← Джавами‘

Джавами‘ · id 7704

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (7 040 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

كيف تستشير ؟ هل أستشير فرداً، أم جماعة، أم أستشير الجماعة كل شخص بمفرده؟ نحن نثق ونعلم ونوقن أن الإسلام سبق الغرب في القيادة الاستشارية، وأن خلفاءنا وعلماءنا من القديم كانوا يطبقون هذا المفهوم، وليس الغرب الآن هو الذي اكتشف هذا ودونت في كتب الإدارة الحديثة، بل هي قضية قديمة. الاستشارة لها منازل، منها: ما يدخل فيه الرهط، ومنها: ما يستعان فيه بقوم، ومنها: ما يستغنى فيه برأي واحد، ليس هناك قاعدة معينة أنك تسأل جمع كثرة أو قلة أو واحد حسب الحالة. بعض علمائنا ناقشوا قضية استشارة الجماعة أم استشارة الفرد؟ فبعضهم قال: الأولى أنك تجمع الناس المستشارين وتستشيرهم؛ لأن هذا فيه إجالة فكر، ومناقشة الأشياء وتنقيحها، وإذا طرح رأي يعارض من قبل الذين عندهم آراء أخرى، ويرى الجميع سلبيات وإيجابيات الرأي، وتقع مناظرة تنتهي بتنقيح المشورة، أي: سيتناقشون ويتناقشون حتى يظهر الرأي الصحيح. وبعضهم قال: الأولى أنك تستشير كل واحد بمفرده، لماذا؟ قال: لأنك لو طرحت على الجماعة، قلت: أستشيركم في كذا، كل شخص سوف يلقي المسئولية على الآخر ويسكت، ويقول: الآن فلان سيأتي بالرأي، فلا يحدث إنقداح قوي للأذهان، لكن لو استشرت كل واحد لوحده، فعندما تسأله يحس بالمسئولية، فيعطيك الرأي بعد تفكير وتمحيص، لكن لو جمعتهم يمكن أن يكون هناك تواكل. والحقيقة أن المسألة ليس لها جواب معين، أي: ليس دائماً استشارة كل واحد لوحده صحيحة، وليس دائماً استشارة المجموعة هو الصواب، بعض الأحيان يكون الاجتماع أبلغ وأحسن، وبعض الأحيان تكون استشارة كل واحد على حدة أفضل.

стр. 2312

كيفية استشارة الرسول نأخذ مثالاً من السيرة: حادثة واحدة وقع فيها نوعين من الاستشارة: استشارة فردية واستشارة جماعية، حادثة الإفك، الرسول ﷺ عندما تكلم في أهله المنافقون ونشروا الفتنة والبلبلة، ماذا فعل الرسول ﷺ ؟ صعد على المنبر، وخطب الناس، وحمد الله وأثنى عليه، وقال: (أشيروا عليّ في قوم يسبون أهلي، والله ما علمت عليهم من سوء قط) استشارة جماعية؛ لأن الرسول ﷺ يريد أن يتخذ موقفاً جماعياً من المنافقين المندسين بين الأنصار، فإذاً لابد من أن يجتمع الناس على رأي؛ لأن المسألة تعم الجميع. لكن لما جاء ﵊ ليستشير في أمر عائشة، ماذا فعل؟ استشارة شخصين هما: أسامة بن زيد حب رسول الله ﷺ وابن حبه، واستشار علي بن أبي طالب الصهر، وهل من المصلحة أن الرسول ﷺ يقف على المنبر يقول: يا أيها الناس، أشيروا علي في براءة زوجتي؟ هذا ليس بمناسب، ولذلك أخذ علياً وسأله، وأخذ أسامة وسأله، لكن عندما صارت المسألة موقف من المنافقين، وشيء يعم الجميع صعد على المنبر واستشار. فإذاً: عندما يكون الأمر متعلقاً بالجميع، فتكون الاستشارة جماعية، وعندما يتعلق الأمر بشيء خاص، أو تكون هناك حساسية معينة، وليس من المعقول أن يجمع الناس ويؤخذ رأيهم في شيء من هذا فتكون فردية، فمن سيتزوج هل يجمع كل أصحابه ويقول: ما رأيكم في زواجي من فلانة؟ لا. وإنما سيذهب إلى واحد بالسر بينه وبينه فيشير عليه، الإنسان إذا عرف الصواب وتوصل إلى نتيجة هل يستشير ويستشير أم ينفذ الاستشارة؟ الجواب موجودٌ في قوله : ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٩] وفي البخاري: عندما شاور الرسول ﷺ الناس في أحد، أشار عليه المتحمسون بالخروج من المدينة، فلبس ﵊ لأمته، فلما أشار عليه الآخرون بالبقاء، ماذا قال ﵊؟ (لا ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن ينزعها) لماذا؟ لأننا استشرنا وأخذنا الرأي هذا إذاً ننفذ. ولم يكن هناك وضوح تام أن البقاء في المدينة (١٠٠%) هو الأصلح؛ بدليل أن المسلمين انتصروا في البداية، فلو نفذت الأوامر كما ينبغي لكمل الانتصار.

