Полный текст (7 040 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
كيفية غسل النجاسة
وإذا كانت النجاسة مرئية، فإنه يطهر المحل المتنجس بها بزوال عينها، ولو بغسلةٍ واحدة على الصحيح، ولو كانت النجاسة كثيرة، ولا يشترط تكرار الغسل، فلو قال إنسان: كم غسلة نغسل ثلاثاً أو سبعاً؟ فنقول: لم يرد في الشرع تحديد لعدد مرات غسل النجاسات، فإذا زال بغسلةٍ واحدة كفى ذلك، وإذا احتاج الأمر إلى اثنتين غسلت اثنتين، أو إلى ثلاث غسلت ثلاثاً، وهكذا، إلا نجاسة لعاب الكلب كما سيأتي.
فأنت تستمر في غسل النجاسة حتى يزول الطعم واللون والريح، فإن عسر زوال اللون، كما يقع كثيراً في غسل الدم عن الثوب، فإنه لا يضر ذلك، فاللون والريح إذا تعسر زوالهما، فإنه لا بأس بترك ما بقي إذا تعسر، والدين مبني على رفع الحرج.
عباد الله! إذا أزيلت النجاسة بكل ما حولها من رطوبة ونحوه، كما لو اجتثت اجتثاثاً وقلعت اقتلاعاً، فإنه حين ذلك لا حاجة إلى غسل، لأن الذي تلوث بالنجاسة قد أزيل كله.
وإذا علم موضع النجاسة في الثوب مثلاً، فإن غسل موضع النجاسة كافٍ، ولا حاجة إلى غسل الثوب كله.
وإن خفيت، فإن كان يمكن غسله كله غسل كله، كالثوب والبقعة الضيقة من الأرض، وإن كان المكان واسعاً، وخفيت النجاسة أو نسيت، غسل ما غلب على الظن ويكفي ذلك.
стр. 1437
كيفية تطهير الأرض
وإذا طرأت النجاسة على أرض فإنه يشترط لطهارتها أن تزول عين النجاسة، ولو كان بغسلة واحدة كما تقدم، والدليل أن الأعرابي لما بال في المسجد، قال النبي ﷺ : (أريقوا على بوله ذنوباً من ماء) ولم يأمر بعدد، فأريق ذنوب واحد عليه، فإن كانت النجاسة على وجه الأرض، وما اتصل بها من الحيطان والأحواض والصخور، فتكفي غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة، وإن كانت النجاسة ذات جرم، فإنه لابد من إزالة عين النجاسة أولاً وجرمها، كما لو وقعت عذرة -وهي الغائط- على مكان فإنها تقتلع أولاً، ثم تتبع بالماء.
стр. 1438
كيفية تطهير السجاد إذا عسر نزعه
ويسأل كثير من الناس عن تنظيف سجاد البيوت الملصوق بالغراء على أرض البيت إذا وقعت عليه النجاسة، فكذلك تزال النجاسة من بول وغائط وتقلع، وبعد ذلك نسكب ماءً وننشفه، ونسكب وننشف، وهكذا حتى تزول النجاسة من ذلك المكان، وإذا أمكن اقتلاعه وغسله فعل ذلك، وإلا فهذه الوسيلة كافية.
وإذا أصاب الأرض ماء المطر أو السيول، فغمرها وجرى عليها، فكما لو صب عليها الماء، فإنها تطهر، ولا تعتبر النية في ذلك.
стр. 1439
تطهير البئر
عباد الله: إن النبي ﷺ قد بين أن الماء طهور لا ينجسه شيء، وأن الماء إذا بلغ قلتين لا ينجس، ومعنى ذلك أن الماء إذا لم يزل أحد أوصافه ويتغير بنجاسة، فإنه باق على طهارته، وخصوصاً إذا كان كثيراً كالقلتين: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) وأما إذا حصل تغير في لونه أو طعمه أو ريحه، فإن تطهير المياه النجسة يكون بأشياء، كصب الماء عليها ومكاثرتها بالماء حتى يزول التغير، أو نزح بعض الماء الذي فيه النجاسة حتى يزول التغير، ولو زال التغير بنفسه عاد الماء طهوراً.
وقد ذهب العلماء ﵏ إلى أن البئر إذا حصلت فيها نجاسة يكاثر بالماء، فيزاد عليه ويصب فيه حتى يزول أثر النجاسة، أو إذا نبع فيه الماء واستمر في النبع حتى زال أثر النجاسة عاد طهوراً وجاز الوضوء منه.
وأما الغسالة التي يوسوس فيها كثير من الناس بسبب الماء المنفصل عن الشيء المتنجس إذا غسل، فأقول: إذا غسلنا ثوباً نجساً، فانفصل عنه ماء الغسالة، فإذا كان ماء الغسالة متغيراً بالنجاسة بلون أو طعم أو ريح، فإنه نجس، أما لو نزل من الثوب ماء نظيف ليس فيه أثر للنجاسة، فإن ماء الغسالة في هذه الحالة ماء طهور، فلا توسوس -يا عبد الله- فيما انفصل عن البدن أو الثوب عند غسل النجاسة إذا كان لم يتغير بشيء.
стр. 1440
حكم السمن إذا وقعت فيه النجاسة
وإذا وقعت النجاسة في شيء جامد كالسمن، فإن النجاسة ترفع وما حولها وتطرح، ويكون الباقي طاهراً، لقول ميمونة: إن رسول الله ﷺ سئل عن فأرة سقطت في سمن، فقال: (ألقوها وما حولها وكلوا سمنكم) رواه البخاري ﵀.
وإذا وقعت النجاسة في مائع، فإنه ينجس ولا يطهر عند جمهور الفقهاء، وذهب شيخ الإسلام ﵀ إلى عدم التفريق بين المائع والجامد وأن الزيادة التي وردت في التفريق ضعيفة.
стр. 1441
التطهير من ولوغ الكلب وحكم ولوغ الهرة
وأما ولوغ الكلب، فإذا ولغ الكلب بلسانه في إناء، أو لحس ثوباً أو شيئاً، فطهارته بسبع غسلات أولاهن بالتراب، لحديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب) رواه مسلم.
وهذا يفيد كثيراً، فأما لو أمسك الكلب بفيه صيداً، فإن ذلك مما عفي عنه شرعاً، هذا اختيار شيخ الإسلام ﵀، ولا يجب غسل ما أصاب فم الكلب عن صيده، فإن النبي ﷺ قال: إذا ولغ، ولم يقل: إذا عض.
وهذه الأحكام تفيد الذين يستعملون الكلاب، ككلب الزرع والصيد والماشية، والذين يستعملونها لشم المواد الضارة كالمخدرات لاكتشافها وتتبع أثر المجرمين ونحو ذلك.
أما كلاب البيوت وكلاب الألعاب، وكلاب الذين يتشبهون بالكفار والذين يصحبونها للنزهة -وقد رأيناهم بأعيننا يمشون بالكلاب، فرأينا كلاباً تقود كلاباً- فإن اتخاذ ذلك حرامٌ ولا شك، ينقص من عمل صاحبه قراريط، وهو يداوم على اتخاذها، وهؤلاء لا من الله يستحيون، ولا من خلقه أيضاً، فهم على إزعاجهم قائمون مستمرون، يتخذون الكلاب في البيوت، وهناك وسائل كثيرة للأمن والحراسة، ومع ذلك يتخذونها، وكثير منهم يفعل ذلك تشبهاً بالكفرة.
أما ولوغ الهر في الإناء فلا يضره، لأنه من الطوافين علينا الذين يكثر تطوافهم، كما أخبر النبي ﷺ .
стр. 1442
حكم ميتة ما لا نفس له سائلة وبول وروث ما يؤكل لحمه
وأما ما لا نفس له سائلة فإنه لا ينجس بالموت، فلو وقعت الخنفساء أو العقرب أو البق أو البعوض أو الجراد أو الذباب في ماء وماتت فيه، فإنه لا ينجس، وكذلك بول وروث ما أكل لحمه، كبول الإبل والبقر والغنم والغزلان والأرانب وذرق الحمام، يقول بعض الناس: كنا نمشي إلى المسجد فأصابنا شيء مما سقط من الحمام، فنقول: هو طاهر، والنبي ﷺ أمر العرنيين أن يشربوا من أبوال الإبل وألبانها لما أصابتهم الحمى، وأذن ﷺ بالصلاة في مرابض الغنم، مع أنها لا تخلو من بولها وروثها.
стр. 1443
العفو عن يسير جميع النجاسات
والعفو عن يسير جميع النجاسات قول مبني على قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج﴾ [الحج:٧٨] وهو مذهب أبي حنيفة واختيار شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، ويستدل أيضاً بأن الشريعة لا توجب غسل الأثر الباقي بعد الاستجمار، ومعلوم أنه لو استجمر فلابد أن يبقى أثرٌ، وربما حصلت رطوبة أو عرق في المكان، ومع ذلك فإن هذا كله لا يضر ولله الحمد، وكذلك أهل الحمير الذين يمارسونها يشق عليهم التحرز من كل شيء.
