← Джавами‘

Джавами‘ · id 7704

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (7 040 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

عداوة اليهود والنصارى للمسلمين الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. عباد الله: المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً، ويألم المؤمن لأهل الإيمان كما يألم الرأس لما في الجسد، ويسمع المؤمنون في هذه الأيام ما أصاب إخوانهم المسلمين في الأرض، فيتألم كل صاحب دين، ويكون في قلبه من الحزن على إخوانه المسلمين الذين وقع لهم ما يندى له الجبين من المصائب العظيمة التي تقض المضاجع، والتي يرتاع لها فؤاد المسلم مما أصاب إخوانه. وفي هذه والأحداث الذي يجريها الله بقدره وقفات فوائد ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً﴾ [الأحزاب:٣٨]. ومن ذلك أيها الإخوة: أولاً: أن نعلم حجم العداوة التي انطوت عليها قلوب الكفرة للمسلمين، التي ذكرها الله لنا في كتابه بقوله : ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوّاً مُبِيناً﴾ [النساء:١٠١] وقال : ﴿لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران:١١٨]. يحذر ﵎ عباده المؤمنين من اتخاذ المنافقين بطانةً، وذكر أنهم لا يألون المؤمنين خبالاً، أي: يسعون في مخالفتهم وما يضرهم بكل ممكن، وبما يستطيعون من المكر والخديعة، ويودون ما يعنت المؤمنين ويحرجهم ويشق عليهم، ثم قال : ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران:١١٨] أي: قد لاح على وجوههم وفلتات ألسنتهم من العداوة، مع ما هم مشتملين عليه في صدورهم من البغضاء للإسلام وأهله، ما لا يخفى مثله على لبيبٍ، ولهذا قال تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران:١١٨] وقال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء:٨٩] فهذا ما في قلوبهم على الإسلام وأهله، ولو كان بينهم اختلافات فإنهم يجتمعون على حربنا.

стр. 177

البراءة من المشركين عباد الله: إن من الأمور التي تجعل الإنسان حائراً هذا الكيد العظيم الذي اجتمع به الكفار على المسلمين، ولذلك فإنَّ الله حذرنا تحذيرات كثيرة من هؤلاء، وقسمهم فرقاً، وإذا نظرت إلى تقسيمات القرآن تجد انطباقها انطباقاً عجيباً في هذا الزمان، فإن الله قد ذكر أن من الكفار من أخرجونا من ديارنا، ومنهم من ظاهروا على إخراجنا، ونهانا عن برهم والإحسان إليهم، فقال الله : ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة:٨ - ٩] فقارن أخي المسلم بين هذا التقسيم المذكور في الآية، وبين ما يحدث الآن على أرض الواقع: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ﴾ [الممتحنة:٩] قال ابن كثير ﵀: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم ولم يظاهروا، أي: يعاونوا على إخراجكم، ولا ينهاكم عن الإحسان إلى الكفرة الذين لا يقاتلونكم في الدين كالنساء والضعفة، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ [الممتحنة:٩] أي: إنما ينهاكم عن مولاة هؤلاء الذين ناصبوكم وأخرجوكم وعاونوا على إخراجكم.

стр. 178

وقفات مع كوسوفا وما يجري فيها أيها الإخوة: إن من الكفار اليوم من قاتلونا في الدين لأننا مسلمون، وأخرجونا من ديارنا، والإخراج من الديار ليس أمراً سهلاً يا عبد الله، أن يسلب بيتك، وأن تخرج منه، وأن تكون هائماً في الأرض ليس لك مأوى، ولا بيت ترجع إليه تصبح شريداً طريداً في الأرض ليست القضية سهلةً على الإطلاق، ولذلك ذكر الله في كتابه كيف أن الكفار يخرجوننا من ديارنا، وطائفة أخرى يظاهرون على إخراجنا، أي: يعاونون على ذلك بتسريعها والتخطيط لها، والإعانة عليها بشتى صور الإعانة، ولا يهولنك التمثيليات وانظر إلى النتائج. إذا أردت أن تكون فطناً فانظر إلى النتائج ما هي؟ الإخراج من الديار، والمظاهرة على ذلك في السر والعلن، وقد يقع بين الكفار خلافات وقد يصطدمون، ولكن إذا نظرت إلى النتائج على المسلمين تجد أن المسلمين هم الطرف الخاسر الذي يخسر باستمرار، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ﴾ [الممتحنة:٩]. إن المسلمين في كوسوفا يخرجون من ديارهم ويُظاهرُ على إخراجهم، مليونان من البشر سيصبحون بلا مأوى، سيوزعون على البلدان، سيحصرون في شريط ضيق ليس لهم ديار، أُخرجوا من ديارهم، وظاهر الكفار الكفارَ على إخراجهم، فما هو موقف المسلم؟ لا شك أنها العداوة للكفار أبداً؛ لأنهم أخرجوا إخواننا من ديارهم، وظاهروا على إخراجهم، لقد كان الإخراج من الديار دافعاً للقتال عند المسلمين الذين كانوا عند نبي لهم من بني إسرائيل، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلأِ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ [البقرة:٢٤٦] فكان ذلك سبباً للجهاد في سبيل الله.

стр. 179

الجهاد هو الحل لمآسي المسلمين أيها الإخوة لا شك أن مثل هذه المآسي لا تُحَلُّ إلا بالجهاد في سبيل الله، ولذلك قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً﴾ [النساء:٧٥] فهم يبحثون عن ولي ونصيرٍ يعينهم ويساعدهم، وهذا تحريض من الله تعالى للمؤمنين على الجهاد في سبيله، وعلى السعي في إنقاذ المستضعفين بـ مكة من الرجال والنساء والصبيان المتبرمين من المقام بها، ولذلك قال الله : ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ [النساء:٧٥] إنهم يبحثون عن نصيرٍ ومعين. إن الجهاد في سبيل الله إذا قدرت عليه الأمة وجب عليها؛ لأن في ذلك إعانةً للمظلوم ونصراً للمسلم، وهذا واجب ولا شك، وفيه أيضاً: استنقاذ معابد الله في الأرض، والبيوت التي يذكر فيها، كما قال : ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج:٣٩ - ٤٠] ليس لهم ذنبٌ، لس لهم صفةٌ، ليس هناك سببٌ في إخراجهم من ديارهم إلا أنهم مسلمون يقولون: ربنا الله. ويقول الله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ [الحج:٤٠] لولا دفع الكفار بجهاد المسلمين لهم، قال تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٤٠] فمن الذي ينتصر إذاً؟ إنهم الذين ينصرون الله، وليس هم الذين يرفعون راية قومية، ولا عصبية جاهلية، ولا الذين يقولون: إن الحرب ليست حرباً دينية، إنما هي حرب وطنية قومية. فهؤلاء لا ينصرهم الله ؛ لأنه قال: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٤٠] أي: يعلي كلمته، ويرفع لواء لا إله إلى الله، لا لواء العنصرية والقومية. وما هي صفات هؤلاء الذين يُنصرون؟ قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج:٤١] وإلى أن يأتي الجيل الذي هذه صفته، فلا يزال أهل الإسلام في هزيمة، وفي مصيبة تلو مصيبة، ونكبة على إثر نكبة، حتى يأتي الجيل الذي ينصر الله . ولا تظن -يا عبد الله- أن المستضعفين من المسلمين ذهبوا هباءً منثوراً، فإن الله يثيب الصابرين منهم والمحتسبين الذين أخرجوا من أجله، قال : ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ [آل عمران:١٩٥] فالله لا يضيع عنده الأجر، ولعل ما أصاب إخواننا في كوسوفا كفارة لهم وشهادة، وابتلاء يزيد في حسناتهم ويرفع درجاتهم عند الله، والله لا يخلف الميعاد.

стр. 180

اعتداء الصرب الحاقدين على المسلمين أيها المسلمون لقد صار من المصائب على المسلمين في تلك الديار أمرٌ عظيم، ألم يأتكم نبأ ما حصل في عيد الأضحى لإخواننا في تلك الديار؟ لقد قام الصرب بالإحاطة بأئمة المساجد والمصليات في صلاة العيد، وقاموا أولاً بقتل أئمة صلاة العيد أمام المسلمين وأقربائهم، ثم ألحقوا ذويهم بهم، ثم ألحقوا جموع المصلين، حتى بلغ عدد القتلى في يوم العيد من المصلين. ليس من أهل البيوت بل من المصلين فقط عشرة آلاف في أنحاء الإقليم!! ضحوا بهم في يوم الأضحى، وأعدموهم بالسلاح الأبيض بطريقة وحشية وبحقدٍ دفين وحصدوهم بالرصاص، وفي جامع واحد قتلوا ألفاً وثمانمائة مصلٍ؛ لأنهم يقولون لا إله إلا الله، لم يعملوا شيئاً إلا لأجل لا إله إلا الله، فعليها يعادوننا ومن أجلها يقتلوننا، وقد جمعوا الرجال فحصدوهم، وأخذوهم، وفرقوا النساء والأطفال عنهم، وهكذا فعلوا كما هو المعهود عنهم في أمور الاغتصاب والفضائع والشنائع!!

стр. 181

قصائد تتحدث عن مآسي المسلمين ماذا يقول البؤبؤ المفقوء بالأزميل؟ والثدي حين تنوشه السكين؟ والطفل مرفوعاً على رأس الحراب؟! شيء عجاب!! ماذا دهى الإفرنج عباد الصليب نهضوا يميطون اللثام عن القلوب سوداء كالقطران كالسرطان كالتلمود كالسم الرعيب نهضوا من الأوران والدانوب ومن الشمال إلى الجنوب يستأسدون على بني الإسلام مسلوبي النيوب. قنبلة تفجر ملجأ الأيتام وعاصفة من النار الحقوده تأكل الشجر العفيف ودمٌ هناك على الرصيف. تلك الطوابير التي خرجت من البيت المهدم أين تمضي؟ فأمامها أز الرصاص وخلفها أز الرصاص والطفلة تصرخ أين دميتها بل كيف تخرجها من الأنقاض أمي مالذي فعل الجناة؟ والأم ذاهلة فماذا تستطيع بأن تقول يا أنت يا زمن المغول عندما تترك أجساد النساء في عرى البؤس وفي حزن الشقاء عندما يمتص عربيد دماء الأبرياء والأيامى والثكالى هائمات في العراء أي خيرٍ أيها العالم يبقى عندما ينقل شعبٌ من بلاءٍ لبلاء عندما يرسل مأفونٌ جنوداً في الظلام ويباح الوطن المصفود قهراً لِلئام عندما ينبعث الأحياء من بين الركام عندما تمسي الصبايا كالسبايا في الخيام أي خيرٍ أيها العالم يبقى؟ ولماذا الصمت في وقت الكلام؟ عندما يهدم محرابٌ وسور عندما تنبش أمواتٌ وتجتاح القبور ويلف الصمت دنيانا فلا يصحو شعور أي خيرٍ أيها العالم يبقى عندما تخلو من الإنسان أو يغفو الضمير? أيها الإخوة إنما حصل ويحصل من هؤلاء الصرب النصارى، ومن مالأهم وعاونهم. إنه أمرٌ عجيب.

