Полный текст (7 040 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.
стр. 2171
اعتناء الإسلام بنفسية المسلم وشعوره
مشاعر الإنسان من أغلى ما يملك.
وكذا نفسه التي بين جنبيه.
وقد رأينا اهتمام علماء النفس بهذا الموضوع أيما اهتمام، لكن أنى لهم بمثل ما جاء به الإسلام: من مراعاة المشاعر والأحاسيس التي اعتبرها جزءاً من الإنسان، وسلَّط الضوء عليها بصورة مباشرة وغير مباشرة.
نصوص شرعية كثيرة لم يكن القصد من قولها ولا من تشريع الأحكام التي تضمنتها إلا مراعاة مشاعر الإنسان بل والحيوان، والعمل على تهدئة نفسيته والمطالبة بحفظها حتى لا يتعرض لها أو تجرح بشيء.
جمع من النصوص والمواقف تبرز هذه الحقيقة ناصعة نجدها في ثنايا هذه الكلمات.
стр. 2172
تعامل الإسلام مع النفسيات
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
إخواني: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أحييكم في هذه الليلة في هذا المكان المبارك في بيت من بيوت الله ، وأسأل الله أن يجعل ليلتنا هذه ذات فائدة وما يقدم فيها له أثر في حياتنا ومعاملاتنا.
والمسلم الحقيقي هو الذي يسير على نور من ربه، ويسلك صراط الله المستقيم، ويسير على طريق أهل السنة والجماعة، الطريق الذي سار فيه الأنبياء والعلماء والشهداء، الطريق الذي بيَّن الله أنواره ومعالمه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ .
والذي نلاحظه على الكثيرين أنهم قد يهتمون بأبواب أو بأجزاء من هذا الطريق، فقد يهتمون بالعقيدة فقط، أو يركزون على الطريقة الصحيحة في التفقه، والأخذ بالدليل، والبحث عن الحديث الصحيح، وقد يركزون على أعمال القلوب فقط وأمور الرقائق، وقد يركِّزون على الجانب الخلقي السلوكي، والصحيح والحظ العظيم هو التركيز عليها كلها مجتمعة، حتى يجعل طريقه هذا طريقاً متكاملاً.
وموضوع التعامل من الموضوعات المهمة، وأهل السنة والجماعة لهم أصول في قضايا التعامل والقضايا السلوكية ولم يتركوها هملاً، وإنما وضعوا لها ضوابط مستمدة من القرآن والسنة.
ونحن نجد الآن بين المسلمين تنافراً في شخصياتهم، وخلافات كثيرة بينهم، وطريقة معاملة بعضهم لبعض ليست صحيحة، وباختصار قد تقطعت أواصر الأخوة الإيمانية فيما بينهم.
وهذا التقطع نشأ من عدم الاهتمام بمراعاة الجانب السلوكي الخلقي، وعدم الاهتمام بمشاعر الأخ المسلم، وعدم الاهتمام من الأخ المسلم بنفسية أخاه المسلم، كيف يعامله؟ كيف يتجنب الأشياء التي تؤذيه؟ كيف يبتعد عن جرح شعوره بالتصرفات القاسية المؤذية؟ والحقيقة -أيها الإخوة- أننا كثيراً ما نتلفظ بكلمات، ونأتي بأفعال لها مردود سلبي وسيئ على علاقتنا الأخوية مع إخواننا الآخرين، ينبغي أن ننقي هذه التعاملات، وأن نعرف كيف نتكلم، وكيف نخرج الأخ المسلم من موقف حرج يتعرض له، وكيف نتجنب إحراجه.
واليوم لا يوجد اهتمام بقضية عدم إحراج المسلم لأخيه المسلم، إلا من رحم الله يهتم بهذا الأمر.
هناك أناس من المسلمين يتميزون بالغلظة والجفاء واللامبالاة، لا يسألون عن أوضاع إخوانهم المسلمين، ينتقدونهم بأمور وطرق تجرح مشاعرهم، لا ينتقون الألفاظ المناسبة، فنريد أن نبيَّن في هذا الدرس أن هذا الأمر من صميم الإسلام، ونريد أن نبين من سيرة الرسول ﷺ ومن القرآن قبل ذلك أن هذه المسألة قد رُكِّز عليها تركيز عظيم، وأنها لم تهمل، وأنه يجب على الفرد المسلم أن يتمعن فيها وينظر كيف يعامل إخوانه.
стр. 2173
معالجة القرآن لمشاعر المسلمين
عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما نزلت: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:١ - ٢] إلى قوله : ﴿فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الفتح:٥]-وقد نزلت هذه الآيات عندما رجع النبي ﷺ وأصحابه من الحديبية - وقد كان الصحابة يخالطهم الحزن والكآبة، لأنهم رجعوا من غزوة الحديبية ولاهم بالذين حاربوا الكفار، وقاتلوهم، وانتصروا عليهم، ولا هم بالذين دخلوا مكة واعتمروا وحققوا الشيء الذي خرجوا من أجله، بل قد وضعت لهم شروط واتفاقيات مع كفار قريش، رجعوا بسببها إلى المدينة من غير أن ينالوا شيئاً، وكان في بعض هذه الشروط، ما يظنه الرجل الذي ينظر إلى ظاهر الأمر وينظر نظرة سطحية بدون تمعن، أن فيها ظلماً للمسلمين، فرجعوا وهم في غاية من الحزن والكآبة.
وفي هذه الأثناء تنزل الآيات، ويصف القرآن هذا الصلح بأنه فتح مبين ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:١ - ٢] فقال رسول الله ﷺ : (لقد أنزلت عليّ آية هي أحب إليّ من الدنيا جميعاً).
لماذا كانت هذه الآية لها أثر عظيم؟ لأنها أزالت الكآبة والحزن من نفوس الصحابة.
إذاً: كان القرآن ينزل لأهداف منها: معالجة الحزن والكآبة في نفوس الصحابة، يقول الله بعد غزوة أحد -تعليقاً عليها في الآيات-: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ﴾ [آل عمران:١٥٣]، ففي غزوة أحد قتل من الصحابة خلق عظيم، وعلى رأسهم حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ ، ومن أكبر حملة ألوية الدعوة إلى الله، وكان رجلاً صنديداً فقُتل، والرسول ﷺ جرح جراحاً شديدة، وأشيع أنه قتل، وصلت هزيمة بالمسلمين.
يقول الله : ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ﴾ [آل عمران:١٥٣]، ما معنى ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ﴾؟ ذكر بعض أهل التفسير من أوجه ما قيل في هذه الآية قول عبد الرحمن بن عوف: الغم الأول بسبب الهزيمة.
والغم الثاني: حين قيل: قتل محمد ﷺ ، قال ابن قمئة: قتلت محمداً، وصدقه الكفار وبعض المسلمين.
لما شعر المسلمون أن رسول الله ﷺ قد قتل، نسوا في غمرة الغم العظيم الهزيمة، وصاروا الآن في الغم الجديد، وهو قتل الرسول ﷺ ، فانظر كيف عالج الله أثر الهزيمة في النفوس، بأن أعطاهم غماً آخر غير حقيقي وهو مقتل الرسول ﷺ ، فانشغلت النفوس به عن الهزيمة، ثم تبين أنه غير مقتول، وكانت قد نسيت أشياء من الهزيمة، فانظر كيف عالج الله هذه النفسيات، وكيف شفى الله نفوس المسلمين من أمور كثيرة.
стр. 2174
نماذج من اهتمام الإسلام بالمشاعر والنفسيات
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
إخواني: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أحييكم في هذه الليلة في هذا المكان المبارك في بيت من بيوت الله ، وأسأل الله أن يجعل ليلتنا هذه ذات فائدة وما يقدم فيها له أثر في حياتنا ومعاملاتنا.
والمسلم الحقيقي هو الذي يسير على نور من ربه، ويسلك صراط الله المستقيم، ويسير على طريق أهل السنة والجماعة، الطريق الذي سار فيه الأنبياء والعلماء والشهداء، الطريق الذي بيَّن الله أنواره ومعالمه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ .
والذي نلاحظه على الكثيرين أنهم قد يهتمون بأبواب أو بأجزاء من هذا الطريق، فقد يهتمون بالعقيدة فقط، أو يركزون على الطريقة الصحيحة في التفقه، والأخذ بالدليل، والبحث عن الحديث الصحيح، وقد يركزون على أعمال القلوب فقط وأمور الرقائق، وقد يركِّزون على الجانب الخلقي السلوكي، والصحيح والحظ العظيم هو التركيز عليها كلها مجتمعة، حتى يجعل طريقه هذا طريقاً متكاملاً.
وموضوع التعامل من الموضوعات المهمة، وأهل السنة والجماعة لهم أصول في قضايا التعامل والقضايا السلوكية ولم يتركوها هملاً، وإنما وضعوا لها ضوابط مستمدة من القرآن والسنة.
ونحن نجد الآن بين المسلمين تنافراً في شخصياتهم، وخلافات كثيرة بينهم، وطريقة معاملة بعضهم لبعض ليست صحيحة، وباختصار قد تقطعت أواصر الأخوة الإيمانية فيما بينهم.
وهذا التقطع نشأ من عدم الاهتمام بمراعاة الجانب السلوكي الخلقي، وعدم الاهتمام بمشاعر الأخ المسلم، وعدم الاهتمام من الأخ المسلم بنفسية أخاه المسلم، كيف يعامله؟ كيف يتجنب الأشياء التي تؤذيه؟ كيف يبتعد عن جرح شعوره بالتصرفات القاسية المؤذية؟ والحقيقة -أيها الإخوة- أننا كثيراً ما نتلفظ بكلمات، ونأتي بأفعال لها مردود سلبي وسيئ على علاقتنا الأخوية مع إخواننا الآخرين، ينبغي أن ننقي هذه التعاملات، وأن نعرف كيف نتكلم، وكيف نخرج الأخ المسلم من موقف حرج يتعرض له، وكيف نتجنب إحراجه.
واليوم لا يوجد اهتمام بقضية عدم إحراج المسلم لأخيه المسلم، إلا من رحم الله يهتم بهذا الأمر.
هناك أناس من المسلمين يتميزون بالغلظة والجفاء واللامبالاة، لا يسألون عن أوضاع إخوانهم المسلمين، ينتقدونهم بأمور وطرق تجرح مشاعرهم، لا ينتقون الألفاظ المناسبة، فنريد أن نبيَّن في هذا الدرس أن هذا الأمر من صميم الإسلام، ونريد أن نبين من سيرة الرسول ﷺ ومن القرآن قبل ذلك أن هذه المسألة قد رُكِّز عليها تركيز عظيم، وأنها لم تهمل، وأنه يجب على الفرد المسلم أن يتمعن فيها وينظر كيف يعامل إخوانه.
стр. 2175
النهي عن المكوث في بيوت النبي بعد الأكل طويلاً
القرآن يريد من المؤمن أن يحس ويشعر بهذه الأمور، وكيف يتجنب جرح شعور إخوانه المسلمين ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب:٥٣].
فالصحابة كانوا يدخلون بيوت الرسول ﷺ يريدون أن يأكلوا، ثم يمكثون بعد الأكل وقتاً طويلاً، والرسول ﷺ يريد أن ينصرف إلى أهله، ويرتاح، وينام، ويخلد إلى نفسه قليلاً.
وكان من الصحابة من يطيل في المجلس، وهذه الإطالة فيها أذى لصاحب البيت، فنزلت هذه الآية: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ [الأحزاب:٥٣]، اخرجوا بسرعة حتى يتهيأ لصاحب البيت أن يذهب إلى أهله، ويجلس، ويستريح: ﴿وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب:٥٣] أي: أذىً نفسياً، فالرسول ﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها، كان يستحي أن يقول: قد أطلتم فانصرفوا، ولكنه يريد منهم أن يشعروا بأنفسهم.
بأن الوقت قد حان للانصراف.
стр. 2176
النهي عن تناجي اثنين دون الثالث
وخذ مثلاً آخر في القرآن: قضية النجوى التي قال الله في شأنها: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المجادلة:١٠]، لو وُجد ثلاثة في مجلس فلا يجوز لاثنين الحديث دون الثالث سراً من دون علمه بما يقال؛ فهذه هي النجوى.
فلا يجوز أن تأخذ شخصاً وتتكلم معه في السر، وتترك الشخص الآخر في المجلس، إلا إذا كان معه شخص رابع فلا مانع، حتى لا تحزنه؛ فربما يشعر أنك والآخر تتآمران عليه، أو أنه ليس على مستوى الكلام الذي تسر به إلى أخيك، هذا فيه أذى، ويدخل فيه أيضاً كما ذكر بعض أهل العلم، أن الاثنين يتحدثان بلغة لا يفهمها الشخص الثالث حتى ولو كانا يتكلمان بصوت مرتفع.
وقد تحدث هذه عند ما يكون رجل من كبار السن في المجلس، وهو لا يعرف اللغة الإنجليزية، فيأتي اثنان كل شخص يتكلم مع الثاني باللغة الإنجليزية، والكبير لا يفهم ماذا يقولان، وفي هذا أذى للنفوس ولذلك نهى الله عنه في القرآن، وكذلك على لسان الرسول ﷺ : (لا يتناجى اثنان دون الثالث؛ فإن ذلك يحزنه)، وهو حديث في الصحيح.
стр. 2177
أسلوب يوسف ﵇ في معاملة إخوته
تأمل أيضاً عندما جاء إخوة يوسف ودخلوا عليه، وهم قد أخطئوا في حق أخيهم خطأً عظيماً، فقد ألقوه في البئر، وربما كان يموت ويهلك، فأنقذه الله ببعض السيارة المارَّين -أخذوه وباعوه- وتسببوا في أن يعيش فترة من حياته مملوكاً، فظلموه، وهذا من الحسد حيث قالوا: كيف يحب يعقوب أخانا يوسف أكثر منا؟! لابد أن نعمل ما يبعده عنه؛ فنلقيه في الجب، أو نقتله، أو نطرحه في أرض غريبة فيضيع.
وبعد فترة من الزمن أعطى الله يوسف ﵇ الملك والحكمة، وأعطاه النبوة، وقلَّده خزائن الأرض، وجاء بإخوته، وأبيه، وأهله من البدو وأسكنهم في المدينة.
فما هو موقف إخوة يوسف أمام أخيهم القادر، صاحب السلطة؟ يستطيع أن يفعل بهم أي شيء، ما هو موقفهم أمامه؟ وبأي شيء يشعرون؟ يشعرون بالخجل، بل بغاية الخجل منه، وقد يشعرون بالخوف من أن قد يبطش بهم.
فهذا الموقف ماذا يفعل فيه المسلم الحقيقي؟ يوسف ﵇ كان حليماً، لا يريد أن ينتقم، فماذا فعل؟ وماذا قال لإخوته؟ قال: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ [يوسف:١٠٠]، لم يقل: أخرجني من الجب، وإنما قال: أخرجني من السجن فقط، فلم يذكر الجب مطلقاً مع أن الله أخرجه من الجب لماذا؟ حتى لا يشعرهم بأنهم أخطئوا، وأنه يوبخهم.
وأيضاً هو عندما أتى بأهله رفع عنهم جهد الجوع والتعب الشديد، والعيشة القاسية في البادية، وأتى بهم إلى المدينة، فحتى لا يَمتنَّ عليهم، ماذا قال لهم؟ قال: ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ [يوسف:١٠٠] أي: الحمد لله الذي جاء بكم من البدو، ولم يقل: وأنا أتيت بكم من البادية، ووطّنتكم في المدينة، وأعطيتكم وأعطيتكم وأعطيتكم لماذا؟ حتى لا يشعرون بالذل، وأنه هو الذي تفضل عليهم، وإنما تلافى هذا الشعور الخاطئ، حتى يحفظ كرامتهم وماء وجههم، فصلاة الله وسلامه على هذا النبي الكريم.
ثم قال: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ [يوسف:١٠٠] من المخطئ؟ إنهم إخوته الذين أخطئوا لكنه قال: من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي، فوضع القضية بكاملها على الشيطان، ولماذا وضع القضية بكاملها على الشيطان؟ حتى لا يشعرهم بأنهم أخطئوا.
