← Джавами‘

Джавами‘ · id 7704

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (7 040 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

حكم الصلاة السببية في وقت النهي السؤال هل يجوز صلاة ركعتي السبب وفي وقت النهي؟ الجواب الصلاة لسبب جائزة، صلاة الأسباب جائزة. وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 1822

رحل الثلاثة فأدركوا البقية إن منزلة العلماء في الإسلام عظيمة، وما ذاك إلا لأثرهم العظيم على الناس، فكم من جاهل أرشدوه! وكم من تائه دلوه! وكم من مترد من أوحال الكفر انتشلوه! فهم جدار الحماية وصمام الأمان لهذه الأمة، وإنَّ فَقْدَ الواحد منهم ثلمة لا تجبر، ومن هؤلاء العلماء الشيخ/ محمد بن صالح العثيمين، وفي هذا الدرس عرض لبعض المواقف من حياته وجنازته، ثم قصيدة رثاء لفقده، وتنبيه أهمية التأسي به والاستفادة من مؤلفاته وكتبه.

стр. 1823

شرف منزلة العلماء إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. الحمد لله الذي جعل في كل زمان بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، وينهون عن الردى، ويحيون بكتاب الله الموتى، وبسنة رسول الله ﷺ أهل الجهالة والردى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه! وكم من ضال تائه قد هدوه! فما أحسن أثرهم على الناس! وما أقبح أثر الناس عليهم! ينفون عن دين الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، هؤلاء العلماء شهداء الله في أرضه، هؤلاء العلماء الذين رفعهم الله : ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١] العلماء فوق المؤمنين: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران:١٨] فبدأ بنفسه، وثنى بملائكته، وثلث بأهل العلم، وكفاهم بذلك شرفاً وفضلاً وجلالة ونبلاً: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩]. ولذلك أحال الله الأمة إليهم فقال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء:٧] وهذه آياته لا يعقلها إلا العالمون، وهذا كتابه مستودع في صدورهم: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٩] فهم أهل الخشية حقاً: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] وهم خير البرية بعد الأنبياء: ﴿أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة:٧] هم أهل الخشية: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة:٨] هم الدين أراد الله بهم خيراً: (من يرد الله به خيراً يفقه في الدين) ورثوا أنبياءه (والعلماء ورثة الأنبياء) وهذه درجة المجد والفخر، وبهذه الرتبة نالوا الشرف والذكر، فلا رتبة فوق رتبة النبوة، ولا شرف فوق شرف وارث ميراث تلك النبوة، وفضل العالم على العابد كفضل النبي ﷺ على أدنى واحد فينا. هؤلاء العلماء يستغفر لهم من في السموات والأرض من مخلوقات الله : (فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب) لا رتبة فوق رتبة من تشتغل الملائكة وغيرهم بالاستغفار والدعاء لهم، وتضع أجنحتها من أجلهم، هؤلاء الذين ألهمت الحيوانات والدواب في قاع البحر، وداخل الجحر أن تستغفر لهم، وبلغ من فضلهم أن الله سخر دواب الأرض التي لا تعقل أن تستغفر لهم، هؤلاء الذين عبدوا الله بالعلم، وخافوه بالخشية والتقوى، وحملوا هذا الدين وبلغوه للناس، شرحوا للناس كتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ ، والذي يعظمهم، فإنه يعظم ربه؛ لأنه عظَّم الذين يشرحون رسالات الله إلى الخلق، هؤلاء أهل العز حقاً، وهؤلاء رؤساء العالم صدقاً، تعلموا العلم وطلبوه وتذاكروا به وبحثوا عنه وبذلوه وعلموه. أرفع الناس عند الله منزلة، من كان بين الله وبين عباده، وهم الأنبياء والعلماء، ومن أراد النظر إلى ميراث الأنبياء، فلينظر إلى مجالس العلماء، هنا تقسم تركة محمد بن عبد الله ﷺ . وما عبد الله بمثل الفقه، قال الشافعي ﵀: "إن لم يكن الفقهاء العاملون أولياء لله، فليس لله ولي" هؤلاء الذين اشتغلوا بالعلم، لكي ينقذوا بكتاب الله تعالى وسنة النبي ﷺ أهل الضلالة والجهالة، فكم من إنسان قد اهتدى من بعد ضلالة، وكم منهم قد تعلم من بعد جهالة!

стр. 1824

العلم قبل القول والعمل عباد الله: إن العلم قبل القول والعمل، قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩] ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر:٣٢] والوارث قائم مقام الموروث، فله حكمه فيما قام مقامه، والأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر. فالعلماء أصحاب النصيب الوافر، وأصحاب الحظ العظيم الكامل، هؤلاء الذين سهل لهم طريقاً في الآخرة وطريقاً في الدنيا، بما وفقهم إليه من الأعمال الصالحة، وقد جاءت البشائر بفضلهم، وهم أهل الخشية، وليسوا أهل الترخيص والتسهيل، هم أهل الكتاب والسنة، وليسوا أهل التحجر والتعصب والتقليد الأعمى، هؤلاء هم أهل السنة، وليسوا بأهل البدعة، فيموت من أهل البدعة رأس ويموت من أهل السنة رأس، ويشاء الله ذلك، لكن ليعلم أهل الإخلاص والدين والسنة، من هم أهل العلم حقاً. عباد الله: إنه قد يشتهر كثير من الناس لكن الذين يخشون الله، ويعلمون الناس الدين يختلفون عن حال أولئك الذين تفخمهم وتعظمهم تلك الوسائل. أيها المسلمون: إن الذي يريد أن يعرف العالم حقاً، فلينظر إلى مكانة دينه وقوته في أمر الله، وإنكاره للمنكر، ولينظر إلى نصحه للمسلمين، وليس إلى التساهل والترخيص المقيت.

стр. 1825

حقوق العلماء على المسلمين عباد الله: إن لهؤلاء علينا حقوقاً ولا شك؛ في أمور كثيرة:

стр. 1826

الطاعة لهم إن طاعة العلماء عبادة، وقد ذكر أهل التفسير أن أهل العلم من أولي الأمر الواجب طاعتهم، وهم شهداء الله في أرضه، والأمناء على وحيه، وأهل خشيته، وهم الأنوار في الظلمات، والمنائر في الشبهات، وهم ورثة الأنبياء، هم الذين أبانوا الحق للناس، وهم الذين صمدوا في الفتن، فلنذكر صبر الإمام أحمد رحمه الله تعالى وإبانته الحق للناس، وهكذا صمد ابن تيمية ﵀ أمام التتر وقاد الأمة للجهاد، وهكذا جدد محمد بن عبد الوهاب ﵀ الدين يوم كانت الدنيا تمتلئ شركاً وقبوراً، وهكذا سار أهل العلم يجددون فقه الشافعي ﵀، وفقه عالم المدينة مالك، وهكذا من قبل ومن بعد علماء كثر. إن مثل العالم في البلد كمثل عين عذبة يردها الناس فيستقون منها، هؤلاء أهل العلم الصحيح من الكتاب وسنة النبي ﷺ ، لا من البدع والترهات، ولا من الشرك والكفر، هؤلاء أهل الإخلاص في طلبه وتبليغه للناس، ليسوا بأهل دنيا، ولا جماعون للأموال، ولا مرتادون للفارهات، إنما هم أهل الزهد والخشية، الذين كانت سيرتهم في أنفسهم دليلاً على خشيتهم لربهم، هؤلاء الأعزة الذين علموا الناس دين الله، وكانوا كثيراً ما يستخفون من الناس، ولكن الله يظهر فضلهم ومواقفهم، هؤلاء أهل التواضع الذين لو كثر الناس من حولهم فلا يحملهم ذلك على الترفع والتكبر، هؤلاء أهل الحق الذين يجانبون الهوى، فلا تميل بهم الأهواء. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] هؤلاء الذين يتكلمون بالعلم لا بالظن، فإذا جاءوا إلى مسألة لا يعرفونها، قال الواحد منهم: لا أدري، وتوقف عن الفتيا، ومن هو في العلم؟ جبل عظيم.

стр. 1827

تحريهم والأخذ بفتواهم أيها المسلمون: لذلك كان حقيقاً على كل واحد منا أن يتحراهم، ويتتبع أخبارهم، ويأخذ من عملهم، ويستفتيهم، ويلجأ إليهم في مسائله وفتاواه، هؤلاء الذين لا يخفون على أهل البصيرة، أما أهل الجهل والبسطاء، فيظنون كل من لبس لباساً معيناً عالماً، ويظنون أن كل من أظهر إظهاراً معيناً فقيهاً، ولذلك فإن المسألة بحق تحتاج والله إلى فقه وبصيرة حتى من قبل العامة، فيا من يلجئون إليه للاستفتاء والسؤال! هذا دين أمانة، ولذلك ينبغي على المسلمين أن ينقبوا تنقيباً عن أهل العلم، ولو سافروا إليهم، ولو وقفوا الساعات الطويلة على هواتفهم وأبوابهم، هؤلاء الذين يعتمد طلبة العلم عليهم. من هو العالم الذي نسأله؟ من هو العالم الذين نستفتيه؟

стр. 1828

التأدب معهم في جميع المعاملات العلماء الواجب نحوهم الأدب، ولذلك فإنه يتلطف في سؤالهم، ولا يضرب بأقوال بعضهم البعض، ولا يحمل الإنسان التعنت على مجادلتهم والمشقة عليهم، هؤلاء الذين ينبغي أن يتلطف معهم غاية التلطف عند توجيه الأسئلة، هؤلاء الذين ينبغي على الإنسان أن يعمل بفتواهم ويجانب الهوى، وليس أن يتتبع الرخص، ويسأل عن الأسهل. هؤلاء -أيها الإخوة- ينبغي أن يكون لنا معهم موقف شرعي في عدم الغلو بهم، وعدم جفائهم وترك الأدب معهم، وإنما هو أدب معهم، وإنزال لهم منازلهم، حق العالم على الإنسان أعظم من حق الوالد. من علم الناس كان خير أب ذاك أب الروح لا أب النطف

стр. 1829

ستر أخطائهم وعيوبهم هؤلاء الذين ينبغي التأدب معهم حتى في طريقة إتيانهم، فلا تلح عليه إذا كسل ولا تأخذ بثوبه إذا نهض، ولا تشر في وجهه بيدك، ولا تفش له سراً، ولا تمش أمامه، ولا تتبرم من طول صحبته، فإنما هو بمنزل النخلة، تنتظر ما يسقط عليك منها، القعدة بين أيديهم، كقعدة جبريل التي علمنا إياها. هؤلاء الذين تستر أخطاؤهم وعيوبهم، ولا يشنع عليهم، وهؤلاء الذين يدعى لهم، وحتى عند الاستفتاء لا تقل: رحمك الله، ولا تقل: رضي الله عنك، ولا تقل: وفقك الله وسددك، ورحم والديك، يتقرب إلى الله بخدمتهم، والتواضع لهم، تعظم حرمتهم، وتستر زلاتهم، وتقضى حوائجهم، ويدخل السرور عليهم، بل ويتحف أولادهم. هؤلاء الذين ينبغي أن يدعى لهم، كان بعض العلماء يدعو لمشايخه في كل ليلة، هؤلاء الذين لا يصح الإفتاء بحضرتهم، فكيف يتزبب ولم يتحصرم بعد، هؤلاء الذين يصبر على جفوتهم، وتبذل لهم الأعذار إذا أخطئوا ومن الذي لا يخطئ من البشر؟ لا تدخل مجالسهم إلا بالاستئذان، ولا يشق عليهم، ولا تطرق الأبواب عليهم في حين راحتهم. كان ابن عباس ﵁ يجلس في طلب العلم على باب زيد حتى يستيقظ، فيقال له: ألا نوقظه لك؟ فيقول: لا. وربما طال مقامه وقرعته الشمس. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام ﵀: [ما دققت على محدث بابه قط، وكنت أصبر حتى يخرج إلي، وتأولت قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ [الحجرات:٥]]

стр. 1830

حفظ لحومهم وكذلك تحرم غيبتهم جداً، ولحومهم مسمومة، وعادة الله في الانتقام من شانئيهم معلومة، وهكذا ينبغي علينا أن نسعى في نشر علمهم، وهذا هو المكسب يا عباد الله؛ العلم ونشره، فإن نشر العلم من الصدقات الجارية، ولو لم تكن صاحب علم، فإذا نشرت كتاباً أو وزعته أو صورت فتوى، ونحو ذلك من العلوم، كان لك من الأجر مثل أجر من انتفع بها، فاحرص يا عبد الله على نشر العلم، فإنها من الصدقات الجارية. نسأل الله أن يجعلنا من أهل الفقه في الدين، وأن يرزقنا اتباع طريق سيد المرسلين، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، اللهم فقهنا في ديننا يا رب العالمين، واجعلنا من أهل الإخلاص لا من أهل الهوى، إنك سميع مجيب قريب، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1831

