← Джавами‘

Джавами‘ · id 7704

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (7 040 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

خطر الكسل والخمول وعلاجه أيها المسلمون: إن الإنسان المسلم قد تعرض له عوارض، فيعرض له ضعف، ويعرض له شيء من الكسل والخمول، فعليه أن يزيله بالإقبال على الله، والانطراح بين يديه، والذل عنده يقف ويناشد ربه أن يعيد إليه إيمانه جذوة مشتعلة، وحماسة متقدة، وأن يأخذ بيده إلى سبيل الطاعة والنهوض بنفسه مرة أخرى، ويطلب من إخوانه المسلمين أن يكونوا عوناً له ومدداً في تجاوز هذا الحال المؤقت. إن هذه المنعطفات الموجودة في طريق الطاعة عند كثير من الناس ينبغي أن يتغلب عليها لا أن يستسلم لها، وأن نأخذ من كتاب ربنا ومن سيرة سلفنا ونبينا إمامهم وقدوتهم العلاج في مواجهة مثل هذه الحالات التي تحدث لدينا من كسل أو خمول أو تباطؤ أو فتور، بل حتى وانتكاس، لنعود مرة أخرى متغذين بهذه المحفزات لأعمال الخيرات، وأن نرجع مرة أخرى إلى الطريق كما كنا وأفضل مما كنا، والسعيد من عرف كيف يعالج نفسه، ولو أنك لم تهتد إلى علاج فسألت من إخوانك من يدلك على الطريق والعلاج لكان ذلك من الحكمة العظيمة.

стр. 2137

ضرورة الصبر والمصابرة في العمل للإسلام أيها الإخوة: إن القضية تحتاج إلى مكابدة، وإلى تعب نفس ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:١٤] فهذا نوحٌ يدعو قومه تسعمائة وخمسين عاماً من غير كلل ولا ملل، هذه الهمة العالية من نبي الله الكريم في القيام بالواجب، وحتى التغلب على عيوب النفس يحتاج إلى مصابرة، قال ابن المنكدر: كابدت نفسي أربعين سنة حتى استقامت. وكذلك قال ثابت البناني عن الصلاة: كابدت الصلاة عشرين سنة، وتنعمت بها عشرين سنة. وهذه العبارة توضح لك -يا عبد الله- كيف تتم المصابرة في موضوع مثل قيام الليل، الذي يكون شاقاً على النفس، ومراً عندما يحاول الإنسان أن يفعله وأن يطيل فيه، ولكن الحل والعلاج هو الاستمرار حتى تأتي الحلاوة، فإن الحلاوة قد لا تأتي إلا بعد وقت من الزمن. أيها الإخوة: إن الاستمرار في الأعمال يرزق الإنسان به حلاوة إيمان يستشعر طعمها حتى يفارق الدنيا، فهذا ربيعة بن يزيد ما أذن المؤذن لصلاة الظهر أربعين سنة إلا وهو في المسجد، إلا إذا كان مريضاً أو مسافراً. وهذا بشر بن الحسن الصفي، سمي بالصفي لأنه كان يلزم الصف الأول في مسجد البصرة خمسين سنة. وهكذا كانت الأعمال ترتقي بهم من مرحلة إلى مرحلة حتى يحس المعاشر لهم أنهم يزدادون كل يوم، وهذه هي القضية العظيمة. قال إبراهيم الحربي ﵀ وهو من أصحاب الإمام أحمد عن شيخه: ولقد صحبته عشرين سنة صيفاً وشتاء، وحراً وبرداً، وليلاً ونهاراً، فما لقيته في يوم إلا وهو زائد فيه عما بالأمس. يا مطعوناً في العزم: أين أنت والطريق؟! طريق تعب فيه آدم، وبكى لأجله نوح، ورمي في النار الخليل، وأضجع للذبح إسماعيل، وبيع يوسف بثمن بخس، ولبث في السجن بضع سنين، ونشر بالمنشار زكريا، وذبح السيد الحصور يحيى، وقاسى الضر أيوب، وزاد على المقدار بكاء داود، وعالج الفقر وأنواع الأذى محمد رسول الله ﷺ ، فكيف نحن باللهو واللعب؟ أيها المسلمون: عباد الله! ليكن شعارنا: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل:١٢٧] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠] كيف يهنأ المسلم بعيش ويرتاح له بال؟! وهو يرى أفراد أمته يجرون وراء اليهود والنصارى والكفار تشبهاً بهم. وما جرى في يوم عيد الحب ببعيد، عندما رأيت أنواع هذه الترهات يبيعها الناس في أسواقهم، الورود والبطاقات، وترسل التهاني عبر شبكة نسيج العنكبوت، وغير ذلك من أنواع التبادل، وتتحدث القنوات عن قضية عيد الحب، وتنتهي الورود الحمراء من المحلات، وتتقاذف القلوب الأوراق المقصوصة وغيرها على هيئة القلوب، تتنقل في أيدي شبابنا وبناتنا. هذه الغيرة التي تأخذ بنفس الإنسان المسلم، والحسرة والغصة مما يتجرعه من هذا المرأى الشنيع لبنات وشباب من آباء وأمهات مسلمين، يعيشون مع المسلمين، ثم يصل بهم الانحدار إلى أن يركبوا مركب الكفار، ويسيروا في ركبهم، ثم تعمل الحفلات، وتسمع عن الديجيه وغير ذلك من أنواع الموسيقى والرقصات أناسٌ يهيمون في أودية إبليس، والشيطان يستجرهم هذا مثل واحد. ثم تجد في المقابل مذابح الشيشان، وتجد الطعن في العيون، وبقر البطون، وأنواع الاغتصاب، والإذلال والمجاعة مدن تهدم بأكملها على رءوس قاطنيها، وعاصمتهم تغلق، ومحصورون في الجبال وفي الثلوج والجوع، ثم هؤلاء يهيمون في الأسواق والمراكز التجارية وعلى الشواطئ يلعبون بالكفر والتشبه بالكفرة تهدم العقيدة، ويزلزل الدين، ويتشبه بالكفرة الذين يقاتلوننا. إذاً أيها الإخوة: القضية والله تؤجج للعمل، وتدفع للمنازلة، والقدوم إلى ساحة الوغى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله، كفى لعباً، وكفى لهواً ونوماً وكسلاً، انفضوا ذلك الغبار، وقوموا لله بالواجب، وإلا فإن السفينة ستغرق والله. اللهم إنا نسألك الهداية لنا وللمسلمين جميعاً، اللهم ردنا إلى الإسلام رداً جميلاً، ونعوذ بك من غضبك وعقابك، ونعوذ بك من همزات الشياطين وأن يحضرون يا رب العالمين. اللهم فقهنا في ديننا وعلمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، اللهم اجعل حياتنا على التوحيد، واجعل مماتنا على التوحيد، واجعل خير أيامنا يوم نلقاك. اللهم اجعل بلدنا هذا آمناً مطمئناً يا رب العالمين، ومن أراد بلدنا هذا بسوء فاشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، اللهم ومن أراد المسلمين في هذا البلد وفي غيره من بلدان المسلمين بسوء اللهم فأرنا فيه عجائب قدرتك يا رب العالمين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 2138

استوصوا بالتائبين خيراً إن العناية بالتائبين من الأمور التي أكد عليها الشرع، وراعاها النبي ﷺ وعلمها أصحابه، وهي الآن منوطة بالدعاة إلى الله؛ إذ يجب عليهم أن يتعلموا كيفية التعامل معهم، فهم وإن كان ماضيهم في عصيان فإن حاضرهم طاعة، ومخالطتهم تزيد الإيمان إلى هذا أشار الشيخ في هذه المادة، كما أشار إلى أن التوبة ضرورية لكل فرد وإن كان صالحاً

стр. 2139

بيان أهمية توبة الصالحين الحمد لله العزيز الوهاب، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، لا إله إلا هو، إليه أدعو وإليه متاب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد خير من استغفر وأناب، وعلى آله وصحبه أولو الأيدي والألباب، وعلى من سار على نهجه واقتفى سنته إلى يوم الحساب. أيها الإخوة: نحن نعيش في وقت نشهد فيه رجعة من المسلمين إلى الله واضحة، وكثير من الناس صاروا ما بين تائب وأوَّاب، وتيمم كثير منهم شطر المسجد والمحراب، يريدون المغفرة من ربهم ويواصلون قرع الأبواب، والدعاة إلى الله في مواقفهم من هؤلاء التائبين العائدين إلى ربهم يحتاجون إلى تعلم الحكمة وكيفية الخطاب، فكان لابد لاستقبال هؤلاء التائبين الجدد من إعداد العدة والأخذ بالأسباب. وقد سبق أن تكلمنا في لقاء منفصل عن التوبة وأهميتها وعوائقها، وكيف تزال هذه العوائق، ونحن نتكلم الآن في لقاء موجه إلى الدعاة إلى الله أكثر من غيرهم عن هذه المسألة. ونحن نعلم -أيها الإخوة- أن الحديث عن موضوع التوبة حديث ذو شجون، فإن آثام الناس في هذا العصر قد كثرت، وتبين لكثير من المخطئين خطأهم وذنوبهم، وأرادوا أن يرجعوا إلى الله ، والتوبة فيها تجديد لمعاني أسماء الله وصفاته في النفس، فإنه يتبين في قلب التائب من معاني أسماء الله: التواب، الكريم، الواسع، الغفار، الغفور، الرحمن، الرحيم، ومن صفاته: أنه غافر الذنب، وقابل التوب . وموضوع التوبة بالنسبة للصالحين موضوع مهم، فإن الكثير يطرق موضوع التوبة بالنسبة للمذنبين العصاة، ولا يطلق موضوع التوبة بالنسبة للصالحين والدعاة إلى الله إلا قليلاً، علماً بأن الجميع يحتاج هذا الموضوع من أكبر صالح إلى أكبر مذنب. وإذا كان رسول الله ﷺ الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يستغفر الله ويتوب إليه في اليوم والليلة أكثر من سبعين مرة، فما بالنا نحن العبيد المقصرون؟! وماذا يكون حالنا في هذا الميزان، ونحن نرى رسولنا ﷺ كان يفعل ما يفعل؟! وموضوع التوبة بالنسبة للصالحين له مجالات متعددة، فإن هذا الصالح كان في يوم من الأيام مذنباً، ثم تاب إلى الله وأصبح صالحاً، ولكن هذه الفترة التي مضت من عمره كان فيها منغمساً في أوحال الذنوب والمعاصي، ثم أحدث التوبة بعد ذلك، هذه الفترة التي مضت دون توبة عاجلة، وتأخرت توبته سنوات، ثم صلح حاله بعد ذلك، هذه التوبة تحتاج إلى توبة من تأخير التوبة. لأننا في كثير من الأحيان نذنب، أو نكون قد أذنبنا في فترات ماضية، ولكن لم نتب إلا بعدها بسنوات، إذاً فهذا التأخير الحاصل بالنسبة للتوبة هو ذنب مستقل يحتاج إلى توبة، وكذلك فإن هناك كثيراً من الأمراض التي تنتاب بعض الصالحين مثل: غرور العبادة، والتألي على الله ، والاستكبار في الأرض، ومشاهدة بعض الناس لأعمالهم الصالحة، ودخول الرياء على الكثيرين حتى من الصالحين، وحب الرئاسة والظهور من الأمراض التي لا يسلم منها إلا النادر من الناس.

