← Джавами‘

Джавами‘ · id 7704

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (7 040 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

شهر المحرم وصيام عاشوراء أشهد أن لا إله إلا هو ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً رسول الله المبعوث رحمة للعالمين، والصلاة والسلام عليه وعلى آله وصحبه وذريته الطيبين الطاهرين وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. عباد الله: قد بقي لنا في الموضوع بقية، في أحكام تتعلق بالمعاملات، لعلنا نأتي عليها في خطبة قادمة إن شاء الله، وقد سبق أن ابتدأنا سلسلة في أحكام الغناء، لعلنا نكمل شيئاً من ذلك في الخطبة القادمة بمشيئة الله، وأتحدث إليكم بسرعة، عن مسألة عاشوراء، وقد دخلنا في شهر محرم نسأل الله أن يجعله عاماً مباركاً، وعام نصر للإسلام والمسلمين. وهذا شهر محرم الحرام، من اقترف فيه سيئة فإن الإثم يضاعف عليه؛ لأنه من الأشهر الحرم التي قال الله فيها: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة:٣٦]. ويندب الإكثار من الصيام في شهر محرم على وجه العموم. وفيه يوم عاشوراء الذي كان صيامه مفروضاً على المسلمين، ولما فرض صيام رمضان نسخ عاشوراء وصار صومه مستحباً، فقال النبي ﷺ بعد أن كان أمرهم بصيامه: (إن عاشوراء يوم من أيام الله، فمن شاء صامه ومن شاء تركه) وقال ﷺ : (إن هذا يوم كان يصومه أهل الجاهلية، فمن أحب أن يصومه فليصمه، ومن أحب أن يتركه فليتركه). وأما في أجره: فقال ﵊: (صوم عاشوراء يكفر سنة ماضية) رواه مسلم رحمه الله تعالى، وفي رواية () إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله) رواه الترمذي وهو حديث صحيح. فهنيئاً لمن صامه؛ لأنه يكفر له ذنوب سنة كاملة قد مضت، فما أكثر الذنوب! وما أعظم من سامح وغفر، والله شرع لنا هذه المواسم للمغفرة والتوبة. وعاشوراء: هو يوم العاشر من محرم، وهذا اليوم يوم نجى الله فيه موسى ومن معه، انتزع النبي ﷺ فضيلته من اليهود، لما أخبروه عن سبب صيامهم له، ونحن أحق بموسى منهم. وفي صيامه موافقة لسنة الأنبياء، وانتزاع للفضيلة من أهل الكتاب، والتأكيد على ذلك، وتكون مخالفتهم بأن نصوم يوماً قبله أو يوماً بعده، بالإضافة لما فيه من الأجر العظيم، واعلموا رحمكم الله تعالى أن تاسوعاء هو الأفضل أن يصام مع عاشوراء، فمن فعل ذلك فقد أتى بسنَّة عظيمة من السنن؛ لأن النبي ﷺ همَّ بذلك وأخبر عن عزمه عليه. وكذلك فإن صيام هذا اليوم، ذكر فيه بعض أهل العلم أن له مراتب ثلاث: أن يصام عاشوراء فقط، وهذا جائز وتكون المخالفة في هذه الحالة مستحبة لا واجبة. وأن يصام يوم قبله وهو الأفضل، أو يوماً بعده فهي المرتبة الثانية. وأن يصام يوماً قبله ويوماً بعده، ولم يصح بذلك حديث، ولكن لأجل الاستكثار من العمل الصالح، وعموم مشروعية الصيام في محرم، يكون أفضل من هذه الجهة. وأما بالنسبة لهذه السنة، وفي كل سنة يتكرر الكلام، إذا علمت -يا عبد الله- بدخول الشهر فصم على حسب علمك، فإن علمت أن ذي الحجة كانت تسعاً وعشرين وأن محرماً دخل في اليوم الفلاني فصم بناءً على ذلك، وإذا لم يصل إليك علم، فإنك تعمل بناءً على إكمال ذي الحجة ثلاثين؛ وتصوم عاشوراء من محرم بناءً على ذلك، ولا يجب تحري دخول محرم؛ لأنَّه لا تتعلق به عبادة واجبة، بل يجب تحري دخول رمضان، وشهر شوال، ويجب تحري دخول ذي الحجة، لكن لا يجب تحري دخول محرم؛ لأنه لا تتعلق به عبادة واجبة، فإن وصلنا خبر صمنا بناءً على ذلك، وإلا فنكمل ذو الحجة ثلاثين، وبناءً على ذلك لو أكملنا ذو الحجة ثلاثين فيكون الإثنين والثلاثاء من الأسبوع القادم هو تاسوعاء وعاشوراء، ومن صام الإثنين والثلاثاء فإنه أصاب عاشوراء قطعاً؛ لأنه إما أن يكون الإثنين أو الثلاثاء، فمن صام الإثنين والثلاثاء فإنه يكون قد أصاب عاشوراء إن شاء الله تعالى، وهذا ما أخبرنا به سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل باز عن هذه السنة في صبيحة هذا اليوم، وقد سألته عنه فقال: الأفضل أن يصوموا الإثنين والثلاثاء ما لم يأتِ خبر عن دخول الشهر. نسأل الله أن يتقبل من الجميع، وأن ينعم علينا أجمعين بالتوبة النصوح، والمغفرة من سائر الذنوب، وتكفير الخطايا. اللهم إنا نسألك الأمن في البلاد، والنجاة يوم المعاد، والنفع للعباد يا رب العالمين. اللهم آمنا في الأوطان والدور، وأصلح الأئمة وولاة الأمور، واغفر لنا ذنوبنا يا عزيز يا غفور! سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 142

القارئ الصغير كان عمرو بن سلمة فتى صغيراً؛ لكنه كان قوي الحفظ سريعه، فكان يتلقى الركبان ويحفظ منهم ما أنزل من القرآن. وحينما أسلم قومه وأمرهم ﷺ أن يؤمهم أقرؤهم، لم يجدوا من هو أقرأ من عمرو، فأمهم ولم يكن له إلا ثوب ممزق تبدو منه سوءته، فمرت امرأة من الحي وقالت: غطوا عنا است إمامكم، فاشتروا له قميصاً فكان فرحه به عظيماً، وفي هذه القصة فوائد وأحكام كثيرة. يمكنك أن تعرفها من اطلاعك على هذه المادة.

стр. 143

روايات حديث عمرو بن سلمة في إمامته صبياً

стр. 144

رواية البخاري لحديث عمرو بن سلمة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: فمعنا حديث الصحابي الصغير عمرو بن سلمة رضي الله تعالى عنه، يقول راوياً قصته التي أخرجها الإمام البخاري ﵀ والنسائي وأبو داود والإمام أحمد يقول: (كنا بماءٍ ممر الناس، وكان يمر بنا الركبان، فنسألهم: ما للناس؟ ما للناس؟ ما لهذا الرجل؟ فيقولون: يزعم أن الله أرسله وأوحى إليه، أو أوحى الله إليه بكذا، فكنت أحفظ ذلك الكلام، وكأنما يُقر في صدري، وكانت العرب تلوم بإسلامهم الفتح، فيقولون: اتركوه وقومه فإنه إن ظهر عليهم فهو نبيٌ صادق، فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قومٍ بإسلامهم، وبادر أبي قومي بإسلامهم، فلما قدم قال: جئتكم والله من عند النبي ﷺ حقاً، فقال: صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلوا صلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآناً، فنظروا فلم يكن أحدٌ أكثر قرآناً مني لما كنت أتلقى من الركبان، فقدموني بين أيديهم وأنا ابن ست أو سبع سنين، وكانت علي بردة كنت إذا سجدت تقلصت عني، فقالت امرأة من الحي: ألا تغطوا عنا است قارئكم؟! فقطعوا لي قميصاً، فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص).