وفاة الشيخ ابن عثيمين الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله العليم علام الغيوب، وأشهد أن محمداً رسول الله، علمنا فأحسن تعليمنا، صلى الله عليه وعلى آله وصبحه أولي العلم والنهى، صلى الله عليه وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين. عباد الله: إن فقد العلماء مصيبة، وإن ذهابهم رزية، وإن موت العالم العظيم ثلمة في الإسلام، وإنها لمصيبة ينبغي أن تقدر حق قدرها، وينبغي أن نعلم ماذا خسرنا حقاً، لا لأجل أن ننوح ونصيح، ولكن لأجل أن نسعى في استدراك النقص، والوصول إلى الطرق التي تؤدي إلى التعويض. يا عباد الله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد:٤١] كان ابن عباس ﵁ يقول: [موت علمائها وصلحائها]، وكثير من أهل التفسير ذهبوا إلى أنه نقصان بلاد الشرك بفتحها من قبل أهل التوحيد: لعمرك ما الرزية فقد مال ولا شاة تموت ولا بعير ولكن الرزية فقد شهم يموت بموته خلق كثير فعندما يودع العالم قبراً، يتأسف على العلم، فيدفن في القبر علم كثير غزير، فمن بمثل اجتهاده وقدرته على النظر في الأمور. الكتب كثيرة -يا عباد الله- لكن الفقه والقدرة على الاجتهاد والاستنباط من الذي يقوم بها؟ لا الآلات الحاسوبية ولا غيرها، إنما هي عقول العلماء، إنما هي تلك القلوب الحية التي يعقلون بها، وقد فجع المسلمون بوفاة شيخهم وعالمهم وصاحب الاجتهاد والفقه/ محمد بن الصالح العثيمين ﵀ رحمة واسعة، الذي ذهب إلى ربه ورحل عن هذه الدنيا، وكان قد استمر حتى آخر عمره في التعليم ونفع الناس والحرص على ذلك، رحل بعد مرض نرجو أن يكون له شهادة عند ربه. خلوت به قبل موته فقلت له مواسياً: يا شيخنا إن عشت؛ فهو خير ونفع عظيم لنا إن شاء الله، وإن رحلت فليس في هذه الدنيا كبير شيء يؤسف عليه، والحمد لله أنك تركت علماً كثيراً، فقال: أقول كما قال عمر بن عبد العزيز ﵀ فيما رواه البخاري عنه قال: [إن للإيمان فرائض وشرائع وحدوداً وسنناً، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان، فإن أعش فسأبينها لكم حتى تعملوا بها، وإن أمت فما أنا على صحبتكم بحريص]. رحل ولم يترك أرصدة في بنوك، ولا قصوراً فارهةً، ولكن ترك العلم بهذه المؤلفات والفتاوى، وهذا ميراث الأنبياء، لقد كانت الجنازة مشهودة، والقاعدة السلفية تقول: آية ما بيننا وبينهم يوم الجنائز. وإن الناظر في العدد الكبير من الحضور، والكم الهائل من البشر الذين شهدوها، ليذكر قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾ [مريم:٩٦] وكذلك نذكر حديث النبي ﷺ ، لما قال أنس: (مروا بجنازة فأثنوا عليها خيراً، فقال النبي ﷺ : وجبت، ثم مروا بأخرى، فأثنوا عليها شراً، فقال: وجبت، فقال عمر ﵁: وما وجبت؟ قال: هذا أثنيتم عليه خيراً، فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شراً، فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض) وفي رواية: (شهادة القوم المؤمنون، شهداء الله في الأرض) وهكذا استنبط شيخ الإسلام ﵀ من هذا: أن من أثنى عليه المسلمون خيراً، واجتمعت كلمتهم على الثناء عليه أنه من أهل الجنة إن شاء الله، واجتماع العدد الهائل ومئات الألوف والمنظر الغريب لأهل مكة في اختراق شوارعهم، من أعداد الناس صغاراً وكباراً، شيباً وشباناً وكهولاً، حيث تعطلت الشوارع، وخرجت الجنازة بعد العصر مباشرة، فلم يفرغ إلا قبل المغرب بمدة يسيرة. أيها المسلمون: هذا فيه درس عظيم لنا في حسن السيرة، إذا أحسنا سيرتنا، فإن الله يقيض من ألسنة المسلمين من يثني علينا خيراً، وبالتالي يكون حكم المسلمين عند الله ثابت: (أنتم شهداء الله في الأرض) فأين حسن السيرة، وحسن الطريقة والتزام الحق المبين؟ لا شك أن الفجيعة عظيمة، ولكن ليس لنا بد من الصبر، فماذا نفعل إلا الصبر، وهل عندنا غير الصبر؟ وهل يطيب العيش إلا به؟

стр. 1832

قصيدة رثاء تباركت ربي حين تعطي وتمنع تباركت ربي حين تدني وترفع تباركت ربي عزةً وجلالةً إليك إذا ما احلولك الخطب نفزع لك الخلق تقضي حكمة وتلطفاً وكل إلى الله المهيمن يرجع لك الحكم إن ضاقت علينا وإن بغت ففضلك يا منان أرضى وأوسع لك الأمر إن لاحت خطوب جسيمة فحفظك يا رحمان أقوى وأنفع تباركت ثبت مهجة قد تفطرت وقلباً على وقع الرزايا يفزع أتاك لظى دمعي وهمي وغربتي وآهات روحي والفؤاد المفجع أعالج جمراً في الحشا وصبابة وتصلى على نار المصيبة أضلع وأبكي فأستعزي بذكر حبيبنا فأسلو وما يجديك أنك تجزع لعمري وإن كانت حياة طويلة فكل له في صولة الدهر مصرع غرورٌ وأحلامٌ وهمٌ وحسرةٌ وظلٌ تولى والجديد يرقع أأبكيك شيخ الزهد والعلم والتقى وقد حق أن أبكي فؤاداً يصدع وتسلمنا الدنيا لبلوى ومحنة وللشر أنياب بها السم يلمع لئن غبت جثماناً فوالله لم تغب وذكرك يبن الناس أبقى وأرفع تراثك موصولٌ وعلمك خالدٌ وخيرك للغادي مصيف ومربع وما مات من زانت بساتين فكره وفتواه في العلياء كالشمس تسطع وما مات من أسدى إلى الحق عمره وقلبك بالأخرى شغوفٌ مولع يهل كأن القطر من حسن قوله فتثمر أغصانٌ ويزهر بلقع ركبت مطايا العزم تقوى وهمة وأنت لفعل الخير أدنى وأسرع وأسدلت ثوب الزهد ثوباً مسربلاًً وذلك ثوب ليس والله يخلع ومن ذاق طعم الأنس بالله حقبةً فليس له في عيشة الزيف مطمع وغيرك يستعلي عروشاً كسيحة وأنت على عرش القلوب تربع تفكرت في دنياك والأمن سابغٌ لمن كان لله المهمين يخشع صلاةٌ وقرآنٌ وذكرٌ ومسجدٌ وحولك أجيالٌ وعانٍ وموجع فأنَّى لظلم النفس حظٌ وإنما شغلت بفعل الخير والدرب مهيع وكم قمت في عين الملمات فانثنت وأنت لحصن الدين باب ممنع وقفت بشهر الصوم طوداً على الضنا تبش فلا تشكو ولا تتوجع بلاءٌ لو استعلى على رأس شاهقٍ لخر من البلوى طريحاً يصدع بليت وفي البلوى طهورٌ ورفعةٌ وفي غمرة السكرات تفتي وتنفع ومن حولك الأجيال من كل بقعةٍ وأرواحهم تشتاق والدهر يسمع فأنساهم خوفاً عليك من الردى فوائد حبرٍ عن قريبٍ تشيع تركتهم جمعاً أقاموا على الأسى أعيذهمُ بالله من أن يضيعوا ستخلدي يا ذكرى العثيمين معلماً على هامة الأيام تاجٌ مرصع فوالله لا تنفك تبكيك أمتي ويأسى على ذكراك قلب ومدمع فتاواك أنوارٌ وصوتك رحمةٌ ونصحك مثل الغيث والشرح ممتع ونعشك أجفاني وقبرك مهجتي وذكرك للصحب المحبين منبع لئن أودعوك اليوم في طيب الثرى فقد علموا من في ثرى الطيب ودعوا وجاورت قبر الباز حباً وصحبةً عسى أن يكن في جنة الخلد مجمع تخلد أعمال الدعاة وتزدهي وفاءً إذا ما زال كسرى وتبع عليك سلام الله ما هل هاطل وما هب نسمٌ وانحنى متضرع ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] قوموا فلنمت على ما مات عليه رسول الله ﷺ ، تلك العبارات العظيمة، تلك الآية العظيمة والقاعدة الجليلة التي لأجلها وعليها استمر الصحابة بعد النبي ﷺ .

стр. 1833

الحث على الاستفادة من مؤلفات الشيخ ونشرها أيها المسلمون: إن عزاءنا في فقده علمه الذي تركه، فهو الذي ينبغي الاستفادة منه، ونشره، مع نشر فتاوى أهل العلم، خصوصاً في هذه القضايا المعاصرة التي تكلموا فيها ولا توجد في كتب الفقه من قبل. أيها المسلمون: إننا ولله الحمد نعتقد اعتقاداً جازماً بأن ما عند الله خيرٌ للأولياء المتقين مما في الدنيا، وهذا الذي يخفف المصاب، وإننا لنعتقد أن الله لا يضع دينه، وأن الله جاعلٌ في هذه الأمة خيراً، وأن الله لا بد أن يقيض لهذه الأمة من يرفع شأن الدين، ولا يزال في هذه الأمة طائفةٌ منصورة ظاهرة على الحق، لا يزال في هذه الأمة مجتهدٌ وقائمٌ لله بالحجة، وإنها لفرصة أن نذكر أعداء الدين من المنافقين أن عناية الله بالدين مستمرة، وأنهم لا يصح لهم أن يفرحوا، وإنما هو مسلسل مستمر، وأن السيد سيخلف السيد إن شاء الله، وأن الله ما أنزل دينه إلا ليستمر، وأنه لا يخلو الزمان من إمام قائم لله بالحجة، وإننا في الوقت الذي نقدر فيه خطورة الموقف بتوالي ذهاب العلماء، وخصوصاً الثلاثة الكبار الذين رحلوا عنا، عبد العزيز بن باز، ومحمد ناصر الدين الألباني، ومحمد بن الصالح العثيمين، فإننا في الوقت نفسه نؤكد على أن العلم لا بد أن يستمر مشواره، وأنه لا بد أن تبذل الأوقات من أجله، وأنه لابد أن يحرص على طلبه. أيها المسلمون: إننا نريد أن نوجه عواطفنا توجيهاً إيجابياً لأجل إنقاذ العلم واستمراره والحرص عليه. نسأل الله أن يجعلنا من أهل العلم الحريصين عليه، وأن يجعلنا من المستفيدين من فتاوى أهله، وأن يجعلنا من الذين ينشرونه. اللهم ارحم الشيخ محمداً، وارفع درجته في المهديين، وأخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، واجزه عن الإسلام وأهله خير الجزاء. اللهم انفع بعلمه وفقهه، واجزه به الجزاء الأوفى، اللهم اجعله مع الرفيق الأعلى، اللهم اجعله مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، اللهم إنا نسألك أن تغيث هذه الأمة غوثاً عاجلاً يا رب العالمين! اللهم انصر أهل العلم والجهاد، واقمع أهل البدعة والفساد، اللهم من أراد إفساد ديننا، فأشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 1834

(١٠٠) فائدة من العلامة الشيخ ابن عثيمين لقد فجع المسلمون بوفاة أحد ورثة الأنبياء في هذا الزمان، وهو الشيخ الفقيه الزاهد محمد بن صالح بن عثيمين، إذ يحتل مكانة عظيمة في نفوس الأمة. ولقد جاءت هذه المادة مبينة لجزء كبير من حياة هذا الشيخ الذي صبر متعلماً ومعلماً فنال شرف الإمامة في الدين، فقاد الأمة وبصرها بأمور دينها حتى آخر لحظة من حياته.

стр. 1835

قبسات من حياة الشيخ ابن عثيمين الحمد لله الذي جعل في كل زمانٍ أئمة يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، وينهون عن الردى، ويحيون بكتاب الله أهل العمى، ويدلونهم على التقى، فكم من قتيلٍ لإبليس قد أحيوه، وكم من ضالٍ تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس، وما أقبح أثر الناس عليهم. ينفون عن دين الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، هم للناس كالنجوم في السماء، يُهتدى بهم في ظلمات الجهل والشبهات، كما يهتدى بالنجوم في الظلمات الحالكات، والطرق المهلكات، ويحرسون الشريعة من سهام شياطين الإنس والجن، الملبسين والمفسدين، كما تحمي النجوم السماء من مسترقي السمع والمردة الشياطين، وهم فخر الشريعة وزينة الدين، كما كانت النجوم زينة للسماء وأنساً للمسافرين، فهم مصابيح الدجى، وأئمة الهدى، وحجة الله في أرضه، وورثة الأنبياء، والقائمون على وحيه، فهم غيظ الشيطان، وركيزة الإيمان، وقوام الأمة، وهم الساهرون على حراسة الحق الناشرون له، المعارضون للباطل المحاربون له، المتحملون في هذا السبيل كل أذىً ومشقة، يصلحون ما فسد، ويقومون ما اعوج، ويدعون إلى الطريق المستقيم؛ طريق النجاة والسلامة، غير هيابين ولا وجلين، ولا يخافون في الله لومة لائم، ولذلك شرفهم الله بقوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩]، لا يسكتون عن حقٍ وجبت إذاعته، ولا يكتمون مما أنزل الله حكماً شرعياً؛ لأنهم آمنوا بقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة:١٥٩]، رفع الله مكانتهم، وقرن شهادته بشهادتهم، فقال : ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:١٨] وهم أهل الفضائل والمكاسب، الذين بيَّن النبي ﷺ فضلهم بقوله: (فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب). أيها الإخوة والأخوات: إن الحديث عن العلماء ليبعث الرهبة في النفس، لأننا نتحدث عن ورثة الأنبياء، وإذا مات العالم العظيم انثلم في الإسلام ثلمة حتى يخلف الله غيره، وقد فجعنا وفجع المسلمون بوفاة أحد ورثة الأنبياء في هذا الزمان ممن نحسبه، وهو الشيخ الفقيه الزاهد محمد بن صالح بن عثيمين رحمة الله عليه، ونحن نعلم أن الموت نهاية كل حي، ولذلك لا بد أن نعكف على علوم العلماء وأخبارهم، لأن المقصود ليس إثارة الأحزان، ولا تقليب المواجع والوجدان، ولكن الاقتداء بهم، والاستفادة منهم، والتعلم من علومهم، والتشبه بسيرتهم: فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاحُ

стр. 1836

مولد الشيخ ابن عثيمين وحرصه على العلم والعمل ولد الشيخ ﵀ في ٢٧/رمضان من عام (١٣٤٧هـ) وأنفق نحواً من خمسين سنة من حياته يعلم دين الله تعالى. كان حريصاً على العلم منذ صغره، فقد نبغ وحصل المتوسطة والثانوية والجامعة في أقل من ست سنين، وزامل الشيخ عبد الله البسام ﵀ في الدراسة على يد الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، فكانا يحفظان المتون معاً، ويسرد كل واحدٍ منهما على الآخر ما حفظه من المتون، وحدثني الشيخ عبد الله البسام أنه كان يراجع القرآن مع الشيخ ابن عثيمين، يبدأ الأول فيقرأ ثمناً، ثم يقرأ الآخر الثمن الذين يليه وهكذا، حتى إذا انتهت الختمة بدءا ختمة جديدة، لكن فمن بدأ أولاً يبدأ ثانياً وهكذا حتى يكون كلٌ منهما قد قرأ القرآن وراجعه كله.

