Полный текст (7 040 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.
стр. 2066
الشروط الواجب توفرها في الداعية إلى الله
السؤال
ما هي الشروط التي يجب توفرها في الداعية إلى الله ؟
الجواب
هذه كثيرة جداً فمن ذلك مثلاً: العلم الشرعي، والأخلاق، والقدوة، والسلاسة في التعامل، والانبساط، والابتسامة.
стр. 2067
شبهة: تكثير سواد الصالحين في أماكن غير مرغوب فيها
السؤال
مجموعة من الشباب الصالحين يتواجدون في أماكن غير مرغوب فيها، وعندما ننكر عليهم يقولون: نحن نريد أن نكثر سواد الصالحين ونخلف جواً إسلامياً؟
الجواب
حسناً هذا ادعاء طيب، لكن التطبيق قد يكون فيه خلل، فمثلاً: لو قال إنسان: نذهب إلى مدينة ملاهي ونكون جواً إسلامياً، هل هذا يليق؟ أو مثلاً: نذهب إلى مدرسة بنات نكون جواً إسلامياً هل هذا يليق؟ فإذاً قضية التطبيق العملي لهذه المسألة قد يكون خاطئاً.
أما إذا كان هناك مجمع من الناس، وحضور أهل الخير فيه يجعل اتجاه الحديث والمجلس يتجه بشكل طيب وخيّر، هذا مطلوب تكثير السواد فيه، يؤيد بعضهم بعضاً ويساعد بعضهم بعضاً، ألم يطلب موسى من ربه أن يرسل معه أخاه هارون؟ ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي﴾ [طه:٢٩ - ٣٠] فالوزير والمعين مهم جداًَ في الدعوة إلى الله، يشد بعضهم بعضاً.
стр. 2068
حاجة المسلمين إلى العلماء الشرعيين
السؤال
هل المسلمون اليوم في حاجة إلى العلماء الشرعيين أكثر من حاجتهم إلى العلماء التجريبيين؟
الجواب
لا شك أن حاجتهم إلى العلماء الشرعيين أكبر بكثير من حاجتهم إلى العلماء التجريبيين، في بعض البلاد مثل مصر عدد حاملي الشهادات العليا (الدكتوراه والماجستير) النسبة تفوق أمريكا، لكن القضية الآن ليست بكثرة حملة الدكتوراه والماجستير، المسألة أولاً: قبل هذا في بناء الشخصية الإسلامية بالعلم والإيمان أحوج منها إلى الهندسة والفلك ونحوه، صحيح أن هذه القضايا الدنيوية مهمة للمجتمع الإسلامي، كيف يعيش المجتمع من غير أطباء؟ كيف يعيش المجتمع من غير خبراء في المياه؟ كيف يعيش المجتمع من غير مهندسي كهرباء يشغلون المحطات؟ كيف يعيش المجتمع من غير خبراء في الجريمة؟ فإذاً العلوم الدنيوية مهمة -ولا شك- في المجتمع الإسلامي، لكن السؤال: أيها أهم؟ لا شك أن الذين يجيبون الناس على استفتاءاتهم ويقدمون الحلول لجميع المشكلات، والذين يشرحون للناس القرآن والسنة، يحتاجهم الناس أكثر بكثير مما يحتاجون إلى المهندس وغيره من الذين يحصلون العلوم الدنيوية.
ثم هناك قضية: لماذا الانفصام النكد بين العلوم الشرعية والعلوم الدنيوية؟ إما طبيب أو طالب علم؟! ألا يمكن أن يكون طبيباً وطالب علم؟ ألا يمكن أن يكون مهندساً وداعية؟ ألا يمكن أن يكون رجل أمن وناصحاً؟! فلماذا الانفصام النكد الذي يكون أحياناً في عقول البعض في التفكير في هذه القضايا؟!
стр. 2069
انشغال طلاب العلم عن إفادة الآخرين
السؤال
أنا شاب أشعر أن عندي طاقة قوية في طلب العلم والدعوة إلى الله، ولكن المشكلة أنني عرضت نفسي على أكثر من واحد من طلبة العلم لكي أستفيد منهم ووجدتهم مشغولين عني، فماذا أفعل؟
الجواب
أقول: أحياناً قد يأتي شخص إلى طالب علم في وقت غير مناسب، أو ظرف غير مناسب ويقول له: أريد أن آتيك كل يوم نصف ساعة هذه قضية قد لا تكون ممكنة بالنسبة له، فإذاً انتقاء الفرصة المناسبة للالتقاء مسألة مهمة لكي تستفيد.
ثانياً: بعض الشباب عندهم عقدة (الشيء الخاص) يقول: أريد شيئاً خاصاً، لا أريد جلسات في المسجد تعطينا فقهاً وغيره، أريد أن تشرح لي كتاباً لوحدي فإذا كان كل طالب علم، أو كل شيخ، أو كل عالم سيشرح الكتاب لواحد بعينه دائماً فكيف يتم هذا؟ فعقدة الخصوصية عند بعض الشباب تمنعه من الاستفادة، أي: كأنه يظن أن حلقة العلم تكون للعامة فقط، يقول: لا أريد هذا، أريد شيئاً خاصاً ما هذا الشيء الخاص؟ هذا الدين واضح، لا يوجد أسرار في الدين، الدين للجميع، فإذا حضرت حلقة تفسير أو حديث أو فقه أو شيء في الأخلاق أو الأدب؛ فأنت مستفيد جداً.
ثم بعض الشباب لا يقيمون وزناً للكتب يقول: هذا تفسير ابن كثير اطلعنا فيه وانتهينا.
مع أنه -صدقني- لم يقرأه مرة واحدة، بل ولا مجلد ولا ربع التفسير، فهؤلاء الذين يستخفون بالكتب يقولون: نحن لا نريد تفسير ابن كثير نريد تفاسير مثل: تفسير الخازن والكشاف والبحر المحيط وأعطنا من هذه التفاسير غير المعروفة حسناً، يمكن تفسير ابن كثير أبرك وأنفع، وأحسن وأرجى، وأفهم وأقبل للفهم أكثر من الأشياء التي أنت تطلبها.
ثم إن طلب العلم بالجماعة فيه بركة، ولذلك ما هو منهج السلف في طلب العلم؟ هل يخصصون لكل طالب شيخاً؟ هل المسألة دروس خصوصية؟! طلب العلم بالحلق وبالمدارسة، تعلم الأدب والعلم بالمجموعات، هكذا كان يفعل السلف، هذه حلقة سفيان، هذه حلقة الحسن، هذه حلقة الأوزاعي، هذه حلقة سعيد.
بعد ذلك كونه يوجد عندك أسئلة خاصة بك هذه قضايا طارئة، من الممكن أن تأتي في عشر دقائق أو في ربع ساعة أو نصف ساعة أحياناً تحلها وتنتهي، ولا تحتاج المسألة إلى ترتيب موعد دوري من أجلها.
فأنا أقول: إن طلب الخصوصية يحطم كثيراً من الشباب في مسألة طلب العلم، نعم بعض العلماء يختصون بعض الطلبة بشيء في البيت، نعرف بعض العلماء -مثلاً- عندهم في البيت حلقة خاصة لكبار الطلبة الذين يشرح لهم أشياء صعبة مثلاً، هذا موجود عند علمائنا، لكن كثيراً من الشباب الذين يزعمون أنفسهم في هذه الدرجة يقولون: هذه حلقات المساجد نحن الآن أكبر من هذا المستوى، هم في الحقيقة ليسوا أكبر من هذا المستوى، ولكن يعظمون أنفسهم ويتعالون على أشياء فيها نفع كبير لهم، لكن قضية الأنا هي التي أودت بهم المهالك.
стр. 2070
حكم مصاحبة أهل البدع
السؤال
هل يجوز مصاحبة أهل البدعة؟
الجواب
كلا والله.