стр. 2313

لا استشارة مع وجود النص كذلك إذا تبين للإنسان وجه الحق في شيء فلا يسمع كلام أي شخص بعد ذلك. مثال: أبو بكر الصديق ﵁ لما عزم على قتال المرتدين، قال عمر: (كيف تقاتل قوماً قالوا: لا إله إلا الله، وقد قال الرسول ﷺ : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوا: لا إله إلا الله، عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله تعالى، فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين ما جمع الله ورسوله ﷺ . ثم تابعه بعد ذلك عمر على رأيه -هذه رواية البخاري - فلم يلتفت أبو بكر ﵁ إلى مشورة عمر، إذ كان عنده حكم رسول الله ﷺ في الذين فرقوا بين الصلاة والزكاة. فإذاً أبو بكر لما عرف الحق لم يقبل مشورة أحد. ونحن الآن يقع بعضنا في إشكال وهو: قد يستشير في أمر، لكن حتى مع الاستشارة لا يتبين له وجه الصواب، ولا يدري ما هو الحق، تضاربت عنده الآراء وكل واحد يشير عليه برأي معين، فماذا يفعل؟ قال شيخ الإسلام ﵀ في الفتاوي: وإذا استشارهم، فإن بين له بعضهم ما يجب اتباعه من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ أو إجماع المسلمين، فعليه اتباع ذلك ولا طاعة لأحد في خلاف ذلك، وإن كان عظيماً في الدين والدنيا، وإن كان أمراً تنازع فيه المسلمون، فينبغي أن يستخرج من كل منهم رأيه ووجه- أي: الرأي وعلى ماذا اعتمد هذا الرأي؟ - فأي الآراء كان أشبه بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ عمل بها. يقول: أنت يا فلان ما رأيك؟ ما دليلك؟ ثم ينظر هذا الرجل أيها أقرب إلى الكتاب والسنة، وأشبه بنصوص الكتاب والسنة فيعمل به. لو أن إنساناً ليس عنده خبرة أو علم، ولا يستطيع أن يعرف ما هو الأشبه بالكتاب والسنة، فماذا يفعل؟ يقول شيخ الإسلام ﵀: ومتى أمكن في الحوادث المشكلة معرفة ما دلّ عليه الكتاب والسنة كان هو الواجب، وإن لم يكن ذلك- هذه مسألتنا الآن- لضيق الوقت. أي: الواحد ليس عنده وقت الآن ينقح الآراء ويقضي وقتاً طويلاً، أو عجز الطالب، عرف أقوال ثلاثة من العلماء متضاربة، وليس عنده قدرة على الترجيح، أو تكافأت الأدلة فلا يستطيع أن يرجحها أو غير ذلك، فماذا يفعل؟ يقلد الأعلم، شخص قرأ ثلاث فتاوى لثلاثة مشايخ فيها آراء مختلفة، وحاول أن يبحث في الأدلة فما استطاع، ماذا يفعل؟ يقلد الأعلم. نرجع فنقول: إذا كانت القضية شرعية فالأعلم فيها هو الأعلم بالشريعة، وإذا كانت قضية تخصص دراسي، فالأعلم بالتخصصات وبواقعك وبشخصيتك تأخذ برأيه، فتقلده إذا تضاربت عندك الآراء. ولذلك نقول: العالم يأخذ بالأعلم، وإذا كانت القضية تتعلق بالواقع يأخذ برأي الأقرب وأوعاهم وأكثرهم وعياً بالواقع، والذي يعرف أصول الإسلام ويثق فيه أكثر، وبعبارة أخرى: يأخذ من تجتمع فيه شروط المستشار أكثر من غيره. أحياناً إذا شعر الواحد أنه إذا استشار عدة أشخاص، فإن هذا يكون سبباً لضياعه وتشتت ذهنه، فإنه لا داعي لأن يفعل هذا، وإنما يستشير من يعتقد أنه الأقرب إلى الصواب. طالب العلم مثلاً لو استعصت عليه مسألة وسأل فيها أكثر من عالم، وشعر أن أخذ آراء خمسة من العلماء سيجعل فيه نوعاً من التشتت، وسيجعله يرجح، إما بالهوى، أو بالأكثرية، وهذا ليس دائماً صحيحاً، أو لأن أحد الأقوال يوافق تفكيراً سابقاً عنده، كمن فكر في مسألة ثم سأل ثلاثة علماء اختلفوا، ومنهم من يوافق الذي في ذهنه، هل يتبع هذا؟ لا. ليس بالضرورة أن الذي يوافق الذي في ذهنك يكون هو الصحيح، ولذلك إذا لم يكن عندك قدرة على الترجيح اسأل الأعلم واتبعه. بعض الناس أحياناً يقعون في مشكلة في الاستشارة، وهي: أخذ الآراء الكثيرة جداً، لماذا؟ لا لأنه يحتاج، لكن بعض الناس يريد أن يضفي أهمية على نفسه، وأهمية على المشكلة، ويكبر المشكلة، فيستشير عشرين شخصاً، لا لأنه يحتاج رأي العشرين، لكن لكي يقول: أنا استشرت فلاناً وفلاناً وويكبر المشكلة، ويبين نفسه أنه مهم، وأن المشكلة هذه خطيرة، وأنها تحتاج إلى عشرين شخصاً، فتكون أحياناً من باب التباهي أمام الناس وأمام نفسه، وهذا النوع من الناس غالباً ما يكون ضعيف الشخصية، ليس عنده قدرة على حبس فكرة في ذهنه، فهو كلما رأى شخصاً طرح القضية عليه. فلا يستطيع أن يسيطر على ما بداخل نفسه، فيشعر أنه لابد أن يحدث جميع الناس، فلا هو الرجل الحازم الذي عنده الرأي وأخذ به، ولا هو أخذ برأي الناس ولا يأتمر، كما يقول أحدهم: "رجلٌ حائر بائر، لا يأتمر رشداً ولا يطيع مرشداً"، وإذا عرف الإنسان الحق، فإن الجواب في الآية ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٩]. إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة ولا تك بترداد الرأي مفسدا ويقال: فإن فساد الرأي أن تترددا.

