن. فمن وفقه الله بمحبته للنبي ﵊، ومتابعته لسنة محمد ﷺ ، وإيمانه بما جاء به ﷺ ، فإن الله يرزقه شفاعة نبيه في تلك المواطن العظيمة. فهانحن قد عرفنا حال الصراط فقط، ولا نتكلم الآن عن عذاب جهنم بل عن الصراط فقط، فماذا أعددنا لذلك اليوم يا عباد الله؟ ماذا أعددنا للجواز على الصراط؟ نسأل الله تعالى أن يردنا إلى الدين رداً جميلاً، اللهم عافنا واعف عنا، نحن عبادك المقصرون المحتاجون إلى رحمتك فلا تحرمنا من رحمتك يا رب العالمين، وأنقذنا على الصراط يا أرحم الراحمين، وارزقنا الفوز بجنات النعيم. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 1330

ثغرات تسدها المرأة المسلمة إن الله حمَّل بني الإنسان قاطبة ذكرهم وأنثاهم الأمانة والمسئولية، فدور المرأة لا يقل عن دور الرجل في الدعوة إلى الله ، فكما أن للرجال ثغرات يجب عليهم سدها فكذلك للنساء ثغرات يجب عليهن سدها، ومن هذه الثغرات: ثغرة تعلم العلم وتعليمه، وثغرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وثغرة الأولاد، وثغرة الزوجية وحقوق الزوج، وغير ذلك من الثغرات التي يجب على المرأة سدها والقيام بها.

стр. 1331

المرأة المسلمة ودورها في سد ثغرات الإسلام الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أيتها النسوة! السلام عليكن ورحمة الله وبركاته. وبعد: فهذه مناسبةٌ طيبة للقاء هنا من وراء الحجاب كما أمر الله ، ونكرر هذا دائماً تنبيهاً على هذا الأمر المهم، وهو قول الله وأمره بالحجاب، وبمخاطبة النساء من وراء الحجاب. يا معشر النساء! إنكن في هذه الحياة الدنيا مسئولات أمام الله يوم القيامة عما تعملن في هذه الحياة الدنيا، والمسئولية كبيرة وكبيرةٌ جداً وخصوصاً إذا عرفت المرأة دورها، فإن كثيراً من النساء لا يعرفن أدوارهن إلا القليل، وقلةٌ من النسوة اللاتي يقمن لإنقاذ الموقف المتردي الذي وصل إليه المجتمع، والذي تقهقر إليه كثيرٌ من طبقاته وأسره وأفراده، قلةٌ من النسوة اللاتي يدركن ما أمر الله به وما نهى عنه، وقلةٌ منهن اللاتي يعين ما هو الدور المطلوب الذي ينبغي على المرأة أن تقوم به. أيتها الأخت المسلمة! (كلكم راع وكلكم مسئولٌ عن رعيته) وأنت وكل واحدةٍ منكن على ثغرةٍ من ثغرات الإسلام، فالله الله أن يؤتى الإسلام من قبلك، كل واحدة على ثغرة في بيتها في مدرستها في مجتمعها، أو مكان عملها، وحتى في ساحات الجهاد كلكن على ثغرة، ومع الهجمة الشرسة التي يتعرض لها المجتمع المسلم من قبل أعداء الله اليوم سواءً كان هجوماً فكرياً، أو هجوماً عسكرياً ونحو ذلك، فإن هذا الهجوم يتطلب دفاعاً وهجوماً مضاداً، ينبغي عليك يا أيتها المرأة القيام به. مفهوم سد الثغرة في حياة المرأة المسلمة اليوم يكاد أن يكون مفقوداً؛ نظراً لأن كثيراً من النساء وقعن في اللهو، وانصرفن عما أمر الله به، فبدلاً من أن تعيش لهذا الدين، وتبذل لهذا الدين، وتقوم بما أمرها الله به من عبادته، والدعوة إليه، وتربية الأولاد، وإنكار المنكر، والدعوة إلى الله، وتعليم الأخريات العلم الشرعي، نجد بدلاً من هذا كله انصرافاً إلى مباهج الحياة الدنيا وملذاتها إلى الثياب الحفلات السهرات الأسواق السفريات ونحو ذلك، بحيث أنه قد صار هناك خللٌ كبير في هذه الحياة التي نعيشها اليوم بسبب انصراف المرأة عن المهمة والواجب المطلوب. المرأة في ثغرة الأمومة لها دورٌ عظيم المرأة في ثغرة الحياة الزوجية عليها واجب كبير المرأة في ثغرة التعليم والدعوة عليها مسئوليات جسام المرأة في العمل طباً وتمريضاً وتدريساً ونحو ذلك تواجه مشكلاتٍ متعددة، والمرأة في الأعمال الخيرية أدوار مفقودة، وأدوار عليها ملاحظات، وأدوار تحتاج إلى تكميل المرأة في التبليغ عن المنكرات ومحاربة الفساد ثغرة عظيمة تحتاج إلى القيام بالمسئولية. أنت تعلمين يا أيتها المرأة المسلمة أن المسئولية ستسألين عنها أمام الله ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ [مريم:٩٥] وأقول