стр. 182

قصيدة تحكي اغتيال أسرة مسلمة ومن أسرةٍ لم السبات جفونها بعيد شتاتٍ في الميادين مقحم وقد غاب عنهم والدٌ لم تزل له هنالك في الميدان جولات ملحم وأقبل صربيٌ لئيم كأنه تدفق أرجاس ووحلٍ ومأثم ومن حوله لو كنت تشهد عصبةٌ تجمع من باغ طغى ومزلم كأنك لو أبصرت هون غرورهم ترى قزماً في ثوب أيَهَم أجسم ففزع من في البيت من هول حقده وهبوا وقد أفضى الجبان إليهم ترى طفلة لم تبلغ السبع روعت تمر بعينيها تدور عليهم عليها رداء أحمر لم يزل له بقايا حديثٍ للطفولة منعم ومن خلفها أمٌ حنت لتضمها وشيخٌ تشكى يا لضعفي ومهرمي وطفل رضيع كاد يزحف نحوهم ويصرخ يا دنيا اشهدي وتكلمي ولما رأت ذات الردا رجاءها وأشواقها لم توقظ الخير فيهم تراجعت الآمال وارتد خطوها تشبث بالأم الحنون وتحتمي فصوبت الدنيا الرصاص إليهم تدفق في رأسٍ وصدرٍ ومعصم وأبلى النظام العالمي بخنجرٍ ليطعن في ظهرٍ وجيدٍ وأعظم يدور عدو الله بالنار بينهم ليفرغ من حقدٍ شديد عليهم تساقطت الأم الحنون وأفلتت يداها وأهوت في بحارٍ من الدم وطفلتها أهوت تصب دماءها عليها وطفلٌ قد تناثر فيهم وشيخ تهاوى يا لأشلاء أمة تهاوت به يا للحطام المكوم!! ومجد تهاوى بين أطلاله ترى بقية تاريخٍ ودمعة يُتَّم أيها البوسنا لستم يتماً إنما نحن جميعاً يتم لقد نصر الصرب بنو دينٍ لهم ولكم إخوانُ عن نصرٍ عموا فاطلبوا العون من الله الذي إن طلبتم عونه لن تعدموا واجعلوا دربكم درب فدا بجهادٍ واصنعوه أنتم أي عهدٍ لهم مؤتمن عوهد الذئب فأين الغنم ألم يقل الله تعالى: ﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلّاً وَلا ذِمَّةً﴾ [التوبة:١٠]؟ ليس لهم عهدٌ ولا ميثاق، ينقصون وينقضون، هذه هي الحال أيها الإخوة. لقد نصر الصرب بنو دينٍ لهم، وللمسلمين إخوان عن نصرهم قد عموا.

стр. 183

حال الأمة اليوم لقد شغلنا بالمعاصي والتراهات، لقد حصل ما حصل من الآثام التي جعلت المسلمين في ضعفٍ شديد لا يقوون على نصرة إخوانهم، هل هذا حال يرضي الله أيها المسلمون؟ نحن نعلم ضعفنا، ونعلم حالنا، ونعلم أنه ليس لنا قوة، لكن لماذا ليس لنا قوة؟ لابتعادنا عن دين الله، ولتفشي المعاصي بيننا على أي سيءٍ ننام؟ وعلى أي شيءٍ نصحو؟ ننام ونصحو على المعاصي، والفسق، والفجور، وعلى الصور، والمسلسلات، وعلى الأغاني، والمعاكسات، وعلى تبذير الأموال والسياحة في بلاد الكفار ومن أجل أي شيءٍ نعيش؟ نعيش للهو والترفيه، للطعام والشراب ماهذا الحال؟ ألا من عودة إلى الله توقظ في هذه الأمة الحمية لنصرة إخوانهم؟! أيها الإخوة والله لن يتغير حالنا إلا إذا رجعنا إلى كتاب ربنا، وسنة نبينا ﷺ . اللهم ردنا إلى الحق رداً جميلاً، اللهم ردنا إلى الحق رداً جميلاً، اللهم ردنا إلى الحق رداً جميلاً، اللهم إنا نسألك أن تحيينا على الإسلام، وتميتنا على الإيمان، اللهم اجعلنا بكتابك مستمسكين، وبسنة نبيك عاملين، واجعلنا ممن نصرت بهم الدين يا رب العالمين. أقول قولي هذا، وأستغفر الله، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 184

فقد الهوية الإسلامية الحمد لله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، لم يتخذ صاحبةً ولا ولداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا أشرك به أحداً، وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين نصروا دينه، ورفعوا كلمة الله، وجاهدوا في سبيل الله، اللهم ارض عنهم يا أرحم الراحمين، وارض عمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. عباد الله: لا يرجى من الكفار نصرٌ للمسلمين، فلماذا ينصرونهم؟ لا يرجى منهم نصرٌ والله، ومهما كان من الأسباب فإنما هي تمثيليات أو خلافات بين الكفار، أما أن يقصد الكفار نصر المسلمين، فذلك في عالم الأحلام، وحتى في عالم الأحلام قد لا يقع، فإنه لا ينصر المسلم إلا أهل الإسلام، وقد أخبر النبي ﷺ بذلك في سنته. عباد الله: إن من المصائب العظيمة فقد الهوية الإسلامية والانتماء لهذا الدين، وهذا شيءٌ قد حصل عند كثير من الشعوب التي كانت ترزح تحت الشيوعية وغيرها، فقد فقدت هويتها الإسلامية، ولم يعرف الكثير من أبنائها حقيقة الانتماء إلى هذا الدين، فهم يرجون النصر من شرقٍ ومن غرب، ولعله لأجل أنهم لا حيلة لهم، وبعضهم ينتظر من الشرق والغرب لأنه لم يجد يداً تمتد إليه من المسلمين، ولكن القضية الأساسية الخطيرة فقد الهوية الإسلامية، عندما لا يشعر المسلم بالانتماء إلى الإسلام الذي يوجب عليه ألا يوالي الكفار، وأن يتميز عن الكفر، وأن يرفع راية الإسلام واضحةً، فإنه إن لم ترفع راية إسلامية واضحة ضاعت المبادئ، وذلك من الأخطاء التي يقع فيها بعض أهل كوسوفا، لقد ضاع المسلمون فيها بين منافقٍ عظيم، وبين بعض الذين لم يرفعوا لواء الإسلام، وإنما رفعوا في قتالهم لواء العنصرية القومية، وقالوا: إن الحرب ليست دينية، فضاعت الأمور. كيف سينصرهم الله في هذا الحال؟ إنها مصيبة عظيمة أن تفقد القضية الراية الحقيقية الصحيحة، إنها أكبر مصيبة ابتلي بها أهل ذلك الإقليم، وانتظار النصر من الكفار أمرٌ غير ممكن، قال الله : ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً﴾ [النساء:١٣٩] فليس عند الكفار عزةٌ للمسلم، وإن تظاهروا بنصرتهم فإما أنه خداع وتمويه، وإما أنه لمآرب أخرى عند الكفار، ليس من بينها أبداً نصرة للمسلمين، فقد يكون لخلافات بينهم أو أطماع، أو إرادة تسلط بعضهم على بعض، لكن لا يمكن أن يكون منها نصرة الإسلام وأهله مطلقاً، ونحن نعلم ذلك من الكتاب والسنة. إذاً فلا حل للمضطهدين إلا بجهادٍ خالص وراية واضحة: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء:٨٤] فهكذا يكف بأس الكفار ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً﴾ [النساء:٨٤].

стр. 185

الواجب علينا تجاه إخواننا المسلمين في البلاد المجروحة أيها الإخوة إن هذه الأمة تعيش في سباتٍ وغفلة، والذي يكون في غيبوبة قد لا يستيقظ إلا بالصدمات، فُيعمل له صدمات كهربائية وغيرها عله أن يستيقظ، وهكذا هذه الأمة لا تستيقظ إلا بالصدمات وهي تعيش في غيبوبة، فإذا استيقظت بالصدمات قامت العزة فيها وفي أبنائها، فلعل المسلمين يعودون إلى دينهم فتعود إليهم عزتهم فينصرون إخوانهم، ويأتي الوقت الذي لا يجرؤ فيه أحد على أن يؤذي مسلمة؛ لأنه يعرف ماذا سيحصل له لو آذاها.