стр. 2314

متى نستشير ؟ الحقيقة أن الاستشارة قد تكون واجبة، وقد تكون مكروهة، وقد تكون محرمة، وقد تكون جائزة. مثال على الاستشارة الواجبة: استشارة الأب ابنته في الزواج قبل أن يزوجها لفلان على قول طائفة من أهل العلم، أو استشارة الفرد في الجيش قبل أن يعمل عملاً، والأمير إذا قال: ائتمروا بأمري فلا يجوز له أن يفعلها، ولابد أن يستشير. أحياناً تكون الاستشارة مستحبة، مثل: مشاورة أهل العلم والخبرة في طرائق الدعوة إلى الله. وأحياناً تكون الاستشارة مباحة، مثل: الاستشارة في شراء السيارة، أو البيت، أو التخصص الدراسي مثلاً. وأحياناً تكون الاستشارة مكروهة، مثل: الاستشارة الزائدة في أمور تافهة من المطعم والمشرب والملبس مما يضيع وقت المستشير والمستشار. وأحياناً تكون الاستشارة محرمة، مثل: الاستشارة في أن يصلي الظهر أم لا؟ هذه الاستشارة لا تجوز، وبالطبع تصلي الظهر سواء أشار عليك أو لم يشر عليك لن يقدم ولن يؤخر.