стр. 2071
داء الحزبيات المتفشية بين الشباب
السؤال
ذكرت وجوب توحد الشباب الصالح، ولكن من خلال معرفتي بأنواع من الشباب لا أجد فيهم حب التوحد والجماعة، فهذا يكره هذا، ولا يرتاح مع هذا، ولكن اكتشفت بعد فترة أن السبب هو هذه الحزبيات المتفشية والموجودة بينهم التي تزرع الأحقاد، وتخلف التعصب، فكيف يتخلص من هذا الداء الذي انتشر بين الشباب؟
الجواب
هذه قضية مهمة ولا شك، بعض الناس يتعصبون للجنس، بعض الشباب يتعصبون للبلد، بعض الناس يتعصبون للغة، بعض الناس يتعصبون للمهنة، فالطبيب لا يخالط إلا أطباء، والمهندس لا يخالط إلا مهندسين، والمدرس لا يخالط إلى مدرسين، وبعض الناس يتعصبون للقبيلة، وبعض الناس يتعصبون لتجمع فكري أو دعوي التعصب هذا كله حرام إلا التعصب للحق فقط، فإذا كان أي نوع من أنواع الانتماء فوق الانتماء الشرعي فهو حرام، فلو كان انتماء إلى أي مجتمع من المجتمعات يجعل تقطع الروابط الأخوية سبباً؛ فإنه خلل يجب أن يُسعى إلى تغييره.
ثم إنه قد تدعو المصلحة الدعوية إلى أنه يتخصص أناس في أمر العلم في نشره، وفي الناس من عنده خبرة في الوعظ، ومن الناس من عنده خبرة في الجهاد والأمة الإسلامية تحتاج إلى طاقات في مجالات مختلفة، لا يمنع التخصص، لكن التخصص شيء، والتنافر والتخالف والتحارب والتعادي شيء آخر، فلا يمنع أن يكون هناك مجموعة تشتغل بشأن الجهاد، ومجموعة تشتغل بشأن التعليم، ومجموعة تشتغل بشأن إنكار المنكرات هذا لا يمنع، لكن هؤلاء هم مسلمون، أمة واحدة: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج:٧٨] إبراهيم سماهم أمة واحدة، فلا يصلح أن يكون التخصص سبباً للعداء أو التنافر.
ولذلك نقول: لابد من تصفية النفوس أولاً بدراسة قضايا سلامة الصدر، موضوع سلامة الصدر من المواضيع غير المطروقة مع الأسف في كثير من الأوساط الإسلامية، مثل الصحابي الذي كان يبيت وليس في صدره شيء على أحد من المسلمين، هذا الرجل ينبغي أن يكون قدوة لنا في هذه المسألة.
ثم لابد من علم شرعي لتعرف الهامش المسموح به من الخلاف، يمكن أن أختلف معك في وجهة نظر، لكن لا يمكن أن أختلف معك في المعتقد، إذا اختلفنا في المعتقد فأحدنا ضال، لكن ما هو الهامش المسموح به من الاختلاف؟ ما هي الأشياء الاجتهادية وما هي الأصول؟ هذه قضايا غير واضحة بالنسبة لكثير من الشباب، وينتج بناءً عليها مفاصلات، مفاصلات على قضايا جزئية لا يجب أن يفاصل فيها، فقد تجد أحدهم مثلاً يفاصل الآخر لأنه يلبس بنطلوناً، فإذا لبس بنطلوناً واسعاً وغير مسبل ماذا يعني؟ أو واحد يفاصل آخر لأنه مثلاً يفعل شيئاً في الصلاة بخلاف فعله، ولا يجوز ذلك، وليس هذا موضع مفاصلة، الولاء للمسلمين أكبر من قضية مفاصلته على مسألة من المستحبات، حتى لو فعل منكراً من المنكرات فإنه ينصح، فمعرفة نقاط الالتقاء والافتراق في منهج أهل السنة والجماعة من المواضيع الأصلية.
فإذاً هناك قضيتان لحل المشكلة: قضية تتعلق بالأخلاق والآداب التي هي سلامة الصدر، وقضية تتعلق بمنهج العلم الشرعي والتي هي دراسة نقاط مواضع الافتراق والاختلاف في منهج أهل السنة والجماعة.
стр. 2072
نصيحة لشاب يجالس الصديق الصالح والصديق السيئ
السؤال
بماذا تنصح الشاب الذي يجالس الصديق الصالح والصديق السوء؟
الجواب
نقول: هذا الرجل يعاني من نوع من النفاق أو الازدواجية، وينبغي عليه أن يطهر وقته وصداقاته من الناس السيئين؛ لأنه ليس من الشريعة في شيء أن يبني قصوراً من الحسنات مع أناس، ثم يذهب إلى آخرين فيهدمها في لحظات.
стр. 2073
واجبنا تجاه إخواننا المسلمين في العالم
السؤال
هل نحن مذنبون تجاه إخواننا المسلمين في العالم الذين يتعرضون للقتل والجوع والتنصير والسجون، ونحن لا نستطيع أن نفعل شيئاً؟
الجواب
لا تأثم إذا كنت لا تستطيع أن تفعل شيئاً؛ لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، لكن إذا كنت تستطيع أن تفعل شيئاً ولو بالدعاء فلماذا لا تفعل!
стр. 2074
ملتزم مبتلى بحب مشاهدة مباريات كرة القدم
السؤال
شاب ملتزم -نحسبه والله حسيبه- حريصاً وخيراً ومرتبطاً ببيئة صالحة؛ لكن -عافانا الله وإياكم- مبتلى بحب مشاهدة مباريات كرة القدم التي كان عليها في ماضيه قبل التزامه، ما هي الوسائل المناسبة للعلاج؟
الجواب
إن عدم التخلص من رواسب الجاهلية هي من المشاكل التي تواجه كثيراً من الشباب الذين سلكوا مشوار التدين، ألم يقل مفكرو الإسلام ودعاة الإسلام: إن المسلم ينبغي أن يخلع على عتبة الإسلام جميع أردية الجاهلية؟ فالاهتمام ومتابعة مباريات كرة القدم بالتفصيل من أردية الجاهلية، فكيف يدخل هذا عالم الالتزام بالإسلام ولا زال يرتدي شيئاً من أردية الجاهلية؟ إذاً ينبغي عليه أن يخلع هذه.
ثانياً: إن عدم الإحساس بالمسئوليات الملقاة على عاتق الشخص هو الذي يجعله يشتغل بهذه الترهات، فالشخص الذي لا يشعر بأهمية العلم الشرعي، أو أهمية الدعوة إلى الله، وأهمية التربية، وأهمية الجهاد، وأهمية إنكار المنكر، وأهمية نصرة المظلومين من المسلمين في العالم، وجمع المساعدات لهم، الذي لا يحس أن الأمة فيها مآسٍ وثغرات كثيرة، الذي لا يحس أنه على ثغرة من هذه الثغرات لا شك أنه سيجري وراء كرة القدم ولا شك في ذلك، هذه نتيجة طبيعية.
بعض الأشخاص يلتبس عليهم مفهوم "اللهو" ومفهوم "روحوا عن القلوب ساعة وساعة" صح عن الرسول ﷺ : (كل لهو محرم إلا ملاعبة الرجل أهله، وتأديبه ولده، وسياسة الفرس، والسباحة) أو كما ورد بمعناه في الحديث الصحيح، الإنسان كونه ينشغل بمضاحكة أهله، أو بملاعبه ولده، أو سياسة فرسه، أو تعلم شيء ينفعه مثلاً كالسباحة أو كالرماية هذه قضايا ليست من اللهو المحرم، فكون الإنسان يبقى في حلق العلم وفي الدعوة دائماً يتعب، فهو ينتقل إلى ممازحة الأهل وملاطفة الأولاد، وتعلم شيء من الهوايات التي تقوي البدن كالسباحة أو الرماية، أو خبرة يكتسبها في الحياة، أو أي شيء يتعلق بتصليح سيارة مثلاً فهذه أشياء جيدة.
لكن أي شيء يفيده من متابعة كرة القدم؟ لا شيء إلا الشعور باللذة حينما تلج الكرة الشباك وفي أي زاوية تدخل، ومن بين أي مدافعين تمرق، وتحت أي رجلين تخترق، وهذه هي المسألة، وإلا فليس هناك فائدة واضحة من مشاهدة مباراة كرة القدم إلا حرق الأعصاب، وتضييع الأوقات، والتعصب للجاهلية والأندية الجاهلية.