وهذا أسلوب نحن نفتقده، فنحن نفتقد أسلوب التعامل مع شخص أخطأ عليك، ثم قدرت عليه وأصبحت في موقف القوة، كيف تعامله؟ كيف تعفو عنه وتصفح؟ ليس فقط تعفو وتصفح، بل كيف تتجنب أن تشعره بأنك تتفضل عليه اليوم، يوسف ليس فقط عفا عنهم، لكنه لم يشعرهم أنه قد تفضل عليهم، فقال: فعلت لكم، وفعلت لكم وأنا الآن أنعم عليكم وأعف عنكم، أنتم ظلمتموني، لكن أنا أحسن منكم لا.
لكن أتى بهذا الأسلوب اللطيف.
стр. 2178
الأمر بتسليم الراكب على الماشي والماشي على الراكب
فكر معي في مقصد الإسلام عندما يقول الرسول ﷺ في الحديث الصحيح: (يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد).
لماذا كان من السنة أن الراكب يسلم على الماشي؟ لأن الراكب الذي يركب السيارة أو الدابة مستواه أعلى من الماشي على رجله، فعندما يبتدئ الراكب بالسلام على الماشي يكون في هذا إكرام لنفس الماشي.
وعندما يسلم الماشي على القاعد، من الذي في الموقف الأعلى؟ الماشي، فهو الذي يمر على القاعد؛ لذا فهو الذي يلقي ﵇، وفي هذا اعتبارات معينة في آداب السلام لحفظ المشاعر ومراعاة الشعور.
стр. 2179
النهي عن إقامة الرجل من مجلسه والجلوس مكانه
خذ مثلاً -يا أخي- حديث الرسول ﷺ : (لا يقيم الرجل الرجل من مقعده ثم يجلس فيه، ولكن تفسحوا وتوسعوا).
وبعض الناس الجهلة اليوم إذا جاء ووجد المجلس ممتلئاً، يقول: قم، فيقيم شخصاً ويجلس مكانه، وهذا خطأ؛ لأنك عندما تقول له: قم أمام الناس، ثم تقعد مكانه فقد آذيته، وجرحت شعوره أمام الناس، ولكن اجلس حيث انتهى بك المجلس.
ولذا فإن بعض المتكبرين عندما يدخل المجلس ولا يجد مكاناً في صدر المجلس يستمر واقفاً ينتظر شخصاً يقوم حتى يجلس مكانه، عجيب! أين التواضع؟ وإن قام شخص فبنفس منكسرة لا عن طواعية، بخلاف ما لو دخل وجلس فقام له شخص وقال له: اجلس في المكان هذا، أو صاحب البيت طلب منه أن يجلس في هذا المكان، أما هذا فينتظر ليقوم له شخص حتى يجلس في مكانه.
وكان ابن عمر إذا قام له رجل من مجلسه لم يجلس فيه، يقول: لا.
اجلس فيه.
وعن أبي هريرة أن رسول ﷺ قال: (من قام من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به).
فمثلاً: كان شخص جالساً في مكان كالصف الأول في المسجد فأحس بريح في بطنه وأنه بحاجة إلى أن يجدد الوضوء فترك مكانه وذهب إلى مكان الوضوء ليتوضأ ويرجع، وفي أثناء غيابه جاء شخص وقعد في مكانه، وعندما رجع الشخص الذي ذهب يتوضأ إلى مكانه وجد أن هناك شخصاً آخراً فيه، فمن الأحق بالمجلس؟ الأول؛ لأن غيابه قصير، بخلاف شخص ذهب إلى البيت أو خرج ثم جاء بعد ساعة، انتهى حقه في المجلس، لكن فترة غياب بسيطة تحفظ لصاحب المجلس مكانه، أي: إذا رجع فهو أحق به حفظاً لنفسيته وشعوره.
стр. 2180
النهي عن تقدم الضيف في الإمامة على مضيفه
خذ مثلاً آخر من الأحاديث الصحيحة، وانظر كيف يراعي الإسلام المشاعر والنفسيات: (إذا زار أحدكم قوماً فلا يصل بهم، وليصل بهم رجل منهم)، أي: من أصحاب البيت، فصاحب البيت أولى بالإمامة ولو كان من الضيوف من هو أحفظ منه لكتاب الله، مادام أنه يقيم الفاتحة والصلاة فهو أحق.
فلماذا جعل الإسلام صاحب البيت أولى بالإمامة من الضيف، حتى لو كان الضيف أحفظ؟ لأنه صاحب البيت والسلطان، فليس من المناسب لمشاعره ونفسيته أن يتقدم عليه أحد الضيوف، فمادام هو صاحب البيت فهو أحق بالإمامة، إلا إذا تنازل وقال: صلِّ يا فلان! فهنا يجوز للضيف أن يتقدم.
وهذا الكلام فيما لو أن المسجد كان بعيداً جداً، ولا يسمعون النداء، أو أن الصلاة فاتتهم، أو تعذَّر خروجهم من البيت، وإلا فالأصل أنهم يصلون في المسجد.
стр. 2181
الأمر بتقديم الأكبر في الكلام
وتعال معي إلى حديث آخر من الأحاديث الصحيحة، أخرج الشيخان والنسائي وغيرهم من حديث رافع بن خديج وسهل بن أبي حثمة -وفي أثناء القصة- قال: (فذهب عبد الرحمن بن سهل وكان أصغر القوم يتكلم قبل صاحبيه -هناك اثنان أكبر من الثالث أمام الرسول ﷺ ، وجاء الصغير وأراد أن يتكلم أمام الرسول ﷺ قبل الاثنين الكبار- فقال الرسول ﷺ : كبر، كبر)، أي: دع الكبير يتكلم، لماذا دع الكبير يتكلم؟ احتراماً لنفسيته ومشاعره، فالكبير هو الذي يتكلم أولاً قبل الصغير، هذا من آداب الإسلام، فلو تكلم الصغير أولاً لكان فيها نوع من الاستهانة بالكبير، وإذا لم يرد الكلام تكلم الصغير.
стр. 2182
ضرورة تبيين السبب عند رد الهدية
مراعاة نفسية الشخص إذا أهدى لك شيئاً فرددت الهدية لسبب من الأسباب: فلو أن شخصاً أهداك شيئاً ثم رددت الهدية لسبب من الأسباب، فإنه يتأثر بفعلك، إلا إذا كان هناك سبب شرعي لرد الهدية.
وفي الحديث الصحيح عن الصعب بن جثامة الليثي ﵁، أنه أهدى لرسول الله ﷺ حماراً وحشياً، وهو بـ الأبواء أو ودان، والرسول ﷺ كان محرماً، والمحرم لا يجوز له أن يصيد وهو محرم، ولا أن يأكل صيداً قد صِيدَ لأجله.
والصحابي هذا لا يعرف الحكم، جاء واصطاد للرسول ﷺ حماراً وحشياً -والحمار الوحشي يجوز أكل لحمه، لكن الحمار الأهلي الذي في المدن والذي يحملون عليه لا يجوز أكله، لكن الحمار الوحشي الذي يعيش في الصحراء أو في الغابات فإنه يجوز أكله- وجاء يهديه إليه، فتصور الموقف، رجل يهدي لآخر هدية، يقول له: تفضل هدية، لكنَّ الرسول ﷺ لا يصح أن يأكل منه، فماذا يجب عليه؟ أن يرده، ولو رده إلى صاحبه لتأثر، فماذا فعل ﵇؟ قال: (فرده عليه رسول الله ﷺ ، قال الصحابي: فلما أن رأى رسول الله ﷺ ما في قال: إنَّا لم نرده عليك إلا أنَّا حرم).
فالرسول ﷺ بيَّن السبب، قال: يا فلان! لم نرده عليك أنك دون المقام، أو أن هديتك ليست في المستوى، لا، وإنما رددناه عليك لأنَّا في حالة إحرام، ولا يجوز لنا أن نأكل الصيد الذي صيد لأجلنا، فلما بين السبب ارتاح الصحابي واطمأن.
وذات مرة أهدى أحد الصحابة خميصة لها أعلام -نوع من الملابس فيه زينه- للنبي ﷺ ، فلبسه النبي ﷺ ، فلما قام للصلاة صار هذا الثوب يشغله في الصلاة، وهو لا يحب أن يشغله شيء عن الصلاة، فخلعها وقال: (اذهبوا بها إلى أبي جهم).
ولو ردها إلى الصحابي لتأثرت نفسيته وشعر بالحزن، فقال ﵊: (وأتوني بانبجانية أبي جهم)، قال: ردوا عليه هذه، لكن أحضروا لي من عنده نوعاً آخر من الملابس لا تشغل في الصلاة، فصارت واحدة بدل واحدة.
فلماذا قال: ردوها وأتوا لي بدلاً منها؟ حتى لا يحزن.
стр. 2183
مراعاة الإسلام لشعور الضيف
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
إخواني: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أحييكم في هذه الليلة في هذا المكان المبارك في بيت من بيوت الله ، وأسأل الله أن يجعل ليلتنا هذه ذات فائدة وما يقدم فيها له أثر في حياتنا ومعاملاتنا.
والمسلم الحقيقي هو الذي يسير على نور من ربه، ويسلك صراط الله المستقيم، ويسير على طريق أهل السنة والجماعة، الطريق الذي سار فيه الأنبياء والعلماء والشهداء، الطريق الذي بيَّن الله أنواره ومعالمه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ .
والذي نلاحظه على الكثيرين أنهم قد يهتمون بأبواب أو بأجزاء من هذا الطريق، فقد يهتمون بالعقيدة فقط، أو يركزون على الطريقة الصحيحة في التفقه، والأخذ بالدليل، والبحث عن الحديث الصحيح، وقد يركزون على أعمال القلوب فقط وأمور الرقائق، وقد يركِّزون على الجانب الخلقي السلوكي، والصحيح والحظ العظيم هو التركيز عليها كلها مجتمعة، حتى يجعل طريقه هذا طريقاً متكاملاً.
وموضوع التعامل من الموضوعات المهمة، وأهل السنة والجماعة لهم أصول في قضايا التعامل والقضايا السلوكية ولم يتركوها هملاً، وإنما وضعوا لها ضوابط مستمدة من القرآن والسنة.
ونحن نجد الآن بين المسلمين تنافراً في شخصياتهم، وخلافات كثيرة بينهم، وطريقة معاملة بعضهم لبعض ليست صحيحة، وباختصار قد تقطعت أواصر الأخوة الإيمانية فيما بينهم.
وهذا التقطع نشأ من عدم الاهتمام بمراعاة الجانب السلوكي الخلقي، وعدم الاهتمام بمشاعر الأخ المسلم، وعدم الاهتمام من الأخ المسلم بنفسية أخاه المسلم، كيف يعامله؟ كيف يتجنب الأشياء التي تؤذيه؟ كيف يبتعد عن جرح شعوره بالتصرفات القاسية المؤذية؟ والحقيقة -أيها الإخوة- أننا كثيراً ما نتلفظ بكلمات، ونأتي بأفعال لها مردود سلبي وسيئ على علاقتنا الأخوية مع إخواننا الآخرين، ينبغي أن ننقي هذه التعاملات، وأن نعرف كيف نتكلم، وكيف نخرج الأخ المسلم من موقف حرج يتعرض له، وكيف نتجنب إحراجه.
واليوم لا يوجد اهتمام بقضية عدم إحراج المسلم لأخيه المسلم، إلا من رحم الله يهتم بهذا الأمر.
هناك أناس من المسلمين يتميزون بالغلظة والجفاء واللامبالاة، لا يسألون عن أوضاع إخوانهم المسلمين، ينتقدونهم بأمور وطرق تجرح مشاعرهم، لا ينتقون الألفاظ المناسبة، فنريد أن نبيَّن في هذا الدرس أن هذا الأمر من صميم الإسلام، ونريد أن نبين من سيرة الرسول ﷺ ومن القرآن قبل ذلك أن هذه المسألة قد رُكِّز عليها تركيز عظيم، وأنها لم تهمل، وأنه يجب على الفرد المسلم أن يتمعن فيها وينظر كيف يعامل إخوانه.
стр. 2184
صور من مراعاة شعور الضيف
ومراعاة مشاعر الضيف ونفسيته من الأشياء المهمة، لذلك الضيافة لها آداب، منها: ما ورد في القرآن الكريم عن نبي الله إبراهيم ﵇: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات:٢٦ - ٢٧] وهذه الآيتان قد جمعت من آداب الضيافة أشياء عظيمة، كيف؟ إنه راغ إلى أهله بدون أن يقول لهم: عن إذنكم سأذهب وآتي بالغداء، ثم هم يقولون: لا نريد، وهو يقول: لابد منه، ولكن راغ إلا أهله بخفية، وأخذ عجلاً وجعله حنيذاً وهذا طعام لذيذ، وهذا من أجل إكرام الضيف، ثم قربه إليهم، ولم يقل: تعالوا أنتم على الأكل، بل قربه إليهم، فمن الآداب أن تقرب الطعام إلى الضيف.
ولكن لو حدثت صعوبة في تقريب الطعام للضيف؛ لأن السفرة لابد أن تجهَّز-لأننا الآن لم نعد نأكل صنفاً واحداً بل نأكل عشرين صنفاً، فيصعب أن تأتي بالرز، ومن ثم اللحم، والفواكه، والكيك- فلا بأس بأن تضعه في غرفة ثم تدعوهم إليه، لكن لو قربته إليهم لكان أحسن.
ثم قال: ﴿أَلا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات:٢٧] واليوم بعض الناس يضعون الطعام ويسكتون، ولا يقولون للضيوف شيئاً، والضيوف ينظرون ويخجلون أن يمدوا أيديهم، لكنَّ إبراهيم ﵇ قال: ألا تأكلون؟ وهذا من مراعاة شعور الضيف.
عن أبي هريرة ﵁ قال: (جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إني مجهود -قد بلغ مني الجهد وما عندي شيء آكله- فأرسل الرسول ﷺ إلى بعض نسائه، فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء -انظر الزهد- ثم أرسل إلى أخرى فقالت مثل ذلك، حتى قلن كلهن مثل ذلك، فقال رسول الله ﷺ : من يضيف هذا الليلة يرحمه الله؟ فقام رجلٌ من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله! فانطلق به إلى رحله، فقال لامرأته -الصحابي يقول لامرأته-: هل عندك شيء؟ قالت: لا، إلا قوت صبياني، قال: فعليهم بشيء -أي: اجعلي الأولاد الصغار يتلهون بشيء- فإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج وأريه أنَّا نأكل، فإذا أهوى ليأكل، قومي إلى السراج حتى تطفئيه.
فهيأت طعامها، وأصبحت سراجها -أضاءت السراج- ونومت صبيانها، ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته.
انظر -سبحان الله العظيم! - كيف فقه النساء، هذا الأدب العظيم، قامت كأنها تصلحه فأطفأته، لماذا أطفأته؟ حتى لا يشعر بأنهما لا يأكلان معه؛ لأنه لا يوجد إلا طعام قليل قدماه وجلسا ولم يأكلا، ولو كان الضوء موجوداً لشعر الضيف بالإحراج ولم يهنأ بالأكل لأنه يأكل وهما لا يأكلان! فانظر إلى تلك المرأة كيف راعت شعور هذا الضيف، وأطفأت السراج حتى لا يرى هذا الضيف أنهم لا يأكلان شيئاً، ليس هذا فقط.
قال: فجعلا يريانه أنهما يأكلان، أي: أتيا بأصوات وحركات إذا سمعها الشخص الآخر يتوهم أنهم يأكلون، انظروا الصحابة إلى أي درجة وصل بهم الأمر، قال: فقعد وأكل الضيف، فباتا طاويين، والأولاد الصغار ناموا من الجوع.
ونحن اليوم نبذر، فالواحد منا عنده الملايين ويقدم للضيف مائدة طويلة عريضة أنفق عليها الألوف، لكن ليس هذا هو الكرم الحقيقي، الكرم هو أن يكون ليس عندك شيء أو عندك شيء تحتاجه، فتؤثر به غيرك، فهذا أعلى الدرجات، ولكن مع ذلك إذا جاءك الضيف وعندك قليل أو كثير أنت تكرمه، لا كما يفعل الناس اليوم يتكلفون ما ليس في وسعهم، وربما يحلفون بالطلاق على الضيف إلا نزل عندهم وأقاموا له الذبائح وهذا يحلف بالطلاق، والثاني مثله! والحلف بالطلاق من عادات الجاهلية، وربما يرفض، أو يعتذر؛ فيقع الطلاق على زوجته من حيث لا يشعر.