стр. 145

رواية النسائي لحديث عمرو بن سلمة فأما رواية النسائي ﵀: فعن عمرو بن سلمة قال: (لما رجع قومي من عند النبي ﷺ قالوا: إنه قال: ليؤمكم أكثركم قراءة للقرآن، قال: فدعوني فعلموني الركوع والسجود، فكنت أصلي بهم وكانت عليّ بردة مفتوقة فكانوا يقولون لأبي: ألا تغطي عنا است ابنك) وفي رواية له أيضاً قال: (كان يمر علينا الركبان فنتعلم منهم القرآن، فأتى أبي النبي ﷺ فقال: ليؤمكم أكثركم قرآناً، فجاء أبي فقال: إن رسول الله ﷺ قال: ليؤمكم أكثركم قرآناً، فنظروا فكنت أكثرهم قرآناً، فكنت أؤمهم وأنا ابن ثمان سنين).

стр. 146

رواية الإمام أحمد لحديث عمرو بن سلمة وأما رواية الإمام أحمد ﵀ فإنه رواها عن عمرو بن سلمة قال: (كنا على حاضرٍ -وهم القوم الذين ينزلون بمكان لا يرحلون عنه- فكان الركبان يمرون بنا راجعين من عند رسول الله ﷺ -أي أن الذين يذهبون إلى المدينة ويرجعون طريقهم على هؤلاء- فأدنو منهم فأسمع حتى حفظت قرآناً، وكان الناس ينتظرون بإسلامهم فتح مكة، فلما فتحت جعل الرجل يأتيه فيقول: يا رسول الله أنا وافد بني فلان وجئتك بإسلامهم، فانطلق أبي بإسلام قومه فرجع إليهم فقال: قال رسول الله ﷺ : قدموا أكثركم قرآنا، فنظروا وإنا لعلى حواءٍ عظيم، فما وجدوا فيهم أحداً أكثر قرآناً مني، فقدموني وأنا غلامٌ فصليت بهم وعليّ بردة، وكنت إذا ركعت أو سجدت قلصت فتبدو عورتي، فلما صلينا تقول عجوزٌ لنا دهرية: غطوا عنا است قارئكم، قال: فقطعوا لي قميصاً فذكر أنه فرح به فرحاً شديداً). وأما رواية أبي داود ﵀ فإنه رواها عن عمرو بن سلمة قال: (كنا بحاضرٍ يمر بنا الناس إذا أتوا النبي ﷺ ، فكانوا إذا رجعوا مروا بنا، فأخبرونا أن رسول الله ﷺ قال كذا وكذا، وكنت غلاماً حافظاً، فحفظت من ذلك قرآناً كثيراً، فانطلق أبي وافداً إلى رسول الله ﷺ في نفرٍ من قومه فعلمهم -أي النبي ﵊ الصلاة فقال: يؤمكم أقرؤكم، وكنت أقرؤهم لما كنت أحفظ، فقدموني، فكنت أؤمهم وعلي بردة لي صغيرة صفراء، فكنت إذا سجدت تكشفت عني، فقالت امرأة من الناس: واروا عنا عورة قارئكم، فاشتروا لي قميصاً عمانياً، فما فرحت بشيء بعد الإسلام فرحي به، فكنت أؤمهم وأنا ابن سبع سنين أو ثمان سنين). وفي رواية أخرى لـ أبي داود عن عمرو بن سلمة: (إنهم وفدوا إلى النبي ﷺ فلما أرادوا أن ينصرفوا قالوا: يا رسول الله! من يؤمنا؟ قال: أكثركم جمعاً للقرآن أو أخذاً للقرآن، فلم يكن أحدٌ من القوم جمع ما جمعته، قال: فقدموني وأنا غلام وعلي شملة لي، فما شهدت مجمعاً من جرمٍ -يعني قومه بني جرم- إلا كنت إمامهم، وكنت أصلي على جنائزهم إلى يومي هذا).

стр. 147

ترجمة عمرو بن سلمة وذكر ضوابط في معرفة الصحابي هذا الحديث الذي يرويه عمرو بن سلمة رضي الله تعالى عنه وهو رجلٌ مختلفٌ في صحبته، أبوه صحابي لأنه وفد على النبي ﷺ ، ولا يُوجد في الرواية أنه وفد مع أبيه، وقد قيل: إنه وفد على النبي ﷺ وقيل: إنه لم يفد عليه، ولذلك لم يكن في عداد الصحابة.