стр. 1444
طهارة المني ورطوبة فرج المرأة ونجاسة المذي والودي
أما إذا سألت يا عبد الله عن أثر الجنابة في الثوب، وقلت: أصاب الثوب منيٌّ، فماذا نفعل به؟ فنقول لك: افعل به كما حدثت عائشة ﵂: (كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ إذا كان يابساً، وأغسله إذا كان رطبا) ولا فرق في ذلك بين مني الرجل والمرأة، والراجح أن مني الآدمي طاهر، ومنه خلق الأنبياء والأولياء وسائر الناس، والأصل في الأشياء الطهارة، وعائشة ﵂ كانت تفرك اليابس من مني النبي ﷺ وتغسل الرطب منه، ولو كان نجساً ما اكتفت بذلك، ولوجب غسله حتى لو كان يابساً، ولكن لما اكتفت بالفرك علمنا أن المني طاهر بخلاف دم الحيض مثلاً، فإن النبي ﷺ قال: (تحته ثم تقرصه بالماء) فإذا جف على ثوبها تحتّه؛ وتفركه وتزيل أثره، ثم بعد ذلك تقرصه بالماء، أي: تغسله بالماء، ثم تنضحه ثم تصلي فيه، وكذلك ريق الإنسان ومخاطه وعرقه وبلغمه ودمعه ولعابه كل ذلك طاهر.
ورطوبة فرج المرأة وما يسيل منها أثناء حملها، الراجح أنه طاهر أيضاً.
أما المذي والودي: المذي: سائل أبيض رقيق لزج يخرج عند الشهوة واللمس والنظر، بلا دفق ولا شهوة أثناء خروجه، ولا يعقبه فتور، وربما لا يحس الإنسان بخروجه.
أما الودي: ماء أبيض كدر ثخين يشبه المني، ولا رائحة له بخلاف المني، وهو كدر بخلاف المني فإنه صافٍ، وهذا الودي يخرج عقيب البول من بعض الناس في بعض الحالات، أو عند حمل شيء ثقيل فاتفق العلماء على نجاستهما.
وقد جاء في حديث علي: كنت رجلاً مذاءً، فسألت رسول الله ﷺ بواسطة المقداد، فقال ﵊: (يغسل ذكره ويتوضأ) رواه البخاري ومسلم، وغسل الأنثيين عند أبي داود.
والودي يخرج عقب البول فهو ملحق بالنجاسات فهذه السوائل تغسل وجوباً بخلاف المني، وقد بينا الفرق بينهما، فلا تلتبس عليك يا عبد الله.
ونجاسة المذي مخففة لحديث سهل بن حنيف قال: كنت ألقى من المذي شدة وعناءً، وكنت أكثر منه الاغتسال، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: (إنما يجزيك من ذلك الوضوء، فقلت: يا رسول الله! كيف بما يصيب ثوبي منه؟ قال: يكفيك أن تأخذ كفاً من ماء فتنضح به ثوبك، حيث ترى أنه قد أصاب منه) فإذاً لو نضحه كان ذلك كافياً عند بعض أهل العلم لهذا الحديث.
стр. 1445
أقسام الدماء من حيث الطهارة والنجاسة
وأما الدماء فإن العلماء قالوا: إن الدماء على ثلاثة أقسام: دم نجس لا يعفى عن شيء منه كدم الحيض وكالدم الخارج من السبيلين، وثانياً: دم نجس يعفى عن يسيره، وقد ضرب له جمهور العلماء مثلاً بدم الآدمي الذي يخرج من الجرح، والقول القوي أن دم الآدمي طاهر ما لم يخرج من السبيلين لأدلة كثيرة، والثالث: الدم الطاهر وهو دم السمك مثلاً؛ لأن ميتته طاهرة، والدم اليسير الذي لا يسيل، كدم البعوضة والبق والذباب عند قتلها مثلاً، فلو تلوث الثوب بشيء منه فهو طاهر لا يجب غسله.
ويستدل لذلك بقوله ﷺ : (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه) ومعلوم أن غمسه يسبب قتله، ومع ذلك قال: (فليطرحه، وليطعمه بعد ذلك إذا أراد).
وكذلك الدم الذي يبقى في الشاة المذبوحة مثلاً بعد ذبحها وتذكيتها، والدم الموجود في العروق والقلب والطحال والكبد، فكل هذا طاهر قليله وكثيره، ودم الشهيد طاهر؛ حتى إن أكثر من يقول من العلماء بنجاسة دم الآدمي يقولون بطهارة دم الشهيد، وقد نهى النبي ﷺ عن غسل دمائهم، وأمر أن يزملوا بها، لأنهم يبعثون بها يوم القيامة، ولها رائحة كرائحة المسك.
ويغسل الدم النجس حتى يزول، وإن بقي له أثر فلا يضر ذلك، إذا اجتهد الإنسان في غسله.
стр. 1446
كيفية تطهير الخف
وأما الخف إذا علقت به نجاسة، فقد جاء في الحديث الصحيح: (إذا جاء أحدكم إلى المسجد، فلينظر فإن رأى في نعليه قذراً أو أذى، فليمسحه- وقد كانت الشوارع والطرقات متربة- وليصل فيهما) وفي حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (إذا وطئ أحدكم بنعليه الأذى، فإن التراب له طهور) وفي لفظ: (إذا وطئ الأذى بخفيه، فطهوره التراب) رواه أبو داود وابن خزيمة، وسنده حسن.
стр. 1447
كيفية تطهير بول الغلام والجارية
فإن قلت: فما حكم بول الغلام والجارية؟ فاعلم رحمك الله أنه يجزئ في بول الغلام الذي لم يطعم الطعام، لم يأكل الطعام بشهوة ولا إرادة منه، وإنما لا زال على رضاع أمه، فإن نجاسة بوله نجاسة مخففة، ولو كان يلعق العسل أو الشيء اليسير، لحديث أم قيس بنت محصن أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله ﷺ ، فأجلسه رسول الله ﷺ في حجره، فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه ولم يغسله، وقال ﷺ : (ينضح بول الغلام، ويغسل بول الجارية) فبول الغلام إذا أصاب ثوبك يكفي أن ترشه بالماء، وبول الجارية -وهي البنت الصغيرة- لا يجزئه إلا الغسل.
стр. 1448
حكم استعمال آنية الكفار
وكذلك يسأل بعض الناس عن آنية الكفار وملابسهم، فاعلموا أن هذه الأعيان الأصل فيها الطهارة، فإنها طاهرة مادمنا لا نعلم فيها نجاسة، واستثنى العلماء السراويل التي تلتصق بأجسامهم، لأنهم أناس لا يتوقون النجاسات، فلا تستخدم إلا بعد غسلها، وأما الآنية فإنه يكره استخدامها لحديث أبي ثعلبة الخشني، قال: قلت: يا رسول الله! إنا بأرض أهل الكتاب، أنأكل في آنيتهم؟ قال: (لا تأكلوا في آنيتهم إلا ألا تجدوا بدا، فإن لم تجدوا بداً فاغسلوها وكلوا فيها).
فهذه الأواني -أواني الكفار- تغسل قبل استخدامها، والملابس التي عليهم إذا كانت خارجية، فإنه لا بأس باستعمالها، ومن الأدلة على أن الأصل الطهارة في أواني الكفار أن النبي ﷺ توضأ من مزادة امرأة مشركة.
стр. 1449
ما صبغ بالنجاسة أو طبخ بها
وأما المصبوغ بالنجاسة، فإنه لا يطهر بغسله، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يطهر بغسله وإن بقي لونه.
وأما اللحوم المطبوخة بالنجاسات، كما يفعل بعض الكفرة في الطبخ بدهن الخنزير أو يخلطون الخمر معه، فقد ذهب عدد من أهل العلم إلى أنه لا سبيل إلى تطهيرها، وقال بعضهم: تغلى وتغلى ويسكب عليها الماء الطهور وتغلى إلى أن يخرج منها كل شيء.
стр. 1450
لا يكلف الإنسان بغسل ما في داخله من النجاسات
والنجاسات -يا عباد الله- إذا لم تخرج خارج الإنسان فلا حكم لها، فلا يكلف الإنسان بغسل ما بداخله من النجاسة، مادامت لم تخرج، ولو أحس بانتقال شيء من البول ولم يخرج خارج الذكر فلا غسل، ولا وجوب لإزالة النجاسة، وكل آدمي داخله نجاسة، ألم يقل القائل: أولك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وفيما بين ذلك بول وعذرة؟! ففي داخل كل إنسان نجاسات، لكن لا يكلف بها إلا إذا خرجت، وهذا علاج ناجع للوسوسة والموسوسين الذين يحاولون إدخال الأشياء لإخراج النجاسة أو غسلها ونحو ذلك، وهذا تنطع لم يأت في دين الله تعالى.
هذه طائفة من أحكام النجاسات، نسأل الله أن يوفقنا لتطهير قلوبنا وتطهير أبداننا وثيابنا من سائر النجاسات.
ونسأل الله تعالى أن يرزقنا الفقه في دينه واتباع سنة نبيه ﷺ .
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1451
ذم الوسوسة في الطهارة
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا هو الملك الحق المبين، شرع لنا هذه الشريعة، وأنزل علينا الكتاب، وأرسل إلينا رسوله ﷺ ، أشهد أنه رسول الله، وحجة الله على خلقه، علمنا فأحسن تعليمنا، وأدبنا فأحسن تأديبنا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وعلى ذريته والتابعين بإحسان إلى يوم الدين.
عباد الله: إن ما ذكرنا بصحة الاهتمام بغسل النجاسات لا يصح أن يدفع أبداً إلى الوقوع في الوسوسة التي مرض بها كثير من الناس، حتى صار الواحد منهم يغسل ويفرك ويتأكد من وصول الماء إلى بدنه، ثم يشك بعد ذلك أنه تطهر، وربما مكث الساعات الطوال في دورة المياه والحمامات والمراحيض، وربما فاتته تكبيرة الإحرام، أو فاتته صلاة الجماعة، وأحياناً فاتته الصلاة كلها، ولبعضهم أفعال كأفعال المجانين، لا يمكن أن نصدق أنهم عقلاء، وهم يقومون بها.