стр. 186

التألم لجراحات المسلمين أيها المسلمون فماذا يجب علينا إذاً؟ أولاً: أن نتألم لأهل الإسلام، فإن الألم دليلٌ على حياة القلب وعلى الرابطة الإسلامية في قلوبنا لأجل إخواننا، قال ﵊: (إن المؤمن من أهل الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، يألم المؤمن من أهل الإيمان كما يألم الجسد لما في الرأس) رواه الإمام أحمد وهو حديث صحيح. إن المسملين جسدٌ واحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى، أما أن نغيب عن الواقع وننغمس في اللذات ولا نشعر بالألم فإنها مصيبة عظيمة. في كل يوم صليب الكفر يدهمنا ويبتني في زوايا بيتنا صنما ولا ترى فتية للموت طامحة ولا ترى عمراً غضبان مقتحما لا أمتي أمة في العصر شاهدةٌ ولا لها حكمة إن عدت الحكما لا أمتي أمةٌ يزهو الزمان بها ولم تعد تصنع الفرسان والقلما ركنت إلى دعةٍ فانسل مخلبها وانهد كاهلها واستؤكلت لقما هذا هو حالنا، فينبغي أن نتألم، وينبغي أن نشعر بما يشعر به إخواننا. آهٍ أخي من البشناق يا خجلي طوى الزمان رشيداً ثم معتصما طوى الزمان أخا دينٍ ومرحمةٍ ومن يزمجر إن عرضٌ له ثلما طوى الزمان الذي إن تنتهك رحمٌ للمسلمين يمت من غمه ألما يهجر لذيذ الكرى يهجر رفاهته ويصبح الموت أشهاها له حلما وعرِّيت خيلنا وارتاح فارسها يعاقر العهر والتبذير والنعما هذا هو الذي لا نريده إطلاقاً؛ أن نكون ممن في الكرى سادرون، وبالنعم يستلذون، وإخوانهم يتألمون ويتكدرون ويشكون. أيها المسلمون لابد أن نتألم، لابد أن توقظ المصائب فينا نخوة أهل الإسلام، لابد أن نستيقظ من السبات، حتى نعود، ولو أن يسمع بعضنا الأخبار، فلابد أن يكون له في ذلك تأثير. عذري إليكم وما الأعذار نافعة وبعضها ربما يحتاج تعذيراً أني ضعيف جريح النفس مضطهدٌ أني مضيت أجوب الأرض مقهوراً أقعي على شاشة التلفاز كامرأةٍ أراقب الهول تقريراً فتقريراً أمي وأختي وأبنائي وقد شبعوا ذعراً وذبحاً وتدميراً وتهجيراً وقد أشيح بوجهي تارةً غضباً ويلتوي الحزن في عيني تعبيراً والصرب ماضون لا سيف فيردعهم لقد تكسرت الأسياف تكسيراً ويشمخ الغرب مزهواً بخسته وقد تعرى قبيح الوجه مخموراً يظل يبعث كالوغد الشقي بكم ميت الضمير عديم الحس مغروراً يشاهد المحن السوداء ممتعظاً جهراً وسراً قرير النفس مسروراً

стр. 187

العودة إلى الله جل وعلا والدعاء العودة إلى الدين، ثم مساعدة إخواننا المسلمين بما نستطيع من أنواع المساعدة كالصدقات وغيرها. ثم الدعاء، فندعو الله أن يرفع الكروب وأن يعيد العزة لهذه الأمة، وقد كان النبي ﷺ إذا نزل بالمسلمين بلية عظيمة، أو خطبٌ جسيم أو مصيبة كبيرة، قنت قنوت النازلة، فقد روى أبو هريرة ﵁ (أن النبي ﷺ كان يقنت في الركعة الأخيرة من الصلوات بعدما يقول سمع الله لمن حمده، فيدعو للمؤمنين ويلعن الكفار) وعن أنس بن مالك ﵁ قال: [كان القنوت في المغرب وفي الفجر] وجاء في حادثة أخرى أنها في الصلوات الخمس عموماً، وأن أكثر ما يكون في المغرب والفجر، وكان رسول ﷺ حين يرفع رأسه ويقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، يدعو لرجالٍ فيسميهم بأسمائهم فيقول: (اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف) وكان أهل المشرق يومئذٍ من مضر مخالفين له. وعن أنس ﵁ قال: (قنت النبي ﷺ شهراً يدعو على رعلٍ وذكوان) روى هذه الأحاديث الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه. فعندنا قنوت النوازل إذا استجدت مصيبة عظيمة، وإلا فالمصائب كثيرة متوالية مستمرة، فيقنت للمسلمين ويدعو لهم مدةً من الزمن، ثم يترك القنوت بعد ذلك، فإذا استجدت مصيبة أخرى دعا هذه هي السنة في قنوت النوازل. اللهم إنا نسألك أن تنجي المستضعفين من المؤمنين، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين، اللهم إنهم جياع فأطعمهم، عراة فاكسهم، اللهم إنهم طريدون فآوهم، اللهم إنهم حفاة فاحملهم، اللهم إنهم مظلومون فانصرهم، اللهم إنهم مقهورون فأعزهم، إنك أنت العزيز الحكيم. اللهم إنك أنت الجبار ملك السموات والأرض، أنت على كل شيءٍ قدير، أنزل بالصرب والنصارى واليهود بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً اللهم فرِّق شملهم، وشتِّت جمعهم، واجعل بأسهم بينهم، واجعل دائرة السوء عليهم، وأنزل عليهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين. اللهم تضرعنا إليك، واستغثنا بك، ورجوناك ودعوناك، اللهم لا تخيب رجاءنا، وانصر في هذا الموقف إخواننا، ورد في هذا المقام كيد أعدائنا. اللهم رد المسلمين إلى الإسلام رداً جميلاً، واجمع كلمتهم على التقوى والتوحيد، اللهم ألف بين قلوبهم، واهدهم سبل السلام، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، اللهم أيقظ في نفوس المسلمين الحمية لقتال اليهود والنصارى، واجعل في قلوبهم الحمية لإخراج أولئك مما أخرجونا يا رب العالمين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 188

حاجتنا إلى الإخلاص لله الإخلاص هو الركن الثاني من أركان قبول العمل عند الله، وقد استطاع الشيخ أن يعطي هذا الموضوع ما يستحقه، فتكلم كثيراً عن فوائد الإخلاص، وعرَّج بعد ذلك على طرق تحصيل الإخلاص، ثم ركز على قوادح الإخلاص وعلاجها وأثرها في العمل. وفي الأخير بيَّن المجالات التي يدخلها الإخلاص وكشف حقيقة غير المخلصين.

стр. 189

أهمية الإخلاص في العمل الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: أيها الإخوة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: سنتكلم إن شاء الله عن موضوع يهمنا جميعاً، وهو أمر عظيم نحتاج إليه، لأنه يحدد علاقتنا بالله ، ويميز أعمالنا، وهو طريق الخلاص، إنه الإخلاص. حاجتنا إلى الإخلاص لله حاجةٌ مهمة جداً تدخل في أمور حياتنا كلها، والله خلقنا لعبادته وأمرنا بالإخلاص في هذه العبادة فقال : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥] وقال: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣] واستثنى الله طائفةً من البشر كلهم الهالكون الخاسرون ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ [النساء:١٤٦] فهؤلاء الذين أخلصوا دينهم لله هم السعداء حقاً، الذين ينالون من ربهم الجزاء الأوفى والنعيم المقيم في جنات النعيم. وأثنى الله على المؤمنين لما كانوا يقومون بسائر أعمال القرب والطاعات، ومنها إطعامهم للمحتاجين ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً﴾ [الإنسان:٨ - ٩] لا نريد أي نوع من أنواع الأجر الدنيوي، كل ما نقوم به لوجه الله : ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ [الليل:١٩] من هو هذا الشخص؟ من هو؟ ما هي صفته؟ قال تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل:١٧ - ٢١]. ولذلك فإن الله تعالى لا يقبل عملاً من العبد إلا إذا كان خالصاً لوجهه، يقول ﷺ في الحديث الصحيح: (إن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً وابتغي به وجهه . رواه الترمذي وحسنه وابن حبان في صحيحه عن الوليد بن أبي الوليد أبي عثمان المدني: أن عقبة بن مسلم حدثه: أن شُفَيّاً الأصبحي حدثه: أنه دخل المدينة فإذا هو برجلٍ قد اجتمع عليه الناس، فقال: من هذا؟ قالوا: أبو هريرة، قال: فدنوت منه حتى قعدت بين يديه وهو يحدث الناس فلما سكت وخلا قلت له: أسألك بحقي، لما حدثتني حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ وعقلته وعلمته، فقال أبو هريرة: أفعل، لأحدثنك حديثاً حدثنيه رسول الله ﷺ عقلته وعلمته، ثم نشغ أبو هريرة نشغةً فمكثنا قليلاً ثم أفاق -أخذته السكينة- فكاد يغشى عليه شفقةً وأسفاً وخوفاً من الله ، فشهق هذه الشهقة، ثم أفاق من هول الحديث الذي سيتكلم به، فقال: لأحدثنك حديثا ًحدثنيه رسول الله ﷺ أنا وهو في هذا البيت، ما معنا أحدٌ غيري وغيره، ثم نشغ نشغةً أخرى ثم أفاق ومسح عن وجهه، فقال: أفعل، لأحدثنك حديثاً حدثنيه رسول الله ﷺ أنا وهو في هذا البيت ما معنا أحدٌ غيري وغيره، ثم نشغ أبو هريرة نشغةً شديدة ثم مال خاراً على وجهه فأسندته طويلاً، ثم أفاق، ما هو الحديث الذي لأجله حدث لـ أبي هريرة كل هذا الشأن؟ قال: حدثني رسول الله ﷺ : (إن الله ﵎ إذا كان يوم القيامة ينزل إلى العباد ليقضي بينهم، وكل أمةٍ جاثية، على ركبهم من هول ذلك اليوم، فأول من يدعى به رجلٌ جمع القرآن، ورجلٌ قتل في سبيل الله، ورجلٌ كثير المال!! فيقول الله للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ فقال: بلى يا رب! قال: فما عملت فيما علمته، قال: كنت أقوم به آناء الليل وآناء النهار، فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله ﵎: بل أردت أن يقال فلان قارئ ماهر بالقراءة -مقرئ جيد- وقد قيل ذلك. ويؤتى بصاحب المال فيقول الله : ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد؟ قال: بلى يا رب! قال: فماذا عملت فيما آتيتك؟ قال: كنت أصل الرحم وأتصدق، فيقول الله له: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، ويقول الله ﵎: بل أردت أن يقال: فلانٌ جواد كريم وقد قيل ذلك، وأخذت أجرك في الدنيا من كلام الناس. ويؤتى بالذي قتل في سبيل الله، فيقول الله له: في ماذا قتلت؟ فيقول: أي ربي، أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قتلت، فيقول الله له: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، ويقول الله: بل أردت أن يقال: فلانٌ جريء شجاع فقد قيل ذلك، ثم ضرب رسول الله ﷺ على ركبته فقال: يا أبا هريرة! أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة) هؤلاء المرائين هم أول حطب جهنم. قال الوليد أبو عثمان المدني وأخبرني عقبة أن شفياً هو الذي دخل على معاوية فأخبره بهذا الحديث، فقال أبو عثمان: وحدثني العلاء بن أبي حكيم أنه كان سيافاً لـ معاوية فدخل عليه رجلٌ فأخبره بهذا الحديث عن أبي هريرة فقال معاوية ﵁: [قد فُعل بهؤلاء هذا فكيف بمن بقي من الناس] ثم بكى معاوية بكاءً شديداً حتى ظننا أنه هالك، وقلنا قد جاءنا هذا الرجل بِشر، ثم أفاق معاوية ومسح عن وجهه فقال: صدق الله ورسوله ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦] هذه عاقبة الذي لا يراعي الإخلاص لله في عمله وهذه عاقبة فاقد الإخلاص يوم القيامة.