стр. 148

تعريف الصحابي والصحابي هو من لقي النبي ﷺ مؤمناً به ومات على ذلك. لماذا قلنا: من لقي ولم نقل: من رأى؟ لأنه قد يكون ضريراً، لو قلنا: من رأى النبي ﷺ فمعنى ذلك أننا أخرجنا ابن أم مكتوم وأخرجنا فلاناً وفلاناً من الصحابة الذين لم يكونوا من المبصرين، فقال العلماء: من لقي النبي ﷺ ، واللقيا هي: هو أن يجتمع مع النبي في مكانٍ واحد ولو لم يتحدث معه، ولو لم يسمع منه شيئاً، فمجرد التقائه بالنبي ﵊ يصير من الصحابة الذين لهم الميزات العظيمة رضي الله عنهم ورضوا عنه ومن أهل الجنة، والقدح فيهم قدح في نقلة الوحي، ولا يسأل عن أحدهم في الحديث هل هو ثقة أو غير ثقة لأنهم عدول كلهم، وهم قومٌ اختارهم الله؛ كل واحدٍ لقي النبي ﷺ فهو صحابي، وهذا يشمل من لقيه في الأرض أو لقيه في السماء. ولذلك فإن بعض الأنبياء صحابة لقوه مؤمنين به، لكن عندما نقول في التعريف: من لقي النبي ﷺ مؤمناً به ومات على ذلك، فإن عيسى ﵇ بناءً على ذلك ينطبق عليه تعريف الصحابي، لأنه لقي النبي ﵊ مؤمناً به وسيموت على هذا، لأن عيسى لم يمت بعد ﵇، عمره فوق ألفي سنة، وسيكون عمره فوق ألفين سنة إذا نزل ومات ﵇. ولا يهم أين لقيه، في طريق الهجرة، في مكة في المدينة في الأرض، في السماء. واللقاء يمكن أن يكون بنظرة أو اجتماع في مكانٍ واحد سواء كلمه أو لم يكلمه. ومؤمناً به: حتى نخرج الكافر الذي لقيه ولم يؤمن به ومات كافراً، مثل أبي لهب وأبي جهل وغيرهم ممن لقوا النبي ﵊، ولكنهم ليسوا بمؤمنين به، فلذلك ليسوا من الصحابة؛ لأن الصحابي من لقي النبي ﷺ مؤمناٌ به ومات على ذلك. فخرج من هذا كل المرتدين الذين ماتوا مرتدين ممن لقي النبي ﵊ كـ مسيلمة، فقد لقي النبي ﷺ وجاء إلى النبي ﷺ ، لكنه مات على الردة، وعدد من العرب ماتوا على الردة. فالصحابي من لقي النبي ﷺ مؤمناً به ومات على ذلك ولو تخللته ردةٌ على الأصح؛ فلو أنه ارتد ثم رجع فإنه يعتبر صحابياً؛ لأن العبرة بالخاتمة، والتوبة تجب ما قبلها، فتمحى فترة الردة بالتوبة، فيتصل الإسلام الأول بالإسلام الثاني، فكأن الردة لم تكن، ومات على ذلك. وهناك أناس حصل بينهم وبين النبي ﷺ مراسلات، وآمنوا به وماتوا على ذلك، لكن ليسوا صحابة كـ النجاشي؛ لأنه لم يلتق معه، حصل بينه وبينه مراسلات، لكن ما لقيه. ثم إن العلماء بحثوا مسألة: هل إذا لقيه يشترط أن يكون في سنٍ معينة؛ لو أن النبي ﵊ رأى شخصاً والشخص هذا كان عمره سنة، من الذي لقي الآخر؟ النبي ﷺ لقي الصبي أو حنكه أو دعا له ونحو ذلك. وكذلك الجن، فإن تعريف الصحابة لا يختص بالإنس، فمن الجن صحابة التقوا بالنبي ﵊ وعلمهم القرآن، قرأ عليهم سورة الرحمن وانطلق مع وفدهم واجتمع بهم، وأرى الصحابة آثار نيرانهم، وأعطاهم كل عظمٍ ذُكر اسم الله عليه عند ذبحه، فكل عظم ذبيحة ذُكر اسم الله عليها عند ذبحها ينقلب في أيديهم لحماً أوفر ما يكون، طعاماً للمسلمين منهم، وكل روث علف لدوابهم، ولذلك نهينا أن نستجمر بالروث والعظم، لأن العظم زاد إخواننا من الجن، ينقلب لحماً في أيديهم، والروث علف لدوابهم لأن الجن لهم دواب، وعلف دوابهم الروث، فلا نستجمر لا بعظم ولا بروث. ثم ً بحثوا أيضاً مسألة الملائكة الذين لقوا النبي ﵊، ولا شك أن الملائكة ستموت عندما ينفخ في الصور، كل من في السماوات ومن في الأرض حتى جبرائيل وميكائيل وحتى إسرافيل الذي ينفخ في الصور يموت. ثم بحثوا أيضاً مسألة من وصل إلى المدينة وقد مات ﵊ ورآه بعد ما مات قبل أن يُدفن هل يكون صحابياً أو لا، وينبغي معرفة هل حصل أصلاً هذا أو لا، لأن إثباته قد يكون من الصعوبة بمكان، فالمهم أن هناك حالات متفق عليها أنهم من الصحابة، وحالات مختلف فيها هل هم من الصحابة أم لا، وحالات قطعاً ليسوا من الصحابة، وهناك أناس وفدوا إلى النبي ﵊ فكان قد مات قبلها بليالٍ كالشاعر أبي ذؤيب الهذلي، والصنابحي وغيرهم ممن جاءوا بعد وفاة النبي ﵊ بقليل جداً. وبعضهم أكبر من الصحابة في العمر، عمرو بن ميمون الأودي عمره مثل عمر ناس من كبار الصحابة، لكن ما كتب له أن يلقى النبي ﵊، وصل إلى المدينة بعدما مات النبي ﵊. عدة الصحابة مائة وأربعة وعشرون ألفاً، والذين حجوا معه في حجة الوداع عددهم قريب من هذا العدد، حج معه كل المسلمين القادرين على الحج، مائة وأربعة وعشرون ألفاً رأوه في عرفة ونظروا إليه، ومؤكد أن هذا العدد الذي نقله العادون في الحج في عرفة اجتمع معه ﷺ . أما المنافقون فليسوا من الصحابة طبعاً إذا ماتوا على النفاق كـ عبد الله بن أبي بن سلول وغيره من المنافقين، والحمد لله لا يوجد في نقلة الأحاديث منافق، ما أذن الله لمنافق أن يروي حديثاً، ولذلك كل رواة الحديث عدول من الصحابة، لا يوجد حديث رواه منافق، ما مكنهم الله من رواية الأحاديث، وأصلاً هم لا يقصدون نشر العلم بأي طريقة، بل يريدون الطعن في نبوة النبي ﷺ .