стр. 2315

خطأ التقرير ثم الاستشارة هناك خطأ في الاستشارة يقع وهو خطأ حساس ودقيق، وهو: أن بعض الناس يقرر ثم يستشير، أي: يفكر في المسألة ويبدو له شيء معين ويهواه في نفسه ويقرر هذا الشيء، وبعد ذلك يستشير من باب أن يقول: إني استشرت، لكنه في الحقيقة هو عازم على تنفيذ ما خطر في باله سواء أشاروا عليه بخلافه أو به هو، فهو عازم على أن ينفذ ما في ذهنه، ولذلك استشارة هذا الشخص ليس لها معنى، وما هي الفائدة منها؟ وهذا يفعله بعض الناس ليبرر لنفسه إقدامه على العمل الذي في رأسه، أو ليخدع نفسه. وأحياناً يذهب إلى المستشار ولا يعطيه الصورة الحقيقة عن القضية، أو يجعل له ملابسات بحيث يقول المستشار الرأي الذي يريده المستشير، مثلاً: شخص قرر أن يخرج من البيت، فذهب إلى شخص يستشيره، قال: عندي مشكلة كذا وكذا، وربما إذا دخلت البيت يطردني أبي ويغلق الباب ويسهب له في هذه النقطة، مع أن المسألة ليست كذلك، لكن هذا المستشير أوحى للمستشار بأشياء خطأ حتى يأتي له المستشار بالرأي الذي يوافق هواه والذي يريده هو. وأحياناً يكون هناك تشاور أشبه بالتناجي من تشاور أناس أو مجموعات ليس لها خبرة ولا رأي، فيقررون بين أنفسهم أمراً يخرجون به على الناس فجأة، فيكون وبالاً عليهم وعلى آخرين، ولذلك نقول: يا أيها الناس! لا تتسرعوا في الأمور، وإذا أردت أن تقدم على أمر وهذا الأمر فيه خطورة عليك أن تستشير الثقات الأمناء، وليس مجموعة من الشباب الاندفاعيين الذين يستشيرون أنفسهم، ثم يقدمون على عمل يكون فيه وبال عليهم، وقد يكون على غيرهم أيضاً ويكون الشر متعدياً.

стр. 2316

خطأ استشارة الخوارج لأنفسهم هناك خطأ في استشارة الأنفس دون غيرهم مثل الخوارج: اجتمعوا وتشاوروا فيما بينهم ماذا نفعل؟ اجتمع عبد الرحمن بن ملجم وثلاثة أشخاص في الحج، قالوا: ما هي مشكلة المسلمين؟ تداولوا فيما بينهم، قالوا: مشكلة المسلمين تكمن في ثلاثة أشخاص: علي بن أبي طالب، ومعاوية، وعمرو بن العاص، ما هو الحل؟ -الآن هذه مشاورة- قالوا: نقتلهم ونريح المسلمين منهم، فنحن إذا قتلناهم انتهت المشكلة. فقالوا: عبد الرحمن بن ملجم يذهب إلى الكوفة ويقتل علياً، وفلان يذهب إلى مصر ويقتل عمرو بن العاص، وفلان يذهب إلى الشام ويقتل معاوية بن أبي سفيان، تشاوروا وتعاقدوا وعملوا هذا العمل، وأنتم تعرفون القصة، وعبد الرحمن بن ملجم له سيف مكث يسقيه السم شهراً، ثم خرج به على علي بن أبي طالب وهو خارج لصلاة الفجر فضربه على جبهته، فتحقق حديث الرسول ﷺ : (أشقى الناس عاقر الناقة والذي يضربك على هذه حتى يبل منها هذه) وفعلاً تصبب الدم حتى نزل من لحية علي بن أبي طالب ﵁ فمات. هذا الخارجي عندما علق وصلب ليقتل، وبدءوا ليقطعوا أطرافه لم يصرخ ولا صرخة، فلما جاءوا يقطعون لسانه صرخ، قالوا: ويحك! قطعنا أطرافك وما صرخت، فلما أردنا قطع لسانك صرخت، قال: لساني أذكر به الله! فالآن يا أيها الشباب! بعض الناس أحياناً يستشيرون بعضهم ويتعاقدون على أمرٍ فيه دمارٌ عليهم، لأنهم لم يعرفوا أنهم ليسوا هم الذين من المفترض أن يستشيروا أنفسهم، وإنما هناك أناس من أهل الخبرة هم مَن يستشارون.