стр. 190

تعريف الإخلاص والإخلاص في اللغة: يقال عن الشيء خالص إذا صفي من الشوائب التي يمكن أن تشوبه، سمي: خالصاً كما قال الله ممتناً على عباده باللبن الذي يخرج ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل:٦٦] فهذا اللبن صافي غير مختلط بشيء من الدم والفرث، فيخرج هذا اللبن الصافي بقدرة الله فسماه الله ووصفه بأنه خالص. والإخلاص تعددت فيه أقوال أهل العلم في تعريفه الشرعي. فمنهم من قال: إفراد الله بالقصد في الطاعة. ومنهم من قال: تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين، وإعجاب الفاعل بنفسه. ومنهم من قال: استواء أعمال العبد في الظاهر والباطن. ومنهم من قال: الصدق في الإخلاص أن يكون باطنه أعمر من ظاهره. ومنهم من قال: ألا تطلب على عملك شاهداً غير الله. وقال الفضيل ﵀: [ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما] أن يعافيك الله من الرياء الذي بسببه الناس تترك العمل، والشرك الذي تعمل من أجل الناس، وباختصار فإن تصفية العمل من كل شائبة تشوبه هو الإخلاص لله .

стр. 191

اهتمام الأئمة بالكلام عن الإخلاص الإخلاص موضوعٌ عظيم جرت مراعاته عند أئمتنا في كلامهم وتآليفهم، فكان بعضهم يصدر بها خطبه، وكان بعضهم وكثير منهم يصدر مصنفاته بهذا الموضوع: الإخلاص لله. فيقول: باب الإخلاص وتصحيح النية، وعد أهل العلم حديث: (إنما الأعمال بالنيات) ربع العلم، وبعضهم عده ثلث العلم، وبعضهم عده نصف العلم، قال ابن مهدي ﵀: لو صنفت كتاباً، لبدأت في كل أول باب منه بحديث: (إنما الأعمال بالنيات) وقال: من أراد أن يصنف كتاباً فليبدأ بهذا الحديث وقد استجاب لوصيته الإمام البخاري رحمه الله تعالى فبدأ مصنفه الجليل، وأعظم كتابٍ بعد القرآن صحيح البخاري بحديث إنما الأعمال بالنيات. وكذلك بدأ به الحافظ عبد الغني المقدسي كتابه عمدة الأحكام، والنووي ﵀ كتابه المجموع، وابتدأ به السيوطي ﵀ جميعه، وشرح الحديث جماعة من أهل العلم في مصنفاتٍ خاصة، وتمنى ابن أبي جمرة ﵀ أن يتخصص بعض العلماء في النيات فقط؛ لتعليمها للناس؛ لأن أكثر المشاكل التي تحدث عند الناس هي في قضية النيات.

стр. 192

فوائد الإخلاص وهذا الإخلاص له فوائد عظيمة جداً:

стр. 193

الأجر أكثر من العمل من فوائده: أن المخلص ينال من الأجر بإخلاصه أكثر من عمله، بل ربما ينال أجراً ولا يعمل عملاً؛ فقد ورد عن أنس ﵁ قال: رجعنا من غزوة تبوك مع النبي ﷺ فقال: (إن أقواماً خلفنا بـ المدينة ما سلكنا شعباً ولا وادياً إلا وهم معنا حبسهم العذر) أناس جلسوا في المدينة وما خرجوا في الجهاد، لكنهم مع الجيش في أجرهم والفوز الذي أعده الله، فقد كانوا يريدون الخروج في الجهاد لكن حبسهم العذر، فلم يستطيعوا الخروج، هؤلاء: ﴿إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة:٩٢] ليس عنده ما يشتري به الدابة والسلاح، ولا يستطيع الخروج فيبكي؛ لأنه يريد الجهاد ولا يستطيع، فهو متأثر لأنه قد منع من حاجته وإرادته للجهاد بأعذارٍ شرعية لم يستطع من أجلها الخروج في سبيل الله (لقد تركتم بـ المدينة أقواماً ما سرتم مسيراً، ولا أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم من وادي إلا وهم معكم قالوا: يا رسول الله! وكيف يكونون معنا وهم بـ المدينة؟ قال: حبسهم العذر -ما استطاعوا الخروج- وإلا فهم يريدون الخروج، علم الله من صدق نياتهم ما أعطاهم به الأجر وهم قاعدون في بيوتهم). يا راحلين إلى البيت العتيق لقد سرتم جسوماً وسرنا نحن أرواحا إنا أقمنا على عذرٍ وعن قدرٍ ومن أقام على عذرٍ فقد راحا بعض الناس في أقطار الأرض يودون الذهاب إلى الحج والعمرة لكن لا يستطيع، ليس عنده نفقة أو لم تتيسر له الإجراءات اللازمة للحج ولكنه يريد الحج، والله يعلم من نفس هذا الرجل أنه يريد الحج أو يريد العمرة فيكتب له أجر الحاج والمعتمر وهو قاعد في بيته، بسبب إخلاصه. (من سأل الله الشهادة بصدقٍ، بلغه الله منازل الشهداء ولو مات على فراشه) ولذلك قال ﷺ عن عبد الله بن ثابت ﵁ لما تجهز للغزو معه ﵊ فمات قبل أن يخرج (إن الله تعالى قد أوقع أجره على قدر نيته). مثالٌ آخر: عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: (من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم يصلي من الليل فغلبته عينه حتى أصبح، كتب له ما نوى، وكان نومه صدقةً عليه من ربه) وأحدهم أراد أن يقوم الليل بصدق واستعد، لكن غلبته عينه، فأكمل النوم إلى الفجر، فلم يقم برغم نيته الصادقة، فله أجر قيام الليل والنوم صدقة من ربه عليه، حديث صحيح. ولذلك -أيها الإخوة- تصحيح النية ومراعاتها مسألة مهمة جداً، كما قال ﵊: (إنما الدنيا لأربعة نفر: عبدٌ رزقه الله مالاً وعلماً فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقاً، فهذا بأفضل المنازل، وعبدٌ رزقه الله علماً ولم يرزقه مالاً فهو صادق النية يقول: لو أن لي مالاً؛ لعملت بعمل فلان) لو كان عندي مال لتصدقت، وأخرجت زكاته، ووصلت رحمي من هذا المال، وأنفقت على أقربائي، وعملت أشياء من أعمال البر والخير، وكفلت أيتاماً، وعلمت للمسلمين أموراً ينتفعون بها، تصدقت بها في سبيل الله، وطبعت كتباً، وأوقفت مصاحف للمساجد، وعملت وعملت فهو يتمنى أنه لو كان له ذلك المال لعمل به في هذا، فإذا صدق الله في نيته تلك، فإن الله يعطيه على قدر نيته، فيقول ﵊: (فأجرهما سواء) أجر الذي عنده وأنفق، وأجر الذي ليس عنده ونوى لو كان عنده لأنفق مثل صاحبه أجرهما سواء. وفي نفس الوقت (عبدٌ رزقه الله مالاً ولم يرزقه علماً، يخبط في ماله بغير علم، ولا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه ولا يعلم لله فيه حقاً فهذا بأخبث المنازل، ورجل قال: لو أن عندي مالاً مثل فلان لعملت بعمل فلان) لو كان عندي مال كنت سافرت إلى الخارج وفسقت وفعلت الفواحش، واستأجرت فرق الغناء والطرب، وعملت وليمة فيها من المعاصي والفسق مثلما عمل فلان، ويرى خاتماً ذهب في يد رجل فيقول: لو كان عندي مال لاشتريت مثله، هذا الرجل الذي يتمنى بقلبه هذا الأمنيات لو أن الله أعطاه مالاً فهو شريك ذلك الرجل في الوزر قال: (فهما في الوزر سواء) مع أنه ما عمل لكن نيته هذه نية عازمة، فلو أن الله أعطاه مالاً لعمل فيه من المعاصي مثلما عمل ذلك الفاجر.

стр. 194

احتساب الأجر عند الله ومن ثمرات الإخلاص أيضاً: ما جاء في هذا الحديث العظيم عن أبي بن كعب ﵁ قال: (كان ابن عمٍ لي ما أعلم من الناس من أهل المدينة ممن يصلي إلى القبلة أبعد بيتاً من المسجد منه، فكان يحضر الصلوات كلها مع النبي ﷺ فقلت له: لو اشتريت حماراً تركبه من الرمضاء -يعني: من شدة الحر- يحميك أو يقيك من هوام الأرض - الحشرات والدواب المؤذية- قال: والله ما أحب أن بيتي يلصق بمسجد رسول الله ﷺ -ما أحب أن بيتي ملاصقاً للمسجد- فما سمعت كلمةً أكره إلي منها -تعجب- أي أن أبي يقول: كرهت كلامه كيف أنه لا يريد أن يكون بيته ملاصقاً للمسجد، ولو كان بيته ملاصقاً للمسجد لكره هذا الأمر، قال: فأخبرت رسول الله ﷺ فسأله عن ذلك، فقال: يا نبي الله! لكي ما يكتب أثري ورجوعي إلى أهلي وإقبالي إليه) أي: أنا لا أريد أن أصير بجانب المسجد لكي إذا أتيت من بعيد يكتب لي الأجر الممشى من البيت إلى المسجد ومن المسجد إلى البيت، لأن الإنسان في قدومه لصلاة الجماعة لا يكتب أجره فقط من البيت إلى المسجد وإنما أيضاً من المسجد إلى البيت، فالرجل يقول: أنا لا أود ولا أتمنى أن يكون بيتي ملاصقاً للمسجد؛ لأني أريد أن آتي هكذا دائماً لكي يكتب لي الأجر جيئة وذهاباً، فقال ﷺ : (أنطاك الله ذلك كله) أنطاك الله بلغة أهل اليمن يعني: أعطاك الله وفي رواية: (لك ما نويت) أو قال: (لك أجر ما نويت) وفي مسلم: (لك ما احتسبت).

стр. 195

الإخلاص سبب الانتصار ومن المزايا التي تحصل للمجتمع الذي فيه هؤلاء المخلصون ما يلي: عن مصعب بن سعد عن أبيه ﵁: أنه ظن أن له فضلاً على من دونه من أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال النبي ﷺ : (إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها) بدعوتهم، وصلاتهم، وإخلاصهم؛ هذه الأمة فيها أقوياء وفيها ضعفاء، فيها أغنياء وفيها فقراء، والله ينصر الأمة بالضعفاء فيها، بصلاتهم، ودعائهم، وصدقهم، وإخلاصهم، لأنه في العادة أن الضعيف عنده من الإخلاص ما ليس عند القوي؛ فإنه لا يملك كثيراً من الأسباب التي تدفع إلى عدم الإخلاص، ولذلك لا تحتقر ضعيفاً أبداً إذا كان تقياً، فإنه قد يكون سبب نصرة الأمة به.