стр. 149

شرح حديث عمرو بن سلمة في إمامته صبياً وعمرو بن سلمة ﵁ ليس له في صحيح البخاري إلا هذا الحديث، وله ذكر في حديث مالك بن الحويرث في صفة الصلاة، يقول: كنا بممر الناس، كل واحد يرجع من المدينة يمر علينا، وكنا نسمع أن النبي ﷺ خرج فنقول: ما للناس؟ ما للناس؟ ما لهذا الرجل؟ وهكذا كثير من العرب كانوا في موقف المتفرج يقولون: ننتظر ماذا تسفر عنه المواجهة بين هذا الرجل وبين قومه قريش، إن انتصرت قريش ارتحنا، وان انتصر هو تبعناه، كانت العرب تمشي على قاعدة المشي مع الغالب، ولذلك كانت المعارك التي بين النبي ﵊ وقريش معارك حاسمة، يتوقف عليها المستقبل للإسلام؛ مثل معركة بدر وفتح مكة فهي معارك حاسمة جداً، يتوقف عليها مستقبل الدين، ليست مثل المعارك الآن، الآن مهما هزم المسلمون فالإسلام باق منتشر، ولا يمكن اقتلاعه من الأرض، أما في أول الإسلام فالإسلام محصور في المدينة، وفي بعض القبائل وفي مكة وكان من دعائه ﷺ يوم بدر: (اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض) إذا قضي عليها في بدر فلن تقوم للإسلام قائمة، ولذلك الصحابة الذين شهدوا بدراً أجرهم أعظم ممن يشهد المعارك الأخرى، لأن هذا داخل في معركة ينبني عليها مستقبل الإسلام في الأرض، ولما انتصروا في المعارك ونصرهم الله كان هذا النصر سبباً في انتشار الدين. ومن حساسية هذه القضية وخطورتها يقول عمرو بن سلمة ﵀ ورضي عنه: إن كثيراً من العرب كانوا يتلومون أي: ينتظرون ويؤخرون البت في الأمر حتى يروا ما ستسفر عنه المواجهة، ومن الذي سيحسم الموقف، ولمن سيستقر الأمر، ثم بعد ذلك يحددون موقفهم. فلذلك كانوا يقولون: ما للناس؟ ما للناس؟ ما لهذا الرجل أوحي إليه كذا؟ فيأتي العائدون من المدينة بقرآن، وكل مسافر يرجع وقد سمع شيئاً ويقول: إن محمداً يزعم أن الله أرسله أوحي إليه الله إليه بكذا. من الذي كان يهوى الجلوس إلى هؤلاء المسافرين ويجلس معهم ويسمع كلامهم؟ إنه عمرو بن سلمة، وكان غلاماً حافظاً رزقه الله ذاكرةً قوية، يقول: فحفظت من ذلك قرآناً كثيراً، فكأنما يقر -أي: هذا القرآن- فكأنما يقر في صدري- يجمع وفي رواية: يغري -أي: يلصق بالغراء، كأنك لصقت شيئاً بالغراء فليس بقابل للإزالة- وكانت العرب تلوم بإسلامهم الفتح، أي يؤخرون. وهذا يدل على مسألة مهمة، وهي أن على الدعاة وأهل الإسلام أن يقدروا أن هناك أناساً موقفهم متوقف على من سينتصر، هناك كثيرٌ من المتفرجين في الأرض إسلامه يتوقف على من الذي سينتصر، فالضعفاء والمتشككون في الدعوة والمنتفعون وأهل الدنيا يقولون: ننتظر من الذي سيفوز، من الذي سينتصر. وهذا موقف يتكرر كثيراً، وهو أن بعض الناس يتربصون لمن سيكون الانتصار، إن كان للإسلاميين كانوا معهم، وإن كان مع العلمانيين المنافقين كانوا معهم، وهكذا هم مع الغالب. قال: فيقولون: اتركوه وقومه فإنه إن ظهر عليهم فهو نبيٌ صادق، فلما كانت وقعة أهل الفتح -أي حين فتحت مكة وحسم الأمر للنبي ﵊ بدأت أفواج العرب تأتي، كل المتفرجين مالوا إلى النبي ﵊ وحسموا موقفهم معه، لأن قريشاً هي القيادة في العرب، فما دامت القيادة قد سقطت وآل الأمر للنبي ﵊ وصار هو القيادة للعرب، جاء كل العرب يبايعونه، ولذلك قال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد:١٠]. وقد كان صلح الحديبية بالذات نقطة تحول، ولذلك سمي فتحاً مبيناً. قال: وبدر أبي قومي بإسلامهم؛ وكان من هؤلاء المتفرجين بنو جرم -قوم عمرو بن سلمة - وكان أبو عمرو بن سلمة من زعمائهم، فانتقى بعض الأشخاص من بني جرم، وذهب بهم إلى المدينة، يبايعون الرسول ﷺ ويعلنون الدخول في الدين، ولقيهم النبي ﷺ وسمع منهم وعلمهم الصلاة وسمع منهم ما سمع، وكان من ضمن المعلومات التي نقلها أبو عمرو بن سلمة قوله ﷺ : (وليؤمكم أكثركم قرآنا) لأنهم قالوا: يا رسول الله من يؤمنا؟ عرفنا الصلاة فمن الإمام؟ قال: (أكثركم جمعاً للقرآن). قال: فنظروا إلى حوائنا -مكان النازلين يسمى حواء- من أحفظ واحد، فإذا به عمرو بن سلمة فكانت المفاجأة أن هذا الغلام الذي لم يكن يُعمل له حساب وفقه الله أنه كان يحفظ من المسافرين، ويسمع من المسافرين وعنده ذاكرة قوية، واتضح أنه هو أبرز واحد في حفظ القرآن، فكان هو المستحق لأن يكون إماماً، ولذلك قدم في الصلاة، فالأحداث تبرز الأشخاص. لم يكن في الحسبان أن عمرو بن سلمة يؤم قومه، لكن جاء حديث: (ليؤمكم أكثركم جمعاً للقرآن) وعُمل مسح للقوم، فإذا بالفائز والمتقدم والمتصدر عمرو بن سلمة، لكن القوم كان فيهم فقر، ما كان على الغلام إلا شملة مشقوقة -إزار مشقوق قصير- وكان النساء يصلون خلف الرجال، وكذلك ربما يرونهم من الخيام ومن النُزل التي ينزلون فيها، فكان إذا سجد انكشفت عورته، فقالت امرأة: ألا تغطون عنا است قارئكم، وفي رواية: واروا عنا عورة قارئكم، بما أن هذا هو الإمام وهو القارئ فغطوا عورته. ربما لم يكن عندهم علم بأن كشف العورة يبطل الصلاة، أو أن هذا الغلام ما كان له شيءٌ يستره، أو ما كانوا يأبهون كثيراً بتغطية عورات الغلمان، لكن لما اقترحت العجوز تغطية عورة الغلام، اشتروا له ثوباً وفي رواية: قميصاً عمانياً، وعمان تابعة لمنطقة البحرين التي سبق ذكرها. وقد ورد في الحج من عمان حديثٌ لا بأس به: (أن الحج من عمان يعدل حجتين) أي أن أجره مضاعف، وعمان هي المنطقة المعروفة، وهذا من فضائل عمان نسأل الله أن يشيع السنة فيه. فيقول: اشتروا لي قميصاً عمانياً، ويبدو أن هذه المنطقة كانت تصنع فيها القُمص؛ والقميص يشبه الثوب الذي نلبسه الآن، كان يطلق عليه في الماضي قميص، قال: فما شهدت مجمعاً من جرمٍ إلا كنت إمامهم فاستمر عمرو بن سلمة يصلي بقومه ما شاء الله من الفرائض والنوافل والجنائز.

стр. 150

فوائد من حديث عمرو بن سلمة

стр. 151

حكم إمامة المميز وهذا الحديث حجة لمن ذهب إلى أن إمامة الصبي المميز صحيحة، فهذا دليل على ذلك، فابن سبع سنين مميز، وقد كان عمره سبع سنين أو ثمان سنين، والتمييز أيضاً فيه تفاوت بين الغلمان، والنباهة تختلف لكن الحد المتوسط سبع سنين، ولذلك قال العلماء بصحة صلاة ابن سبع سنين إماماً وأذان ابن سبع سنين، فإذا أذن ابن سبع سنين صح أذانه، وإذا صلى ابن سبع سنين إماماً صحت إمامته أيضاً. وهذه مسألة إمامة المميز بمن هو أكبر منه من البالغين مسألة خلافية مشهورة، ولكن الدليل مع من قال بصحتها، وبعضهم حاول أن يطعن في المسألة قال: لعل النبي ﵊ ما اطلع ولعل ولعل، ولكن الوحي ينزل، ولو كانت الإمامة باطلة لكان أوحي إلى النبي ﵊ بتغيير ذلك وأرسل إليهم يغير ذلك. وجابر استدل بجواز العزل لكونهم فعلوه على عهد النبي ﷺ فقال: [كنا نعزل والقرآن ينزل] ولا يقال: ما كان ﵊ يدري، أو لعله ما اطلع، الصحابي يقول: [كنا نعزل والقرآن ينزل] أي: أن الصحابي يفهم أن نزول القرآن والعزل موجود دون إنكار من الوحي عليهم حجة، ولذلك فإن الذي يحتج بهذا أيضاً يحتج بهذا، فالطريق واحد.

