Полный текст (7 040 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1471
السيئات تخرج الإنسان من مسمى الصالحين
تأملوا -أيها المسلمون- الآن: كم واحد منا أخرج نفسه من الصالحين بأعمالٍ فاسقة؟ كم واحد أخرج نفسه من اسم الصالحين بفاحشةٍ ارتكبها ويرتكبها؟ وبغناءٍ سمعه ويسمعه؟ وبنظرةٍ محرمةٍ يلحظها بعينه؟ وبمسلسلٍ وفلمٍ يتابعه؟ وبمحرمٍ يكسبه؟ وبكذبٍ يلفظ به؟ وبخيانةٍ يأتي بها؟ وبرشوةٍ يقبضها؟ وبسيئةٍ يقترفها؟ كم واحدٍ منا أخرج نفسه من عداد الصالحين، وحرم نفسه هذه البركة بالسيئات؟! أليست خسارة؟! أليس فوات مغنم أن نخرج أنفسنا من مسمى الصالحين؟ نخرج أنفسنا من لقبهم، ونحرم أنفسنا من درجتهم، ومما تقدم ذكره من أجرهم وفائدتهم وغير ذلك، نخرج أنفسنا من ذلك بفسقنا وسيئاتنا وإسرافنا وتقصيرنا ومعصيتنا لله، وعودتنا إلى السيئات بعد رمضان.
اللهم أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، وتب علينا يا أرحم الراحمين، اللهم اجعلنا من الصالحين، واجعلنا معهم واحشرنا في زمرتهم، واجعلنا في درجتهم يا أكرم الأكرمين!
стр. 1472
صيام الست من شوال
وصيام الست من شوال متتابعاً أو متفرقاً صحيح، وإن جعله إثنين وخميس، وإثنين وخميس، وإثنين وخميس، فهو صحيح، وإن جعل أيام البيض منه صحيح، ولكن ليكن لك نيةٌ -يا عبد الله- من الليل، فإن بعض أهل العلم يشترط لصيام النفل المعين نية، فكن على نيةٍ من الليل تنوي بها صيام غد ٍليكون يوماً من شوال تضاعف لك فيه الحسنة بعشرة أمثالها، فلا تفرط ولا يلهينكَ ما ترى من الدنيا عن عمل الصالحات ونعيم الآخرة.
نسأل الله أن يأخذ بأيدينا إلى طريق الحق والصواب، اللهم تب علينا وارحم ضعفنا، اللهم أغننا من فقر، اللهم أبدلنا من بعد خوفنا أمناً، اللهم اجعلنا في بلدنا هذا آمنين مطمئنين وسائر المسلمين، اللهم إنا نسألك أن ترحمنا برحمةٍ تلم بها شعثنا، وتصلح بها شأننا، وتغفر بها ذنبنا، وترفع بها درجتنا يا أكرم الأكرمين! اللهم ارحم المجاهدين، واجمع كلمتهم على الحق المبين، اللهم انصرهم على عدوهم وعدوك يا رب العالمين! اللهم دمر أعداء الدين، وأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 1473
دليل أعمال الخير
لقد جاء في السنة النبوية الكثير من الأحاديث التي تدلنا على الخير وترغبنا فيه وتحثنا عليه، وأكثر هذه الأحاديث تختلف عن بعضها، فهي أعمال مختلفة حتى لا يمل الإنسان عندما يقضي ليله ونهاره في عمل واحد، ومن هذه الأعمال أعمال يسيرة إذا عملها الإنسان بصدق فإنها تكون سبباً في دخول الجنة، وهذا دليل على عظمة هذا الدين.
стр. 1474
أبواب الخير
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فما أكثر ذكر الله للذين آمنوا وعملوا الصالحات؛ لقد ذكرهم في القرآن كثيراً جداً، وأمر الله تعالى بالمسارعة في الخيرات وأثنى على أنبيائه في هذا الجانب بأنهم كانوا يسارعون في الخيرات، وأمر بالتنافس فيها وحث على ذلك بقوله: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦].
وعمل الخيرات هو المنجِّي يوم القيامة، والحرص على الخير يشغل النفس عن الشر، ومعرفة الأجر في الخير يحث عليه، ويحمِّس إليه، ولذلك اعتنى العلماء بكتابة كتب الترغيب والترهيب في ذكر الترغيب في الأعمال الفاضلات.
ونحتاج -أيها الإحوة- أن نذكر أنفسنا ببعض الأعمال الصالحة، وبأجر هذه الأعمال لكي نتحمَّس إليها، وننشغل بها؛ لأن عليها مدار الفوز والنجاة يوم القيامة.
وهذه الأعمال لا يتم الأجر لصاحبها إلا إذا نوى بها وجه الله تعالى، وإذا عرف ما فيها من الأجر كان ذلك عاملاً مهماً للاحتساب؛ فإنه إذا احتسب الأجر زاد أجره فيها.
فتعالوا -أيها الإخوة- نذكر أنفسنا بطائفة من الأعمال الصالحة؛ نراجع بها مسيرة حياتنا على ضوئها، وننظر في تقصيرنا وتفريطنا، ونحمِّس أنفسنا للعمل بها، لعل الله أن يتغمدنا برحمته، ولا شك أن هذا جزءٌ عظيمٌ من التربية الإيمانية التي ينبغي أن يربي المسلمُ نفسَه عليها.
في هذه الطائفة المختارة من أحاديث النبي ﷺ يبين فيها أبواباً عظيمة من الخير:
стр. 1475
تعلَّم العلم والدعوة إلى الله
قال ﵊: (مَن علم علماً فله أجر مَن عمل به لا ينقص مِن أجر العامل) رواه ابن ماجة، وهو حديث صحيح.
وقال ﷺ : (مَن دل على خيرٍ فله مثل أجر فاعله) رواه أحمد ومسلم.
يبين -أيها الإخوة- فضل تعليم العلم.
فاعقدوا يا طلبة العلم المجالسَ للناس، واقرءوا عليهم الكتب المناسبة لحالهم؛ في تفسير القرآن الكريم، وفي أحاديث النبي ﷺ ، كـ رياض الصالحين ومختصري الشيخين رحمهما الله تعالى، وكذلك يُقرأ عليهم ما ينفعهم في عباداتهم ومعاملاتهم من الفتاوى الفقهية الموثوقة، بحيث أنه يخرج من المسجد وقد استفاد علماً جزيلاً.
فيكون لك يا طالب العلم مثل أجره عندما يطبِّق، بالإضافة إلى أجر التعليم.
وقال ﷺ : (أيُّما داعٍ دعا إلى هدىً فاتُّبع، فإن له مثل أجور مَن اتبعه ولا ينقُص مِن أجورهم شيئاً) رواه ابن ماجة، وهو حديث صحيح.
وقال ﷺ : (من استسنَّ خيراً فاستُنَّ به -كأن أحيا سنة ماتت بين الناس- كان له أجره كاملاً، ومن أجور من استن به ولا ينتقص من أجورهم شيئاً) رواه ابن ماجة، وهو حديث صحيح.
فهنيئاً للدعاة إلى الله الذين يدْعون الناس إلى الهدى، ويدلونهم على الخير، ويفتح الله بهم مغاليق القلوب، والذين يكتب الله على أيديهم هداية البشر.
يا عبد الله: يا من قعد به الشيطان، يا من فتر، يا من تكاسل عن تبليغ الدعوة وعن القيام بها! انظر في هذا الأجر، كل إنسانٍ تدعوه إلى الله، وتدله على الخير، وتزيل عنه غبار الغفلة، وصدأ قلبه يكون لك من الأجر مثلما عمل طيلة حياته بعد أن كنت سبباً في هدايته.
فلماذا التقاعس عن الدعوة إلى الله؟! ولماذا لا نتعامل مع هؤلاء الذين أصابتهم الغفلة ونصبر على أذاهم؛ كما قال النبي ﷺ في المؤمن وهو الداعية الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم؟ لأي شيء؟ ليعلمهم، ويهديهم سبل السلام بإذن ربهم.
فقوموا إلى الدعوة إلى الله يرحمكم الله، وإياكم والتخاذل عن هذا الواجب المهم! فما انتشرت المنكرات إلا لما ضُيِّعت هذه الفريضة العظيمة؛ فريضة الدعوة إلى الله عزوجل.
وقال ﵊: (لأن أقعد مع قومٍ يذكرون الله تعالى من صلاة الغداة حتى تطلع الشمس أحب إليَّ من أن أعتق أربعةً من ولد إسماعيل، ولأن أقعد مع قومٍ يذكرون الله من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس أحب إليَّ من أن أعتق أربعة) حديث حسن.
فضل عقد مجالس الذكر التي تزيد الإيمان، وفيها العلم النافع بعد الفجر، وبعد العصر، وسائر اليوم والليلة.
قال ﵊: (ما اجتمع قومٌ على ذكر فتفرقوا عنه إلا قيل لهم: قوموا مغفوراً لكم) حديث صحيح.
وقال: (ما جلس قوم يذكرون الله فيقومون حتى يقال لهم: قوموا قد غفر الله لكم ذنوبكم وبُدِّلت سيئاتكم حسنات) حديث صحيح.
стр. 1476
حفظ القرآن الكريم
وحفظ القرآن الكريم، وما أدراك ما حفظ القرآن الكريم؟! له أجر عظيم، قال ﷺ : (لو جُمع القرآن في إهابٍ ما أحرقه الله بالنار) حديث حسن.
فهذا الذي جمع القرآن في صدره يكون حفظه له من أسباب وقايته من النار.
وقال ﵊: (يجيء القرآن يوم القيامة فيقول: يا ربِّ! حَلِّه، فيُلْبَس تاج الكرامة، ثم يقول: يا ربِّ! زِدْه، فيُلْبَس حلة الكرامة، ثم يقول: يا ربِّ! ارضَ عنه، فيرضى عنه، فيقول: اقرأ وارق فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها).
فهنيئاً لمن حفظ، وهنيئاً لمن أكثر التلاوة.
стр. 1477
التبكير إلى الصلاة
قال ﷺ : (مَن صلى لله أربعين يوماً في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كُتِب له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق) رواه الترمذي، وهو حديث حسن.
صلى لله أربعين صلاة في جماعة متوالية، يدرك التكبيرة الأولى، يعني: يكون قائماً في الصف عندما يقول الإمام في تكبيرة الإحرام: الله أكبر، ما هي النتيجة؟ تحصل له براءتان: - براءة من النار.
- وبراءة من النفاق.
شيء يفيد في الدنيا وينفع يوم القيامة، وآخر لا شك في فائدته يوم القيامة.
وقال ﵊: (إذا تطهَّر الرجل، ثم مر إلى المسجد يرعى الصلاة -ينتظر الصلاة بعد الطهارة- كَتَب له كاتبه -الملَك الموكَّل- بكل خطوةٍ يخطوها إلى المسجد عشر حسنات، والقاعد يرعى الصلاة كالقانت، ويُكتب من المصلين من حين يخرج من بيته حتى يرجع إليه) رواه الإمام أحمد، وهو حديث صحيح.
فهذا الأجر لمن بكَّر، ولمن انتظر بعدما تطهَّر.