стр. 2140

التوبة مهمة لأصلح الصلحاء كأكبر الفجار والذي يظن أن موضوع التوبة هو مهم فقط بالنسبة للعصاة المذنبين أرباب الفواحش والمنكرات إنسان مخطئ جداً؛ لأننا في كل يوم نقصر في حق الله ، وقد لفت شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ النظر إلى مسألة مهمة فقال: إن الذنوب تحصل في نوعين: ترك الواجبات، وفعل المحرمات. وكثير من الناس الذين يبدو على ظاهرهم الالتزام بهذا الدين والعمل له؛ يتركون أشياء من الواجبات، فهم قد لا يقعون في منكرات وفواحش، لكنهم يتركون أشياء من الواجبات، وهذا الترك يحتاج إلى توبة، وهذا التقصير لابد من استدراكه بالاستغفار والندم، والعزم على المواصلة، والسير إلى الله سيراً حثيثاً. وكثير من الذين يشتغلون بالدعوة إلى الله يصابون بآفات وأمراض أثناء سيرهم في الطريق؛ من أنواع البرود والتقهقر والتراجع، وغيبة تخرج مخرج جرح وتعديل ليست عند الله شيئاً، وطعن بعضهم في بعض، والذي يحصل في قلوب بعضهم من التكبر على خلق الله هو في الحقيقة مرضٌ مزمن وخطير يحتاج إلى توبة. أضف إلى ذلك احتقار بعض الصالحين لبعض المذنبين، والنظر إليهم بعين النقص؛ مع أنهم ربما يكونون في حالة ندم ترتفع معها أعمال قلوبهم في بعض الأحيان، لتكون أحسن من أعمال قلوب بعض الصالحين الذين حصل في نفوسهم هذا الكبر والغرور والاحتقار لخلق الله، وسنضرب لذلك أمثلة ونسوق عليها أدلة يتبين فيها حجم هذه المشكلة.

стр. 2141

التوبة العامة وأهميتها أيها الإخوة: إن التوبة من أنواع الذنوب، سواء كانت ترك واجبات أو فعل محرمات مثل الاستفراغ والقيء الذي يتقيؤه المريض لإخراج ما في بطنه من أنواع العفن والمواد الضارة بالجسم، وكذلك هي مثل الترياق والدواء المستخدم ضد السموم، هذه لفتة عن أهمية التوبة. أضف إلى ذلك أن كثيراً من المسلمين لا يتوبون توبة عامة، لكن إذا أذنب ذنباً تاب منه بالذات، فإذا نظر إلى امرأة أجنبية في السوق قال: أستغفر الله وأتوب إليه، لكنه ينسى التوبة العامة غير المرتبطة بذنب معين، وهذه هي التوبة التي كان ﷺ يكثر أن يتوب منها، وهذه التوبة العامة يغفل عنها حتى الدعاة إلى الله ، وعن تجديدها في كل حين ووقت. ألا ترى أن المسلم قد يذنب ذنباً وهو لا يرى أنه قد أذنب! ألا ترى للدعاء الذي يقول فيه المسلم: (اللهم إني أستغفرك مما أعلم ومما لا أعلم) لأننا في كثير من الأحيان نقع في ذنوب دون أن نشعر أننا قد وقعنا فيها. وكذلك قد يكون الإنسان واقعاً في بدعة من البدع يظنها عملاً صالحاً، ثم يتبين له بعد ذلك أنها عمل غير صالح، وأنها مخالفة لفعل رسول الله ﷺ وقوله وهديه وسنته، هذا الرجل لا يشعر عندما فعل تلك الأعمال أنه اقترف ذنوباً ليست فواحش ولا كبائر في نظره، لكن بعد ذلك عندما يشعر أنه كان يعبد الله على غير بصيرة في بعض المسائل فهو محتاج إلى توبة من هذه النوعية أيضاً. وقد يتلطخ الإنسان ببعض أمور الجاهلية وإن نشأ بين أهل علم ودين، وأذكر هذه الملاحظة لكثير من الإخوان الذين يعيشون في بعض البيئات الصالحة، فإنهم بالرغم من معيشتهم في وسط أناس صالحين، وبين أهل علم ودين، إلا أنهم لا يسلمون من الوقوع في بعض المعاصي والتلطخ بها، والشيطان يدخل على الصالحين من عدة مداخل، وقد يدخلهم في أنواع من البدع. ولذلك لابد من تجديد التوبة حتى لهؤلاء، ولذلك فإننا نقول أيضاً في هذا المقام: إن بعض الصالحين قد يتركون واجبات لا يعلمون وجوبها، وبعد ذلك يكتشف أن هذه الأشياء واجبة، وأنه كان قد تركها في الماضي جهلاً، وليس كل الناس يعذرون بجهلهم، لأننا نقول: الشخص الذي يعيش في بيئة فيها أهل العلم فالواجب أن يسألهم، فكونه يكتشف أنه كان قد ترك واجبات وهو لا يعلم أنها واجبات، ووقع في محرمات وهو لا يعلم أنها محرمات، نقول له: لماذا لا تسأل وتفكر بالسؤال؟ لماذا كنت تسير هكذا مع التيار دون تحقيق وتمحيص؟ أليس هذا قد يكون ذنباً يحتاج إلى التوبة والاستغفار؟

стр. 2142

تأخير التوبة إصرار على الذنب واعلموا أيها الإخوة أن المسلم الذي يؤخر التوبة إلى أمد معين هو مصر على الذنب، فبعض الناس يقول: إذا جاء رمضان فسوف أتوب، وهو عازم على التوبة في رمضان، ولكنه رجل مذنب مصر على الذنب، ويطلق عليه أنه يصر على الذنب؛ لأن المفروض عليه المبادرة بالتوبة ولا يجوز تأخيرها إلى أمد معين، ولكن كثيراً من الناس عندهم هذا المبدأ وهذا المفهوم يقول: عندما يأتي رمضان سأتوب إن شاء الله توبة كاملة، ويقول بعضهم: سأذهب إلى العمرة وأتوب، ولن أعمل بعدها أي عمل سيء، وبعضهم يقول: إلى الحج وبعد الحج سأتوب. وما يدريه أنه سيعيش إلى رمضان أو الحج؟! هذا أولاً، وثانياً: لو عاش إلى رمضان أو الحج أليس هذا التأخير الذي تأخره في التوبة ذنباً يستحق التوبة أيضاً ولو تاب في رمضان أو الحج؟! لكن هذا التأخير هو إصرار يحتاج إلى توبة، وكون الإنسان يعزم على التوبة بعد فترة من الزمن لا يعفيه من الذنب، ولا ينفعه عند الله في هذا الموضوع. وكذلك فإن التوبة تحدث في النفس من الآثار الحسنة في الاندفاع نحو الطاعات أموراً كثيرة، وتجعل الإنسان المسلم يحس بالتقصير، ويحس بأنه دائماً لا يفعل ما يجب عليه من الحقوق تجاه ربه، وهذا الشخص الذي يستشعر النقص دائماً يستمر في الأعمال الصالحة؛ لأنه يعلم علم اليقين أنه مهما عمل من الأعمال الصالحة فإنه لا يزال مقصراً، ولو أنه فكر في هذه الأعمال الصالحة من الصلوات والزكوات والعبادات، وطلب العلم، والدعوة إلى الله، ثم وزنها ببعض نعم الله عليه مثل السمع والبصر والفؤاد، لوجد أنها لا تساوي شيئاً. فإذا كنا مهما عبدنا الله لن نؤدي شكر النعم فقط، فكيف بالواجبات التي أوجبها علينا؟! بعض الصالحين قد يقع في أخطاء في حقوق إخوانه المسلمين، أو قراباته أو جيرانه، فهذا عليه ألا ينسى الدعاء والاستغفار لهم بظهر الغيب؛ لأن ذلك يعوض هذا التقصير في الحقوق تجاههم. ونحن بشر لا نسلم من التقصير، قد تكون أنت تطلب العلم وتدعو إلى الله ، ومع ذلك أنت مقصر في حقوق أقربائك، وقد تكون أخطأت في الموازنة بين الواجبات المترتبة عليك، لذلك يكون الاستغفار لمن قصرت في حقه من عباد الله والدعاء له من الأشياء التي تنفع في إصلاح ذلك النقص والخلل.

стр. 2143

التوبة من التقصير والخلل ونأتي الآن إلى بيان نوع آخر من أنواع التوبة التي يحتاج إليها الصالحون، ألا وهو التوبة من التقصير والخلل الذي يحدث في عباداتهم، فلو أنك أتيت بأصلح الناس حالاً، ثم قلت له: هل ترى بأنك قد خشعت في جميع صلواتك؟ وهل ترى بأنك قد جاهدت الشيطان -في الصلاة فقط- حق الجهاد؟ وهل ترى بأنك في الحج لم تؤذ أحداً من عباد الله البتة في الزحام ونحوه؟ وهل ترى بأنك قد قمت بهذا العمل بالضبط كما هو الواجب فيه، أم أن الخلل والتقصير ملازم لي ولك في جميع أعمالنا الصالحة؟ فإذاً لابد من توبة أيضاً من هذه التقصيرات الحادثة في الأعمال الصالحة.

стр. 2144

استوصوا بالتائبين خيراً (نصائح وتوجيهات) ثم دعونا الآن ندخل في صلب الموضع، وهو: استوصوا بالتائبين خيراً. أيها الإخوة: نحن الآن في وقت تشهد فيه ديار ومجتمعات المسلمين -ولله الحمد- صحوة إسلامية، وهذه الصحوة -كما ذكرنا- صحوة مباركة عاد فيها كثير من الناس إلى الله ، وهناك أفواج كثيرة الآن تأتي إلى طريق الهداية، وإلى المساجد وحلق الذكر، هناك أناس كثيرون بدءوا يسألون عن المخرج ويريدون معرفة الطريق الصحيح، ودب في قلوبهم الندم على الماضي الأسود الذي خلفوه، هناك أناس كثيرون شعروا بالإفلاس التام بعد تلك المعاصي الكثيرة التي عملوها، وشعروا أنهم أهدروا سنوات طويلة من أعمارهم في لا شيء، بل في معصية الله. هؤلاء القادمون إلى الطريق المفروض أن يستلمهم، ويأخذ بأيديهم، ويرشدهم ويعلمهم الدعاة إلى الله ، فهم الذين تقع على عواتقهم أهمية إرشاد هؤلاء التائبين إلى الطريق، واستقبال هذه الأفواج واحتواؤها في ضمن المجتمعات الإسلامية المصغرة؛ كلٌ بحسب طاقته وقدرته، حتى يقوى عود هذا التائب ويصلب، ولا ينكص ويعود، وكثيرٌ من الذين انتكسوا كان من أسباب انتكاسهم المواقف الخاطئة لبعض الدعاة، ولذلك يتحمل هؤلاء الذين لا يحسنون استقبال التائبين جزءاً من المسئولية عند الله في انتكاس هؤلاء المنتكسين.

стр. 2145

نظرة المسلمين الصالحين إلى أخيهم المسلم المذنب ولذلك فإننا نقول الآن: ما هو موقع المذنب في المجتمع الإسلامي؟ كيف يجب أن تكون نظرة المسلمين الصالحين في المجتمع الإسلامي إلى أخيهم المسلم المذنب؟ بعض الناس يقول: ينبغي أن تكون نظرة قاتمة؛ وعنده أن هذا الشخص الذي أذنب ينبغي أن نهجره ونقاطعه ولا نكلمه ولا نزوره ولا نسلم عليه؛ لأنه وقع في ذنب، وهذا الموقف في هذا الزمن بالذات في غاية الخطأ والخطورة؛ وإذا قاطعته وهجرته فهذا الهجر غير شرعي، فإن هناك آلافاً من شياطين الإنس مستعدون لإيوائه واحتوائه وجذبه إليهم. كعب بن مالك ﵁، لما أخطأ وترك الخروج مع الرسول ﷺ للجهاد في مجتمع إسلامي الهجر فيه مفيد، قاطعه الرسول ﷺ وأمر الصحابة بمقاطعته، ولكن ماذا فعل ملك غسان الكافر وأصحابه؟ لقد اصطادوا الخبر فوراً وأرادوا انتهازه، فكتب ملك غسان إلى فرد مسلم في المدينة رسالة، فجاء بها نبطي من أنباط الشام فدخل المدينة، وأخذ يسأل في السوق عن كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون إليه، يقول كعب: فأتاني فدفع إليّ رسالة من ملك غسان، يقول فيها: قد سمعنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك. هذا موقف خطير جداً، ملك الكفار مهتم بموضوع شخص في المجتمع الإسلامي؛ لأن كيد أهل الباطل لأهل الإسلام لا يتوقف، ولذلك فهم يحاولون الاصطياد في الماء العكر دائماً، وأي واحد يأنسوا فيه ضعفاً من الدعاة والصالحين حاولوا فوراً التقاطه وجذبه إليهم. كعب بن مالك صحابي جليل فقيه، يعلم تماماً بمؤامرات أعداء الإسلام، ويعلم أن هذه محنة وابتلاء فصمد، قال كعب: فقلت في نفسي: وهذا أيضاً من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرتها. لكن قل لي: كم من المسلمين من لو وقع في ذنب، وصار عنده ضعف سيكون موقفه لو عرض عليه بعض أهل الباطل مثلما عرض على كعب؟ كم منهم سيكون موقفه مثل موقف كعب بن مالك ﵁؟ فاستوصوا بالتائبين خيراً، أول ما يقع الإنسان في الذنب فمن الخطأ الكبير أن نهجره مباشرة، فنقاطعه ولا نكلمه، ولا نسلم عليه ولا نزوره، ولا نعوده ولا نساعده في شيء، هذا خطأ كبير، إلا إذا كان الهجر نافعاً له -كما يذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وسيعيده إلى صوابه فعند ذلك نهجره، أما إذا كان هجره سيتسبب في إمعانه في الضلال وزيادته في الانتكاس، فإن من الجرم هجره والحالة هذه.