стр. 196

الإخلاص يقلب العادات إلى عبادات الإخلاص يقلب العادات إلى عبادات؛ فربما يكون هنا عملٌ صورته واحدة ولكن أجر العاملين به يختلف، فمثلاً الزواج، الذي يتزوج للاستمتاع بالمباح مكانته عند الله غير الذي يتزوج ليعف نفسه، وهناك من ينوي بالزواج إضافةً إلى ذلك إعفاف زوجته، وهناك من ينوي إضافةً إلى ذلك ابتغاء الولد الذي يكثر به هذه الأمة، وهناك من ينوي بالإضافة إلى ذلك الإنفاق على زوجته وأولاده، وهذا الإنفاق في سبيل الله، وهؤلاء أجرهم ليس سواء، فهذا تزوج، وهذا تزوج، وهذا تزوج، وكلهم فعلوا نفس الشيء والزواج صورته واحدة ولكن سبب تفاوت الأجر هي النية النابعة من الإخلاص. كذلك من الناس من يغتسل تنظفاً وإزالةً للأقذار والأوساخ، ومنهم من يغتسل تبرداً بسبب الحر، ومن الناس من يغتسل مداواة؛ فقد يكون به حمى شديدة، ولكن من الناس من يغتسل للجمعة، فالذي يغتسل للجمعة له أجرٌ أكبر؛ لأنه نوى بغسله الجمعة أو إتيان المسجد وهو نظيف لكي لا يؤذي المسلمين، أو غسل الجنابة ونحو ذلك، فمادام أنه نوى قربة وطاعة بهذا الغسل فتحولت عادته إلى عبادة يؤجر عليها. وبعض الناس يظن أن النية في الفعل فقط، يعني: يتزوج ويغتسل، لكن النية لها أثر كبير في الترك كما أن لها أثر في الفعل فمن الناس من يترك الطعام حميةً حتى لا يصيبه مرض، ومن الناس من يترك الطعام تداوياً حتى يشفى من مرض واقع فيه، ومن الناس من يترك الطعام بخلاً حتى على نفسه، ومن الناس من يترك الطعام لعدم ميله إليه وعدم تعلقه به، فهو لا يشتهيه، ومن الناس من يترك الطعام صياماً لرب العالمين، فهذا أكثر أجراً، فإذاً يحصل هنا الأجر على الترك كما يحصل الأجر على الفعل، بسبب بالنية. ولما ينعدم الإخلاص وينقص، فإن صاحبه ينتكس انتكاسات كبيرة جداً، فقد يأتي أناس يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاء يجعلها الله هباءً منثوراً، ذلك بأنهم كانوا إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها، وهؤلاء عديمي الإخلاص.

стр. 197

كيفية تحصيل الإخلاص إذا خف الإخلاص يسير الإنسان إلى عكس مقصوده، سير المقيد المقعد، أو أنه يسير سير صاحب الدابة الجموح الممتنعة على صاحبها، كلما مشت إلى قدام خطوة رجعت إلى الخلف عشر خطوات، وهذا لا يحدث إلا لمن يفتقد الإخلاص، أو ينقص إخلاصه، ولذلك الإخلاص تحصيله صعب وليس سهلاً. يقول سفيان ﵀: [ما عالجت شيئاً أشد علي من نيتي، لأنها تنقلب علي كلما آتي لأثبتها تنقلب فأنا أعالج وأجاهد وأجتهد في تثبيت النية] لأن قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أقامه وإن شاء أزاغه قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال:٢٤] فلا يمكنه من التوبة والإخلاص، فيحول بين المرء وقلبه، ولذلك مجاهدة النفس على الإخلاص وتوجيه النية لله رب العالمين هي أصعب شيء. قال يوسف بن أسباط ﵀: [تخليص النية من فسادها أشد على العاملين من طول الاجتهاد] لو قام أحدهم الليل ساعات طويلة قد يصبر، لكن تثبيت النية بحيث إن العمل لا يكون فيه شيء للدنيا ولا للناس هذا أصعب من العمل نفسه. وقال يوسف بن الحسين: [أعز شيء في الدنيا الإخلاص، وكم أجتهد في إسقاط الرياء من قلبي، فكأنه يمكث على لونٍ آخر] أحاول أن أسد هذا الباب فينفتح باب آخر، أحاول أن أثبت من هنا؛ فأوتى من هناك وهكذا، لأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، ولكن لا يعني هذا أن ذلك مستحيل وأنه لا يمكن أن نخلص وأنه مهما اجتهدنا لا نصل لمرتبة المخلصين، كلا. إن سألت كيف أكتسب الإخلاص؟ لو قلت لي الإخلاص صعب، فعرفنا منزلة الإخلاص في الدين، وعرفنا خطورة الموضوع، وعرفنا فوائد الإخلاص، وعرفنا مضار فقدان الإخلاص، فكيف نكتسب الإخلاص؟ يقول ابن القيم ﵀: "لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء والطمع فيما عند الناس إلا كما يجتمع الماء والنار، والضب والحوت، فإذا حدثتك نفسك بطلب الإخلاص فأقبل على الطمع أولاً فاذبحه بسكين اليأس، وأقبل على المدح والثناء فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في الآخرة، فإذا استقام لك ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح سهل عليك الإخلاص، وسهولة ذلك بأن تعلم أن مدح أحدٍ أو ذمه لا يضر". لو قيل: كيف تريد مني أن أقطع الطمع بثناء الناس ولا أكترث بذم الناس؟ أعطني العلاج المفتاح لهذه المسألة، كيف تريد مني ألا أكترث سواءً ذموني أو مدحوني؟ نقول لك: انظر في حديث الرسول ﷺ لما جاءه أعرابي فقال: إن مدحي زينٌ وإن ذمي شينٌ، أي: أنا إذا مدحت واحد زان من مدحي وارتفع، وإذا ذممت شخصاً فقد شان، فقال رسول الله ﷺ : (ذاك الله ذاك الله الذي إذا مدح أناساً ارتفعوا، وإذا ذم أناساً هبطوا، ولست أنت. فإذا عرفت أيها المسلم: بأن الناس لو مدحوك ما رفعوك، ولو ذموك ما خفضوك؛ فلا تكترث عند ذلك لمدحهم ولا ذمهم، وتعلم بأن المهم هو مدح الله وليس مدح المخلوقين، وبأن الذم المذموم هو ذم الله لا ذم المخلوقين.

стр. 198

قوادح الإخلاص وعلاجها يمكن تحصيل الإخلاص بمعالجة قوادح الإخلاص، أي شيء يقدح في الإخلاص نعمل على إبعاده، فمثلاً لو أن شخصاً عمل عملاً فالأشياء التي تقدح في هذا العمل وتنافي الإخلاص هي حب الثناء من الناس والرياء والغرور الذي يقدح في عمل الواحد وهو يصلي في بيته ولا يراه أحد من الناس وهو: العجب بالنفس.

стр. 199

علاج العجب بالنفس (إعجاب المرء بنفسه) فيرى أنه قد أدى عبادات، وأنه قد وصل إلى مراتب بينه وبين نفسه، ولكي تعالج هذا الإعجاب الذي يقدح في عملك عليك بالأمور الآتية: أولاً: أن تعلم أن الله حقه أكبر مما عملت، يمكن لو وزنت أعمالك كلها يوم القيامة ما ساوت نعمة البصر مثلاً، عند ذلك تعلم أن عملك لا شيء فكيف بالنعم الأخرى؟ كيف بنعمة الهداية! كيف بنعمة الإيمان! وتعلم أيضاً أن الذي وفقك لهذا العمل هو الله ، إذاً: فلماذا تعجب به، وهو ما جاء من عندك، والله الذي وفقك له. وكذلك من الأمور التي تعالج العجب بالعمل: أن تشعر إذا عملت عملاً بشدة الحياء من الله قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠] أي: إنك إذا تصدقت بصدقة أو عملت عملاً طيباً، فليكن إحساسك بالحياء من الله ، لأنك تقدم شيئاً وتخشى ألا يقبل، وحق الله أعظم من هذا، ولذلك الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف ألا يقبل منه، فهذا الذي يعمل هذه الأعمال ثم يخاف ألا تقبل منه، هو الذي نجا من الإعجاب بنفسه. وكذلك أن تعلم -كما ذكرنا قبل قليل- أن عملك منة من الله وليست من نفسك، وفضلٌ من الله وليست فضلاً من عندك، وتوفيق من الله وليس توفيقاً من عندك قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠] فالخير عند العبد من الله: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٢١] ولذلك كان كلام أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣] لاحظ ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣] ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٧٤] فالله يقول لرسوله ﷺ : لولا أن ثبتناك يا محمد لقد كدت تركن إلى الكفار شيئاً قليلاً، فمن الذي ثبتك؟ ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:٧]. إذاً: إذا أقبل الواحد على الطاعات وأحس بحلاوتها، فالذي أوجد في نفسه هذا الدافع هو الله، والذي حبب إليه الإيمان وزينه في قلبه هو الله. وكذلك من الأشياء التي تقضي على الإعجاب بالعمل: أن تعلم أن كل عمل مهما عظم؛ فإن للشيطان فيه نصيباً ولو قل، وقال ﷺ عن الرجل الذي يلتفت فجأة في الصلاة ثم يرجع: (هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد) هذا اختلاس النظر فكيف باختلاس القلب! فإذا عرفت أن كل عمل عملته قد يكون للشيطان فيه نصيبا، ً تعلم أن عملك معيب، ولذلك لا يمكن أن تعجب بعملٍ معيب وناقص.