стр. 2317

خطأ الاعتماد على المشورة دون الله من الأخطاء في الاستشارة أيضاً: أن بعض الناس يعتمد اعتماداً كلياً على المشورة دون الله ، فيظن أنه إذا أخذ المشورة معناها سيكون التوفيق حليفه والصواب معه، وهذا فيه ركون إلى الأسباب الدنيوية، وإلا فمن المفروض أن الإنسان بالإضافة إلى الاستشارة أن يفعل الاستخارة والتوكل على الله . أول شيء: الإنسان يستشير حتى يعرف وجه الصواب، فإذا جاء ليقدم عليه وهمَّ بالأمر عليه أن يستخير، حتى يبرأ من حوله وقوته كما في دعاء الاستخارة: (فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب) هذا فيه براءة من الحول والقوة، واعتماد على الله ، وهذا أمر مهم جداً، هناك حديث: (ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار) ولكن هذا الحديث ضعيف أو موضوع كما ذكر بعض ذلك أهل العلم، وتجدونه في السلسلة الضعيفة برقم [٦١١].

стр. 2318

موانع الاستشارة بعض الناس مع علمهم بأهمية الاستشارة لكنهم لا يستشيرون لماذا؟

стр. 2319

الاستهانة بالأشخاص المستشارين عندما تقول له: يا أخي! استشر في المشكلة، يقول: من أستشير؟ تقول له: استشر فلاناً، يقول: وهل فلان أعلم بمشكلتي مني؟! أي: فلان يفهم أكثر مني في المشكلة، وبماذا سيشير علي؟! أنا أعرف المشكلة أساساً وخلفياتها أعرف تاريخ المشكلة، وفلان إذا أخبرته لن يأتي لي برأي لم يخطر في بالي، فهذا استهانة بالأشخاص. وأحياناً بالإضافة إلى هذا يصل به غرور الذات إلى الإحساس بالكمال، يقول: أنا رأيي أحسن رأي أنا لست بحاجة إلى الاستشارة أنا عقلي كامل، لماذا أذهب وأستشير الناس؟ أنا لست بحاجة، أنا إنسان عاقل وفاهم ومجرب وخبير، لماذا أسأل وأستشير؟ ولذلك يقول أحدهم: من أعجب برأيه لم يشاور، ومن استبد برأيه كان من الصواب بعيداً. ويدخل في هذا مسألة نفسية وهي: أن بعض الناس يظن أنه لو استشار كأنه يقول لآخر: أنا لم أستطع أن أحلها بمفردي، وأنا الآن لجأت إليك لأني ضعيف، بعض الناس يأخذ الاستشارة من هذا المنطلق. يقول: لا أريد أن أظهر أمام الناس أني ضعيف، وأني ما استطعت أن أحل المشكلة بمفردي، وأني بحاجة إليهم وإلى آرائهم، لا، أنا أقرر من نفسي وانتهينا، ولذلك يقول الشاعر: إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن برأي نصيح أو نصيحة حازم ولا تجعل الشورى عليك غضاضةً فإن الخوافي قوة للقوادم الخوافي: هو الريش الذي يختفي إذا ضم الطائر جناحيه، وهو قوة للقوادم، فإذاً أنت عندما تستشير فأنت في الحقيقة تقوي نفسك لأنك ستستعين وتتقوى بآراء الآخرين.

стр. 2320

فارق السن والمنزلة فمثلاً: شخص يرى شيخاً كبيراً وعظيماً، فيستحي أن يأتي إليه ويستشيره لفارق السن، أو بعض الطلاب يستحي أن يسأل أستاذه لفارق السن، أو بالأحرى يخجل، وهذه عبارة أدق. أو العكس: أحياناً بعض الآباء يكون عنده ولد متعلم وفاهم، والحقيقة أن الأب يحتاج إلى رأي الولد في أمرٍ من الأمور، لكن يقول: أنا أستشير ولدي وأنا أكبر منه؟! ونحن قد بينا أنه لا عيب ولا غضاضة أبداً أن الإنسان كبير السن يستشير من هو أصغر منه، أو مثلاً شخص يستشير من هو أدنى منه منزلة اجتماعية، أي: مدير يستشير موظفاً، أو شخص غني يستشير شخصاً فقيراً، يقول: لا، هذا أدنى مني في المنزلة.