стр. 152

الإمامة للأقرأ وتكريم حامل القرآن وكذلك من الفوائد: أنه يؤم القوم أحفظهم للقرآن، فلو قيل: من الذي يؤم؟ هل هو الأعلم؟ هل هو الأجود؟ هل هو الأحفظ؟ ف الجواب أن قراءة الشخص إذا كانت صحيحة، وهو أحفظ الناس للقرآن فهو أولى بالإمامة، كما دل عليه هذا الحديث، لأنه قال: (أكثركم أخذاً للقرآن) (أكثركم جمعاً للقرآن) (أكثركم قرآناً) ما معنى أكثركم جمعاً؟ أي: أكثركم حفظاً، فأولى الناس بالإمامة أحفظهم للقرآن ولو كان صغيراً، وأبوه قد يكون أعلم منه، فقد ذهب إلى النبي ﷺ وصار صحابياً وتلقى العلم من النبي ﵊ لكن من الذي تقدم للصلاة؟ ولده الأصغر الأقل علماً الذي لم يكن صحابياً على قول، والسبب أنه أحفظ للقرآن؛ فالأحفظ هو الذي يتقدم، إذا كانت قراءته صحيحة. وهذا يدلنا على تكريم الإسلام لحامل القرآن، ومكانة حامل القرآن في الإسلام، أنه يؤم من هو أكبر منه سناً، وأقدم منه إسلاماً، لأنه أحفظ. وقد ورد في تكريم جامع القرآن وحافظ القرآن مناسبات كثيرة في السنة، فتعالوا نذكر بعضها: منها تكريم حامل القرآن بالإمامة في الدنيا، أما بالنسبة لتكريم حامل القرآن في الآخرة فإنه يقال له: (اقرأ وارق ورتل، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها). ثانياً: لما كثُر القتلى في أحد، وجعلوا القبر الواحد لأكثر من شخص؛ لأن القوم بهم جراحات، ويشق عليهم أن يحفروا لكل قتيل قبراً، والقتلى سبعون، ولذلك قال: (قدموا أكثرهم قرآناً) أمرهم النبي ﷺ عند الدفن بتقديم أكثرهم قرآناً، فإذا مات جماعة في قتال أو في معركة أو في زلزال، ودفنوا جماعياً قدم الأحفظ. ثالثاً: التقديم في الدنيا بالنكاح، لأن النبي ﷺ قال للرجل: (زوجتكها بما معك من القرآن) سأله: ماذا تحفظ؟ قال: سورة كذا وسورة كذا -ذكر سوراً- فجعل مهرها أن يعلمها ما يحفظ، فكان حفظه شفيعاً له في زواجه، فقيل: ما عنده خاتم حديد، زوجه قرآنه الذي يحفظه. رابعاً: لما قدم والي مكة على عمر ﵁ قال عمر: من استخلفت؟ قال: ابن أبزى مولى لنا، قال: استخلفت مولى؟!! هؤلاء أشراف قريش استخلفت عليهم مولى؟ فذكر له أنه آخذ لكتاب الله فقال عمر: [إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين] فلذلك من أخذ الكتاب أكرم حتى من جهة الإمارة. قال في الحديث: (فلما صلينا تقول عجوزٌ لنا دهرية: غطوا عنا است قارئكم، فقطعوا لي قميصاً) فذكر أنه فرح به فرحاً شديداً، فهو ما زال في سن الطفولة، والصغير يفرح بالثوب الجديد، فالفرحة الطبيعية بالثوب الجديد كانت عليه رضي الله تعالى عنه، وهذا يعني أن الصغار يكرمون، بالذات إذا صار أحدهم حافظاً للقرآن، يُكرم بشيء يتجمل به أمام الناس، مادام هو إمام الناس، لأن الإمام يُنظر إليه ويتقدم بين يدي الناس، فلذلك أُكرم بهذا القميص. وفي بعض البلدان حافظ القرآن عندهم له مكانة خاصة مثل الهند أو باكستان؛ فالذي يحفظ القرآن عندهم يعطونه لقب قارئ، وربما يُكتب ذلك في الاسم فلان بن فلان القارئ أو القاري أو قارئ، ويُكتب في الوثائق الرسمية وفي جواز سفره ويُبجل بين الناس، أي تكون له مكانة خاصة عندهم حتى لو كان عاملاً يجمع القمامة، وبعض الأعاجم أشد احتراماً لحامل القرآن من العرب، ويعرفون قيمة الحافظ أكثر من كثيرٍ من العرب. فينبغي إجلال حامل القرآن لأجل القرآن، واحترامه لأجل القرآن، وعدم إيذائه لأجل القرآن الذي يحمله.

стр. 153

إمامة الصبي المميز للبالغين في الفريضة واقتداء المفترض بالمتنفل وكذلك في هذا الحديث أن هذا الإمام صلى بهم، والظاهر أنه صلى الفرائض، وليس النوافل كما قال بعضهم، لأن بعضهم قال: يؤم الصبي في النوافل فقط، والصحيح أنه يؤم في الفرائض وفي النوافل. والشافعي ﵀ قال: يؤم الصبي غير المحتلم إذا عقل الصلاة إلا في الجمعة، وأجاز إمامة الصبي الحسن وإسحاق بن راهوية، وبعض العلماء ذهبوا إلى تضعيف أمر عمرو بن سلمة ولم يحتجوا بذلك، ولكن مادام الحديث قد ثبت، فينبغي المصير إليه. ولكن يمكن أن يؤخذ من الحديث شيء، وهو جواز اقتداء المفترض بالمتنفل كما قال بعض العلماء؛ لأن صلاة الصبي نافلة، وهؤلاء يصلون وراءه فرضاً، إذا كان الفرض لا يُسمى فرضاً إلا في حق البالغ فقط، وأن هذا الصغير صلاته صلاة نفل على من يقول بذلك، فيستدل به على جواز اقتداء المفترض بالمتنفل، ذكر هذا صاحب عون المعبود شرح سنن أبي داود.

стр. 154

تلقي العلم وتفعيل الطاقات وفي هذا الحديث كذلك أهمية تلقي العلم، وأن الإنسان لا يحتقر المعلومات التي تأتيه من مسافرين؛ فربما يكون فيها خير عظيم، كما كان من شأن هذا الصبي الغلام ﵁ ورحمه، فإنه بسبب قعوده إلى المسافرين في الطريق جمع هذا القرآن. وكذلك في هذا الحديث أن بعض الطاقات والمواهب في القبيلة أو في المجتمع أو في البلد أو في المدرسة لا تبرز إلا بأحداث؛ فلقد كان هذا الغلام مغموراً، فهو حافظ لكن أحداً لم ينتبه إلى أنه حافظ، يسمع من ناس مسافرين ويحفظ، ما انتبهوا لمكانته، متى انكشفت مكانته؟ لما ذهب أبوه للقاء النبي ﵊، وعلمه ألا يؤم إلا الأقرأ الأحفظ، فمسحوا الناس في القبيلة، فوجدوا أن هذا هو الأحفظ فقدموه. وقد يُوجد هناك طاقات مختفية، أو طاقات غير ظاهرة في المجتمع، فينبغي استكشافها لأن لها شأناً، أصحاب الطاقات هؤلاء من الصغر يظهرون، وأهمية اكتشافها تكمن في أن الطاقات ينبغي أن تأخذ حظها من العناية والرعاية منذ البداية، حتى تكبر ويكون لها شأن في المستقبل، والحمد لله أن هذا الدين فيه من المناسبات التي تُظهر الطاقات، مثل قضية حفظ القرآن والإمامة، ولذلك تجد الآن بسبب الحديث عدداً من الأطفال أو من الصغار يبرزون في المجتمع. فصار -بحمد الله- هناك مجالٌ لظهور الطاقات التي تحفظ وتفهم بحيث تتلقف وتُشمل بالرعاية التي تهيئ خروج هذه الطاقة، وهذه الشخصية في المستقبل لتكون شخصية كبيرة، والغربيون انتبهوا حديثاً لقضية استكشاف الطاقات وجعلوا للمتفوقين والنوابغ فصولاً خاصة ومناهج خاصة. أما في الإسلام فإن طبيعة الدين وطبيعة أحكامه تبرز الطاقات، وتبرز المتفوقين، مثل مسألة إمامة الأحفظ؛ فإمامة الأحفظ من وسائل اكتشاف الطاقات والشخصيات الماهرة من الصغر، وجعله الإسلام في موقع تسلط عليه الأضواء، فهو إمام للناس أي: ينتبهون إليه، والذي يتمعن لمسألة مثل هذه المسائل فعلاً يكتشف جوانب عَظَمَة في هذا الدين لم يكن قد انتبه إليها من قبل.

стр. 155

اقتراح من عجوز وحكم عورة الصبيان كذلك في الحديث أن الاقتراح الوجيه جداً قد يأتي من امرأة عجوز، فالتي قالت: غطوا عنا است قارئكم إنما هي امرأة دهرية عجوز. وفيه قبح ظهور العورة، والاست معروف، وهو فتحة الدبر، فقبح ظهور العورة أمر شائع ومنتشر، ولذلك إذا كان الصبي مميزاً وجب ستر عورته، أما ابن سنتين فلا حكم لعورته، بمعنى لا يجب ستر عورة طفل عمره سنة، فلو رأى عورته أحد فلا إثم عليه، ولا ينطبق عليها حكم وجوب التغطية، ولمسها لا ينقض الوضوء، أما المميز فيجب أن تستر عورته، على الأقل ستر السوءتين لا بد من ذلك.