واعلموا أن الشريعة قد جاءت بالأدلة البينة على ذم الوسوسة، كما قال ﷺ : (إذا وجد أحدكم في بطنه شيء فأشكل عليه أخرج منه شيئاً أم لا، فلا يخرج من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) رواه مسلم.
فإذاً لا تجوز الوسوسة بحال، وهي اتباع للشيطان، ولعلاجها نُهينا عن البول في المستحم؛ وهو المكان الذي نغتسل فيه، لأجل قطع الوسوسة، وكذلك أرشدنا إلى نضح ما أمام مكان خروج النجاسة بالماء ورشه، حتى إذا حس الإنسان ببلل، قال: هذا من الماء الذي رششته قبل قليل، وكذلك فإنه ينهى عن الإسراف في استخدام الماء الذي هو شعار الموسوسين.
قال محمد بن عجلان ﵀: الفقه في دين الله إسباغ الوضوء وقلة إهراق الماء، وقال الإمام أحمد: كان يقال: من قلة فقه الرجل ولَعه بالماء.
واعلم يا عبد الله أن الوسوسة داء لا علاج له إلا بإهماله وقطعه.
إن التنطع داء لا دواء له إلا تركك إياه برمته
стр. 1452
من أعاجيب الموسوسين في الطهارة
وقد ابتدع البعض إجراءات عجيبة لأجل الطهارة من البول بزعمهم، كما ذكر ذلك ابن القيم ﵀، فقال: يفعلون بعد البول عشرة أشياء: السلت، والنتر، والنحنحة، والمشي، والقفز، والحبل، والتفقد، والوجور، والحشو، والعصابة، والدرجة.
فأما السلت: فهو عصر الذكر ليخرج منه البول، والنتر: نفضه ليخرج ما بداخله بزعمهم بعد الاستنجاء، والنحنحة لإخراج الفضلة، والقفز بالارتفاع عن الأرض ثم الجلوس فجأة وبسرعة، والحبل يتخذه بعضهم يتعلق به حتى يكاد يرتفع ثم يقعد، والتفقد النظر في المخرج، هل بقي فيه شيء أم لا، والوجور: أن يفتح الثقب ويصب الماء فيه، والحشو: أن يدخل قطناً ونحوه، والعصابة: أن يعصبه بخرقة لئلا يخرج منه شيء، والدرجة أن يصعد في السلم قليلاً ثم ينزل بسرعة.
فهذا هراء، وهو من استدراج إبليس، ولا شك أنه فعل المجانين، والشريعة لم تأمر بذلك، قال شيخ الإسلام ﵀: وذلك كله وسواس وبدعة، فأنت تغسل ما خرج فقط.
عباد الله: إذا وطئ الإنسان على نجاسة جافة وهو جاف فهو لا ينجس، يقول الفقهاء: جاف على جاف طاهر بلا خلاف، فانظر كم من الناس يوسوسون وينشغلون بهذا.
стр. 1453
النجاسات المعنوية
стр. 1454
نجاسة المشركين
ثم اعلموا رحمكم الله -وقد تكلمنا عن هذه النجاسات الحسية- أن الكلام يذكرنا بالنجاسات المعنوية التي هي أشد وأسوأ من النجاسات الحسية، فمثلاً: الكفار نجس، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة:٢٨] فهل عندما تقابل كافراً -يا عبد الله- تحس باشمئزاز لنجاسته في شركه؟ لأنه جاحد لله، ومشرك مع الله، ومستهزئ بالله، وتارك لكل ما فرض الله، وهل يكون اشمئزازك من الكافر أشد من اشمئزازك من البول والغائط؟ لا يلزم أن تظهر له ذلك خصوصاً إذا كنت في مقام الدعوة، ولكن هل تشعرون أيها الموظفون المخالطون للكفار بالاشمئزاز منهم عند رؤيتهم أشد من اشمئزازكم من العذرة والبول؟ قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٢٨] أي: لما حرم دخول الكفار إلى الحرم، قال بعض المسلمين: ذهبت التجارات، وستكسد أموالنا لأن الرواد سيقلون.
مثلما يقول الآن عدد من الناس في بعض بلدان المسلمين، إذا قال لهم العلماء والدعاة: امنعوا السائحين من الكفار من دخول مساجدكم وأماكنكم، وفيهم قذر وأمراض، قالوا: هذا ينقص الدخل القومي، والله يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ [التوبة:٢٨] أي: فقراً أو نقصاً في الدخل ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة:٢٨].
وقد أغنى الله الصحابة لما اتقوا الله بأموال الجزية أضعاف أضعاف ما كان يأتيهم من أموال الكفار إذا دخلوا الحرم.
стр. 1455
نجاسة المنافقين
وقال الله في المنافقين: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾ [التوبة:٩٥] أي: خبثاء أنجاس البواطن والمعتقدات، وقال الله : ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٥].
لقد كان هذا الشعور عند المسلم في العصر الأول شعوراً متأصلاً؛ فعندما قدم أبو سفيان ﵁ قبل أن يسلم إلى المدينة يريد أن يجدد عهد الحديبية، دخل على ابنته أم حبيبة، وهي رملة بنت أبي سفيان زوج النبي ﷺ ، فلما ذهب أبوها ليجلس على فراش رسول الله ﷺ وهو عندها، طوته عنه، فقال: يا بنية! ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش، أم رغبت به عني؟ يقول: هل أنا أقل من الفراش فطويتيه عني، أم الفراش أقل من مستواي فطويتيه عني؟ قالت: بل هو فراش رسول الله ﷺ وأنت رجل مشرك نجس، ولا أحب أن تجلس على فراش رسول الله ﷺ ، تقول لأبيها: أنت رجل مشرك نجس، هكذا كان شعورهم، ومن كان هذا شعوره أنى له أن يقلد الكافر أو يحبه ويتأثر به؟! ولكن انظر إلى الناس الآن ماذا يفعلون، لأنهم لا يشعرون أن الكفار نجس، ولذلك يحبونهم ويقلدونهم، وقصة رملة عند ابن إسحاق بإسناد حسن.
стр. 1456
نجاسة الميسر والأوثان والمعاصي
ومن النجاسات المعنوية نجاسة الميسر والأوثان وسائر المعاصي لقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج:٣٠] نجاسة المعاصي والآثام، قال بعض السلف: لو كان للذنوب رائحة ما طاق الجلوس إلي منكم أحد، وهذا من تواضعه، فالذنوب لو كان لها رائحة، ماذا يكون حالنا نحن؟ لو كان للذنوب رائحة كرائحة العذرة التي تخرج من الدبر، ماذا يكون حالنا نحن؟ وكيف تكون روائحنا أيها المسلمون؟ إن بعض الناس قطعاً متلطخ بالآثام والأوزار ما يكون أشدَّ من تلطخ الإنسان بالبول والعذرة من رأسه إلى أخمص قدميه لكن من الذي يحس بالقاذورات المعنوية؟ الناس يتخلصون من القاذورات الحسية، وبعضهم لا يتخلص حتى من القاذورات الحسية، فيعملون هذه المراحيض المعلقة على الجدران لقضاء الحاجة، يبول ثم يرفع أحدهم الثوب والبنطلون كما يفعل الكافر، وهؤلاء يضع أحدهم أماكن قضاء الحاجة والشطاف بجانبه، وتعجب معي كيف ينتقل من كرسي قضاء الحاجة إلى الشطاف، حتى الفرنجة في أماكن قضاء الحاجة فعلناها كما فعلوها.
فالشاهد -أيها المسلمون- وجوب النظافة من القذارات الحسية والمعنوية: الكذب، والنظر الحرام، شهادة الزور، أكل المال الحرام، ونحو ذلك من القاذورات، كم يا ترى على آكل الربا من القاذورات وهو لا يشعر؟ نسأل الله السلامة والعافية، اللهم إنا نسألك أن تجعلنا ممن أعنتهم على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم اجعلنا ممن أصلحت بواطنهم وظواهرهم، اللهم اجعلنا من المتطهرين، واجعلنا من عبادك المخلصين، وانصر المجاهدين، واقمع أعداء الدين، واجعلنا في بلداننا آمنين يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك الأمن في الأوطان والدور، والإرشاد للأئمة وولاة الأمور، والمغفرة لنا يا عزيز يا غفور! سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 1457
مسئولية المسلم عن سمعه
السمع نعمة عظيمة من نعم الله تعالى التي أنعم بها على الإنسان؛ فهي وسيلة من وسائل الإدراك، وطريق لتحصيل العلم وغيره، إلا أن هناك من لا يشعر بعظيم هذه النعمة فيحولها إلى نقمة، فيصد عن سبيل الله تعالى ويكون ممن قال الله فيهم: (قالوا سمعنا وهم لا يَسْمَعون).
وفي هذه المادة حديث رائع حول ذلك.
стр. 1458
السمع نعمة من نعم الله العظيمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
يقول الله في محكم تنزيله: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء:٣٦] ولما أعطانا الله هذه النعم؛ فإنه سيسألنا عنها يوم القيامة فيما استخدمناها، وفي أي مجال استعملناها.
أيها الإخوة! إن السمع من نعم الله العظيمة، وهو أكبر مدخل إلى القلب، ومن يفقد السمع فهو أسوأ ممن يفقد البصر؛ فإن عقله يضعف جداً، بل غالباً ما تجده في عداد المجانين.
стр. 1459
إدراك العلم بالسمع
السمع طريق عظيم لاكتساب العلم، والمدرَك بحاسة السمع أعم وأشمل من المدرَك بحاسة البصر، فللسمع العموم والشمول، والإحاطة بالموجود والمعدوم، والحاضر والغائب، والحسي والمعنوي، فالسمع أساس العقل وأصل الإيمان، وقد أمر الله عزوجل بالسماع، فقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا﴾ [المائدة:١٠٨]، وقال عزوجل: ﴿وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ [التغابن:١٦]، سماعٌ يترتب عليه إدراك وفهم وقبول، وإجابة لنداء الله عزوجل.