وقال ﷺ : (من توضأ فقال بعد فراغه من وضوئه: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا الله، أستغفرك وأتوب إليك -كالدعاء الذي يقال في كفارة المجلس- كتب في رَقٍّ، ثم جُعِل في طابع، فلم يُكْسَر إلى يوم القيامة) حديث صحيح.
يُخْتَم عليه، ويُجْعَل في ظرفٍ، فلا يُفَك إلا يوم القيامة؛ ليجازي الله به صاحبه.
وقال ﵊ في يوم الجمعة: (ورجل حضرها بإنصات وسكون، ولم يتخطَّ رقبة مسلم) وما أكثر الذين يتخطون رقاب المسلمين فيؤذونهم بعدما جاءوا متأخرين، وليست هناك فراغات تجعل مَن أمامهم مفرطاً بعدم سدِّها، أو مكان ينفذون منه، فيتخطون الرقاب.
وقال في شأن الذي لا يتخطى: ((ورجل حضرها بإنصات وسكون، ولم يتخطَّ رقبة مسلم، ولم يؤذِ أحداً) وما أكثر الذين يؤذون حين يسدون بسياراتهم على مَن هو موجود ينتظر ويتأخر، ويشتري وينتهي ليخرج بعد ذلك بشيء من الدعوات عليه، أو المسبات واللعنات؛ وهو يستحقها.
إذاً: (حضرها بإنصات وسكون، ولم يتخطَّ رقبة مسلم، ولم يؤذِ أحداً؛ فهو كفارة إلى الجمعة التي تليها، وزيادة ثلاثة أيام، وذلك بأن الله يقول: ((مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا)) [الأنعام:١٦٠]) حديث صحيح.
وقال ﷺ في شأن السواك بالليل: (إذا قام أحدكم يصلي من الليل فليَسْتَك؛ فإن أحدكم إذا قرأ في صلاته وضع ملكٌ فاه على فيه، ولا يخرج من فيه شيءٌ إلا دخل فم الملَك) حديث صحيح.
стр. 1478
الجهاد في سبيل الله
وفي شأن الجهاد في سبيل الله، يقول ﷺ : (أيُّما مسلمٍ رمى بسهمٍ في سبيل الله فبلغ مخطئاً أو مصيباً فله من الأجر كرقبةٍ أعتقها من ولد إسماعيل) حديث صحيح.
وقال: (لَقِيام رجل في الصف في سبيل الله عزوجل ساعةً أفضل من عبادة ستين سنة).
وقال: (موقف ساعة في سبيل الله خيرٌ من قيام ليلة القدر عند الحجر الأسود).
وقال: (حُرِّم على عينين أن تنالهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس الإسلام وأهله من أهل الكفر) لا تحرس المحاربين فقط، وإنما تحرس الإسلام؛ فعين رقيبٍ، وعين منافحٍ عن الدين ينظر ماذا يكتبون ليرد عليهم، وماذا يعملون ليفضحهم، ويقوم بحراسة الإسلام، فعينه لا تمسها النار.
وقال ﷺ : (أيكم خَلَفَ الخارج في أهله وماله بخيرٍ كان له مثل نصف أجر الخارج) قال: خَلَفَه في أهله وماله بخيرٍ؛ لأن بعضهم لا يخلُف الغائب بخير، فاشترط لمن يخلُفُه بخير أن يكون له ذلك.
стр. 1479
الصدقة وإنظار المعسر
وقال ﷺ : (ما تصدَّق أحدٌ بصدقة من طيب؛ ولا يقبل الله إلا الطيب، إلا أخذها الرحمن بيمينه، وإن كانت تمرة، فتَرْبو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل، كما يربي أحدكم فُلُوَّهُ أو فَصِيْلَهُ) ولد الخيل الصغير يربَّى ثم يكبر، وكذلك الله تعالى يربِّي الصدقة للمسلم لتعظُم عنده.
وقال ﵊: (ما من مسلم يقرض مسلماً قرضاً مرتين إلا كان كصدقة مرة) هذا أجر القرض، فما هو أجر إنظار المعسر؟! قال ﵊: (مَن أنْظَرَ معسراً، أو وضع عنه؛ أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله).
وقال: (مَن أنْظَرَ معسراً فله بكل يومٍ مثله صدقة) إذا حلَّ الدَّين فأنْظَرَه فله بكل يومٍ مثله صدقة، وكلما ازداد إنظاراً -كلما أجَّل أجلاً بعد أجل- ازداد الأجر.
المهم: أن يحتسب ذلك، لا أن يُنْظِرَه مكرهاً لأنه لا حل عنده.
стр. 1480
صلاة الجنازة واتباعها
وقال ﵊: (مَن تبع جنازة مسلم إيماناً واحتساباً وكان معها حتى يصلَّى عليها، ويُفْرَغ من دفنها، فإنه يرجع من الأجر بقيراطين؛ كل قيراط مثل أحد، ومَن صلَّى عليها ثم رجع قبل أن تُدْفَن فإنه يرجع بقيراط من الأجر).
وهناك مِن عباد الله مَن يغشون المساجد التي تكثُر فيها الجنائز في صلاة العصر وغيرها لا يدري مَن هو الميت، يقصد أن يصلِّي على ميتٍ، ويتبع جنازته، وهو لا يدري مَن هو، كل ذلك رغبة فيما عند الله وفي موعود الله.
وقال ﵊: (مَن صلى على جنازة فله قيراط، ومَن انتظرها حتى توضَع في اللحد فله قيراطان؛ والقيراطان مثل الجبلين العظيمين).
سجدة التلاوة التي يسجدها كثير من الناس ينبغي إمعان الأجر فيها واحتسابه، قال ﵊: (إذا قرأ ابن آدم السجود فسجد اعتزله الشيطان يبكي، يقول: يا ويله! أُمِرَ ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأُمِرْتُ بالسجود فعصيتُ فلي النار) رواه مسلم ﵀.
وفي شأن البنات، والذين يتأففون من البنات، وفي البنات ابتلاءٌ ولا شك، ومن ذاق عرف، قال ﵊: (مَن كان له ثلاث بناتٍ فصَبَر عليهن، وأطعمهن، وسقاهن، وكساهن من جِذَته -يعني: من ماله، وما أعطاه الله- كنَّ له حجاباً من النار يوم القيامة) رواه الإمام أحمد وهو حديث صحيح.
الصبر على البنات له شأن عظيم؛ لأن تربية البنات في هذا الزمان أمرٌ جلل وخطير للغاية، ولذلك قال: (فصبر عليهن).
وإذا شبت -يا عبد الله- ووخَطَكَ الشيب في طاعة الله فأبشر، فإن النبي ﷺ قال: (أيما رجل شاب في سبيل الله فهو له نور).
نسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن شاب في ذكره وطاعته.
اللهم اجعل مبدأنا على طاعتك، ومنتهانا على دينك والثبات عليه يا رب العالمين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1481
إفشاء السلام
الحمد لله رب العالمين.
أشهد أن لا إله إلا هو الحي القيوم، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، لا يموت، والجن والإنس يموتون، خلق السموات بغير عمد، وخلق الأرض فذلَّلها لعباده، سبحانه ما أكرمه! وأشهد أن محمداً رسول الله، والرحمة المهداة، البشير النذير، والسراج المنير، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
عباد الله: ومن أبواب الخير: إفشاء السلام والابتداء به، حتى كان بعض السلف يغشَون الناس لا لشيء إلا لأجل إفشاء السلام.
قال ﷺ : (السلام اسم من أسماء الله وضعه الله في الأرض، فأفشوه بينكم، فإن الرجل المسلم إذا مر بقومٍ فسلم عليهم فردوا عليه كان له عليهم فضل درجة بتذكيره إياهم السلام، فإن لم يردوا عليه) وما أكثر الذين يهملون اليوم، ولا يردون السلام، وترفع السَّمَّاعة لتلقي السلام على شخص أو موظف ليقول لك: نعم، وهلا، ونحو ذلك من الألفاظ التي ليس فيها شيء من طاعة الرسول ﷺ بوجوب رد السلام (فإن لم يردوا عليه رد عليه مَن هو خير منهم وأطيب) من هو الذي يرد عليه إذاًَ؟! ملائكة الله عزوجل.
حديث صحيح.
وقال ﷺ : (زار رجلٌ أخاً له في قرية، فأرصد الله له ملكاً على مدرجته، فقال: أين تريد؟ قال: أريد أخاً لي في هذه القرية، فقال: هل له عليك من نعمة تردها؟ قال: لا.
إلا أني أحبه في الله، قال: فإني رسول الله إليك: أن الله أحبك كما أحببته).
فهنيئاً لمن يزور شخصاً قَرُب أو بَعُد في الله ومحبةً في الله، لا لشيء من الدنيا.
стр. 1482
أبواب مختلفة من الخير
قال ﷺ : (بَخٍ بَخٍ بَخٍ -كلمة تقولها العرب مدحاً للشيء- لَخَمْسٌ ما أثقلهن في الميزان: لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، والولد الصالح يُتَوفَّى للمرء المسلم فيحتسبه!) حديث صحيح.
وقال ﷺ : (ما مِن أحد ينصر مسلماً في موطنٍِ يُنْتَقص فيه مِن عرضه ويُنْتَهك فيه مِن حرمته، إلا نصره الله في موطن يحب فيها نُصْرَته) يعني: يوم القيامة.
وقال: (مَن ذبَّ عن عرض أخيه بالغيبة كان حقاً على الله أن يعتقه من النار) حديث صحيح.
فما أكثر الذين يقعون في الأعراض! وما أقل الذين يدافعون! وقال ﷺ : (ما مِن امرئٍ مسلمٍ يعود مسلماً إلا ابتعث الله سبعين ألف ملك يصلُّون عليه -يدعون له بالمغفرة والرحمة- في أي ساعات النهار كان حتى يمسي، وأي ساعات الليل كان حتى يصبح، وله خريف في الجنة على قدر طول طريقه) كما أخبرنا ﷺ .
وقال ﵊: (لقد رأيت رجلاً يتقلب في الجنة في شجرة قَطَعَها من ظهر الطريق، كانت تؤذي الناس) وفي رواية: (مر رجل بغصن شجرة على ظهر طريق، فقال: والله لأُنَحَيَنَّ هذا عن المسلمين، لا يؤذيهم، فأُدْخِل الجنة).
وقال ﷺ : (مَن رفع حجراً عن طريقٍ كُتِبَ له حسنة، ومَن كانت له حسنة دخل الجنة) حديث حسن.
وقال ﵊: (ما مِن راكب يخلو في مسيره بالله وذكره) إذا كنت مسافراً فاستمعت للقرآن الكريم، أو قرأته، أو ذكرت الله تعالى في طريقك، يؤنسك ذكره عزوجل، وسماع كتابه (ما مِن راكب يخلو في مسيره بالله وذكره إلا كان رَدِفَه ملَك) معه ملَك من ملائكة الله عزوجل.
وقال ﵊: (ثلاثة يحبهم الله: وذكر منهم: والرجل يكون له الجار يؤذيه -وما أكثر المؤذين في هذا الزمن! - فيصبر على أذاه حتى يفرق بينهما موتٌ أو ضعنٌ) أحدهما ينتقل، أو يموت، هذا يحبه الله تعالى.