стр. 1837

صبر الشيخ متعلماً وقد صبر الشيخ ﵀ متعلماً، وصبر معلماً. فأما عن صبره معلماً فسيأتي، وأما صبره متعلماً فلا بد أنه قد صابر نفسه كثيراً حتى وصل إلى ما وصل إليه، ومن ذلك: أنه كان يلازم شيخه العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي، فأخذ عنه الكثير؛ خلقاً وعلماً. وقد حدثني أحد أولاد الشيخ السعدي: أن الشيخ محمداً كان يمشي مع شيخه عبد الرحمن حتى في طريقه إلى الدعوات التي يدعى إليها شيخه، يسأله في الطريق ويأخذ عنه، حتى يصل إلى باب بيت صاحب الدعوة، فيدخل الشيخ ابن سعدي ثم قد يرجع الشيخ محمد وقد يدخل. وقد تأثر الشيخ محمد بشيخه عبد الرحمن جداً، وسمعت عن رؤيا له في شيخه، فسألته عنها في أحد مواسم الحج، فقلت: ذُكر أنكم رأيتم شيخكم عبد الرحمن السعدي في المنام، فسألته: ما أكثر ما نفعك عند الله بعد الموت؟ فقال: حسن الخلق، فهل هذه الرؤية صحيحة؟ فقال: نعم، غير أني لا أذكر الآن هل قال لي: تقوى الله، أو حسن الخلق، ولكن الرواية التي سمعتها جزماً من بعض طلاب الشيخ أنه قال له: إن أكثر ما نفعه عند الله حسن الخلق. أيها الإخوة: عندما يتعلم الإنسان العلم والأدب يكون شيئاً آخر، ولابد من علم وأدب مجتمعين، وهكذا كان طلاب الإمام أحمد في درسه وحلقته يتعلمون العلم والأدب. وقد اهتم الشيخ محمد ﵀ بالحفظ جداً؛ وهذا الذي نفعه كثيراً، وكان يقول: قرأنا كثيراً فلم يبق معنا إلا ما حفظنا، وكان يوصي بحفظ المتون والقواعد في الفنون المختلفة، وفقه الشيخ الكتاب والسنة، ولم يكن متعصباً لمذهبٍ، ولا أسيراً لعباراتٍ معينة، والأمر كما بين شيخه عبد العزيز بن باز ﵀، بأنه ليس العالم الذي يحفظ مختصر خليل، ومتن الخرقي، ولكن العالم هو الفقيه بالكتاب والسنة.

стр. 1838

عبادة الشيخ كان الشيخ محمد ﵀ ذا عبادة؛ ينام مبكراً بعد العشاء، فإذا جاءت الساعة الثانية يستيقظ تلقائياً بغير منبه؛ ليقوم الليل ويعمل ما يعمل، وقال أحد من رافقه مرة في سفرٍ، وقد ذهب مع الشيخ في دعوة فرجعا متأخرين كالين متعبين إلى مسكنهما، فوضع كلٌ منهما رأسه الساعة الواحدة ليلاً، واضطجع الشيخ، قال المرافق: وأثناء النوم انتبهت قرابة الساعة الثالثة أو الثالثة والنصف، وكنا قد نمنا قرابة الواحدة والنصف، فحينما انتبهت انتبهت على صوت الشيخ وهو قائم يصلي، وفي هذا الوقت الذي كان هو في أمس الحاجة إلى النوم والراحة فيه، كان ﵀ قائماً لله جل وعلا يصلي.

стр. 1839

مداومة الشيخ ابن عثيمين على العمل كان الشيخ ﵀ يداوم على العمل، فإذا عمل عملاً لا يتركه؛ امتثالاً لقول النبي ﷺ وحديثه في المداومة على العمل: (أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل) فكان لا يترك صيام ثلاثة أيام من كل شهر، ولو سافر وانشغل قضاها بعد سفره، ولما اعتاد الذهاب إلى بيت الله الحرام ومكة للتدريس، استمر على هذه العادة، ولم ينقطع حتى في السنة التي مات فيها، وفي مرض الموت ذهب إلى هناك على عادته يعبد الله ويدرس دين الله، ولما رتب الدروس لطلاب العلم لم يكن ينقطع عن ذلك، ولم تتوقف الدروس إلا فيما ندر، وهذا مما رغب طلبة العلم فيه، فجاءوا إليه من أماكن بعيدة، بينما ترى أنت أحياناً اليوم عدداً ممن يفتح دروساً سرعان ما يغلقها، فلا يصبر الذي يُلقي ولا الذين معه، وسرعان ما ينفرط العقد، وقضية العلم -أيها الإخوة- لا بد فيها من صبرٍ ومصابرة. وكان الشيخ ﵀ يواظب على الصدقة صباح كل يوم جمعة، ولم يترك هذه المواظبة إلا لما تبين له أنه لم يثبت في ذلك سنة عن النبي ﷺ . وكان ﵀ مداوماً على قراءة ورده من القرآن، يقرأه وهو ماشٍ إلى الصلاة، كان لا يركب بل يمشي، ولا يقبل أن يقاطعه أحدٌ وهو ذاهبٌ إلى المسجد؛ لأن هذا وقت الورد -ورد القرآن- فإذا اضطر إلى كلامِ صاحبِ الضرورة وتأخر شيئاً ما في قراءة الورد ووصل إلى المسجد ولم يتم ورده وقف عند باب المسجد ولم يدخل إلى إقامة الصلاة حتى ينهي ورده، فيستغرب بعض الذين يرونه: الشيخ واقفاً وليس معه أحد، ماذا يفعل؟ وفي الحقيقة أنه يتم ورده.

стр. 1840

زهد الشيخ ابن عثيمين في الدنيا وكان الشيخ زاهداً في الدنيا، ليس من أهل العقارات ولا الأموال، وكان ما يأتيه من الرواتب ينفقه على أهله، وقد أعطي سيارة جديدة فلم يستعملها، فلما علاها الغبار سحبت من أمام البيت، وأعطي بيتاً كبيراً فوهبه لطلبة العلم، وسيارته قديمة (مازدا من الثمانينات) ومن تأمل غترته وبشته ونعله عرف أنه رجلٌ زاهد غير متعلقٍ بالدنيا، ولا هو من أصحاب المظاهر.

стр. 1841

ورع الشيخ ابن عثيمين كان الشيخ ﵀ عالماً ورعاً فيما نحسب، وقد يفتي بجواز أشياء ويترجح لديه إباحتها ولكنه لا يستعملها ورعاً كالكحول، فأخبر أنه لا يضع الطيب الذي فيه كحول؛ ولكنه قال: ولكني قد أستعمله في تعقيم الجروح. ومن قصص ورعه: أن الكلية قد كلفته مرة أن يضع منهجاً لأحد المراحل، وخففوا نصابه التدريسي لأجل ذلك، ليكون عنده شيءٌ من التفرغ لإتمام ذلك المنهج في الوقت المحدد، وبعد أن فرغ من إتمامه ﵀ صرفت له الكلية مكافأة، وهي تصرف له ولغيره ممن يضع المناهج، ويكتب هذه المواد الدراسية، فاستغرب الشيخ من تسليمه هذه المكافأة، وأخذها إلى أحد مسئولي فرع الجامعة ليعيدها، فاعتذر بأدبٍ عن استرداد المبلغ؛ لأن الشيخ قبل بالتكليف، ولوائح الجامعة وأنظمتها تنص على صرف مثل هذه المكافأة، وإعادة المبلغ بعد صرفه فيه إرباك للإدارة المالية هي في غنى عنه لم يعجب الشيخ تصرف الكلية بعدم أخذ المال، وذهب إلى مدير الجامعة لإعادة المال الذي حاول بدوره إقناع الشيخ بأحقيته بهذه المكافأة، كما تنص عليه أنظمة الجامعة، فرد الشيخ ﵀ بأن الكلية حينما كلفته بالتأليف خففت عنه نصاب التدريس وأنه استفاد من هذا التخفيف في التأليف وهذا مقابل هذا، فلماذا إذاً يعطى شيئاً إضافياً وهو لا يستحقه، فاقترح عليه مدير الجامعة أن يتصدق بالمبلغ، ولكن حتى هذا الاقتراح لم يقبله، وأصر على إرجاع المبلغ وبعد ذلك تتصرف به الجامعة. حدثني ضابط مرور، قال: وهذه القصة حصلت معنا، وإذا أردت أن تذكرها فاذكرها، خرج الشيخ مرة مع شخصٍ بسيارته -بسيارة هذا الشخص- يقودها من عنيزة إلى بريدة في مهمة في مشروع خيري، فأسرع السائق المرافق للشيخ، وكان في الطريق نقطة تفتيش على السرعة الزائدة، فأوقفوا السيارة لإعطاء المخالفة، فنظر العسكري في السيارة فإذا فيها الشيخ محمد بن صالح العثيمين فاستحيا، وقال: تفضلوا امشوا، فمشت السيارة، وبعد برهة يسيرة قال الشيخ للذي معه: لماذا أوقفونا؟ قال: لأجل السرعة الزائدة، قال له: ارجع إلى هذه النقطة، فاستدار ورجع على أمر الشيخ، فلما وصل إلى المكان قال لهذا العسكري: لماذا أوقفتنا قبل قليل؟ قال: يا شيخ! كان في سرعة زائدة، قال: ولماذا تركتنا نمضي؟ قال: قلت لعلكم مستعجلون وعندكم مسألة مهمة، قال: لا. كم هي مخالفة السرعة؟ قال: يا شيخ! لا داعي لذلك! قال: كم هي مخالفة السرعة؟ قال: ثلاثمائة ريال، قال الشيخ: هذه مائة وخمسون مني ومائة وخمسون تأخذها من هذا لأنه خالف، ولأني لم أنصحه، وأصر على دفع المبلغ. ومن احتياطه لأموال المسلمين: أنه سلم مرة رئيس جمعية خيرية كيس تبرعات فيه مال وفير، فلما أخذه هذا وانطلق به إلى سيارته لحقه الشيخ إلى السيارة، وقال: انتبه! إن في الكيس نصف ريال، كأن الشيخ خشي أن ينسوه حين تفريغ الكيس؛ لأنه نصف ريال، وهذه صدقة مسلم قد تقع عند الله موقعاً عظيماً، وهي أمانة، وإذا وكلت ذكر الموكل.