إنَّ إخواننا المؤمنين من الجن لما سمعوا كلام الله عزوجل أدركوا معنى ذلك القول، قال الله تعالى عنهم: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ [الجن:١ - ٢] فاتصل بسمعهم لكلام الله إيمانٌ وإجابة.
ومما هو مطلوب من السامع الفهم لكلام الله سبحانه وكلام رسوله ﷺ ، هذا الفهم الذي حرمه كثير من العصاة والفجرة فضلاً عن الكفار، فشبههم الله عزوجل بالموتى، فقال : ﴿فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ [الروم:٥٢]، وهذا هو سماع الفهم.
стр. 1460
سماع القبول والإجابة
وأما سماع القبول والإجابة فإنه يتمثل في قول الله عزوجل: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة:٢٨٥] فترتب على السماع طاعة الله عزوجل، ولذلك كان من علامات أهل الباطل أنهم يسدُّون أسماعهم عن سماع الحق، ولذلك كان نوح ﵇ قد تعب مع قومه تعباً شديداً وهو يدعوهم إلى الله، ويأمرهم بما أمرهم الله به، وينهاهم عما نهى الله عنه، ولكنهم قابلوا ذلك بسدِّ الآذان ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [نوح:٧].
وبمثل هذا الإعراض قابل الكفار من قريش دعوة رسول الله ﷺ ، وهذا القرآن الذي تلي عليهم، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ [فصلت:٢٦] ولما صعَّد كفار قريش حملاتهم الإعلامية على دعوة رسول الله ﷺ ، فكانوا يقفون على مداخل مكة، فمن جاء من خارج مكة ليدخلها استلمه أولئك الضُلاَّل المضلِّون، وقالوا له: إياك والفتنة! إياك أن يؤثر فيك الساحر المجنون! إياك وكلام الكاهن الذي فرق بين القريب وقريبه، وأتانا بما لا نعرف، سفَّه ديننا، وعاب آلهتنا.
وعلى إثر ذلك وصل أثر تلك الحملات الإعلامية أنَّ بعض الداخلين إلى مكة كان يحشو أذنيه كرسفاً، وهو القطن؛ حتى لا يسمع كلام رسول الله ﷺ .
стр. 1461
الصد عن سماع الحق
إن الجاهلية تحارب الحق بشتى الوسائل إنها تحارب الحق عبر الوسائل المختلفة حتى تجعله في أعين الناس باطلاً، وحتى تصور دعاة الحق كأنَّهم ثعابين يلدغون الناس، وتُصوِّر دعاة الحق كأنَّهم سحرة يسحرون الناس، كأنَّهم مجرمون يريدون أن يغووا الناس، ولذلك ترى كثيراً من سفهاء الناس من المتأثرين بأقوال شياطين الإنس يحشون آذانهم حتى لا يسمعوا كلام دعاة الإسلام، ويعرضون عنهم بشتى الوسائل.
ولئن كان الأولون يحشون آذانهم كرسفاً حتى لا يسمعوا الحق؛ فإن آذان كثير من الناس اليوم قد حُشيت بوسائل اللهو والإلهاء والانشغال بالمحرمات عن سماع الحق وأهل الحق، والله عزوجل وصف الكفرة فقال فيهم: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف:١٧٩] لماذا لا يسمعون؟ هل لأنهم ليست لديهم آذان؟ كلا، بل لديهم آذان، ولكن لا يسمعون بها الحق ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩].
لماذا شبه الله الكفرة بالأنعام؟ ولماذا وصفهم بأنهم أضل من الأنعام؟ لأن بعض الناس عندما يسمع كلام الله، وعندما يسمع الحق؛ فإنه لا يأنس به ولا ينقاد له، وإنما يعرض عنه إعراضاً شديداً، أما البهائم والغنم فإنها إذا سمعت حادي الراعي ونعيف الراعي بها؛ فإنها تأنس لصوته، وتستجيب له، وتنقاد إليه، فتأتي إلى الراعي وهو يدعوها.
إذاً: الأنعام أفضل من هؤلاء، فإن الأنعام تأنس بالصوت وتأتي، أما أولئك فهم يفرون ويبعدون.
وما أكثر أحوال الناس اليوم في هذا الجانب! فليتهم يسمعون الحق ثم ينقذونه لو شاءوا، ولكنهم يرفضون سماع الحق من البداية، وإن رفض سماع الحق من البداية مشكلة عويصة؛ إذ كيف تحاول أن تهدي الناس إلى سبيل الرشاد وهم يرفضون سماعك أصلاً! كيف يستجيبون وهم يوصدون الأبواب في وجهك من البداية؟ كيف يتَّبعونك وهم يطردونك ويأمرونك بالسكوت قبل أن تتكلم؟ وكثير منهم يقولون: نحن نعرف ما تريد أن تقول، ونحن سمعناه قبلك، ولكن لا فائدة، لا تحاول معنا.
стр. 1462
تفاعل السمع مع الواقع وأنواع السماع
السمع -أيها الإخوة- جاء في الدين متفاعلاً مع أحداث الواقع، هذا السمع يجب أن يكون حياً متفاعلاً مع الواقع ومع أحداث الواقع، ولذلك ترى بعض الأحاديث الآتية عن رسول الله ﷺ تبين هذا التفاعل، قال ﵊: (إذا سمعت النداء فأجب داعي الله) أي: الأذان، والحديث صحيح، وقال ﵊: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول) (إذا سمعتم صوت الديكة فاسلوا الله من فضله) (إذا سمعتم نباح الكلاب ونهيق الحمير بالليل فتعوذوا بالله من الشيطان) (من سمع رجلاً ينشد ضالةً في المسجد، فليقل: لا ردها الله عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا).
والتفاعل مع سماع الأخبار أمر مهم، قال ﵊: (من سمع بالدجال فلينأ عنه) لا يقل: أنا أتحداه، لا.
يقول الرسول ﷺ : فلينأ عنه وليهرب منه؛ فإن الرجل يأتيه ويظن أنه مؤمن، فإذا قابله انقلب إلى الكفر والعياذ بالله (إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوا فيها).
أيها الإخوة: المطلوب من المسلم عندما يسمع الأخبار أن يتفاعل معها، فإذا سمع نبأً عن انتصار المسلمين أن يحمد الله ويسأل الله المزيد، ويدعو لإخوانه بالتثبيت والنصر على الأعداء، وإذا سمع أنباءً تفيد شراً حصل بالمسلمين، وعذاباً وقع بهم، وتشريداً حصل لهم، ونكايةً؛ فإن عليه أن يتفاعل مع هذه الأخبار إن كان في قلبه إيمان، ولو بالدعاء لهم، فإن المؤمن يألم لأهل الإيمان، والمؤمن في أهل الإيمان كالعضو من الجسد (إذا اشتكى عضوٌ تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى).
إن التفاعل مع الأخبار التي تُسمع يوجب تأييداً ودعماً، وإن التفاعل مع المنكرات التي يسمع الإنسان عنها في حيه وفي بلده ينبغي أن توجب له تحركاً لدرء هذا المنكر وتغييره والأخذ على أيدي السفهاء.
إن الناس اليوم الذين يسمعون أحوال المنكرات فلا يتغير في أنفسهم شيء إن هم إلا ﴿كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف:١٧٩]، إنهم يسمعون الأحداث لكن لا يتفاعلون معها.
стр. 1463
سماع القرآن
ومن أعظم العبادات المرتبطة بالسماع: سماع القرآن.
فهذا السماع حادٍ يحدو القلوب إلى جوار علام الغيوب، وسائق يسوق الأرواح إلى ديار الأفراح، ومحركٌ يثير ساكن العزمات إلى أعلى المقامات وأرفع الدرجات، ولذلك كان رسول الله ﷺ يأمر أحد الصحابة أن يقرأ فيسمع لقراءته، ويقول: (إني أحب أن أسمعه من غيري).
وكانت طريقة الصحابة -رضوان الله عليهم- في سماعهم للقرآن إذا جلسوا في جماعة أن يتحلّقوا فيأمروا واحداً منهم أن يقرأ ثم يستمع الباقون.
والقلب يتأثر بالسماع بحسب ما فيه من المحبة، فإذا امتلأ من محبة الله وسماع كلام محبوبه فإنه يتفاعل مع كلام الله، وأما من امتلأ قلبه من محبة الشياطين واللهو فإنه يقبل على سماع اللهو والغناء، وحرام على قلب قد تربى على غذاء السماع الشيطاني أن يجد من ذلك في سماع القرآن، بل إن حصل له نوع لذة فهو من قبيل الصوت المشترك، بمعنى أن بعض الناس اليوم إذا فتحوا الإذاعة فوجدوا قارئاً يقرأ، وقد يكون هذا القارئ من الذين يُلحِّنون القرآن بحسب ألحان الأغاني -والعياذ بالله- ويأتي بالإيقاعات في قراءته كإيقاعات الأغاني والموسيقى، بل إن بعض من سمع أخبار بعض المقرئين الذين يقول رسول الله ﷺ في شأنهم: (أكثر منافقي أمتي قراؤها) حديث صحيح.