وقال ﷺ : (مَن كَظَمَ غيظاً وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله على رءوس الخلائق حتى يخيره من الحور العين يزوجه منها ما شاء) كثيرةٌ هي تلك الأحداث التي تثير الأعصاب، وتُخرج الإنسان عن طوره، ولكن مَن ملَكَ نفسه عند الغضب وكَظَمَ غيظه من رجل أثار حفيظته، واعتدى على شيء شخصي في حقه، فالله تعالى يثيبه يوم القيامة.
وقال ﷺ : (مَن قَتَل وَزَغاً في أول ضربة) ذلك الحيوان الذي كان ينفخ على إبراهيم الخليل (مَن قَتَلَ وَزَغاً في أول ضربة كتب له مائة حسنة، ومَن قَتَلَها في الضربة الثانية فله كذا وكذا حسنة، وإن قَتَلَها في الضربة الثالثة فله كذا وكذا حسنة، أي: أقل) حديث صحيح، رواه الإمام أحمد ومسلم.
ولذلك كانت عائشة ﵂ تتخذ رُمْحاً لقتل الأوزاغ.
وهذه الأشجار التي يغرسها الناس عشوائياً بسببٍ أو بدون سبب أو تقليداً للآخرين، نادراً من يحتسب فيها الأجر التالي: قال ﵊: (ما مِن مسلم يزرع زرعاً، أو يغرس غرساً، فيأكل منه طير، أو إنسان، أو بهيمة إلا كانت له به صدقة).
أيها الإخوة: هذه طائفة من أبواب الخير مما ذكره العلماء رحمهم الله تعالى في كتب الترغيب، لعل الله تعالى أن ينفعنا بذكرها واستعراضها، فنتذكرها ونتدبرها ونُقْبِل عليها.
نسأله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.
اللهم إنا نسألك أن تجعلنا ممن يفعلون الخيرات، ويتركون المنكرات، ويحبون المساكين.
اللهم ارفع درجاتنا، واغفر خطيئاتنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان.
اللهم إنا نسألك أن تجعلنا بالخير عاملين، ولسنة نبيك متبعين.
اللهم اجعل خروجنا من هذه الدنيا على شهادة التوحيد (لا إله إلا الله).
اللهم إنا نسألك أن تغفر لأمواتنا وأموات المسلمين.
اللهم اشف مرضانا، وارحم موتانا، واقضِ ديوننا، واستر عيوبنا، وأهلك عدونا.
اللهم إنا نسألك أن تجعل فرج المسلمين قريباً.
اللهم اكشف البأس عنا وعن المسلمين، اللهم اكشف البأس عنا وعن المسلمين، اللهم اكشف البأس عنا وعن المسلمين، فإنه لا يكشف البأس والكرب إلا أنت يا أرحم الراحمين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 1483
فتنة النساء
إن الناظر إلى أحوال الناس يعرف أن الرجل لابد له من محبوب ينتهي إليه، ومعبود يعتمد عليه، فمن لم يكن الله معبوده ومنتهى حبه وإرادته، فلابد أن يعبد غير الله من الشهوات والملذات؛ ولذلك حذرنا النبي ﷺ من الشهوات، وفي هذا العصر تعاظمت فتنة النساء، وتمادى دعاة الشهوات في الدعوة إليها، تكلم الشيخ حفظه الله عن موقف الشريعة من الشهوات، وحكم التعلق بها وعواقبها، وأقوال السلف في التحذير من فتنة النساء.
стр. 1484
التعلق بالشهوات
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن الله جعل أساس التوحيد لا إله إلا الله، وهو المستحق وحده أن يكون المقصود والمدعو والمطلوب والمعبود ، فهذه هي الغاية التي من أجلها خلقنا، ومن نظر في الأحوال عرف أن الرجل لا بد أن يكون له محبوبٌ ينتهي إليه، ومعبودٌ يعتمد عليه، فمن لم يكن الله معبوده ومنتهى حبه وإرادته فلا بد أن يكون له مراد ومحبوب آخر يستعبده غير الله ، إما المال، وإما الجاه، وإما الأشكال.
إن الناظر إلى واقعنا -أيها الإخوة- يرى أن الناس قد غرق الكثير منهم في أنواعٍ من التعلق بالشهوات والافتتان بها، فما أكثر المسلمين الذين أشربوا حب الشهوات من النساء والأموال، والملبوسات والمركوبات، والمناصب والرئاسات، والولع بالألعاب والملاهي.
стр. 1485
موقف الشريعة من التعلق بالشهوات
ما هو موقف الشريعة تجاه الشهوات؟ إن هذه الشريعة المباركة المنزلة من عند أحكم الحاكمين سلكت السبيل الوسط بين أهل الفجور وأصحاب الرهبانية والتشدد، فأهل الفجور أضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات، وغرقوا في المعاصي والآثام، وأهل الرهبانية حرَّموا ما أحل الله من الطيبات، فيقولون: فلان ما ذبح ولا نكح، أي: لم يأكل اللحم، ولم يتزوج النساء، ولم يطأ في عمره؛ فلذلك لم يصبر الناس على طريقتهم، فتركوا الرهبان وهجروهم، بل إن كثيراً من الرهبان لم يصبروا على ما اعتقدوه، فوقعوا هم في أنواع الشهوات الخفية، فاكتشفوا وافتضحوا بين الخلق، وهذه الشريعة هي دين الله تراعي أحوال الناس، وأن لهم غرائز وشهوات، وكذلك فإن الشريعة تعترف بها ولكن تضبطها وتهذبها.
ولما كان العبد لا ينفك عن الهوى مادام حياً، وأن الهوى ملازمٌ له؛ كان الأمر بخروجه عن الهوى بالكلية غير ممكن، ولذلك فإن الله لم يأمرنا بأن نصرف قلوبنا عن هوى النساء بالكلية؛ بل صرفنا إلى نكاح ما طاب من النساء مثنى وثلاث ورباع، ومن الإماء ما شاء الإنسان، فصرف الهوى إلى الحرام بالهوى إلى المباح، وهكذا قال النبي ﷺ : (حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء).
стр. 1486
نتائج التعلق بالشهوات
إن المتتبعين لشهواتهم من الأشكال والصور، والطعام والشراب واللباس، لا بد أن يستولي على قلب أحدهم ما يشتهيه حتى يقهره ويملكه، ويبقى أسيراً للهوى، ولذلك فإن الإنسان إذا صار عبداً لشيءٍ من الدنيا غرق واستولى ذلك الشيء عليه، فصار هو الذي يقوده.
قال الشافعي ﵀: من لزم الشهوات لزمته عبودية أبناء الدنيا.
لا بد أن يكون عبداً لأحدهم، لجمالٍ أو مالٍ، أو شهوة أو رئاسة ونحو ذلك، وإذا كان الإفراط في الشهوات مذموماً شرعاً: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم:٥٩] فكذلك اتباع الشهوات مذمومٌ عقلاً.
إن العاقل إذا تبصر في أمور الذين يتبعون الشهوات ويغرقون فيها، يعرف تمام المعرفة بأن هذا الاتباع للشهوات والعبودية لها يصرف الإنسان عن مصالح كثيرة، ويفوت عليه منافع عظيمة، ولذلك فإن الصبر عن الشهوة -أي: الامتناع عن الشهوة المحرمة- أسهل من الصبر على ما تقتضيه إذا غرق فيها، فإن الصبر عن الشهوة المحرمة تعقبه لذة يقذفها الله في قلب الصابر.
وأما إطلاق العنان للنفس في الشهوات، فإن ذلك يوجب آلاماً وعقوبةً وإن كان في لحظة الفاحشة أو لحظة الحرام سكران لا يدرك ذلك، ومخمور لا يشعر به.
فتأمل يا عبد الله! كيف تورث المعصية بالشهوة حسرة وندامةً بعدها، (لذة ساعة شرٌ إلى قيام الساعة وما بعد قيام الساعة) أو تثلم عرض الإنسان، أي: أنه ينفضح بين الخلق، أو تذهب مالاً له خيراً له أن يبقى عنده، أو تضع قدراً وجاهاً له فيحقر بين الخلق كان حفظ جاهه أنفع له، أو أن تسلب نعمة بقاؤها ألذ وأطيب من قضاء الشهوة، أو أن تطرق لوضيعٍ -إنسان تافه وحقير- طريقاً يتسلط به عليك بسبب الشهوة، فيهدد أو يتوعد، أو يفعل ويأخذ ما يشاء، أو أن تجلب هماً وغماً، وحزناً وخوفاً لا يقارب لذة الشهوة، أو أن تنسي علماً ذكره ألذ من الشهوة، أو تشمت عدواً شماتة تتمنى أنك لم تقع في تلك الشهوة، أو تقطع الطريق على نعمةٍ مقبلة من الله، أو تبقي عيباً وصفةً لا تزول، والأعمال تورث الصفات والأخلاق.
стр. 1487
فتنة النساء مستنقع القرن العشرين
وأما شهوة النساء -يا عباد الله- والوقوع في حبائل الشيطان من هذه الجهة؛ فإن السعار الموجود في هذه الأيام والولوغ في مستنقعات الشهوة الآسنة ما أكثر منه، وهؤلاء الذين يتتبعون القنوات وشبكات الإنترنت والصور وغيرها قد سمروا أعينهم على الشاشات في سبيل ملاحقة برامج الفحش والرذيلة، وما أكثر الذين يشدون رحالهم إلى بلاد الفجور في سبيل تلبية شهواتهم المحرمة، وهذا المستنقع مستنقع القرن العشرين والحادي والعشرين الذي سيقدمون عليه، تعاظمت فيه الشهوات، وبذلت فيه أنواع الفنون في التصوير، وتصوير ذوات الأرواح هو باب الشر العظيم في هذا الزمان، وما أعظم الشريعة حين حرمت تصوير ذوات الأرواح؛ لأن تصوير ذوات الأرواح هو الذي أوقع الناس في ألونٍ كثيرةٍ من الفجور، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾ [النساء:٢٧] فتكالب شياطين الإنس والجن -يقودهم اليهود- في إفساد العالم، وإغراقه بالجنس، وإشاعة الفاحشة، حتى لا يبقى هناك طهرٌ ولا عفافٌ، ولا عرضٌ محفوظٌ ولا صيانةٌ، ولا تقوى ولا دين، فيسهل لليهود قيادة ذلك القطيع البهيمي، وإرخاء العنان للشهوة، وإحداث السعار والتولع بذلك لا يمكن أن يحدث شبعاً، بخلاف ما يقوله أصحاب النظريات الغربية من أن الإشباع يؤدي إلى الراحة، وهذا لا يمكن إطلاقاً، بل إن الانغماس يؤدي إلى مزيدٍ من الجوع، ولم نسمع أن رجلاً غرق في الزنا فشبع من فتنة النساء فكف وعف.
قال علي الطنطاوي ﵀: لو أوتيت مال قارون، وجسد هرقل، وواصلتك عشر آلافٍ من أجمل النساء من كل لونٍ وكل شكلٍ وكل نوعٍ من أنواع الجمال هل تظن أنك تكتفي؟! لا.