стр. 1842

تواضع الشيخ ابن عثيمين وكان ﵀ متواضعاً لا يأنف أن يركب أي سيارة مهما كانت قديمة، بل ربما ركب بعض السيارات وتعطلت به، ونزل يدفع مع السائق، ويخشى أن تفوت الصلاة في المسجد، ودخل مرة البلد والمساجد مغلقة بعد ما رجع من سفر، فلف على المساجد حتى وجد مسجداً مفتوحاً فبدأ به بركعتين تطبيقاً للسنة. وكان ﵀ من تواضعه لا يرضى أن يقال له: العلامة، وإذا سجل أحد طلابه ذلك في الشريط، قال له: امسحه من الشريط، وقلت له مرة: يا شيخ! هذه المسائل التي سألتك إياها سنجمعها في كتاب ونسميه: مسائل العلامة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين، قال: لا نريد العلامة ولا غيرها. وفي أحد اللقاءات الشهرية قال له أحد الحاضرين: يا شيخ! إني قد اغتبتك فاجعلني في حل، فقال: من أنا حتى لا أُغتاب وأنت في حل. وكان يقرب الفراشين الذين كانوا يخدمونه في المسجد، ويتحدث معهم. واستأذن بعض الشباب بقراءة أبياتٍ من الشعر نظمها في مدح الشيخ ﵀، فكان الشيخ يقاطعه مراراً معترضاً على مدحه، وطلب تغيير تلك الكلمات، وكلما سمع مدحاً اعترض وقاطع وأوقف الطالب، حتى قال الطالب: لا يصلح هذا يا شيخ! إما أن أقرأ ما كتبت أو أتوقف، فقال الشيخ: توقفك أحب إليَّ، ولم يرضَ ﵀ بهذا المديح، والقصة تسمعها في الشريط فتتأثر من هذا والقصة ملخصة على النحو التالي: قال الطالب بين يدي الشيخ: أما بعد: فضيلة الشيخ! أستأذنكم في هذه القصيدة: يا أمتي إن هذا الليل يعقبه فجرٌ وأنواره في الأرض تنتشرُ والخير مرتقبٌ والفتح منتظرُ والحق رغم جهود الشر منتصرُ وبصحوة بارك الباري مسيرتها نقية ما بها شوبٌ ولا كدرُ ما دام فينا ابن صالح شيخ صحوتنا بمثله يرتجى التأييد والظفر قال الشيخ: أنا لا أوافق على هذا البيت؛ لأني لا أريد أن يربط الحق بالأشخاص، كل شخص سيفنى، فإذا ربطنا الحق بالأشخاص فمعناه أن الإنسان إذا مات قد ييأس الناس من هذا، فأقول: إذا أمكنك الآن فبدل البيت: ما دام فينا كتاب الله وسنة رسوله فهذا طيب. الطالب: مادام فينا كتاب الله وسنة رسوله ابن العثيمين الشيخ: لا هذه لا تأتي بها لا توقف الطالب: فقيهنا. تداخل: دعه يواصل. الشيخ: لا لا لا لا. لا أرضى، ما عندك إلا هذا؟ الشيخ: أبداً وليس له داعٍ يا رجال! فقط أنا أنصحكم من الآن وبعد الآن ألا تجعلوا الحق مربوطاً بالرجال، الرجال قد يضلون، حتى ابن مسعود يقول: [من كان مستناً فليستن بمن مات؛ فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة] الرجال إذا جعلتم الحق مربوطاً بهم، فالواحد منهم قد تقتلب نفسه -نعوذ بالله من ذلك- ويسلك طرقاً غير صحيحة، ولذلك أنا أنصحكم الآن ألا تجعلوا الحق مقيداً بالرجال لأمور: أولاً: لا يأمن الإنسان -نسأل الله أن يثبتنا وإياكم- الزلل والفتنة. ثانياً: أنه لا أحد يبقى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٣٤]. ثالثاً: أن بني آدم بشر، ربما يغتر إذا رأى الناس يبجلونه ويكرمونه ويلتفون حوله، ويظن أنه معصوم، ويدعي لنفسه العصمة، وأن كل شيءٍ يفعله فهو حق، وكل طريق يسلكه فهو مشروع، فيحصل بذلك الهلاك، ولهذا امتدح رجلٌ رجلاً عند النبي ﵊ فقال: (ويحك! قطعت عنق صاحبك، أو قال: ظهر صاحبك)، وأنا أشكر الأخ مقدماً وإن لم أسمع ما يقوله فيَّ على ما يبديه من الشعور نحوي، وأسأل الله أن يجعلني عند حسن ظنه أو أكثر، ولكن لا أحب أن أمدح.

стр. 1843

صبر الشيخ ابن عثيمين معلماً وأما عن صبر الشيخ في التعليم: فقد صبر عالماً ومعلماً، واتجه الشيخ للتعليم من مرحلة مبكرة من عمره، فدرس قريباً من خمسين عاماً، نصف قرنٍ من الزمان أنفقها ذلك الشيخ ﵀ في تدريس دين الله، وكان قبل أن يشتهر مواظباً على التدريس مهما كان عدد الحضور، حتى إنه كان لا يحضر عنده في بعض الأوقات إلا أربعة أشخاص، وأحياناً يغيب نصفهم، ومرة جاء الشيخ إلى مكان الدرس فلم يجد إلا كتاباً وضعه أحد الطلاب في مكان الحلقة وانصرف لشيءٍ، فلما رأى الشيخ ذلك، توجه إلى المحراب وأخذ مصحفاً وجلس يقرأ فيه، فجاء الطالب ووجد الشيخ يقرأ ولا يوجد إلا كتابه فاستحيا وأخذ الكراس وانصرف. وظل الشيخ مصابراً حتى فتح الله عليه، فصار يجلس في حلقته نحو خمسمائة طالب، وفي درسه في الحرم ومحاضراته الخارجية أضعاف هؤلاء، وصبر على الإفتاء في شتى المجالات، ورتب الدروس والمحاضرات. وكان له رعاية لطلابه، وكان يكلف بعضهم بمراجعة الأحاديث، أو تحرير بعض المسائل، وينظر في ذلك كله ويتابعه، بل كان يجعل بعضهم يدرس بعض المبتدئين. وقد سعى الشيخ ﵀ إلى توفير سكنٍ للطلاب المتزوجين وغير المتزوجين، وهيأ لهم داخل السكن مكتبة تضمنت سائر أنواع الفنون، وكان حريصاً على تمرين طلابه على إلقاء الكلمات، وذلك في كل ليلة جمعة بعد المغرب وقبل الدرس، وكان حريصاً على طلابه، فإذا مرض أحدهم وأدخل المستشفى زاره فيه إن استطاع، وإذا صار الطالب المريض في مسكنه زاره في غرفته في العمارة المخصصة إن كان من العزاب، وفي شقته في عمارة المتأهلين إذا كان متزوجاً. وكان يتفقد طلابه ويعينهم وخصوصاً بالشفاعات، وكم دخل من طلابٍ الجامعة بسببه، وعولج أشخاص بسببه، وقضيت حاجات بتدخله وشفاعته، وقد قال النبي ﷺ : (اشفعوا تؤجروا) رواه البخاري. وفي فصل الشتاء كان يعطي طلاب السكن أوراقاً بمبالغ مالية محولة على محلاتٍ معينة ليشتروا بها ملابس شتوية لأنفسهم ولأولادهم، وكان يتابع تلامذته أثناء الدرس حتى لا يشرد ذهن أحدهم فتضيع عليه الفائدة، وذات مرة كان أحد تلامذته غير حاضر الذهن في الدرس، فأوقفه الشيخ وقال له: هل أنت فاهمٌ لما قلته؟ فقال الطالب: إن شاء الله، فقال الشيخ: هل على رأسك شماغ؟ فقال الطالب: نعم، فقال الشيخ: لِمَ لم تقل: إن شاء الله؟ لكنك عندما كنت غير فاهم للدرس قلت: إن شاء الله، والشماغ جزمت به! وكان له مع طلابه رحلة في كل ثلاثة أشهر يآنسهم فيها ويقيم مسابقات لهم بنفسه، ويخرج معهم إلى بعض المزارع المشتملة على أماكن للسباحة، وقد يلاطفهم فيأمرهم أن يغطسوا هذا، ويرموا هذا في الماء، وينتقي البدين، ولما أعرب أحدهم عن شكه في قدرة الشيخ على السباحة أثبت له ذلك عملياً، وسابق الشيخ بعض طلابه على الأقدام. وكان ﵀ عالماً مؤدباً، لا يأذن لمن رفع يده الشمال في الدرس أن يجيب، ويأمر من دخل المجلس أن يصافح الأكبر سناً ثم من عن يمنيه، ودخل المسجد رجلٌ ومعه ولده المميز والولد لابسٌ حذاءً في قدميه في المسجد، فأراد الولد أن يسلم على الشيخ، فرفض الشيخ حتى يخرج الولد فيخلع نعاله خارج المسجد ثم يأتي فيسلم إذا أراد، ففعل الولد وخرج وخلع نعاله، ثم جاء وسلم على الشيخ فرد عليه وهش له، فخاف الأب أن الولد قد نفر من المسجد أو من الشيخ، فراقبه قال: فصار ولدي بعدها لا يمكن أن يدخل المسجد بحذائه. وربما يشتد الشيخ أحياناً على بعض السائلين تأديباً لهم لمخالفتهم للأدب معه، وما ترى من شدة في الشيخ أحياناً فلأنهم اجترئوا عليه، وربما لأجل هذا التأديب يشتد أحياناً. وكان للشيخ ﵀ أدوارٌ عالمية، تمثلت في عدة جوانب، ومنها: إلقاء الدروس الشهرية وغيرها عبر الهاتف لبعض المراكز الإسلامية في أقطار الأرض، واتصاله بالأوضاع المأساوية التي حدثت في بلاد المسلمين، وأرسل بعض طلابه للتدريس وللدعوة في الخارج، وشارك في إرسال الكتب والأشرطة، ومراسلة المستفتين من الخارج بكتابات مدونة بخط يده، وهكذا.

стр. 1844

الوفاء بالوعد عند الشيخ ابن عثيمين ومن دقته وعدله ﵀، أنه كان صادق الوعد، محافظاً على وقته، وإذا قلت: إن الشيخ يمر الساعة الرابعة إلا خمس دقائق مثلاً بالمكان الفلاني وهو ذاهبٌ إلى المسجد، فإنك تجده يمر بذلك المكان في ذلك الوقت بالضبط، يمشي كالساعة، وإذا أعطى موعداً التزم به على كثرة مواعيده وأشغاله، وقد جربت ذلك معه في موعدين في الأسبوع على هاتفه الخاص خصصت للرد لأسئلة المستفتين عبر الإنترنت، فكان يلتزم بالإجابة ويخبر بالتأجيل إذا حصل له شيء كظرف سفرٍ ونحوه، وكان في طريقه من المسجد إلى البيت راجعاً إذا بدأ أول طالب في القراءة عليه تصبح له الأحقية في الوقت، فإذا تدخل سائلٌ بسؤال استأذن الشيخ من القارئ قائلاً: هل تأذن لي أن أجيبه؟ وكان متحرياً للدقة والعدل، ومن أمثلة ذلك: التصحيح وتقدير الدرجات في الاختبارات، حتى لربما أعطى طالباً درجة واحدة من خمس وأربعين درجة؛ بل وواحداً من ثمانين، فيراجع في ذلك، فيقول: لا أستطيع أن أزيده فأظلم غيره، ولا أنقصه فأظلمه.

стр. 1845

الشيخ ابن عثيمين وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر كان الشيخ ﵀ قائماً بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ما يستطيع، وإذا رأى أناساً لا يصلون في الطريق -يلعبون- أمرهم بالصلاة، وفي إحدى المرات كان الشيخ قد أدى العمرة مع جمع من تلامذته، وسكنوا جميعاً في مسكن واحد، وفي أثناء رجوعهم من المسجد الحرام إلى المسكن مر الشيخ ﵀ على مجموعة من الشباب اللاهي يلعبون كرة القدم، فوقف الشيخ ينبههم وينصحهم للصلاة، فقابلوا الشيخ ببعض اللامبالاة والاستهزاء، فطلب ممن معه أن يذهبوا إلى المسكن، وبقي وحده مع أولئك الشباب، فلما رأى الشباب أن الشيخ مصر على البقاء ليذهبوا معه تلفظ أحد منهم لفظاً سيئاً في حق الشيخ، لعله قال حتى لا أجعل له مجالاً أن يبقى بيننا ويجعله ينصرف، فتبسم الشيخ وبقي جالساً مصراً على أن يقوموا للصلاة، وأن هذا الساب يذهب معه، وجلس وسطهم، فكأن الشباب استاءوا من مسبة صاحبهم لهذا الشيخ المسن، وقالوا له: اذهب مع الشيخ، كأنهم قالوا: خذه، فذهب هذا الشاب مع الشيخ فلما دخلوا المسكن استأذن الشيخ من الشاب قليلاً، فخاطب بعض طلاب الشيخ ذلك الشاب، وقالوا له: هل تعرف الشيخ ابن عثيمين من قديم؟ فكاد أن يغمى عليه من الصعقة، وقال: ماذا تقول؟ من هذا؟ قال: هذا الشيخ ابن عثيمين، ثم دخل الشيخ، فتأثر الشاب جداً وبكى وقبل رأس الشيخ، وطلب المسامحة، فما كان من الشيخ إلا أن سامحه، وهو الذي صبر عليه من قبل وهو يشتمه، ثم علمه الوضوء والصلاة، فتاب ذلك الشاب واستقام على يد الشيخ ﵀.

стр. 1846

اهتمام الشيخ ابن عثيمين بأمور الجهاد وقضايا الأمة لقد اهتم الشيخ ﵀ بأمور الجهاد، ومن ذلك: جهاد المسلمين في بلاد البوسنة والهرسك، وكان قد خصص من وقته ساعة أو أكثر في كل أسبوع لأمور الجهاد في البوسنة يتصلون به فيفتيهم، وينظر حاجتهم، ويسمع أخبارهم ويستبشر بها وينشرها، واتصل به بعض المجاهدين مرة من البوسنة وسألوه عن حكم قتل الخطأ، وماذا يجب على القاتل؟ فبعد أن أجابهم الشيخ بما يجب من حق الله وحق أهل القتيل، قال: أما دية المقتول فعليَّ وسأرسلها لكم إن شاء الله. وكذلك كان اهتمامه بالجهاد في الشيشان، حتى ذهب بعض طلابه إلى هناك يعلمون ويدرسون، ويشرفون على تطبيق الشريعة في بلاد الشيشان. واهتمام الشيخ بقضايا الأمة، وقضية الاعتداء على حرماتها قديم، هذه خطبة خطبها الشيخ قبل اثنين وأربعين سنة وهي موجودة في كتاب الضياء اللامع من الخطب الجوامع. أما بعد: أيها الناس: فلقد مضى على احتلال اليهود للمسجد الأقصى أكثر من ثمان سنوات، وهم يعيثون به فساداً وبأهله عذاباً، وفي هذه الأيام أصدرت محكمة يهودية حكماً بجواز تعبد اليهود بنفس المسجد الأقصى، ومعنى هذا الحكم الطاغوتي إظهار شعائر الكفر في مسجد من أعظم المساجد الإسلامية حرمة، إنه المسجد الذي أسري برسول الله ﷺ إليه، ليعرج من هناك إلى السماوات العلا، إلى الله جل وتقدس وعلا، وإنه لثاني مسجد وضع في الأرض لعبادة الله وتوحيده، ففي الصحيحين عن أبي ذر وساق الحديث، ثم ذكر قصة طلب موسى من قومه دخول المسجد الأقصى -دخول تلك الأرض المقدسة- وماذا حصل لما تولوا، ثم قصة استيلاء الفرنجة والنصارى عليه، وقال بعد ذلك في شروط النصر: وأن الله ينصر من ينصره، وأن النصر لا يكون بالأقوال البراقة، والخطب الرنانة التي تحول القضية إلى قضية سياسية، وهزيمة مادية، ومشكلة إقليمية، وإنها والله لمشكلة دينية إسلامية للعالم الإسلامي كله. إن نصر الله لا يكون إلا في الإخلاص له، والتمسك بدينه ظاهراً وباطناً، والاستعانة به، وإعداد القوة المعنوية والحسية بكل ما نستطيع، ثم القتال لتكون كلمة الله هي العليا، وتطهر بيوته من رجس أعدائه، أما أن نحاول طرد أعدائنا من بلادنا، ثم نسكنهم قلوبنا؛ بالميل إلى منحرف أفكارهم، والتلطخ بسافل أخلاقهم، أما أن نحاول طردهم من بلادنا ثم يلاحقهم رجال مستقبل أمتنا يتجرعون أو يستمرئون صديد أفكارهم، ثم يرجعون يتقيأونه بيننا، أما أن نحاول طردهم من بلادنا ثم نستقبل ما يرد منهم من أفلامٍ فاتنةٍ وصحفٍ مضلة إلى آخر كلامه المؤثر -رحمه الله تعالى- في قضية المسجد الأقصى.