يقول: وفي حفلات الغناء للمطربات المشهورات تجد في الصف الأول نفراً من المشتهرين بقراءة القرآن تذاع أصواتهم، يجلسون في تلك الحفلات لكي يكتسبوا إيقاع تلك الأغاني، فينقلوه إلى قراءتهم فيما بعد والعياذ بالله! إن بعض الناس اليوم قد يتفاعل مع سماع القرآن، لكن أي نوع من أنواع التفاعل؟ إنه يطرب لصوت القارئ، ولكنه لا يتفاعل مع المعنى، ولذلك تجد هؤلاء يتأوهون بالآهات الطويلة بعد فراغ المقرئ من مقطع أو آية، تأوهات تدل على الطرب والنشوة، ولكن ليس لله ولا لمعنى القرآن، وإنما للحن الجميل الذي أعجبهم فتأوهوا عند سماعه، ولذلك كان لا بد من انتقاء المقرئين الذين إذا قرءوا القرآن تأثر الناس بقراءتهم تأثراً بالمعنى، وخشعت قلوبهم لذكر الله، وليس أن تخشع أسماعهم وغرائزهم لجودة الألحان والإيقاعات الموسيقية في القراءة.
وقد ذم السلف التمطيط في القراءة، ولذلك تجد بعض الناس اليوم يقتنون أشرطةً مسجلةً لبعض المشهورين من القراء، فيسمعونها في بعض الأحيان، ولكن لأن الصوت شجي جميل فيه ألحان وإيقاعات، فعليكم أن تقتنوا من أصوات قراء القرآن ما يؤثر في النفس تأثيراً إيمانياً يتفاعل مع معنى القرآن.
стр. 1464
سماع الشيطان
وأما السماع المقابل لسماع القرآن فهو سماع الشيطان؛ وهو الغناء الذي ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل، فإنه ما اعتاده أحدٌ إلا نافق قلبه وهو لا يشعر، وما اجتمع في قلب عبدٍ قط محبة الغناء ومحبة القرآن إلا طردت إحداهما الأخرى.
يقول ابن القيم ﵀: "ولقد شاهدنا نحن وغيرنا ثقل القرآن على أهل الغناء وسماعه، وتبرمهم به -يتبرمون بسماع القرآن- وصياحهم بالقارئ إذا أطال عليهم، وعدم انتفاع قلوبهم بما يقرأ، فلا تتحرك ولا تخشع، فإذا جاء قرآن الشيطان فلا إله إلا الله! كيف تخشع الأصوات، وتهدأ الحركات، وتسكن القلوب وتطمئن، ويقع طِيب السَّهر، وتمنّي طول الليل.
أيها الإخوة: إن كثيراً ممن ابتلي بسماع الأغاني يسهرون الليالي، ويَطرَبُون في سماع تلك الأغاني.
تلي الكتاب فأطرقوا لا خيفةً لكنه إطراق ساهٍ لاهي
وأتى الغناء فكالذباب تراقصوا والله ما رقصوا من أجل الله
دف ومزمار ونغمة شاهد فهل شهدت عبادةً بملاهي
ثقل الكتاب عليهموا لما رأوا تقييده بأوامر ونواهي
لماذا لا يحبون سماع القرآن؟ لأن القرآن يمتلأ بالأوامر والنواهي، والنفس تريد الخفة لا تريد أوامر ونواهي وتقييدات تكاليف، تريد أن تنتشي، وأن تخفَّ من هذه الأشياء وتنطلق وتتحرر، ولذلك يسمعون الأغاني أكثر مما يسمعون القرآن.
فانظر إلى النشوان عند شرابه وانظر إلى النشوان عند تلاهي
فاحكم بأي الخمرتين أحق بالـ تحريم والتأثيم عند الله
النشوة الحاصلة بالخمرة، النشوة الحاصلة عند سماع الأغاني؟ ولأنه ليس موضوعنا -أيها الإخوة- الكلام عن الغناء فنكتفي بهذا القدر، وإلا فإنَّ أثر الغناء في نفوس العصاة اليوم أثر عظيم يستخف به العصاة، وهو يدمِّر نفوسهم تدميراً، ويسد عليهم الطرق لسماع كلام الله والتأثر به، ولذلك فإن الله عوض أهل الجنة الذين امتنعوا عن سماع الملاهي في الدنيا بسماع أغاني الحور العين يوم القيامة في الجنة، فإن الحور العين ليغنيِّن أزواجهم أغاني جميلة جداً لا تقارن بأغاني أهل الدنيا، فمن امتنع عن سماع الأغاني في الدنيا فسيعوضه الله بسماع أغاني الحور العين يوم القيامة، كما أن من امتنع عن شرب الخمر في الدنيا فسيعوضه الله بشرب خمرة لا كخمر الدنيا يوم القيامة، ومن امتنع عن لبس الحرير ممن حُرِّم عليه في الدنيا فسيعوضه الله بلبس الحرير يوم القيامة، ومن امتنع عن الزنا في الدنيا فسيعوضه الله بالحور العين يوم القيامة، وبالزوجات الصالحات، وبالقدرة على الجماع حتى أنَّ أحدهم يُعطى قوة مائة رجل.
أيها الإخوة: لا تظنوا أنكم إذا حرمتم أنفسكم اليوم من شيء من المحرمات التي حرمها الله أن ذلك سيضيع، قال الله عن أهل الجنة: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم:١٥]، يحبرون أي: يسمعون سماعاً طيباً.
نسأل الله أن نكون من أهلها.
اللهم اجعلنا من أهل الجنة، وأعلِ مراتبنا فيها.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 1465
حكم السماع
الحمد لله الذي لا إله إلا هو لم يكن له شريك في الملك ولا ولي من الذل وأكبره تكبيراً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً.
أيها الإخوة: وأما حكم السماع فهو بحسب المسموع، فإن كان المسموع يحبه الله فقد يكون واجباً أو مستحباً، وإن كان يبغضه الله فهو محرم، وإن كان مما سكتت عنه الشريعة فهو سماع مباح، ولهذا أمثلة كثيرة: فمن السماع الواجب: سماع القرآن، وخصوصاً في الصلاة.
ومن السماع المقابل لهذا السماع المحرم قول الله فيما يصف به المؤمنين: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص:٥٥]، وهذا من إعجاز القرآن وبلاغته، فإن كلمة اللغو تشمل جميع المحرمات بل والمكروهات من المسموعات؛ ولذلك كان من الأمور المحرمة سماع الكذب والأخذ والتصديق به، وسماع الغيبة وسماع النميمة.
ومن المسموعات كذلك المذمومة ما ذم الله تعالى في كتابه نفراً، فقال: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٧]، ومعنى سماعون لهم: أي: مستجيبون لهم.
واليوم يقدم كثير من المسلمين ليعيروا آذانهم لأعداء الله ليسمعوا منهم الباطل، ويسمعوا منهم ما يقال عن دعاة الإسلام، ويسمعوا منهم الشبهات التي تحاك وتدار حول الدين إنهم يسمعون منهم الأوامر التي فيها هدم للدين، والله نهى عن الركون إليهم، وعن الاستماع إليهم.
وكذلك من أنواع المسموعات المحرمة المخربة تخريباً شديداً في المجتمع المسلم: سماع الوشاة الذين يريدون أن يفرقوا بين الأخ وأخيه الوشاة الذين يريدون أن يفرقوا بين الملتزم بدينه ومن يلتف حوله الوشاة الذين يريدون أن يخربوا المجتمع الأخوي المسلم إن على الواعين من المسلمين وغير الواعين أن يعوا هذه المسألة؛ وهي مسألة سماع الوشاة.
وسماع الوشاة له أمثلة كثيرة وصور عديدة، فإن بعض الناس لا يدققون فيما يسمعون، ولا يطلبون البينة على الاتهامات الباطلة التي يسمعونها، بل إنه يعطي سمعه لكل أحد صادقاً أو كاذباً؛ وهذا -أيها الإخوة- أمر خطير يُؤدي إلى اتهام البريء، وقد يؤدي كذلك إلى تبرئة المذنب، وكم من بيوت قد خربت، وعلاقات قد فصمت وانقطعت بسبب سماع كلام الوشاة! ومن المسموعات المذمومة كذلك: سماع الصوفية المنحرفين كالغناء والألحان التي أوردنا ذكر بعضها، بل إنهم يوهمون غيرهم من السذج أنهم يسمعون الجماد، وأنهم قد وصلوا إلى مستويات إيمانية عالية، قال أحدهم: سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: دخلت على أبي عثمان المغربي ورجل يستقي الماء من البئر على بكرة، فقال: يا أبا عبد الرحمن: أتدري ماذا تقول هذه البكرة؟ فقلت: لا.
قال: تقول: الله الله.
انظروا إلى هذه الخرافة، وإلى هذه التراهات التي ينطق بها هؤلاء! ولئن كنتم لا تسمعون أنتم في واقعكم مثل هذه الخرافات فإن في بيئات أخرى ومجتمعات أخرى أناساً عندهم هذا الغلو وأضعافه، فينبغي أن يكون المؤمن حذراً يقظاً وهو يسمع مثل ذلك الكلام.
وما أحسن أن يستمع المسلم إلى شكوى أخيه المسلم؛ أن يستمع الموظف -مثلاً- إلى شكوى مراجع فيقضي له بالحق وينصفه، وكثير من الناس الذين أُكلَت حقوقهم اليوم إنما سبب ذلك عدم سماع شكاويهم، وعدم إنفاذ الحق فيها، ولذلك لا بد من سماع شكوى المظلوم وإحقاق الحق له، وما أحلى أن يسمع الأخ المسلم الهمَّ الذي يعتلج في نفس أخيه فيفرج همه، وما أحلى أن يسمع ما يدور في خاطره من أنواع الهموم فيسري عنه! وما أحلى أن يسمع مشاكله فيحل له تلك المشاكل، ويوجد له العلاجات والحلول لهذه الأشياء التي يعاني منها.