أقولها بالصوت العالي لا.
أكتبها بالقلم العريض، ولكن واحدةٌ بالحلال تكفيك.
ولا تطلبوا مني الدليل، فحيثما نظرتم حولكم وجدتم في الحياة الدليل قائماً ظاهراً مرئياً، واحدة في الحلال تكفيك كثيراً أو اثنتان في الحلال إلى أربع، وأما في الحرام فلو فجر بألف امرأة من نساء الدنيا فلا يمكن أن يكون عاقبته العفة.
ومن وقع في هذه المفاسد أنهك الجسد، وأتلف المال، وجلب العار، وأزال المروءة، وذهبت جلالته ووقاره، والعجيب أن يكون الرجل العاقل الكبير صاحب الأولاد والذرية قد أقبل على أقبح ما يكون بالوقوع في هذا السعار، والله حكيمٌ عليم، وقد قال لنا: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً﴾ [النساء:٢٨].
стр. 1488
أقوال السلف في النظر إلى النساء
قال طاوس ﵀: " من نظر إلى النساء لم يصبر ".
وقال ابن عباس: [لم يكن كفر من مضى إلا من قبل النساء] وهو كائنٌ كفر من بقي من قبل النساء، فهذه فتنة بني إسرائيل التي حذرنا النبي ﷺ منها بقوله: (ما تركت بعدي فتنةً أشد على الرجال من النساء) وهذا قد يكون من أسباب الكفر، فإن بعض الناس إذا دخل في هذا المستنقع كفر، وخصوصاً إذا أعجب بكافرة، وخصوصاً من الذين يذهبون إلى بلاد الكفر والانحلال.
стр. 1489
بعض قصص الذين فتنوا بالنساء
ساق المؤرخون المسلمون عدداً من القصص حول هذا الموضوع، ومن ذلك:
стр. 1490
قصة صالح المؤذن
قال أبو الفرج ابن الجوزي ﵀: بلغني عن رجلٍ كان بـ بغداد يقال له: صالح المؤذن، أذن أربعين سنة وكان يعرف بالصلاح، صعد يوماً إلى المنارة ليؤذن؛ فرأى بنت رجلٍ نصراني كان بيته إلى جانب المسجد، فافتتن بها، فجاء فطرق الباب، فقالت: من؟ فقال: أنا صالح المؤذن، ففتحت له، فلما دخل ضمها إليه، فقالت: أنتم أصحاب الأمانات فما هذه الخيانة؟! فقال: توافقيني على ما أريد وإلا قتلتك، فقالت: لا.
إلا أن تترك دينك، فقال: أنا برئ من الإسلام ومما جاء به محمد، ثم دنا إليها، فقالت: إنما قلت هذا لتقضي غرضك ثم تعود إلى دينك، فكل من لحم الخنزير فأكل، قالت: فاشرب الخمر فشرب، فلما دب الشراب فيه دنا إليها فدخلت بيتاً وأغلقت الباب، وقالت: اصعد إلى السطح حتى إذا جاء أبي زوجني منك، فصعد فسقط فمات، فخرجت فلفته في ثوبٍ، فجاء أبوها، فقصت عليه القصة، فأخرجه في الليل فرماه في الطريق، فافتضح أمره بعد ذلك، فرمي في مزبلة مرتداً!!
стр. 1491
قصة ابن عبد الرحيم
ذكر ابن كثير ﵀ في كتابه البداية والنهاية في حوادث سنة (٢٧٨هـ) ما يلي: قال: وفيها توفي ابن عبد الرحيم قبحه الله، ذكر أن هذا الشقي كان من المجاهدين كثيراً في بلاد الروم، فلما كان في بعض الغزوات والمسلمون يحاصرون بلدةً من بلاد الروم إذ نظر لامرأة من نساء الروم في ذلك الحصن، فهواها فراسلها، ما السبيل إلى الوصول إليك؟ فقالت: أن تتنصر وتصعد إلي، فأجابها إلى ذلك، فما راع المسلمين إلا وهو عندها، فاغتم المسلمون بسبب ذلك غماً شديداً، وشق عليهم مشقةً عظيمة، فلما كان بعد مدة مروا عليه وهو مع تلك المرأة أثناء الحصار وهو فوق وهم حول السور، فقالوا: يا فلان! ما فعل قرآنك؟! ما فعل علمك؟! ما فعل صيامك؟! ما فعل جهادك؟! ما فعلت صلاتك؟! فقال: اعلموا أني أنسيت القرآن كله إلا قوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ * ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر:٢ - ٣] وقد صار لي فيهم مالٌ وولد، أي: صار لي عند النصارى مال وولد.
يقول يزيد بن الوليد محذراً من سببٍ من أسباب الوقوع في الخنا والفجور -وهذا السبب منتشر كثيراً جداً في هذا الزمان-: يا بني أمية! إياكم والغناء، فإنه ينقص الحياء، ويزيد في الشهوة، ويهدم المروءة، وإنه لينوب عن الخمر، ويفعل ما يفعل السكر، فإن كنتم لا بد فاعلين فجنبوه النساء؛ فإن الغناء داعية الزنا.
قال ابن القيم ﵀: ومن الأمر المعلوم عند القوم أن المرأة إذا استصعبت على الرجل اجتهد أن يسمعها صوت الغناء، فحينئذٍ تعطي الليان وتنقاد، وهذا لأن المرأة سريعة الانفعال للأصوات جداً، فإذا كان الصوت بالغناء، صار انفعالها من وجهين: من جهة الصوت، ومن جهة المعنى، ولهذا قال النبي ﷺ لـ أنجشة الصحابي: (يا أنجشة! رويدك رفقاً بالقوارير) أي: النساء.
فكيف إذا استمع إلى هذه الأغنية والدف والشبابة والرقص بالتخنث والتكسر، فلو حبلت المرأة من شيءٍ لحبلت من الغناء.
لعمر الله كم من حرةٍ صارت بالغناء من البغايا
وكم من حرٍ أصبح به عبداً للصبيان أو الصبايا
وكم من غيورٍ تبدل به اسماً قبيحاً بين البرايا
وكم من معافى تعرض له فأمسى وقد حلّت به أنواع البلايا
стр. 1492
الحكمة من الأمر بغض البصر
النظر المحرم والغناء طريقان مباشران إلى الزنا، ولذلك حرمت الشريعة الحكيمة النظر، وأمرت بغض البصر، وحرمت الغناء والمعازف، رغماً عن أنف كل قذرٍ يفتي بإباحة الموسيقى التي حرمها الله ورسوله، البصر صاحب خبر القلب يأتي إلى القلب بالأخبار رسول القلب يرسله فيأتي بأخبار المبصرات فينقشها في القلب، فيجول القلب في هذه الصور ويشتغل ويفكر وينهمك ويهتم بها، ولذلك يكون بعده الوقوع في الحرام: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ * ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور:٣٠ - ٣١] بدأ بغض البصر قبل حفظ الفرج، لأن هذا هو الطريق إلى وقوع ذاك في الحرام: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور:٣٠] وهذا النظر -أيها الإخوة- الذي أطلقه الناس اليوم في النساء العابرات، والفتيات الماشيات، والخارجات، وفي الشاشات وأنواع المسلسلات والصور العاريات؛ خرّب أفئدة كثير من الناس في هذا الزمان، والنظرة سمٌ يؤثر في القلب؛ ولذلك كان من الحكمة أن تقطع من أولها ومبادئها، لأن الناظر إذا استمرأ النظر صعب عليه أن يتركه، ثم تتطور الأمور بامتلاء القلب من الصور المحرمة، وعند ذلك يكون الوقوع في الحرام.
نسأل الله أن يرزقنا العفة والعفاف، وأن يباعد بيننا وبين المحرمات، وأن يجعلنا من الأتقياء الأطهار، البررة الأبرار، إنه سميعٌ غفار.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1493
خطورة اختلاط الرجال بالنساء
الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي المتقين، وأشهد أن محمداً رسول الله خاتم الأنبياء وسيد المرسلين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، والشافع المشفع يوم الدين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
عباد الله: كيف إذا انضم إلى ما سبق: الاختلاط وقيام سوق الاختلاط بعمل المرأة مع الرجال؟ كيف إذا انضم إلى ما سبق هذه المخالطة والملابسة والقرب، وأن تجلس بجانبه أو تتكلم إليه، أو يأتي إليها، أو يخلو بها في مستشفى أو مكتب، أو يسمع الصوت بالهاتف، أو يتخذها سكرتيرة ونحو ذلك من الأعمال التي ينادي الكفرة والمنافقون بحصولها بيننا، ويرفعون عقيرتهم بأهميتها، وأنه لا بد من الحرص عليها، وتشغيل نصف المجتمع لتحطيم النصف الثاني وتخريبه، ويكون الخراب في النصفين جميعاً؟! كيف إذا صار الطالب مع الطالبة، والموظف مع الموظفة، والعامل مع العاملة؟ كيف إذا صار الاختلاط يعم؟ فماذا يحدث عند ذلك من أنواع الانغماس في الفواحش والقاذورات؟ عباد الله! قال العلماء: لا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال بلية وشر، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة، كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة، وهو من أسباب الموت العام والطواعين المهلكة.
يقول ابن القيم ﵀: "ولما اختلط البغايا بعسكر موسى ﵇، وفشت فيهم الفاحشة، أرسل الله عليهم الطاعون، فمات في يومٍ واحدٍ سبعون ألفاً".
والقصة مشهورة في كتب التفسير، فمن أعظم أسباب الموت العام كثرة الزنا.
هذا الكلام يقوله ابن القيم ﵀ في الطرق الحكمية منذ مئات السنين، يقول: من أسباب الموت العام الاختلاط.
وقد رأينا الطواعين في هذا الزمان التي تسبب الموت العام نتيجة الفواحش، فالكلام واحدٌ ومتصل من القديم إلى الحديث، وهذا الولع والانكباب على الشهوات سبب ضعف التوحيد، ويؤدي إلى العشق، والعشق هو الذي يبتلى به أصحاب الإعراض عن الله، وأما المخلصون فلا يقعون فيه، كما قال الله عن يوسف: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف:٢٤] وامرأة العزيز كانت مشركة، فوقعت -مع زواجها- فيما وقعت فيه من السوء، ويوسف ﵇ مع عزوبته ومراودتها له واستعانتها عليه بالنسوة والتهديد بالسجن، عصمه الله بإخلاصه.
إذاً: لو كان متزوجاً ولا يريد العفاف فسيقع في الحرام.
وقال عن إبليس: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص:٨٢ - ٨٣]، وقال تعالى ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر:٤٢] والغي: هو اتباع الهوى.