стр. 156

التكامل في أداء المهام والحرص على مشافهة العلماء كذلك في هذا الحديث: أنه قد يكون الشخص مناسباً لأن يقوم بالمهمة، لكن تحتاج المهمة إلى تكميل، فهذا حافظ لكن يحتاج إلى معرفة كيفية الصلاة، فكمل حتى يقوم بالمهمة قال: فدعوني وعلموني الركوع والسجود، فقد كان عنده مقدرة، لكن تحتاج إلى تكميل، فحفظ القرآن موجود، بقي تكميل المسألة بتعليمه صفة الصلاة وكيفية الركوع والسجود. وكذلك في الحديث الحرص على التلقي من الأفواه، فهذا الغلام كان يسمع فقط، ولم يكن له كتاب، كان يسمع من المسافرين ومن المارين يتلقفه ويقر في صدره.

стр. 157

غالبية الناس تتبع الأقوياء وكذلك في هذا الحديث قضية حسم المواقف؛ لأن هناك متفرجين ينتظرون الحسم، وأن أجر الاتباع للذين يحسمون الأمور؛ لأن كل الذين ينتظرون سيتبعونهم إذا انتصروا. ولذلك فإننا نمر بمواقف كثيرة تحدث فيها صراعات بين أهل الخير وأهل الشر، ويكون هناك طائفة من المتفرجين ليسوا من أهل الخير ولا في معسكر أهل الخير، وليسوا من أهل الشر الخلص ولا مع أهل الشر، تحدث المعركة وتحدث المجابهة، ثم بعد ذلك يحسمون مواقفهم حسب النتيجة، ويتابعون المنتصر حتى ولو في مناظرة. هبها مناظرة بين عالم من علماء المسلمين وراهب من رهبان النصارى كافر، هناك طائفة من المتفرجين ينتظرون هذه المناظرة عن أي شيء ستسفر، حتى يتابعوا المنتصر، وهنا تبرز أهمية من يمثل الإسلام في المعارك، هناك الآن معارك وجبهات كثيرة في النقاشات، وحوارات ومناظرات، وتحدث أحياناً مؤتمرات أو لقاءات وتنشر، وقد تبث على الهواء مباشرة، من الذي يمثل الإسلام فيها؟ وهذه مسألة مهمة جداً، لأن هناك متفرجين ينتظرون من الذي سينتصر في هذا النقاش وفي هذه المناظرة. ولذلك ينبغي ألا يدخل فيها إلا المتمكنون من أهل العلم والدين، لأنهم يمثلون الإسلام، وبناءً على النتيجة سيحسم كثيرٌ من الناس مواقفهم من المتفرجين والمتشككين والمترددين، وهذه مسألة من أخطر المسائل في عصرنا هذا الذي نعيش فيه. أخذنا هذه الفائدة من قوله ﵁: كان العرب يتلومون، أي ينتظرون حسم المواقف، كثير من الناس يطلق عليه إمعة، يرون من المنتصر، وقد يكون بعضهم ذكياً لكن ما عنده علم يصل به إلى النتيجة، فهناك كثير من الأذكياء ينتظرون أشياء تُحسم ليتبعوا. هذا ونسأل الله أن يجعلنا من الذين ينصر بهم دينه، ويعلي بهم كلمته، إنه سميع مجيب.

стр. 158

الأسئلة

стр. 159

الزوجة المعلقة وكيف تتصرف السؤال إذا ترك الزوج زوجته معلقة مدةً طويلة ولم يتقدم لإرجاعها وكانت ترغب في العودة ولم يعدها أو يطلقها، فماذا تفعل؟ الجواب تتقدم إلى القاضي عند ذلك ليحسم أمرها، فيأتي بالزوج يقول: تعال هنا، يقول الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٢٦ - ٢٢٧] فيقال له: يا أيها الذي امتنع عن زوجته وعلقها، تجاوزت الأربعة الأشهر التي حددها الله، إما أن تعيدها وتعطيها حقوقها كزوجة عندك، وإما أن تطلقها، ثم إذا رفض أن يعيدها زوجة لها حقوقها الكاملة، أجبره القاضي على الطلاق، فإذا طلقها بدأت العدة على قول جمهور أهل العلم.

стр. 160

خطورة القنوات الفضائية على النشء السؤال لو نبهتم على خطورة تلقي القنوات الفضائية على الأطفال وعلى النشء؟ الجواب لا شك أن أعداء الإسلام قد اكتشفوا أهمية ذلك قبلنا بكثير، وسبقوا في هذا المجال، وبالتالي نحن صرنا مستهلكين، نستهلك زبالاتهم التي يذيعونها علينا، فهم يخططون ويمكرون ويدبرون، وينتجون بهذه المؤامرات وهذا التدبير كل الأشياء المملوءة بالسموم والمملوءة بالترهات وسفاسف الأمور، والأشياء المنافية للأخلاق والآداب والمنافية للعقائد، وفيها تلميع شخصيات الكفار وإبراز معبودات الكفار وشعارات الكفار، والأشياء المنافية للأخلاق، كالاختلاط بين الجنسين، والرقص والملابس القصيرة، والحب والغرام، والمشاهد التي بين الذكران والإناث ونحو ذلك، وأطفالنا يرون ويتأثرون ويتلقون، ويتشبعون بهذه الأشياء من حيث لا ينتبه الأب، تظن الأم أنها إذا فتحت الشاشة للولد ارتاحت في البيت، وفعلاً تجد الولد يسكت، لكن ما درت أنها الآن تعطيه سماً، صحيح أنه سكت وما سبب لها إزعاجاً في البيت، لكنها تساهم في تدمير عقيدته وأخلاقه.

стр. 161

حكم تنظيف المرأة لأخيها الصغير السؤال ما حكم قيام الأخت بتنظيف أخيها الصغير؟ الجواب إذا كان ابن السنتين فأقل فلا بأس بذلك أن تنظفه لأنه -كما قلنا- لا حكم لعورته.

стр. 162

مشروعية قضاء صلاة الليل السؤال هل يشرع لمن نام عن صلاة التهجد في النصف الثاني من الليل أن يصلي في صبيحة اليوم التالي؟ الجواب نعم، يكمل صلاته في النهار شفعاً.

стр. 163

حكم الصلاة بدون إقامة السؤال هل تصح الصلاة مع عدم الإقامة؟ الجواب تصح الصلاة مع عدم الإقامة، ولكن السنة أن يُقيم.

стр. 164

تغيير مكان صلاة النافلة السؤال لماذا يصلي الرجل في مكان آخر السنة الراتبة؟ الجواب ورد عن معاوية ﵁ في سنة الجمعة أن يتقدم بعد الصلاة عن مكان الفريضة ويصلي، وأيضاً فإن النبي ﷺ نهى عن وصل صلاة بصلاة حتى يتكلم أو يقوم حتى لا يكون هناك اتصال بالفريضة، فليس من السنة أن يقوم الإنسان بعد الفريضة ويصلي مباشرة، بل يفصل بين الفريضة والسنة بكلام، أي: التسبيحات والتهليلات وتكبيرات الأذكار التي بعد الصلاة، فمن الأخطاء -ونجد هذا من كثيرٍ من الأعاجم- أن بعضهم يقوم بعد السلام مباشرة ويأتي بالسنة، وهذا مخالف للسنة، ينبغي أن يأتي بأذكار الصلاة، ثم بعد ذلك يأتي بالسنة، ويفصل بين السنة والفريضة حتى لا يكون ذلك ذريعة بالزيادة على الفريضة أو أن يدخل فيها ما ليس منها.