وما المانع من أن يعزم عليه بدون طلاق حتى لا يقع فيما لا يحمد عقباه بعدها؟ ثم يأتي هذا الشخص إلى العلماء يسال: أنا حلفت على الضيف بالطلاق ولم يفعل، فما حكم زوجتي؟ لماذا أورطت نفسك أصلاً في هذا؟! والتلفظ بالطلاق في هذه المناسبات صار -مع الأسف- مسألة من أسهل الأمور عند الناس.
وهذا أمر ينبغي علينا الانتهاء عنه واجتنابه.
فلما أصبح غدا على النبي ﷺ فقال ﵊: (قد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة)، أي: مِنْ عِظم ما فعلوا عجبَ الله من صنيعهما، سبحان الله العظيم! وفي رواية: (ضحك الله من صنيع فلان وفلانة) وضحك الله صفة تليق بجلاله وعظمته، ليست كضحك المخلوقين، وهي تدل على رضا الرب عن هذا الفعل، ولكنه ضحك يليق بجلاله وعظمته.
أحياناً يأتيك ضيف، وتكرمه، وتذبح له، فيشعر الضيف أنك تكلفت، فبعض الناس يتعمَّدون إشعار الضيف أنهم تكلفوا له، أتينا بالذبيحة وصنعنا وفعلنا، فيُحرَج الضيف.
انظر معي إلى هذا الحديث الذي رواه أبو داود وابن حبان عن لقيط بن صبرة قال: (كنت وافد بني المنتفق إلى رسول الله ﷺ ، قال: فلما قدمنا لم نصادفه في منزله، وصادفنا عائشة أم المؤمنين، فأمرت لنا بخزيرة -نوع من اللحم يقطع ويطبخ- فلم ننشب أن جاء رسول الله ﷺ يتكفأ، فقال: هل أصبتم شيئاً؟ فقلنا: نعم يا رسول الله! ضيفونا، ولكنه ﵇ أمر راعي غنم له أن يذبح شاة من أجل الضيوف، ثم قال للقيط: لا تحسبن أنَّا ذبحنا الشاة من أجلك -انظر لا يريد الرسول ﷺ أن يشعر الضيف بالتكلف- لنا غنم مائة -عندنا مائة رأس- لا نريد أن نزيد عليها، فإذا ولَّد الراعي بهمة -أي: إذا ولدت جديدة- ذبحنا مكانها شاة) إذا أصبحت مائة وواحدة ذبحنا واحدة، ونحن ذبحنا الآن واحدة لتبقى الغنم مائة لا نريد الزيادة، فانظر كيف راعى ﵇ نفسية الضيف، حتى لا يظن أنه تكلف له وذبح ذبيحة.
стр. 2185
صورة تبين مراعاة الإسلام لشعور المضيف
ومن الجهة المقابلة: كيف يراعي الضيف شعور المضيف؟ شخص آتى له ضيف فجأة، ولا يوجد عند صاحب البيت أكل، كيف يتلافى الضيف الموقف ويشعر صاحب البيت أنه لا يضر وأنه غير متأثر، ولا يعتبرها إهانة؟ هذا الحديث الصحيح في السلسلة الصحيحة، يقول ثوبان ﵁: (نزل بنا ضيف بدوي) أي: عند الرسول ﷺ ، فجلس رسول الله ﷺ أمام بيوته -ما هي بيوت الرسول ﷺ ؟ هل هي فلل؟ كل بيت حجرة، هذه حجرة عائشة، وهذه حجرة أم سلمة، ولو وقف الواحد فيها لضرب رأسه بالسقف.
(فجعل يسأل عن الناس) هذا البدوي أتى من البادية، والرسول ﷺ حكيم يهتم بأمور المسلمين، فجلس مع البدوي يسأله، يقول: كيف البادية عندكم؟ أظنهم يصلون ويؤدون الشعائر، ومهتمين بالدين، ويراعون الحلال والحرام، ويسألون عما أشكل عليهم؟ فجعل الرسول ﷺ يسأل البدوي عن الناس في البادية: (كيف فرحهم بالإسلام؟ وكيف حدبهم على الصلاة؟ فما زال يخبره من ذلك بالذي يسره، حتى رأيت وجه رسول الله ﷺ نضراً، فلما انتصف النهار وحان أكل الطعام، دعاني مستخفياً -انظر الأدب، فلم يقل: يا ولد! أحضر الطعام، لا- قال: دعاني مستخفياً لا يألو: أن ائت عائشة ﵂ فأخبرها أن لرسول الله ﷺ ضيفاً.
فقالت عائشة لما ذهب ثوبان إليها: والذي بعثه بالهدى ودين الحق ما أصبح في يدي شيء يأكله أحد من الناس.
فردني إلى نسائه -الرسول ﷺ عندما جاءه الخبر، يقول: اذهب إلى فلانة، وإلى فلانة، على زوجات الرسول ﷺ كلهن- كلهن يعتذرن بما اعتذرت به عائشة ﵂، قال: فرأيت لون رسول الله ﷺ خسف) لماذا خسف؟ لأنه ليس عنده شيء، يريد أن يكرم الضيف فصار في موقف حرج.
والبدوي كان ذكياً ﵁، وكان رجلاً فقيهاً، لم تجعله البادية ينسى قضية الاهتمام بالنفوس ومراعاة الشعور، (فقال البدوي لما رأى الرسول ﷺ قد حرج، قال: إنَّا أهل البادية معانون على زماننا، لسنا بأهل الحاضرة، فإنما يكفي القبضة من التمر، يشرب عليها من اللبن أو الماء فذلك الخصب) أي: إذا وجد تمر وعليه ماء أو لبن، فهذا أعلى شيء، وهذا هو الخصب.
وبعد ذلك حلب له الرسول ﷺ ، وصارت معجزة للرسول ﷺ حيث درت شاة من الشياه، وشرب البدوي حتى ارتوى.
فانظر كيف أن هذا البدوي من فطنته ورقته ومراعاته لهذه الأشياء ذكر هذا الكلام، حتى لا يحرج الرسول ﷺ .
стр. 2186
مراعاة الإسلام مشاعر الغرباء
عندما يفارق الناس أوطانهم ويبتعدون عن أهليهم يشعرون بنوع من الوحشة، وقد يصيبهم مرض في غربتهم، ولابد من مراعاة شعور هؤلاء، خصوصاً إذا تركوا أوطانهم لله، وهاجروا من ديارهم في سبيل الله.
لمَّا قدم رسول الله ﷺ مهاجراً، وعك أبو بكر وبلال -أصابهم المرض- قالت عائشة: فدخلت عليهما فقلت: يا أبتي! كيف تجدك؟ ويا بلال! كيف تجدك؟ قالت: فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:
كل امرئ مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله
وكان بلال إذا أقلعت عنه الحمى، يرفع عقيرته ويقول:
ألا ليت شعري هل أبيتنَّ ليلة بواد وحولي إذخر وجليل
وهل أردن يوماً مياه مجنة وهل يبدون لي شامة وطفيل
هذه أشياء كانت في مكة وبلال يحن إليها، الإذخر، ومياه مجنة، وشامة وطفيل، أشياء تُذكّر بلالاً بـ مكة.
وهذه الوحشة التي يعاني منها بلال هي لأنهم تركوا البلد والوطن لله مهاجرين في سبيل الله، قالت عائشة: (فجئت رسول الله ﷺ فأخبرته، فقال: اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، وصححها -أي نقها من الأمراض- وبارك لنا في صاعها ومدها، وانقل حُمَّاها فاجعلها بالجحفة) كان في المدينة حمى فنقلت كمعجزة لرسول الله ﷺ وصارت بـ الجحفة، وهو مكان يبعد عن المدينة.
فانظر كيف راعى الرسول ﷺ أحوال هؤلاء الغرباء وشعورهم، وفي البخاري أيضاً عن مالك قال: (أتينا إلى النبي ﷺ ونحن شببة متقاربون -أي: أتينا من بلدتنا نطلب العلم عند الرسول ﷺ ونحن في سن الشباب، متقاربون في السن- فأقمنا عنده عشرين يوماً وليلة، وكان رسول الله ﷺ رحيماً رفيقاً، فلما ظن أنّا قد اشتقنا إلى أهلنا، سألنا عمن تركنا خلفنا، فأخبرناه -أي قال: كيف أهلكم؟ كيف تركتموهم؟ كيف الذين جئتم من عندهم؟ - ثم قال ﵇: ارجعوا إلى أهليكم، فأقيموا فيهم وعلموهم).
لم يقل: ابقوا عندي زيادة تتعلمون، بل راعى شعورهم، فهم شباب صغار فارقوا الأهل والأوطان والأحبة، قال: (ارجعوا إلى أهليكم) شفقة بهم وعليهم، ومراعاة لنفوسهم وشعورهم.
стр. 2187
مراعاة الشعور عند التعليم والتعلم
التعليم والتعلم أيضاً فيه مراعاة للشعور، وعند سؤال العالم يجب أن يكون فيه مراعاة للشعور، ولذلك لا يأت السائل إلى عالم ويقول: أنت! أو يا هذا! ما الحكم في كذا؟ أو يقول: أجب على هذا السؤال، لا.
بل لابد أن يراعي الإنسان شعور العالم ويحفظ له قدره، ويأتي بالألفاظ التي تشجعه على الإجابة، كغفر الله لك، وأحسن الله إليك، ويرحمك الله أجبني على كذا، وبيَّن لي كذا.
يقول علي ﵁: (كنت رجلاً مذاءً)، أي يخرج منه المذي بسرعة وبكثرة عند ملامسة النساء أو الاجتماع بالزوجة مثلاً، وزوجته هي فاطمة الرسول بنت ﷺ .
والمذي هو الذي يخرج من الرجل عند مداعبة الزوجة، أو عند الجماع فالذي يخرج المني لا المذي.
فكان علي ﵁ لا يدري بحكم المذي هذا، وكان يغتسل حتى ولو كان الجو بارداً إذا خرج منه حتى تشقق ظهره.
فأراد أن يسأل الرسول ﷺ عن الحكم، ولو أنه سأله لشعر بالحرج منه، وهذا الشيء الذي يسأل عنه يخرج منه عندما يجلس علي مع بنت الرسول ﷺ .
فقال علي: (فأمرت المقداد بن الأسود أن يسأل النبي ﷺ لمكان ابنته مني، فسأله، فقال: فيه الوضوء)، وفي رواية: (توضأ واغسل ذكرك -وفي رواية-: وأنثييك) فأصبح الحكم لمن خرج منه المذي أن يغسل ذكره وانثييه -ما أسفل الذكر- ثم يتوضأ، ويكون بذلك قد تطهر من خروج المذي.
وجاء معاوية بن الحكم السلمي ﵁ إلى المدينة ولم يكن يعلم أن الكلام في الصلاة قد حرم، فعطس رجل من الناس، فقال له معاوية بن الحكم: يرحمك الله، فضرب الصحابة على أفخاذهم فقال: ما فعلت؟! وهو في الصلاة ولا يدري أن الكلام في الصلاة قد حرِّم، لأنه في أول الأمر كان الكلام في الصلاة مباح، كان الواحد يسأل الآخر ويقول: متى نزلت هذه الآية التي نسمعها الآن من الرسول ﷺ ؟ ثم نزل قول الله : ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] ومُنع الكلام.
فلما سلموا من الصلاة وإذا برسول الله ﷺ يرفق بهذا الرجل ويقول: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي كذا وكذا) فعلمه بدون أن يشهر به، وبدون أن يقسو عليه.
وكذلك الأعرابي الذي بال في المسجد، رفق به الرسول ﷺ .
وعطس رجل في مجلس ابن المبارك ولم يقل الحمد لله، فرموه الناس بأبصارهم، ينكرون عليه كيف لم يقل: الحمد لله، فتدارك عبد الله بن المبارك الرجل قبل أن تلتهمه أبصار الناس، فقال له: ماذا يقول الرجل إذا عطس؟ قال: يقول: الحمد لله، قال عبد الله بن المبارك: يرحمك الله.
فانتهت المشكلة، جعله يقول: الحمد لله من غير إحراج، ورد عليه يرحمك الله.
ومن الأمثلة -أيها الإخوة- التي تدل أيضاً على مراعاة النفوس في طلب العلم: ذُكر أن الأصمعي اجتمع بـ الخليل بن أحمد، وحرص على فهم العروض منه -العروض هي أوزان الشعر- فأعياه ذلك، فقال له الخليل بن أحمد يوماً -يريد أن يفهمه من غير أن يجرح شعوره-: قطِّع لي هذا البيت:
إذا لم تستطع شيئاً فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع
ففهم ما أراد، فأمسك عنه ولم يشتغل به.
стр. 2188
مشاركة الناس أفراحهم وأحزانهم
أحياناً قد يتهم رجل بأنه مذنب، ثم تتبين براءته من الذنب، فلابد من تعويضه عما وقع عليه، وأن يرفع الظلم الذي نزل به.
مثل هذا حادثة زيد بن أرقم -في الصحيح - لما أخبر الرسول ﷺ بقول المنافق وتكذيبه للرسول ﷺ ، وجاء المنافق وحلف أنه ما قال هذا، والرسول ﷺ أخذ بقول المنافق ولم يأخذ بقول زيد بن أرقم -وهو شاب صغير- فاتهم الناس زيد بن أرقم وقيل له: ما أردت إلا أن مقتك رسول الله وكذبك والمسلمون.
قال: فوقع عليَّ من الهم ما لم يقع على أحد.
قال: (فبينما أنا أسير مع رسول الله ﷺ في سفر، قد خفقت برأسي من الهم، إذ أتاني رسول الله ﷺ فعرك أذني، وضحك في وجهي، فما كان يسرني أن لي بها الخلد في الدنيا، ثم إن أبا بكر لحقني، فقال: ما قال لك رسول الله ﷺ ؟ وجاء عمر وسأل) حتى يراعوا نفس هذا الصحابي الصغير الذي كان متهماً ظلماً، ثم تبينت براءته، وأنزل الله تصديقه في القرآن: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون:١] إلى آخر الآيات.
مشاركة الحزانى في أحزانهم: وفي يوم بدر عندما أسر الرسول ﷺ سبعين من المشركين، سأل الصحابة، قال: (ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله! هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام، فقال رسول الله ﷺ : وما ترى يا بن الخطاب؟ قال: قلت: لا والله يا رسول الله، ما أرى الذي رأى أبو بكر، إني أرى أن تمكنَّا فنضرب أعناقهم، فتعطي كل واحد قريبه من المشركين يقتله، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديده، وفي قتلهم مصلحة للمسلمين.
قال عمر: فهوى رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت، فإذا كان من الغد جئت، فإذا برسول الله ﷺ وأبي بكر يبكيان، فقلت: يا رسول الله! من أي شيء تبكي أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت -انظر قال عمر: أخبرني ماذا يبكيك لعلي أشارك في البكاء يا رسول الله! - وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما) تظاهرت بالبكاء حتى أشارككما بالشعور إلى آخر الحديث.
فهذا ابن الخطاب يريد أن يشارك بالبكاء.
وكذلك عائشة لما رميت في حديث الإفك، واتهمها المنافقون وسرت الإشاعة بين المسلمين، والرسول ﷺ لم يتبين له شيء، واعتزل عائشة، تقول عائشة: (وبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ثم بكيت ليلتي المقبلة لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي، فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي، استأذنت علي امرأة من الأنصار، فأذنت لها فجلست تبكي).
مع أن المشكلة ليست مشكلتها هي، لكن جلست تبكي من باب مشاركة عائشة في المصيبة.
الشاهد: أن مشاركة الناس في أحزانهم مهمة، فلا يكون المرء في مصيبة وهو يبكي وأنت بجانبه تضحك، وتقول أمامه الطرائف والنكت.
ولو أنه فرح، ماذا تفعل؟ تشاركه أيضاً في الفرح.