стр. 2075
الحنين إلى المعاصي في الماضي
السؤال
من المشاكل التي تواجه الشاب الملتزم بعد ارتباطه بإخوة طيبين الحنين إلى الماضي، أي الحنين إلى المعصية التي كان مصراً عليها في الماضي، ثم منّ الله عليه فتركه بعد التزامه وارتباطه بهذه الصحبة الطيبة، فهل على الشخص إذا التزم أن يقطع أو يتناسى هذا الحنين؟ أم أنه لا خطر من هذا الحنين إذا لم يؤد به إلى الوقوع في المعصية؟
الجواب
هذا الحنين دافع شيطاني، والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فقد لا يملك الإنسان أن يتخلى عن جميع الفكر التي يفكر بها في ماضيه، لكن قد يشعر أحياناً بشيء من الانجذاب، فينبغي أن يعالج مسألة التمني، فرق أن يخطر ببالك معصية كنت تفعلها في الماضي، أو شخصاً تقارف معه معصية، وبين أن تتمنى الآن أن تكون معه لمقارفة المعصية؛ لأن التمني من أعمال القلوب، والتمني خطير، فينبغي أن ينتبه الإنسان إلى قضية التفريق بين الخاطر الذي لا يؤاخذ عليه وبين التمني، فمشكلة كثير من الشباب أنه الآن التزم بالإسلام لكنه يتمنى في قرارة نفسه أحياناً أن يواقع معصية من المعاصي، يقول لك: إذا التزمنا وأصبحنا مع الشباب الطيبين لا نستطيع أن نذهب إلى تلك الأجواء، صارت المسألة الآن إحراج؛ كيف نذهب إلى هناك ونحن! فهو إذاً يتمنى، وهذه قضية خطيرة، فإذا كان في المسألة خواطر فلا يأثم عليها إن شاء الله لأن هذا حديث النفس، لكن إذا تطور إلى أمنيات وإصرار وتخطيط لكن لم يتهيأ له؛ فهذا تخطيط عمل يأثم به.
стр. 2076
كيفية الانضمام إلى الصالحين
السؤال
أين الصالحون؟ وكيف يمكن الانضمام إليهم؟
الجواب
إنهم موجودون ومن مظان وجودهم المساجد، وكيف يمكن الذهاب إليهم؟ لا شك أنه لا بد من إسقاط حاجز الخوف من مصاحبتهم، والتعرف عليهم، ثم إنك لست مطالباً بالانخداع بالمظاهر، وأي واحد يظهر عليه الخير تذهب معه، ولا بد أن تختبره وتبتليه قبل أن تصاحبه.
стр. 2077
نصيحة للذين يراسلون الإذاعات الأجنبية
السؤال
عندما يسمع الإنسان اسمه في المذياع يحس بالنشوة؛ لأنه منبوذ في المجتمع وأقرب المقربين إليه، فما هي نصيحتك للمجتمع في احتضان هؤلاء الذين يراسلون الإذاعات الأجنبية؟
الجواب
إذا كان الإنسان يعتقد بعقيدة الولاء والبراء فكيف يوالي أعداء الله؟! فكيف يوالي أناساً يتكلمون في هدم الشريعة، ويثيرون شبهات حول الإسلام؟ كيف يراسلهم؟!!
стр. 2078
فراغ العمل من الصالحين
السؤال
إذا كان العمل الذي تؤمن منه رزقك اليومي لا يوجد فيه أحد من الصالحين بل يكاد يخلو منهم، أكثرهم من العامة الذين لا يكادون يذكرون الله إلا من رحم ربي، فماذا نفعل؟
الجواب
إننا في كثير من الأحيان نلقي باللوم على غيرنا ونقول: الوسط هذا تعبان، الوسط هذا سيئ، لا خلاف لكن ماذا فعلت أنت لتعديل الوضع؟ اسأل نفسك وحاسبها، ماذا فعلت لإصلاح الوضع؟ ماذا فعلت لاجتناب المنكر؟ ماذا فعلت لنشر الخير؟ هل فعلت شيئاً؟ قبل أن تلعن الظلام أوقد شمعة، فما هي شمعة الخير التي أوقدتها من أجل الآخرين قبل أن تقع فيهم؟ فإذاً أنا أقول: إذا فكرنا من وجهة النظر الإيجابية في تغيير الأوضاع ربما تجد أعواناً لك على الخير في هذا المكان، والأمة فيها خير ولا شك.
стр. 2079
فضل حفظ القرآن
السؤال
لماذا لا يكون عنوان الدرس القادم "أهمية حفظ كتاب الله" و"التحزبات التي تواجه الشباب" في الدرس الذي بعده؟
الجواب
هذه قضايا قد لا تكون هي لوحدها مجالاً لمحاضرة كاملة، لكن الرسول ﵊ يقول: (إذا جُمع القرآن في إهاب لم يحرقه الله بالنار) أي: أن هذه من فضيلة حفظ القرآن أن الإنسان إذا حفظ القرآن؛ فإن الله لا يحرق بالنار جسداً جُمع فيه القرآن، فهذا من فضيلة حفظة كتاب الله : ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٩].
عند الدفن من الذي يقدم؟ إذا كان هناك عدة موتى الآن نريد أن ندفنهم أول واحد نقدم منهم أحفظهم لكتاب الله، كان يسأل في غزوة أحد عن القوم إذا اجتمع اثنان في الدفن في قبر واحد لأن المسلمين منهكون بالجراحات، فيصعب عليهم حفر قبر لكل واحد، فقال الرسول: ادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد، عمقوا ووسعوا، ادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد، وكان إذا أراد أن يدفن سأل أيهم أكثر قرآناً فقدمه.
ويؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإذاً حفظ القرآن فيه ميزة عظيمة، كيف لا وأنت تستطيع أن تستشهد به في المجالس، وتدعو به إلى الله؟ والله يقول عن القرآن: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً﴾ [الفرقان:٥٢] أي بالقرآن، ونحن أحياناً نأتي بكلام من عندنا مع أن كلام الله أشد تأثيراً وأعمق في النفس، لكن نغفل عن قضية الاستشهاد بآيات الكتاب العزيز لأسباب منها: عدم حفظها، كيف تستشهد بها وأنت لا تحفظ؟!
стр. 2080
الإلتزام بالإسلام من دون مصاحبة الصالحين
السؤال
من لا يصاحب الصالحين ينحرف ويفعل المعاصي، هل يمكن للإنسان أن يلتزم بالإسلام من دون مصاحبة الصالحين؟
الجواب
نظرياً ممكن للإنسان أن يلتزم بالإسلام من غير مصاحبة الصالحين، لكن كيف يُكمل المشوار، وكثير من تشريعات الإسلام جماعية: يا أيها الذين آمنوا، يا أيها الذين آمنوا فكيف يمكن أن يكمل الشريعة وكيف له أن يحيا الحياة الإسلامية وحيداً؟ كيف يتعلم التضحية والإيثار من غير أن يكون مع مجموعة من الناس الصالحين؟ كيف يتعلم؟ وممن يتعلم؟ لابد أن يكون هناك إنسان يعلمه.
стр. 2081
الواجب تجاه أصحاب الوجهين
السؤال
أنا في إحدى المكتبات في المساجد، ويوجد فيها طلاب صالحون والعكس فهناك طلاب غير صالحين ويعتبرون من أصحاب الوجهين، ويعتقد أستاذ المكتبة أنهم صالحون، فماذا يجب عليّ؟
الجواب
عليك أن تنصحهم، فإذا لم يتغيروا؛ فلا بأس أن تقول لهذا الأستاذ: إن أناساً فيهم الأمراض الفلانية لا للغيبة ولا للنميمة، لكن لكي يجد وسيلة هو يساعدهم بالإصلاح.