إن الافتتان بالنساء والولع بهن يورث أنواعاً من البلايا والعقوبات، ويورث عمى لا يبصر حقارة ما يعمله ولا قبحه، كما قال : ﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر:٧٢] هؤلاء قوم لوط الذين في الفواحش، فأعماهم ذلك عن معرفة قبح ذنبهم فأدمنوا عليه، والإنسان إذا أصيب بالإدمان فمن ذا الذي يخرجه؟! والتعلق بالحرام لا يكاد الإنسان يفارقه حتى يعود إليه، ولذلك كانت عقوبتهم في البرزخ (في الفرن في التنور) الهبوط ثم الصعود، حتى إذا كادوا يخرجوا من التنور رجعوا في قعره مرة أخرى، كما جاء في حديث البخاري، أنه ﵊ (رأى الزناة والزواني في تنورٍ أعلاه ضيق وأسفله واسع توقد تحته نار، فيه رجالٌ ونساءٌ عراةٌ، فإذا أوقدت النار ارتفعوا حتى كادوا أن يخرجوا، فإذا أخرجت رجعوا فيها) وهكذا لا يخرج هذا العاشق ولا المدمن على الحرام منه حتى يرجع إليه، بسبب ما فرط في جنب الله .
стр. 1494
بيان خطورة ما يعرض من الفحش على الإنترنت والقنوات المشفرة
أيها الإخوة! ولقد وصلتني عددٌ من الرسائل في هذا المسجد، وخلاصتها ومن آخرها: رسالةٌ من امرأةٍ تقول: زوجي كان صاحب دينٍ يختلط بالأخيار ويغشى مجالسهم، وكانت حالنا في البيت جيدة وعلاقته بي وبأولاده ممتازة، وهناك استقرارٌ بيتيٌ وعاطفي، ومنذ أن أدخل اشتراك الإنترنت في بيته -لا بارك الله فيه- انقلبت الأحوال، فصار يغلق على نفسه الباب، وطال انحباسه عنا، ثم تهاون بصلاة الجماعة في المسجد، ثم تهاون بالصلاة أصلاً حتى في البيت، ثم حلق اللحية، ثم ترك الأخيار وترك مجالس الخير، وصار عاكفاً على هذا الصنم، وساءت العلاقة بيننا، وغاب عن أولاده، وصرنا في غاية السوء، وقال: إذا لم يعجبك الحال الحقي بأهلك.
ورسالة ثانية: نفس القضية ولكن بالقنوات الفضائية، وببعض القنوات المشفرة وغير المشفرة التي تبث في أوقاتٍ مختلفة، وبأجهزة تركب على الدش ووو وغير ذلك من أبواب الفواحش التي انفتحت على الناس، فخربت البيوت، وأفسدت العلاقات، وضاع الأولاد، وأزهقت المرأة من هذه الحياة، والمرأة السليمة تغار أن يرى زوجها هذا الحرام، وتقبل عليه تنصحه ولكن أذنٌ من طينٍ، وأذنٌ من عجين، طينٌ حرام وعجين إبليس الذي يسد به طريق النصيحة فلا تصل.
أيها الإخوة: إننا -والله- أمام كارثة كبيرة قد أحدثت ببيوتنا وبشبابنا بل وبشيباننا، وترى الرجل الكبير العاقل تفتنه هذه الأمور القذرة.
نحن نعلم أننا في آخر الزمان، وأن كيد يهود في نشر هذه الأمور كبير جداً، ولكن أين ذكر الله؟ أين التحصن بالله؟ أين عبادة الله؟ أين بيوت الله التي تقي من دخل فيها؟ من دخلها كان آمناً من الشهوات إذا دخلها بصدق، أين مرافقة الأخيار الذين يحوطونك فيمنعونك من الوقوع في مثل هذه التراهات إذا أنت عملت فيهم بقول الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف:٢٨] لا دشاً ولا شبكةً ولا مجلة ولا سوقاً ولا هاتف مغازلة، ولا باب مدرسة بنات، ولا غير ذلك ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف:٢٨].
اللهم احفظنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، واجعل قلوبنا معمورة بذكرك، اللهم اصرف عنا الشهوات المحرمة، اللهم اصرف عنا كيد إبليس، اللهم اصرف عنا فتنة النساء، اللهم ارزقنا غض البصر.
اللهم إنا نسألك أن تجعلنا ممن رزقوا العفاف.
اللهم اجعلنا ممن يخافك ويتقيك في الغيب والشهادة أمام النا، ومن وراء الناس، وإذا غاب الناس.
اللهم اجعلنا ممن يخشاك كأنه يراك، وأسعدنا بتقواك، ولا تذلنا بمعصيتك، واحفظ بلادنا وبلاد المسلمين، واحفظ أولادنا وأولاد المسلمين، وطهر بيوتنا وبيوت المسلمين.
اللهم انصر المسلمين في بلاد الشيشان على الروس الكفرة، وانصر المسلمين في كشمير على هؤلاء الهنود، اللهم إنا نسألك النصر للإسلام وأهله في بلاد فلسطين على اليهود الغاصبين، اللهم إنا نسألك النصر العاجل لأهل الإسلام في أصقاع الأرض يا رب العالمين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 1495
محبة الله والطريق إليها
المحبة كما يعرفها ابن القيم: هي المنزلة التي فيها تنافس المتنافسون، وإليها شخص العاملون، وإلى علمها تسمى السابقون، وعليها تفانى المحبون، فهي قوت القلوب وغذاء الأرواح وقرة العيون إلى آخره.
وقد ذكر الشيخ علامات تدل على حب الله للعبد، والأشياء التي يتوصل بها العبد إلى محبة الله ، وكذلك بعض المسائل المتعلقة بهذا الموضوع.
стр. 1496
محبة الله
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فاعلموا -يا إخواني- أن محبة الله تعالى والطريق إليها موضوع له أهمية عظيمة في حياتنا التي نعيشها اليوم.
فمن الأسباب المهمة الملجئة لطرق الموضوع: أنه إذا تأمل الإنسان نفسه، وتأمل مَن حوله، فإننا نجد -أيها الإخوة- أن كثيراً من عباداتنا مثل الصلاة وغيرها، قد تحولت إلى عادات.
فصرنا ندخل المساجد، ونكبر وراء الإمام، ونقوم بأداء الركعات، ثم نسلم ونحن لم نفقه من أمر الصلاة شيئاً.
وإذا أتى الصيام تناول الواحد السحور بعملية أوتوماتيكية ثم يفطر، وهكذا يمر شهر رمضان وهو لم يستفد من الصيام شيئاً.
ويذهب الواحد إلى الحج، وقد تثور في نفسه بعض المشاهد التي تذكره بالله ؛ ولكن إذا كرر هذه العبادة، فإن هذا الحماس وهذا التأثير يتلاشى.
كذلك -يا إخواني- كثيرٌ من الذين يتمسكون بالإسلام، ويلتزمون به يكون تمسكهم بالإسلام في البداية على غير أساس صحيح؛ لأنهم دخلوا في هذا التمسك تقليداً لا محبة لله ، كأن يرى مَن حوله يصلون فيصلي، ويرى من حوله لا يسمعون الأغاني فيترك الأغاني، ويرى مَن حوله يقصر ثوبه فيقصر ثوبه، تقليداً لا حباً في الله ، فبَعد فترة من الزمن ينتكس هذا الشخص وينقلب على عقبيه.
فالشاهد -أيها الإخوة- أن هذا الموضوع (محبة الله موضوع مهم وخطير جداً.
حتى نصحح العبادات، وحتى نصحح الالتزام بالإسلام، ونصحح طريق السير إلى الله تعالى لا بد أن نعرف: ما هي محبة الله؟ كيف تكون محبة الله؟ ما هي علامات حب الله للعبد؟ وما هي الأشياء التي يتوصل بها العبد إلى محبة الله ؟ أشياء كثيرة لا بد من معرفتها.
والمحبة -أيها الإخوة- من أعمال القلوب؛ لأننا نعلم أن الإيمان هو: قول القلب، وعمل القلب، وقول اللسان، وعمل الجوارح.
وهنا كلامٌ سأسوقه إليكم الآن وهو مُجَمَّعٌ أكثره من كلام العالم الرباني شيخ الإسلام الثاني ابن القيم رحمه الله تعالى، جمعتُ بعضَه، ووجدت بعضه مجموعاً في بحوث لبعض الأشخاص.
ولا بد قبل البداية -أيها الإخوة- أن أسرد عليكم مقدمات لهذا الموضوع ذكرها هذا الرجل الفذ في بعض كتبه؛ لأنها عظيمة في المعنى.
فيقول رحمه الله تعالى: " الحمد لله الذي جعل المحبة إلى الظَفَر بالمحبوب سبيلاً، ونصب طاعته والخضوع له على صدق المحبة دليلاً، وحرَّك بها النفوس -يعني: بالمحبة- إلى أنواع الكمالات إيثاراً لطلبها وتحصيلاً، والمحبة: هي روح الإيمان والأعمال، والمقامات والأحوال، التي متى خلت منها فهي كالجسد الذي لا روح فيه " عبادة ليس فيها محبة كالجسد لا روح فيه، تدخل وتخرج من العبادة بدون أي تأثير.
ثم يقول ﵀: " المحبة: هي المنزلة التي فيها تنافس المتنافسون، وإليها شخص العاملون، وإلى علَمها شَمَّر السابقون، وعليها تفانى المحبون، وبروح نسيمها تروَّح العابدون فهي قوت القلوب -محبة الله قوت القلوب، هي الوقود، وهي الدافع للأعمال- وغذاء الأرواح، وقرة العيون، وهي الحياة التي مَن حُرِمَها فهو في جملة الأموات، والنور الذي مَن فَقَدَه فهو في بحار الظلمات، والشفاء الذي مَن عَدِمه حلت به أنواع الأسقام، واللذة التي مَن لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام، وهي روح الإيمان والأعمال والمقامات والأحوال، تحمل أثقال السائرين إلى بلاد لم يكونوا إلا بشق الأنفس بالغيها، وتوصلهم إلى منازل لم يكونوا أبداً بغيرها واصليها، وتبوئهم من مقاعد الصدق مقامات لم يكونوا لولاها داخليها، وهي مطايا القوم التي مسراهم على ظهورها دائماً إلى الحبيب، وطريقهم الأقوم الذي يبلغهم إلى منازلهم الأولى من قريب، تالله لقد ذهب أهلها بشرف الدنيا والآخرة.
والمحبة -أيها الإخوة- تتنوع، كل إنسان يحب شيئاً، وأنت إذا نظرت إلى مراد الأشخاص ومحبيهم في الدنيا، وجدتها متعددة! فسبحان من صرَّف عليها القلوب أنواعاً وأقساماً بين بريته، وفصلها تفصيلاً! فجعل لكل محبوب لمحبه نصيباً! فقسمها بين: - محب للرحمن.
- ومحب للأوثان.
- ومحب للنيران.
- ومحب للصلبان.
- ومحب للأوطان.
- ومحب للإخوان.
- ومحب للقرآن.
- ومحب للنسوان.
- ومحب للأثمان.
يعني: الأموال والتجارات.
- ومحب للألحان.
يعني: الأغاني.
فهي شجرة: عرقها الفكر في العواقب -ماذا سيحدث بعد الموت- وساقها: الصبر، وأغصانها: العلم، وورقها: حسن الخلق، وثمرتها: الحكمة.
فإذا غُرِسَت هذه الشجرة في القلب، وسُقِيَت بماء الإخلاص ومتابعة الحبيب ﷺ ، وهما ركنا العمل الصالح أثْمَرَت أنواع الثمار وآتت أكلها كل حين بأمر ربها، أصلها ثابت في قرار القلب، وفرعها متصل بسدرة المنتهى.