كعب بن مالك في قصة تخلفه عن غزوة العسرة المعروفة والمشهورة لما تاب الله عليه وبشره شخص بصوت من بعيد، يقول: (فانطلقت أتأمم رسول الله ﷺ ويتلقاني الناس فوجاً فوجاً يهنئونني بالتوبة -انظر الصحابة كيف يشاركون بعضهم البعض- ويقولون: لتهنك توبة الله عليك، حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله ﷺ جالس في المسجد وحوله الناس، فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني، ووالله ما قام رجل من المهاجرين غيره، قال الراوي: فكان كعب لا ينساها لـ طلحة) لماذا لا ينساها لـ طلحة؟ لأنه قام من مجلس الرسول ﷺ ومشى واستقبل كعباً وهنأه وصافحه.
عندما يتنافس اثنان في عمل، وواحد منهما ينجز العمل والثاني لا ينجزه، والذي لم ينجز العمل هو صادق يريد إنفاذ العمل، لكن فاز به الآخر، فلابد من مراعاة شعور هذا الرجل.
كان اثنان من الصحابة - معاذ ومعوذ - يتسابقان لقتل أبي جهل، وأحدهما هو الذي قتله فعلاً بالضربة القاضية، لكن الرسول ﷺ لما أتياه بعد القتل، قال: (أيكما قتله؟ قال كل واحد منهما: أنا قتلته، فقال ﷺ : هل مسحتما سيفيكما؟ قالا: لا.
فنظر في السيفين، فقال: كلاكما قتله) أي: كلاكما شارك في قتله، لماذا؟ مراعاة للشعور، حتى لا يشعر الشخص الآخر أن ذاك هو الذي أدى المهمة وهو فشل.
ولو رأيت إنساناً في غم، ماذا تحاول أن تفعل؟ تهون عليه، فالرسول ﷺ في حادثة النفقة على نسائه، -والرسول ﷺ ليس عنده النفقة- جلس مهموماً حزيناً، فدخل عمر بن الخطاب على رسول الله ﷺ ، فوجده جالساً حوله نساؤه واجماً ساكتاً، فقال عمر في نفسه: (لأقولن شيئاً أضحك رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! لو رأيت بنت خارجة -يقصد زوجته- سألتني النفقة، فقمت إليها فوجأت عنقها -أي: لو أتت وسألتني النفقة وأنا ليس عندي نفقة فوجأت عنقها، ما رأيك في هذا التصرف؟ - فضحك رسول الله ﷺ وقال: هن حولي يسألنني النفقة).
فانظر إلى عمر كيف فعل هذا التصرف حتى يخفف عن الرسول ﷺ .
стр. 2189
تفقد أحوال الناس ومعرفة حاجاتهم من تعابير وجوههم
شخص محتاج إلى شيء، لكن لا يستطيع أن يكلم الناس بما يريد، فهذا لابد من مراعاة شعوره.
أحد الصحابة جاء وليس معه راحلة، فجعل يصرف بصره يميناً وشمالاً يريد شيئاً، فما تفطن له الناس، فقال ﵊: (من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له، قال الراوي: فذكر من أصناف المال ما ذكر، حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل شيء) حتى ظن الصحابة أنه لابد من توزيعها على المسلمين.
فانظر إلى رسول الله ﷺ كيف فطن لهذا الرجل، فهو يصرف بصره لأنه محتاج إلى شيء ولا يتكلم لأنه محرج، ولا يريد أن يعرف الناس.
معرفة وجوه الناس: إذا كان فيه جوع أو مشكلة أو شيء يُعرف من وجهه، ولو كنت تتفرس في وجوه إخوانك المسلمين لعرفت من وجوههم ماذا يريدون.
عن أبي هريرة ﵁ أنه كان يقول: (آلله الذي لا إله إلا هو! إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدت يوماً على طريقهم الذي يخرجون منه -أي: من بيوتهم إلى المسجد- فمر أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله، ما سألته إلا ليشبعني) أبو هريرة يقول: أنا استحي أن أقول لـ أبي بكر: أعطني طعاماً، لكن قال أبو هريرة: أسأل أبا بكر سؤالاً، فلعله يتفطن لي أثناء عرض السؤال أني جائع وأني منهك القوى، قال: (فسألته، فمر ولم يفعل) سأله وأجاب على السؤال ومشى، ولم يتفطن.
(ثم مرَّ بي عمر، فسألته عن آية من كتاب الله تعالى، ما سألته إلا ليشبعني، فمرَّ ولم يفعل، ثم مرَّ بي أبا القاسم فتبسم حين رآني، وعرف ما في نفسي وما في وجهي -قبل أن يتكلم أبو هريرة بشيء، عرف من وجهه أنه جائع- قال: أبا هر، فقلت: لبيك يا رسول الله! قال: الحق، فمضى فتبعته، فدخل فاستأذن فأذن لي، فدخل فوجد لبناً في قدح) إلى آخر الحديث الصحيح.
فكان ﵊ يعلم من نبرات الصوت ومن الألفاظ ومن تعابير الوجه ما هي حالة المتكلم، ولذلك في الحديث الصحيح يقول ﵊ لـ عائشة: (إني لأعلم إذا كنت عني راضية، وإذا كنت عليَّ غضبى -مراعاة الزوج لحال زوجته- أما إذا كنت عني راضية فإنك تقولين: لا ورب محمد -تحلفين برب محمد- وإذا كنت عليَّ غضبى قلت: لا ورب إبراهيم).
ولو أن أناساً احتاجوا للسؤال وجاءوا إلى رجل عنده خير وأرادوا من الخير الذي عنده، فحتى لا يريق ماء وجوههم، لا ينتظرهم حتى يسألوه، لكن يقول: لعلكم جئتم تحتاجون شيئاً، ماذا تريدون؟ ولذلك لما جاء أبو عبيدة من البحرين على عهد الرسول ﷺ والصحابة جياع، سمعوا بالخبر فجاءوا للرسول ﷺ في صلاة الفجر، فتعرضوا له في الطريق، فما انتظر الرسول ﷺ من الصحابة أن يقولوا له: سمعنا أن أبا عبيدة جاء من البحرين فأعطنا من المال الذي جاء به، لا.
بل بادرهم هو، قال: (أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء من البحرين، فقالوا: أجل يا رسول الله، قال: فأبشروا وأمِّلوا ما يسركم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم) إلخ ولو أن شخصاً أخطأ وندم على خطئه، أو عمل عملاً خطأ، فيحاول المسلم أن يستر على أخيه المسلم، ولو أخطأ في حقك لا تدعُ عليه، وتقول: اللهم أهلكه، ولكن قل: اللهم اهده، اللهم يسر له أمره، اللهم اغفر له
стр. 2190
من صور رحمة الرسول ﷺ بالمؤمنين
هذه قصة طريفة وصحيحة عن المقداد ﵁ قال: (قدمت أنا وصاحبان لي وقد ذهبت أسماعنا وأبصارنا من الجهد -أي: من الجوع- فجعلنا نعرض أنفسنا على أصحاب رسول الله ﷺ فليس أحد منهم يقبلنا -ليس عندهم شيء- فأتينا النبي ﷺ فانطلق بنا إلى أهله، فإذا ثلاث أعنز -جمع عنزة- فقال النبي ﷺ : احتلبوا هذا اللبن بيننا -احلبوه كل يوم واجعلوه في إناء ثم نقتسم اللبن، كل واحد يشرب نصيبه من هذا اللبن- قال: فكنا نحتلب فيشرب كل إنسان منا نصيبه، ونرفع للنبي ﷺ نصيبه -أي: الرسول ﷺ كان ينشغل عنهم ويتأخر، فيأتي في الليل فيأخذ نصيبه ويشربه- قال: فيجيء من الليل فيسلم تسليماً لا يوقظ نائماً ويسمع اليقظان) وانظر إلى مراعاة شعور النائمين، لعل أناساً لم يناموا بعد، فيسلم عليهم بصوت منخفض، إن كانوا أيقاظاً ردوا عليه، وإن كانوا نائمين لم يزعجهم الصوت، ثم يأتي المسجد فيصلي، ثم يأتي شرابه فيشربه.
قال المقداد: (فأتاني الشيطان ذات ليلة وقد شربت نصيبي -وبقي نصيب الرسول ﷺ ولم يأت له بعد- فقال: محمدٌ يأتي الأنصار فيتحفونه، ويصيب عندهم، وما به حاجة إلى هذه الجرعة، فأتيت فشربتها، فلما أن وغلت في بطني، وعلمت أنه ليس إليها سبيل -لا يمكن أن تخرج- ندمني الشيطان -وهذا الشيطان لا يترك أحداً، لا إذا أطاعه ولا إذا عصاه- فقال: ويحك! ما صنعت؟! أشربت شراب محمد؟! فيجيء فلا يجده فيدعو عليك فتهلك، فتذهب دنياك وآخرتك؟ يقول المقداد: وعليَّ شملة إذا وضعتها على قدمي خرج رأسي، وإذا وضعتها على رأسي خرجت قدماي، وجعل لا يجيئني النوم -من هذا الندم ولوم النفس- وأما صاحبيَّ فناما ولم يصنعا ما صنعت.
فقال: فجاء النبي ﷺ ، فَسلّم كما كان يُسلّم، ثم أتى المسجد فصلى، فلما أتى شرابه كشف عنه فلم يجد فيه شيئاً، فرفع رأسه إلى السماء، فقلت: الآن يدعو عليَّ فأهلك.
فقال الرسول ﷺ : اللهم أطعم من أطعمني، واسق من سقاني -هذا رسول الله ﷺ رحمة للعالمين، حريص على المؤمنين، عزيز عليه ما عنتم، بالمؤمنين رءوف رحيم- فلما سمع المقداد هذا الدعاء قام إلى الأعنز المحلوبة وأخذ الشفرة وقال: أذبح له واحدة منها بدل اللبن الذي شربته، قال: فوجدتها كلها حُفَّل -كلها فيها لبن، معجزة- قال: فحلبت منه وجئت به إليه.
فقلت: اشرب يا رسول الله! فشرب وشرب وشرب، قال: فلما رأيته قد شرب وشبع، ضحكت حتى استلقيت على قفاي من الضحك، فقال الرسول ﷺ : إحدى سوءاتك يا مقداد! فقلت: يا رسول الله! صار من أمري كذا وكذا.
فقال الرسول ﷺ : هلا أيقظت صاحبيك ليشربا معنا الآن، قال: والله يا رسول الله! لا أبالي من شرب بعدك بعدما شربت يا رسول الله!).
وهذه قصة صحيحة رواها مسلم وغيره.
стр. 2191
من آداب النبوة تجاه مشاعر الآخرين
من مراعاة الشعور لو حصل شيء يخجل المرء، كيف يعالجه؟ مثال: يقول ﷺ في الحديث الصحيح:) إذا أحدث أحدكم في صلاته) وهذا موقف محرج، تصور شخصاً واقفاً في الصلاة، وخرجت منه ريح، أو أنه سجد وخرجت منه ريح، ماذا يفعل؟ يقول الرسول ﷺ : (إذا أحدث أحدكم في صلاته فليأخذ بأنفه ثم لينصرف) لماذا؟ كأنه أصابه الرعاف، لأنه لو ما فعل كذا وخرج، يقول الناس: هذا فعلها في الصلاة، لكن عندما يخرج ويده على أنفه يظن الناس أن به رعافاً.
والله الذي لا إله إلا هو! إن هذا لدين عظيم، ووالله الذي لا إله إلا هو لا تجدون هذا عند اليهود أو النصارى أو سائر أصحاب الديانات، بل ولا عند أصحاب الأدب أو من ليس عندهم أدب؛ لأن هذا شيء خاص بعظمة هذا الدين.
وقد يقول قائل: ليتك ما علمتنا وما أعلنت هذا، فلو رأينا من يخرج من الصف نقول: أكيد أنه كذا وكذا، لكن بعض أهل العلم قال: لو رأيت رجلاً خرج من الصف وهو على هذه الحال هل تجزم أنه قد أحدث في الصلاة؟ لا.
لأنه قد يكون رعف فعلاً، فما زال في الأمر احتمال، فمع هذا الحديث إلا أنك لا تستطيع الجزم بالحال التي هو عليها.
في حديث صحيح آخر -لولا أن الصحابي قاله- قد تستغربون من لفظه، فيه لفظ بعض الناس يظنون أنه شَين في الحديث، فيقولون: كيف تقوله في المسجد؟! لكن لأنه حديث صحيح رواه الطبراني في الأوسط عن جابر، وهو في صحيح الجامع (نهى ﷺ عن الضحك من الضرطة) قد يكون بعض الناس جالسين في المجلس، ثم يحدث شخصاً حدثاً فيه صوت، ماذا يفعل الناس؟ يضحكون، على ماذا؟ على هذا المسكين.
هذا مسكين عنده غازات، لا يملك نفسه وليس متعمداً، عدل الجلسة فإذا به يخرج منه هذا: (فعلام يضحك أحدكم مما يفعل؟!)، أي: هذا الشيء قد يحدث منك ومن غيرك، فلماذا تضحك على أخيك المسلم؟ فاستمر في حديثك وكأنه لم يحدث شيء، وهذا من الآداب، حتى لا يُحرج الرجل القاعد، فلو ضحكوا عليه لعله يترك المجلس ويذهب.
كذلك لو وقع شخص وقعة مشينة، أو تعثر فوقع ماذا يفعل الناس؟ يضحكون عليه، عن الأسودي قال: (دخل شباب من قريش على عائشة ﵂ وهي بـ منى وهم يضحكون، فقالت: ما يضحككم؟ قالوا: فلان خر على طنب فسطاط فكادت عينه أن تذهب -هذا شخص في الحج تعثر بحبال الخيام ووقع، وكاد أن يجيء على عينه، فهؤلاء الشباب ضحكوا- فقالت: لا تضحكوا، فإني سمعت رسول الله ﷺ قال: ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة ومحيت عنه بها خطيئة) انظر إلى رحمة الله، وجع في ضرس، أو صداع في الرأس، أو مغص في البطن، يكفر عنك السيئات، أين تجد هذا في أي دين؟ ومن هذا الباب أيضاً -عدم إحراج الناس- قوله ﵊ في الحديث الصحيح: (لا تحدوا النظر إلى المجذومين)، وفي رواية: (لا تديموا النظر إلى المجذومين) أي: الذي به جذام أو برص أو أي تشوه في الخلقة، يقول ﵊: (لا تحدوا النظر إلى المجذومين) إذا رأيت أبرص أو من فيه بهاق أو مجذوماً لا تحدق فيه، لماذا؟ بعض الناس قد يقول حتى لا تنتقل إليك العدوى، وهذا ليس بصحيح، لكنَّ السبب حتى لا تحرجه.
إذا جاء رجل مصاب بالبرص أو غيره فدخل وجلس، فجعل الناس ينظرون إليه.
فماذا يحدث في نفسه؟ يحزن.
ومن الغرائب أني ذات مرة قلت هذا الحديث في مسجد، وكان رجل يجلس وفيه هذا المرض، وليس أحد من الناس ينظر إليه فلما قلت هذا الحديث إذا بالذي بجواره ينظر إليه بنوع من الاحتقار، وكأن الواحد يقول: ما أصابني الذي أصابك، أين أنا وأين أنت؟ وهذا ابتلاء من الله، يمكن أنه الآن كُفّرت عنه سيئات كثيرة هي ما زالت على ظهرك.
انظر إلى الرسول ﷺ عندما يرى أحد الصحابة قد أصابه الأذى.
كعب بن عجرة جيء به إلى الرسول ﷺ في الإحرام، قال: (فحُمِلتُ إليه والقمل يتناثر على وجهي، فقال ﵊ ملطفاً عليه: ما كنت أرى أن الجهد بلغ منك ما أرى -أي: لم أكن أتوقع أن يصل بك الحال إلى ما أنت عليه الآن- أتجد شاة؟ قلت: لا، فنزلت هذه الآية ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦]-تخفيف من الله على عباده- فقال: صوم ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، نصف صاع طعام لكل مسكين، قال: فنزلت فيَّ خاصة، وهي لكم عامة، فقال ﵇: احلق رأسك واذبح أو صم أو أطعم) مع أنه في الإحرام لا يجوز حلق الشعر، لكنه مسكين القمل قد آذاه.