стр. 2082
حكم من لم يستطع الجهاد لمانع شرعي
السؤال
إذا أراد المسلم أن يجاهد بنفسه، ثم كانت هناك أشياء تعيقه مثل عدم موافقة أبيه، أو كونه وصياً على أيتام، هل يبلغ مراتب الشهداء؟
الجواب
يُرجى أن يكون له أجر الجهاد إذا منعه عن الجهاد طاعة أوجب منه.
стр. 2083
إعطاء الفقير مالاً لا يكفيه
السؤال
ما رأيك فيمن قال: لا تعطي المحتاج الفقير مبلغاً كبيراً يغنيه، بل أعطه القليل حتى يبقى دائماً في حاجتك ولا يستغني عنك؟
الجواب
هذا شيء سيء، المال مال الله، أنت الآن تعطيه لله لا تعطيه لكي تلفت إليك الأنظار، والناس يأتون إليك، ويحومون حولك، ويطرقون بابك، ويناشدونك ويلتمسون منك لا، فالعلماء قالوا: يُعطى الفقير نفقة سنة حتى يحين موعد الزكاة التي بعدها.
стр. 2084
الامتناع عن الزوج لشربه الخمر
السؤال
هل لزوجة شارب الخمر أن تمتنع منه إذا دعاها للفراش؟
الجواب
نعم، لها أن تمتنع منه وتطالبه بالتطهر.
стр. 2085
حكم من وضع ولد الزنا في حمامات عامة لا مطروقة ولا مهجورة وذهب
السؤال
رجل أخذ ولد زنا ووضعه في حمامات عامة لا مطروقة ولا مهجورة، وذهب، وبعد سنوات رآه في المنام يقول له: ضيعك الله كما ضيعتني (ثلاث ليال متوالية) فماذا عليه؟
الجواب
هذا رجل عليه أشياء كثيرة: يتوب إلى الله، ويكفر عن المعصية، ويعمل طاعات كثيرة، وقد أجاب الشيخ عبد العزيز بالنسبة للكفارة قال: عليه التوبة فقط لأن وفاة الولد غير متحققة، يحتمل أنه التقطه أحد ويحتمل أنه ما التقطه، فبما أن الوفاة غير متحققة فلا يلزم الكفارة، لكن عليه أن يتوب إلى الله توبة عظيمة؛ لأن هذه نفس نفخ فيها الروح ولها الحق في الحياة، وليس ذنبه أنه ولد زنا فيموت ويخنق ويرمى في الزبالة، فبعد أن نفخت فيه الروح يتحمل مسئوليته الذي أنجبه.
стр. 2086
حكم التبول وانغماس الجنب في الماء الذي في البانيو
السؤال
هذا سؤال عرض لنا في درس الفقه، وهو أن الرسول ﷺ نهى عن التبول في الماء الدائم، ونهى عن دخول الجنب للماء الدائم الذي لا يجري، فالماء الذي في البانيو الذي في الحمامات اليوم إذا وضع فيه السدادة أو البركة ماذا يكون حكمها؟
الجواب
جواب الشيخ عبد العزيز: حكمها حكم الماء الدائم، لا يجوز التبول فيها ولا الانغماس للجنب فيها، فإذا نزعت السدادة صار حكمها حكم الماء الجاري، فلو كان الماء ينزل عليه والبلاعة تشفط الماء فيعتبر أن هذا الماء جارٍ، فلو أنه دخل فيه وهو جنب فلا يضر ولا بأس بذلك، أو حصل به حاجة للتبول فتبول لا بأس، أما الماء المحصور في حوض أو مكان معين لا يجري فإنه لا يجوز التبول فيه ولا الدخول فيه وهو جنب.
стр. 2087
حكم المباهلة في الأمور غير المستحقة
السؤال
ما رأيك فيما يفعله كثير من الناس والشباب حينما يختلفون يعمدون إلى المباهلة؟
الجواب
المباهلة ما هي؟ اثنان متخالفان يقولان: لعنة الله عليّ إن كنت من الكاذبين، وذاك يقول: لعنة الله عليّ إن كنت من الكاذبين، أو غضب الله عليّ، أو أهلكني الله إذا كنت كاذباً يدعو على نفسه بالهلاك إذا كان كاذباً، هل هذه تُفعل لأي شيء ولأبسط الأشياء؟ أي: أنهم اختلفوا هذه سيارة فلان أو سيارة فلان قال: تعال نتباهل، فهذه من المصائب أن ينزلوا إلى هذه الدرجة، وأما المباهلة فقد قال الله : ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ﴾ [آل عمران:٦١] فإذاً هذه مع أهل الكتاب يجعل لعنة الله على الظالم فيهم وعلى الكاذب فيهم، بيننا وبين أهل الكتاب نبتهل، وليس بين مسلمين على شيء تافه يقولون: تعال نتباهل!
стр. 2088
حكم مساعدتي لأبي مع الإحراج
السؤال
أنا أب عائلة وأساعد أبي المتزوج من امرأتين مادياً إلى درجة أني أُحْرج؟
الجواب
يجب عليك أن تساعد أباك المحتاج بشرط ألا تضر بنفسك، فإذا وصل الأمر إلى ضررٍ في نفسك؛ فليس عليك المساعدة في ما لا تطيقه.
стр. 2089
كفارة اليمين
السؤال
زوجتي كانت غضبى وأنا أريد أن أخرج من البيت، فحلفت علي ألا أخرج وخرجت، هل يجب عليها الكفارة؟
الجواب
نعم، إذا حلفت ألا تخرج ثم خرجت فعليها الكفارة.
يتبع السؤال: ما هو الترتيب؟ الجواب: أولاً: إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، فثلاثة على التخيير والثانية على الترتيب -والتي هي الرابعة- وهي الصيام لا يجوز أن ينتقل إلى الصيام وهو يستطيع واحدة من الثلاث التي قبله.
يتبع السؤال: علماً أنها كررت اليمين أكثر من مرة؟ الجواب: من كرر اليمين على شيء واحد فعليه كفارة واحدة.
стр. 2090
حكم تقديم الإمام لرجل ليس بالأقرأ
السؤال
إذا نوَّب الإمام رجلاً ليس بالأقرأ فهل يقدم عليه الأقرأ؟
الجواب
الإمام ولي أمر في المكان الذي هو فيه، الرسول ﵊ قال: (ولا يؤم الرجل رجلاً في سلطانه) فإذاً الإمام في المسجد هو ولي أمر، فإذا عين أحداً فلا يصلح التقدم على النائب الذي عينه ولي أمر المسجد وهو الإمام، فإذا كان هذا إمام معروف، فإذا نوب شخصاً فيلتزم بالنائب ولا يتعدى عليه.
стр. 2091
قراءة الكتب دون الخروج بالفائدة
السؤال
أقرأ الكتب ولا أخرج بفائدة.
أفيدونا جزاكم الله خيراً؟
الجواب
سبق وأن ذكرنا في محاضرة "كيف تقرأ كتاباً" نماذج أو أشياء مما يساعد في حفظ المعلومات؛ منها: تلخيص الكتاب، وضع خطوط تحت النقاط المهمة، ترقيم المعلومات، وضع فهرس دقيق، إعادة قراءة الكتاب أكثر من مرة، إلقاؤه وتقديمه للآخرين.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 2092
أسباب الزيادة في الرزق
إن لزيادة الرزق أسباباً شرعية وغير شرعية، فمن الأسباب الشرعية: الاستغفار والتوبة، وتقوى الله تعالى، والتفرغ لعبادته، والتوكل، والمتابعة بين الحج والعمرة، وصلة الرحم، وكذلك الإنفاق في سبيل الله والهجرة هذا ما تحدث عنه الشيخ، وذكر أنه لابد أن يأخذ الإنسان بهذه الأسباب حتى يرزقه الله تعالى، وذكر أسباباً غير شرعية؛ كالسرقة والرشوة، والربا وغيرها، وبين أن على الإنسان أن يحتنبها ويحذر منها.