стр. 2146

حسن استقبال المذنب في المجتمع الإسلامي ما هو موقع المذنب في المجتمع الإسلامي؟ إذا أخطأ شخص وندم، فإن أهل الوعي من المسلمين لابد أن يحسنوا استقباله مرة أخرى، حتى يرى المذنب أن المجال مفتوح أمامه، وأن خط الرجعة ممكن، فلا يمعن في الضلال والابتعاد. وهذه الحادثة العظيمة التي رواها النسائي وغيره بإسناد صحيح عن ابن عباس تبين لكم هذا الفقه العظيم في باب الدعوة إلى الله في الموقف من المذنبين، كان هناك رجل من الأنصار أسلم ثم ارتد ولحق بالمشركين، ثم تندم، هل هناك أكبر من الردة ذنباً؟ لا يوجد. ثم تندم فأرسل إلى قومه: سلوا لي رسول الله ﷺ ، هل لي من توبة؟ هذا الموقف يجب أن يستغل مباشرة، يمكن أن يأتي مذنب ويقول: أنا أشعر بالندم فهل لي من توبة؟ فجاء قومه إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: إن فلاناً قد ندم، وإنه أمرنا أنا نسألك هل له من توبة؟ فنزل قول الله : ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ [آل عمران:٨٦] حتى جاءت الآية التي فيها: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [آل عمران:٨٩]. الذين تابوا بعد هذه الردة والظلم ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٨٩] فأرسل إليه ﷺ أن هناك مجالاً لك، فجاء فأسلم مرة أخرى، فما هو المطلوب؟ إن المطلوب أن يعود الشخص إلى الصراط المستقيم لأن هذا هو عين المطلوب. حادثة أخرى تبين لنا الموقف: رجل من المسلمين شرب الخمر، فأمر رسول الله ﷺ بجلده، قال أبو هريرة: فمنا الضارب بنعله، ومنا الضارب بثوبه، فقال واحد من المسلمين: قاتلك الله! -أمام الناس- أو أخزاك الله، فقال الرسول ﷺ : (لا تكونوا عوناً للشيطان على أخيكم). شخص أمسك به وقد ارتكب ذنباً وأقيم عليه الحد، فهو كفارة للذنب؛ لأن من أقيم عليه الحد في الدنيا وتاب؛ فإن هذا الحد كفارة للذنب. فما هو الداعي لأن يقال لمثل هذا الشخص: أخزاك الله؟ هذا خطأ! ولذلك قال: (لا تكونوا عوناً للشيطان على أخيكم) يطبق عليه الحد ويجلد، ولكن لا يدعى عليه، لا يقال له: أخزاك الله، فإن قلت له ذلك؛ ففد أعنت الشيطان عليه، وبدأ يكره هؤلاء الناس الذين يقولون له مثل هذه الكلمات. قصة أخرى: أخرج أحمد والبيهقي عن أبي ماجدة قال: كنت قاعداً مع عبد الله بن مسعود، فقال: إني لأذكر أول رجل قطعه رسول الله ﷺ -أي: حد السرقة- أُتي بسارق فأمر بقطعه فكأنما أسف وجه رسول الله ﷺ ، لما قطعت يده، لاحظ الصحابة في وجه الرسول ﷺ كأنه أسف، فيه علامات تأسف على ما حصل. (فقالوا: يا رسول الله! كأنك كرهت قطعه، قال: وما يمنعني؟ -لماذا لا أكره قطعه- لا تكونوا عوناً للشيطان على أخيكم) إنه لا ينبغي للإمام إذا انتهى إليه حد ألا يقيمه، إن الله عفو يحب العفو: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٢٢] قال الشيخ ناصر في السلسلة الصحيحة: هو عندي حسن. فإذاً كان من الأولى أن يعفى عن هذا السارق، لكن مادام وقد رفع أمره، وثبتت عليه السرقة عند الإمام أو الوالي أو القاضي أو ولي الأمر، فلابد من إقامة الحدود، ولا يمكن أن تنفع بعد ذلك شفاعة ولا واسطة، وحتى لو تنازل المسروق منه فلابد من إقامة الحد إذا وصل إلى ولي الأمر، هذا حكم شرعي. فكأن الرسول ﷺ يقول: لو أن هذا الشخص ما أُتي به إلي، ولم تبلغني القضية، وسامحه الناس الذين سرق منهم ما قطعت يده، ونحن نتكلم عن هذه الحالة بالذات، ولا نتكلم عن شخص كثيرة جرائمه، وقد عمت البلوى وصار لا يسلم أحد من شره، لا. هذا قد يكون في قطع يده إصلاحاً له. وهناك أيضاً حادثة أخرى من السيرة تبين كيف كان المذنب يستقبل في المجتمع الإسلامي الأول، عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: إن قريشاً أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت في عهد النبي ﷺ في غزوة الفتح، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ﷺ ، هذه امرأة شريفة في القوم لها مكانة من بني مخزوم، هذه يحكم عليها بقطع يدها؟! فكانت هذه مشكلة عندهم، قالوا: من يتوسط فيها، ويكلم لنا رسول الله ﷺ ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله ﷺ ، لا يوجد أحد أبداً إلا أسامة، فهو أقرب الناس إليه، والرسول ﷺ يحبه جداً، وهذا موضوع خطير وحساس لا يمكن أن يتكلم فيه إلا أسامة. كلموا أسامة: توسط لنا عند رسول الله، فأُتي رسول الله ﷺ بالمرأة، فكلمه فيها أسامة بن زيد، فتلون وجه رسول الله ﷺ من الغضب، فقال: (أتشفع في حد من حدود الله) فقال أسامة وشعر بالذنب الشديد: استغفر لي يا رسول الله! أي: لأني تجرأت بأن أتوسط في حد من الحدود. لا تجوز الوساطة في الحدود نهائياً، ومن أكبر الجرائم إخراج شخص قد حكم عليه بحد، وبلغ الإمام، فمن يتوسط له يبوء بإثم عظيم عند الله. فلما كان العشي قام رسول الله ﷺ خطيباً، فأثنى على الله تعالى بما هو أهله، ثم قال: (أما بعد: فإنما هلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وإني والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها، ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقُطعت يدها أمام الناس). هذه قصة معروفة للجميع، لكن الشيء الذي يجهله الكثير من الناس تكملة القصة، والقصة في صحيح مسلم، قالت عائشة: [فحسنت توبتها بعد -هذه المرأة السارقة تابت إلى الله، وحسنت توبتها بعد ذلك وتزوجت- وكانت تأتيني بعد ذلك، فأرفع حاجتها إلى رسول الله ﷺ ] هذه عبارات عظيمة جداً ينبغي أن نقف عندها، هذه المرأة السارقة لما تابت لم تصبح منبوذة، لم ينظر الناس إليها بعين السخط والازدراء على ما وقع منها من ذنب، لقد وجدت لها مكاناً في المجتمع الإسلامي، لقد وجدت من يتزوجها، لقد كانت تأتي إلى عائشة فتفتح لها البيت وتستقبلها، بل لقد كانت حاجتها ترفع إلى رسول الله ﷺ ، وهو قائد الأمة، وأعلى رجل في الدولة الإسلامية. إذاً هذا الاستقبال الحسن هو الذي يجعل التائب يواصل في التوبة عندما يشعر أن له مكاناً وأن الاستقبال حسن؛ فإنه يواصل في التوبة، ولكن في كثير من الأحيان لا يحسن البعض استقبال التائبين، وينظر إليهم بعين الازدراء والاحتقار والنقص؛ لأنه كان صاحب سجل في الماضي، فيرى نفسه منتقصاً، فيقول: الأحسن ألا أرجع إلى الناس الذين كنت معهم في الماضي، لماذا أعيش بين أناس ينظرون إلي بهذه النظرة؟ وهذا السيء في الاستقبال يتحمل إثم نكوص الشخص الذي كان قد تاب، ثم نظر إليه بهذه النظرة ولم يفسح له المجال، فهو يتحمل شيئاً من إثم هؤلاء الذين لم يحسن استقبالهم.

стр. 2147

أهمية الاعتناء بالتائبين أيها الإخوة! استوصوا بالتائبين خيراً، لابد أن نلتقط الناس الذين تابوا نتيجة ظرف معين، لابد أن نبحث عنهم وندقق في الأحوال، ونتلمس هذه النوعية لكي تحاط بشيء من العناية والرعاية والاهتمام حتى يستكمل هذا الشخص المشوار. مثال: هناك الآن أناس كثيرون بعد الحج والعمرة يتغيرون، بعد حادث سيارة يتغير، وبعد مرض يشفى منه يتغير، وهذا التغير قد لا يستمر، فالواجب على الدعاة إلى الله أن ينتهزوا الفرصة، وأن يبادروا مباشرة إلى هذا الشخص الذي تأثر الآن، وأن يضربوا على الحديد وهو حامٍ ليتشكل التشكل المطلوب، وهذه نقطة مهمة جداً؛ لأن بعض الناس يرى شخصاً ما جاء من الحج وتأثر، ولكن يقول: ألتفت إليه فيما بعد (يؤجله) الشخص هذا رجع من الحج، وجلس في فترة تأثر، ثم بدأ يضعف شيئاً فشيئاً، ويرجع إلى عادته الأولى، وإلى أصحابه القدامى، ويرجع إلى ما كان عليه، ثم تأتي إليه بعد ذلك بفترة لتجد الشخص قد رجع تماماً مثلما كان، الآن أثر الكلام لن يكون قوياً، والشخص الآن قد لا يتأثر، لكن لو جئته مباشرة بعد ذلك العمل الصالح الذي قام به، أو بعد ذلك المرض أو الحادث الذي نجا منه، فكلمته وأعطيته دفعات من أعمال الخير والأعمال الصالحة، ودللته على الحق وأبواب الخيرات، واهتممت به وراعيت أحواله، فإن حاله يتطور إلى المزيد. فلابد أن يتلقف مثل هذا الشخص، ويحاط بمجموعة من أهل الخير، ويدخل في وسط طيب، ويصبح أصحابه من أهل الخير، ويصبح الرجل يشترك ويأتي في المناسبات الطيبة التي تحفظ عليه الإيمان الذي اكتسبه من هذه الحادثة، أو من هذا العمل الصالح الذي قام به. هذه البذرة إذا لم تتعهد بالرعاية، ولم تسق بماء الإيمان فإنها تموت، ومن المسئول بالإضافة إلى الشخص نفسه؟ إن المسئول هو الداعية المقصر الذي لم يلتفت إليه وضيع الفرصة.