إن السماع والإنصات مهم جداً في إيجاد الحلول للناس، فعلى دعاة الإسلام أن يفقهوا هذه المسألة، وإن سماع كلام أهل العلم من أقرب العبادات إلى الله ، فبها تزول ظلمات الجهل والشك والريبة.
والحديث طويل -أيها الإخوة- في أنواع السماع، ولكن وصيةٌ أخيرة نوصي بها أنفسنا -جميعاً- ونحن نعيش في أتون الجاهلية المحرقة، التي يراد من ورائها إسماعنا أشياء لا نريد سماعها، بل إنه حتى على مستوى البيت، فإنك تجد إنساناً شاباً قد التزم بدين الله، فيأتي فاسق من الفسقة في ذلك البيت فيرفع صوت الأغنية مثلاً إلى أقصى حد نكاية بذلك الملتزم بدينه، وحتى يسمعه رغماً عنه، وهنا لا بد أن يستعيذ المسلم بالله من شر ما يسمع، وما يفرض عليه أن يسمع، وما يراد منه أن يسمع؛ لكي يسير في طريق الشيطان، وعليه أن يعتصم بالله، فكأنه موجود وغير موجود، فهو في عزلة شعورية عن هذا الواقع الفاسد، لا يسمع المحرمات، ويحاول أن يشغل نفسه بسماع الأشياء الطيبة، وأن يعتزل تلك المجالس، ولذلك فرق علماؤنا بين السماع والاستماع، ولمَّا تحدث ابن القيم ﵀ عن قصة ابن عمر عندما كان يسير فسمع مزمار راعٍ فوضع أصبعيه في أذنيه حتى لا يسمع ذلك، قال: ولا يجب على كل مسلم أن يفعل هذا، بل إنه إذا وجد في نفسه نفرة من ذلك؛ كإنسان يسير في الشارع فسمع غناءً من بيت، فلا يجب عليه أن يغلق أذنيه بإصبعيه، ولو فعل ذلك لكان أمراً محموداً، ولكن ما دام أنه يحس بنفرة مما يسمع وبكراهية لما يسمع، فهو لا يستمع لها ولكنه يسمعها، فهو لا ينصت لها ولا يتأثر بها، أما إذا أحس في قلبه تأثراً، أو وجد في قلبه ميلاً للسماع فبدأت مرحلة الاستماع؛ فإن عليه أن يغلق أذنيه، وعليه أن يهرب من ذلك المكان بأسرع وقت ممكن.
اللهم يا عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، يا فاطر السماوات والأرض أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك.
اللهم واجعل ما نسمع من طاعتك، اللهم وأبعدنا عن المحرمات من المسموعات، اللهم وافتح أسماعنا لكل من يريد أن يخبرنا بحق، أو يدلنا على حق، أو يأمرنا بحق، اللهم وأغلق آذاننا أمام كل من يريد أن يجرفنا إلى منكراً، أو يسمعنا منكر، اللهم واجعلنا من عبادك الذين يخشونك بالسر والعلانية، اللهم واجعلنا ممن أحببتهم وأحبوك، واقذف في قلوب عبادك حبنا، واجعلنا ممن يحبك ويحب من يحبك.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 1466
إن الله مع الصالحين
أمر الله الناس بعمل الصالحات، وأثنى على الصالحين، وجعل أجرهم عظيماً.
وهذه المادة قد بينت فوائد الصلاح وضوابطه، ومصير النفس الصالحة، وأشارت في ختامها إلى فضل صيام ست من شوال.
стр. 1467
الثناء على الصالحين
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١] أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.
أيها المسلمون: لقد ندبنا الله لعمل الصالحات، وأثنى على الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وذكر الصالحين في مقامٍ عظيم، فقال : ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء:٦٩ - ٧٠].
الصالحون وما أدراك ما الصالحون؟! الذين اتقوا ربهم فأطاعوه في ما أمر، واجتنبوا ما نهى عنه وزجر، الذين اقتفوا سنة النبي ﷺ والتزموا بها، الصالحون الذين يورثهم الله تعالى الأرض، كما قال الله : ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ﴾ [الأعراف:١٢٨] وقال: ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥].
فهم ورثة الأرض، الله يستخلفهم فيها، وينصرهم على عدوهم، فيقيمون شرع الله فيها، والعاقبة لهم، وإن تغلب الكفار حيناً من الزمن فإن العاقبة للمتقين الصالحين.
أيها المسلمون: إن هذه المرتبة العظيمة؛ مرتبة الصالحين التي دعا النبي ﷺ عند موته أن يلحق بها، فقالت عائشة ﵂، كما جاء في صحيح مسلم: (سمعت النبي ﷺ في مرضه الذي مات فيه وأخذته بحة يقول: مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، قالت: فظننته خُيِّر حينئذٍ بين البقاء في الدنيا وبين الرحيل ليكون معهم، فاختار الرحيل ليكون معهم، وهم الرفيق الأعلى، وحسن أولئك رفيقاً، واختارهم النبي ﷺ ، فقال: بل الرفيق الأعلى).
هؤلاء الصالحون آنية الله في الأرض، كما قال النبي ﷺ في الحديث الحسن الذي رواه الطبراني: (إن لله تعالى آنية من أهل الأرض، وآنية ربكم قلوب عباده الصالحين، وأحبها إليه ألينها وأرقها).
стр. 1468
مصير النفس الصالحة
لقد انتدب النبي ﷺ الناس للصلاة على رجلٍ؛ لأنه من الصالحين مع أنه لم يمت بينهم، وإنما مات بعيداً عنهم، ولكن لأنه من الصالحين، قال النبي ﷺ : (قد توفي اليوم رجلٌ صالح من الحبشة، فهلم فصلوا عليه، قال: فصففنا، فصلى النبي ﷺ ونحن معه صفوف) كأن الجنازة موضوعة أمامهم، كما جاء في صحيح البخاري رحمه الله تعالى؛ جنائز الصالحين تختلف عن جنائز غيرهم، قال ﵊: (إذا وضعت الجنازة واحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحةً، قالت: قدموني، وإن كانت غير صالحةٍ، قالت: يا ويلها أين يذهبون بها، يسمع صوتها كل شيءٍ إلا الإنسان، ولو سمعه صعق) رواه البخاري.
فالصالح إذا رفعت جنازته على الأكتاف، وحملت وسير بها، فإنها تتكلم بكلامٍ حقيقي، تقول: قدموني؛ لأنها تريد ما أعد الله لها، وتتشوق إلى ما بعد الموت من الجزاء الحسن.
أما في القبر، فإن الصالح منزلته عظيمة، وثوابه جزيل وحاله حسن، قال النبي ﷺ : (إن الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل صالحاً، قال: اخرجي أيتها النفس الطيبة، أخرجي حميدة، وأبشري بروحٍ وريحان، وربٍ غير غضبان، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها، فيقالُ: من هذا؟ فيقول: فلان، فيقال: مرحباً بالنفس الطيبة، كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة، وأبشري بروحٍ وريحان، وربٍ غير غضبان، فلا يزال يقال لها ذلك حتى ينتهى بها إلى السماء التي فيها الله ﵎.
وبعد ذلك يكون في القبر من أنواع النعيم ما فيه، فإنه يفسح له سبعين في سبعين، ويجعل عليه خضراً إلى يوم يبعثون، وينور له، ويأتيه عمله الصالح في أحسن صورة، ويفتح له بابٌ إلى الجنة، فيأتيه من طيبها وروحها وريحانها ما الله به عليم، هذا جزاؤه في القبر.
أما في الآخرة، فيقول النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه: (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فاقرءوا إن شئتم: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]) رواه البخاري رحمه الله تعالى.
والله يتولى الصالحين، فينصرهم ويحوطهم، ويرعاهم ويكلؤهم ويحفظهم ، يتولاهم الله بصلاحهم، ويدافع عنهم، ويطرح لهم القبول في الأرض، ويجعل الألسنة تلهج بذكرهم، وتثني عليهم، ويقتدي الناس بهم، يثبتهم الله، فينزل عليهم بركةً ورحمةً من عنده، وسكينةً يسكنهم بها، ويجعل قلوبهم عامرة، ويجعلهم محبين له مثنين عليه.
стр. 1469
فوائد الصلاح
من فوائد الصلاح: أن الله يحفظ أصحابه، ألم تسمع إلى قول النبي ﷺ : (إذا أوى أحدكم إلى فراشه، فلينفض فراشه بداخلة إزاره، فإنه لا يدري ما خلفه عليه، من دابةٍ أو أذى ونحو ذلك) ثم يقول: (باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها -وفي روايةٍ: (فاغفر لها) وكلاهما في البخاري - وإن أرسلتها -أي: لم تقض عليها بالموت في تلك النومة وفي تلك الليلة، وكتبت لها الحياة- وإن أرسلتها، فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين) فالله يحفظ الصالحين ويتولاهم، بل إن الله يحفظ أولادهم وأحفادهم بصلاحهم وعبادتهم، قال الله في قصة موسى مع الخضر لما أقام الجدار: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الكهف:٨٢] بصلاح أبيهم، قال ابن كثير ﵀:" وكان أبوهما صالحاً" فيه دليلٌ على أن الرجل الصالح يحفظ في ذريته، وتشملهم بركة عبادته في الدنيا والآخرة بشفاعته فيهم، ورفع درجتهم إلى أعلى درجةٍ في الجنة، لتقر عينه بهم، كما جاء في القرآن ووردت السنة به: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور:٢١] ولو كانت الذرية أدنى منه في العمل؛ فإن الله يلحق ذريته به في الجنة، لتكون قرة عينٍ له، فيفرح بهم، وبمصاحبتهم حين يكونون معه.