стр. 2093
أسباب الزيادة في الرزق
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فيا عباد الله: إن الله تعالى أمرنا بالضرب في الأرض لطلب المعاش والرزق، وللرزق أسباب شرعية جاءت في الكتاب والسنة، ولعلنا نعرض لها في هذه الخطبة، إضافةً لما تقدم من خطبة ماضية حول هذا الموضوع، وهذا العرض نافع لكل من لم يجد عملاً أو وظيفة، ونافع لكل من ركبته ديون لا يستطيع أداءها، ونافع لكل من لم يحصل على حقه فهو ينتظره على أحر من الجمر، ونافع كذلك لمن لا يكفيه راتبه، ولا يكفيه دخله من كثرة المصروفات وأبوابها المفتوحة عليه.
وبالجملة: فإن موضوع المال والاقتصاد من الموضوعات الحساسة، ولذلك جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية ذكر كبير لما يتعلق بهذه القضية؛ لأنها قيام الناس قال تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً﴾ [النساء:٥] فشأنكم وحياتكم يقوم بالمال.
ولذلك فإن هذه المسألة كان لها مساحة لا بأس بها في القرآن والسنة، يحتاج إليها المسلم.
ونقول هذا الكلام -أيضاً- في وقت رجع فيه كثير من الناس من الإجازات، وقد أنفقوا كل ما ادخروه في السنة الماضية، وصار بعضهم في شيء من الضيق.
стр. 2094
الاستغفار والتوبة
أيها المسلمون: اعلموا -رحمكم الله تعالى- أن من الأسباب العظيمة للرزق الشرعي: الاستغفار والتوبة (أستغفر الله وأتوب إليه).
الاستغفار والتوبة من الأمور العظيمة التي جاء في القرآن والسنة ذكرها، قال الله تعالى عن نوح ﵇: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً﴾ [نوح:١٠ - ١٢].
وكثير من الناس اليوم يستغفرون باللسان؛ لكن لا حقيقة للاستغفار في قلوبهم، وإذا تابوا فتوبتهم ناقصة، فبعضهم لا يقلع عن الذنب أصلاً، وبعضهم إذا أقلع فإنه لا يندم على ما فات، بل ربما تمنى أن يحصل له الذنب مرةً أخرى، وأما العزم على عدم العودة فغير حاصل؛ وذلك لأنه لعله يترقب أن يحصل له من الفرص ما يعود به إلى الذنب؛ لأن الاستغفار ليس من القلب، ولأن التوبة ليست صادقة، فكثير من الناس يُضَيَّق عليهم في معاشهم، وليس كلهم؛ فإن بعض الناس يملي الله لهم ليزدادوا إثماً.
والله تعالى لما قال عن نوح: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً﴾ [نوح:١٠ - ١١] قال العلماء ﵏: أي: إذا تبتم إلى الله واستغفرتموه وأطعتموه كَثُر الرزق عليكم، وأسقاكم من بركات السماء، وأنبت لكم من بركات الأرض، وأنبت لكم الزرع، وأدرَّ لكم الضرع، وأمدكم بأموال وبنين، أي: أعطاكم الأموال والأولاد، وجعل لكم جنات فيها أنواع الثمار، وخللها بالأنهار الجارية بينها.
فإذاً: قضية الاستغفار والتوبة مسألة عظيمة.
جاء رجل إلى الحسن البصري يشكو الجدب والقحط، فقال له: استغفر الله.
ثم جاءه آخر يشكو إليه الفقر، فقال له: استغفر الله.
ثم جاء ثالث يقول: ادعُ الله أن يرزقني ولداًَ، فقال له: استغفر الله، وشكا إليه رابع جفاف بستانه، فقال له: استغفر الله، فقلنا له في ذلك وفي رواية: فقال له الربيع بن صبيح: أتاك رجال يشكون أنواعاً فأمرتهم كلهم بالاستغفار! فقال: ما قلت من عندي شيئاً، إن الله يقول في سورة نوح: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً﴾ [نوح:١٠ - ١٢].
عباد الله: إن الذي يكثر من الاستغفار؛ فإن الله يفرج همه، وينفس كربه، ويرزقه من حيث لا يحتسب، مصداقاً لما في كتاب الله تعالى.
стр. 2095
التقوى
والعامل الثاني من عوامل الرزق الشرعي: التقوى وقد عرفها العلماء بقولهم: امتثال أمر الله ونهيه، والوقاية من سخطه وعذابه .
ولذلك فإن الذي يصون نفسه عن المعاصي متقٍ لله، والذي يقوم بالواجبات متقٍ لله، والدليل على ارتباط التقوى بالرزق قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣].
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾ [الطلاق:٢] فيما أمره به، وترك ما نهاه عنه، يجعل له من أمره مخرجاً ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٣] أي: من جهة لا تخطر بباله.
وهذا له قصص كثيرة، وشواهد في الواقع؛ لكن أين المتقون؟! إن الذين يفعلون المعاصي ويرتكبون المنهيات كثير ينظرون إلى ما حرم الله، ويستمعون إلى ما حرم الله، ويمشون إلى ما حرم الله، ثم يقولون: لا نجد رزقاً، لا نجد عملاً، لا نجد وظيفة! نقول: اتقوا الله يجعل لكم مخرجاً، فقد قال ربنا: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف:٩٦].
بركات من السماء، أي: المطر، وبركات الأرض، أي: النبات والثمار، وكثرة المواشي والأنعام، وحصول الأمن والسلامة؛ لأن السماء تجري مجرى الأب، والأرض تجري مجرى الأم، ويحصل لهذا المخلوق على الأرض وتحت السماء من الرزق -إذا ما اتقى الله- ما الله به عليم.
عباد الله: إن تطبيق الشريعة وسيلة عظيمة لحصول الرزق للناس، ودليله قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [المائدة:٦٦] أقاموا الشيء المنزل من السماء، أقاموه وطبقوه وحكَّموه ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة:٦٦] هذه الآية السادسة والستون من سورة المائدة، وهكذا يكون تطبيق الشرع عاملاً من عوامل الرخاء، وسعة الرزق، ووجود البحبوحة للخلق.
стр. 2096
التوكل على الله
وأما النقطة الثالثة: فهي التوكل على الله والتوكل تفويض الأمر إلى الله، والاعتماد على الله وحده، وعدم التعلق بالعباد؛ لأن الله قال: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ [العنكبوت:١٧] وهذه أبلغ من قوله: (فابتغوا الرزق عند الله)، أي: عنده لا عند غيره، التمسوه منه لا من غيره.
التوكل على الله أن تفرغ قلبك من التعلق بالخلق، وتُوكل أمرك لله، وترجو الفرج من الله، وتنتظر الرزق مع بذل الأسباب والأخذ بها، قال النبي ﷺ : (لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله؛ لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً).
(تغدو) أي: تذهب في أول النهار.
(خماصاً) أي: جياعاً.
(وتروح) أي: ترجع في آخر النهار.
(بطاناً) جمع بطين، وهو عظيم البطن، والمراد: شباعاً.
هؤلاء خَلْق الله؛ الطير في السماء تتوكل على الله أكثر بكثير من البشر (لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير) ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٣] فالله يكفيه، ويقضي دينه، ويسد جوعته.
ولا شك أن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل على الله، بل إنه داخل في التوكل على الله، ومن صلب التوكل أن تأخذ بالأسباب، وإلا صار التوكل لغواً.
سئل الإمام أحمد رحمه الله تعالى عن رجل جلس في بيته أو في المسجد وقال: لا أعمل شيئاً حتى يأتيني رزقي، فقال: هذا رجل جهل العلم، فقد قال النبي ﷺ : (وجعل رزقي تحت ظل رمحي) يعني: الجهاد، وكم يحتاج إلى إعداد! وتجميع الطاقات! وبذل الأسباب! والتوقيت المناسب! وخداع العدو! وأخذه على حين غرة! ونحو ذلك الأمور الحربية! (وجُعِل رزقي تحت ظل رمحي) فإذا كان الرزق تحت ظل الرمح، وكان الجهاد في سبيل الله باباً عظيماً للرزق؛ لأن الله قال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً﴾ [الأنفال:٦٩] أي: غنمتم من المعارك مع الكفار، خذوه حلالاً طيباً، ولا شك أن الجهاد يحتاج إلى بذل أسباب، والرزق تحت ظل الرمح؛ إذاً: لابد من بذل الأسباب.