стр. 1847

نشاط الشيخ ابن عثيمين لقد كان الشيخ ﵀ نشيطاً، فكان يذهب إلى المسجد على قدميه، والمسافة تقريباً كيلو ذاهباً وكيلوا راجعاً، ومقدار الزمن ربع ساعة بالمشي تقريباً، وأحياناً يذهب حافياً بدون نعال، وقد ثبت في السنة الاحتفاء أحياناً، وإذا كان هناك مطر أخذ معه مظلة، وقال لي الشيخ عبد الله بن جبرين مرة: هذا الرجل يمشي عشرة كيلو مترات يومياً من بيته إلى المسجد ذاهباً وراجعاً، وكان ذلك بعد أن عاد أخاه في الله محمد بن عثيمين في القصيم. وقد رأيت الشيخ محمداً مرة في المسعى، فمشيت معه أسأله وحوله بعض الشباب، فلما وصلنا (العلم الأخضر) جرى وجرينا فسبقنا كلنا، وكان الشيخ في السبعين تقريباً.

стр. 1848

كرم الشيخ ابن عثيمين كان الشيخ مكرماً للضيف، ذات مرة أصر على أحد طلبة العلم أن يبيت عنده، فقال الطالب: يا شيخ! أنا مشغول وعندي ارتباطات، وحاول أن يعتذر، فشمر الشيخ ممازحاً، قال: يعني بالقوة تبيت عندي، فوافق، قال: لكن عندي يا شيخ موعد الليلة في بريدة وسأرجع متأخراً، قال: ولو، فرجع هذا الساعة الثانية عشرة ليلاً، قال: آتي بيت الشيخ محمد وأطرق عليه الباب طرقة واحدة لأنني وعدته، ولا بد أن آتيه على الموعد، فإن فتح وإلا انصرفت، قال: فذهبت ووصلت بيت الشيخ الساعة الثانية عشرة ليلاً، فطرقت طرقة واحدة فما كادت الطرقة تنتهي إلا والشيخ يفتح الباب، وأدخله، وقال: هذا الفراش والماء والساعة المنبه؛ عدة أصحاب الحديث في القرن العشرين؛ الفراش، والماء، والساعة المنبه.

стр. 1849

لطافة الشيخ ابن عثيمين وفكاهته كان ﵀ لطيفاً؛ يلاطف الصغار، وكان في طريقه بين البيت والمسجد مدرسة ابتدائية، فإذا مر بها وقت خروج الطلاب سلم عليهم ولاطفهم ومازحهم، فجاءه مرة طفلٌ يقول: يا شيخ! أجب لي على أسئلة هذه المسابقة، فقال: أجيب لكن إذا فزت فعليك أن تعطيني نصف الجائزة، وجاءه مرة طفل إلى حلقته في المسجد -سبحان الله! عندما يكون العلماء مأوى حتى الأطفال- وجعل يخترق الطلبة، ويتخطى الرقاب، والطلاب يستغربون من هذا الطفل الذي يتجه إلى الشيخ وقت الدرس الجاد، حتى وصل الطفل إلى الشيخ وقام على رأسه، قال له ببراءة الأطفال: أعطني ريالاً جديداً، فلم يتردد الشيخ لإعطائه ريالاً وبكل سرور، ولعلها كانت ملحة وترويحاً للطلاب. كان الشيخ ﵀ ذا فكاهة، وكان النبي ﷺ يمزح ولا يقول إلا حقاً، ولا يكاد يخلو درسٌ من الدروس العامة للشيخ من مثل هذه المفاكهة والممازحة، فكان الشيخ يتكلم ذات مرة في درسٍ من دروس الفقه عن عيوب النساء في أبواب النكاح، فسأله سائل وقال: إذا تزوجت ثم وجدت زوجتي ليس لها أسنان فهل هذا عيب يبيح لي طلب الفسخ؟ فضحك الشيخ وقال: هذه امرأة جيدة حتى لا تعضك. وسأله سائلٌ قال: شخصٌ كبيرٌ في السن ولا يستطيع الصوم، ويطعم عن كل يوم مسكيناً، وفي يوم من أيام رمضان أراد أن يأتي أهله -العجوز هذا- فهل يجوز؟ فضحك الشيخ وقال: أولاً أخبرني: هل زوجته عجوزٌ مثله أم لا؟ وجاء مرة رجلٌ مسلمٌ أعجميٌ من أهل الباكستان يريد أن يسأل الشيخ، وكان يناديه: يا شيك! يا شيك! لأن الأعجمي لا يستطيع نطق الخاء، فقال السائل المسلم: يا شيك! يا شيك! فقال له الشيخ محمد: والله إني شيك بمائة وعشرين ألف ريال، وهي الدية. وجاءه شخصٌ من العامة أثناء دروسه في الحرم، وهو جالس على كرسيه، فجاءه من الخلف، والشيخ يشرح، ويقول: عندي سؤال يا شيخ! فقال الشيخ: ما رأيك لو تسورت المحراب، فأصر العامي على السؤال ولم يعرف طبيعة الدرس والشيخ يمازحه ويلاطفه ولا يجيبه، فلما أصر هذا الرجل العامي توجه الشيخ للطلبة، وقال: هل تسمحون له بالسؤال، فكلهم أجاب: أن نعم، فأجابه ثم انصرف.

стр. 1850

حلم الشيخ ابن عثيمين وأما عن حلمه: فإنِّ كل من يتصدر للعامة لا بد أن يناله من أذاهم، وكان الشيخ ﵀ يصبر، كان يُقرأ عليه ذات مرة من كتاب في الطريق من المسجد إلى البيت وهو راجع، فجاء رجلٌ أعرابيٌ جلفٌ فدفع طالبين هذا لليمين وهذا للشمال، ودخل بينهما، وأمسك بكتف الشيخ من الخلف، وجبذه بقوة حتى استدار جسد الشيخ من قوة الجبذة، وأمسكه من كتفه، وقال: هذه حاجتي ومد إليه بورقة، قال: ما حاجتك؟ قال: اقرأ فهي مكتوبة في الورقة، أنت لا تتفرغ لي! قال الطلاب: الآن، الله يستر ماذا سيحدث؟ وماذا سينال هذا الرجل؟ قال: لكننا فوجئنا أن الشيخ هش له وبش وابتسم واعتذر عن قضاء الحاجة الآن، فأصر الرجل ولم يقبل اعتذار الشيخ، ولم يزل بالشيخ حتى قضى له حاجته. وليس ذلك بغريبٍ على من يدرس طلابه صحيح البخاري وفيه عن أنس بن مالكٍ ﵁ قال: (كنت أمشي مع رسول الله ﷺ وعليه بردٌ نجرانيٌ غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله ﷺ قد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد! مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله ﷺ ، ثم ضحك، ثم أمر له بعطا) رواه البخاري.

стр. 1851

حب الشيخ ابن عثيمين للشيخ ابن باز وحب الشيخ ابن باز له كان الشيخ محمد ﵀ يحب شيخه عبد العزيز بن باز جداً، وقد اتصلت به مرة في مرض الشيخ عبد العزيز وحادثته في هذا، فقال عبارة: لا أرانا الله يوم فقده، فتعجبت من هذه العبارة، ولما مات الشيخ عبد العزيز اتصلت صباح اليوم التالي بالشيخ محمد فقلت له: بلغك الخبر، فقال: نعم، نِعْمَ الرجل، فرأيتها تطبيقاً عملياً لحديث: الثناء على الميت إذا بلغه الخبر (ومن أثنيتم عليه خيراً وجبت). ثم سألته عن السفر للصلاة على الشيخ عبد العزيز فلم ير في ذلك بأساً، وسألته عن إبلاغ إمام المسجد جماعته في الوفاة، فقال: لم يكن من هدي السلف الإخبار عن وفاة كل ميت من قبل الإمام إلا صاحب الشأن في الإسلام. وكان يحب الشيخ عبد العزيز وكانت له مكانة في نفس الشيخ محمد نفسه، فقد خلوت بالشيخ محمد مرة بعد وفاة الشيخ عبد العزيز أحادثه في موضوع الفتوى بعد الشيخ ابن باز، حال الفتوى، وكيف واقعها، فقال لي بمرارة: بعد الشيخ ابن باز ما عاد لنا رأس، هذا كلام الشيخ محمد. وكان الشيخ عبد العزيز بن باز كذلك يحب الشيخ محمداً ويقدره قدره، وكنت في مجلس الشيخ عبد العزيز في الطائف، فكان الناس يأتون ويسلمون على الشيخ عبد العزيز وهو جالسٌ على كرسيه، فلما أخبر بقدوم الشيخ محمد بن عثيمين قام إليه، ولم أره قام لأحدٍ غيره، فاعتنقه، ورأيت وجه الشيخ عبد العزيز يتهلل بالبشر والسرور للقاء الشيخ ابن عثيمين، قال الشيخ محمد للشيخ عبد العزيز: الناس يسألوننا المعتكفين أو المعتمرين لأجل إكمال الطواف عن حكم الخروج من الحرم للصعود على السلم الكهربائي إلى السطح، فنقول لهم: إنما خرجتم لتدخلوا- يعني أنه لا بأس بذلك؛ لأنك خرجت لتدخل ولم تخرج لتخرج- فكان الشيخ عبد العزيز يسمع، وأقره على ذلك. واستمر الشيخ ﵀ في هذا العطاء العظيم حتى حلَّ به المرض.

стр. 1852

قصة مرض الشيخ ابن عثيمين أما قصة مرض الشيخ ﵀: فقد سمعت منه وخلوت به مرة بعد مرضه، فقال لي: لما أحسست بالألم ظننته باسوراً، وكنت قد عملت عملية بواسير في الماضي، فظننتها مثلها، فلما زاد الألم راجعت المستشفى، وكنت أريد أن أكشف على عيني أيضاً؛ لأنني اشتكيت منها، فأجروا لي التحاليل، وأخبروني أني مصاب بالسرطان، وكان الشيخ يسميه المرض الخطير، ويرفض أن يسميه المرض الخبيث، ويقول: ليس في أفعال الله خبيث، وقد سألته بعد فترة بالهاتف عن الألم؟ فقال: يأتي ويذهب إلا في موضع المرض الأصلي الذي انتشر منه فإنه مستمر، فتأمل الشيخ كيف جلس شهوراً طويلة وهو يعاني من ألم مستمر وألم إضافي يأتي ويذهب وهو يدرس ويفتي ويعبد الله ويمارس عمله رحمه الله تعالى. ولعل البعض قد لاحظ أن الشيخ أثناء فترة المرض كان يرفع صوته، فكأنه يتجلد ويظهر للناس أنه بخير، ولما كان يُعطى المسكنات؛ لأن المرض لما عرف أنه انتشر ولم يعد ينفع معه علاج، وقد رفع الأطباء أيديهم، وكان ذهاب الشيخ للسفر للعلاج تأكيداً لتقرير الأطباء أن المرض انتشر ورجع، ومعروف أنه ليس هناك علاج ينفع في تقدير الأطباء، ولا يوجد إلا المسكنات، فكان الشيخ ﵀ يكره المسكنات كما قال لي أحد الأطباء الذين يعالجونه؛ لأنها تنومه وتعيقه عن قيام الليل والتدريس. وكان له أمنية حدث بها أحد المشايخ، فقال: أنا أريد أن أموت وأنا قريب من الكعبة أنشر العلم، وكان الشيخ يرى أن نشر العلم من أعظم القربات عند الله، ولهذا اشتغل به، ولعل هذا الكلام أخذ من حديث النبي ﷺ : (إذا أراد الله بعبد خيراً عسله، قيل: وما عسله؟ قال: يفتح الله له عملاً صالحاً قبل موته ثم يقبضه عليه) رواه الإمام أحمد، ولذلك لما حصل للشيخ تعب إضافي في صبيحة اليوم التاسع والعشرين من رمضان وهو بـ مكة في الصباح قرر الأطباء نقله من الحرم إلى مستشفى جدة، وبالفعل تم نقله إلى هناك وأدخل العناية المركزة، وجلس قرابة خمس ساعات، وعندما جاء العصر تحسنت حالته شيئاً ما، فأصر ﵀ أن يرجع إلى مكة، رغم محاولة الأطباء نهيه عن ذلك، فقال: لا تحرمونا هذا الأجر فهذه آخر ليلة في رمضان، وبالفعل رجع الشيخ إلى مكة ومعه الأطباء المرافقين، وأجلس في غرفته داخل الحرم، وأول ما دخل الغرفة طلب أن يتوضأ، وصلى المغرب والعشاء، وبعدما انتهى من الصلاة طلب أن يعدل الدرس، ثم ألقى الدرس في آخر ليلة، وقال: بما أن هذه الليلة متممة للثلاثين من رمضان فهذا آخر درس لهذا العام، فكان آخر درسٍ له ﵀، وبعد الدرس هذا قال للأطباء: كيف تحرمونني من هذا الأجر العظيم؟ كنتم تريدون أن تبقوني في جدة؟ ولما جلست مع الشيخ ﵀ في المرض قلت له مسلياً: يا شيخ محمد! إن عشت فهو إن شاء الله خيرٌ لنا بهذه الفتاوى والدروس وما تنفع به الأمة، وإن رحلت فنرجو إن شاء الله أنما عند الله خيرٌ لك مما عندنا، وليس في الدنيا كبيرُ شيءٍ يؤسف على فراقه، الشيخ زاهد في الدنيا، متعلق بماذا؟! يأسف على ماذا؟! على العمائر والقصور والأموال؟! فقال لي: أقول كما قال عمر بن عبد العزيز فيما رواه البخاري: [إن للإيمان فرائض وشرائع وحدوداً وسنناً فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان] فإن أعش فسأبينها لكم حتى تعملوا بها، وإن أمت فما أنا على صحبتكم بحريص، ثم أشاح بوجهه، وقال لي: هيه كلٌ يريد الحياة. والشيخ ﵀ كان قلقاً في موضوع الفتيا، وسألته لما خلوت به عن العلماء الذين يُسألون -احتياطاً للمستقبل- فقال: إن هناك ناساً عندهم معلومات، قال: لكن أين الفقيه؟ المشكلة أين الفقيه الذي يجتهد ويستنبط؟ ثم أثنى على مجموعة من أهل العلم، منهم: الشيخ صالح الفوزان، والشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك وغيرهما، وكان شديداً في قضية التساهل على الذين يتساهلون ويفتحون للناس أبواباً مما يخالف الدين، وكان متألماً لهذا، وأن بعض هؤلاء لا تبرأ الذمة باستفتائهم.