стр. 2148

مخالطة التائبين استوصوا بالتائبين خيراً، هؤلاء التائبون الذين قدموا إلى طريق التوبة، وهم يشعرون بغاية الندم والأسى والأسف والحزن على ما مضى، والجلوس معهم أيها الإخوة يزيد الإيمان جرب هذا، قم واجلس مع شخص تاب الآن في هذه الأيام، اجلس معه سيزيد إيمانك فعلاً، ولو اهتديت قبله بسنوات طويلة، ولكن الواحد يصيبه البرود عبر الزمن حتى الأشخاص الصالحين، إذا جلست مع هؤلاء التائبين الجدد ستشعر بزيادة في الإيمان؛ لأنه شخص مقبل على الله يشعر بالندم والأسف، يريد الازدياد من الأعمال الصالحة. ولذلك بعضهم يجرؤ على أعمال صالحة ويستطيعها، أو يقبل عليها ما لا يقبل عليها شخص صالح له في الطريق سنوات طويلة؛ لأنه جاء متحمساً لاستدراك ما فات، ولابد من فعل الحسنات لتمحو السيئات الماضيات. ولذلك تجد من يقول: أريد أن أذهب لأعتمر وأحج وأعتكف وأصوم، أنا أصوم الإثنين والخميس، أنا أصوم يوماً وأترك يوماً، يفعل أشياء كثيرة جداً، قد يقرأ القرآن كثيراً، قد يبكي من خشية الله، فلو جعلت تائباً الآن في هذه المرحلة الجديدة من حياته إماماً للناس، لوجدت أن القلوب تخشع وراءه في الصلاة وهو يتلو القرآن ما لا تخشع وراء رجل سار لسنوات في طريق الهداية في بعض الأحيان. لأن هذه النفسية المقبلة على الله، والتي تحس بما أجرمت في الماضي مشحونة بالإيمان، ولذلك يمكن حتى الدعاة إلى الله أن يستفيدوا منها بزيادة إيمانهم من الجلوس مع مثل هذه النوعيات من الناس، جدد إيمانك، واجلس مع تائب توبته لازالت طرية. وهؤلاء القادمون الجدد في طريق التوبة يحدث في نفوسهم من الانكسار والضعف لله رب العالمين ما يجعلهم قريبين لله جداً، وبعض هؤلاء مما يحمسهم في الأعمال الصالحة أنه يضع ذنبه نصب عينيه، فهو يراه دائماً إن قام وإن قعد، وإن مشى وإن أكل، وإن أراد أن ينام. هذا الشخص التائب يكون هذا الذنب الذي ارتكبه دافعاً في قلبه ليحيي في هذا القلب الخوف من الله، والحياء منه، والانطراح بين يديه، والانكسار، وطأطأة الرأس. ولذلك تجد عند هؤلاء التائبين الجدد من البكاء من خشية الله والخشوع ما لا تجده عند بعض القدماء من الصالحين، وقد يبلغ الأمر أن الشيطان يتندم أنه أوقعه في هذا الذنب، فيقول: يا ليتني لم أوقعه فيه؛ لأن هذا الذنب هو الذي كان سبباً في التوبة وازدياد الحسنات واستدراكها. أضف إلى ذلك أنك تجد عند هؤلاء من الهمة في الأعمال الصالحة ما لا تجده عند شخص سار في طريق العبادة سنوات، لأنه مندفع ومتحمس كما ذكرنا.

стр. 2149

ستر المذنب منهم استوصوا بالتائبين خيراً، ماذا يمكن أن نفعل أيضاً بالنسبة لهؤلاء الأشخاص؟ من الأمور المهمة ستر ذنوبهم وزلاتهم الماضية، وإسدال الستار تماماً على ما مضى من حياتهم، وطي صفحاتهم السابقة بالكلية، والمقصود هو سترهم، فأي مذنب تاب لابد أن تستره: (من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة) ومن أسماء الله الستير، وهي صيغة مبالغة من ستر (إن الله حيي ستير) غفار أي: يغفر، المؤمن أي: يؤمن أولياءه من العقاب يوم القيامة يؤمنهم فلا يعاقبهم، وستير: أي: يستر على عباده. ولذلك ورد في الحديث الصحيح: (يبيت يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عليه) هؤلاء هم المجاهرون بالمعصية. ولذلك يأتي الله يوم القيامة بالعبد المؤمن ليس بينه وبينه ترجمان، فيقرره بذنوبه فيقول الله لعبده: فعلت كذا وكذا في يوم كذا وكذا، فيقرره بذنوبه لا يستطيع العبد أن ينكر منها شيئاً، حتى إذا رأى العبد ألا مجال له في النجاة أبداً، وأن الذنوب عدت كلها عليه من ربه وأيس، قال الله له: إني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أسترها عليك يوم القيامة، ثم يدخله الجنة، اللهم اجعلنا منهم. فإذاً الله من أسمائه الستير، فهو يستر عباده، والشريعة تدعو لستر المذنب والتائب، ولا يجوز بأي حال من الأحوال نبش ماضيه، ولا التكلم بسيئاته الماضية، ولا فضح معاصيه السابقة، ولا التشهير به مطلقاً، لا يجوز ذلك أبداً، وفضحه والتشهير به وهو تائب من إعانة الشيطان عليه، وهذا المشهر الفاضح قد يفضحه الله يوم القيامة جزاءً وفاقاً بما أساء لأخيه المسلم التائب. ولذلك فإننا نقول لبعض الناس: بعض الإخوان أحياناً يريد أن يضرب مثالاً على شخص في مجلس من المجالس فيفضحه دون أن يشعر، فيقول للناس: تصوروا كان هناك واحد يعمل في مكان كذا، وعمل كذا وكذا، ثم الآن تاب إلى الله، وهو الآن قد صلح، والشخص الذي بهذه الأوصاف أصبح معروفاً للآخرين ومكشوفاً. فليس من المصلحة الشرعية أن تأتي على كل تائب وتقول للناس: هذا كان يفعل كذا وكذا، بل لابد من ستره، ونقول أيضاً: هب أنك رأيت شخصاً يتعاطى المخدرات مثلاً، وأحسست أنه يتعاطى المخدرات، لكن شعرت أن هذا الشخص نادم، وأنه يريد الإقلاع عن هذا الإدمان فعلاً، وأنه الآن في مرحلة علاج، وأن الرجل صادق فعلاً في الإقلاع، فهذا لابد أن تستره أيضاً. افرض أنك علمت عن امرأة من الجيران أنها تفعل شيئاً في الخفاء، فأنت قدمت النصيحة وذكّرت بالله، فالمفروض أن تستر ما شاهدت حيث لا مجاهرة، وأن المسألة في السر، إلا أن تكون المسألة مستفحلة، وأن هذا وكر فساد، وأن المسألة تتفاقم، وأن أناساً آخرين ينضمون إلى الجريمة، فعند ذلك لابد من فضحهم حتى لا يستشري فسادهم. لكن إذا شاهدت أحدهم يعمل ذنباً، فعليك أن تذكره بالله وتنصحه وتستر عليه، ومن باب أولى إذا أذنب وتاب ألا تتكلم بذنوبه السابقة. من أنواع الستر: أن يكون هذا المذنب مثلاً قد يفقد وظيفته، أو فقدها، فيأتي أحد الصالحين فيهيئ له وظيفة بعد توبته؛ لأن بعض الناس لا يبالون بمثل هذه الشخصيات، يقول: هذا كان مدمناً ماذا أريد به!! وبعض الناس لو علم أن هذه المرأة الملتزمة كان لها سوابق في الماضي، فيقول: لا يمكن أن أقترب منها مطلقاً في مسألة الزواج، وبعض الأزواج لو علم أن زوجته ارتكبت معصية فإنه يشهر بها مباشرة ويطلقها، دون أن يدع لها مجالاً للتوبة، مع أن المفروض أن يعظها، ويذكرها بالله ، ويعطيها الفرصة، فإن استقامت فالحمد لله، وإن لم تستقم طلقها.

стр. 2150

إرشاد المذنب إلى باب التوبة انظر إلى مواجهة الرسول ﷺ لـ عائشة لما أشاع المنافقون الإفك، وأنها وقعت في الفاحشة مع صفوان بن المعطل السلمي ﵄، ماذا كان موقف الرسول ﷺ ؟ لقد قال هذه العبارة: (يا عائشة! إن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله) الرسول كان غير متأكد، فماذا فعل؟ قال لها: (إن كنت ألممتي بذنب فاستغفري الله) فقط. والآن بعض الناس قد يقع في بعض هذه الظروف، فيقول نفس الشيء: إن كنتِ ألممت بذنب فاستغفري الله، وإن اشتبهت في شخص، فقل له: إن كنت ألممت بذنب فاستغفر الله، فقط. أما أنك تتهم شخصاً أو تلزق به التهمة والمسألة مازالت ظنوناً، فهذا من الجرائم، وهذا بعينه ذنب من الذنوب ترتكبه باتهامك لشخص بريء. ولذلك كان من الاستيصاء بالتائبين خيراً: إرشادهم إلى باب التوبة المفتوح، وإلى عظم مغفرة الله ورحمته، وهذه فيها نصوص كثيرة جداً من القرآن والسنة، قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦] ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٣] ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:١٣٥]. (إن للتوبة باباً عرض ما بين مصراعيه كما بين المشرق والمغرب، لا يغلق حتى تقوم الساعة) (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) (من علم أني ذو مقدرة على مغفرة الذنوب غفرت له ولا أبالي) (يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم) (يا ابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة). إرشاد للناس هؤلاء، فتح للطريق، حين تريهم الأمل فإنك تجعلهم يستمرون في التوبة، وتجعلهم يقبلون على الله ، وتزيل اليأس من قلوبهم؛ لأن كثيراً من هذه النوعيات يحصل عندهم اليأس والقنوط، فيقول: الآن لا يمكن أن يغفر الله ذنوبي كلها، وليكن موقفك فيه كموقف العالم الذي جاءه قاتل المائة، قال: (قتلت مائة نفس، فهل لي من توبة؟ قال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟). أما قضية أن يرى الإنسان مذنباً، فيقول: والله لا يغفر الله لك، فهذه من أعظم المصائب. يُروى أن رجلاً قال: (والله لا يغفر الله لفلان، قال الله: من ذا الذي يتألى علي ألا أغفر لفلان، فإني قد غفرت لفلان وأحبطت عملك) تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته، ولهذه قصة وردت في الحديث الصحيح التالي: (كان رجلان في بني إسرائيل متواخيين، وكان أحدهما مذنباً، والآخر مجتهداً في العبادة، وكان لايزال المجتهد يرى الآخر على الذنب، فيقول: اقصر -كف عن الذنوب- فوجده يوماً على ذنب، فقال له: اقصر فقال: خلني وربي أبعثت علي رقيباً، فقال: والله لا يغفر الله لك، أو والله لا يدخلك الجنة، فقبضت روحهما، فاجتمعا عند رب العالمين، فقال لهذا المجتهد: أكنت بي عالماً؟ أو كنت على ما في يدي قادراً؟ وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار). بعض الناس الذين يصيبهم غرور في العبادة، يظن أنه الوحيد الذي يغفر له، وأن هؤلاء المساكين إلى النار مباشرة، فيتحكم في رحمة الله، وينازع الله في ألوهيته ويقول: هذا للجنة وهذا للنار، فهذا قد يدخل النار كما ثبت في هذا الحديث، وليعلم كل داعية إلى الله أن هذا الانكسار الذي يحدث عند توبته، والذل والخضوع يخلص المذنب من الكبر والعجب الذي يكون مترسخاً في نفوس البعض من العابدين، وأنين المذنبين أحب إلى الله من زجل المسبحين المتفاخرين، ولعل الله قد أسقاه بهذا الذنب دواء استخرج به داءً قاتلاً هو فيك وأنت لا تشعر. ولذلك قد يكون تعيير المسلم لأخيه بذنب فعله أعظم إثماً من المذنب نفسه، لما فيه من إظهار الطاعة، وتزكية النفس وتبرءتها من الذنوب، ولذلك يقول ﵊ في الحديث الصحيح: (إذا زنت أمة أحدكم فليقم عليها الحد، ولا يثرب)، أي: لا يعيبها، فلا يظل بين فترة وأخرى يذكرها الذنب، يقول: أنت فعلت كذا وكذا، أنت فعلت الذنب!! فهذا التعيير غير جائز لهذا المذنب الذي أقيم عليه الحد، أو الذي تاب من ذنبه، وقد ورد عن بعض السلف: أن من عير أخاه بذنب قد تاب منه لم يمت حتى يعمله. فيبتليه الله بأن يعمل نفس الذنب الذي عير أخاه به، وتعيير المسلم فيه نوع من الشماتة به، ولذلك ورد في القول المأثور: "لا تظهر الشماتة بأخيك فيرحمه الله ويبتليك". ولابد أن يشعر كل واحد من الدعاة إلى الله بأن الله يمكن أن يضله في أي لحظة: ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٧٤] وقال يوسف: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف:٣٣] وكان عامة يمينه ﷺ : (لا ومقلب القلوب) وكان يكثر أن يقول: (يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك).