стр. 165

حال حديث: (لو خشع قلب هذا) السؤال حديث: (لو خشع قلب هذا لسكنت جوارحه)؟ الجواب لم يثبت هذا الحديث لكن معناه صحيح.

стр. 166

حكم بيع ماء زمزم السؤال ما حكم بيع ماء زمزم؟ الجواب جائز، لأنه شيء مباح، وبيع المباحات مباح.

стр. 167

المستثنون من الصعقة السؤال قوله تعالى: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر:٦٨] ما المقصود بقوله: إلا من شاء الله؟ الجواب قال بعض العلماء: مثل الحور العين، فإنهن يستثنين من الصعقة.

стр. 168

حكم تشبيك الأصابع في المسجد السؤال ما حكم تشبيك الأصابع في المسجد؟ الجواب أما بالنسبة للتشبيك عند الإتيان إلى المسجد فقد ورد النهي عنه، فلا يشبك الإنسان أصابعه وهو آتٍ إلى المسجد، وكذلك إذا كان ينتظر الصلاة لأنه في صلاة، أما بعد الصلاة إذا شبك بين أصابعه فلا بأس، لم يرد النهي عن هذا في هذه الحالة، واستعمله ﷺ في المسجد، وقام مرةً بعدما صلى بهيئة الغضبان لما سلم من ركعتين وشبك بين أصابعه ووضع ذقنه على يده كالغضبان، وكذلك قال أيضاً في تمثيل المؤمن: (المؤمن للمؤمن كالبنان أو كالبنيان وشبك بين أصابعه).

стр. 169

كتاب عن نوافل الصلوات السؤال هل هناك كتاب يجمع الصلوات النافلة؟ الجواب نعم، هناك بعض الكتب التي بينت ذكر صلوات النافلة وصفاتها مثل كتاب: محمد عمر بازبول في صلاة النافلة، فهو كتاب لطيف يحتوي على صلوات النافلة وعلى شرح لها.

стр. 170

دفع الزكاة إلى من يؤدي بها فريضة الحج السؤال هل يجوز دفع زكاة المال إلى مسلم ليحج حج الفريضة؟ الجواب الصحيح أنه يجوز ذلك، للحديث الذي صح عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الحج والعمرة لمن سبيل الله) فهذا فيه نص على إدخال ذلك في سبيل الله في آية الزكاة.

стр. 171

من صلى مع إمامين هل يكتب له قيام ليلة السؤال من صلى صلاة القيام أول الليل مع إمام، ثم صلى آخر الليل مع إمام آخر، هل ينطبق عليه حديث: (حتى ينصرف)؟ الجواب نعم له أجر، لكن هل الأجر الوارد في الحديث ينطبق عليه؟ الله أعلم، إنما هو مأجور على ذلك.

стр. 172

حكم التشكيك في تلبس الجن بالإنس السؤال ما حكم من شكك في تلبس الجن بالإنسان؟ الجواب مخالف للنصوص الشرعية: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة:٢٧٥] فالله أثبت المس وأثبت أن الإنس يتخبطون نتيجة المس، فكما يتخبط الممسوس فكذلك حال آكل الربا إذا قام من قبره يوم القيامة: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ﴾ [البقرة:٢٧٥] أي: من قبورهم ﴿إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة:٢٧٥] فكما يترنح الممسوس يميناً وشمالاً ويسقط ويرغي ويزبد فهكذا يكون حال الذي يأكل الربا.

стр. 173

لقاء الرسول بالجن السؤال ذكرت أن الرسول ﷺ التقى بمعشر الجن هل يمكن أن تعيد هذه الرواية؟ الجواب وردت عدة روايات في هذا، فقال ﷺ : (أتاني وفد جن نصيبين فقرأت عليهم القرآن) وكذلك جاءه وافدهم وأخذ النبي ﷺ واجتمع معهم وأرى الصحابي بعد ذلك -وهو ابن مسعود ﵁ آثار نيرانهم، وكذلك فإنه ﵊ لما قرأ سورة الرحمن على الصحابة أخبرهم أنه قد قرأها على الجن فكانوا أحسن مردوداً منهم، كان كلما مر بقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:١٣] قال مؤمنو الجن: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد، وإنهم سألوني الزاد فأعطيتهم؛ أعطاهم كل عظمٍ ذُكر اسم الله عليه ينقلب في أيديهم لحماً، والروث علفاًَ لدوابهم.

стр. 174

معنى البوائق السؤال ما معنى قوله ﷺ : (والله لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه)؟ الجواب البوائق هي: الإيذاءات والمكر والتدبير للشر، لأن بعض الجيران يدبرون الشر لجيرانهم، ينام الجار وهو غير آمن، ولا يدري ماذا سيفعل به جاره هذه الليلة، وأي مؤامرة يحيكها له في الليل ليفاجئه بها في اليوم الثاني، وهذا موجود.

стр. 175

مصيبة كوسوفا إن سنة الله تعالى جارية في الصراع بين الحق والباطل، ففي كل أرض وبلاد من بلاد المسلمين صراع ومواجهة، وهذا دليل على الحقد الدفين في قلوب الأعداء من اليهود والنصارى للمسلمين؛ لهذا لا بد من البراءة الكاملة من المشركين وعدم موالاتهم أو انتظار نصرتهم، ومن تلك البلاد المكلومة أرض كوسوفا، فقد تحدث عنها الشيخ، فذكر مشاهد مما يجري هناك من تقتيل وتشريد وتنكيل، ثم ذكر بعض القصائد التي تصف أحوال المسلمين في تلك البلاد، ثم تكلم عن واجب المسلمين تجاه إخوانهم، وما يجب عليهم من التألم لجراحاتهم، والدعاء لهم، وقبل ذلك كله الرجوع إلى الله تعالى

стр. 176

عداوة اليهود والنصارى للمسلمين الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. عباد الله: المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً، ويألم المؤمن لأهل الإيمان كما يألم الرأس لما في الجسد، ويسمع المؤمنون في هذه الأيام ما أصاب إخوانهم المسلمين في الأرض، فيتألم كل صاحب دين، ويكون في قلبه من الحزن على إخوانه المسلمين الذين وقع لهم ما يندى له الجبين من المصائب العظيمة التي تقض المضاجع، والتي يرتاع لها فؤاد المسلم مما أصاب إخوانه. وفي هذه والأحداث الذي يجريها الله بقدره وقفات فوائد ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً﴾ [الأحزاب:٣٨]. ومن ذلك أيها الإخوة: أولاً: أن نعلم حجم العداوة التي انطوت عليها قلوب الكفرة للمسلمين، التي ذكرها الله لنا في كتابه بقوله : ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوّاً مُبِيناً﴾ [النساء:١٠١] وقال : ﴿لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران:١١٨]. يحذر ﵎ عباده المؤمنين من اتخاذ المنافقين بطانةً، وذكر أنهم لا يألون المؤمنين خبالاً، أي: يسعون في مخالفتهم وما يضرهم بكل ممكن، وبما يستطيعون من المكر والخديعة، ويودون ما يعنت المؤمنين ويحرجهم ويشق عليهم، ثم قال : ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران:١١٨] أي: قد لاح على وجوههم وفلتات ألسنتهم من العداوة، مع ما هم مشتملين عليه في صدورهم من البغضاء للإسلام وأهله، ما لا يخفى مثله على لبيبٍ، ولهذا قال تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران:١١٨] وقال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء:٨٩] فهذا ما في قلوبهم على الإسلام وأهله، ولو كان بينهم اختلافات فإنهم يجتمعون على حربنا.