ولأجل المحبة -أيها الإخوة- أنزل الله الكتاب والحديد، فجعل الكتاب هادياً إليها، ودالاً عليها، وجعل الحديد لمن خرج عنها وأشرك بها مع الله أحداً غيره، ولذلك ذم الله المشركين الذين يحبون أندادهم مثل محبة الله، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] هذا شرك المحبة ".
стр. 1497
علامات حب الله للعبد
فإذا سألت -يا أخي المسلم- ما هي العلامات التي أعرف بها أن الله يحبني بها؟ كيف أعرف هذا؟
стр. 1498
حمايته من الدنيا
أولاً: المحبة على الصحيح من أقوال العلماء ليس لها تعريف إلا لفظها فقط، ولها مترادفات، وكثير ممن عرَّفها إنما عرَّفوها بآثار لها، آثار المحبة عرَّفوها بالمحبة، والصحيح: أنه لا تعريف لها، ولا يمكن تعريفها؛ لأنها شيءٌ شعوريٌ يقوم في القلب، لا يمكن تحديده بألفاظ مطلقاً.
فإذا نظرت لبعض الآيات والأحاديث التي فيها علامات محبة الله للعبد نجد بعضاً منها على النحو التالي:- عن قتادة بن النعمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا أحب الله عبداً حماه الدنيا كما يظل أحدُكم يحمي سقيمه الماء) أخرجه الترمذي، وحسنه الألباني.
حديث: (إذا أحب الله عبداً حماه الدنيا كما يظل أحدكم يحمي سقيمه الماء).
(حماه الدنيا): يعني: يحميه من فتنة الدنيا، من فتنة أموالها وبهرجها وزخرفها وزينتها، يحميه من هذه الأشياء، (حماه الدنيا): مَن الحِمْيَة، وهي: المنع.
(كما يظل أحدكم يحمي سقيمه الماء): أحياناً يكون الماء مضراً للمريض، فتجد أهل المريض يمنعون عنه ما يضره، فإذا قال لهم الأطباء: أن كثرة شرب الماء مضر للمريض منعوا عنه الماء، كذلك يحمي الله تعالى عبده الذي يحبه كما يحمي أهلُ المريض المريضَ من شرب الماء الذي يكون مضراً به في بعض الأحيان.
стр. 1499
العلامة الثانية من العلامات: الابتلاء
فعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن عِظَم الجزاء مع عِظَم البلاء، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سَخِطَ فله السُّخْط).
وهذا الابتلاء -أيها الإخوة- يكون على قدر الإيمان، فلما سئل رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح: (أيُّ الناس أشد بلاءً؟ قال: الأنبياء، ثم الأمثل، فالأمثل، يبتلَى الرجل على قدر دينه، فإن كان دينه صلباً اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض، وليس عليه خطيئة).
يقول تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٥ - ١٥٧].
يكون البلاء -أيها الإخوة- أحياناً نتيجة معاصٍ وذنوب، وأحياناً قد يكون الإنسان طائعاً لله، سائراً على طريق الله، صالحاً؛ لكن يأتيه البلاء، فهل هذا عقاب؟ لا.
بل يكون لمحبة الله لعبده، أي: أن الله قد قدر على العبد أن يصل إلى الدرجة الفلانية في الجنة.
وأعمال العبد؛ الصلاة، والصيام، والصدقات، والدعوة، والتعلُّم لا توصله إلى هذه المرتبة! إذاً فكيف يرفعه من هذه المرتبة التي بلغها بهذه الأعمال إلى المرتبة التي قدَّرها؟! يكون ذلك بالابتلاء كأن يضاعف عليه البلاء، والمصائب، والأمراض، والفقر، والجوع، ويموت قريبه، ويمرض ابنه، ويفقد ماله، فيصبر على هذا البلاء فيرفعه الله إلى تلك الدرجة، ولولا البلاء لم يبلغ تلك الدرجة، هذا من حِكَم الله جل وعلا.
стр. 1500
القبول في الأرض
وكذلك من علامة حب الله للعبد: القبول في الأرض: وهذا الحديث الذي رواه الإمام مسلم جاء فيه قصة: أن عمر بن عبد العزيز ﵁ لما تولى أمور الناس، وحج بهم أطل على الناس، فقال أحد أبناء التابعين لأبيه: [هذا -يعني: عمر بن عبد العزيز - يحبه الله تعالى - قال: إن الله يحب عمر بن عبد العزيز - فقال له أبوه: كيف عرفت ذلك يا بني؟ قال: إن الناس يحبون عمر بن عبد العزيز، فلا بد أن يكون الله قد أحبه قبل أن يحبه الناس، فقال: صدقت يا بني] ثم روى لابنه الحديث التالي: قال رسول الله ﷺ ، في الحديث الصحيح: (إن الله إذا أحب عبداً دعا جبريل، فقال: إني أحب فلاناً فأحبه، قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضَع له القبول في الأرض) وتجد كل الناس يحبونه؛ لأن الله قد أحبه، وأحبته الملائكة قبل أن يحبه أهل الأرض، فيحبه الجميع، أهل السماوات وأهل الأرض.
وهذه نعمة -أيها الإخوة- لا تشترى بالمال، ومهما عمل التجار، ومهما عمل الكادحون، فلا يصلون إليها إلا بتقوى الله والأعمال الصالحة.
كذلك يُسْتَدل من هذا الحديث على أن محبة قلوب الناس للشخص هي علامة على محبة الله.
стр. 1501
الرفق
الشيء الرابع من علامات محبة الله للعبد: الرفق: لأن رسول الله ﷺ قال في الحديث الصحيح في صحيح الجامع: (إن الله إذا أحب أهل بيت أدخل عليهم الرفق).
تجد أمورهم تسير بغاية الرفق، تجد الزوج يرفق بزوجته، والزوجة ترفق بزوجها، وهما يرفقان بأولادهم، والأولاد يرفقون بأبيهم، وييسر الله لهم سبل الرزق، فيأتيهم رزقهم رغداً من كل مكان من حيث لا يحتسبون.
стр. 1502
حسن تدبير الله للعبد
من ضمن العلامات كذلك: حسن تدبير الله للعبد، وحسن تربية الله لعبده منذ صغره:- فتجد التوفيق حليفه دائماً، لا يطرق باباً إلا ويجده مفتوحاً، ولا يتعسر عليه أمر إلا ويكون التيسير حليفه بعد حين، ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ [الشرح:٦].
" فإن الله -كما يقول ابن القيم ﵀ إذا أحب عبداً اصطنعه لنفسه -مثلما اصطنع موسى- واجتباه لمحبته -ومثلما اجتبى إبراهيم- واستخلصه لعبادته، فشغل همه به، ولسانه بذكره، وجوارحه بخدمته ".
فيشغل الله جسد الإنسان بعبادته، ويشغل لسان عبده بذكره، ويشغل همه وتفكيره في كيف يرضي الله .
وهذا توفيقٌ من الله.
стр. 1503
موافقة العبد لله فيما يقوله من كلام وأحكام
كذلك -أيها الإخوة- من العلامات: موافقة العبد لله فيما يقوله من كلام وأحكام: وأكبر شاهد على هذه القضية: ما حصل في غزوة الحديبية! فإن الرسول ﷺ لما عقد الصلح مع الكفار استشاط بعض المسلمين غضباً لشروط الصلح، وظنوا أن شروط الصلح تملي عليهم أشياء تخالف موقف القوة، وتضعهم في موقف ضعف، هكذا ظنوا؛ ولكن الله أراد أمراً آخر.
وكان عمر بن الخطاب ذا نفسية لا ترضى بالدون، ولا ترضى بالضعف، لَمَّا شاهد الشروط ثار وذهب إلى الرسول ﷺ وقال: (يا رسول الله! ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟! قال: نعم.
قال: فعلامَ نعطي الدنية في ديننا؟!) كيف نوافق على شروط مثل هذه؟! كيف إذا جاءنا المسلم نرده، وإذا ذهب واحد منا من المدينة إلى قريش لا يردونه؟! كيف نوافق على هذه الشروط؟! فماذا أجاب الرسول ﷺ ؟ قال: (إني رسول الله، وهو ناصري، ولست أعصيه -هكذا أمرني ربي- فقال له عمر: ألم تكن تحدثنا أنا نأتي البيت فنطَّوَّف - نطوف- به؟! فقال عليه الصلاة السلام: أقلت لك أنك تأتيه العام؟) -قلت لك أنك ستأتيه هذا العام الذي عقدنا فيه الصلح؟ - (قال: لا، قال: فإنك آتيه ومُطَّوِّفٌ به) يعني: يا عمر! ستأتي البيت في يوم من الأيام وتطوف به.
فكلام عمر ليس عن عدم اقتناع، وإنما أراد أن يزداد إيماناً، وأن يتثبت في موقفه، ثم ذهب فوجد أبا بكر الصديق فعرض عليه نفس الأسئلة، ولم يعلم أبو بكر بما دار من حوار بين الرسول ﷺ ، وعمر؛ لأنه كان بعيداً، قال عمر لـ أبي بكر: (ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟! قال: نعم.
قال: فعلامَ نعطي الدنية في ديننا؟! قال أبو بكر -بالحرف الواحد-: إنه رسول الله، وهو ناصره، وليس يعصيه) ماذا قال الرسول؟ (إني رسول الله، وهو ناصري، ولست أعصيه) طرح عمر السؤال الثاني، قال: (ألم يحدثنا الرسول ﷺ أنا سنأتي البيت فنَطَّوَّف به؟! فقال أبو بكر: أقال لك أنك تأتيه العام؟ -ماذا قال الرسول ﷺ ؟ -قال: قلتُ لك أنك تأتيه العام؟ توافُق- قال عمر: لا.
-كما قال للرسول ﷺ قال أبو بكر له: فإنك آتيه ومطَّوِّف به) ماذا قال عليه الصلاة السلام؟ (فإنك آتيه ومطَّوِّفٌ به).
هذا التوافق -أيها الإخوة- ليس عبثاً، لكن إذا أحب العبدُ اللهَ وفق اللهُ العبدَ فيُجْرِي الحقَّ على لسانه، فلا يَخرج منه إلا الحق.
وعمر كان من أصحاب هذه المرتبة، فلذلك يقول: [وافقت ربي في ثلاث، أو في أربع:].
وافق عمر ربه في ثلاث: - كان يتمنى نزول تحريم الخمر؛ فنزل تحريم الخمر.
- كان يتمنى نزول آية الحجاب؛ فنزلت آية الحجاب.
- كان له موقف من أسارى بدر؛ فنزل القرآن تصديقاً له.
هؤلاء الأولياء -أيها الإخوة- يُجْرِي الله الحق على لسانِهم، فيوافقون الله ورسوله، حتى لو لَمْ يطَّلِعوا، فيوفقهم الله ويسددهم.
ولذلك -أيها الإخوة- كلما قويت مَحبة العبد لله قوي سلطان القلب في الْمَحبة فاقتفى أثر الطاعات، وترك المعاصي والْمُخالَفات.
وممن تصدر المعصية؟ تصدر المعصية ممن ضعفت محبته.
وهناك فرق عظيم بين مَن تَحمله المحبة على فعل الطاعة، وبين مَن يَحمله الخوف من السوط والضرب والعقوبة على فعل الطاعة.
بعض الناس عندما يعمل الطاعة تقول له: لماذا تعمل؟ يقول لك: لأني أخاف إذا ما عملت أن أدخل جهنم، هذا شعور ممدوح؛ لكن هناك شعور أكمل من هذا.
ما هو الشعور الأكمل من هذا؟ أنني أعبد الله لأنني أحبه، والذي يحب أحداً يسعى لإرضائه.
أعبد الله لأني أحبه، وأطمع في جنته، وأخاف من ناره، بعض الناس يعبدون الله خوفاً من العقوبة لا حباً له، وهذه مرتبة أدنى من مرتبة الذي يعبد الله مُحِباً له، طائعاً له، طامعاً في جنته، خائفاً من ناره.
ولذلك -أيها الإخوة- المحبة المجردة عن التعظيم تكون ميِّتة، لا يتبعها عمل.
لذلك قال السلف: "من عَبَد الله بالحب وحده؛ فهو زنديق.
ومن عبده بالرجاء وحده؛ فهو مرجئ.
ومن عبده بالخوف وحده؛ فهو حروري ".
الزنادقة المنافقون، إذا قلت لأحدهم تقول: أنت تحب الله؟ يقول: طبعاً نحب الله.
فإذا نظرت إلى واقعه، فهو أسوأ ما يكون! المحبة خرجت من اللسان وليس من القلب.
فالذي يزعم أنه يحب الله فقط بدون عمل فهذا زنديق.
أما الذي يقول: أنا أعبد الله بالرجاء، أتمنى على الله الأماني، وأتمنى أن الله يدخلني الجنة، وأتمنى الفوز بها والنجاة من النار، فهل أنت تعمل لهذا؟ لا يعمل؛ لكن يتمنى على الله الأماني، هذا من المرجئة.
стр. 1504
أنواع المحبة
اعلموا -أيها الإخوة- أن المحبة أنواع: - محبة طبيعية: مثل محبة الجائع للطعام، ومحبة الظمآن للماء.
- محبة رحمة وشفقة: مثل محبة الوالد لولده، والأم لولدها.
- محبة أنس وألفة: مثل محبة الإخوان بعضهم لبعض، ومثل محبة أصحاب الحرفة الواحدة بعضهم لبعض.
- محبة الله وهي تختلف عن كل هذه الأنواع وأهم شيء في محبة الله أنه يقترن بها التعظيم.
الوالد عندما يحب ولده هل يعظم الولد ويخاف من الولد؟ لا.
وكذلك محبة الإخوان عندما يحب أحدهم الآخر.
الجائع عندما يحب الطعام هل يخاف من الطعام ويعظم الطعام؟ لا يعظم الطعام.
محبة الله من صفاتِها: أنَّها محبة تَجمع بالإضافة إليها الخوف والتعظيم، وهذه الأشياء لا يمكن أن تُجمَع إلا بمحبة الله ، فإذا صُرِف التعظيم إلى غير الله وقعنا في الشرك؛ لذلك ليس هناك محبة مقترنة بالتعظيم، وصحيحة إلا محبة الله .
стр. 1505
المحبة تزداد بالطاعة وتنقص بالمعصية
والمحبة -أيها الإخوة- كغيرها من أعمال القلوب تزداد بالطاعة وتنقص بالمعصية.
فالذي يعمل المعاصي لا نقول: إنه لا يحب الله مطلقاً! هذا خطأ، وإنما يقال: هو يحب الله على قدر أعماله الصالحة.
والذي تزداد طاعته لا نقول: إنه بلغ الْحَد الأعلى، وعنده بعض الْمَعاصي، نقول: إنه يبلغ من الْمَحبة بقدر أعماله الصالِحة.
ما هو الدليل على هذا؟ الدليل ما رواه البخاري عن عمر بن الخطاب: (أن رجلاً كان على عهد النبي ﷺ كان اسمه عبد الله، وكان يُضْحِك رسول الله ﷺ ، وكان النبي ﷺ قد جلده في الشراب -يعني: في الخمر - فأتي به يوماً فأُمر به فجلد، فقال رجل من القوم -من الصحابة-: اللهم العنه، وقال أحدهم: قاتلك الله! ما أكثر ما يؤتى بك! فقال النبي ﷺ : لا تلعنوه، فوالله ما علمتُ إلا أنه يحب الله ورسوله) أو كما قال ﵇.
الله أطلع الرسول ﷺ بالوحي على أن هذا الرجل فيه حب لله، حتى لو فعل هذه المعصية، ما زال فيه حب لله، لكن الذي تنتفي منه محبة الله نهائياً هذا كافر.
والذي يرتكب بعض المعاصي، ويكون فيه حب لله بقدر الطاعات التي يؤديها، فإن محبته تنقص بقدر المعاصي، كلما عمل معاصي أكثر نقصت المحبة أكثر، حتى يصل إلى درجة والعياذ بالله إذا صارت أعماله معاصي في معاصٍ، وليس هناك طاعات، إلى درجة الكفر.
بعض الناس عندهم حجج! يأتي ويقول: كيف تريدني أن أكره الخمر والله أوجدها في الدنيا؟! ولو كان الله لا يحب الخمر لما أوجدها في الدنيا، كيف تريدني أن أمتنع عن الزنا والله قدر علي هذا الشيء؟! ولو كان الله لا يحب هذا لما قدره.
قال شيخ الإسلام ﵀: " ناقشتُ بعض هؤلاء الذين عندهم هذا المنطق، فقال لي -هذا الرجل المارق الملحد- قال: المحبة نار تحرق من القلب ما سوى مراد المحبوب -يعني: المحبة تحرق كل شيء إلا الذي يريده الله، فأي شيء موجود معناه أن الله يحبه، بزعم الرجل هذا- والكون كله مراده، فأي شيء أبغض منه؟! قال: فقلت له: فإذا كان المحبوب -يعني: الله قد أبغض بعض ما في الكون، فأبغض قوماً ومَقََتَهم ولعنهم وعاداهم -أبغض شُرَّاب الخمر، وأبغض الزانيات، والزواني، والذين يأكلون الربا، والكفار، والمشركين، أبغضهم ولعنهم ومقتهم، فجئت أنت وواليتهم وأحببتهم تكون موالياً للمحبوب؟! -يعني: لله موافقاً له، أم مخالفاً له ومعادياً؟! قال: فكأنما أُلْقِمَ حجراً ".
إن الله خلق بعض الأشياء فتنة للناس: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ [الفرقان:٢٠] لماذا خلق الله الشر والخير؟ ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال:٣٧] لو لم يكن هناك شر فإن كل الناس سيدخلون الجنة، بدون تميير؛ لأنك لا تميز الخير من الشر، فالله له حكمة في خلق الشر، حتى تتميز النفوس، وإلا لم يصلح الناس لدخول الجنة: (ألا إن سلعة الله غالية) ليست رخيصة حتى يدخلها كل واحد، لذلك هناك أناس سيدخلون في جهنم ويخلدون فيها، وأناس سيحترقون ثم يخرجون إلى الجنة بحسب الإيمان والكفر ودرجاتهما.
стр. 1506
الأشياء التي يتوصل بها العبد إلى محبة الله
لذلك -أيها الإخوة- أمرنا الله بأشياء كثيرة حتى نتوصل بها إلى محبته، فمن هذه الأشياء:
стр. 1507
ذكر الله تعالى
مثلاً: ذكر الله تعالى: (لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله) وصية الرسول ﷺ ، لا يأتيك الموت إلا ولسانك رطب من ذكر الله، هذه الأشياء مهمة، فالإنسان إذا أحب شخصاً ماذا يفعل؟ تجد ذكر الشخص هذا وسيرته دائماً على لسان الرجل الذي يحبه، فإذا كنا نحب الله فعلاً لا بد أن يكون ذكر الله على لساننا دائماً.
ما هو ذكر الله؟ أشياء كثيرة من ذكر الله منها: - قراءة القرآن.
- التحميد، والتهليل، والتسبيح.
- الدعاء.
- الدعوة إلى الله.
- طلب العلم الشرعي.
- العبادات بأنواعها.
فيجب أن يكون لسان الإنسان وجوارحه دائماً مشتغلة بذكر الله، إذا أراد فعلاً أن يثبت أنه يحب الله.
ولذلك بعض الشعراء في الجاهلية كانوا إذا أرادوا أن يظهروا إخلاصهم فماذا يفعلون إذا عشق أحدهم امرأة وأراد أن يظهر شدة محبته لها؟ يذكرها في الحرب أثناء شدة القتال، يقول عنترة بن شداد:
ولقد ذكرتُك والرماحُ كأنها أشطان بئر في لِبان الأدهم
فهو يتفاخر بذكر محبوبته أثناء الحرب، والله أمرنا بأكثر من هذا، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً﴾ [الأنفال:٤٥] يعني: في الحرب: ﴿فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال:٤٥].
لماذا كان ذكر الله في الحرب عند القتال من العلامات الدالة على المحبة؟ لأن الإنسان في حالة الخوف -أيها الإخوة- ينسى كل شيء، همه أن يهرب، وأن يقي نفسه الهلاك، وألا يُقْتَل، ولا يُصْرَع، ففي تلك اللحظة إذا ذكر الإنسان الله، فمعناه أن محبة الله متأسسة في نفسه ومغروسة، لدرجة أنه حتى في حالة الشدة يذكر الله، فلذلك أمرنا الله أن نذكره في جميع الأحوال وخص ذلك بالأمر بذكره في حالة القتال والخوف.
стр. 1508
السعي في تحصيل محبوب المحبوب
كذلك -أيها الإخوة- من علامات المحبة أن يسعى الإنسان في تحصيل محبوب محبوبه: إذا كان محبوبك يحب شيئاً، ماذا تفعل أنت؟ تحاول أن تصل بشتى الوسائل إلى ذلك المحبوب -الشيء الذي يحبه محبوبك- وتحققه، إذا كنت تحب محبوبك فعلاً.
وأي شيء يبغضه محبوبك أنت تبغضه وتبتعد عنه، إذا كنت صادقاً في المحبة.
стр. 1509
الرضا بقضاء الله
وكذلك الرضا بقضاء الله: إذا رضي الإنسان بقضاء الله صارت نفسه مطمئنة، وصار هذا دليلاً على محبته لله.
أما إذا تسخَّط وتشكَّى وتبرَّم فيكون هذا دليلاً على كذبه في المحبة، وواقعه يشهد بضد ما يقول.
стр. 1510
الأنس بالله
كذلك من الأمور التي تدل على محبة العبد لله : أن يكون أنسه الخلوة بالله: أي: يرتاح تماماً عندما يخلو بالله؛ في الصلاة، في الثلث الأخير من الليل، ومعنى يخلو: ينقطع عن الناس أحياناً وليس دائماً، حسب المصلحة الشرعية إلى الله ، يخلو به ويذكره ويدعوه بينه وبين نفسه، ليس هناك واسطة بينهما، فيتلو كتاب الله، ويجتهد ويواظب ويغتنم هدوء الليل وصفاء الوقت وانقطاع العوائق والعلائق الدنيوية، ويُقْبِل على الله : ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩].