من مراعاة الشعور أيضاً المرأة البكر، إذا جاء القاضي يسألها أمام الناس، يقول لها: ترضين بفلان؟ هل تتوقعون امرأة بكراً تقول أمام القاضي: نعم أرضى بفلان، وأمام العالم والناس؟ بل تسكت، كيف يعرف القاضي أنها موافقة؟ بالسكوت، ولذلك ﵊ قال: (ولا تنكح البكر حتى تستأذن، قالوا: يا رسول الله! وكيف أذنها؟ قال: أن تسكت -وفي رواية-: إذنها صماتها) إذا سكتت فهي موافقة، وإذا رفضت ستقول: لا.
فلماذا جعل الصمت؟ حتى لا تحرج هذه المرأة المسكينة، انظر إلى الإسلام كيف يراعي الشعور.
مثلاً: الزوجة تريد أن تلعب.
الرسول ﷺ تزوج عائشة وهي صغيرة، والمرأة وهي صغيرة تحب اللهو واللعب في حدود الشرع، فلا يأت واحد يغلق عليها ويحجر، ويقول: ممنوع أن تلعبي أو تقومي أو تتحركي من مكانكِ، بل تغسلين، وتطبخين، وتكنسين فقط، وليس لك غير هذا.
لا، لا يصلح هذا.
فالرسول ﷺ كان يداعب نساءه، وكان يداعب عائشة، وأم سلمة، ويمازحهم، ويتكلم ويتلطف معهم، ومرة سابق عائشة في السفر، قال للصحابة: تقدموا، حتى لا يراهم أحد، فسابق عائشة.
عن عائشة ﵂: (أنها كانت تلعب بالبنات عند رسول الله ﷺ -كانت عندها دمى تلعب بها- قالت: وكانت تأتيني صواحبي، فكنَّ ينقمعن من رسول الله ﷺ -أي: يحدث نوع من الخجل من رسول الله ﷺ قالت: فكان رسول الله ﷺ يسربهن إليّ) يدخلهنَّ على عائشة يلعبن معها.
لو أنَّ ناساً مخلصين عملوا عملاً ولم ينجحوا، يقول ﵊: (ما من غزية أو سرية تغزو فتغنم وتسلم، إلا كانوا قد تعجلوا ثلثي أجورهم، وما من غزية أو سرية تخفق وتصاب إلا كَمُلَ أجرها) أخفقوا ولم ينتصروا فلهم الأجر كاملاً، والذين انتصروا وأخذوا المغانم لهم ثلثي الأجر.
ويقول ﵊: (أيما مسلم رمى بسهم في سبيل الله فبلغ مخطئاً أو مصيباً فله من الأجر كرقبة أعتقها من ولد إسماعيل) فلو كان معك بندقية وجاءك أعداء المسلمين، وأطلقت عليهم، أصبت أو لم تصب كأن لك من الأجر مثل رقبة أعتقتها من ولد إسماعيل، حديث صحيح رواه الطبراني عن عمرو بن عنبسة.
وكذلك يقول ﵊ في مراعاة شعور الناس الذين يريدون أن يخرجوا للجهاد وما استطاعوا: (إن في المدينة رجالاً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم، حبسهم العذر) أي: أصبح لهم الأجر مع أنهم قاعدون، لكنهم لا يستطيعون الذهاب للجهاد.
وفي مراعاة شعور التائب إذا تاب من الذنب، يقول ﵊: (إذا زنت أمة أحدكم فليقم عليها الحد ولا يثرِّب) أي: لا يعيِّبها، شخص عمل الذنب وتاب، لا تعيّره بالذنب تقول: اذكر كذا، لكن استر عليه، من ستر مسلماً ستره الله، ولا تعيبه أمام الناس أنه فعل الذنوب ما دام أنه تاب.
وختاماً: أيها الإخوة: من عظمة هذا الموضوع ومن أهميته أنه ليس فقط مراعاة شعور بني الإنسان ونفسياتهم، بل إن الإسلام جاء بمراعاة شعور الحيوانات، تقول لي: كيف جاء الإسلام بمراعاة شعور الحيوانات؟ أقول لك: اسمع هذا الحديث الصحيح: (مر رسول الله ﷺ على رجل واضعاً رجله على صفحة شاة -أي: أتى بشاة ووضع رجله على جنب الشاة- وهو يحد شفرته) تخيل المنظر: الشاة على الأرض وهو واضع رجله عليها، ويحد الشفرة (وهي تلحظ إليه ببصرها -وهذا شيء يقطع القلب حتى ولو حيواناً، فمر رسول الله ﷺ على هذا الرجل في هذه الحالة- فقال: أتريد أن تميتها موتات -مقرعاً وموبخاً، تميتها قبل أن تموت- هلا حددت شفرتك قبل أن تضجعها) مراعاة للشعور حتى في البهائم، وهذا من رحمة الإسلام.
فإذاً -أيها الإخوة- نقول: هذا الباب باب عظيم، وقل من ينتبه له من المسلمين اليوم، وكم من أناس جرحوا شعور إخوانهم بكلمات وتصرفات سيئة، وكم من أواصر تقطعت وأناس هجروا بعض ولم يسألوا عن بعض بسبب كلمة واحدة قالها واحد للآخر في المجلس، كلمة أدت إلى قطيعة سنوات، لماذا؟ لعدم الاعتناء بالشعور والنفوس.
وفقنا الله وإياكم لأن نقوم بحقوق إخواننا، وأن نعتني بمشاعرهم، وأن يوفقنا وإياكم للقيام بحقوق الأُخوة الإسلامية، وأن يجعلنا إخواناً متحابين في سبيله، قائمين بشرعته، ونصر دينه، وأن يغفر لنا ولكم، وأن يدخلنا الجنة بحوله، وقوته، ورحمته رجالاً ونساءً وأولاداً، وصلى الله على نبينا محمد.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 2192
اغتنام الأوقات بالطاعات
ذم الله في الكفار تضييعهم لأوقاتهم، ومدح الله المؤمنين لاستغلالهم لأعمارهم بالأعمال الصالحة.
وهذه الأوقات تتفاوت في فضلها، وتتفاوت أيضاً الأعمال في أفضليتها وتقديم بعضها على بعض.
وفي حياة السلف نماذج رائعة، وصور مشرقة، في استغلال الأوقات، وإنجاز الأعمال العظيمة.
كما تحتوي هذه المادة أيضاً على تفصيل لأحكام جمع الصلوات في المطر، وبيان لبعض المخالفات في ذلك.
стр. 2193
مسئولية اغتنام الأوقات
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن الله تعالى جعل الليل والنهار خلفةً لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [إبراهيم:٣٣] وقد أنب الله تعالى الكفار لما أعطاهم العمر المديد، فلم يستفيدوا منه، فقال : ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر:٣٧] ومدح المؤمنين، لأنهم استفادوا من أعمارهم، واغتنموا أوقاتهم، فقال : ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢٤] فوبخ هؤلاء مع أنه عمرهم؛ لأنهم لم يستفيدوا من العمر، ومدح هؤلاء؛ لأنهم اغتنموا الأيام الخالية، اغتنموا العمر في طاعة الله تعالى، وهذا المبدأ مهمٌ للغاية- أيها المسلمون- أن يعلم الإنسان قيمة عمره (لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه)، وقال ﵊: (اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك) فتأمل! أنه يُسأل عن العمر عموماً، ويسأل عن الشباب خصوصاً؛ لأنها مرحلةٌ فيها نشاطٌ وقوةٌ وحيويةٌ، ففي أي شيء صرفها؟ وفيمَ قضاها؟ وكذلك يسأل عن الصحة؛ لأنها نعمة يستطيع أن يفعل فيها أكثر مما يفعل في حال المرض، ويسأل كذلك عن أوقات الفراغ -يا عباد الله- والنبي ﷺ بين هذا المفهوم بقوله: (عجلوا الخروج إلى مكة، فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له من مرض أو حاجة)، وقال: (من أراد الحج، فليتعجل؛ فإنه قد يمرض المريض، وتضل الضالة، أو تعرض الحاجة) حديث صحيح.
стр. 2194
الإسراع في اغتنام الأوقات
انتهاز الفرصة، واغتنام الأوقات قبل ورود المشاغل، وقبل الانشغال بالمرض، وقبل الانشغال بالفقر، وقبل الانشغال بالأولاد والزوجة، وقبل الانشغال بما سينزل به من الموت.
ومع الأسف! فإن كثيراً من الناس لا يعرفون قيمة عمرهم، قال رسول الله ﷺ : (نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ) فالحديث يدل على توفر أمرين: الوقت، وقوة الجسد الوقت الذي يمكن ملؤه، وقوة الجسد المعينة على العمل، وفترة الشباب تكون زاخرةً بهذين الأمرين.
عباد الله: ونحن مقبلون على موسم الطاعة، وعلى شهرٍ عظيمٍ، وسيكون فيه إجازةٌ من المدارس، فماذا سيفعل الشباب ويفعل الناس عموماً في هذا الموسم القادم؟ إذا علمنا أنه لا يتحسر أهل الجنة على شيء إلا على ساعةٍ مرت بهم في الدنيا لم يذكروا الله فيها، فإذا قارنا هذا بالساعات الطوال التي تضيع في غير ما فائدة، بل إنها تقضى في المعاصي، ولا يبقي كثيرٌ من الناس لربهم وعبادته سبحانه إلا ساعة إذا اكتملت، هذا إذا اكتملت، وأهل الجنة يتحسرون على ساعة مرت لم يذكروا الله تعالى فيها، وكثيرٌ من الناس في هذا الزمان لا يتعدى ذكرهم لله في اليوم ساعة، وبقية الأوقات في الأشغال والملاهي والمحرمات، وهنا ينبغي أن يقف العاقل مع نفسه وقفةً يتذكر فيها ربه، ويعد العدة لما بعد الموت.
عباد الله: ينبغي اغتنام كل فرصة، واغتنام العمر حتى آخر لحظة، وهذا معنى قول النبي ﷺ : (إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألَّا تقوم حتى يغرسها، فليفعل) رواه الإمام أحمد.
في هذا الحديث الصحيح انتهاز الفرصة في عمل صالح في آخر لحظة، ولو كان الإنسان لم ير ثمرته، فسوف يرى ثمرته في الآخرة، ولو لم يجدها في الدنيا.
عباد الله: إن المشكلة تكمن في عدم معرفة قيمة الوقت الوقت سريع التقضي أبي التأتي، لا يرجع مطلقاً، والعاقل هو الذي يفعل ما يغتنم به وقته، قال بعض أهل العلم: ينبغي للإنسان أن يعرف شرف زمانه، وقدر وقته، فلا يضيع منه لحظة في غير قربة، ثم ليس فقط انتهاز العمر بالطاعات، واغتنام الأوقات بالعبادات، وإنما يقدم الأفضل فالأفضل من القول والعمل، اغتنام الوقت في أفضل ما يمكن مسألة تحتاج إلى فقه؛ لأن مسألة التفاضل بين الأعمال لا يمكن التوصل إليها إلا من خلال الأدلة الشرعية، ولذلك فلا بد أن يكون للمسلم علمٌ بالأعمال التي نص الشارع على فضلها، وأنها أفضل من غيرها.
ولذلك نجد في بعض الأحاديث: (أفضل الأعمال إيمانٌ بالله وحده، ثم الجهاد، ثم حجةٌ برة) (أفضل الأعمال الصلاة على وقتها، ثم بر الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله) وهكذا تتفاوت الأعمال في الفضل كما تختلف بالنسبة للأشخاص في ظروفهم وأحوالهم وإمكاناتهم، وكذلك فإنه قد يكون الأفضل لشخصٍ ما ليس لآخر، فالأذان لمن كان حسن الصوت، وقيادة عسكر الجهاد لمن كان له خبرةٌ وقوةٌ، والصدقات للأغنياء، وتعليم الناس لأهل العلم، والشفاعة الحسنة من صاحب الجاه، وغير ذلك من الأعمال التي تعتمد على إمكانات الأشخاص، ثم إنه قد لا يكون هناك من يقدر على هذا العمل ويستطيع القيام به إلا هو، فيتعين عليه.
وكذلك أن يكون العمل أنفع، فكلما كانت دائرة النفع أشمل، كلما كان أفضل، ولذلك كان نفع المسلم لأخيه المسلم من قضاء دين، أو تعليم علم، أو سد جوعة ونحو ذلك من أفضل القرب؛ حتى ربما فاق الاعتكاف في المسجد النبوي شهراً.
وكذلك فإنه إذا عرف أن بعض الأعمال أفضل لمشقتها، فإنه يقدم عليها كما جاء في فضل إسباغ الوضوء على المكاره، والمشي في الظلم إلى المساجد، والجهاد في سبيل الله، ولذلك فإن احتساب الأجر في التصدي لأهل البدع وأعداء الدين فيه أجرٌ عظيمٌ؛ لأنه يترتب عليه مشقة شديدة وتضحية، والمؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من الذي لا يخالطهم ولا يناله شيء من أذاهم.
عباد الله: حتى القرآن وهو كلام الله تعالى فيه آيات وسور بعضها أفضل من بعض، والأذكار الشرعية بعضها أفضل من بعض، فالحمد لله أفضل من سبحان الله، والكل واردٌ، وبعضه محددٌ في مناسبات، ولكن إذا جئت للأذكار المطلقة، هنا يظهر الفقه في انتهاز الوقت في العبادة والذكر التي هي أفضل من غيرها.
стр. 2195
استغلال الأوقات فيما ينفع قبل ازدحام الأعمال
عباد الله: إن على المسلم أن ينظر في أي شيء يصرف وقته، قال بعض أهل العلم: رأيت عموم الخلائق يدفعون الزمان دفعاً عجيباً، إن طال الليل فبحديث لا ينفع، أو بقراءة كتاب وسمر قراءة كتاب في أي شيء؟ فيما لا ينفع ككثيرٍ من القصص التافهة، والمجلات الماجنة، وإن طال النهار فبالنوم، وهم في أطراف النهار على دجلة، أو في الأسواق، هذه ملاحظة أحد علماء العراق في زمانه، قال: تراهم في أطراف النهار على دجلة -كما يضيع كثير من الناس أوقاتهم على الأرصفة والشواطئ والصف في الأسواق، تضيع الأوقات عمرٌ يهدر، شهورٌ وسنواتٌ تجري وهو لم يفعل غير الصف في الأسواق، والجلوس في الطرقات، وإضاعة الأوقات في الملاهي والمحرمات، ليتهم كان صرفهم لوقتهم في شيء لا يضرهم! ولكنه يصرفونه فيما يضرهم ولا ينفعهم- قال: وهم في أطراف النهار على دجلة، أو في الأسواق، فشبهتهم بالمتحدثين في سفينة وهي تجري بهم وما عندهم خبرها.
لماذا نهى النبي ﷺ عن قيل وقال، وكثرة السؤال، ونهى عن سؤال ما لم يقع؟ لأجل حفظ الوقت، فيكون حال الجاهل بحق ربه ومصلحة نفسه من يضيع أوقاته في مثل هذه الترهات، وكثيرٌ ما هم! ونحن قادمون على إجازة في شهرٍ كريمٍ، فما هي الخطة؟ وما هو المنهج؟ وماذا كان الإعداد.
عباد الله! إن العوارض كثيرة، والأشغال متعددة، وتتزاحم الهموم، وينشغل التفكير، ويتكدر صفاء الذهن بمشكلات الحياة الكثيرة، ولذلك لا بد من اغتنام الأوقات قبل عروض المشاغل، والإنسان لا يدري ماذا تخبئ له الأيام، وبعض الناس قد انشغل بمرض سنوات طويلة أقعده وآلمه، وصرفه عن سعيه ونشاطه، ولا يظنن الشاب أن الأمر سيستمر على ما هو عليه.
أترجو أن تكون وأنت شيخٌ كما قد كنت أيام الشبابِ
لقد كذبتك نفسك ليس ثوب دريسٌ كالجديد من الثيابِ
وينبغي على الطالب أن يغتنم وقته قبل أن يصبح موظفاً، وكذلك من لم يتزوج ينتهز وقته قبل أن ينشغل بالزواج والأولاد وهكذا تشغل الحياة الدنيا من فيها، فالسعيد العاقل من انتهز الوقت وعرف قيمته.
عباد الله: تمر بنا إجازات كثيرة، وعُطلٌ عن الأعمال في آخر الأسبوع وغيرها، ففي أي شيء تقضى؟ وفي أي شيء تصرف؟ والمسألة تحتاج إلى إمام يدفع لقضاء الأوقات في الطاعات.