стр. 177

البراءة من المشركين عباد الله: إن من الأمور التي تجعل الإنسان حائراً هذا الكيد العظيم الذي اجتمع به الكفار على المسلمين، ولذلك فإنَّ الله حذرنا تحذيرات كثيرة من هؤلاء، وقسمهم فرقاً، وإذا نظرت إلى تقسيمات القرآن تجد انطباقها انطباقاً عجيباً في هذا الزمان، فإن الله قد ذكر أن من الكفار من أخرجونا من ديارنا، ومنهم من ظاهروا على إخراجنا، ونهانا عن برهم والإحسان إليهم، فقال الله : ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة:٨ - ٩] فقارن أخي المسلم بين هذا التقسيم المذكور في الآية، وبين ما يحدث الآن على أرض الواقع: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ﴾ [الممتحنة:٩] قال ابن كثير ﵀: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم ولم يظاهروا، أي: يعاونوا على إخراجكم، ولا ينهاكم عن الإحسان إلى الكفرة الذين لا يقاتلونكم في الدين كالنساء والضعفة، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ [الممتحنة:٩] أي: إنما ينهاكم عن مولاة هؤلاء الذين ناصبوكم وأخرجوكم وعاونوا على إخراجكم.

стр. 178

وقفات مع كوسوفا وما يجري فيها أيها الإخوة: إن من الكفار اليوم من قاتلونا في الدين لأننا مسلمون، وأخرجونا من ديارنا، والإخراج من الديار ليس أمراً سهلاً يا عبد الله، أن يسلب بيتك، وأن تخرج منه، وأن تكون هائماً في الأرض ليس لك مأوى، ولا بيت ترجع إليه تصبح شريداً طريداً في الأرض ليست القضية سهلةً على الإطلاق، ولذلك ذكر الله في كتابه كيف أن الكفار يخرجوننا من ديارنا، وطائفة أخرى يظاهرون على إخراجنا، أي: يعاونون على ذلك بتسريعها والتخطيط لها، والإعانة عليها بشتى صور الإعانة، ولا يهولنك التمثيليات وانظر إلى النتائج. إذا أردت أن تكون فطناً فانظر إلى النتائج ما هي؟ الإخراج من الديار، والمظاهرة على ذلك في السر والعلن، وقد يقع بين الكفار خلافات وقد يصطدمون، ولكن إذا نظرت إلى النتائج على المسلمين تجد أن المسلمين هم الطرف الخاسر الذي يخسر باستمرار، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ﴾ [الممتحنة:٩]. إن المسلمين في كوسوفا يخرجون من ديارهم ويُظاهرُ على إخراجهم، مليونان من البشر سيصبحون بلا مأوى، سيوزعون على البلدان، سيحصرون في شريط ضيق ليس لهم ديار، أُخرجوا من ديارهم، وظاهر الكفار الكفارَ على إخراجهم، فما هو موقف المسلم؟ لا شك أنها العداوة للكفار أبداً؛ لأنهم أخرجوا إخواننا من ديارهم، وظاهروا على إخراجهم، لقد كان الإخراج من الديار دافعاً للقتال عند المسلمين الذين كانوا عند نبي لهم من بني إسرائيل، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلأِ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ [البقرة:٢٤٦] فكان ذلك سبباً للجهاد في سبيل الله.

стр. 179

الجهاد هو الحل لمآسي المسلمين أيها الإخوة لا شك أن مثل هذه المآسي لا تُحَلُّ إلا بالجهاد في سبيل الله، ولذلك قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً﴾ [النساء:٧٥] فهم يبحثون عن ولي ونصيرٍ يعينهم ويساعدهم، وهذا تحريض من الله تعالى للمؤمنين على الجهاد في سبيله، وعلى السعي في إنقاذ المستضعفين بـ مكة من الرجال والنساء والصبيان المتبرمين من المقام بها، ولذلك قال الله : ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ [النساء:٧٥] إنهم يبحثون عن نصيرٍ ومعين. إن الجهاد في سبيل الله إذا قدرت عليه الأمة وجب عليها؛ لأن في ذلك إعانةً للمظلوم ونصراً للمسلم، وهذا واجب ولا شك، وفيه أيضاً: استنقاذ معابد الله في الأرض، والبيوت التي يذكر فيها، كما قال : ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج:٣٩ - ٤٠] ليس لهم ذنبٌ، لس لهم صفةٌ، ليس هناك سببٌ في إخراجهم من ديارهم إلا أنهم مسلمون يقولون: ربنا الله. ويقول الله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ [الحج:٤٠] لولا دفع الكفار بجهاد المسلمين لهم، قال تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٤٠] فمن الذي ينتصر إذاً؟ إنهم الذين ينصرون الله، وليس هم الذين يرفعون راية قومية، ولا عصبية جاهلية، ولا الذين يقولون: إن الحرب ليست حرباً دينية، إنما هي حرب وطنية قومية. فهؤلاء لا ينصرهم الله ؛ لأنه قال: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٤٠] أي: يعلي كلمته، ويرفع لواء لا إله إلى الله، لا لواء العنصرية والقومية. وما هي صفات هؤلاء الذين يُنصرون؟ قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج:٤١] وإلى أن يأتي الجيل الذي هذه صفته، فلا يزال أهل الإسلام في هزيمة، وفي مصيبة تلو مصيبة، ونكبة على إثر نكبة، حتى يأتي الجيل الذي ينصر الله . ولا تظن -يا عبد الله- أن المستضعفين من المسلمين ذهبوا هباءً منثوراً، فإن الله يثيب الصابرين منهم والمحتسبين الذين أخرجوا من أجله، قال : ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ [آل عمران:١٩٥] فالله لا يضيع عنده الأجر، ولعل ما أصاب إخواننا في كوسوفا كفارة لهم وشهادة، وابتلاء يزيد في حسناتهم ويرفع درجاتهم عند الله، والله لا يخلف الميعاد.

стр. 180

اعتداء الصرب الحاقدين على المسلمين أيها المسلمون لقد صار من المصائب على المسلمين في تلك الديار أمرٌ عظيم، ألم يأتكم نبأ ما حصل في عيد الأضحى لإخواننا في تلك الديار؟ لقد قام الصرب بالإحاطة بأئمة المساجد والمصليات في صلاة العيد، وقاموا أولاً بقتل أئمة صلاة العيد أمام المسلمين وأقربائهم، ثم ألحقوا ذويهم بهم، ثم ألحقوا جموع المصلين، حتى بلغ عدد القتلى في يوم العيد من المصلين. ليس من أهل البيوت بل من المصلين فقط عشرة آلاف في أنحاء الإقليم!! ضحوا بهم في يوم الأضحى، وأعدموهم بالسلاح الأبيض بطريقة وحشية وبحقدٍ دفين وحصدوهم بالرصاص، وفي جامع واحد قتلوا ألفاً وثمانمائة مصلٍ؛ لأنهم يقولون لا إله إلا الله، لم يعملوا شيئاً إلا لأجل لا إله إلا الله، فعليها يعادوننا ومن أجلها يقتلوننا، وقد جمعوا الرجال فحصدوهم، وأخذوهم، وفرقوا النساء والأطفال عنهم، وهكذا فعلوا كما هو المعهود عنهم في أمور الاغتصاب والفضائع والشنائع!!
следующие страницы →