لك: إن المرأة التي تلقي بالمسئولية على الأخريات، وتقول: يوجد هناك من الداعيات من يقوم بالمسئولية، فتريد أن تنصرف هي لملذات الحياة الدنيا والعبث واللهو؛ امرأة ما عرفت الله ولا حق الله، وكثيرٌ من الثغرات الموجودة في المجتمع مهمة عظيمة تقوم بها امرأة واحدة، لقد قامت النسوة من الصحابيات رضوان الله عليهن بأمورٍ كثيرة في الحياة التي سُطِّرت ونقلت إلينا، وكذلك فإن النساء الكافرات اللاتي يعملن بجد لقضاياهن المنحرفة، وعالم التيه والضلال الذي يسعين إلى نشره وإقراره في المجتمع، أحياناً تكون المرأة التي نشرت لواء الفساد ورفعته في مكانٍ ما في زمن ما، ولعل المرأة المسلمة إذا عرفت الدور السيئ الذي قامت به امرأة واحدة ربما تتشجع هي أن تقوم بدورٍ طيب، أنت تعلمين أن النبي ﷺ مات مسموماً مقتولاً، لم تكن ميتته ميتةً طبيعية وإنما كان موته بالسم؛ أثر السم بقي في جسده ﵊ ويعاوده كل فترة حتى كانت النهاية، وقضاء الله محتوم، وأجله اللازم المكتوب. إن الذي تسبب في موت النبي ﵊ ليس جيشاً عرمرماً، ولم يكن رجلاً أو رجالاً، لكن المتسبب في قتل النبي ﵊ بالسم هي امرأة من اليهود، جاء النبي ﵊ إليهم عندما دعوه إلى طعام، فسألت امرأة من اليهود ماذا يحب النبي ﷺ من الشاة ومن اللحم؟ فلما علمت أنه يحب الكتف أكثرت من السم في الكتف، فحضر النبي ﷺ وأكل من الطعام وأكل معه عددٌ من الصحابة، ثم أخبرته الشاة المطبوخة بالسم الموجود؛ فكف ﵊ عن الطعام ولم يفعل شيئاً للمرأة، ولكن بعد أن مات أحد الصحابة بالسم اقتص منها فقتلت، وصار هذا السم الذي أكله ﷺ يعاوده بين فترةٍ وأخرى، نوبات من الحمى، حتى كانت النوبة التي مات فيها ﷺ ، وقال لـ عائشة: (لا زالت أكلة خيبر تعاودني)، وقال () يا عائشة! لا أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت في خيبر)، وقال أيضاً: (فهذا أوان انقطاع أبهري) وهو عرقٌ بين القلب والظهر إذا انقطع مات الإنسان. وكما قامت في مطلع هذا القرن عدد من النسوة المعدودات المشهورات بأدوار عظيمة من الفساد؛ كما فعلت هدى شعراوي، وكما تفعل عابدة حسين وغيرهن من النسوة في قضية تحرير المرأة، ونشر الفساد، وتتابع على ذلك أهل الفساد نساءً ورجالاً، وهدى شعراوي هي التي قادت المظاهرة التي انتهت بإلقاء الحجاب على الأرض وإشعال النار فيه، والزعم بأنه قد آن الأوان لتحرير المرأة العربية، فامرأة واحدة تدمر جيلاً، وهكذا قمن هؤلاء النسوة السيئات بأدوارٍ من الفساد معلومة، والذي يقرأ كتاب: تحرير المرأة للأستاذ الشيخ: محمد قطب وغيره يدرك حجم الكارثة، وخطورة الدور الذي قام به بعض النسوة. امرأة واحدة أحياناً تكون سبباً في تدمير جيل، أو محاربة حكم شرعي كحكم الحجاب مثلاً، فماذا تفعلين أنت أيتها المرأة الواحدة من أجل نشر الإسلام والعقيدة؟ ومن أجل إعادة النسوة إلى حياض الدين، وإلى الواقع الإسلامي الصحيح؟ إن الطريق الذي يؤدي إلى تحقيق مطلوب منك هو استشعارك بالثغرة التي ينبغي أن تكوني عليها، والمسئولية الملقاة على عاتقك، والشعور بأن الله سبحانه سيحاسبك عن كل صغيرةٍ وكبيرة. نحن اليوم -على سبيل المثال- يا معشر النساء نعاني من جهل كبير في الأحكام الشرعية على مستوى النساء الموجودات في المجتمع، فماذا فعلتِ أنت في مسألة تعلم هذا الدين وتعليمه؟

стр. 1332

ثغرة تعلم الدين وتعليمه النساء هناك ثغرة كبيرة في قضية الأحكام الشرعية وجهل النسوة بها، ودائماً إذا طرقنا مثل هذه المواضيع نحب أن نعود إلى الماضي لنتلمس ماذا كان يحصل في عالم الصحابيات الأول من هذه الأمة، وكان النسوة على عهد النبي ﷺ يسألن ويتعلمن ويعلمن وينقلن العلم، بل كن يساعدن النبي ﷺ في تعليم النساء. عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري، عن جدته أم سليم قالت: كانت مجاورة أم سلمة زوج النبي ﷺ ، فكانت تدخل عليه، فدخل النبي ﷺ ، فقالت أم سليم: (يا رسول الله! أرأيت إذا رأت المرأة أن زوجها يجامعها في المنام أتغتسل؟ فقالت أم سلمة: تربت يداك يا أم سليم! فضحت النساء عند رسول الله ﷺ ، فقالت أم سليم: إن الله لا يستحيي من الحق، وإنا إن نسأل النبي ﷺ عما أشكل علينا خيرٌ من أن نكون منه على عمياء، فقال النبي ﷺ لـ أم سلمة: بل أنت تربت يداك -أي: أنت أخطأت يا أم سلمة بطلبك منها أن تفعل الكلام واعتبارك السؤال الفقهي فضيحة- ثم قال: نعم يا أم سليم، عليها الغسل إذا رأت الماء، فقالت أم سلمة: يا رسول الله! وهل للمرأة ماءٌ؟ فقال النبي ﷺ : فأنى يشبهها ولدها؟ هن شقائق الرجال) والحديث حسن بمجموع طرقه، وله ألفاظ متعددة. وكان النبي ﷺ يستمع لإجابات النساء ويبادر إلى تعليم النسوة حتى ولو لم يطلبن ذلك كما حصل في خطبة العيد، لكن المرأة أيضاً هي التي تحمس النبي ﵊ وتطلب منه درساً خاصاً، ويأتي وفد النسوة إلى النبي ﵊ ليقولن: ذهب الرجال بحديثك فاجعل لنا يوماً تأتينا فيه، فواعدهن يوماً معيناً في بيت فلانة؛ فجاء النبي ﷺ فعلمهن. إذاً النسوة هن اللاتي يطلبن العلم ويردن العلم، وكذلك فإنهن إذا سمعن شيئاً استأصلن واستفسرن كما جاء في حديث مسلم ﵀، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: (يا معشر النساء! تصدقن وأكثرن الاستغفار؛ فإني رأيتكن أكثر أهل النار، فقالت امرأة منهن جزلة -أي: ذات عقلٍ ورأي، لم تكن سفيهة، ولم تكن سليطة، ولا متمردة، لا بصياحٍ ولا اعتراض على النبي ﵊، وإنما سؤالٌ متأدب- وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار؟ قال: لأنكن تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، وما رأيت من ناقصات عقلٍ ودين أذهب لذي لب -أي: صاحب العقل- منكن، قالت: يا رسول الله! وما نقصان العقل والدين؟ -استفسرت المرأة مرةً أخرى- قال: أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل -فهذا نقصان العقل، وهذا شيء من خلقة الله للمرأة، المرأة ليس لها ذنب في هذا، الله خلقها هكذا، فيها هذه العاطفة التي قد تغلب عقلها كثيراً، فلأجل ذلك جعل شهادة امرأتين بشهادة رجل، فإذا أدت الشهادة كما أمر الله فليس عليها شيء أبداً- وتمكث الليالي لا تصلي، وتفطر في رمضان، فهذا نقصان الدين) وهذا خبر وليس بوعيد؛ ما توعدهن على أنهن ناقصات عقلٍ ودين، إنما هو خبر يخبر عن شيء من أمر الله في خلقه في النساء، ولذلك فإنه ﷺ بيَّن لهن وبيَّن للمرأة أنها: (إذا صلت خمسها، وصامت شهرها، وحصنت فرجها، وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي الجنة من أي الأبواب شئت). إذاً: عليها مسئوليات معينة ينبغي القيام بها. المرأة أيضاً كانت تساعد النبي ﷺ في التعليم، وهذا واضح من قصة عائشة ﵂ لما جاءت امرأة تسأل النبي ﷺ عن غسلها من المحيض، فأمرها كيف تغتسل، قال: (خذي فرصةً ممسَّكةً؛ -وهي قطعة من الصوف أو القطن فيها شيء من الطيب- فتطهري بها، قالت: كيف أتطهر؟). إذاً: هي كما قال النبي ﷺ عندما سألته أسماء عن غسل المحيض؟ قال: (تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها فتطهر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكاً شديداً حتى تبلغ شئون رأسها، ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فرصةً ممسكةً فتطهر بها، فقالت أسماء: فكيف تطهر بها؟ فقال: سبحان الله! تطهرين بها، وفي رواية: تطهري بها، قالت: كيف أتطهر؟ قال: تطهري بها، قالت: كيف؟ قال: سبحان الله تطهري) النبي ﷺ لا يريد أن يقول أكثر من ذلك. هنا يأتي دور المرأة؛ المرأة مع المرأة، الرجل ليس من المناسب أن يشرح هذا، والنبي ﵊ كان أشد حياءً من العذراء في خدرها؛ العذراء التي ليس لها عهد بالرجال، إذا كانت في مخدعها فدخل عليها رجلٌ أجنبي فجأة فماذا يكون حالها من الاستحياء؟ هكذا كان النبي ﷺ أشد حياءً من العذراء في خدرها، فهنا تدخلت عائشة هذا التدخل الحكيم، قالت عائشة: (فاجتذبتها وقلت: تتبعي بها أثر الدم) فأرشدتها عائشة إلى غسل مكان خروج دم الحيض بهذه الفرصة الممسكة أو المطيبة. وهذا الحديث يدل على استعمال الكنايات فيما يتعلق بالعورات، والاكتفاء بالإشارة في الأمور المستهجنة. ويدل كذلك على سؤال المرأة العالم عن أحوالها التي يحتشم منها، وعدم ترك المسألة بغير سؤال، وتبقى المرأة على جهلها وهذه مصيبة. وكذلك على المرأة أن تستر عيوبها حتى عن زوجها، ولو كانت هذه العيوب مما جبلت عليها، وهي هذه الرائحة الكريهة، فإنها تتخلص منها حتى لا يتأذى الزوج. وكذلك فيه تعليم النساء بعضهن بعضاً فيما يستحيا من ذكره في حضرة الرجال، فالمرأة لما راجعت النبي ﵊ تدخلت عائشة بالشرح إنقاذاً للموقف، وصيانة للنبي ﷺ . أقول: يا أيتها المرأة! الآن نحن في عالم يسود فيه الجهل، ووجد نساء لا يعرفن أن صلاة الفجر ركعتين فتصلي أربعاً، وعدد من النساء يصلين صلاة الظهر يوم الجمعة ركعتين تظن أن صلاة الظهر يوم الجمعة ركعتين مثل الرجال وهي تصلي في بيتها، وهذا ضلال مبين؛ فإن صلاة الظهر أربع ركعات في بيتها، وبعض النساء تقتدي بالإمام في بيتها وتقتدي بإمام الحرم من الشاشة، والجهل كثير، ولو انتقلنا إلى الزكاة وأحكام زكاة الذهب وما يتعلق به، ولو انتقلنا إلى بدع الحداد الكثيرة جداً المنتشرة في البلاد الإسلامية لوجدنا جهلاً كثيراً يبدأ من إنكار قضية الحداد بالكلية، وحتى اختلاط هذا الحكم بكثيرٍ من البدع التي ما أنزل الله بها من سلطان؛ كمسألة تحريم النظر في المرآة، ووجوب قلب السجاد، وتحريم النظر من الشباك، وتحريم النظر إلى القمر، وتحريم التحرك في سطح البيت وفي ساحته، وتحريم المشي بالحذاء، وتحريم مصافحة المرأة المتزوجة، وتحريم الهاتف، ونحو ذلك من الأشياء التي ما أنزل الله بها من سلطان. على أية حال نقول: هذه ثغرة، وهذا بعض ما ينبغي.

стр. 1333

ثغرة التعليم والتدريس ننتقل الآن إلى ثغرة أخرى من الثغرات التي تسدها المرأة المسلمة: وهي قضية التعليم والتدريس. لا يصلح أن يشتغل الرجال بتعليم النساء على نطاق واسع، ولا يتمكن الرجال من هذا، وليست هناك طاقات كافية لفعل هذا أصلاً، وحال الفتن الموجودة في المجتمع لا تسمح بالتوسع في تعليم الرجال للنساء، بل إن المصيبة الكبيرة في بلدان المسلمين مسألة الاختلاط في التعليم في المدارس والجامعات، وينشأ عن ذلك من العلاقات المحرمة والفتن ما لا يعلمه إلا الله. وهنا المرأة التي تشتغل في التعليم والتدريس على ثغرة، إذا وجدت في تلك الثغرة فإن عليها مسئولية؛ وهذه مسئولية شائكة ومعقدة؛ نظراً للمستوى المتدني في الدين والخلق الذي صارت عليه الفتيات والطالبات اليوم في المدارس، والمرأة في التدريس لا شك أنها بادئة ذي بدء يجب عليها أن تتأكد من سلامة الموقع والموقف، وأن تتأكد أن عملها في هذا المجال لا يفوت عليها واجباتٍ أهم كالزوج والأولاد والبيت، فإذا لم تكن بذات زوج، أو كان لا يتعارض عملها مع المصالح العظيمة التي أمر بها الشارع في الاهتمام بالزوج والأولاد والبيت، فعملت في قطاع التدريس مثلاً؛ فإن عملها في هذا القطاع هو محاولة بالقيام بسد شيء من الثغرة الكبيرة الموجودة في عالم تدريس البنات، لأن تدريس البنات في هذا الزمان قد انتشر، وصار الإيمان عند الجميع بأن البنت يجب أن تدخل المدرسة وتتعلم، وتدرس المواد المختلفة ولو كانت تشابه المواد التي يدرسها الرجل، ولو كانت لا تحتاج إليها في حياتها؛ كالمعادلات، والرياضيات، والكيمياء، والفيزياء ونحو ذلك من الأشياء، والمرأة قد لا تستطيع أن تغير نظام التعليم ولكن ينبغي عليها تكثيف المطالبة بما يناسب البنات من المناهج الدراسية، وكتابة الملاحظات الملخصة على المناهج الموجودة، والمطالبة بالتعديل، والنصح في الله من أجل الوصول إلى مستوى أفضل في قضية نوعية المناهج التي تقدم إلى البنات والفتيات في المدارس، والمعلمة في المدرسة لا شك أنها على ثغرة من عدة جهات: فمنها: وجوب أن تكون قدوة؛ وكثير من المعلمات في المدارس يلبسن الكعب العالي، ويضعن العطورات، ويجعدن الشعر، ويلبسن ما يحسر عن القدمين، وغطاء شفاف، ومكياج، ثم يأمرن الطالبات بالالتزام بالحجاب الشرعي وتعليمات إدارة تعليم البنات ونحو ذلك!! ونتساءل ونقول: من أين ستنفذ الطالبات هذه التعليمات؟ وكيف ستكون الطاعة والالتزام إذا كانت الآمرة الناهية لا تأتمر بأوامر الشريعة ولا تنتهي عما نهى الله عنه؟ ولا شك أن انحدار مستوى البنات في المدارس من أسبابه: عدم وجود القدوات من المعلمات الصالحات بالشكل الكافي في المدارس، ولو استعرضت في عدد المدرسات في المدارس عن المتمسكات بالدين منهن لما زلنا نحس بالقصور الكبير في هذا الجانب. وكذلك فإن عدداً من هؤلاء المدرسات لا يتعدين المنهج من جهة تقديمه، وأحياناً بغير إخلاص في التدريس، ولكن المقصود: أن تقديم المواد الجامدة من غير توجيه شرعي ومتابعة إسلامية هو قصور في وظيفة المعلمة في المدرسة، فإن كثيراً من البنات يحتجن إلى رعاية وتوجيه، أشد من الحاجة لشرح المادة ذاتها، والمعلمة يجب أن تعطي من وقتها ما تقدم به لدينها، أما أنها تأتي وتلقي الدرس وتأخذ راتباً في آخر الشهر فلا أظن أن هذا إخلاص وقيام بواجب الدين في المدرسة، ستلاحظ أن فلانة من الطالبات تصرح بأنها لا تصلي، وإذا سئلت تقول: لماذا أصلي وأنا الأولى دائماً في الفصل؟ وعلى النقيض من ذلك؛ قالت بنت ذات مرةٍ بعد خروج النتائج النهائية وعرفت أنها رسبت: لماذا أصلي وقد رسبت؟ فسأترك الصلاة، وبعض الطالبات ربما يصرحن بالشك في دين عقيدة المسلمين، ويقلن: ما يدرينا أن الإسلام هو الحق، وقد يكون الحق مع اليهود أو النصارى، فلا بد أن نعرف عقيدة أولئك القوم ونحو ذلك، وكثير من الأشياء التشكيكية تأتي عبر قراءة المجلات المنحرفة الموجودة بين أيديهن مما يصل إليهن من خلال ما تقذفه المطابع المختلفة في أنحاء العالم شرقاً وغرباً من أنواع الفساد المسطر والمصور في هذه المجلات والمنشورات، وهذا بالنسبة للفساد العقدي أو الفساد من جهة الأركان. وأما الفساد من جهة الخلق والعلاقات المحرمة مما يحدث في الهواتف، والخروج مع الأجانب، والحجاب، أو الثياب اللاتي يرتدينها، أو تعاطي المواد المحرمة، فهذا أمرٌ كثيرٌ جداً، ولذلك فإن المرأة المعلمة المسلمة تشعر فعلاً بأن هناك مسئولية كبيرة، وأن مواجهة هذا الفساد لا يعين عليه إلا الله، والمنكرات الموجودة في أوساط الطالبات، منها: الإعجاب بالممثلات والمغنيات، بل عشق صور اللاعبين وتشجيع الفرق، ونحو ذلك، لا شك أنه شيء سيئ جداً يحتاج إلى مقاومة كبيرة تغرسها هذه المعلمة في نفوس الطالبات، وتقرير مبدأ الولاء والبراء في نفوس الطالبات، فتكره الطالبة كل كافرٍ وكافرة، وتحب كل مسلم ومسلمة، وتشعر بالولاء لدين الله ولمن سار على هذا النهج، وتشعر بالعداء والكره والبغضاء لكل من يعادي هذا الدين ولو كان جميل الصوت أو جميل الخلقة ونحو ذلك. وتمشي هذه المعلمة بالعدل بين الطالبات، فلا تعامل واحدة معاملة خاصة بدون سبب شرعي، وكذلك فإنها تعدل في الدرجات والامتحانات ونحو ذلك. ومن الأمور المهمة التي تفشت بين الطالبات والتي ينبغي على المعلمات الانتباه لها والقيام بمعالجتها: مسألة العشق والتعلق الحاصل عند بعض البنات في المدارس، ومسألة الإعجاب الذي يبدأ بالإعجاب وينتهي بالعشق. إعجاب فتعلق فعشق يضاد التوحيد، وقد يوقع في الشرك والكفر والعياذ بالله، عندما تصرح مثلاً بأن علاقتها محبة فلانة حب عبادة، ونظرات حارة وخطابات ومكاتبات وكلام ونحو ذلك، وتصريح أحياناً يصل إلى درجة الوقاحة لقضية التعلق بالمعلمة وأنها وراءها ووراءها لن تتركها ونحو ذلك، فهنا يجب أن يكون العلاج حاسماً، وأن تكون المعلمة على مستوى فهم المشكلة، تفهم المشكلة ويكون عندها خبرة من خلال القراءة والممارسة والتفكير والسؤال بكيفية العلاج، وإيقاف هذه القضية عند حدها؛ لأن هذه المسألة لها علاقة بالعقيدة، وتؤدي إلى أن تصبح في محبتها لغير الله أشد من محبتها لله. وكذلك فإننا نغادر هذه النقطة لننتقل إلى نقطة أخرى، وهي: المرأة في ثغرة الأمومة والأولاد.