стр. 2196
نماذج ممن عرفوا فضائل الأوقات
بماذا انتهز عبد الله بن عمرو بن العاص وقته؟ واغتنمه في أي شيء؟ جاء إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إن لي قوة- شاب عندي قوة- وذكر له الصوم، فقال ﵊: (صم من كل عشرة أيامٍ يوماً ولك أجر التسعة، فقال: إني أقوى من ذلك، قال: فصم من كل تسعة أيامٍ يوماً ولك أجر الثمانية، فقال: إني أقوى من ذلك.
قال: فصم من كل ثمانية أيامٍ يوماً ولك أجر تلك السبعة، قال: إني أقوى من ذلك، قال: فلم يزل به حتى قال: صم يوماً، وأفطر يوماً، فقال: إني أطيق أفضل من ذلك، فقال رسول الله ﷺ : لا أفضل من ذلك) فكان ينتهز عمره وفرصة شبابه في الصيام.
كيف تعود الأعمش ﵀ على ألا تفوته تكبيرة الإحرام ستين عاماً؟ لقد كان العلماء يعرفون فضائل الأوقات.
والبخاري ﵀ كان يتمثل بهذين البيتين:
اغتنم في الفراغ فضل ركوعٍ فعسى أن يكون موتك بغتة
كم صحيحٍ رأيت من غير سقمٍ ذهبت نفسه الصحيحة فلتة
وفعلاً فقد توفي البخاري ﵀ بالسكتة وموت الفجأة مثلما كان يقول في هذين البيتين، ولكن: ماذا ترك محمد بن إسماعيل رحمة الله عليه؟ ترك هذا الكتاب العظيم الذي هو أصح كتابٍ بعد كتاب الله، ومنه ينهل الواردون، ويأتي المتعطشون للعلم، ويستدل بأحاديثه في الخطب والدروس والمواعظ، فكم جاء لـ أبي عبد الله في قبره من حسنة، والله يعلم شأن عباده.
عباد الله: إن الله لما أمر نبيه بالعبادة، أو بالصلاة، أتبع الصلاة بعمل آخر، قال: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح:٧ - ٨] والمؤمن يخرج من عبادة ليدخل في أخرى، وهذا هو الاغتنام الحقيقي، فتحسن نيته حتى يكون نومه وأكله وشربه ونكاحه عبادة إذا حسنت النية، وابتغى بذلك وجه الله .
стр. 2197
توزيع الأوقات في حياة السلف
عباد الله: كان السلف ﵏ أوقاتهم موزعة بين العبادة والتعلم والحفظ والتدريس والتصنيف والإفتاء، وربما كان يقرأ عليهم في الطريق، ويقرءون هم في الطريق، وكان الخطيب البغدادي ﵀ يمشي وفي يده جزء يطالعه، وكان جد شيخ الإسلام إذا دخل المغتسل، أمر قارئاً يقرأ ويرفع صوته ليستفيد من العلم وهو يغتسل، وكانوا يأكلون الطعام نيئاً أحياناً لضيق الوقت، ويختارون سفَّ الكعك، لأنه أسهل وأشد يسراً في البلع، ولا يأخذ وقتاً في المضغ، وربما تعلم واحدٌ منهم المسألة وهو على فراش الموت يحتضر، وقال عمر ﵁ وأرضاه: [تفقهوا قبل أن تسودوا] لأن السيادة لها ضريبة في الشغل والانشغال، فإذا لم يدخل فيها المرء بعلم وفقه، فأي شيء يفعل؟ وكيف يقود؟
стр. 2198
التحول الكبير في خلافة عمر بن عبد العزيز
عباد الله: تبقى مسالة معرفة قيمة الزمن وشرف الوقت، فإذا خلصت النية فالله يبارك، هذا عمر بن عبد العزيز ﵀ في سنتين ونصف فقط أحدث انقلاباً في حياة الناس، صار الناس في غاية الشغل في العبادة والطاعة، وكانوا في عهد من قبله يسأل بعضهم بعضاً عن القصور والبساتين والعمائر والزراعات والتجارات، وفي عهد عمر صار الواحد يسأل الآخر عن الختمة والحجة والعمرة والطاعة، فالإنسان يمكن أن يفعل لنفسه ولغيره من النفع العظيم في وقت يسير إذا خلصت النية، وكذلك ينبغي الانتباه (لسوف) ومرض (التسويف)، كما قال بعض السلف: "كلما جاء طارق الخير، صرفه بواب لعل وعسى"، فينبغي أن يسارع المسلم الآن، لأن قولة: (عسى وسوف) لا تغني شيئاً، بل ربما سوف وفاتت عليه الفرصة، نسأل الله أن يعمر أوقاتنا بالطاعات، وأن يجعلنا من القائمين بالعبادات، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 2199
صور مختلفة من الاستعداد للشهر الكريم
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، وصلى الله وسلم على النبي الأمين، محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين.
عباد الله: أمران أنبه عليهما في هذا الاجتماع، لم يبق على رمضان إلا أيام قليلة، فينبغي إعداد العدة لقدوم الشهر الكريم، وإذا كان التجار يستعدون بتكديس المواد الغذائية، وأهل المعاصي يستعدون بالسهرات المحرمة والفوازير والمسابقات القائمة على الميسر والقمار الشائعة بين الناس، وغيرهم من أهل الدنيا في لهو ولعب، واستعداداتهم للشهر دائرة بين الانشغال بالمباحات، أو الإعداد للمحرمات، فينبغي للمسلم أن يعد العدة لهذا الشهر الكريم، فأما من كان على ثغرة في تعليم الناس، فينبغي أن يعد العدة فيما يقرأ عليهم، وأي شيء يذكرهم به، وأن يقرأ في فتاوى الصيام وأحكامه ليكون على استعداد لتعليم غيره ونفعه بما ينبه به غافلاً، ويعلم به جاهلاً، وهذه مسألة في غاية الأهمية، وهي تنبع من الشعور بالمسئولية، وحمل الأمانة التي كلف الله بها أهل هذا الدين.
стр. 2200
أحكام قضاء الصيام
ننبه من كان عليه قضاء من رمضان ماضٍ بأن يسارع إلى القضاء قبل دخول رمضان الجديد؛ لأنه لا يجوز للمسلم أن يؤخر ما عليه من الدين لله تعالى من رمضان الماضي حتى يدخل رمضان الجديد، وإنما ينبغي عليه أن يقضي قبل ذلك، ولو كان له شغلٌ أخر قضاءه إلى شعبان كما كانت عائشة ﵂ تفعل في انشغالها بشأن زوجها ﷺ حتى تجعل قضاءها في شعبان، فإنها الفرصة الأخيرة، فننبه -وبالذات- النساء في البيوت اللاتي عليهن قضاء من نفاس، أو رضاع أشغلهن في رمضان الماضي للمسارعة في القضاء، وأما إن اتصل العذر، فكانت في حمل ونفاس ورضاع حتى دخل رمضان الجديد ولم تمكن من القضاء، أو المريض الذي اتصل مرضه من رمضان الماضي حتى دخل رمضان الجديد، فليس عليه شيء غير القضاء فيما يستقبل إذا زال العذر وتمكن منه.
كما أنبه- أيها الإخوة- إلى أنه لا يجوز تأخير القضاء بعذر الاختبارات والامتحانات، فإنها ليست بعذر؛ لأن قضاء الصوم أعلى درجةً بكثير من اختبارات الدنيا وامتحاناتها، فلا يكون ذلك عذرٌ، فتنبه يا ولي أمر الطالب والطالبة، وكذلك فإننا نسأل الله التوفيق للأبناء، وأن يجعل سعيهم في طاعته.
стр. 2201
ضوابط الجمع بين الصلوات
عباد الله: أمرٌ آخرٌ في قضية الجمع في المطر وقد سبق التنبيه على عدم التنازع وتحويل المساجد إلى ساحات للصراع في الآراء، ورفع الأصوات والصياح، والاختلاف بين المسلمين، حتى لو أن كافراً يريد أن يسلم واطلع على بعض ما يدور في جماعة مسجد من المساجد في هذا الشأن، لربما صده ذلك عن ديننا، فلا يجوز رفع الأصوات في المساجد والصياح والاختلاف فيها، وقد غضب النبي ﷺ لما رأى شيئاً من ذلك، فاجتنبوا ذلك يرحمكم الله، والمسألة واضحة فيما ذكره أهل العلم في الجمع في المطر من استمرار نزوله مطراً حقيقاً يبل الثياب، فيه مشقة وحرج في قدوم الناس إلى المسجد، فهذا المطر الذي يجمع فيه- وقد ذكر علماؤنا هذه المسألة- وأنقل لكم هذه الفتوى التي صدرت من سماحة الشيخ ابن باز في هذه المسألة: يجب على المسلم أداء الصلوات الخمس في أوقاتها التي حددها الله لها، وبينها رسوله ﷺ بقوله وبفعله، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ [النساء: ١٠٣] وقال النبي ﷺ : (صلِّ الصلاة لوقتها) فلا يجوز فعل الصلاة في غير وقتها لا قبله ولا بعده إلا لمن يجوز له الجمع بين الصلاتين لعذر شرعي يبيح له الجمع، كالسفر الذي تقصر فيه الصلاة، والمرض الذي يحصل فيه على المريض بترك الجمع مشقة، وفي حالة المطر والوحل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: لأن فعل الصلاة في وقتها فرض، والوقت أوكد فرائض الصلاة، كما أن صيام شهر رمضان واجب في وقته ليس لأحد أن يؤخره عن وقته، لكن يجوز الجمع بين الظهر والعصر بـ عرفة، وبين المغرب والعشاء بـ مزدلفة باتفاق المسلمين، وكذلك يجوز الجمع بين صلاة المغرب والعشاء، وبين الظهر والعصر عند كثيرٍ من العلماء للسفر والمرض ونحو ذلك من الأعذار، وأما تأخير صلاة النهار إلى الليل، وتأخير صلاة الليل إلى النهار فلا يجوز لمرض، ولا لسفر، ولا لشغل من الأشغال، ولا لصناعة باتفاق العلماء، بل قال عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه: [الجمع بين صلاتين من غير عذر من الكبائر] انتهى كلام شيخ الإسلام ﵀.
وبناءً على ذلك فالذين يسارعون إلى الجمع لمجرد وجود غيم، أو مطر خفيف لا يحصل منه مشقة، أو لحصول مطر سابق لم ينتج عنه وحلٌ في الطرق، فإنهم قد أخطئوا خطأً كبيراً، ولا تصح منهم الصلاة التي جمعوها إلى ما قبلها؛ لأنهم جمعوا من غير عذر، وصلوا الصلاة قبل دخول وقتها.
وأيضاً: لا يجوز الجمع بين الجمعة والعصر، لأن ذلك لم ينقل عن النبي ﷺ ، ولا عن أصحابه ﵃، ولأن الجمعة ليست من جنس العصر، فمن جمع بين الجمعة والعصر فعليه أن يعيد صلاة العصر لكونه صلاها قبل وقتها لغير مسوغ شرعي.
فإذاً إذا كان مطراً واضحاً يبل الثياب ويحصل منه مشقة ولو لبعض الناس، لأن بعض المجاورين للمسجد قد لا يحصل له شيء، فعند ذلك تُجمع الصلاتان.
وينبغي -يا عباد الله- كذلك الائتلاف والاتفاق وعدم الاختلاف، وبيان كلام أهل العلم في المسائل، وليس الجمع شهوة، المسألة ليست كما قال أحد الناس، قال: اجمعوا أين نجد هذه الفرصة؟ ليست المسألة بيعاً وشراءً، وليست عرضاً تجارياً، المسألة مسألة صلاة ودين، ولذلك ينبغي أن يكون الجمع صحيحاً، ولنعلم أيضاً: أن حال الأحياء والمدن يختلف، فبعض المساجد قد يحيط بها مستنقعات من المياه حتى لو توقف المطر يخوضون في الوحل والماء، فهؤلاء يجمعون، وآخرون ليس عندهم هذا العذر لا يجمعون، وبعض المخططات السكنية فيها خوض في الوحل والطين يجمعون ولو توقف المطر، وغيرهم لا يجمع، لأنه ليس عندهم عذر الجمع، وقد يكون المطر كثيفاً في طرف البلد خفيفاً في الطرف الآخر أو منقطعاً، فينبغي مراعاة كل مسجد وكل حي بحسبه.
وكذلك فإنه ينبغي تعلم دين الله تعالى، فإن بعض الناس بلغ من جهلهم أنهم جمعوا في المطر في البلد وقصروا!! وهذا من تقصيرهم وجهلهم، فأين سمعت بقصر صلاة في البلد وليس قصرٌ إلا في السفر؟! ومن فعل ذلك، فعليه التوبة والإعادة، وأحياناً يكون الإمام من الأعاجم، فيتسلط عليه من في المسجد، ويلزمونه بجمع ليس فيه جمع شرعي، ويكون بجهله ربما يؤدي إلى قصر الصلاة، وهم بجهلهم لا ينبهونه، ويخرج الناس من المسجد ويتفرقون ولم يقضوا واجب الله تعالى، ولذلك ينبغي الحرص على العلم، ومعرفة أقوال أهل العلم وتحقق العذر، ولا بأس إذا كان العذر قائماً أن يذهب إلى مسجد فيه جمع ليجمع ما دام العذر قائماً، وأما إذا لم يكن قائماً، فلا يجمع ولو معهم، ولا يصلي معهم ولو نافلة؛ لئلا يكون مقراً لهم على حالهم، وينبغي أن تكون النصيحة بالحسنى فيما بينه وبين إمامه وبين المصلين وبعضهم، وكونوا عباد الله إخواناً.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا الفقه في دينه والعمل بكتابه.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 2202
اغتنم فراغك قبل شغلك
من أعظم النعم التي أنعم الله بها علينا هي نعمة الزمن، التي ما استطاع كثير من المسلمين أن يستغلوها في مرضاة الله ، وخيرٌ للمسلم أن يقدم له أعمالاً؛ لكي يلقى الله بها، ولكي تكون له نوراً في قبره؛ لأنه لا يعلم ماذا قد قدر الله عليه من أمراض، وغيرها من الأسباب التي تشغله عن طاعة الله .
стр. 2203
الزمن نعمة من نعم الله
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
الحمد لله القائل في كتابه، ممتناً على عباده: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم:٣٣ - ٣٤].
فإذاً: هذه الشمس وهذا القمر، وهذا الليل، وهذا النهار من نعم الله، ولو لم يكن هناك ليلٌ ولا نهار، ولا شمسٌ ولا قمر، ولم يكن هناك زمن يقضي فيه العباد أعمالهم، فكيف سيكون الحال؟ ولذلك كان هذا الزمن نعمة من نعم الله، جعله الله ليستفيد منه العباد: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً﴾ [الفرقان:٦٢].
جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، ولذلك لما كان هذا الزمان نعمة مسئول عنها العبد، كانت محاسبة الله للكفار شديدة، فإن الله يؤنبهم يوم القيامة، لما أعطاهم العمر المديد ففرطوا فيه قال الله : ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر:٣٧].
تأنيب، أولم نعمركم في الدنيا؟! ولكن ليست هناك منفعة، ولا تذكر أحد، وجاءكم النذير، ويمدح الله المؤمنين عندما يدخلون الجنة فيقول: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢٤].
يعني: أنهم استغلوا الأيام وصاموا فيها، وعبدوا الله فيها، ولذلك يوم القيامة في الجنة كوفئوا على هذا الاستغلال للوقت: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢٤] أي: في الدنيا.
عمر الإنسان ما هو؟ هو لحظات دقائق ساعات أيام شهور سنوات، وهذه الشجرة، يا ابن آدم! إنما أنت لحظات، فإن ذهبت لحظة ذهب بعضك حتى يذهب الإنسان كله، ولذلك الله عندما يعطي العبد نعمة يسأله عنها: (لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يسأل عن أربع خصال: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه) حديثٌ صحيح.