стр. 2151

إزالة العوائق النفسية لدى بعض التائبين والاستيصاء بالتائبين خيراً: يكون من ضمنه إزالة العوائق النفسية التي تكون عند بعض التائبين، وتقديم الحلول العملية لهم، وشرح شروط التوبة لهؤلاء، فإن كثيراً من الناس يريدون التوبة ولا يعرفون شروطها، فلابد أن تشرح لهؤلاء، تقول لهم: لابد من الإقلاع عن الذنب فوراً، والندم على ما فات، والعزم على عدم العودة إليه، وإرجاع حقوق العباد الذين ظلمتهم، أو طلب البراءة منهم ومسامحتهم، وأن يكون ترك الذنب لله لا لشيء آخر، فتقول لهذا الشخص: انتبه! ينبغي أن تكون توبتك صادقة. فمثلاً لا تقبل توبة من ترك ذنباً لحفظ صحته، كمن ترك الزنا أو الفاحشة؛ لما فيها من الأمراض الفتاكة، أو ترك السرقة خوفاً من الشرطي، أو ترك أخذ الرشوة لأنه خشي أن يكون معطيها من هيئة مكافحة الرشوة مثلاً، أو شخص ترك الكذب لأن لسانه أصيب بالشلل، أو سارق ترك السرقة؛ لأنه فقد أطرافه في حادث، هؤلاء ينبغي أن تكون توبتهم لله لا لأشياء أخرى، أو واحد ترك المخدرات؛ لأنه خاف على وظيفته؛ أو خشي أن يطرد من عمله. إن التوبة ينبغي أن تكون لله لا لشيء آخر، وأن يستقبح العبد الذنب ويشعر بالضرر. وينبغي أن نبين أضرار الذنوب: كحرمان العلم، ووحشة القلب، وتعسير الأمور، ووهن البدن، وحرمان الطاعة، ومحق البركة، وقلة التوفيق، وضيق الصدر، وتوالد السيئات، واعتياد الذنوب، وهوان المذنب على الله، وعلى الناس، ولعنة البهائم له، ولباس الذل، والطبع على قلبه، والدخول تحت لعنة الله ورسوله، ومنع إجابة الدعاء، والفساد في البر والبحر، وانعدام الغيرة، وذهاب الحياء، وزوال النعم ونزول النقم، والرعب في قلب العاصي، والوقوع في أسر الشيطان، وسوء الخاتمة، وعذاب الآخرة. لابد أن نبين لهم عاقبة وأضرار الذنوب، كذلك لابد أن نقول لهم: انتبهوا! إنكم قد تتركون معاصي وتصرون على معاصٍ أخرى، قد تنتقل من معصية إلى معصية لأن طبعك متعلق فيها، أو لأن أسبابها حاضرة، أو لأن الشهوة فيها أقوى، أو أن القرناء لا يخالطونك إلا بها. وكذلك فإنه لابد أن نذكر أنفسنا جميعاً أن التائب لا ينبغي أن يشعر أن الله غفر له وانتهينا، وأنه الآن صارت صفحته بيضاء تماماً، بل ينبغي ألا يزال يشعر ويخاف من تلك الذنوب، ويشعر أنها جبل يريد أن يقع عليه، هو يرجو رحمة الله ولا ييئس، لكن لا يقول: أنا متأكد أن الله غفر ذنوبي، وإني داخل الجنة. وكذلك لابد أن نرشده إلى ما أرشده ذلك الرجل الصالح لقاتل المائة حيث قال: اذهب إلى بلدة كذا وكذا فإن فيها أناساً صالحين يعبدون الله فاعبد الله معهم، لابد أن ترشد التائب، تقول: أول شيء أصحاب السوء لابد أن تتركهم، كيف تخالط فلاناً وفلاناً وتعاشرهم وتريد الاستمرار على التوبة!!. ثانياً: وسائل المعصية لابد من إتلافها فوراً، لو كان عندك صور سيئة في البيت، أو مجلات سيئة وأفلام محرمة، وأشياء محرمة تتعاطى، وأدوات لهو، ومزامير ومعازف، وأشرطة فساد لابد أن تتخلص منها فوراً، هذا شيء لابد أن يرسخ في نفوس التائبين.

стр. 2152

سبب الاستيصاء بالتائبين خيراً استوصوا بهم خيراً؛ لأن كثيراً من التائبين قد يعودون إلى الذنوب مرة أخرى؛ لأن وسائل الذنوب مازالت موجودة على مقربة منهم، ولذلك يسهل عليهم العودة، فلابد أن تعلمه أن يترك كل تلك الأشياء، وأن يتلفها، وأن يخلع على عتبة التوبة كل ملابس الجاهلية وأوضارها، وأن تشرح له أن يعمد إلى هذا البدن الذي رباه بالسحت والحرام فيصرف طاقته في طاعة الله حتى يبارك الله فيه.

стр. 2153

أهمية إيجاد الحلول العملية للتائبين ومن الأمور المهمة أيها الإخوة: أن نوجد الحلول العملية لهؤلاء التائبين، فبعض التائبين يعاني من مشكلات، وعلاقات في الماضي، ومشاكل ترتبت على حياته الماضية، لابد أن نمد لهؤلاء يد العون، وأن نقول لهم: إننا على استعداد لمساعدتهم، والأخذ بأيديهم، والوقوف بجانبهم، إنهم ليسوا لوحدهم، فإننا أيضاً نشد من أزرهم ونعينهم على ما هم فيه من الطاعة والإقبال على الله . وكثير من المشاكل النفسية كشعور التائب أن الله لا يمكن أن يغفر له، وأن ذنوبه أعظم من مغفرة الله، أو يقول: هل لابد أن أذهب وأعترف بالذنوب التي ارتكبتها، وهل لابد أن أذهب إلى المحكمة وأقر بالزنا الذي فعلته؟ هل إذا أذنبت ذنباً ثم تبت ثم أذنبت كأني لم أتب، أم أن التوبة الأولى صحيحة إذا استوفت شروطها؟ لابد أن نقوم بالإجابة على جميع علامات الاستفهام الموجودة، أن نعلمهم صلاة التوبة، وإذا أذنب ذنباً كيف يتوب، ما هي صلاة التوبة وصفاتها، وماذا يقول فيها؟ بعض أصدقائه القدامى قد يهددونه، واحد يقول: كانوا يدسون له الصور من تحت الباب، أخذوا له صوراً في الماضي، فلما تاب صاروا يهددونه، ويضعون له الصور تحت الباب، ويرسلونها له في رسائل، ليقولوا له: نستطيع أن نفضحك، وعندنا إثباتات عليك. أو واحدة مثلاً: خبيث يسجل لها مكالمات كانت تكلمه في الماضي، ثم يهددها بفضحها، هنا لابد أن تقوم الواعيات من المسلمات بالوقوف بجانب هذه التائبة، ولابد أن يقوم الواعون من المسلمين بالوقوف بجانب هذا التائب، هذه لحظات حرجة وحساسة.

стр. 2154

إرشاد التائب إلى أهل العلم ليرشدوه إلى ما يفعله بما تحت يده من الحرام أو مثلاً بعض الناس ليس عنده إجابات واضحة، يقول مثلاً: أنا تركت صلوات هل علي قضاؤها أم لا؟ وتركت صياماً هل علي قضاؤه أم لا؟ أنا تركت زكاة لم أخرجها في الماضي، قد يقول: قتلت وسرقت فكيف أفعل وأنا محرج في إرجاع الأشياء المسروقة إلى أصحابها، فكيف أرجعها؟ قد يقول: أنا لا أعرف كم سرقت بالضبط، قد يقول: الناس الذي سرقت منهم ذهبوا ولا أعرف عناوينهم، فماذا أفعل؟ قد يقول: سرقت شيئاً هل يجب أن أعيده بذاته أو أعيد قيمته؟ قد يقول: أخذت رشوة، قد يقول: أنا عملت أعمالاً محرمة، يمكن أن مغنياً تاب إلى الله وعنده أموال من الغناء، زانية تتوب إلى الله عندها أموال من الزنا، مروج للمخدرات عنده أموال من ترويج المخدرات، هذه الأموال ما حكمها، وماذا يفعلون بها؟ المرابون الذين يتعاملون بالربا، كيف يفعلون بأموالهم؟ كيف يتوبون؟ واحد فعل فاحشة بامرأة قد يكون مغتصباً وقد يكون برضاها، ما هو الفرق بين الحالتين؟ مثلاً واحد عقد على زانية، هل العقد صحيح وماذا يترتب على ذلك؟ رجل كان ينشر الأفكار الإلحادية كيف تكون توبته الآن؟ هناك مسائل علمية تحتاج إلى إجابات، وأمور تحتاج إلى تبيين، فينبغي أن نرشد هؤلاء إلى أهل العلم ليبينوا لهم. وذكر أحاديث الترغيب والرجاء المناسبة مهم، لأن بعض الناس يمكن أن يذكر أحاديث غير مناسبة، يذهب إلى أناس من اللاهين واللاعبين يقول: قال رسول الله ﷺ : (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة) وهؤلاء لاهون لاعبون عابثون، لا يريدون التوبة، يقول لهم هذه الأحاديث فتكون فتنة. ولذلك يقول أحد السلف: "ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة" ولذلك لابد من شرح معنى الحديث لهم، وإذا وجدت أنهم لا يفهمونه فيجب ألا تذكره أصلاً، مثلاً حديث العابد الذي قال لصاحبه المذنب: اقصر، والمذنب قال له: خلني وربي أبعثت علي رقيباً، لو وجدت بعض الناس لن يفهموا الحديث، أو أن بعض المذنبين سيقول لكل داعية أو آمر بالمعروف أو ناهٍ عن المنكر: خلني وربي أبعثت علي رقيباً، لو تحس أنه سيفهم من الحديث هذا المفهوم فلا يجوز لك أن تحدثه به، ليس كل الآيات والأحاديث تصلح أن يخاطب بها جميع الناس، ولذلك لابد من انتقاء الأشياء المناسبة لمثل هؤلاء. هذه بعض الواجبات التي أرى أنه لابد للدعاة إلى الله أن يقوموا بها تجاه التائبين. استوصوا بالتائبين خيراً، هؤلاء وفد الله قدموا إليكم، ومن حقوقهم عليكم إكرامهم وحسن وفادتهم، ونسأل الله أن يعيننا وإياكم على هذه الأمور.

стр. 2155

الأسئلة

стр. 2156

حكم من أخطأ في التعامل مع التائب مما أدى إلى انتكاسه السؤال قلت: إن الداعية إذا أخطأ في التعامل مع التائب مما أدى إلى انتكاسه، أن عليه بعض المسئولية عند الله، كيف يكون ذلك، وهذا الإنسان اجتهد وأخطأ، والله يقول: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦]؟ الجواب المقصود أن الشخص الذي لم يجتهد أصلاً، فهذا هو الذي يتحمل المسئولية، وأما من اجتهد وأخطأ وكان اجتهاده فعلاً نابعاً من قدراته وهذا هو الذي يستطيعه، فهذا ليس عليه شيء عند الله إن شاء الله.

стр. 2157

حكم الصلاة على المنتحر الذي علم صلاحه السؤال رجل كان يصلي ثم انتحر لأسباب غير معلومة، فهل يصلى عليه؟ الجواب إذا كان مسلماً مصلياً، ليس عنده نواقض الإسلام فيصلى عليه، لكن ينبغي لأهل العلم والفضل والقدوة أن يتركوا الصلاة عليه تأديباً لأمثاله الذين يفكرون في الانتحار، ولذلك الرسول ﷺ ترك الصلاة على بعض المسلمين لمَّا عملوا بعض الجرائم وماتوا عليها تأديباً لأمثالهم ممن هم واقعون في نفس الجريمة، لكن بقية المسلمين يصلون عليهم.