وقال الإمام أحمد ﵀ تكملةً للجواب عن
السؤال
فقد قال -أي: النبي ﷺ : (لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً) فذكر أنها تغدو وتروح في طلب الرزق.
فتأملْ فقه الإمام ﵀ الطير تتوكل على الله؛ لكن هل تقعد في أعشاشها، أو أنها تغدو وتروح، تذهب في الصباح للبحث عن الرزق، وتعود محملةً بالطعام لأولادها في أعشاشها؟ كَدٌّ وسعي وذهاب في طلب الرزق، فلم يقل: توكلوا فقط، بل قال: (اعقلها وتوكل).
وهذه المسألة مسألة الأخذ بالأسباب باب يغرق فيه كثير من الناس، فبعضهم يجعل كل شيء الأخذ بالأسباب، ولا يتوكل على الله، وقلبه غير معلق بالله، وإنما معلق بالواسطة الفلانية، والموظف الفلاني، والصديق الفلاني، والأوراق التي قدمها، والإعلانات، وترقب النتائج من الشركة، ونحو ذلك، لكن لا يترقب شيئاً من الله، وبعض الناس مضيع للأسباب لا يبذل شيئاً.
أحدثكم عن قصة حدثت مع شخص جاء إليَّ، شاب يقول: إنني أحتاج إلى إيجار الشقة التي استأجرتها للسكنى، وأحتاج إلى قرض لكي أسكن وأدفع الإيجار، فاعتذرتُ إليه بأن إقراضه غير متيسر الآن، والناس كان أكثرهم مسافرين، فذهب هذا الشخص يسعى في طلب الرزق، فبدأ بهذه المطاعم الموجودة يلف عليها، ويقول: ما حاجتكم من الخضراوات والفواكه واللحوم؟ وبدأ يسجل هذه الاحتياجات ويقولون: قدم لنا تسعيرة.
ثم ذهب إلى سوق الخضار المركزي يسجل ويدون الأسعار، ثم قدم تسعيرته إلى بعض المطاعم، واكتفى بربح معقول، فبدأ هذا المطعم يأخذ منه، وهذا المطعم يأخذ منه، والثالث يأخذ منه، وهكذا، حتى دفع إيجار بيته بالكامل.
إذاً: يمكن للإنسان إذا تحرك وفكر أن يحصل على الرزق، ولستُ أقول: اذهبوا إلى المطاعم الآن كلكم، وإنما المقصود -أيها الإخوة- ضرب المثل، قد يوجد في البقالات مستلزمات تحتاج إلى شراء من تجار الجملة ونحو ذلك، فالمقصود تحريك الذهن لمن لم يجد وظيفة أن يسعى في العمل، ولو كان عنده وظيفة، يسعى في العمل، والله يرزقه لو أحسن التوكل على الله ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦].
стр. 2097
التفرغ لعبادة الله تعالى
وكذلك من الأسباب العظيمة للرزق: التفرغ لعبادة الله تعالى ومعنى التفرغ لعبادة الله: أن يكون العبد حاضر القلب عند العبادة، هذا هو المقصود بالتفرغ لعبادة الله؛ لأن الله تعالى يقول في الحديث القدسي: (يا بن آدم: تفرغ لعبادتي؛ أملأ صدرك غِنَىً، وأسد فقرك، وإلا تفعل ملأت يدك شغلاً، ولم أسد فقرك) حديث صحيح.
فبعض الناس عندهم أشغال؛ لكن فقرهم لم يُسَد، الله ملأ أيديهم بالأشغال والمقاولات والأعمال؛ لكن لا يوجد بركة ولا فائدة، خسارات متوالية، ولا يجدون الكفاية.
وقال الله تعالى في الحديث القدسي في اللفظ الآخر: (يا بن آدم: تفرغ لعبادتي؛ أملأ قلبك غِنَىً، وأملأ يديك رزقاً، يا بن آدم: لا تباعدني؛ فأملأ قلبك فقراً، وأملأ يديك شغلاً) فيشغله بنفسه، ويكثر عليه الأشغال والأعمال؛ لكن الفقر لا زال موجوداً، وهو تحت الصفر، والحساب بالناقص، وهكذا
стр. 2098
المتابعة بين الحج والعمرة
ومن أسباب الرزق -يا عباد الله- المتابعة بين الحج والعمرة ومعنى المتابعة بين الحج والعمرة: أن يجعل أحدهما تابعاًَ للآخر، واقعاً عقبه، أي: إذا حج يعتمر، وإذا اعتمر يحج، وهكذا والدليل قوله ﷺ : (تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة -أي: الأشياء الرديئة والشوائب- وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة) فتأمل أنه جعل المتابعة بين الحج والعمرة، نافية للفقر والذنوب، مذهبة لهما.
стр. 2099
صلة الرحم
ومن أسباب الرزق الشرعية: صلة الرحم والرحم هم أقرباء الرجل من جهة أبيه وأمه، سواءً كانوا يرثونه أو لا يرثونه، وهذا الكلام مأخوذ من قوله ﷺ : (مَن سرَّه أن يُبْسَط له في رزقه، وأن يُنْسأ له في أثره؛ فليصل رحمه).
وقال ﷺ : (تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، فإن صلة الرحم محبة في الأهل، مثراة في المال، مَنسأة في العمر) يعني: تطيل عمر الإنسان.
فهذه صلة الرحم بما فيها من هذا الفضل العظيم، حتى لو كان الإنسان فاسقاً، فقد قال النبي ﷺ : (إن أعجل الطاعة ثواباً صلة الرحم، حتى إن أهل البيت لَيَكونوا فَجَرَة -مقيمين على مَعاصٍ- فتنمو أموالهم، ويكثر عددهم، إذا تواصلوا) رواه ابن حبان وهو حديث صحيح.
فإذاًَ: عليك بصلة الرحم، تصل الأقارب وتزورهم، تعين محتاجهم، تهديهم، وتعودهم، وجميع أنواع الصلات سبب لمجيء الرزق إليك، ولو كانوا على البُعد، فلن يخلو الأمر من وسيلة للصلة.
стр. 2100
الإنفاق في سبيل الله، والنفقة على طلاب العلم
سابعاً: الإنفاق في سبيل الله قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ:٣٩] وقال النبي ﷺ : (قال الله ﵎: يا بن آدم أَنفق أُنفق عليك) رواه مسلم رحمه الله تعالى، فهذا وعد الله ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً﴾ [النساء:١٢٢] ومن أصدق من الله وعداً.
والملَك يدعو ويقول: (اللهم أعطِ منفقاً خلفاً) والنبي ﵊ يوصي بلالاً ويقول: (أنفق يا بلال، ولا تخشَ من ذي العرش إقلالاً) قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ [البقرة:٢٦٨] يقول: لو أنفقتَ نقص مالك، أنت محتاج إليه، قدم نفسك على الناس، أولادك أحوج، والله يقول: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ:٣٩] (أَنفق أُنفق عليك).
ومن الأسباب كذلك: الإنفاق وإعاشة عباد الله المتقين من طلاب العلم والدليل على هذا الكلام: ما رواه أنس بن مالك ﵁ قال: (كان أخوان على عهد رسول الله ﷺ ، فكان أحدهما يأتي النبي ﷺ والآخر يحترف -واحد متفرغ للعلم، وواحد متفرغ للتجارة- فشكا المحترف أخاه إلى النبي ﷺ وقال: يا رسول الله! لا يبذل شيئاً، فقال النبي ﷺ : لعلك تُرْزَق به) لعل السبب في رزقك هو إنفاقك عليه، رواه الترمذي رحمه الله تعالى، وهو حديث صحيح.