فمتى فعل الإنسان هذه الأشياء صارت محبة الله تسهِّل له هذه الطاعات وتحثه وتدفعه عليها، ويكون في لذة أعظم من لذة الظمآن عندما يشرب الماء البارد، وأعظم من لذة الجائع شديد الجوع عندما يجد الطعام الشهي.
فلذلك -أيها الإخوة- المؤمنون عندما يحبون الله يكلمونه ويدعونه، يرفعون أيديهم ويدعون، يحبون أن يتكلموا مع الله ويخاطبون ربهم، إذا أحب الإنسان شخصاً أحب أن يتكلم معه وأن يخاطبه وأن يجاذبه أطراف الحديث، وأن يفضي إليه بهمومه وأشجانه، وأن يصارحه بما عنده، هذا ما يقع الآن بين الأشخاص في الدنيا.
فإذا أحب الإنسان الله فإنه يحب أن يتكلم مع الله.
كيف يتكلم مع الله؟! جاء الحديث بتوضيح هذا: (من أراد أن يتكلم مع ربه فليقرأ القرآن) يدعو الله ، يشكو حزنه إلى الله، يقول يعقوب ﵇: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:٨٦] ما قال: إلى فلان وفلان ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:٨٦] إلى الله مباشرة.
فليس هناك -أيها الإخوة- أطيب من الخلوة بالله ، ومناجاته، والمثول بين يديه، والانقطاع عن الخلق من أجل الخلوة بالله ، ومن أعظم الخلوات: الصلاة؛ لذلك كان الرسول ﷺ يرتاح جداً عندما يصلي، وكان يقول لـ بلال: (يا بلال! أرحنا بالصلاة) وهذا من معاني قول بعض السلف: " إن في الدنيا جنة، من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة "، ما هي جنة الدنيا؟ اللذة الحاصلة بالطاعات، (أرحنا بالصلاة يا بلال!).
فيقول ابن القيم ﵀: " فالصلاة قرة عيون المحبين، وسرور أرواحهم، ولذة قلوبهم، وبهجة نفوسهم، يحملون هم الفراغ منها إذا دخلوا فيها، كما يحمل الفارغ البطال همها حتى يقضيها بسرعة ".
فهؤلاء المحبون إذا دخلوا في الصلاة فهم في هَمٍّ.
ما هو هذا الهم؟ كيف ستَنْتَهي الصلاة؟! ماذا نعمل بعد أن تنتهي الصلاة؟! يقولون: نحن نريد أن نبقى في صلاة، وهذه مرتبة كبيرة، فالواحد لو فكر في نفسه يجد مراحل بين حال هؤلاء وحالنا، إذا دخل في الصلاة صار مهموماً لأن الصلاة ستنقضي، يحمل هَمّاً وهو داخل الصلاة، مصيبة! ستصير المصيبة أنه سينتهي من الصلاة، كما يحمل الفارغ البطال هَمَّ الصلاة؛ متى تنتهي الصلاة؟! انظر الفرق بين الطائفتين! يدخل بعض الناس في الصلاة فيقول في نفسه: طوَّل الإمام! فتراه يتثاقل، ويقدم رِجْلاً ويؤخر أخرى، ويتأفف في الصلاة، هذا في الصلاة، أولاً: متى تنتهي؟! وبعد الصلاة يتبرم ويشتكي ويرفع صوته في المسجد فيقول للإمام: طولت علينا، وبعد ذلك يخرج من الصلاة فيقول: الله لا يبارك في فلان.
ما هو الفرق؟! فكلهم بنو آدم! وكلهم بشر! الفرق: محبة الله ! يحس الواحد عندما يكبر في الصلاة أنه يُقْبِل على الله، وأن الله قد انتصب أمامه؛ لأن الله ينتصب لعبده في الصلاة، لذلك الإنسان يستأنس عندما يصلي ويكبر ويُقْبِل على الله .
" فلهم فيها شأن -للمحبين في الصلاة شأن- وللنقَّارين شأن -النقارون الذين ينقرون الصلاة مثل نقر الغراب أو نقر الديك، لا تلحقه، يسرع، لا تدري هل قال الرجل: (سبحان ربي الأعلى) نصف مرة أو ربع مرة - فله فيها شأن، وللنقَّارين شأن آخر، يشكون إلى الله سوء صنيعهم بها -هؤلاء المحبون يشكون إلى الله سوء صنيع البطالين بالصلاة، كيف ينقرونها نقراً؟! - إذا أتموا بهم، كما يشكو الغافل المعرض تطويل إمامه -شخص يشتكي من الإمام، أحياناً يأتم بواحد مخل بالصلاة يشتكي من فعله بالصلاة ومن تخريبه، وآخر يشتكي من تطويل الإمام في الصلاة- فسبحان من فاضل بين النفوس وفاوت بينها هذا التفاوت العظيم.
وبالجملة: فمن كانت قرة عينه في الصلاة فلا شيء أحب إليه، ولا أنعم عنده من الصلاة، ويود أنه لو قطع عمره بها غير مستغنٍ بغيرها وإنما يسلي نفسه إذا فارقها بأنه سيعود إليها عن قرب ((ورجل قلبه معلق المساجد) كلما خرج من صلاة بماذا يفكر؟! متى يأتي وقت الصلاة الجديدة؟! - فهو دائماً يتوق إليها، فلا يزن العبد إيمانه ومحبته لله بمثل ميزان الصلاة -ليس هناك أعظم من ميزان الصلاة- فإنه الميزان العادل ".
لذلك -أيها الإخوة- من الحكم كما يقول ابن القيم ﵀ في النهي عن المرور بين المصلي وبين السترة: أن الإنسان عندما يكبر في الصلاة يقف أمام الله ، لذلك يكره الإنسان أي شيء يمر أمامه ويقطعه عن الله ، فلذلك أمر ﷺ بدفع المار، ونهى عن المرور بين الرجل وبين سترته.
فحالُ المحبين الصادقين -أيها الإخوة- هي في الدوام على طاعة الله ، ولذلك ورد في عدة أحاديث أشياء يحبها الله تعالى، فمن ذلك: (أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قلَّ) فالأشياء التي يداوم عليها صاحبها هي أحب الأعمال إلى الله؛ لذلك كان رسول الله ﷺ إذا عمل عملاً أثبته، يعني: دائماً يعمل به، ما ينقطع مرة ويترك مرة ويفعل مرة، فكان إذا نام من الليل أو مرض صلى من النهار -بعد طلوع الشمس- اثنتي عشرة ركعة، وهي السنة لمن فاتته صلاة الوتر في الليل.
هذه الصلاة -أيها الإخوة- تحتاج إلى مكابدة، ما تأتي اللذة بها هكذا، تحتاج إلى مجاهدة.
لذلك يقول أحد السلف: " كابدت الصلاة عشرين سنة، وتنعمت بها عشرين سنة أخرى " يعني: جلست فترة طويلة حتى أعود نفسي على أن ألتَذَّ بالصلاة، وبعد فترة من الجهاد وصلت إلى المرحلة التي أحس بها في اللذة، لأنه لا يعقل -أيها الإخوة- أن الإنسان إذا قام إلى الصلاة وكبر مباشرة يشعر باللذة، لا.
إن اللذة تحتاج إلى مقاومة ومدافعة للوساوس وللشيطان وللدنيا، والمجاهدة على التطويل في الصلاة، وعلى الخشوع، وعلى استحضار معاني الآيات وعلى التفكير، هذا معروف، لا بد من التدرج حتى يصل الإنسان إلى مثل هذه المراحل.
تظهر محبة العبد لله على فراش الموت: عند الموت يخرج قلب الإنسان ما فيه كأنك ضغطت على زر مسجل والشريط ظل يتكلم بدون إرادة من المسجل.
إن الإنسان في الحياة -يا إخواني- يستطيع أن يسيطر على نفسه، فقد يخفي في قلبه شيئاً ولا يظهره للناس، عنده قوة تحكم وإرادة بهذا، أما عند الموت -الموت إذا نزل نسأل الله السلامة وأن يسلمنا وإياكم في ذلك الموقف الذي لا بد أن يأتي- عند الموت يفقد الإنسان قدرته على التحكم في إظهار ما في قلبه، فتبدأ الأشياء التي في قلبه تظهر على لسانه، فأما من كان محباً لله فتظهر الشهادة على لسانه عند الموت وذكر الله بكل يسر وسهولة، لماذا؟ لأن هذا ما يخفيه في قلبه؛ لكن كثيراً من الناس والعياذ بالله يحصل لهم من سوء الخاتمة الأمور العجيبة فتظهر في حال الاحتضار على فراش الموت المكنونات التي كانت مخبأة في القلوب، بعضهم على فراش الموت كان يغني أغنية؛ لأن قلبه متعلق بالأغاني ويحب الأغاني ودائماً يردد الأغاني، ولو أن إنساناً من هؤلاء الإخوة الذين يسمعون الأغاني يحاسب نفسه: هل يردد الأغاني أكثر أو ذكر الله؟ يجد أنه يردد الأغاني أكثر: لأن في السيارة أغاني، وفي البيت أغاني، وينام على الأغاني، ويصحو على الأغاني وهكذا ديدنه، لذلك لا يستبعد حال الموت أن لسانه ينخرس عن ذكر الله ويظهر ما في القلب مباشرة، وهذا حصل في الواقع، وهناك قصص كثيرة لأناس جاءهم الموت وهم يرددون مقطعاً من أغنية لفلان وفلان.
وأحدهم قابل أصحاب حادث سيارة على الطريق، فوجد أحدهم النزع الأخير وهو يشتد، فأراد أن يذكره بـ (لا إله إلا الله) قال: قل: (لا إله إلا الله)، فكان يقول: (إِتِّي إِتِّي) يشجع الاتفاق أو الاتحاد، يشجع فريقاً.
وبعضهم كان يحب المال والتجارة بشكل كبير طغى على محبته لله ، فصار وهو على فراش الموت يقول -وأخبرني رجل قريب له أنه حضره عند الموت، وكان تاجراً يبيع القماش فجعل يقول: هذه قطعة جيدة، هذه على قدرك، هذه مشتراها رخيص، يساوي كذا وكذا، حتى مات.
وبعضهم يقول: بعتُ واشتريت بفلس بفلس.
وبعضهم يقول: شاه ملك، يعني: مات؛ لأنه كان يلعب الشطرنج وهو مغرم به، فكان يقول: مات، يعني: في اللعبة هذه.
وهكذا تظهر الأشياء الحقيقية في تلك اللحظة.
أما المحبون لله فماذا يظهر على ألسنتهم؟ تظهر الشهادتان؛ لذلك كان لا بد من الإخلاص في الأعمال، ومجاهدة النفس للتخلص من الرياء؛ لذلك كان اهتمام السلف بتصحيح العمل أعظم منه بالعمل، يعني: أن يكون العمل خالصاً لله .
следующие страницы →