انظروا إلى الصلاح -أيها المسلمون- ما فائدته العجيبة، يرفع ناساً في الجنة من منزلة إلى منزلةٍ أعلى لصلاح الأب، ويحفظ مال اليتيم بصلاح أبيه وجده، بل ربما بصلاح أجداده، فإن الدعوة تبلغ في الذرية مبلغاً عظيماً، من قبل الرجل الصالح.
قال ابن كثير ﵀: قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: حفظ بصلاح أبيهما ولم يذكر لهما صلاحاً، ما ذكر لنا أنه لما بلغا أشدهما كانا صالحين، وإنما ذكر أنهما حفظا وحفظ المال لهما بصلاح أبيهما، ولم يذكر لهما صلاحاً، وتقدم أنه كان الأب السابع على ما قاله بعض المفسرين، الصالح دعوته تبلغ في ذريته مبلغاً عظيماً، ودرجةً بالغة.
والصالحون -أيها المسلمون- تنفعهم أعمالهم في اللحظات الحرجة، والمواقف الدقيقة، ولذلك لما انطبقت الصخرة على الثلاثة في الغار، لم يكن لهم طريقٌ للخروج إلا أن يدعو كلٌ منهم الله بعملٍ صالحٍ كان قد عمله، فقال النبي ﷺ : (انطلق ثلاثة رهطٍ ممن كان قبلكم حتى آووا المبيت إلى غار، فدخلوه فانحدرت صخرةٌ من الجبل فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، فقال رجلٌ منهم: اللهم كان لي أبوان الحديث) في الصحيحين وغيرهما دليلٌ على أن الأعمال الصالحة تنقذ الإنسان من الورطة، والعمل الصالح والولد الصالح ينفع أباه، كما أن الأب الصالح ينفع ولده، كما تقدم قبل قليل.
فقال النبي ﷺ : (إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاث: صدقةٍ جارية، أو علمٍ ينتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له) يؤتى بالرحمة بسبب صلاح ولده، يرفع في الجنة، يقول مم ذاك؟ فيقال: بدعوة ولدك لك، صلاح الولد نفع الأب، تأمل عظم الصالح عند الله تعالى وشرف منزلته.
والأعمال الصالحة حماية من النار، لو كان الإنسان عليه مظالم، فإنه يؤخذ من أعماله الصالحة، كما قال النبي ﷺ : (من كانت له مظلمةٌ لأخيه من عرضه أو شيء، فليتحلله منه اليوم قبل ألا يكون دينارٌ ولا درهم، إن كان له عملٌ صالحٌ أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات، أخذ من سيئات صاحبه، فحمل عليه، ثم طرح في النار).
فالعمل الصالح حماية، ورؤيا الرجل الصالح تختلف عن رؤيا غيره، إن منام الرجل الصالح ليس كمنام عامة الناس، منام الرجل الصالح له منزلةٌ خاصة، له قيمة عظيمة، قال النبي ﷺ : (رؤيا الرجل الصالح جزءٌ من ستةٍ وأربعين جزءاً من النبوة) رواه مسلم.
ولذلك فيها وضوحٌ وصدقٌ، فيها فائدةٌ وتحذيرٌ وتبشيرٌ: (رؤيا الرجل الصالح جزءٌ من ستةٍ وأربعين جزءاً من النبوة) فتأمل -يا عبد الله- حتى المنامات تتأثر بصلاح أصحابها، ثم إن الرجل الصالح إذا مرض أو سافر أو اعتل أو أصابه شيء، فإن عمله الصالح لا يزال يجري له مع أنه قعد عنه بمرضه وعلته.
فقد قال النبي ﷺ : (إذا كان العبد يعمل عملاً صالحاً، فشغله عنه مرضٌ أو سفرٌ، كتب له كصالح ما كان يعمل وهو صحيحٌ مقيم) فهذا من بركة الصالح، أن الله يمضي له أجر العمل وهو لا يقوم به؛ لأنه معتل أو مسافر؛ لأنه كان صالحاً في أيام صحته وإقامته، فيجري له مثل أجر ما كان يعمل.
الصالحون هم الوسط الذي يُعاش فيه، الصالحون هم الجو الذي تحيا فيه النفوس، الصالحون هم الرفقة والأخلاء الذين لا يندم من صاحبهم، فالرجل الذي قتل مائة نفس نصحه العالم بالذهاب من قريته إلى قريةٍ أخرى؛ لأن فيها قوماً صالحين، ليعبد الله معهم فهم الذين يذهب إليهم، ويسافر إليهم، يخالطون ويُعاش معهم وبينهم.
الرجل الصالح أمنية، ألم يأتك حديث البخاري في قصة سعد ﵁ من مناقبه، قالت عائشة: أرق النبي ﷺ ذات ليلة؛ أصابه الأرق لم يأته النوم، فقال: (ليت رجلاً صالحاً من أصحابي يحرسني الليلة) تمنى أمنية (ليت رجلاً صالحاً من أصحابي يحرسني الليلة إذ سمعنا صوت السلاح، قال: من هذا؟ قال: سعد يا رسول الله! جئت أحرسك -قيظ الله لنبيه رجلاً صالحاً هو سعد يأتيه فيحرسه- فنام النبي ﷺ حتى سمعنا غطيطه) قرت عينه واطمأنت نفسه ونام لحراسة الرجل الصالح، فالرجل الصالح أمنية، فالرجل الصالح هو الجدير بالاستئجار والتوظيف، قال الله : ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص:٢٦] وعنون عليه الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل في صحيحه باب استئجار الرجل الصالح.
إن الرجل الصالح جديرٌ بالتزويج، قال الله : ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٢].
فلا تتوقف لضعف وظيفته وقلة راتبه وضآلة ماله، فالله يبارك ويكثر ويغني من فضله، المهم أن يكون صالحاً.
المرأة الصالحة أمنية الأمنيات، قال النبي ﷺ في شأنها: (الدنيا متاعٌ، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة، إذا غاب عنها حفظته في ماله وعرضه) إذا جاءها رعته وأطاعته، المرأة الصالحة أمنية.
الصالحون من أسباب النصر على الأعداء، وكان بعض القواد يأتي بالصالحين معه مع أنهم ليسوا من أصحاب الحرب، يرجو بركة دعائهم وصلاحهم، يستعينون ببركة دعائهم وصلاحهم فينصر الله الجيش، الصالحون عملة نادرة، الصالحون أسباب إنقاذ المجتمع، الصالحون هم الراحلة، وهم الرواحل التي تحمل المسئوليات.
اللهم اجعلنا من الصالحين، اللهم أصلح ذات بيننا، وأصلح شأننا، وأصلح عملنا، وأصلح ألسنتنا وقلوبنا، وأصلح مكاننا عندك يا رب العالمين! اللهم أصلح زوجاتنا وذرياتنا، إنك أنت خير مسئولٍ وأنت أرحم الراحمين.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1470
أجر الصالحين
الحمد لله معزِّ من أطاعه ومذلِّ من عصاه، الحمد لله الذي كتب الصلاح لمن شاء، وكتب الشقاء على من شاء، أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير، وأصلي وأسلم على نبينا محمد رسول الله المبعوث رحمةً للعالمين، هو البشير النذير والسراج المنير، بلغ الدعوة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى أصحابه الذين نصروه، وعلى آله وأزواجه وذريته الطيبين الطاهرين، وعلى من تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعلى الصالحين.
أيها المسلمون: الصالحون عملةٌ نادرة لا يبقون كثيراً، فإن الله يحبهم، وبما أنه أعد لهم أجراً عظيماً، فإنه سرعان ما يقبضهم إليه، ويبقى شرار الناس في آخر الزمان لا يوجد رجلٌ صالحٌ واحد، تقوم الساعة على شرار الخلق، قال النبي ﷺ : (يقبض الصالحون الأول فالأول، وتبقى حثالة كحثالة التمر والشعير- والحثالة هي: الرديء من كل شيء- لا يعبأ الله بهم شيئاً) رواه البخاري ﵀.
والصالحون قد يشدد عليهم، فيبتلون ويضطهدون، ويؤذون في ذات الله فيصبرون، قال النبي ﵊: (إن الصالحين يشدد عليهم، وإنه لا يصيب مؤمناً نكبةٌ من شوكةٍ فما فوق ذلك، إلا حطت عنه بها خطيئة، ورفع له بها درجة) حديثٌ صحيحٌ رواه الإمام أحمد وغيره.
والآن انتبه معي -أيها الأخ المسلم- لما يصيب الصالحين من الفائدة العظيمة في كل صلاة ٍنصليها ويصليها غيرنا من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وفي كل صلاةٍ صلاها الأنبياء والشهداء والصديقون، والسابقون الأولون والمهاجرون والأنصار والذين اتبعوهم، وكل صلاةٍ صلاها إمام من أئمة السلف أو المهتدين من الخلف، كل صلاةٍ صليت في العالم وتصلى إلى قيام الساعة تحدث فيها فائدة عظيمة للصالحين، قال ﵊: (إن الله هو السلام، فإذا صلى أحدكم فليقل: التحيات لله والصلوت والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنكم إذا قلتموها، أصابت كل عبدٍ لله صالحٍ في السماء والأرض، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) رواه البخاري.
فكل صلاةٍ فيها التحيات صُليت وتُصلى وستُصلى، فإن للصالحين منها نصيباً، كم صلاة صُليت من قبل النبي ﷺ وأصحابه ومن تبعهم إلى يوم الدين؟ وستُصلى؟ وفي كل صلاة فائدة للصالحين، ودعوة لهم، تصيب الدعوة الصالحين، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، تصيب كل عبدٍ صالحٍ لله في الأرض وفي السماء.