стр. 200

علاج طلب العوض من المخلوقين ومن القوادح في الإخلاص التي ينبغي أن تعالج الأول: أن يطلب العبد بعمله العوض من المخلوقين كيف ما كان هذا العوض، وهذا العوض قد يكون أشياء كثيرة، منها: التزين في قلوب الخلق؛ حتى يكون له عند الناس شأن ووزن. الثاني: طلب مدحهم؛ فيعمل العمل لأجل أن يمدحه الناس. الثالث: النجاة من ذمهم؛ فبعض الناس يعملون أعمالاً لا لله، في القتال مقدام حتى لا يقال عنه: جبان، يحسن الصلاة حتى لا يقال عنه: فلان يسرع في صلاته مثلاً، فينجو من ذم الناس. رابعاً: طلب تعظيمهم؛ أن يعظموه. خامساً: طلب أموالهم، مثلاً واحد يخلص في العمل، ويتظاهر بالأمانة؛ لكي يحصل على وظيفة؛ وبعض الناس يظهر بمظاهر التقى والصلاح؛ لكي يستأمنه رب العمل فيوظفه عنده، ويقول رب العمل في نفسه: فلان هذا تقي وورع، فلان هذا مناسب أن أضعه في هذه الوظيفة، فيضعه في هذه الوظيفة، وقد يعمل العمل أيضاً بدافع طلب خدمتهم ومحبتهم، يعني: لكي يخدمه الناس، وكذلك بطلب قضاء حوائجه: كتزويجه منهم من بنتهم، فيخلص في العمل والعبادة الظاهرة حتى يقولوا: فلان ذو دين فنزوجه، ولذلك وصلنا أن بعضهم إذا تقدم لأناس فيزورهم كثيراً، فإذا سمع الأذان قام من عندهم للصلاة، وهو أصلاً إنسان غير حريص على الصلاة، فخدعهم من أجل أن يزوجوه. فإذاً: يعرض للإنسان شوائب تقدح في إخلاصه، من التماس الأشياء من الناس على عمله الصالح، فكل شيء يراد به غير الله قادح ينبغي التخلص منه. ولكي يقضي العبد على طلب هذه الأشياء من المخلوقين؛ انظر إلى حديث الرسول ﷺ : (يقول الله إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء) وقال: (إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم القيامة ليوم لا ريب فيه، نادى منادٍ: من كان أشرك في عمله لله أحداً؛ فليطلب ثوابه من عنده؛ فإن الله أغنى الأغنياء عن الشرك، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك) وقال: (من عمل عملاً أشرك فيه أحداً غيري؛ تركته وشركه) ولذلك إذا تأمل العبد أنه يوم القيامة سيقال له: اذهب إلى الناس الذين رآءيت من أجلهم اطلب منهم ثواب العمل، وأنهم لن يعطوه شيئاً، فماذا سيكون موقفه؟

стр. 201

علاج الرياء وكذلك فإن من أقدح القوادح في الإخلاص الرياء؛ والرياء مراتب ودرجات: (ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ الشرك الخفي) وفي رواية: (يا أيها الناس إياكم وشرك السرائر قالوا: وما شرك السرائر يا رسول الله؟ قال: يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته جاهداً لما يرى من نظر الرجل) وفي رواية: (لما يرى من نظر الناس إليه فذلك شرك السرائر) تحسن صلاتك لأن الناس ينظرون إليك، لو ما نظر إليك أحد ولا كان بجانبك أحد ما طولتها هذا التطويل ولا حسنتها هذا التحسين، وهذا هو الرياء، يرائي الناس بطلب رؤيتهم ليمدحوه. وفي علاج الرياء هناك علاج علمي وعلاج عملي، من العلاج العلمي: أن تعلم ما هو عذاب المرائين يوم القيامة، يقول ﵊: (من قام مقام رياءٍ وسمعة) وفي رواية: (من سمع الناس بعمله راءى الله به يوم القيامة وسمع) وفي رواية: (سمع الله به مسامع خلقه وصغره وحقره يوم القيامة) وفي رواية: (إلا سمع الله به على رءوس الخلائق يوم القيامة) يعني: فضحه على رءوس الأولين من آدم إلى آخر واحد وهو الراعي من مزينة الذي يحشر آخر واحد من الناس فيموت عند الصعق، لأنه قام مقام الرياء والسمعة. علامات الرياء كثيرة ومنها، لو قال واحد: أعطني حدوداً أعرف بها هل أنا مرائي أم لا، فنقول: النشاط في الملأ مع الكسل في الخلاء، ومحبة الحمد على جميع أمورك؛ إذا كنت تنشط في الملأ وتكسل في الخلاء، وتحب أن تحمد على أفعالك فأنت على خطر من أن تكون مرائياً، ولذلك من علاجات الرياء العملية، مثلاً إذا شككت أن إطالتك في سجودك في المسجد لأجل الناس اذهب إلى بيتك وصلي صلاةً أطول منها، وإذا شككت أن النفقة التي أخرجتها من أجل الناس في المسجد، فاذهب سراً وأنفق نفقةً أكبر منها، وقال بعضهم: إذا كان المرء يحدث في المجلس؛ فأعجبه حديثه فليسكت، وإذا كان ساكتاً فأعجبه سكوته فليتكلم، فبعض الناس يعجبون بحديثهم، وبعضهم يعجبون بسكوتهم، فيرى أن يعطي انطباعاً للناس عنه بأنه متزن، وقور، هادئ وغير ثرثار ونحو ذلك، فإذا كان المرء يحدث في المجلس، فأعجبه الحديث فليسكت؛ وإذا كان ساكتاً فأعجبه السكوت فليحدث. ومن الأمور كذلك التي نكتسب بها الإخلاص: الدعاء، لذلك الرسول ﷺ كان يستعيذ بالله من أمور: (اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئاً أعلمه، وأستغفرك لما لا أعلمه) وقد كان وعمر ﵁ كان يسأل الله ألا يجعل لأحدٍ من الخلق في عمله حظاً ولا نصيباً، وأن يجعله لوجهه خالصاً، فالدعاء مهم في هذه المسألة. ولمرافقة أهل الإخلاص أثر، فأنت تكتسب الإخلاص إذا احتككت وعاشرت ورافقت أهل الإخلاص، وهذه نقطة مهمة جداً لأنك تتعلم منهم، الآن لما رأى الرجل الإمام البخاري ﵀، قال: رأيت أبا عبد الله في المسجد والناس حوله، فأخذ الرجل شيئاً من لحيته فرمى به في الأرض -يعني: قذر رمى به في المسجد- قال: فرأيت أبا عبد الله نظر بطرفه إليها، فلما انتهى المجلس وانصرف الناس، نظر يميناً وشمالاً، فلما لم ير أحداً أخذها فدسها في جيبه وخرج من المسجد، فلما خرج رأيته يتلفت يميناً وشمالاً، فلما علم أنه لا يراه أحد من الناس أخرجها وألقاها. هذا الراوي الذي روى القصة هو الذي شاهد البخاري ﵀ والبخاري لا يعلم، وانظروا أن الله يقيض لأهل الإخلاص من ينشر سيرتهم مع أنهم لم يقصدوا نشرها، كيف وصلنا الخبر والبخاري ﵀ لا يريد أن يراه أحد، لكن سخر الله له رجل من الناس رأى فعله فرواها ونقلت وكتبت واقتدى بها الناس، فمعاشرة أهل الإخلاص في غاية الأهمية في اكتساب الإخلاص، فإنك ترى من إخلاصهم ما يربيك بالقدوة.

стр. 202

تأثير قوادح الإخلاص في العمل قوادح الإخلاص تؤثر في العمل تأثيراً سيئاً فمنها مثلاً:

стр. 203

حبوط العمل بالكلية كأن يقوم الإنسان للصلاة من أجل الناس لا لله، هؤلاء الذين قال الله فيهم: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون:٦ - ٧] هؤلاء المنافقين عليهم حابط بالكلية. وأحياناً يكون العمل لله ولكن يدخل معه في بدايته الرغبة فيما عند الناس أيضاً، فيصير لله والناس من البداية فهذا أيضاً حابط، ومن دخل في صلاةٍ هذه نيته أنها للناس فإنها فاسدة يجب إعادتها: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه أحداً غيري تركته وشركه) هذا الدليل على أنه إذا رافقت نية لله نية أخرى للناس من البداية حبط العمل. وأحياناً يطرأ الرياء على العمل أثناء العمل، هو يبدأ لله لكن يطرأ عليه طارئ، هذا إذا جاهد العبد نفسه فعمله صحيح، وإذا غلب الرياء إلى آخر الصلاة ففي صحتها شك ونظر.