стр. 1334

ثغرة الأمومة والأولاد لا شك أن الله قد جعل المرأة سكناً للزوج، وقص علينا أن من نعمه أنه خلق لنا من أنفسنا أزواجاً لنسكن إليهن وجعل بيننا وبينهن مودة ورحمة، وأنه ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٨٩] ولفت النظر إلى أن المرأة والحمل في بطنها قد بدأ وقبل ذلك أن تبتغي بهذا النكاح وجه الله، وإنجاب الأولاد لتربيتهم على الدين، وليست قضية الولد مجرد شهوة دنيوية تعير بها المرأة العاقر التي لا تنجب، ويستهزأ بها من بعض الفاسقات، ولا قضية الولد مجرد أرحام تدفع وأرض تبلع، المسألة أعظم من ذلك. إن قضية الإنجاب لها ضوابط شرعية، فإن النبي ﷺ قد حثَّ على التكاثر، فلا ينبغي معاكسة رغبته ﷺ بالتكاثر في هذه الأمة عبر استخدام هذه الوسائل من حبوب منع الحمل ونحوه التي تمنع الإنجاب مؤقتاً، أو استخدام الوسائل التي تمنع الإنجاب بالكلية؛ مثل ربط المبايض، وبعض العمليات التي تجرى لإيقاف الولادة، أو إيقاف الحمل بالكلية، وهذا يكون من عدم تقدير النعمة وإعطائها حقها لما أنعم الله بها وشكر النعمة، ولذلك فإن العلماء قالوا مثلاً في موضوع الموانع: على المرأة ألا تتعاطى مانعاً يمنع الحمل بالكلية فهذا حرام، وإذا تعاطت مانعاً فإنها لا تتعاطاه أكثر من سنتين من أجل تحصين مصلحة الولد الأول وإرضاعه، وألا يكون ضاراً بها، وأن تكون الموافقة من الزوجين على ذلك، فالمسألة من أول الإنجاب فيها أحكام شرعية من بداية الحمل قضية الحمل وعدم الحمل فيها أحكام شرعية، ثم إنه صار في بطنها فإنها تسأل الله أن يجعله من الصالحين سواءً كان صالحاً في بدنه أو صالحاً في دينه فكلاهما مراد، فهي تسأله أن يكون تام الخلقة تام الجسد ليس فيه عاهة ولا تشويه ولا عيب، وكذلك فإنها تسأل ربها أن يكون صالحاً في دينه، فإذا وضعته بعد العناء فإنها تحتسب الأجر والله يعلم كم من السيئات تكفر بسبب الألم الذي تجده الحامل عند وضع الحمل، وهذا أمرٌ لا تفقهه كثير من النساء، ولذلك فإنهن يعمدن إلى التقليل من الأولاد، ويردن ألا يشعرن بالألم، وألا يحصل لهن مشقة، وهذا غير ممكن. أقول: أيتها النسوة! إن المجيء بالولد والإتيان به لا شك أنه يترتب عليه مسئولية كبيرة، وغرس مبادئ العقيدة في الطفل أمر مهم في غاية الأهمية، وكلما تدرج الولد ينبغي أن تقوم بحقه في التعليم، خصوصاً في غمرة انشغال بعض الآباء وإهمالهم فإنه لا يبقى من صمامات الأمان إلا المرأة التي تراقب وتربي الولد، وكثير من الانحرافات التي حصلت عند الأولاد بسبب إهمال المرأة لهذه التربية، ثم بعد ذلك نحصد ونجني الثمار المرة المترتبة في كثير من الانحرافات. نقول: إن المرأة ينبغي عليها أن تعلم ماذا تعلم الولد، وماذا يناسب عقله، وأن تتحلى بالصبر وعدم العجلة، وكذلك تغرس في نفس هذا الطفل الأمور الكثيرة المتعلقة بمحبة الله ورسوله ودينه، وهذه الأمور ينبغي أن تركز عليها المرأة في تعليمها لولدها، وتذكيره بالله، أو تعليمه الأذكار، أو تحفيظه القرآن، أو تشجيعه على الصيام، أو تهيئه للنوم المبكر حتى لا يسهر ويستطيع يقوم لصلاة الفجر، وأن يعود على الأذكار الشرعية؛ كآداب النوم وأذكاره، والطعام وأذكاره، وآداب الخلاء وأذكاره، وآداب العطاس وأذكاره، وآداب السلام ونحو ذلك من الأمور، وتقديم سيرة النبي ﷺ في طريقة القصص المبسطة الجذابة من مسئولية الأم التي ينبغي عليها أن تغرسه في نفس طفلها، وأن تعلمه سرعة الاستجابة للنبي ﷺ ، كيف استجاب له علي وهو صبي؟ وكذلك فإن قصص التضحية في سبيل نصرة النبي ﵊ والدفاع عنه كثيرة، قصي عليه قصة ابني عفراء، وأخبريه بأحداث أنس بن مالك الذي كان يخدم النبي ﷺ وهو صبي صغير، وأخبريه ببعض مغازيه ﵊ وجهاده، وكيف لو أنه ﷺ كان حياً وكان هناك شخص يهجم عليه وكان هناك إنسانٌ مسلم موجود بجانبه لوجب أن يتلقى القتل دونه؛ لأن حمايته ﷺ وتقديمه على النفس واجب، لو انطلق سهم باتجاه النبي ﵊ وهناك مسلم بجانبه لوجب عليه أن يتلقى السهم ويقوم يقول: نحري دون نحرك يا رسول الله! أي: تفديته بالنفس واجب. هذه أمور ينبغي أن تغرس في الأطفال مع مسألة تحفيظهم بعض أحاديث النبي ﷺ المناسبة لهم. أيتها المرأة المسلمة! الكلام طويل وليس هذا موضعه، لكن المسألة الآن شحذ الهمم للقيام بهذه المسئولية، لأننا الآن لو نظرنا في هذه المآسي التي ترتبت -كما قلت لك قبل قليل- عن موضوع غياب التربية الإسلامية من قبل الأم والأب كذلك مشارك في طبيعة الحال لوجدنا هذه المسألة مسألة شنيعة جداً، حوادث سرقات الأطفال التي يقومون بها، الاعتداء على البيوت، ومحاولة الاعتداء على الخادمات، وتسلق جدران مدارس البنات، وكتابة الكلام البذيء، وتخريب المرافق العامة، وكتابة الكلمات البذيئة على حمامات المساجد، بل وتخريب بعض المساجد ومكبرات الصوت، وإيذاء المصلين من الخلف، والقيام بالفواحش بأنواعها، بل تصل إلى القتل، والتجسس على النساء، والنظر إلى نساء الجار من خلال الشقوق والنوافذ وشبابيك الحمامات، وغير ذلك من الأمور المأساوية التي تعج بها مجتمعاتنا، وإطالة الشعور والأظفار، بل حتى القذارة في الجسد، وعدم الاكتراث لنظافته هذا نابع من طبيعة بيئته، عندما تعوده على القذارة فيخرج قذراً، ولا تهتم بنظافته يخرج وسخاً، بل وصل الأمر ببعض الأمهات لما عوتبت على القمل في رأس ابنتها أنها قالت: نحن نفتخر به، سبحان الله! كيف تصل الأمور إلى هذه الدرجة، هؤلاء الشباب الآن الذين يشتغلون بالمعاكسة في الهواتف والأسواق، ويغرون بنات المسلمين بالذهاب معهم، وتحدث بعد ذلك الكوارث، بل إنهم يخونون الجار في زوجته وينتهزون فرصة خروجه للدوام والمناوبة ونحو ذلك، هذه الأشياء نتيجة أي شيء؟ فساد البنات الصغيرات لا يتوقع من بنت أن يكون عندها هذا المستوى في الفساد في خامسة أو سادسة ابتدائي والمرحلة المتوسطة أدهى وأمر، التدخين عند الأولاد، كما أن المكياج والسفور عند البنات، والملابس غير المحتشمة ولا الشرعية، هذه نتيجة أي شيء؟! ما يحدث من هذه المآسي، وانتشار الأغاني، والأشرطة الإباحية والخلاعية، وإلقاء الأرقام، وأخذ الأرقام؛ هذه أشياء كلها نتيجة لأمر واحد وهو: إهمال الأولاد، والله يحاسب: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) فأنت ستقفين أمام الله لكي يحاسبك عما قدمت وعما اقترفت يداك، ويحاسب عن التقصير والإهمال، حتى يسأل الرجل عن أهل بيته، ويسأل المرأة عن بيت زوجها. وكثير من العقد النفسية عن الأطفال نتيجة فقدان الحنان، المفروض أن يكون من المرأة كما وصف النبي ﷺ (صالح نساء قريش أحناهن على ولد في صغره). وكذلك هي تحافظ على مال زوجها وهو عندها، كما أنها تحفظ فرجها في غياب زوجها، كما أخبر النبي ﷺ .

стр. 1335

ثغرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أيتها النسوة! إن هناك عدداً من الثغرات الأخرى، مثل: قضية دورك أنت في مقاومة المنكرات، كما قلنا: المجتمع فيه منكرات كثيرة في مستويات مختلفة، فمثلاً: هناك منكرات في العقيدة، كم عدد النساء اللاتي يذهبن إلى السحرة والساحرات؟ كم عدد النساء اللاتي يذهبن إلى العرافين والكهان؟ كم عدد النسوة اللاتي يذهبن إلى الدجالين والمشعوذين؟ أعداد كبيرة جداً هذه تذهب لتعمل السحر للأخرى، وهذه تذهب لفك السحر عند الساحر، وهذه تذهب لتستشير الدجال والكاهن في قضية زواج أو نقل بيت ونحو ذلك، والأخرى مستعدة أن تسافر، أو تتصل بالهاتف وتدفع خمسمائة ريال رسمي لأجل السؤال ويأتيها الجواب من الدجال، وهذه تذهب وهي تعلم أنه دجالٌ مشعوذ لكن تقول بعضهن: نجرب، وبعضهن تقول: ما عندنا طريقة نجلس نتألم طيلة الوقت! نقول لك: إن الصبر على ألم الجسد خيرٌ من ذهاب العقيدة ولو شفي الجسد، وقد أخبر النبي ﵊ عن أمر يهودي كان يرقي ويفيد، أخبر أن هذا بسبب الشيطان يعينه وينخس ذلك العرق فيسكن، فالشيطان يتدخل في قضية العروق فينخس العرق ليسكن، فيتوهم المسلم أن اليهودي هو السبب في هذه الخفة التي أحس بها، هذه نافذة للشر كبيرة جداً موجودة في المجتمع، ماذا فعلت أنت من أجل محاربة هذه القضية؟ ولك قريبات وجارات وصديقات يقعن في هذا المنكر العظيم، والذي يأتي دجالاً أو كاهناً فإن آمن به فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ؛ لأنه لا يعلم الغيب إلا الله، والسحر كفر ونحو ذلك، والتي تأتيه تجرب لا تُقبل لها صلاة أربعين يوماً، ويجب عليها أن تصلي وإلا كفرت، لكن ليس لها أجر على الصلاة إلا إذا تابت إلى الله توبة عظيمة. وتأملي في الأجر المترتب على إنكارك، وفي الأجر المترتب على تعليمك الخير، ومنعك لهؤلاء من الذهاب إلى المشعوذين وتذكيرهم بالله، كم أم امتنعت نتيجة تحذير ابنتها الصالحة، وكم جارة امتنعت نتيجة نصيحة جارتها الملتزمة المتدينة التي تفقه هذه المسائل الجسام من أمور العقيدة، وهذه المرأة التي إذا رأت النساء اللاتي يتسلين بقراءة الفنجان، قامت لله متجردة تذكر وتنصح، أو رأت إحداهن تعبث بقراءة كف ولو كان بالمزاح تقوم وتخبر أنه لا مزاح في هذه الأمور وأنها أمور خطيرة جداً لا يجوز المزاح فيها. من الأشياء الأخرى: انتشار قضية الدعارة في المجتمع، وانتشار مسألة الفساد، وقضية دخول بيوت النساء وذهاب النساء مع الأجانب، وشيوع الفاحشة التي تبدأ من الاغراءات والمعاكسات تغذيها الأفلام والمجلات لتنتهي بالفواحش والوقوع في الكبائر الموبقات، هذه مسألة كثير من الأحيان ما يدري عنها إلا امرأة امرأة أخرى تدري عن حال امرأة، ما يدريني أنا الرجل أن هذا أمر واقع في بعض البيوت أو بعض النساء بينما قد تدري المرأة عن هذا، كثير من هذه الثغرات لا يستطيع الرجال سدها؛ لأن الذي يدري عنها امرأة، في الغالب يدري عن منكرات النساء المرأة. قضية التشبه بالكافرة، ماذا يدريني أنا الرجل عن الموضات التي تظهر عند النساء، والقصات، والملابس، والعادات السيئة التي نأخذها يومياً من الغرب والشرق، لكن المرأة هي التي تحضر الأعراس والحفلات، وتذهب إلى مدارس البنات، وتحضر المناسبات، فهي التي ترى أثر تقليد الكفار على هذه وهذه وهذه، وهي التي ترى العادات السيئة وتلاحظ الظواهر، ولذلك فإن من مهمات المرأة المسلمة رصد الظواهر السيئة في المجتمع النسائي، قد يكون هناك إلحاديات تتسلل وأشياء من المنشورات والكتب السيئة والمجلات والمقالات قد يكون هناك تجمعات مشبوهة، أو جمعيات مشبوهة تذهب إليها بعض النساء تكون تحت عنوان خيري، أو عنوان اجتماعي ونحو ذلك، فماذا يدري الرجال عما يحدث في هذه الجمعيات النسائية المشبوهة إذا لم تتكلمي أنت، ولم ترصدي أنت، ولم تنقلي الخبر أنت، ولم تقومي لله بالنصح أنت فمن سيقوم؟! فإذاً عالم المرأة مملوء بالثغرات التي ينبغي القيام لسدها. وأيضاً من الأشياء الموجودة: العصبية القبلية المتفشية والمفاخرة، هؤلاء الذين يفاخرون بالعصبيات القبلية إما أن يتركونها أو ليكونون أهون عند الله من الجعلان؛ هذا الجعل الذي يدهده الخرأ بأنفه كما أخبر النبي ﷺ ، ستكون العاقبة وخيمة يوم القيامة، ينبغي عليك مكافحة العصبيات القبلية، ونصح النسوة بترك المفاخرة بالأنساب والأحساب، والطعن في أحساب الآخرين وأنسابهم؛ وهذه تقول: أنت مالك أصل، وهذه تقول كذا، ونحو ذلك، وهذه مسألة متفشية مع الأسف كما أخبر النبي ﵊: (ثلاث من أمور الجاهلية لا تدعها هذه الأمة). أنت التي تشعرين بالظلم الذي يقع على بعض البنات في بعض البيوت، هذه أبوها ربما يربطها ويضربها ويحبسها، وهذه عضلها أبوها فلا يزوجها وجعلها قصراً على ابن عمها ونحو ذلك من الرجال، وهذا لا يجوز له شرعاً أن يفعل ذلك، وأنت التي تحسين بالظلم الواقع على الزوجة من أم زوجها أو بسوء الأدب من الزوجة لأم زوجها. وأنت التي تحسين بمنكرات الأعراس، وتحسين بالمحرمات وتعرفينها وهي تستشري وتنتشر في المجتمع. وأنت التي تتعرضين لأنواع من الأذى التي تستوجب تنبيه ونصح بنيات جنسك من عدم الوقوع فيها. هناك عدد من النسوة التائبات مررن بتجارب سيئة في الحياة الجاهلية التي كُنَّ يعشن فيها، وخرجت بخلاصة دفعت ثمنها من دموعها ودمها شيئاً. إذاً: هل تترك هذه القضية لتمشي هكذا دون تنبيه ودون تحذير لبنات جنسها؟ كلا والله، لا يمكن أن تكون المرأة المسلمة بهذه السلبية أبداً، لا يمكن أن ترى المرأة منكراً في عرس أو مناسبة ثم لا تنكر، وأقل شيء أنها تقوم من المجلس خارجة منه مفاصلة لأصحابه لتعلن براءتها مما يدور من المنكرات، هذه مسألة واجبة لا بد أن تحدث.
следующие страницы →