стр. 1853

اشتداد المرض على الشيخ ابن عثيمين ووفاته وكذلك فإن الشيخ ﵀ لما نقل من الحرم في آخر يوم بعد ما انتهى من الدرس من شدة الالتهاب الرئوي الذي أصابه إلى جدة في العيد، عولج من هذا الالتهاب الرئوي، فقال لي الطبيب المعالج: تحسنت حالة الشيخ، ففرحنا، ولكن ما زالت آثار السرطان باقية وشديدة، وكان طيلة الوقت، إذا أفاق يقرأ القرآن ويذكر الله، قال: وفي آخر ليلتين اشتد عليه المرض جداً، وسمعناه يقرأ أشياء من القرآن فاستمعنا وأنصتنا، فسمعناه يقرأ قول الله تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ [الأنفال:١١] قال: فأعجبنا ذلك، ثم في آخر يومين اشتد عليه المرض جداً، وفي يوم وفاته بعد الظهر الساعة الواحدة والنصف دخل في غيبوبة إلى الساعة السادسة إلا عشر دقائق، وتوقف القلب من النبض، وتوقف النفس، وأسلم الروح رحمه الله تعالى. وقد ذكر المغسلون الذين قاموا بتغسيل الشيخ وتكفينه ما رأوه من حسن منظره، وسهولة تغسيله، ونظافة بدنه، حتى أنهم ظنوا أن الشيخ قد غسل قبل المجيء به، وبعد ذلك حصل ما علمتم ورأيتم من توافد هذه الجموع الكبيرة للصلاة عليه، وهبَّ هؤلاء الكثيرون لإمامهم، وأديت صلاة الجنازة في ذلك الزحام العظيم، ومشى الناس إلى المقبرة التي تبعد خمسة أو ستة كيلو مترات على الأقدام، وكان منظراً غريباً لأهل مكة أن يروا هذه الجموع تخترق الشوارع وتمشي؛ الكبير والصغير، والشيخ والشاب، ولم يفرغ من دفنه إلا في وقتٍ متأخر من شدة الزحام. وكان الشيخ ﵀ في حياته لا يرى الجلوس للعزاء، وكان ينفذ ما يراه صواباً، فلما مات أبوه ولما ماتت أمه لم يفتح بيته للعزاء، تلقى العزاء في المسجد والطريق، وهكذا فعل أولاده من بعده، رحمه الله تعالى رحمة واسعة. أساً بقلبٍ طليح الهم محزونِ يعتاده الكرب من حينٍ إلى حينِ قد رق حتى غدا من فرط رقته يكاد يوقفه نبض الشرايينِ وأسعفته دموعٌ سح ساجمها كأنه الغيث يهمي في البساتينِ تقرحت مقلتي من حزنها أسفاً لفاجعٍ ظل بالدهياء يرميني فأسكب الشعر دمعاً ساخناً ودماً لعله من أسىً مرٍ يسليني أضحى بياني عرياً من فصاحته حتى غدا عاطلاً من وصف تبيينِ غداة قيل طوت أيدي المنون لنا ثوب الحياة عن الشيخ العثيمين تبكي القصيم وطلابٌ وجامعةٌ ومسجد في عنيزة جد محزونِ تبكي المنابر والقاعات من حزنٍ وسوف تندبه شتى الميادينِ وكتبه سوف تبقى الدهر شاهدة على براعته غر العناوينِ قولٌ مفيدٌ على التوحيدِ قيده أو زاد مستقنعٍ في الفقه والدينِ عقدٌ ثمينٌ يزين الجيد رونقه تلقفه أيادينا بتثمينِ والله نسأله للشيخ مغفرة ورحمة يوم نشر الدواوينِ هذه الأبيات لشاعرٍ مسلم كتبها من قطر.

стр. 1854

تركة الشيخ ابن عثيمين العلمية لقد ترك الشيخ ﵀ علماً واسعاً، وبلغت أشرطته في التسجيلات قرابة ثلاثة آلاف ومائة وثلاثة وثمانين شريطاً، وهناك فتاوى مكتوبة عند الناس، وأشرطة أخرى عند طلابه القدامى، وأشرطة مسجلة في قاعات وفصول الدراسة في الكلية، ومجلداتٍ كثيرة في الشروح، وسنأتي على ذكر شيء من منهجه وبعض فتاويه ومسائله. لقد ذهب الشيخ ﵀ إلى ربه، وبقيت هذه التركة العظيمة من العلوم التي خلفها، وكتب الله لفتاويه القبول، ولعلمه الانتشار، في مشارق الأرض ومغاربها، وإذا كان قد قيل سابقاً: عالم المدينة ملأ المدينة علماً، فإن عالم عنيزة في هذا الوقت مات وقد ملأ الدنيا علماً، وذهب بعض الدعاة وأهل العلم إلى الخارج في بلدان بعيدة، فشاهدوا عدداً من المسلمين يعكفون على كتبه ورسائله وفتاويه، وقد كتب بعض الأفاضل في منهج الشيخ ﵀، وهذه من القضايا المهمة. لقد اعتنى الشيخ ﵀ في البداية بشرح كتب المذهب الحنبلي؛ كـ زاد المستقنع، والكافي، وقواعد ابن رجب، وغير ذلك، وكان يوصي بـ زاد المستقنع، لكنه في الوقت نفسه يعظم الدليل، ويحرم متابعة المذهب فيما خالف الدليل، ويشدد كثيراً على وجوب اتباع الدليل، وهذه كتبه ومحاضراته ودروسه فتاويه مشحونة بتقرير ذلك، عندما يقول: العبادات لا تتم إلا بالإخلاص لله تعالى والمتابعة للنبي ﷺ ، والمتابعة لا تتحقق إلا إذا كانت موافقة للشرع في ستة أمور: السبب، والجنس، والقدر، والكيفية، والزمان، والمكان، فلا تقبل العبادة إلا إذا كانت صفتها موافقة لما جاء عن النبي ﷺ عليه وسلم، ولهذا فقد خالف الشيخ المذهب في مئات المسائل التي يرى أن الدليل فيها بخلاف المذهب، كمسألة الطلاق بالثلاث، ومسألة مدة القصر في الصلاة في السفر، ومسألة نقض غسل الميت للوضوء، وغير ذلك. وكذلك فقد عني بكتب الحديث؛ فشرح صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وكتب الأحكام المبنية على الأحاديث؛ كـ بلوغ المرام، وعمدة الأحكام.

стр. 1855

المؤثرات التي تأثر بها الشيخ ابن عثيمين لقد تأثر الشيخ ﵀ بمؤثراتٍ أربعة: أولاً: طلبه للعلم على العلامة الفقيه عبد الرحمن السعدي ﵀، وهو من جهابذة الفقهاء الذي كانت له عناية خاصة بالتأصيل والتقعيد، فقد ألف في أصول الفقه، والقواعد الفقهية، وأصول التفسير، وجمع كتاباً حافلاً بالقواعد والضوابط والأصول من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم فيه نحو ألف وست عشرة قاعدة ضابطاً، وهو المسمى بـ طريق الوصول إلى العلم المأمول بمعرفة القواعد والضوابط والأصول. وكذلك يقول عن شيخه: إنني تأثرت به كثيراً في طريقة التدريس وعرض العلم وتقريبه للطلبة بالأمثلة والمعاني. ثانياً: طلبه للعلم على الشيخ العلامة المحدث عبد العزيز بن باز ﵀، فقد استفاد منه العناية بالحديث، كما قال الشيخ محمد عن نفسه: تأثرت بالشيخ ابن باز من جهة العناية بالحديث. ثالثاً: عنايته بكتب الإمامين: شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله، فقد شرح للطلبة الحموية والتدمرية، والواسطية، والاقتضاء، والسياسة الشرعية، وشرح النونية لـ ابن القيم ومختارات من زاد المعاد، وأعلام الموقعين، وغير ذلك، وقد تأثر بهما تأثراً عظيماً رحمهما الله تعالى. رابعاً: اهتم الشيخ بجانب أصول الفقه وتعمق فيه، وبالقواعد الفقهية، واشتغاله بـ نظم الورقات، والقواعد، والأصول، ومختصر التحرير، ومنظومة في القواعد الفقهية، وقواعد ابن رجب والعناية التامة بذلك، ثم باللغة العربية التي برع فيها وأعرب ألفية ابن مالك إعراباً سريعاً في جلسة واحدة، وله دروسٌ في اللغة العربية في شرح الآجرومية، وألفية ابن مالك، وكان إذا لحن القارئ طلب منه إعراب ما لحن فيه، واعتناؤه بأصول الفقه وبالنحو أفاده جداً في الفقه والتفسير، ولذلك فإن دروس التفسير لدى الشيخ مميزة جداً.

стр. 1856

مميزات الشيخ ابن عثيمين لقد كان للشيخ ﵀ مميزات منها: ١ - الشمولية العلمية في هذه الموسوعات التي تجدها له في شتى مجالات العلم الشرعي. ٢ - أنه كان منضبطاً في إنتاجه العلمي، وكان يأخذ بالقواعد العامة؛ كاتباع الظاهر في الأحكام والعقائد، إلا ما دل الدليل على خلافه، لكن اتباع الظاهر في العقائد أوكد؛ لأنها أمور غيبية لا مجال للعقل فيها؛ بخلاف الأحكام فإن العقل يدخل فيها أحياناً، لكن الأصل أننا مكلفون بالظاهر. ٣ - أنه كان لا يتردد في إعلان توقفه، وأن يقول: لا أدري في مسائل، وقد جربت ذلك في عددٍ من القضايا مع الشيخ ﵀. ٤ - أنه كان يسير على طريقة السبر والتقسيم والتفصيل، وهذا يفيد الطلاب جداً، ويركز المعلومات في أذهانهم، فتجده مثلاً يقول في أحكام الشعر: إنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام: شعرٌ أمر الشارع بإزالته كشعر العانة والإبط والشارب، وشعر نهى الشارع عن إزالته كشعر اللحية، وشعرٌ سكت عنه مثل شعر اليدين والرجلين، ويقسم حركة الصلاة إلى خمسة أقسام، والنجاسة إلى ثلاثة أقسام وهكذا تجده كثير التقسيمات، بارعاً في طريقة السبر، وهذه توضح المسائل في أذهان الطلبة جداً. وكان ذا تحديدٍ دقيقٍ للمصطلحات، كما يتبين من تعريفه في حد الحدث، وتعريف النجاسة، والاحتياط، والغرض، والإجزاء، ونحو ذلك، ويعتني بالفروق الفقهية، وهذه قضية تدل على الرسوخ في العلم، فيبين مثلاً: الفرق بين القضاء والأداء في الصلاة، والفرق بين فروض العين وفروض الكفاية، والفرق بين أركان الصلاة وشروط الصلاة، والفرق بين صفة الكمال وصفة الإجزاء في العبادة وهكذا، وكثيراً ما يستعمل القواعد الفقهية الكلية ويرد جزئيات المسائل إليها، وهذه من صفات أهل الاجتهاد، وكثيراً ما تسمعه يقول هذه القواعد في أثناء شرحه: (العبرة بالأمور بمعانيها لا بصورها) (البدل له حكم المبدل منه) (عدم السبب المعين لا يقتضي السبب المعين) (يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً) (المشقة تجلب التيسير) (الفرع أضعف من الأصل) (القضاء يحكي الأداء) (كل ما وجب في العبادة فإن فواته مبطلٌ لها) (اليقين لا يزول بالشك) (الشيء في معدنه لا حكم له): مثاله: البول والغائط نجسٌ أم لا؟ أيجوز لأحد أن يصلي ومعه بول وغائط؟ كيف وفي بطن كل واحد منه، فليس له حكم إلا إذا خرج، أما إذا كان في الداخل فليس له حكم، فإذا خرج صار له الحكم (ما شك في وجوده فالأصل عدمه) وهكذا يورد القواعد الأصولية، وينبه عليها، وهذا ولا شك من حسن تدريسه، ومما تميزت به علومه ﵀.