стр. 2158

حكم الصلاة على من عزم على التوبة وشهد بأنه مات عليها السؤال رجل في مدينة جدة كان يصلي فرضاً ويترك فروضاً، وكان يشرب المخدرات، وفي يوم من الأيام في الساعة الثالثة ليلاً صب على نفسه البنزين، وأشعل النار كي ينتحر، وتداركه إخوته، ونقل إلى المستشفى ثم قعد ثمانية عشر يوماً ثم توفي، هل يصلى عليه، علماً أنه أثناء فترة وجوده في المستشفى كان يقول: إنه سيتوب وكان يقول: لا إله إلا الله؟ الجواب إذا كان في فترة جلوسه في المستشفى قد تاب إلى الله، ويصلي، فإنه يصلى عليه كما قدمنا.

стр. 2159

حكم من تاب وهو يفكر بالملذات السابقة السؤال هل يأثم التائب الذي يفكر بين الحين والآخر بالملذات السابقة؟ الجواب أما من ناحية الإثم فإنه قد لا يأثم، لأن الله (تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل) لكن لو وصلت إلى مرحلة القول فيأثم صاحبها، فلو جلس مع أصحابه وقال: أنا أتمنى أن الزنا غير محرم حتى أرجع إليه، فهذا قول خطير جداً، ولو قال: كنت أفعل وأفعل متفاخراً، لا على سبيل الندم بل على سبيل التفاخر فهذا يأثم، أو قال مثلاً: والله لقد كانت الذنوب التي أقارفها في جاهليتي لذيذة، ويتحدث عنها بنوع من الانتشاء فهذا يأثم، فإذا وصلت المسألة إلى القول أو العمل فإنه يأثم، وإذا ظلت حبيسة النفس وهو يجاهد نفسه؛ لأنه أحياناً إذا تذكر إثماً معيناً ينتشي ويشعر باللذة على شيء مضى، فهنا ينبغي أن يجاهد نفسه مادامت الأمور حبيسة ونرجو أن الله لا يؤاخذه عليها.

стр. 2160

حكم من تاب من بعض ذنوبه السؤال أنا شاب أبلغ من العمر ثمانية وعشرين عاماً، لي ذنوب وكبائر تهز الجبال لا يعلمها إلا الله، وعند رؤية أول شعرة بيضاء في رأسي استيقظت من سبات عميق، وتبت إلى الله توبة نصوحاً صادقة، وتركت كل ذنوبي، وعاهدت الله أن أترك جميع الذنوب إلا شرب الدخان لم أستطع تركه، فما هو الحل؟ الجواب هذا الشخص إذا صدق في كلامه فإن التوبة تَجُبُّ ما قبلها، وهذه التوبة من الذنوب الماضية تمسح الماضي، إلا الذنب الذي بقي مصراً عليه، وهذه مسألة علمية ومهمة، يقول: لو أن واحداً تاب من ذنب وبقي مصراً على ذنب آخر ما هو الحكم؟ ذكر ابن القيم ﵀: أنه إذا كان الذنب الذي تاب منه يختلف عن الذنب الذي لا يزال مصراً عليه؛ فإن التوبة صحيحة، وإذا كان من نفس النوع فإن التوبة غير صحيحة. مثال: رجل تاب من شرب الخمر وهو مصر على عقوق الوالدين، فحكم توبته من شرب الخمر صحيحة، ويبقى عليه إثم عقوق الوالدين. واحد تاب من الزنا بامرأة ولا يزال مصراً على الزنا بامرأة أخرى، فلا تصح توبته. واحد تاب من ربا الفضل لكنه مصر على ربا النسيئة فلا تقبل توبته. شخص تاب من شرب الدخان لكنه لا يزال مصراً على شرب الشيشة، فهذه الذنوب من نفس النوع لا تقبل التوبة إذا ترك ذنباً ومازال مصراً على ذنب آخر من نفس النوع، لكن لو تاب من ذنب وهو مصر على ذنب آخر مختلف عنه؛ فإن التوبة من هذا الذنب صحيحة والذنب الآخر لازال عليه.

стр. 2161

حكم من تزوج بامرأة واكتشف أنها حبلى من الزنا السؤال تزوج رجل بامرأة فاكتشف أنها حامل فتركها حتى وضعت، ثم أخذ الطفل ووضعه عند المسجد، واحتفظ بزوجته فماذا يتوجب عليه؟ الجواب أولاً: إذا تزوج رجل بامرأة ثم اكتشف أنها حامل فإن العقد باطل، ولابد أن يتركها ويفارقها حتى تضع، فإذا تابت إلى الله وتأكد من توبتها جاز أن يعقد عليها، وإلا لم يجز العقد عليها: ﴿الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٣]. فالعقد على الزانية باطل، والعقد على امرأة في رحمها شيء من غيره باطل، ولا يجوز العقد عليها إلا بعد توبتها. أما بالنسبة للمولود فإن رعاية اللقيط فرض كفاية، لابد أن يقوم به بعض المسلمين، أو يرعى من بيت مال المسلمين فهذا أمر لابد منه، ولو تُرك اللقطاء ولم يقم بشأنهم أحد من المسلمين أثم كل المسلمين، حتى يقوم من المسلمين من يكفل اللقيط، وله في ذلك أجر عظيم. وهذه أسئلة عن أشياء مختلفة، مثل بعض الأشياء الواردة في المحاضرة: ترك الصلاة، والصيام، والزكاة، وتوبة المرتشي والذي عنده أموال من الربا إلى آخره. أقول: إن شاء الله، لعل الله ييسر لنا إخراج أشياء تتعلق بهذه الأحكام في رسالة صغيرة؛ لأنه سبق أن تكلمنا عن بعض هذه الأحكام في لقاء بعنوان: أريد أن أتوب ولكن! كانت موجهة إلى التائبين، وهذه محاضرة موجهة أكثرها إلى الدعاة الذين يدعون التائبين وما هو الموقف، فلعل الله ييسر لنا إخراج هذه الرسالة التي فيها إجابات على كثير من هذه الأسئلة، سواء ما كان من عوائق نفسية أو مسائل علمية تحتاج إلى بيان. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 2162

إصلاح القلوب في القلب مضغة تتبعها الجوارح صلاحاً وفساداً، ولذا اعتنى بصلاحها الفضلاء، والسلف الصلحاء، وفي هذه الخطبة ترشف من عبير السلف الصالح في ذلك، وتستقي نصائح تعينك على صلاح قلبك فاقرأ والزم.

стр. 2163

صلاح القلب بإخفاء العمل إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله: لما كان في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب، كان القلب موضع نظر الرب، قال ﵊: (إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم) ومن هنا كان لابد على العبد أن يشتغل بإصلاح قلبه، فإن ربه إنما ينظر إلى قلبه. وإذا تساءلت -يا أخي- عن السبب الذي تفشت به الخيانة بين الناس في الأموال والنكاح وغير ذلك من الأمور، وإذا تساءلت عن السبب في حصول السرقات والاختلاسات، وإذا تساءلت عن السبب في حصول الهجران والقطيعة بين الناس، وإذا تساءلت عن سائر أسباب أمراض المجتمع؛ فاعلم أن ذلك نتيجة لفساد القلب. الله أعلم بما في أنفسهم؛ فالقلوب قد تكون سليمة، وقد تكون مريضة مصابة بالوهن، وهذا سبب آخر لتسلط الأعداء علينا؛ لأن النبي ﷺ قال: (بل أنتم يومئذ كثير -كما في حديث القصعة- ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله المهابة من صدور أعدائكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن. قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت) فمن فساد القلوب أن يقذف فيها الوهن.

стр. 2164

الأعمال الظاهرة ثمرة الإيمان لما فسدت القلوب تسلط الأعداء، وقد عرفنا سابقاً أن الدين القائم بالقلب هو الأصل، وأن الأعمال الظاهرة هي الفروع، وأنه إذا لم تكن أعمال فإن ذلك دليل على خلو القلب من الإيمان، وأن الذين يقولون لك: إن المهم هو ما في القلب يطالبون بالإثباتات والدلائل على أن ما في قلوبهم سليم، وذلك بالأعمال ولا بد من الأعمال. والأعمال مهمة مع تصحيح ما في القلب؛ فكيف نصحح ما في القلب؟ كيف يجعل الإنسان المسلم قلبه سليماً؟ كيف يكون القلب عامراً بمحبة الله تعالى؟ ألم تر أن المصليين تلتصق مناكبهما ببعض وأقدامهما ببعض وبينهما كما بين السماء والأرض في درجة الصلاة؟ وذلك أن أحدهما مقبل بقلبه على ربه في الصلاة، والآخر قلبه يسرح في أودية الدنيا، فهذا له نصف وذاك أكثر وهذا أقل وآخر قد ردت صلاته. عباد الله: إن الاهتمام بإصلاح قلوبنا أمر في غاية الأهمية، فإصلاح القلوب يترتب عليه صحة الأعمال، وصحة السيرة، وصحة التصرفات والسلوكيات، وكثير من التناقضات إنما تحدث من مخالفة الباطن للظاهر والظاهر للباطن، قال سفيان بن عيينة ﵀: إذا وافقت السريرة العلانية فذلك العدل، وإذا كانت السريرة أفضل من العلانية فذلك الفضل، وإذا كانت العلانية أفضل من السريرة فذلك الجور والظلم. عباد الله: قال بعض السلف: من صفا -أي: صفا قلبه من الشوائب- صُفِّي له، ومن كَدَّر كُدِّر عليه، ومن أحسن في نهاره كوفئ في ليله، ومن أحسن في ليله كوفئ في نهاره، ومن صدق في ترك الشهوة ذهب الله بها من قلبه، ولله أكرم من أن يعذب قلباً بشهوة تركت له. وصاحب القلب السليم، والبصيرة الصحيحة يكون طيباً بحيث يشم أهل الخير منه رائحة روحه على بدنه وثيابه وإن لم يضع طيباً، والفاجر يشم صاحبُ البصيرة السليمة رائحة فجوره على بدنه وثيابه وإن وضع أطيب أطياب الأرض، والمزكوم لا يشم لا هذا ولا هذا، بل إن زكامه يحمله على الإنكار، فقد يقشعر وينفر من بعض أهل الخير، فلا يحسن التمييز بين صاحب القلب الطيب وصاحب القلب الخبيث. ولما كان سلفنا ﵏ أحرص ما يكونون على الخير كان اعتناؤهم بقلوبهم أشد ما يكون، ومن اعتنائهم بقلوبهم إخفاؤهم لأعمالهم، لما وصف عمر ﵁ أبا بكر الصديق قال: [اللهم علمي به أن سريرته خير من علانيته، وأنه ليس فينا مثله] سريرته خير من علانيته، وهذه المنزلة العالية.

стр. 2165

مواقف تبين إخفاء ابن المبارك لعمله ولما وصف أحمد بن حنبل ﵀ عبد الله بن المبارك قال: ما رفعه الله إلا بخبيئة كانت له. كان يخفي أعماله الصالحة؛ فرفع الله قدره، وكانوا في جميع الميادين من الحريصين على إخفاء الأعمال. قال عبدة بن سليمان المروزي: كنا في سرية مع عبد الله بن المبارك لبلاد الروم فصادفنا العدو، فلما التقى الصفان خرج رجل من العدو ودعا إلى المبارزة، فخرج إليه رجل من المسلمين قد تلثم فلا يعرف، فطارده ساعة فطعنه فقتله، ثم خرج من الكفار رجل آخر ودعا إلى المبارزة فخرج له نفس الرجل من المسلمين فطارده ساعة فطعنه فقتله، فازدحم عليه المسلمون يريدون معرفة شخصيته، وكنت فيمن ازدحم عليه، فإذا هو ملثم وجهه بكمه، فأخذت بطرف كمه فمددته؛ فإذا هو عبد الله بن المبارك، فقال ابن المبارك لهذا الذي كشف وجهه: وأنت يا أبا عمر ممن يشنع علينا؟! قالها تواضعاً لله تعالى. وقال عبد الله بن سنان: كنت مع ابن المبارك ومعتمر بن سليمان بـ طرسوس فصاح الناس: النفير، فخرج ابن المبارك والناس، فلما اصطف الجمعان خرج رومي فطلب المبارزة، فخرج إليه رجل فشد العلج عليه فقتله -قتل المسلم- حتى قتل ستة من المسلمين، وجعل يتبختر بين الصفين يطلب المبارزة، ولا يخرج إليه أحد، فالتفت إلي ابن المبارك فقال: يا فلان! إن قتلت فافعل كذا وكذا، وذكر له وصيته، ثم حرك دابته وبرز للعلج فعالج معه ساعة فقتل العلج وطلب المبارزة، فبرز له علج آخر فقتله حتى قتل ستة علوج، ستة بستة، وطلب البراز فكأنهم كاعوا عنه -جبنوا وخافوا- فضرب دابته وطرد بين الصفين وغاب عن الأنظار فلم نشعر بشيء، وإذا أنا به في الموضع الذي كان بجانبي فقال لي: يا عبد الله! لئن حدثت بهذا أحداً وأنا حي فذكر كلمة، أنه توعده بشيء عظيم لو نشر هذه القصة وعبد الله بن المبارك حي، فرفع الله ذكره، وهذه سيرته منشورة وقصصه سائرة رحمه الله تعالى بسبب صدقه وإخلاصه وإخفائه للعمل.