стр. 2101
الهجرة
أيها المسلمون: هذه بعض الأسباب الجالبة للرزق؛ فإذا ضاقت الدنيا بالإنسان في بقعة من البقاع فمن أسباب طلب الرزق: الهجرة قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً﴾ [النساء:١٠٠] سعة في الرزق، وإرغاماً لمن أخرجوه، ولذلك لما هاجر المهاجرون في سبيل الله، وتركوا وطنهم لله، فَتَحَ الله عليهم الدنيا، وجاءت الغنائم، وتَبِعَتْ غنائمَ المشركين غنائمُ كسرى وقيصر، جاءت إلى المهاجرين، فوسَّع الله عليهم توسعة عظيمة، ومشكلة الناس أنهم يستعجلون النتيجة، يقولون: تُبْنا اليوم فما جاءنا الرزق بسرغة، هاجرنا اليوم فما حصل شيء بسرعة، ولكن المسألة تحتاج إلى مصابرة وتحتاج إلى استمرار، فإن نتائج كثير من الأعمال لا تُرى فوراً.
نسأل الله تعالى أن يمد في أعمارنا في طاعته، وأن يوسع في أرزاقنا ويجعلها عوناً لنا على طاعته.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 2102
أسباب غير شرعية لزيادة الرزق
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه.
أشهد أن لا إله إلا هو الرزاق ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود:٦] كتب الرزق قبل أن يخلق السماوات والأرض، وكتب رزق كل مولود قبل أن يولد وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
عباد الله: هذه بعض الأسباب الشرعية لطلب الرزق، فهل هناك أسباب غير شرعية لطلب الرزق؟
الجواب
نعم، وهي كثيرة جداً، وإن البلاء في هذا الزمان أن يجد العبد أبواباً للحرام كثيرة، ولا يجد أبواب الحلال إلا قليلة، ولكن: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ [الطلاق:٢].
فأبواب كسب الرزق بالحرام متعددة: كالسرقة، والرشوة، والشفاعة مقابل المال أنقلك من مكانك إلى مكان وتدفع لي خمسة آلاف أبحث لك عن عمل أشفع لك لتأخذ الوظيفة، وأنقل لك زوجتك من مدرسة إلى مدرسة، وأساعد في توظيف زوجتك بعد تخرجها من الكلية بالمال، والشاهد أخذ المقابل على الشفاعة، وقد جاء النهي عن ذلك، فأما من يقوم بالعمل، ويطالب وراء المعاملة، ويذهب ويجيء؛ فهذا يأخذ أجرة تعبه دون تَعَدٍّ على غيره، فإن كثيراً من الذين يشتغلون في هذه الأعمال يتعدون على دَور غيرهم، ويظلمون الناس.
ومن الناس من يتعامل بالربا، ويستلف بالربا؛ ليقيم مشروعاً بالربا، ثم يأخذ بعض العوائد ليسدد الربا، ويجادلون بالباطل ويقولون: استفدنا واستفاد البلد، ونقول: إنما هو دمار وخراب ونزع للبركة، ولو كثرت الأرقام فإنه كما جاء في الحديث الصحيح: (إن الربا وإن كثر فإن عاقبته إلى قُلٍ) سيكون قليلاً.
وهكذا يفعل كثير من الناس في أنوع من المحرمات والشبهات، ثم يجادلون بالباطل، صار الربا شيئاً مسَلَّماً من المسلمات الشرعية، صار يُناقش ويقول: أقنعني، ويعطون الرُّشا لمندوبي المبيعات، ومندوب المبيعات لا يشتري من الدكان إلا برشوة محسوبة داخل الفاتورة أو خارج الفاتورة، علماً أن له راتباً يأخذه من الشركة التي يعمل فيها، وتجده قد يعطى مبلغاً زهيداً إذا كان من هذه العمالة الآسيوية أو غيرها، ويعطى غيره مبلغاً أكبر، وهكذا، والجامع واحد؛ إعطاء الرشوة، إفساد الذمم، وتخريب العمال على مَن وظفهم، وأصحاب شركاتهم، وصارت هناك دخول أخرى، هناك بعض الناس لهم دخول أخرى، دخلهم الوظيفي ليس بشيء بجانب هذا، وأكثرها من الحرام، ومن تأمل عرف وشاهد بأم عينيه.
ومنهم من يسعى لجذب الزبائن باستخدام الميسر وجوائز السحب، وما أكثرها! ويعملون المسابقات التي لا تَمُتُّ لا إلى جهاد ولا إلى علم شرعي، ويعطون عليها الجوائز لجذب الناس، وإيغار صدور الباعة الآخرين عليهم، والتغرير بالمشترين، وهذه أشياء كثيرة.
وقد تكلمنا في خطبة ماضية عن الدولار الصاروخي، الذي يتعامل به الآن عددٌ من الناس، ويوزعون قسائمه، ويبيعونها، ويرسلون المبالغ بالشيكات إلى الكفار يا عباد الله! ويُضْحَك عليهم بإرسال أربع قسائم ليبيعوها، ويقول: رجع إلي مالي، ومسكت الدور لعلها تأتيني الفرصة والكسب العظيم، وقد سبق بيان أن ذلك حرام، وفتوى أهل العلم في المسألة في هذا الدولار الصاروخي الذي يقولون فيه: استرخِ وأَصْبِح غنياً، ووصف للنجاح بواسطة هذه الوصفة، تستطيع أن تربح رأس المال بدون التزامات مالية مقابل دفع كذا على القسائم، تغريرٌ بالناس، وأكل أموالهم بالباطل، وقد أفتى علماؤنا أنه ميسر داخل في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة:٩٠] ثم بعد ذلك إذا بيعت هذه القسائم، وتطورت الأمور، سيجد عددٌ كثير من الأغبياء عندهم قسائم، ولا يجدون من يبيعونها عليه؛ لان أكثر الناس قد اشتروا القسائم ولا يوجد من يباع عليه، وهذه القاعدة الهرمية السفلى هم الأغبياء والمغفلون، والذين باعوا عليهم هم آكلو الحرام، الواقعون في الميسر، المُعِيْنُون للكفرة، المُرَوِّجُون للباطل.
فالناس بين ذكي يستخدم ذكاءه في الشر، وبين غبي تنطلي عليه الخدع بسبب جهله وعدم استفتائه وعدم سؤاله، فهو واقع فيه، ومع التحذير الذي ذكرناه سابقاً والفتوى التي أشرنا إليها من أهل العلم؛ فلا زال الناس يتعاملون، وتنتشر هذه الأوراق سعياً في طلب رزق يكون وهمياً بالنسبة لأكثر من (٩٩%) من الذين يشترون هذه القسائم، ويبقى بعض المحظوظين بزعمهم الذين ينالهم شيء.
فابتعدوا -يا عباد الله- رحمكم الله عن أبواب الرزق المحرم، ابتعدوا عن الشبهات، اتقوا الله وخلِّصوا أموالكم من الحرام.
نسأل الله تعالى أن يطيب مكاسبنا، وأن يجعل رزقنا حلالاً.
اللهم اقضِ ديوننا، وسُد جوعتنا.
اللهم اكفنا مد الأيدي للناس، واجعلنا غير محتاجين إلى أحد من خلقك.
اللهم اجعلنا عليك متوكلين، وإليك منيبين، واغفر لنا ذنوبنا أجمعين.
والحمد لله رب العالمين، وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.
стр. 2103
استدراك ما فات
خلق الله الإنسان ضعيفاً، وسلط عليه الشيطان فتنة، فلا إنسان إلا ويفوته من فعل الخيرات أمور كثيرة، بل قد يقع في المنكرات قلَّت أو كثرت، لكن السلف كانوا يستدركون ذلك، ويبحثون عن خير القربات للتعويض، ولا ييئسون لكبر عمر أو ضعف جسم أو قلة ذات اليد، وفي هذه المادة كلام غزير نافع حول هذا الأمر، يبحثه من حيث أسبابه وعلاجه، ويضرب أمثلة ويبين سبلاً فعليك به لعلك ترشد!
стр. 2104
فضل حلق الذكر
الحمد لله الذي لم يزل عليماً خبيراً، قد أحصى كل شيء ولا يفوته شيء، وخلق كل شيء فقدره تقديراً، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وكان بعباده خبيراً بصيراً، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً.