стр. 204

حكم إرادة الدنيا مع العمل لله ومنها أن بعض الناس يعملون لله ولكن يريدون أشياء دنيوية مع هذا العمل: كرجلٍ خرج للحج والتجارة، فحجه ليس بحابط قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة:١٩٨] لكن أجر الذي خرج للحج والتجارة ليس مثل أجر الذي خرج للحج فقط، ولذلك ورد في الحديث الصحيح أن السرية إذا خرجت للجهاد فغنموا أنهم تعجلوا ثلثي أجرهم وبقي لهم ثلث الأجر فقط، ولكن إذا ما غنموا شيئاً كان لهم الأجر كله، ولو أنهم خرجوا في سرية فلم يصابوا، كان أجرهم غير الذين خرجوا فأصيبوا، وهذا معنى قول الصحابي: [منا من مات ولم يأخذ من الدنيا شيئاً] مثل مصعب بن عمير ما أخذ شيئاً وكل عمله كان جهادياً وانتهى بالموت شهيداً في سبيل الله، ومنهم من أينعت له ثمرته فهو يهدبها، ومنهم من أخره الله ورأى الفتوح وأخذ من الغنائم وليس في ذلك شيء، ومن هذا الباب ما يأخذه مدرس الدين أو إمام المسجد على عمله، إذا لم يكن يعيش إلا به، فهذا يجوز له أن يأخذه، لكن لا شك أنه إذا احتسب التعليم والأذان أو الإمامة دون أجرٍ فهو أفضل، مثل المجندين الذين لهم رواتب من بيت مال المسلمين، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: هؤلاء يجاهدون في سبيل الله ولهم رواتب، رواتبهم لا تحبط جهادهم وأعمالهم؛ لأنهم أخذوها ليستعينوا بها على المعيشة، لكن لو كان عنده مصدر كسب آخر، فالأحسن له أن يتصدق بها، والضابط قول رسول الله ﷺ : (إن الرجل الذي يتعلم العلم- الذي هو يعمل به لله يعني: علم الشريعة- يبتغي به الدنيا يكبه الله في النار) أقول: فرق بين الذي يدرس الشريعة ويأخذ مكافئة الطالب، وبين الذي يأخذ مكافئة الطالب ليدرس، وفرق بين الذي يدرس الدين في المدارس ليأخذ الراتب، وبين الذي يأخذ الراتب ليدرس الدين في المدارس، وفرق بين الذي يحج عن واحد ويأخذ المال، وبين من يأخذ المال ليحج فإن قلت لي: لم تصل الفكرة بعد فأقول: الذي يحج ليأخذ، قصده المال، والوسيلة الحج، فهذا مذموم تماماً؛ لأنه جعل الحج وسيلة للتكسب، مثلما يعمل كثير من الناس اليوم، فهذا يحج ليأخذ فجعل الأخذ هو الهدف، والحج هو الوسيلة للتكسب مثل أي مهنة، يحج عن العالم ويأخذ فلوس. كذلك الذي يدرس الشريعة ليأخذ مكافئة الطالب، الهدف هو المكافئة، والوسيلة هي دراسة الشريعة، وليس لديه كلية ثانية تقبله فقال: آخذ من ورائهم المكافئة، لكن فرق بين هؤلاء وبين من يأخذ المال ليتقوى به على الطاعة ويعيش ليتمكن من أداء العمل. افرض أن إمام مسجد ليس له دخل إلا راتب الإمام، هذا الرجل إذا لم يأخذ الراتب فإنه سيشحذ من الناس فيهين نفسه، فيأخذ الراتب من بيت مال المسلمين لكي يساعده على أداء الإمامة، فتكون الإمامة هي الهدف والراتب هو وسيلة. الذي يدرس الدين في المدارس إذا كان قصده الراتب، ولو ما أعطوه الراتب ما درس شيئاً، ولو خفضوا الراتب خفض التدريس ولو نزلوا الرواتب لم يهتم بالتحضير، فيتأثر الإخلاص ويصير هدفه الراتب، والوظيفة هي وسيلة تدريس الدين للطلاب، كونه يعلمهم أحكام الصلاة والطهارة والزكاة والتوحيد والشرك، وهذا مذموم متوعد يوم القيامة. وفرق بين من يحج ليأخذ وبين من يأخذ ليحج، والناجي هو الذي يأخذ ليحج؛ لأنه لا يستطيع أن يشتري تذكرة الطائرة حتى يحج بها مثلاً عن فلان، كيف يشتري تذكرة طائرة؟ كيف يتنقل بين المشاعر بسيارات الأجرة؟ كيف يشتري لوازمه من الطعام والماء واللازم له في عرفة ومزدلفة ومنى؟ فإذاً أخذ المال صار وسيلة والحج هو الغاية، غايته أن يحج حتى يبرئ ذمة ذلك الشخص الذي لم يحج مثلاً. ولذلك يقول الإمام أحمد ﵀: [التاجر- يعني في الحج مثلاً أو الجهاد والمستأجر والمكاري- الذي يؤجر الدابة- أجرهم على قدر ما يخلص من نيتهم في غزواتهم] فإذا هو خرج قال: ما دام أني خارج للجهاد فلأتكسب، مثلاً أبيع أشياء على الجيش، أبيع طعام على الجيش مثلاً، أو ما دام أني ذاهب للحج فسوف أبيع لي شيئاً، هذا أجره على قدر نيته؛ لأن بعض الناس يفوتون بعض الأشياء في الحج من أجل التجارة يقول: أنا ذاهب الحج، فقد يفوت بعض الأحيان واجبات ويفوت سنناً ويفوت أشياء كثيرة من أجل الكسب والتجارة في الحج، فهذا أجره على قدر نيته ولا يكون مثل من جاهد بنفسه وماله لا يخلط به غيره. وأحياناً يكون العمل خالصاً لله إلى النهاية ويطلع عليه بعض الناس فيمدحون صاحبه، مثلاً دخل رجل فجأة فرآك تصلي في الليل، أو استيقظ أحدٌ من أهلك فرآك تصلي، العمل في هذه الحالة صحيح، وكون الله قدر أن يطلع على عملك بعض الناس دون قصدٍ منك ودون أن تختار مكان يسهل اطلاع الناس عليك فلا عليك حرج، بل إن رسول الله ﷺ لما سأل عن الرجل يعمل العمل لله من الخير يحمده الناس عليه فقال: (تلك عاجل بشرى المؤمن) رواه مسلم، فما قال الرسول ﷺ رياء ولا حبط العمل؛ لأن الرجل ما قصد أن يطلع الناس على عبادته. فإذاً من عمل لله خالصاً هذا أعلى المراتب، ومن عمل لا يريد إلا الدنيا فعمله حابط، ومن قصد الدنيا مع قصد الله فعمله أيضاً حابط، ولكن إذا طرأ عليه الرياء فجاهده فالحمد لله، فإن استمر معه نقص من أجره بقدر هذا الشيء الطارئ. وإن قصد وجه الله والدنيا، يحبط العمل إلا إذا كان مثل ما ذكرنا في الحج فإنه لا بأس به؛ لأنه قصد وجه الله والله أباح له التجارة، وينقص من أجره بقدر اهتمامه بالتجارة.

стр. 205

حكم العمل لله دون إرادة ثواب الآخرة وبعض الناس يعمل العمل لله؛ يصلي لله، يزكي لله، يحج لله، لكن لا يريد العمل الثواب في الآخرة، لو سألته لماذا تصلي؟ قال: يا أخي! لأني أريد أن أحفظ نفسي؛ لأني أريد أن الله يحفظني ويحفظ أولادي، ويحفظ أموالي، فأنا أصلي لهذا السبب، أنا أصلي لله لا أصلي لقبر ولا لميت ولا لأي شيء، أصلي لله، لكن أنا قصدي من الصلاة أن الله يحفظني ويحفظ أولادي، فهذا الرجل ليس له أجرٌ في الآخرة، عمله صحيح ولا يحتاج أن يعيد الصلاة، لكن ليس له أجر في الآخرة ويعطى أجره في الدنيا؛ لأنه ما صلى ابتغاء الدار الآخرة أو الجنة والثواب الأخروي، صلى لأجل حفظ نفسه وأولاده، وكثير من الناس يفعلون هذا.

стр. 206

مجالات الإخلاص الإخلاص له عدة مجالات، الإخلاص مثلاً الإخلاص في العبادة، الإخلاص في الجهاد، الإخلاص في طلب العلم، الإخلاص في الدعوة إلى الله، الإخلاص في التربية.

стр. 207

الإخلاص في العبادات فمن الإخلاص في العبادات مثلاً والأعمال الصالحة: ما وقع لأصحاب الغار الذين انطبقت عليهم الصخرة وقالوا لبعضهم: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم ليفرج عنكم، فالذي انتظر أبواه حتى استيقظا وهو قائمٌ على رأسيهما، وأولاده يصيحون من الجوع، حتى استيقظا في الصباح وأعطاهما اللبن وشربا قال: اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه. والذي قعد للزنا بين يدي المرأة المحتاجة إليه، فلما ذكرته بالله؛ انصرف عنها وأعطاها المال، ولم يعمل بها شيئاً قال: اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه. والذي حفظ للأجير ماله ونماه له أضعافاً مضاعفة، فلما جاءه الأجير؛ أعطاه إياه كله دون أن يأخذ منه شيئاً قال: اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه. فانفرجت الصخرة بسبب أنهم سألوا الله بأخلص الأعمال التي عملوها، فانظر فائدة الإخلاص، هذه أعمال عظيمة ظهر فيها الإخلاص؛ لذلك كانت مكتوبة عند الله ثقيلة جداً ونفعتهم، ولقد حدث أني سألت بعض أهل العلم فقلت له: لو أن الواحد وقع في ورطة فقال: اللهم إني عملت يوم كذا وكذا -بينه وبين الله- عملاً أرجو به وجهك أخلصت فيه لك؛ ففرج عني بذلك العمل الذي عملته لك هذه الكربة، هل ينقص من أجر ذلك العمل؟ فأجاب الشيخ: لا يظهر هذا، وسياق الحديث في مساق المدح له، ولو كان هناك شيء من هذا؛ لورد على الأقل، ولذلك لا بأس بسؤال الله بصالح العمل الذي عملته وانتهيت ليس أن تعمل العلم الصالح من أجل شيء دنيوي، لا، شيء عملته وانتهيت، أخلصت فيه لله وحصلت لك مشكلة بعد ذلك، فسألت الله بذلك العمل أن يفرج عنك المشكلة لا بأس.

стр. 208

الإخلاص في طلب العلم بعض طلبة العلم لا يخلصون لله في طلب العلم، يقول ﵊ في شأنهم: (من تعلم العلم -في رواية: من طلب العلم، وفي رواية: من ابتغى العلم- ليباهي به العلماء -وفي رواية: ليجاري به العلماء- أو يماري به السفهاء، أو يصرف به وجوه الناس إليه -وفي رواية: أو تقبل أفئدة الناس إليه- فإلى النار -وفي رواية: أدخله الله جهنم) حديث صحيح. وقال ﵊: (لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء، أو تماروا به السفهاء، ولا لتجترئوا به المجالس، فمن فعل ذلك فالنار النار) حديث صحيح. وقال ﵊: (من تعلم علماً يبتغى به وجه الله -علوم الشريعة- لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً -يعني: متاع الدنيا- لم يجد عرف الجنة يوم القيامة -يعني: ريح الجنة لا يجدها-) فإلى الذين يدرسون في الكليات الشرعية من أجل الشهادة والوظيفة والراتب لا ليعلموا الناس هذا تحذير عظيم. وإلى الذين يتعلموا العلم؛ ليظهروا أمام الناس بأنهم حفاظ، ويلفتوا الأنظار بجودة حفظهم وحسن سردهم وأنهم لا يتوقفون هذا تحذيرٌ شديد. وإلى الذين يتعلمون العلم لإفحام الناس في المجالس فقط، وإسكات الخصوم فالويل لهم. إلى الذي يأتي حلق العلم ليقال عنه نشيط فالويل له. وإلى الذين يماشون العلماء ويدعون أهل العلم والفضل ليقال: فلان جاء في بيته العالم الفلاني فالويل له، أو يقعد مع عالم ساعة ثم يدور المجالس ويقول: قال شيخنا قال شيخنا، وما جلس معه إلا ساعة فالويل لهم. ولو جلسنا نستعرض قوادح الإخلاص في طلب العلم لوجدناها كثيرة، وهي كذلك في الدعوة إلى الله، فالإخلاص مهم جداً؛ فإن الله يفتح به القلوب ولو كان الداعية مبتدئ في الدعوة، ويهدي الله على يدي الداعية أناس ولو كان أسلوبه بدائياً جداً في الدعوة بسبب إخلاصه. نجد أحياناً خطيباً مصقعاً وداعية لا يتوقف في الكلام وأسلوبه ممتاز، لكن لا أحد يهتدي على يديه، كلامه لا يؤثر في الناس، ونجد إنساناً أسلوبه ركيكاً ربما يكون أعجمياً، وإنسان مبتدئ في الدعوة وإنسان ليس عنده خبرة ولا تجربة، لكن لإخلاصه ترى الناس يهتدون على يديه؛ فالإخلاص يفعل الأفاعيل، الإخلاص يثبت العلم في ذهنك ويجعل الله البركة في هذا العلم، ويتناقله الناس، لماذا الآن نجد بعض المصنفات عاشت وبقيت وقيض الله لها من يحييها وطبعت وصارت منتشرة جداً بين الناس، ومصنفات لو طبعوها مليون طبعة تجد أن الناس ما أقبلوا عليها، ولو أخذوها بلا مال لكن لا يقبلون عليها، فيقبل الناس على صحيح البخاري، وفتح الباري، كتب السنن التي ألفها علماء الحديث، وتفسير ابن كثير فهناك شيء يتعلق بإخلاص المؤلف -نحن نحسبهم هكذا والله حسيبهم- فقيض الله لكتبهم هذا الانتشار الذائع وإقبال الناس على هذه الكتب بالذات حتى بقيت مراجع يرجع إليها الناس، كذلك فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، والمغني، كتب تجدها مراجع مع أنه قد يكون هناك مصنفات أطول منها وأكبر منها، فالله قيض لها أناساً نشروها لإخلاص الذين كتبوها، وقد يكون مؤلفاً صغيراً ينفع الله به، وكلام كثير لا يسمن ولا يغني من جوع. والداعية عندما يمرض بالرياء فإنه يحطم نفسه وغيره، بل يعيق عجلة الدعوة من التقدم إلى الإمام بخطواتٍ أوسع، بل قد يتضرر الدعاة من حوله بمرضه، ويتعثرون حتى يتخلص هو من مرض الرياء بالتوبة، أو يتخلصون هم منه بالابتعاد أو الإبعاد.