والله تعالى أخبرنا عن دعاء بعض أنبيائه ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل:١٩] ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [الشعراء:٨٣].
اللحوق بالصالحين منية، إنها أمنية أن نكون صالحين، أن يكون الرجل صالحاً فهذا شيءٌ عظيم، وأجره جزيل، ومقامه رفيع، وثوابه لا يُعلم عند الله مكتوب.
стр. 1471
السيئات تخرج الإنسان من مسمى الصالحين
تأملوا -أيها المسلمون- الآن: كم واحد منا أخرج نفسه من الصالحين بأعمالٍ فاسقة؟ كم واحد أخرج نفسه من اسم الصالحين بفاحشةٍ ارتكبها ويرتكبها؟ وبغناءٍ سمعه ويسمعه؟ وبنظرةٍ محرمةٍ يلحظها بعينه؟ وبمسلسلٍ وفلمٍ يتابعه؟ وبمحرمٍ يكسبه؟ وبكذبٍ يلفظ به؟ وبخيانةٍ يأتي بها؟ وبرشوةٍ يقبضها؟ وبسيئةٍ يقترفها؟ كم واحدٍ منا أخرج نفسه من عداد الصالحين، وحرم نفسه هذه البركة بالسيئات؟! أليست خسارة؟! أليس فوات مغنم أن نخرج أنفسنا من مسمى الصالحين؟ نخرج أنفسنا من لقبهم، ونحرم أنفسنا من درجتهم، ومما تقدم ذكره من أجرهم وفائدتهم وغير ذلك، نخرج أنفسنا من ذلك بفسقنا وسيئاتنا وإسرافنا وتقصيرنا ومعصيتنا لله، وعودتنا إلى السيئات بعد رمضان.
اللهم أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، وتب علينا يا أرحم الراحمين، اللهم اجعلنا من الصالحين، واجعلنا معهم واحشرنا في زمرتهم، واجعلنا في درجتهم يا أكرم الأكرمين!
стр. 1472
صيام الست من شوال
وصيام الست من شوال متتابعاً أو متفرقاً صحيح، وإن جعله إثنين وخميس، وإثنين وخميس، وإثنين وخميس، فهو صحيح، وإن جعل أيام البيض منه صحيح، ولكن ليكن لك نيةٌ -يا عبد الله- من الليل، فإن بعض أهل العلم يشترط لصيام النفل المعين نية، فكن على نيةٍ من الليل تنوي بها صيام غد ٍليكون يوماً من شوال تضاعف لك فيه الحسنة بعشرة أمثالها، فلا تفرط ولا يلهينكَ ما ترى من الدنيا عن عمل الصالحات ونعيم الآخرة.
نسأل الله أن يأخذ بأيدينا إلى طريق الحق والصواب، اللهم تب علينا وارحم ضعفنا، اللهم أغننا من فقر، اللهم أبدلنا من بعد خوفنا أمناً، اللهم اجعلنا في بلدنا هذا آمنين مطمئنين وسائر المسلمين، اللهم إنا نسألك أن ترحمنا برحمةٍ تلم بها شعثنا، وتصلح بها شأننا، وتغفر بها ذنبنا، وترفع بها درجتنا يا أكرم الأكرمين! اللهم ارحم المجاهدين، واجمع كلمتهم على الحق المبين، اللهم انصرهم على عدوهم وعدوك يا رب العالمين! اللهم دمر أعداء الدين، وأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 1473
دليل أعمال الخير
لقد جاء في السنة النبوية الكثير من الأحاديث التي تدلنا على الخير وترغبنا فيه وتحثنا عليه، وأكثر هذه الأحاديث تختلف عن بعضها، فهي أعمال مختلفة حتى لا يمل الإنسان عندما يقضي ليله ونهاره في عمل واحد، ومن هذه الأعمال أعمال يسيرة إذا عملها الإنسان بصدق فإنها تكون سبباً في دخول الجنة، وهذا دليل على عظمة هذا الدين.
стр. 1474
أبواب الخير
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فما أكثر ذكر الله للذين آمنوا وعملوا الصالحات؛ لقد ذكرهم في القرآن كثيراً جداً، وأمر الله تعالى بالمسارعة في الخيرات وأثنى على أنبيائه في هذا الجانب بأنهم كانوا يسارعون في الخيرات، وأمر بالتنافس فيها وحث على ذلك بقوله: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦].
وعمل الخيرات هو المنجِّي يوم القيامة، والحرص على الخير يشغل النفس عن الشر، ومعرفة الأجر في الخير يحث عليه، ويحمِّس إليه، ولذلك اعتنى العلماء بكتابة كتب الترغيب والترهيب في ذكر الترغيب في الأعمال الفاضلات.
ونحتاج -أيها الإحوة- أن نذكر أنفسنا ببعض الأعمال الصالحة، وبأجر هذه الأعمال لكي نتحمَّس إليها، وننشغل بها؛ لأن عليها مدار الفوز والنجاة يوم القيامة.
وهذه الأعمال لا يتم الأجر لصاحبها إلا إذا نوى بها وجه الله تعالى، وإذا عرف ما فيها من الأجر كان ذلك عاملاً مهماً للاحتساب؛ فإنه إذا احتسب الأجر زاد أجره فيها.
فتعالوا -أيها الإخوة- نذكر أنفسنا بطائفة من الأعمال الصالحة؛ نراجع بها مسيرة حياتنا على ضوئها، وننظر في تقصيرنا وتفريطنا، ونحمِّس أنفسنا للعمل بها، لعل الله أن يتغمدنا برحمته، ولا شك أن هذا جزءٌ عظيمٌ من التربية الإيمانية التي ينبغي أن يربي المسلمُ نفسَه عليها.
في هذه الطائفة المختارة من أحاديث النبي ﷺ يبين فيها أبواباً عظيمة من الخير:
стр. 1475
تعلَّم العلم والدعوة إلى الله
قال ﵊: (مَن علم علماً فله أجر مَن عمل به لا ينقص مِن أجر العامل) رواه ابن ماجة، وهو حديث صحيح.
وقال ﷺ : (مَن دل على خيرٍ فله مثل أجر فاعله) رواه أحمد ومسلم.
يبين -أيها الإخوة- فضل تعليم العلم.
فاعقدوا يا طلبة العلم المجالسَ للناس، واقرءوا عليهم الكتب المناسبة لحالهم؛ في تفسير القرآن الكريم، وفي أحاديث النبي ﷺ ، كـ رياض الصالحين ومختصري الشيخين رحمهما الله تعالى، وكذلك يُقرأ عليهم ما ينفعهم في عباداتهم ومعاملاتهم من الفتاوى الفقهية الموثوقة، بحيث أنه يخرج من المسجد وقد استفاد علماً جزيلاً.
فيكون لك يا طالب العلم مثل أجره عندما يطبِّق، بالإضافة إلى أجر التعليم.
وقال ﷺ : (أيُّما داعٍ دعا إلى هدىً فاتُّبع، فإن له مثل أجور مَن اتبعه ولا ينقُص مِن أجورهم شيئاً) رواه ابن ماجة، وهو حديث صحيح.
وقال ﷺ : (من استسنَّ خيراً فاستُنَّ به -كأن أحيا سنة ماتت بين الناس- كان له أجره كاملاً، ومن أجور من استن به ولا ينتقص من أجورهم شيئاً) رواه ابن ماجة، وهو حديث صحيح.
فهنيئاً للدعاة إلى الله الذين يدْعون الناس إلى الهدى، ويدلونهم على الخير، ويفتح الله بهم مغاليق القلوب، والذين يكتب الله على أيديهم هداية البشر.
يا عبد الله: يا من قعد به الشيطان، يا من فتر، يا من تكاسل عن تبليغ الدعوة وعن القيام بها! انظر في هذا الأجر، كل إنسانٍ تدعوه إلى الله، وتدله على الخير، وتزيل عنه غبار الغفلة، وصدأ قلبه يكون لك من الأجر مثلما عمل طيلة حياته بعد أن كنت سبباً في هدايته.
فلماذا التقاعس عن الدعوة إلى الله؟! ولماذا لا نتعامل مع هؤلاء الذين أصابتهم الغفلة ونصبر على أذاهم؛ كما قال النبي ﷺ في المؤمن وهو الداعية الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم؟ لأي شيء؟ ليعلمهم، ويهديهم سبل السلام بإذن ربهم.
فقوموا إلى الدعوة إلى الله يرحمكم الله، وإياكم والتخاذل عن هذا الواجب المهم! فما انتشرت المنكرات إلا لما ضُيِّعت هذه الفريضة العظيمة؛ فريضة الدعوة إلى الله عزوجل.
وقال ﵊: (لأن أقعد مع قومٍ يذكرون الله تعالى من صلاة الغداة حتى تطلع الشمس أحب إليَّ من أن أعتق أربعةً من ولد إسماعيل، ولأن أقعد مع قومٍ يذكرون الله من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس أحب إليَّ من أن أعتق أربعة) حديث حسن.
فضل عقد مجالس الذكر التي تزيد الإيمان، وفيها العلم النافع بعد الفجر، وبعد العصر، وسائر اليوم والليلة.
قال ﵊: (ما اجتمع قومٌ على ذكر فتفرقوا عنه إلا قيل لهم: قوموا مغفوراً لكم) حديث صحيح.
وقال: (ما جلس قوم يذكرون الله فيقومون حتى يقال لهم: قوموا قد غفر الله لكم ذنوبكم وبُدِّلت سيئاتكم حسنات) حديث صحيح.
следующие страницы →