стр. 2166

من أخفى عمله أظهره الله ورفع قدره المرائي يرائي، والمسمع يسمع الناس، ويحدث بعمله ليظهر ويعلو شأنه، والله يجعل نوره منطفئاً وأمره زائلاً، وإذا أخفى العبد العمل نشر الله ذكره، ورفع شأنه، وأظهر أمره، وحبب الناس فيه، عن أبي حمزة الثمالي أن علي بن الحسين كان يحمل الخبز بالليل على ظهره يتبع به المساكين في الظلمة، ويقول: إن الصدقة في الليل تطفئ غضب الرب. كان ناس في المدينة يعيشون لا يدرون من أين كان معاشهم، يأتون إلى بيوتهم فيجدون عندها الطعام، يخرج أحدهم من الباب يجد عنده صدقة لا يدرون من وضعها، فلما مات علي بن الحسين ﵀ فقدوا ذلك، ولم يعودوا يجدون الطعام الذي كانوا يجدونه عند أبواب بيوتهم؛ فعلموا من الذي كان يأتيهم بالليل. وعن عمر بن ثابت قال: لما مات علي بن الحسين وجدوا بظهره أثراً مما كان ينقل الجرب بالليل إلى منازل الأرامل، فمن ثقلها على ظهره أثرت فيه، فصارت أثراً مستمراً، وجدوه في بدنه عند تغسيله رحمه الله تعالى. وأما الصلاة والدعاء فحدث عنهم ولا حرج في أخبارهم رحمهم الله تعالى، قال سلام بن أبي مطيع: كان أيوب يقوم الليل يخفي ذلك، فإذا كان قبيل الصبح رفع صوته كأنه قام في تلك الساعة. لم يكن يشعرهم أنه كان قد قام قبلها بوقت طويل. وكان منصور بن المعتمر إذا صلى الغداة -أي: الصبح- أظهر النشاط لأصحابه فيحدثهم ويكثر إليهم، ولعله إنما بات قائماً على أطرافه؛ ليخفي عنهم العمل. وكان مسروق ﵀ يرخي الستر بينه وبين أهله ثم يقبل على صلاته ويخليهم ودنياهم. وكان حسان بن أبي سنان يفتح باب الحانوت فيضع الدواة ويفرش الحساب ويرخي ستره داخل الدكان ثم يصلي، فإذا أحس بإنسان قد جاء -زبون قادم- جاء يقبل على الحساب يريه أنه كان يحسب ميزانية المحل وما دخل وما خرج رحمه الله تعالى. وعن الأعمش قال: رأيت إبراهيم النخعي وهو يقرأ في المصحف، فاستأذن عليه رجل فغطى المصحف وقال: لا يرى هذا أنني أقرأ فيه كل ساعة. كان عمل الربيع كله سراً، إن كان ليجيء الرجل وقد نشر المصحف ليقرأه فيغطيه بثوبه، وكان بعض السلف إذا حضرته الرقة في المجلس وأثر فيه الوعظ وأوشك على البكاء لف المنديل على أنفه وامتخط وقال: ما أشد الزكام! قال محمد بن واسع ﵀: لقد أدركت رجالاً كان الرجل يكون رأسه مع رأس امرأته على وسادة واحدة قد بلَّ ما تحت خده من الدموع وزوجته لا تشعر به! ولقد أدركت رجالاً يقوم أحدهم في الصف فتسيل دموعه على خده ولا يشعر به الذي بجانبه! وكان محمد بن سيرين ﵀ يسمع بكاؤه بالليل وضحكه بالنهار، وكانت البيوت متجاورة متلاصقة، قال الإمام البصري ﵀: كان الرجل يتعبد عشرين سنة لا يشعر به جاره، وأحدهم الآن يصلي ليلة أو بعض ليلة فيصبح وقد استطال على جاره وهذا الفرق، بعض الناس يقولون: تصدقنا وأنفقنا واعتمرنا وحججنا، وفعلنا وفعلنا لمرة واحدة، والصالحون يفعلونه سنين ولا يحدثون به، بل لا يدرى عنهم، ولكن الله يكشفه ويرفع قدر صاحبه؛ ولذلك بلغ السلف والصالحون ما بلغوا، وإن كانت أعمالهم مستورة لكن الله يحببهم إلى العباد، ويغرس في قلوب العباد محبتهم هذه من نتيجة طاعة الله تعالى. أقام عمر بن قيس ﵀ عشرين سنة يصوم ويكثر الصيام لا يعلم به أهله، يأخذ إفطاره في الصباح وهو ذاهب إلى دكانه، يغدو إلى الحانوت فيتصدق بغدائه على المساكين، ويصوم وأهله لا يدرون، ويرجع إليهم قبيل المغرب حيث كان ينتهي وقت العمل في ذلك المجتمع، ثم يأكل بعد ذلك كأنه يتغدى غداءه العادي! أفعال الخير كانت عندهم -رحمهم الله تعالى- حتى مع العجائز، هذا طلحة ﵁ رأى عمر في سواد الليل يدخل بيتاً ويخرج منه، فلما أصبح طلحة ذهب إلى ذلك البيت لينظر إلى أين دخل عمر بالليل وماذا كان يفعل، فإذا بعجوز عمياء مقعدة فقال لها: ما بال هذا الرجل الذي يأتيك بالليل؟ قالت: إنه يتعاهدني منذ كذا وكذا، يأتيني بما يصلحني، ويخرج عني الأذى. قال طلحة: ثكلتك أمك يا طلحة! أعثرات عمر تتبع؟! هكذا كانوا رحمهم الله تعالى، هكذا كانوا في إخفائهم لأعمالهم، فإذا أردت يا عبد الله أن يصلح قلبك فاعمل وأخف العمل، فإن في ذلك إصلاحاً عظيماً للقلب. نسأل الله أن يصلح قلوبنا، وأن يصلح أعمالنا، وأن يصلح سرائرنا وأن يصلح ظواهرنا، وأن يتوب علينا ويغفر لنا تقصيرنا وإسرافنا في أمرنا. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 2167

أمور تعين على صلاح القلب الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، أشهد أن لا إله إلا هو ولي الصالحين، وناصر المستضعفين، والمنتقم من الظالمين، وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى آله وذريته الطيبين الطاهرين، صلى الله عليه، إمام المتقين وقائد الغر المحجلين، الشافع المشفع، وصاحب لواء الحمد والمقام المحمود، صلى الله عليه صلاة دائمة ما تتابع الليل والنهار، وعمل الأبرار والفجار، صلى الله عليه صلاة دائمة إلى يوم الدين.

стр. 2168

الخلوة عباد الله: إن من الأمور التي تعين على إصلاح القلب وإخفاء العمل الخلوة المشروعة، فلا بد للعبد أن يكون له مجالس يخلو فيها بذكر ربه، وتعداد ذنوبه، ومحاسبة نفسه، وإصلاح قلبه، وطلب المغفرة من ربه. قال شيخ الإسلام ﵀: لا بد للعبد من أوقات ينفرد بها بنفسه في دعائه وذكره وصلاته وتفكره ومحاسبته، قال طاوس ﵀: نعم صومعة الرجل بيته، يكف فيها بصره ولسانه. إذا أراد الإنسان تحقيق علم أو عمل فتخلى في بعض الأماكن مع محافظته على الجمعة والجماعة؛ فهذا حق كما ذكر شيخ الإسلام ﵀، ومن أجل ذلك شرع الاعتكاف؛ لقطع النفس عن العلائق والانشغالات الدنيوية حتى يصفو القلب ويتهذب، لكن ليست خلوة صوفية في كهف من الكهوف أو برية من البراري ينقطع الإنسان بها عن المجتمع وعن المسجد، وعن الجمعة والجماعة، وعن تعليم الناس وإنكار المنكر كلا، بل هي خلوة وقتية يخلو في بيته، أو يخلو في بيت الله معتكفاً يحاسب نفسه، لا بد من خلوة (ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه) فهو من السبعة الذين يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله. وجرب -يا عبد الله- مسألة الخلوة هذه، في مكتب أغلق عليك، أو في حجرة في بيتك، اعبد ربك واذكر ذنبك، وحاسب نفسك، واستغفر الله تعالى؛ تجد لها أثراً ولابد. الخلوة مسألة مهمة في إصلاح القلب، ومن فقد أنسه فقد الخشوع والأنس بالله، فقد مظاهر الإيمان، من فقد أنسه بين الناس ووجده في الوحدة فهو صادق ضعيف، ومن وجده بين الناس وفقده في الخلوة فهو معلول مريض، الذي لا يجد الخشوع إلا بين الناس، فإذا خلا بنفسه لا يجد خشوعاً؛ فهذا مريض، ومن فقده بين الناس وفي الخلوة فهو ميت مطرود، ومن وجد في الخلوة وبين الناس حلاوة الإيمان والخشوع والخوف من الله فهو المحب الصادق القوي، وليتنا هكذا! ومن كان هذا حاله في الخلوة لم يكن مزيده إلا منها، ومن كان لا يستشعر الإيمان إلا إذا جلس مع الناس لم يكن مزيده إلا معهم، ومن كان يجد تلك الحلاوة في أي مكان كان فهذا عبد الله حقاً حقاً.

стр. 2169

مراقبة الله ومما يعين على إصلاح القلب مراقبة الله: ﴿يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ [النحل:١٩] ﴿وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الحديد:٦] سئل بعض السلف: بم يستعان على غض البصر؟ وما أحوجنا إليه في هذا الزمان، ما أكثر النساء المتبرجات! ما أكثر العيون المكحلة! ما أكثر هذا النقاب الفاضح، والشفاف من اللباس والقصير والضيق والصور المتحركة الحقيقية في الشوارع والمطبوعة على الأغلفة! ما أكثرها!! سئل بعض السلف: بم يستعان على غض البصر؟ قال: بعلمك أن نظر الله إليك أسبق من نظرك إلى المنظور. فإذا علمت أن نظر الله إليك أسرع وأسبق من نظرك إلى المرأة ربما استحييت وأطرقت وغضضت من بصرك. وإذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى الطغيان فاستحي من نظر الله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني

стр. 2170

الحياء من الله عباد الله: إن الاستحياء من الله دافع لترك المعصية، إنه يصلح القلب. ومن أسباب صلاح القلب: أن يتذكر العبد المساءلة بين يدي الله . هذه الوظائف وهذه الشهادات وهذه الجامعات، وهذه القصور والبيوت، وهذا النعيم إنما هو زائل وسوف نغادر، والنبي ﵊ شبهه برجل استظل في ظل شجرة ثم راح وتركها، فهو ظل زائل، وفي الجنة ظل ممدود لا يزول ولا ينحسر. عباد الله: إن قضية الاشتغال بإصلاح القلب هو من نهج السلف رحمهم الله تعالى، ولكن فات ذلك على كثير منا؛ فينبغي أن نبادر ونسرع بإصلاح ذلك. اللهم يا من أظهر الجميل وستر القبيح، يا من لا يؤاخذ بالجريرة ولا يهتك الستر، نسألك اللهم أن تمن علينا بسترك الجميل، وفضلك الجزيل، اللهم اجعل سريرتنا خيراً من علانيتنا، واجعل علانيتنا حسنة، اللهم استرنا فوق الأرض واسترنا تحت الأرض واسترنا يوم العرض ولا تفضحنا بين الخلق. اللهم إنا نسألك الإيمان والعفو عما سلف وكان، يا رحيم يا رحمن! اللهم انصر المسلمين، واخذل أعداء الدين، وانشر السنة في العالمين، وارفع لواء الجهاد في الأرض إنك أنت الذي تنصر المستضعفين يا رب العالمين! اللهم آمنا في أوطاننا وبيوتنا، اللهم أصلحنا وأصلح شأننا وتب علينا، اللهم آمنا في الأوطان والدور وأصلح الأئمة وولاة الأمور، واغفر لنا يا عزيز يا غفور!