стр. 209

الإخلاص في الجهاد وبالنسبة للجهاد في سيبل الله مر معنا الحديث، كم واحد ذهب إلى الجهاد ليقال عنه: فلان مجاهد، وكم واحد ذهب إلى الجهاد ورجع وهو يقول: فعلت ثم انتقلت، وتجده في المجالس والولائم يطرح تجاربه الشخصية ويقول: عملت وفعلت، بل إنه قد يكتب في الجرائد ويقول: وعملت وفعلت، لكن أين الإخلاص؟ أصلاً كلام بعض الناس يخبرك أنه ليس عندهم إخلاص، ولو كان عندهم إخلاص ما قالوا هكذا، ولتحدثوا عن أعمال الآخرين وما تحدثوا عن أنفسهم: (رب قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته) كما قال ﵊.

стр. 210

الإخلاص في التربية هناك مفاهيم خاطئة طبعاً في التربية سواء في تربية الإنسان لنفسه، أو لأولاده، أو لزوجته، فبعض الناس يصلح الله أولادهم بإخلاصهم، وبعض الناس لا يصلح الله أولادهم ابتلاءً، وبعض الناس لا يصلح الله أولادهم بسبب عدم إخلاصهم، والإخلاص في التربية هو الذي يجعلك تكتشف مواهب الأشخاص وتعاملهم بحكمة، وتعرف اعوجاجهم ولو كان مختبئاً في داخلة نفوسهم، ويكتب الله شفاء أمراضهم النفسية والقلبية على يديك، بالإخلاص في التربية وعدم الالتفاف فقط إلى الوجهاء وإنما نتذكر قصة ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس:١ - ٢] ولا نفرق بين صغيرٍ ولا كبير، ولا قريب ولا بعيد، والإخلاص يؤدي إلى انتقاء الأتقى للأعمال والمناصب، ويكون انتقاؤك صحيحاً في محله. وكذلك الإخلاص يجعلك تصل إلى حقيقة المسائل وتصل إلى الحق فيها، وقد يكون فلان أعلم من فلان، لكن هذا الأقل علماً يصيب الحق في مسألة وذلك الرجل لا يصيب، قد يحفظ واحد عشرة أقوال، وواحد يحفظ قولين، أو قول واحد ويكون هو الحق، وذلك الذي يحفظ عشرة أقوال لا يصيب الحق، يعمل بواحد بعيد عن الحق، والسبب الإخلاص. وكذلك فإن الناس يتأثرون من المخلص، فيخرج كلامه من قلبه ليستقر في قلوب الناس، ويجعل الله لعاداته أجراً وتصبح عبادات؛ كأكله وشربه ولبسه ونومه ونكاحه ونحوها، ويلقي الله في قلوب العباد محبة المخلص؛ لأن الله يكتب له القبول.

стр. 211

مفاهيم خاطئة عن الإخلاص هناك مفاهيم خاطئة يظنها بعض الناس من الإخلاص وليست من الإخلاص.

стр. 212

الإخلاص هو التخلص من جميع الإرادات يظن بعض الناس أن الإخلاص هو أن تتخلص من جميع إراداتك، فأي هدف لك تتخلص منه وأي إرادة لك دنيوية تتخلص منها، ويكون فقط قصدك أن تفنى في مراد الله كما يقول الصوفية: مرتبة الفناء، وهؤلاء الناس مساكين؛ لأنهم يكلفون أنفسهم شططاً، ويصادمون الفطرة، ينادون للتجرد عن الميول والنزعات الفطرية، يقول: يجب ألا يكون عندك هم في النكاح ولا غرض في الوظيفة، ولا تجارة، ولا شيء أبداً من الدنيا وإلا فأنت مشرك، لو صرت نجاراً للعمل أنت مشرك؛ لو رحت تزوجت لقضاء شهوتك أنت مشرك، لو أنك عملت لترتقي في الوظيفة فأنت مشرك، هذه الدعوة من دعاوى الصوفية الضلال، والله خلق البشر لهم إرادات ولهم عزائم، لكن من أراد بعمله وجه ولو كان عمل دنيوي فإن الله يثيبه عليه، وقضية أن نتخلص من جميع الإرادات والهمم لا يمكن أبداً، هذه الفطرة التي فطر الله الناس عليها: (حبب إليَّ من دنياكم الطيب والنساء) سبحان الله العظيم.

стр. 213

طلب الثواب الأخروي منافٍ للإخلاص وكذلك بعضهم يظن أن طلب الثواب الأخروي منافي للإخلاص، فيقول لك: لا تسأل الله الجنة، لا تعمل للجنة، اعمل لله، لا تعمل خوفاً من النار، لا تترك المعاصي خوفاً من النار، وإنما فقط لله، فهم يقولون لو تركت العمل خوفاً من النار وتركت الزنا خوفاً من النار، ولو صليت للجنة فأنت مشرك، ويقولون أشعاراً في هذا ومقولات منها: (ما عبدتك خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنتك) وهذا الشيء عبادة العامة وأن عبادة الخاصة هي لله دون جنة، هذا الكلام أيضاً ضلال، فالله قال عن الجنة: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦] ﴿وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء:٥٧] وحتى على غنائم القتال قال: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصف:١٣] وهذه طريقة الرسول ﷺ ، كان يعمل لله ويسأل الله الجنة ويستعيذ به من النار.

стр. 214

الإخلاص هو ترك الأعمال الظاهرة أمام الناس طيب بعض الناس يؤدي بهم طلب الإخلاص لأشياء، منها: أنه يغيب عن كل الأعمال العلنية فلا يصلي في المسجد؛ يقول: رياء، الأفضل أ، أصلي في البيت حيث لا يراني أحد، سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن رجل لا يشهد الجمعة ولا الجماعة، وإذا خرج من بيته يخرج متقنعاً خوفاً من الرياء؟ فأجاب: أن هذا غلو في الدين. فهذا الإخلاص أدى به إلى ترك الفرائض. وبعض الناس يترك الأذان، وقد يكون خطيباً يترك الخطبة، وقد يكون يعلم في المساجد ويعظ يترك التعليم والوعظ، ويترك عيادة المريض لأنه سيذهب ويرى الناس موجودين يقول: جاء لعيادة المريض هذا يريد أن يظهر نفسه، وهكذا يتركون أعمالاً من الدين، ويترك الحج والجهاد لأنه يقول: هذا رياء أن أظهر أمام الناس، وهذا ضلال، لأن هناك أعمال تخفى وهناك أعمال لا يمكن إخفاؤها، فالأعمال التي لا يمكن إخفاؤها تتوكل على الله وتخلص فيها وتعملها، فنصلي في المساجد وليقولوا عنا مرائين، وليقولوا عنا ما سيقولوا.

стр. 215

ترك أهل الخير بسبب الإخلاص وكذلك بعض الناس يترك أهل الخير ويقول: أنا إذا صرت معهم أجامل وأسمع الحديث ويرق قلبي، وإذا خلوت بنفسي في بيتي قسا قلبي وما تشجعت للخير مثلما أتشجع معهم، معناها أنا منافق، أنا أمامهم أتشجع ومن ورائهم أتثبط، إذاً لا بد أن أتركهم وإلا انقدح في إخلاصي وصار رياء. الصحابي حنظلة بن عامر لما قال: نافق حنظلة، قال الرسول ﷺ : (والذي نفسي بيده لو تكونون على الحال التي أنتم عليها عندي -يعني: في بيوتكم تكونوا مثلما كنتم عندي- لصافحتكم الملائكة) فمن الطبيعي أن الإنسان يكون بين الناس مع الصالحين يتشجع للخير ويجلس. كذلك بعض الناس يخافون من الرياء بشكل كبير جداً، بحيث إنهم يقعون في الرياء، وبعض الناس يعتقد أن تحسين الثياب والنعال ينافي الإخلاص، وبعض الناس يقول: ما يجوز أن أكتم ذنوبي عن إخواني لا بد أخبرهم بكل ما أفعل، حتى تكون واضحة عندهم، فيخبرهم بما ستر الله عليه، وهذا أيضاً غلط والله ما أوجب على المسلم أن يفضح نفسه. كذلك لو أراد أحدهم أن يعمل عمل خير أمام الناس، فنيته لله لكن ليقتدي به الناس، مثل أن يأتي بصدقة عظيمة كي يتتابع الناس بصدقاتهم، فهذا لا يتنافى مع الرياء.
следующие страницы →