стр. 1857

مسائل متفرقة أجاب عنها الشيخ ابن عثيمين كنت قد سألت الشيخ ابن عثيمين عن مسائل ثم كتبتها، وعرضتها عليه مرة أخرى قراءة، ومن باب الفائدة اخترت بعضها في هذا الدرس. ١/ سألته ﵀: عن التبول في البانيو أثناء الاستحمام، هل يدخل في حديث النهي عن البول في المستحم، أم لأن مجرى الماء مفتوح فلا يدخل؟ فقال ﵀: لا يدخل؛ لأنه إذا بال فسوف يريق عليه الماء ثم يزول البول، لكن لا يستحم حتى يزيل البول بإراقة الماء عليه. ٢/ وسألته: هل من السنة حلق شعر الأنثيين والدبر؟ فقال: ليس من سنن الفطرة، لكنه إذا كان الشعر كثيراً فإنه لا بد من إزالته حتى لا يتلوث بالخارج. ٣/ وسألته: هل الصدف أو القواقع البحرية تعتبر من العظم الذي لا يجوز الاستجمار به؟ فقال: لا. بل يجوز الاستجمار بها؛ لقول النبي ﷺ لوفد الجن: (لكم كل عظمٍ ذكر اسم الله عليه)، وهذه -أي: الصدف والقواقع البحرية- لا تدخل في الحديث. ٤/ وسألته ﵀: عن النهي عن الخروج من المسجد بعد الأذان، هل يشمل المرأة إذا كانت تحضر درساً أو محاضرة؟ فقال: لا يشملها؛ لأن المرأة لا تجب عليها الجماعة أصلاً. ٥/ وسألته: عن الذي يصلي على الكرسي في المسجد، هل يجعل أرجل الكرسي الخلفية بمحاذاة أرجل المصلين في الصف؟ أم يجعل أرجل الكرسي الأمامية بمحاذاة أرجل المصلين؟ فقال: يجعل أرجل الكرسي الخلفية بمحاذاة أرجل المصلين، والعبرة به حال قعوده الآن وليس لو قام أين سيكون. ٦/ وسألته ﵀: عن إمام مسجد انتقل أهل مسجده عنه ولا يصلي معه إلا شخصٌ أو يصلي وحده، فهل يستمر بالصلاة في المسجد وحده؟ أم ينتقل إلى جماعة مسجدٍ آخر؟ وما مدى استحقاقه للراتب؟ فقال: أرى أن يبقى إذا كان معه مأمومٌ ولو واحداً، فإذا لم يكن معه أحد ذهب إلى مسجدٍ آخر يصلي فيه مع الجماعة، أما بالنسبة للراتب فلا بد أن يبلغ المسئولين بذلك. ٧/ وسألته ﵀: عن وجود بعض الملحقات خارج المسجد كخيمة يجعل فيها النساء مع الصبيان حتى لا يشوشوا، ويمد إليها الصوت بالسلك، وبين الخيمة والمسجد ممر أو درج، وهذه الخيمة في مواقف سيارات المسجد، هل يصح الاقتداء؟ فقال ﵀: لا تجوز الصلاة خارج المسجد إلا للضرورة، وهذه ليست بضرورة؛ لأن المرأة لا يجب عليها حضور الجماعة، فليست في ضرورة إلى ذلك، وصلاتها في بيتها أفضل لها من صلاتها في المسجد. متى يصح الاقتداء؟ إذا كان الواحد داخل المسجد يسمع تكبيرات الإمام ليقتدي، وإذا امتدت الصفوف إلى الخارج صح الاقتداء أيضاً، لكن إذا كان بينه وبين المسجد ممر وليس هناك ضرورة فعند ذلك لا يقتدي بالإمام. ٨/ وكذلك سألته: عن مأمومٍ حضره البول أو الريح بشدة وهو في التشهد الأخير، هل تصح صلاته إذا سلم قبل الإمام بعد التحيات والصلاة الإبراهيمية والركن والواجب؟ فقال: نعم تصح لأنه معذور. ٩/ وسألته: عن إمام قرأ باللغة الإنجليزية الفاتحة -أي: معانيها- فهل صلاة من وراءه باطلة؟ فقال: تكون صلاتهم باطلة، لكن إذا دخلوا معه قبل أن يعلموا أنه يقرأها باللغة الإنجليزية نووا الانفراد عنه وأكملوا صلاتهم على ما سبق، أما بالنسبة للإمام فيلزمه أن يتعلم الفاتحة باللغة العربية، فإن لم يمكنه سقط عنه وجوبها إلى بدلها من الأذكار المعروفة عند أهل العلم، مثل: سبحان الله، والحمد لله. ١٠/ وسألته: يوجد في أمريكا بنوك اسمها بنوك الحليب، يشترون الحليب من الأمهات الحوامل ثم يبيعونه على النساء اللواتي يحتجن إلى إرضاع الأولاد من صاحبات العمل، أو من بها مرض وحليبها ناقص، فما حكم شراء الحليب من تلك البنوك؟ فقال: حرام، ولا يجوز أن يوضع بنك على هذا الوجه ما دام أنه حليب آدميات، لأن الأمهات ستختلط ولا يدري من أمه بالرضاعة، والشريعة الإسلامية يحرم فيها بالرضاعة ما يحرم من النسب، أما إذا كان اللبن من غير الآدميات فلا بأس، أو كان من نساء معيناتٍ يمكن الإحاطة بهن، كأن يكون هذا لبن فلانة، وهذا لبن فلانة، وهذا لبن فلانة، لأنه في هذه الحال ستعرف أمهاتهم من الرضاعة. ١١/ وسألته: عن بعض الحالات المرضية وخصوصاً النادرة التي يريد بعض الأطباء تصوير المريض أو جزءٍ من جسده، كالصدر والظهر والرجلين لينفع هذا في تدريس المادة لطلاب الطب، أو تعرض في بعض المؤتمرات الطبية للفائدة؟ فقال: إذا كان بعلم المريض وفيها مصلحة للجمهور فلا بأس بذلك، أما إذا كان بغير إذنه فلا يجوز. ١٢/ وسألته ﵀: عن حكم إزالة حب الخال في الوجه وحوله الشعر وهو يشوه المنظر؟ فقال: لا بأس بإزالته؛ لأن ذلك إزالة عين، وليس لزيادة التجميل. ١٣/ وسألته: عن حكم إجراء الأبحاث عن الحيوانات لتطوير الأدوية؟ فقال: لا أرى في هذا بأساً؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾ [الجاثية:١٣] ولكن يجب أن تُسلك أسهل الطرق في التجارب، وأبعدها عن تعذيب الحيوانات. ١٤/ وسألته ﵀: عن حكم استعمال الأجهزة الطبية، أو الأشعة فوق الصوتية لمعرفة جنس الطفل وهو في رحم أمه: هل هو ذكر أم أنثى؟ فقال: لا بأس بهذا، إلا إذا كان فيه نفقاتٍ باهظة، فقد يقال: أنه من إضاعة المال، حيث أنه لا يترتب على معرفة جنس الجنين إلا مجرد الفرحة بمعرفة جنسه، وبين قوسين "والخيبة عند من يكرهون البنات إذا كانت بنتاً" فإذا كانت المعرفة لا تحصل إلا بنفقات باهظة فهو من إضاعة المال، فإنه لا يجوز عندئذٍ. ١٥/ وسألته: ما حكم إخبار إمام المسجد كلما توفي شخص في الحي بعد الصلاة أن فلاناً مات، والصلاة عليه في مكان كذا؟ فقال: لا أرى هذا؛ لأنه لم يكن من عادة السلف الصالح الإعلان عن موت كل ميت مسلم، اللهم إلا أن يكون الميت ذا قيمة كعالمٍ وغنيٍ ينفع الناس؛ لأن الناس يتشوفون إلى تشييع جنازته. ١٦/ وسألته ﵀: هل يتحمل الأب مصاريف سفر أولاده لرؤية أمهم المطلقة إذا طلبت الأم ذلك؟ فقال: إذا كان الزوج قد أغناه الله والزوجة حالها متوسطة أو دونها، فإن من المروءة أن يتحمل النفقة، ولكنه ليس بواجبٍ عليه أصلاً. ١٧/ وسألته: هل يجوز أن يؤخر أحدهم الإنجاب ويجعله كل خمس سنين، لأنه يرى فساد المجتمع، ويدعي أنه لا قدرة له على التربية في هذا الوقت؟ فقال: أما ما دامت هذه هي النية فإنه لا يجوز؛ لأنه إساء الظن بالله فيما يرغبه النبي ﵊ حيث قال: (تزوجوا الودود الولود) أما إذا كان تنظيم النسل من أجل حال المرأة من أنها لا تتحمل؛ فهذا قد نقول بجوازه، وإن كان الأولى تركه، وقوله: إن أولاده سوف يفسدون، فهذا غير مسلم به، فقد يكونون صالحين ينفعون المجتمع. ١٨/ وسألته ﵀: عن امرأة سيذهب زوجها إلى بلاد الكفار لأمرٍ دنيوي، فطلب منها أن تسافر معه، فهل تسافر معه أم لا؟ فقال: أرى أن تذهب معه؛ لأن ذلك أقرب لسلامته من الفتن، وهي لا ضرر عليها ما دامت تقوم بالواجب من التستر والحشمة، وأما ذهابه وحده فيخشى عليه، وهي أيضاً إذا بقيت ليس عندها زوج ستكون في تعاسة، وقد يخشى عليها من الفتنة. ١٩/ وسألته ﵀: عن تفتيش الزوج محفظة الزوجة والعكس؟ فقال: هل يرضى أحد الزوجين بذلك؟ إذا كان برضا صاحبه فلا بأس، أما إذا كان بغير رضاً فلا يجوز. ٢٠/ وسألته: عن حكم ذهاب الزوج إلى أولاد زوجته الثانية في يوم الزوجة الأولى لتدريسهم في أيام الامتحانات؟ فقال: هذا حرامٌ إلا برضا الزوجة الأخرى، وإذا أراد أن يدرسهم فليأتِ بهم إلى الزوجة صاحبة البيت الذي هو فيه الآن والتي عليها الدور، ثم يردهم إلى أمهم. ٢١/ وسألته: عن رجلٍ مات فولدت امرأته بعد موته بساعات، هل يجوز أن تغسله؟ الجواب قال الشيخ ﵀: لا. إذا ولدت انقطعت العلاقة بينها وبين زوجها، فلا يجوز أن تغسله؛ لأنها صارت الآن غير زوجة له، ولهذا لو عقد عليها عاقد في هذه الساعة صار العقد صحيحاً؛ لأن عدة المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملاً وضع الحمل. ٢٢/ وسألته ﵀: إذا حلف على شخص ألا يفعل ففعل، فهل يجب على هذا الشخص الثاني أن يخبر الحالف ليكفر؟ فقال: نعم يلزمه ذلك، ولكن الأفضل للمؤمن أن يبر بقسم أخيه. ٢٣/ وسألته ﵀: عن رجلٍ وضع مبالغ بأسماء أولاده في حسابات في شركات استثمارية، فهل الزكاة على كل حساب بمفرده؟ أو يجمع الجميع إذا كان مبلغ كل واحد لا يبلغ نصاباً؟ فقال: كل إنسان له ماله الخاص، فإذا بلغ نصاباً زكَّاه وإلا فلا، ولا يضم بعضها لبعض لتكميل النصاب. ٢٤/ وسألته ﵀: عن بيع بعض المحلات للهاتف الجوال، ويسددون ثمن الشريحة لشركة الاتصالات، ثم يقسطون كل المبلغ على المشتري، ويكون بالزيادة؟ فقال: الظاهر أن هذا لا يجوز؛ لأن المشتري يقول للبائع: أقرضني ثمن الشريحة، أي: سدد عني لشركة الاتصالات ثم أسدد لك بزيادة، وهذه الزيادة رباً، لكن يجوز أن يبيعه الهاتف فقط بالأقساط لأنه يملكه، أما أن يقول: سدد عني الشريحة وأعطيك بزيادة، فهذا قرضٌ بزيادة وهو رباً. ٢٥/ وسألته: عن بضع محلات غسيل الملابس التي تبيع بطاقات بسبعين ريالاً ويغسلون بمائة ريال، تدفع مقدماً سبعين ريالاً ويغسلون لك بمائة ريال؟ الجواب: نعم يجوز. ٢٦/ وسألته ﵀: عن صاحب مستشفى، وهذا يمكن أن ينفع ويكون بديلاً في قضية التأمين، يقول للزبائن أو للشركات: ادفعوا خمسمائة ريال مقابل عشرين كشفاً طبياً عن الشخص من موظفيكم، سواء كان لمرض يصيبه، أو فحص عام يجريه على مدار السنة، بحيث إذا استنفذ العدد كان ذلك مقابل المبلغ، وإن لم يستنفذ العدد فإنهم لا يسترجعون النقود؟ فقال: لا بأس بهذه المعاملة إذا كان العدد معلوماً. ٢٧/ وسألته ﵀: عن شركة لها أموال في البنك، ووافق البنك أن يقرض موظفي الشركة بغير زيادة؟ فقال: لا مانع من اقتراض الموظف من هذا البنك ما دام القرض بدون رباً، واشتراط تحويل الراتب إلى البنك، المقصود به في هذه الحالة أن يتوثق البنك من حقه. ٢٨/ وسألته ﵀: عن صاحب محل تجاري في بلاد الغرب يدخل