стр. 2204
حديث: "اغتنم خمساً قبل خمس "
وحتى لا يشعر العباد بالبخس، ولا تفوتهم الفرصة قال لهم رسول الله ﷺ -ويجب أن نشعر أن هذا الحديث موجه إلى كل واحدٍ منا- قال: اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك؛ لأن الشباب فيه من الطاقة والحيوية ما ليس في الهرم، وصحتك قبل سقمك؛ قبل أن يأتيك مرض يشغلك، وغناك قبل فقرك؛ أي: قبل أن تأتي حاجة أو مصاريف كثيرة تقضي على المال وتفتقر، فاغتنم المال الذي بين يديك وتصدق منه قبل أن تفتقر، فأنت لا تدري ماذا سيحدث لك في المستقبل، وفراغك قبل شغلك؛ فكل الفراغ الذي يحصل لك في الدنيا اغتنمه، فقد تنشغل في الدنيا، وقيل: اغتنم فراغك في الدنيا قبل أن تنشغل بالعذاب في الآخرة- وحياتك قبل موتك، فعلى وجه الإجمال اغتنم حياتك قبل موتك، وهو حديثٌ صحيح.
وسنركز أيها الإخوة على واحدة من هذه الخمس وهي: اغتنم فراغك قبل شغلك: أريد أن أسألكم سؤالاً: حديث: (اغتنم خمساً قبل خمس، شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك) هذا الحديث يدور على عدة أشياء.
أليس بعض هذه الخمس يدخل في بعض؟ يعني: فراغك قبل شغلك يدخل في حياتك قبل موتك، والوقت هذا واحد، وثانياً: الصحة، وثالثاً: المال.
لأن الصحة من الشباب، والمال منصوص عليه في الحديث، الواحد منا إذا كان عنده وقت وصحة ومال، استطاع أن يفعل كل شيء، يعني من الناس من يكون صحيحاً لكنه مشغول بالكسب، ومن الناس من قد يكون متفرغاً ليس عنده شغل، لكنه مريض معلول أليس كذلك؟ لكن الشخص الذي عنده صحة وعنده وقت، يستطيع أن يكسب مالاً ويستطيع أن يعمل أشياء كثيرة جداً، فعنده الآن أهم مسألتين في النعم بعد نعمة الإيمان وهما: الصحة والوقت، الوقت الذي هو الفراغ، لذلك جاء النص عليهما في الحديث الآخر: (نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس؛ الصحة والفراغ) ولذلك قال العلماء: أهم نعم الله على العبد ثلاث: الإيمان والصحة والفراغ.
فأن يجد إيماناً وصحةً وفراغاً فهو رأس المال كله، ومعنى مغبون فيهما كثير من الناس، الغبن: أن تشتري سلعة بأكثر من قيمتها الحقيقية، أو تبيع سلعة بأقل من قدرها، هذا غبن أيضاً، وأكثر الناس مفرطون في الصحة والفراغ، ولذلك فهم مغبونون أشد الغبن، وهناك قلة من الناس لم يغبنوا، كما نص عليه الحديث قال: (نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس) يعني: هناك قليل تلافوا ذلك الغبن، وهؤلاء القليل هم الفائزون.
استغلال الوقت مهم جداً لدرجة أن الرسول ﷺ يقول: (ليس يتحسر أهل الجنة على شيء إلا على ساعةٍ مرت بهم لم يذكروا الله فيها).
يتحسرون على ساعة، والساعة لحظة، أي: مدة من الزمن، يقال: للفترة القصيرة من الزمن في لغة العرب ساعة، لا يتحسر أهل الجنة على شيء، إلا على ساعةٍ مرت بهم لم يذكروا الله فيها، ويبلغ مقدار أهمية استغلال الوقت في الإسلام مبلغاً عجيباً لدرجة أن الرسول ﷺ يقول: (إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليفعل).
يعني: استغل كل شيء، لو قامت القيامة وتستطيع أن تغرس فسيلة في يدك، فاغرسها ثم مت، وهذا الوقت -أيها الإخوة- من نعم الله ، وله ميزات عجيبة، فهو سريع التقضي أبي التأتي، يذهب بسرعة ولا يمكن أن يرجع، وهو كالسيف إن لم تقطعه قطعك، بعض الناس يقول: هذا عنده غيرة، وهذا ليس عنده غيرة، هناك غيرة مهمة جداً، وهي الغيرة على الوقت، الواحد قد يغار على عرضه، ويغار على أهله، لكن هناك غيرة مهمة، وهي الغيرة على الوقت الذي يذهب ويهدر، فإذا صارت هناك غيرة على هذه الأوقات المهدرة حصل كمالٌ عظيم للمسلم، قال صاحب صيد الخاطر: ينبغي للإنسان أن يعرف شرف زمانه وقدر وقته، فلا يضيع منه لحظةً في غيره قربة، ويقدم الأفضل فالأفضل من القول والعمل، ولتكن نيته في الخير قائمة، فإذا علم الإنسان وإن بالغ في الجد بأن الموت يقطعه عن العمل، عمل في حياته ما يدوم له أجره بعد موته، فإن كان له شيءٌ من الدنيا -يعني عنده أموال مثلاً- وقف وقفاً وغرس غرساً يأكل منه الطير والحيوان فيكون له أجر- الناس الذين عندهم مزارع وبساتين، وعندهم حدائق في بيوتهم، لو نووا بهذا الغرس أنه لله، فإذا أكل منه طير أو حيوان فإنهم يؤجرون على نيتهم هذه؛ وقف وقفاً أو غرس غرساً وأجرى نهراً، ويسعى في تحصيل ذرية تذكر الله بعده، فيكون الأجر له.
стр. 2205
أهمية الناس الذين ينجبون الأولاد
الذين يعملون بتحديد النسل ويقولون: نحن لا نريد إنجاب أطفال، ويكفي اثنان أو ثلاثة هؤلاء يفوتهم أجر كبير، لماذا؟ لأن الإنسان لو كان عنده سبعة أولاد أخيار، أو بعضهم، فإنه يؤجر على هؤلاء؛ لأن كل واحد من الأولاد سيصلي ويحج ويصوم ويدعو ويطلب العلم، ويذكر الله، والأب له مثل أجورهم إذا كان هو الدال على الخير وربَّى أولاده على هذا، وبعض الآباء يتركون أولادهم في الشوارع ثم يأتي الدعاة إلى الله فيلتقطونهم من الشوارع ليدخلوهم في معترك الحياة الإسلامية الصحيحة، ثم بعد ذلك نقول: الأب يؤجر لأن ولده أصبح مستقيماً، وهو لم يتعب في تربيته ولم يُجهد نفسه في أن يصبح ابنه كذلك، وهذا أجره ليس لأبيه، وإنما للداعية الذي اهتدى على يديه.
عندما يربي الأب ابنه تربية إسلامية؛ مثلاً: لو عندك سبعة أولاد تربوا تربية إسلامية على يديك فلو متّ فإن كل عمل صالح يعملوه فإن لك مثل أجره، من غير أن ينقص من أجورهم شيء.
عرفنا الآن نعمة أو أهمية أن يكون للإنسان أولاد، وعملية الإنجاب لها فوائد مثل تكثير نسل المسلمين، وغيرها من الفوائد الكثيرة التي تنشأ من الإنجاب، وهؤلاء الغافلون المتأثرون بدعوات تحديد النسل، يعملون عملهم في أوساط المسلمين، من يصنف كتاباً -إن كان من أهل العلم- فإن تصنيفه هو ولده المخلد، أما من ينجب ولداً يعيش مثلاً ستين سنة ومات، كان هذا العمل الصالح في هذه الستين سنة فقط، ويكون الأب له نصيب منه بحسب جهده، لكن العالم عندما يصنف كتاباً فإنه يستفاد من الكتاب مئات السنين، فإن تصنيف العالم ولده المخلد، ونحن الآن عيال -مثلاً- على كتاب فتح الباري، عيال على كتب علماء السلف، عيال على صحيح البخاري عيال على صحيح مسلم، وعلى مسند أحمد، وعلى كتب أهل الحديث، وعيال على مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه، فكل حرفٍ نقرأه في هذه الكتب ونستفيد منه ونحضر فيه موضوعاً ونلقيه إلى الناس فيعود الفضل لأولئك العلماء.
فإن تصنيف العالم هو ولده المخلد، فمن نقل إلينا سيرة الإمام أحمد فتأثر الناس بها، والإمام أحمد يصله الأجر في قبره بسبب تأثر الناس بسيرته، لو شخصاً -مثلاً- تعرض لاضطهاد فقرأ فتنة الإمام أحمد وثبت، فإن للإمام أحمد أجر ثبات هذا الرجل، لأن عمل الإمام أحمد قد مات قومٌ وهم في الناس أحياءُ
في الجانب المقابل هناك أشخاص هامشيون، بعض الناس وجوده مثل عدمه، بل إن وجوده ضار، أليس ذلك صحيحاً؟ وهناك أناس لو ماتوا لكان أفضل، وهناك أناس لو ماتوا لما حصل أي نوع من التغيير أو النقصان، لا في بيته، ولا في مدرسته، ولا في عمله، ولا في مجتمعه، لكن هناك أناس لو مات أحدهم تأثر البيت من موته؛ لأنه كان يملأ فراغاً عظيماً في ذلك البيت، وكذلك لو مات مدير لتأثرت الدائرة كلها، بسبب موت ذلك المدير الصالح في دائرته التي يعمل فيها، وهناك مدرس لو مات لحزن الطلاب عليه، وأصبح هناك نقص في المدرسة بموت هذا المدرس:
قد مات قومٌ وهم في الناس أحياءُ
الإسلام يريد من المسلمين أن يكونوا طاقات فعالة، لها أثر في الواقع، أنت إذا لم يكن لك أثر في الواقع، فمعناه أن عندك خطأ كبيراً في منهجك، ويجب أن تراجع نفسك: لماذا ليس لك أثر في الواقع؟
стр. 2206
طريقة تعامل بعض الناس مع الزمن
يقول ابن الجوزي وهو يتحدث في مدينة بغداد: رأيت عموم الخلائق يدفعون الزمان دفعاً عجيباً، إن طال الليل فبحديثٍ لا ينفع، أو بقراءة كتابٍ في غزاةٍ أو سمر؛ بطولات معارك كلام وأشياء الحروب، أو سمر، ونحن نضيف الآن، أفلام الفيديو، والتلفزيون، والجرائد، والمجلات، والكتب الغثائية التي ترمى يومياً في الأسواق، وتملأ رفوف المكتبات، روايات وقصص مدمرة، سبحان الله! اخترع أهل الباطل كتاباً اسمه كتاب الجيب، لماذا؟ لأنه يدخل في الجيب، قصة أو غيرها، وهناك كتب اسمها مقاس فرنسي صغير بحجم الكف، لماذا؟ لأنه يمكن لأي شخص أن يأخذه معه أينما ذهب.
وقد لا تجد مثل هذه الخدمة في الكتاب الإسلامي، لكن قد بدأت تظهر كتيبات صغيرة تحمل في الجيب وأشياء من الأذكار وغيرها، لكن تأمل أن بعض الناس يقتلون وقتهم قتلاً بهذه الأشياء؛ إن طال الليل فبحديثٍ لا ينفع أو بقراءة كتاب في غزاةٍ أو سمر، وإن طال النهار فبالنوم! وهم في أطراف النهار على دجلة أو في الأسواق، نحن الآن نقول: على الكورنيش أو في الأسواق- فشبهتهم بالمتحدثين في سفينة وهي تجري بهم وما عندهم خبر- سفينة العمر تجري وسترسو على شاطئ الموت وما عندهم خبر، شرائع الإسلام متكاملة يعضد بعضها بعضاً، ولذلك إذا أمر الشرع بشيءٍ، أمر بتهيئة أسبابه ونهى عما يخالفه ويضاده، فمثلاً: لماذا نهى رسول الله ﷺ عن قيل وقال وكثرة السؤال؟ لأن أقل ما فيها مضيعة الوقت.
ولذلك نهى السلف عن السؤال عن الأشياء التي لم يقع، وهؤلاء الناس دائماً يقولون: أرأيت لو كان كذا، أرأيت لو حصل كذا!! وهذا شيء بسيط، هذا من كثرة السؤال والقيل والقال، بجانب انشغال الناس الآن بالزينات والكماليات ومتاع الدنيا وانشغال النساء بالبهارج، المشكلة أن الناس -أقصد الأغنياء- يظنون أن حالتهم ستستمر كما هي! بعض الناس يقول: المهم النظر في الحالة الراهنة فحسب، فهذه حالة الجهلة الحمقى، مثل أن يرى نفسه معافى وينسى المرض فيستبعده، هل يخطر ببالك الآن وأنت صحيح أنك قد تصاب بمرض شديد جداً؟ الواحد الآن وهو غني وراتبه كبير، وعقاراته تدر، هل يتصور الآن في حال الغنى أنه قد يفتقر؟ لا يتصور؛ لأنه لم ير شيئاً بعينيه مثل الإفلاس أو المرض، ولذلك هو يظن أن حاله سيدوم، كلما أصبح وأمسى معافى زاد الاغترار وطال الأمل!
стр. 2207
استغلال نعمة الصحة والفراغ
الواحد لو ظل معافى خمسة أيام، يمكن أن يخشى المرض، ولو بقي شهراً أو سنة ما أصابه مرض، كل هذا الطول في الزمن هو أيضاً يستبعد بازدياد أن يحدث له مرض، وهذه بالضبط مشكلة الناس عندما يكبرون في السن، فيرى نفسه الآن عاش عشرين سنة، أو أربعين سنة فيقول: إيه باقي! يقول: عشت أربعين، ما دام عاش أربعين بالنظر إلى الماضي يقول: ستين، فأمله يزداد في العيش لأنه عاش وما حدث له شيء، فهو إذاً يأمل يأمل وهذا الذي يقتل الناس فما هو الأمل المحمود والأمل المذموم؟ الأمل المحمود: هو أن يأمل في الخير وهذا جيد، لكن الأمل المذموم هو الذي يدعو إلى التسويف كما سيمر معنا.
فالعاقل الذي يأخذ بالاحتياط، فإذا مرض أو افتقر فعنده رصيد والحمد لله، إذا ما مرض أو افتقر لا يتضرر! الناس أنواع: طالب وموظف، وأعزب ومتزوج، وصغير وكبير، هناك بعض الناس الذين يعيشون في نوع من العافية، لا يفكرون في المستقبل وهذه هي المشكلة، فمثلاً: الطالب يظن أنه في المستقبل إذا تخرج من الجامعة فإنه سيكون لديه وقت أطول، وسيتحرر من الدراسة ومن الامتحانات وأن الوقت سيتسع بالنسبة له، لكن في الغالب لا يكون ذلك، وتمر بالموظف أوقات يتمنى أن يكون فيها في حياة الدراسة، دع الآن موظفاً يدخل الجامعة التي درس فيها قبل عشر سنوات، ماذا سيكون شعوره؟ سيقول: أين أيام زمان! أيام كان الواحد ليس عنده مسئوليات، أيام كان الواحد عنده عطلة الربيع وعطلة صيفية، وعطلة خميس، بالنسبة للناس الذين في وظائفهم عطلة خميس، ويقول: الدراسة -تنتهي- مثلاً الساعة الثانية، لكن العمل يستمر حتى الليل أحياناً.
لكن عندما تذهب إلى الطالب يقول: الآن عندي خطط في طلب العلم، وعندي خطط في الدعوة، وعندي خطط في صلة الرحم، وعندي خطط، انتظر حتى أتخرج وأتفرغ من همّ الدراسة وهمّ الامتحانات، وأتفرغ إن شاء الله وأفعل هذه الأشياء كلها، وأنفذ المخططات، لكن عندما يتخرج تقع الواقعة، فينشغل بالوظيفة، والوظيفة ليست سهلة، الآن الوظائف مع مرور الزمن تتعقد ويحصل فيها من الصعوبة أكثر من ذي قبل! ولذلك لا تفكر أبداً وأنت طالب أنك إذا دخلت حياة الوظيفة، أنك ستدخل عالماً من الفراغ الذي ستستغله في كثيرٍ من الأعمال الصالحة، بل إنك وأنت طالب عندك من الإمكانيات ما ليس عند الموظف، فلا تغتر واغتنم فراغك قبل شغلك.