стр. 2171

اعتناء الإسلام بنفسية المسلم وشعوره مشاعر الإنسان من أغلى ما يملك. وكذا نفسه التي بين جنبيه. وقد رأينا اهتمام علماء النفس بهذا الموضوع أيما اهتمام، لكن أنى لهم بمثل ما جاء به الإسلام: من مراعاة المشاعر والأحاسيس التي اعتبرها جزءاً من الإنسان، وسلَّط الضوء عليها بصورة مباشرة وغير مباشرة. نصوص شرعية كثيرة لم يكن القصد من قولها ولا من تشريع الأحكام التي تضمنتها إلا مراعاة مشاعر الإنسان بل والحيوان، والعمل على تهدئة نفسيته والمطالبة بحفظها حتى لا يتعرض لها أو تجرح بشيء. جمع من النصوص والمواقف تبرز هذه الحقيقة ناصعة نجدها في ثنايا هذه الكلمات.

стр. 2172

تعامل الإسلام مع النفسيات الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. إخواني: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أحييكم في هذه الليلة في هذا المكان المبارك في بيت من بيوت الله ، وأسأل الله أن يجعل ليلتنا هذه ذات فائدة وما يقدم فيها له أثر في حياتنا ومعاملاتنا. والمسلم الحقيقي هو الذي يسير على نور من ربه، ويسلك صراط الله المستقيم، ويسير على طريق أهل السنة والجماعة، الطريق الذي سار فيه الأنبياء والعلماء والشهداء، الطريق الذي بيَّن الله أنواره ومعالمه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ . والذي نلاحظه على الكثيرين أنهم قد يهتمون بأبواب أو بأجزاء من هذا الطريق، فقد يهتمون بالعقيدة فقط، أو يركزون على الطريقة الصحيحة في التفقه، والأخذ بالدليل، والبحث عن الحديث الصحيح، وقد يركزون على أعمال القلوب فقط وأمور الرقائق، وقد يركِّزون على الجانب الخلقي السلوكي، والصحيح والحظ العظيم هو التركيز عليها كلها مجتمعة، حتى يجعل طريقه هذا طريقاً متكاملاً. وموضوع التعامل من الموضوعات المهمة، وأهل السنة والجماعة لهم أصول في قضايا التعامل والقضايا السلوكية ولم يتركوها هملاً، وإنما وضعوا لها ضوابط مستمدة من القرآن والسنة. ونحن نجد الآن بين المسلمين تنافراً في شخصياتهم، وخلافات كثيرة بينهم، وطريقة معاملة بعضهم لبعض ليست صحيحة، وباختصار قد تقطعت أواصر الأخوة الإيمانية فيما بينهم. وهذا التقطع نشأ من عدم الاهتمام بمراعاة الجانب السلوكي الخلقي، وعدم الاهتمام بمشاعر الأخ المسلم، وعدم الاهتمام من الأخ المسلم بنفسية أخاه المسلم، كيف يعامله؟ كيف يتجنب الأشياء التي تؤذيه؟ كيف يبتعد عن جرح شعوره بالتصرفات القاسية المؤذية؟ والحقيقة -أيها الإخوة- أننا كثيراً ما نتلفظ بكلمات، ونأتي بأفعال لها مردود سلبي وسيئ على علاقتنا الأخوية مع إخواننا الآخرين، ينبغي أن ننقي هذه التعاملات، وأن نعرف كيف نتكلم، وكيف نخرج الأخ المسلم من موقف حرج يتعرض له، وكيف نتجنب إحراجه. واليوم لا يوجد اهتمام بقضية عدم إحراج المسلم لأخيه المسلم، إلا من رحم الله يهتم بهذا الأمر. هناك أناس من المسلمين يتميزون بالغلظة والجفاء واللامبالاة، لا يسألون عن أوضاع إخوانهم المسلمين، ينتقدونهم بأمور وطرق تجرح مشاعرهم، لا ينتقون الألفاظ المناسبة، فنريد أن نبيَّن في هذا الدرس أن هذا الأمر من صميم الإسلام، ونريد أن نبين من سيرة الرسول ﷺ ومن القرآن قبل ذلك أن هذه المسألة قد رُكِّز عليها تركيز عظيم، وأنها لم تهمل، وأنه يجب على الفرد المسلم أن يتمعن فيها وينظر كيف يعامل إخوانه.

стр. 2173

معالجة القرآن لمشاعر المسلمين عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما نزلت: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:١ - ٢] إلى قوله : ﴿فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الفتح:٥]-وقد نزلت هذه الآيات عندما رجع النبي ﷺ وأصحابه من الحديبية - وقد كان الصحابة يخالطهم الحزن والكآبة، لأنهم رجعوا من غزوة الحديبية ولاهم بالذين حاربوا الكفار، وقاتلوهم، وانتصروا عليهم، ولا هم بالذين دخلوا مكة واعتمروا وحققوا الشيء الذي خرجوا من أجله، بل قد وضعت لهم شروط واتفاقيات مع كفار قريش، رجعوا بسببها إلى المدينة من غير أن ينالوا شيئاً، وكان في بعض هذه الشروط، ما يظنه الرجل الذي ينظر إلى ظاهر الأمر وينظر نظرة سطحية بدون تمعن، أن فيها ظلماً للمسلمين، فرجعوا وهم في غاية من الحزن والكآبة. وفي هذه الأثناء تنزل الآيات، ويصف القرآن هذا الصلح بأنه فتح مبين ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:١ - ٢] فقال رسول الله ﷺ : (لقد أنزلت عليّ آية هي أحب إليّ من الدنيا جميعاً). لماذا كانت هذه الآية لها أثر عظيم؟ لأنها أزالت الكآبة والحزن من نفوس الصحابة. إذاً: كان القرآن ينزل لأهداف منها: معالجة الحزن والكآبة في نفوس الصحابة، يقول الله بعد غزوة أحد -تعليقاً عليها في الآيات-: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ﴾ [آل عمران:١٥٣]، ففي غزوة أحد قتل من الصحابة خلق عظيم، وعلى رأسهم حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ ، ومن أكبر حملة ألوية الدعوة إلى الله، وكان رجلاً صنديداً فقُتل، والرسول ﷺ جرح جراحاً شديدة، وأشيع أنه قتل، وصلت هزيمة بالمسلمين. يقول الله : ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ﴾ [آل عمران:١٥٣]، ما معنى ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ﴾؟ ذكر بعض أهل التفسير من أوجه ما قيل في هذه الآية قول عبد الرحمن بن عوف: الغم الأول بسبب الهزيمة. والغم الثاني: حين قيل: قتل محمد ﷺ ، قال ابن قمئة: قتلت محمداً، وصدقه الكفار وبعض المسلمين. لما شعر المسلمون أن رسول الله ﷺ قد قتل، نسوا في غمرة الغم العظيم الهزيمة، وصاروا الآن في الغم الجديد، وهو قتل الرسول ﷺ ، فانظر كيف عالج الله أثر الهزيمة في النفوس، بأن أعطاهم غماً آخر غير حقيقي وهو مقتل الرسول ﷺ ، فانشغلت النفوس به عن الهزيمة، ثم تبين أنه غير مقتول، وكانت قد نسيت أشياء من الهزيمة، فانظر كيف عالج الله هذه النفسيات، وكيف شفى الله نفوس المسلمين من أمور كثيرة.

стр. 2174

نماذج من اهتمام الإسلام بالمشاعر والنفسيات الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. إخواني: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أحييكم في هذه الليلة في هذا المكان المبارك في بيت من بيوت الله ، وأسأل الله أن يجعل ليلتنا هذه ذات فائدة وما يقدم فيها له أثر في حياتنا ومعاملاتنا. والمسلم الحقيقي هو الذي يسير على نور من ربه، ويسلك صراط الله المستقيم، ويسير على طريق أهل السنة والجماعة، الطريق الذي سار فيه الأنبياء والعلماء والشهداء، الطريق الذي بيَّن الله أنواره ومعالمه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ . والذي نلاحظه على الكثيرين أنهم قد يهتمون بأبواب أو بأجزاء من هذا الطريق، فقد يهتمون بالعقيدة فقط، أو يركزون على الطريقة الصحيحة في التفقه، والأخذ بالدليل، والبحث عن الحديث الصحيح، وقد يركزون على أعمال القلوب فقط وأمور الرقائق، وقد يركِّزون على الجانب الخلقي السلوكي، والصحيح والحظ العظيم هو التركيز عليها كلها مجتمعة، حتى يجعل طريقه هذا طريقاً متكاملاً. وموضوع التعامل من الموضوعات المهمة، وأهل السنة والجماعة لهم أصول في قضايا التعامل والقضايا السلوكية ولم يتركوها هملاً، وإنما وضعوا لها ضوابط مستمدة من القرآن والسنة. ونحن نجد الآن بين المسلمين تنافراً في شخصياتهم، وخلافات كثيرة بينهم، وطريقة معاملة بعضهم لبعض ليست صحيحة، وباختصار قد تقطعت أواصر الأخوة الإيمانية فيما بينهم. وهذا التقطع نشأ من عدم الاهتمام بمراعاة الجانب السلوكي الخلقي، وعدم الاهتمام بمشاعر الأخ المسلم، وعدم الاهتمام من الأخ المسلم بنفسية أخاه المسلم، كيف يعامله؟ كيف يتجنب الأشياء التي تؤذيه؟ كيف يبتعد عن جرح شعوره بالتصرفات القاسية المؤذية؟ والحقيقة -أيها الإخوة- أننا كثيراً ما نتلفظ بكلمات، ونأتي بأفعال لها مردود سلبي وسيئ على علاقتنا الأخوية مع إخواننا الآخرين، ينبغي أن ننقي هذه التعاملات، وأن نعرف كيف نتكلم، وكيف نخرج الأخ المسلم من موقف حرج يتعرض له، وكيف نتجنب إحراجه. واليوم لا يوجد اهتمام بقضية عدم إحراج المسلم لأخيه المسلم، إلا من رحم الله يهتم بهذا الأمر. هناك أناس من المسلمين يتميزون بالغلظة والجفاء واللامبالاة، لا يسألون عن أوضاع إخوانهم المسلمين، ينتقدونهم بأمور وطرق تجرح مشاعرهم، لا ينتقون الألفاظ المناسبة، فنريد أن نبيَّن في هذا الدرس أن هذا الأمر من صميم الإسلام، ونريد أن نبين من سيرة الرسول ﷺ ومن القرآن قبل ذلك أن هذه المسألة قد رُكِّز عليها تركيز عظيم، وأنها لم تهمل، وأنه يجب على الفرد المسلم أن يتمعن فيها وينظر كيف يعامل إخوانه.

стр. 2175

النهي عن المكوث في بيوت النبي بعد الأكل طويلاً القرآن يريد من المؤمن أن يحس ويشعر بهذه الأمور، وكيف يتجنب جرح شعور إخوانه المسلمين ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب:٥٣]. فالصحابة كانوا يدخلون بيوت الرسول ﷺ يريدون أن يأكلوا، ثم يمكثون بعد الأكل وقتاً طويلاً، والرسول ﷺ يريد أن ينصرف إلى أهله، ويرتاح، وينام، ويخلد إلى نفسه قليلاً. وكان من الصحابة من يطيل في المجلس، وهذه الإطالة فيها أذى لصاحب البيت، فنزلت هذه الآية: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ [الأحزاب:٥٣]، اخرجوا بسرعة حتى يتهيأ لصاحب البيت أن يذهب إلى أهله، ويجلس، ويستريح: ﴿وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب:٥٣] أي: أذىً نفسياً، فالرسول ﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها، كان يستحي أن يقول: قد أطلتم فانصرفوا، ولكنه يريد منهم أن يشعروا بأنفسهم. بأن الوقت قد حان للانصراف.
следующие страницы →