стр. 1858

فوائد مختصرة من كتب الشيخ ابن عثيمين وأخيراً فقد تم اختيار بعض فتاوى الشيخ بالاختصار من أكثر من عشر مجلدات من فتاويه، وسوف أسردها عليكم للفائدة، وسأذكر مختصر الفتوى فقط، حتى يكون أيضاً المجلس ليس فقط مسألة عواطف، ولكن نستفيد من علم الشيخ في نقاط سريعة: ١/ الصحيح أن تعليق التمائم ولو من القرآن أو الأحاديث النبوية محرم. ٢/ التسمية إذا كان الإنسان في الحمام تكون بقلبه ولا ينطق بها بلسانه. ٣/ النساء إن أقمن الصلاة فلا بأس. ٤/ يجوز للمرأة الحائض أن تجلس في المسعى. ٥/ لا يجوز التعامل بالشيكات في بيع الذهب والفضة. ٦/ يجوز دخول الحمام بأوراق فيها اسم الله ما دامت في الجيب وليست ظاهرة. ٧/ جواز البول قائماً، بشرط: أن يأمن التلويث، وعدم انكشاف العورة. ٨/ جواز صحة الصلاة ولو كان الحمام أمام القبلة، إلا إذا كانت هناك رائحة كريهة فيجتنبه. ٩/ لا بأس بالذهاب إلى مسجد آخر غير المجاور لحضور خطبة الجمعة إذا كان لمصلحة دينية. ١٠/ الصف بين السواري والأعمدة إذا كان هناك زحام فلا بأس. ١١/ لا بأس بإظهار أعمال التطوع في البيت لأجل أن يُقتدى به. ١٢/ الأفضل أن يدعو لوالديه ولا يجعل لهما عملاً صالحاً كالحج والعمرة، بل الحج والعمرة يجعلهما لنفسه ويجعل الدعاء لوالديه هذا في النافلة، أما إذا كان أبوه وأمه لم يحجا الفريضة وقد حج الفريضة فيحج ويعتمر عنهما. ١٣/ ليس على المرأة إثمٌ إذا ماتت ولم تحج بسبب عدم وجود المحرم. ١٤/ جواز إمامة الذي يتعتع ما دام يقيم الحروف والكلمات والحركات. ١٥/ تحريم استخدام الأجهزة لغير مصلحة الدوائر الحكومية الموجودة فيها، فلا يجوز استخدامها في الأشياء الخاصة، وهناك فتوى أخرى قال الشيخ: الشيء الذي لا يتأثر ولا ينقص إذا استخدم كالمسطرة يجوز استعماله في شيء شخصي، والذي ينقص لا يجوز استعماله في شيء شخصي. ١٦/ إذا أزيلت النجاسة بأي شيء سواء كان ماءً أو بنزيناً أو مزيلاً فإنه يكون مطهراً. ١٧/ جواز المسح على كل ما لبس على القدم، وهو القول الصحيح. ١٨/ القول الراجح أنه يجوز المسح على الجورب المخرق والخفيف. ١٩/ لا يجوز إحضار الأولاد إلى المسجد إذا كانوا يشوشون على المصلين. ٢٠/ السنة أن يسبح باليد اليمنى. ٢١/ لا بأس باتخاذ النعل سترة، إلا إذا كان فيها شيء ظاهر من النجاسة. ٢٢/ التأمين التجاري الذي يكون الغرض منه المرابحة مَيسرٌ محرم. ٢٣/ من زوج أولاده الكبار فلا يجوز له أن يوصي لأولاده الصغار بمثلما زوج به الكبار، فإذا زوج أولاده الكبار وكبر الصغار زوجهم مثل الأولين إذا استطاع، وإذا مات قبل أن يكبروا فليس عليه شيء، ولا يوصي لهم بشيء. ٢٤/ استقدام الخادمة بدون محرم معصية. ٢٥/ لا يجوز للإنسان أن يشاهد صور النساء الأجنبيات في المجلات أو الدش أو غير ذلك. ٢٦/ لا يجوز الاختلاط بين الرجال والنساء في عمل حكومي، أو في قطاع خاص، أو مدارس حكومية أو أهلية. ٢٧/ إذا جاءتك امرأتك بولدٍ يكون شبهه موجباً للشبهة فلا تلتفت إلى ذلك، ولا يجوز أن تقول: هذا لا يشبهني، وهذا لا أدري من أين جاءت به، ولذلك بعض أهل البادية عندهم شيءٌ فظيع، يقول أحدهم: هذا ولدي إن صدقت أمه، ما هذا الشرط الفظيع؟ سوء الظن حرام، ولعله نزعه عن إقناع. ٢٨/ المقدم بالقبول ما ارتضته الفتاة من الخطاب، فإذا اختارت من ليس كفئاً فلا يؤخذ برأيها. ٢٩/ يجوز للإنسان أن يتزوج بامرأة أخذ لها من دمه، أي: أن التبرع بالدم لامرأة لا يحرمه. ٣٠/ المراد بقوله: (والقواعد): العجائز الكبيرات، وليس المراد: القاعدة عن العمل، والبعض الآن يفهم من قوله تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النور:٦٠] أن تكشف هذه المتقاعدة عن العمل. ٣١/ الأفضل ألا يشترط على الزوج إكمال دراسة الزوجة، وهذا يكون تقييد له، وقد تكون المصلحة أنها لا تكمل الدراسة. ٣٢/ عدم تصريح الخاطب بما كان خفياً من المرض غش، وعلى من فعل ذلك طلب السماح من الزوجة. ٣٣/ المغالاة في المهور مخالفة للشرع، وشهر العسل أخبث وأبغض. ٣٤/ الرقص من النساء قبيح لا نفتي بجوازه، ومن الرجال أقبح. ٣٥/ العزل أثناء الجماع بدون سبب لا بأس به، لكن لا يعزل عن الحرة إلا بإذنها. ٣٦/ للرجل أن يهجر امرأته في الكلام في حدود ثلاثة أيام، أما في المضجع فيهجرها حتى تتوب. ٣٧/ لا يجوز للرجل الغياب عن زوجته أكثر من نصف سنة إلا لعذر، أو إذا سمحت بذلك. ٣٨/ المبتلى بالوسواس لا يقع طلاقه ولو تلفظ به. ٣٩/ الحلف على المصحف صيغة لا أعلم لها أصلاً من السنة، فليست بمشروعة. ٤٠ - (طهور إن شاء الله) يظهر أنه ليس من باب الدعاء، بل من باب الخبر والرجاء والتفاؤل لهذا المريض. ٤١/ المرتد إذا كان مؤذياً للمسلمين يدعى عليه، وإذا لم يكن كذلك فالأحسن أن يدعى له بالهداية. ٤٢/ قسوة الولد على أبيه لأجل تخليص أمه من ضرب أبيه لا بأس به. ٤٣/ لا يجوز قول: (المرحوم) للميت بقصد الخبر، أما بقصد الدعاء فلا بأس. ٤٤/ من أنكر كفر اليهود والنصارى أو شك في كفرهم فقد كذَّب الله، وتكذيب الله كفر، ومن زعم أن في الأرض ديناً يقبله الله سوى دين الإسلام فإنه كافر. ٤٥/ الإنسان مأجور على قراءة القرآن، سواء فهم معناه أم لم يفهم، ولكن ينبغي الحرص على فهم معناه. ٤٦/ ترجمة ألفاظ القرآن لا تمكن، وإنما تجوز ترجمة معانيه للحاجة. ٤٧/ الأشرطة التي تتضمن شيئاً من الأحاديث أو الآيات إذا رماها الإنسان، أو دخل بها مكان قضاء الحاجة بشرط ألا يقصد إهانتها فإنه ليس في ذلك بأس، فإذاً: شريط القرآن الكريم ليس له حكم المصحف. ٤٨/ يجب على الشباب ستر أفخاذهم، ولا يجوز مشاهدة اللاعبين الكاشفين أفخاذهم. ٤٩/ لا حرج من قطع الغريزة الجنسية عند القطط إذا كانت كثيرة ومؤذية. ٥٠/ لا أرى مانعاً أن يقول الإنسان: مبروك. ٥١/ وضع لفظ الجلالة وبجانبه اسم الرسول ﷺ لا يجوز. ٥٢/ تعليق لوحة عليها اسم النبي ﷺ تبركاً غير جائز. ٥٣/ تأجير المحلات لمن يستعملها في الحرام حرام. ٥٤/ إذا دخل الإنسان المسجد والمؤذن لا يزال يؤذن فالأفضل أن يجيب المؤذن، ثم يدعو بعد ذلك بما ورد، ثم يصلي تحية المسجد. ٥٥/ إذا قرأ المأموم آية فيها سجدة فلا يسجد؛ لأن متابعة الإمام واجبة، وسجود التلاوة سنة. ٥٦/ أسباب توقف العالم عن الفتوى يكون لتعارض الأدلة عنده، وقد يكون لظنه أن هذا المستفتي متلاعب. السؤال هل صام الشيخ ﵀ رمضان الماضي؟ الشيخ ﵀ لم يتمكن من صيام رمضان الماضي لمرضه، وقد عذره الله عذر المريض، ونسأله أن يرفع درجته، ويعظم أجره.

стр. 1859

أبراج الحظ تدمر أسوار الإسلام [١] ادعاء علم الغيب من الأمور المناقضة للإيمان والهادمة لأركان التوحيد، ومن هذا الادعاء كتابة الأبراج في المجلات والجرائد التي عم بها البلاء وطم. وقد تكلم الشيخ عنها فبين طرق كتابتها المختلفة والوسائل الخبيثة المستخدمة للتأثير على الناس، مع ذكر أهداف كتابة الأبراج، وفي الأخير بيّن حكم الكاهن والعراف، وحكم الذي يقرأ هذه الأبراج، إما باعتقاد أنها حق أو بقصد التسلية في قراءتها.

стр. 1860

لا يعلم الغيب إلا الله إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها الإخوة: إن للتوحيد مكانة عظيمة في نفوس المسلمين، أو هكذا ينبغي أن يكون الحال، ولذلك جاء في القرآن والسنة من النصوص التي تحمي جناب التوحيد، وتسد الذرائع المؤدية إلى الشرك أشياءٌ كثيرة ينبغي أن تنهض بهمة الإنسان المسلم حتى يتعلم توحيد الله ، ويحذر من الوقوع في الشرك وأنواعه. وكان من جملة ما أصاب المسلمين في دينهم -ونسأل الله ألا يجعل مصيبتنا في ديننا-: أن وقع فيهم البلاء والشر المستطير في قضايا تنافي التوحيد، وهي من الشرك الخالص، بل إنها كفرٌ أكبر تنقل الإنسان عن الملة، ولا حول ولا قوة إلا بالله! أشياءٌ عظيمةٌ أيها الإخوة تنافي التوحيد وتضاده، تقع على مسامع كثيرٌ من المسلمين وأبصارهم صباحاً ومساءً، بل قد صارت مثل التسالي التي يُتَسَلى بها، أمورٌ تناقض آيات عظيمة من صفات الله . ربنا جل وعلا يقول عن نفسه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج:٧٠]. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [فاطر:٣٨]. ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [السجدة:٦]. ﴿يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ [الرعد:٤٢]. ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥]. الآيات تنص نصاً واضحاً قطعياً على تفرد الله بعلم الغيب، وأنه لا يوجد في السماوات والأرض من يعلم الغيب إلا الله، لا يوجد من يعلم ماذا سيحصل بعد دقيقةٍ، أو بعد ساعةٍ، أو بعد شهرٍ، أو سنةٍ، أو سنين، لا يوجد من يعلم ماذا سيحصل فيها إلا الله . كل الأمور الغيبية والحوادث التي ستحدث يتفرد الله بعلمها. ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان:٣٤]: متى تقوم القيامة ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ [لقمان:٣٤]. ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ [الشورى:٢٨]. يتوقع الفلكيون نزول الغيث، ويقولون: الفرصة مهيأة لنزول الأمطار، وتتجمع الغيوم في السماء، وتنذر الحالة بأن المطر سينزل، ولكن في اللحظات الأخيرة يصرِّف الله الرياح كيف يشاء، فتذهب بهذه الغيوم القاتمة دون أن تنزل من السماء قطرة واحدة. ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ [لقمان:٣٤]. ويعلم ما تزيد الأرحام وما تنقص: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد:٨]. فإن قالوا: لقد عرفنا هل في بطن الأم ذكراً أو أنثى، فنقول لهم: متى علمتم بهذا؟! هل علمتم به في الأيام الأولى للحمل، وكانت نطفة، ثم علقة، ثم مضغة؟! هل علمتم بذلك قبل أن يدخل الرجل بزوجته: ماذا سيولد له؟! لو علمتم نوع الجنس ذكراً أو أنثى، فهل علمتم ماذا سيكسب من الأرزاق؟! هل علمتم هل هو شقيٌ أم سعيد؟! هل علمتم كم عمره، وماذا يكون أجله؟! يرسل الله الملَك الموكَّل بهذه النطفة فيكتب: أذكرٌ أم أنثى! أشقيٌ أو سعيد! ما هو رزقه! ما هو أجله! وما هو عمله! هل يدري عن هذه الأشياء مجتمعة أحدٌ غير الله ؟! ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:٣٤].
следующие страницы →