إخواني الأحبة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: فإنني أسأل الله كما جمعنا في بيته هذا، أن يجمعنا في دار كرامته ومستقر رحمته وفسيح جنته، النفس أيها الأخوة تزكو بالذكر، والبلد يزكو بحلق الذكر ودروس العلم، فتصبح الملائكة في شوارعها وأحيائها تذهب وتجيء، وتصعد وتنزل ملتزمة حلق الذكر؛ فتتنزل السكينة وتعم الرحمة، وقد قال النبي ﷺ : (إن لله ملائكة يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى حاجتكم، فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم الحديث إلى أن قال في آخره: أن الله يقول للملائكة: فأشهدكم أني قد غفرت لهم) رواه البخاري.
وفي رواية أحمد (إن لله ملائكة فضلاً يتبعون مجالس الذكر يجتمعون عند الذكر، فإذا مروا بمجلس علا بعضهم على بعض حتى يبلغوا العرش الحديث) اللهم اجعلنا في هذه الساعة من أهل هذا الحديث يا رب العالمين، اللهم اجعل هذا البلد آمناً وارزقهم من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر.
وقبل البداية أيها الأخوة، لابد من شكر المسئولين والقائمين على هذه السلسلة الطيبة التي استمعتم إلى عدد من دروسها في هذا المكان الطيب، فجزى الله بالخير كل من تسبب في قيامها وتنفيذها والإعانة عليها ابتغاء وجهه الكريم.
أيها الأخوة: درسنا لهذه الليلة أحكام وعظات، ونظرات تربوية في استدراك ما فات، وسبب الحديث عن هذا الموضوع أن هناك ملحظاً فيما يخص مسألة التفويت والتضييع، والاستسلام لليأس، وعدم السعي إلى الإصلاح والاستدراك.
أناس كانوا في جاهلية فهداهم الله، وبعضهم كانوا في بدعة فأنقذهم الله، فكيف يعوضون ما مضى من عمرهم؟ وآخرون تردت أحوالهم، وضعف إيمانهم، وانتكست مسيرتهم، وبردت هممهم، واعتراهم من الشيطان ما اعتراهم، ومسهم من كيده ما آذاهم، فوقفوا يتلمسون الطريق.
ولهم أصحاب يدعونهم إلى الهدى ائتونا، قل إن هدى الله هو الهدى، وبعض هؤلاء يحاولون الرجوع، وبعضهم لا يزالون في أمرهم يترددون فلنلق نظرة على هذا الموضوع، وأجد أنه بحق موضوع مهم لنا جميعاً (استدراك ما فات) ننظر ماذا قال العلماء في هذا الموضوع، وكيف يمكن أن نستفيد منه في مسيرتنا وحياتنا
стр. 2105
فوات الدِّين أعظم من فوات الدنيا
العنوان مكون من جزئين: استدراك ما فات.
والاستدراك لغة: استفعال من درك، والدرْك والدرَك اللحاق والبلوغ، وفي اللغة استدرك الرأي والأمر إذا تلافى ما فرط فيه من خطأ ونقص، والاستدراك عند العلماء، وهو الذي يرد كثيراً في كلام الفقهاء: إصلاح ما حصل في القول أو العمل من خلل أو قصور أو فوات، ويقولون: استدراك نقص الصلاة بسجود السهو، واستدراك الصلاة إذا بطلت بإعادتها، واستدراك الصلاة المنسية بقضائها، والاستدراك بإبطال خطأ القول وإثبات صوابه، إذا كنت تتحدث وأخطأت تستدرك كلامك وتأتي بالصواب.
ويقول العلماء أحياناً: التدارك، وهي لفظة أخرى يستخدمها الفقهاء، والتدارك في الأفعال: فعل العبادة المتروكة، أو فعل جزئها في محله المقرر شرعاً ما لم يفت، كما في قول صاحب كشاف القناع ﵀ من علماء الحنابلة: لو دفن الميت قبل الغسل، وقد أمكن غسله لزم نبشه، وأن يخرج ويغسل تداركاً لواجب غسله، وكقول الرملي ﵀: إذا سلم الإمام من صلاة الجنازة تدارك المسبوق باقي التكبيرات بأذكارها، وقوله: لو نسي تكبيرات صلاة العيد فتذكرها وقد شرع في القراءة وفاتت فلا يتداركها.
وقد يقطع الغلط في القول فيحتاج الإنسان إلى تداركه، بأن يبطله ويثبت الصواب، ولذلك طرق ومنها: قولهم (بل) فيقول كلاماً فيتذكر أو يعرف أنه خطأ، فيغير ويقول (بل) ويأتي بالصواب، هذا هو الاستدراك.
أما الفوات فمن الفوت، والفوات يقال في اللغة: فاته الشيء إذا ذهب عنه كما في اللسان، والفوات منه ما يكون في أمور الدين، ومنه ما يكون في أمور الدنيا، أما فوات الدنيا فهو شيء قليل سهل ويسير يمكن تعويضه، ومن نظر في دينه إلى من هو فوقه فاقتدى به، ونظر في دنياه إلى من هو دونه فحمد الله على ما فضله الله به عليه كتبه الله شاكراً صابراً.
ومن نظر في دينه إلى من هو دونه ونظر في دنياه إلى من هو فوقه فأسف على ما فاته منه، لم يكتبه الله شاكراً ولا صابراً، وقد تولى الله علاج الألم النفسي الذي يترتب على الفوات، تولى الله علاج ما حصل من ذلك في نفوس الصحابة في غزوة أحد، فقال الله تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران:١٥٣].
فقوله تعالى: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ﴾ [آل عمران:١٥٣] أي: فجزاكم غماً على غم، وقال عبد الرحمن بن عوف ﵁: الغم الأول بسبب الهزيمة، والغم الثاني حين قيل: قتل محمد ﷺ ، كان ذلك عندهم أشد وأعظم من الهزيمة، فإذاً: كان ألماً عظيماً بالهزيمة والقتل والجراح.
لما قيل: قتل محمد ﷺ ، كان غم غطى على الغم الأول فنسوا الغم الأول، ثم تبين أن محمداً ﷺ حي، فسروا وكان الغم الأول قد نسي في غمرات الغم الثاني، وهذه حكمة إلهية بديعة قدرها الله تعالى في أحداث هذه الغزوة.
﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ [آل عمران:١٥٣] أي: على ما فاتكم من الغنيمة، والظفر بعدوكم، ولا ما أصابكم من الجراح والقتل.
إذاً فوات الدين في نفوس المؤمنين هو الأعظم، ويحصل الهم لفوات الدنيا لأنهم بشر، فأي إنسان إذا فاته شيء من الدنيا ربما يتألم؛ لكن ينبغي أن يعلم أن فوات الدين أعظم بكثير من فوات الدنيا.
ومما يساعد على التغلب على ألم فوات شيء من مال أو نجاح أو أي شيء فاتك من الدنيا: الإيمان بالقضاء والقدر، ولذلك قال الله تعالى في سورة الحديد: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد:٢٣] فأخبر أنه كتب كل المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض، وكل مصيبة قبل أن تحدث فهي مكتوبة عند الله، أي: فعلنا ذلك وكتبناه وقدرناه من قبل أن نخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد:٢٣] أي: فأعلمناكم -كما يقول ابن كثير في تفسيره ﵀ بتقدم علمنا وسبق كتابتنا للأشياء قبل كونها، وتقديرنا الكائنات قبل وجودها لتعلموا أن ما أصابكم لم يكن ليخطئكم، وما أخطأكم لم يكن ليصيبكم، فلا تأسوا على ما فاتكم، لأنه لو قدر شيء لكان.
إذا فاتتك عبادة وعلم فهو الذي يحزن عليه حقاً، وهو المصيبة كما جاء عن نوفل بن معاوية أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله) أي: فكأنما فقد أهله وماله.
أما الدنيا فتعوض؛ حدثني أحد التجار في الحج قال: أنا نزلت إلى تحت الصفر وطلعت إلى مئات الملايين، ثم نزلت إلى تحت الصفر ثم طلعت إلى مئات الملايين أربع مرات في حياتي، فالدنيا تذهب وتجيء، لكن الدين إذا ذهب:
لكل شيء إذا ضيعته عوض وما من الله إن ضيعته عوض
следующие страницы →