أنت الآن لم تتزوج بعد، الواحد أحياناً يقول: الآن عزوبية، والأوقات مختلطة، لكن غداً أتزوج وأجلس في بيت وأستقر، وسيصير عندي وقت كبير، لكن فكر الآن في قضية الزواج، الزواج مسئولية وسوف يأتيك أولاد، وتحدث عندك روابط اجتماعية، وستزور أهل الزوجة، وعم الزوجة، وعمتها، وخال الزوجة، وخالتها، وأقرباءك الذين لم تكن تعمل لهم حساباً، ستضطر أن تعمل لهم حساباً بعد الزواج، الإنسان عندما يكون فرداً قد لا يزور بعض أقربائه، لكن عندما يتزوج طبيعة الوضع تفرض عليه، سيأتيه أقرباء له بزوجاتهم ليتعرفوا على زوجته، وهو يضطر لأن يزورهم أيضاً، ويدخل في معمعة من الزيارات العائلية، ويضطر لحضور مناسبات كثيرة، لأنه متزوج، طبعاً، والزواج ليس سيئاً لكن نقول: اغتنم فراغك قبل شغلك، الزواج عبادة، يفتح لك أبواباً من الأجر، لكن هناك أشياء تستطيع أن تفعلها قبل الزواج ولا تستطيع أن تفعلها بعد الزواج، هناك عبادات تستطيع أن تستكثر منها قبل الزواج ما لا تستطيع أن تستكثر منها بعد الزواج.
مثلاً السفر في طلب العلم: الآن إذا تزوجت قد يصعب عليك أن تقوم بهذه العبادة، وعندما يكون لك أولاد كثيرون يصعب عليك دائماً أن تأتي بعمرة وراء عمرة، لكن عندما تكون فرداً يسهل عليك أن تخرج كثيراً، قد تبيت في مكان آخر لتواصل عبادة أو طاعة أو طلب علم؛ لأنه ليس لك زوجة، لكن عندما يصبح عندك زوجة يجب أن ترجع إلى العش وتبيت فيه، وسيصعب عليك أن تترك الغداء عند أولادك وعند أهلك، لكن عندما تكون طليقاً من هذه الناحية يمكن أن تفعل أشياء لا تفعلها في حال الزواج، ستنشغل في بناء بيت! وقد تنشغل في مشروع تجاري إضافي، وقد تنشغل في شراء أغراض، فالذين عندهم أولاد لو فكر أحدهم فقط في قضية تطعيم الأولاد، وكل ما مرض ولد تريد أن تأخذه إلى المستشفى، هذه لوحدها بند كبير في الأوقات المصروفة، وكذلك شراء الأغراض من السوق واستئجار بيت، وتأثيثه، وتوفير مال لشراء سيارة ودفع لفواتير الهاتف والكهرباء، وشراء للملابس، وهناك حاجات كثيرة جداً ستستهلك الوقت، لا تحسب أنك في المستقبل ستتفرغ أكثر، الآن استغل الوقت.
أيضاً من الأشياء الأخرى: الإنسان عندما تكبر مسئولياته الاجتماعية، ويصبح عدد أفراد أسرته أكثر أو -مثلاً- يكبر أبوه ويصبح غير قادر على العمل، وتزداد الرعية واحداً، سيحتاج إلى أن يصرف على بيت ثانٍ، وهناك أناس كانوا يصرفون على بيت، وأصبحوا الآن يصرفون على بيتين، وقد يصرف على ثلاثة بيوت، فيضطر أن يعمل عملاً إضافياً في المساء، أو يشترك في مشروع تجاري غير الوظيفة من أجل أن يلاحق المسئوليات.
لا تظن أنك ستجزم أنك تتفرغ في المستقبل أبداً، الآن قد يكفيك راتب لشراء السلع لكن ما تدري غداً تقل الرواتب أو أن السلع ترتفع أسعارها! مع التضخم الذي يعيشه العالم اليوم، فالشيء الذي ستشتريه الآن بعشرة ريالات في المستقبل قد لا تشتريه إلا بخمسين ريالاً، وستضطر أن تعمل أكثر لتكسب أكثر، لكي تستطيع أن تشتري.
هذا الاضطرار قد يكون مذموماً؛ لأنه انشغال بالدنيا عن الآخرة، لكن أحياناً هناك أشياء ملجئة فعلاً وتعتبر عبادة، أنك تصرف على بطون جائعة، وعلى أناس محتاجين، لكن هذه العبادة قد تشغلك عن عبادة أخرى كنت تستطيع أن تعملها في الماضي!
стр. 2208
استغلال نعمة الشباب
اغتنم فراغك قبل شغلك! الشخص عندما يكون في مقتبل عمره، يكون ذهنه صافياً، لذلك كان عمر بن الخطاب يجعل في مشورته الشباب بالإضافة إلى الشيوخ، نوعية معينة من الشباب، لماذا؟ لصفاء أذهانهم، كان يبتغي حدة عقول الشباب، فكان ابن عباس في مشورة عمر، وكان عمره ثلاث عشرة سنة، لكن ذهنه حاد، قد ينقدح في ذهنه من الأفكار ما لا يأتي في أذهان الشيوخ؛ لأنه ليس عنده مسئوليات، ما عنده أولاد إذا مرضوا اهتم بهم، ولا عنده أولاد إذا تخرجوا من الجامعة يهتم أين سيذهبون ويتوظفون، ولا عنده أولاد إذا كبروا سيبحث للولد عن زوجة، وإذا كان عنده بنت فسيحمل همَّ زواجها، هذه الهموم وهموم المستقبل والأولاد تكدر صفاء ذهن الشخص، ولذلك بعض الشباب يحفظ قرآناً فيريد من أمه أو من أبيه أن يحفظ معه بنفس المعدل، يقول: يا أمي! لماذا لم تحفظي؟ أنا حفظت كذا بفترة، تقول: لكن ذهنك غير ذهنها، والهم الذي عندك غير الهم الذي عندها، ولذلك تجد كثيراً من كبار السن يقولون: يا ولدي! ذهبت علينا أيام، يا ولدي! الآن لا نستطيع أن نحفظ، لا نستطيع أن نصلي مثلكم صلاة التراويح، لأن الإنسان مع الزمن يستهلك، حواسه تضعف، ولذلك كان من الدعاء النبوي: (اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا أبداً ما أبقيتنا -ليس فقط هذا- واجعله الوارث منا) يعني اجعله زائداً بحيث كأنه يفيض بعد موتنا، أو ورثه لأولادنا.
فصفاء الذهن نعمة، ينبغي أن تستغلها الآن في طلب العلم وفي الحفظ والتفكير السليم.
الإنسان -أيها الإخوة- لا يدري ماذا تخبئ له الأيام! الآن هو قد يكون صحيحاً، لكن في المستقبل قد يمرض مرضاً مزمناً -نسأل الله العافية- اسأل كثيراً من المرضى، قل للمرضى الذين عندهم أمراض مزمنة، قل لهم: قبل أن تصابوا بهذا المرض كيف كنتم؟ كانوا شباباً وكانوا في صحة، لكن بعد ذلك تجد الواحد منهم مرض مرضاً شديداً؛ الآن إما أنه في المستشفى، أو في الفراش في البيت لا يخرج إلا نادراً، وقد يريد من يحمله لقضاء حوائجه، بعض الناس لا يحسب هذا الحساب، قال الشاعر:
يسر الفتى طول السلامة والبقا فكيف ترى طول السلامة يفعلُ
يُرد الفتى بعد اعتدالٍ وصحةٍ ينوء إذا رامَ القيام ويحملُ
انظر إلى كبيرٍ في السن كيف يقوم! يقوم على مراحل! يمكن على اليد الأولى ثم على الرجل الأولى ثم على اليد الثانية ثم على الرجل الثانية، وربما يحمل حملاً، لكن انظر في شاب تجده يستوفز إذا أراد أن يقوم قام مرةً واحدة.
اغتنم فراغك قبل انشغالك بأمراض، وقبل انشغالك بتعب الشيخوخة وأمراضها، وهؤلاء الشباب الذين لم يقدّروا لهذا السن قدره عليهم أن يتمعنوا جيداً:
أترجو أن تكون وأنت شيخٌ كما قد كنتَ أيام الشبابِ
لقد كذبتك نفسك ليس ثوبٌ دريسٌ كالجديد من الثيابِ
ثوب دريس: بال من الاستعمال ليس مثلك؛ الناس مختلفون، بعض الناس عندهم عقارات تدر عليهم أرباحاً -وصاحب العقار جالس في البيت- ليس عنده شيء إلا أنه يحصل في آخر السنة الأجرة، وهناك رجل أبوه غني قد يصرف عليه وعلى بيته، ورجل أبوه فقير يصرف هو على نفسه وعلى أبيه، وهناك أناس عائلتهم غنية، فإخوانه أغنياء، وأعمامه أغنياء، وأخواله أغنياء، لو أراد أن يستلف لوجد من يسلفه، ولو غاب وجد من يصرف على بيته، لكن بعض الناس قد يضطر أن يصرف على عدة عوائل، وبعض الناس أولادهم في صحة وقد لا يذهب إلى الطبيب أو العيادة إلا في السنة مرة، أو ما يذهب إلا نادراً، وهناك أناس عندهم أولاد مرضى قد يضطر للسفر من أجل علاجهم، ويقضي فترات طويلة يتنقل في مستشفيات! وتخيل أن رجلاً عنده ولد مصاب بمرض من الأمراض، كيف يكون وضعه مع الولد؟ تراه دائماً منشغلاً بالولد، فإذا ارتفعت الحرارة ذهب إلى الدكتور في المستشفى، فإذا لم يجد العلاج ذهب للثاني وذهب للثالث، فإذا لم يجد في الظهران ذهب إلى الرياض أو إلى جدة، وقد يضطر للسفر إلى مصر أو إلى أمريكا بحثاً عن العلاج، والسفر يحتاج إلى تذاكر وإلى أموال تنفق فيها، وإلى جهود وأوقات، وهذا كله من أجل العلاج وليس بالسهل.
стр. 2209
نعمة العافية
وردني سؤال يتعلق بأحكام الطهارة -الوضوء- كأن يكون على اليد حائل -مثلاً مرهم- يمنع وصول الماء.
القصة: أن عائلة فيها ولدان مرضهما أنه ظهر طفح في الجلد ثم أصبح بثوراً، ثم تحولت إلى أورام سرطانية دقيقة أو صغيرة لها جذور في الجلد إلى الداخل، ولا يمكن لهذا المريض أن يرى النور -يعني: النور يضره جداً- فلذلك لا يمكن أن يجلس تحت أنوار، ولا في أشعة الشمس، ولا حتى أمام نور شاشة التلفزيون، ولابد أن يضع نظارة طوال الوقت ما عدا وقت النوم، ولابد أن يدهن الجلد كله بمرهم عازل للضوء (عازل للأشعة أربعة وعشرين ساعة) والمرض لا يعرف له علاج في العالم، وفي المستقبل قد يزداد حتى يضرب في مناطق الأعصاب فيسبب آلاماً رهيبة.
الآن تأمل حال الأم المنشغلة بهؤلاء الأولاد، كيف يكون البيت بلا نور! لابد أن تساعدهم في دهن الجسم بالمرهم دائماً.
تصور بيتاً فيه أولاد فيهم عاهات، أو كبار في السن وفيهم عاهات، يحتاج هذا المريض إلى شخص يأخذه، وآخر يطعمه وآخر يسقيه، ويحتاج إلى من يخرج له الفضلات، وينقله من الحمام إلى الغرفة، وغيرها من الأعمال.
والله له حكمه، ولله في خلقه شئون، لكن نحن بسبب الصحة غافلون، ولو أردت أن تعرف شيئاً من الحقيقة فادخل إلى مستشفى من المستشفيات، وتأمل في حال المرضى في الأقسام المختلفة، سئل الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله هل يجوز زيارات المستشفيات للاعتبار، قال: نعم! يمكن للشخص أن يذهب للمستشفيات ليعتبر، وعندما نعلم هذه الأشياء لا بد أن نتأثر لكي نستغل الصحة التي نحن فيها الآن، لأننا لا نعلم حقيقةً ماذا سيحدث لنا في المستقبل، قد يحدث لنا مرض أو عدة أمراض أو مرض مزمن -نسأل الله العافية- لكن الإنسان عليه أن يتعظ ويأخذ عبرة.
فنعود ونقول: الناس أصناف، منهم من دخله كبير، ومنهم من دخله يحتاج إلى عمل شديد، الإنسان الذي عنده شركات، غير العامل الذي يشتغل في الشمس وفي البناء ساعات طويلة، والشخص الذي في بداية الزواج غير الشخص الذي عنده أولاد، والشخص الذي في بداية الوظيفة، ليس مثل الشخص الذي عنده تطور في الوظيفة ودخل فيها وتشعب، وازدادت مسئولياته الوظيفية، ما هو المقصد من وراء ذكر هذه المسألة؟ أن الله يؤاخذ الناس على حسب النعم التي أعطاهم إياها.
فأنت لا تتخيل -مثلاً- أو لا تظن أن الشخص الذي عنده عقارات تأتيه الإيجارات هكذا في نهاية السنة وهو جالس! لا.
وإنما يتعب ويعمل مثل العامل الذي يضطر أن يشتغل ست عشرة ساعة في اليوم في الشمس وفي البرد أحياناً، لا تتخيل أن الرجل الذي عنده وقت سواء كان طالباً أو أعزب أن حسابه عند الله مثل الرجل المتزوج الذي عنده مسئوليات وأولاد، وهكذا.
وكذلك المرأة -مثلاً- عندما تكون فتاة في مقتبل العمر ليس عندها مسئولية، أمها هي التي تطبخ وهي التي تنظف البيت، أو أن في البيت خادمات -والعياذ بالله من خادمات السوء- هذه المرأة عندما تكبر وتتزوج، وهي متزوجة قبل الأولاد حسابها يتغير عندما يأتيها أول ولد، وحسابها غير ذلك عندما يصير لها ولدان، وحسابها يختلف عندما يصير عندها خمسة أو سبعة أولاد.
ولذلك اغتنم فراغك قبل شغلك، هذه حكم نبوية لها مدلولات عظيمة، لكن أكثر الناس لا يعلمون، وأكثر الناس لا يفقهون، ولا يتفكرون، ولا يتعظون، تستهلكهم الحياة دون أن يخططوا شيئاً للمستقبل ودون أن يحتاط الآن للمستقبل.
كذلك يضاف إلى ما سبق قبل أن ننتقل إلى نقطة أخرى: أن الناس بالنسبة للإجازات مختلفون، مثلاً الطالب قد يكون عنده عدة أنواع من الإجازات كما ذكرنا، إجازة صيفية وأحياناً تكون شهرين أو شهرين ونصف أو ثلاثة شهور، إجازة الربيع أسبوعين أو ثلاثة أسابيع، وقد تكون عنده إجازات مختلفة، بخلاف الموظف فإنه قد لا يكون عنده إلا شهر أو شهر ونصف، وعطلة نهاية الأسبوع.
إن الشاب يختلف عن رب الأسرة، فالطالب عندما تكون عنده إجازة يستغلها فيما يشاء، لكن رب العائلة عندما تصبح عنده إجازة يشغلها في أشياء مختلفة، كأن تكون عنده حاجة تحتاج إلى تصليح أو يريد أن يسافر، وهكذا تجد أن إجازات بعض الناس هي أشغال في الحقيقة، أكثر من أيام الوظيفة، بينما إجازات بعض الناس هي عبارة عن فراغ في فراغ في فراغ.
стр. 2210
الجوانب التي يؤسس الإنسان فيها نفسه في فراغه
فالمقصود الآن: أن المسئولية أمام الله والحساب يوم القيامة ليس الناس فيه سواء.
عندنا الآن
السؤال
ما هي الجوانب التي يحرص الإنسان على أن يؤسس فيها نفسه في فراغه قبل أن ينشغل؟ الآن لو صار عندك فراغ، لو كنت شاباً في مقتبل العمر ما هي الجوانب التي تستغل فيها فراغك، لتؤسس فيها نفسك؟ طبعاً بداية العمر هذه فترة تأسيسية، مثل البناء تضع الأساسات ثم تبني، فترات الشباب هي فترات تأسيس في الحقيقة، للعاقل فترات الشباب فترات تأسيس وبناء، ولذلك ينبغي أن تستغل في عدة أمور، نذكر اثنين منها:
следующие страницы →