стр. 2321

الخجل وعدم القدرة على التعبير أحياناً يكون الخجل أو عدم القدرة على التعبير هو المانع، فمثلاً: شخص يريد أن يستشير لكن لا يستطيع أن يعبر عن المشكلة، فيكون هذا مانعاً له، أو تكون القضية حساسة. مثلاً: شخص واقع في مشكلة ومخطئ فيها، ولا يدري كيف يخرج من هذه المشكلة، فلو ذهب إلى شخص وقال: أنا حدث لي كذا وكذا، فيستحي، يقول: هذا المستشار سوف يأخذ فكرة سيئة عني، أنا كنت في نظره كبير، الآن لو قلت له: أنا وقعت في المطب الفلاني، ولا أعرف كيف أتصرف، أريد منك الحل، سوف يغير رأيه عني. وأحياناً تكون المشكلة حساسة إلى درجة أنه لا يجرؤ أن يصارح بها، فلنفترض إنساناً واقع في هوى فتاة والعياذ بالله، فالآن هو واقع في مشكلة عظيمة جداً، فقلبه متعلق بها، وصلاته ليس فيها خشوع، وإيمانه ضعيف جداً، لا طلب علم، ولا دعوة إلى الله، وصار عنده انحلال في القوى والتفكير والرأي والذهن، الآن كيف يأتي إلى شخص يقول له: أنا واقع في كذا وكذا، وتعرفت على فلانة أو فلان، وصار لي كذا وكذا من المشاكل، وأنا أريد رأيك في الموضوع، هذه مسألة محرجة، أليس كذلك؟ من العلاجات لهذه المشكلة: طريقة الكتابة، وقد جربت هذه الطريقة، فكانت نافعة، فالشخص مثلاً محرج لكن لابد أن يستشر اكتب المشكلة في ورقة، ثم اكتب أرجو الإجابة على ظهر الورقة، أو في ورقة أخرى، وسوف أمر بك لأخذ الجواب أو أرسل إليك، وليس من الضروري أن تذكر اسمك. مثلاً: نستقبل رسائل من أناس في المسجد أو يحضر شخص رسالة، ويقول: هذه رسالة من امرأة أو رجل، وأحياناً تكون منه هو، لكن لا يقول: هذه مني، يقول: هذه من شخص -وهو لم يكذب- ويريدك أن تجيب عليها، نفتح الرسالة وإذا بها: أنا واقع في مشكلة كذا وكذا وكذا، أريد الحل؟ ليس من الضروري أنك تأتي تعبر عن نفسك، وتقول: أنا فلان الفلاني، وقعت في مشكلة مع فلان الفلاني أو مع فلانة، أعطني الحل، لا. ممكن أن تستشير بدون أن تكشف هويتك الشخصية، ولذلك لا ينبغي أن يمنع الإنسان أي مانع من الاستشارة، وهي خيرٌ إن شاء الله. وأسأل الله أن نكون قد أجبنا على بعض التساؤلات، أو كشفنا بعض النقاط التي قد يكون في البعض غفلة عنها أو عدم إحساس بأهميتها، وأسأل الله أن ينفعنا وإياكم بهذه الكلمات، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، والحمد لله أولاً وآخراً.

стр. 2322

الأسئلة

стр. 2323

كيفية إعداد محاضرة السؤال فضيلة الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، جزاكم الله خير الجزاء على نوعية المحاضرات التي تلقونها، ولتطبيق عملي لمحاضرة هذه الليلة، فإني أستشيرك في كيفية إعداد موضوع متكامل لجلسة معينة أو محاضرة، وجزاكم الله خير الجزاء، وما هي نوعية الكتب التي رجعت إليها في هذه المحاضرة إن أمكن ذلك؟ الجواب الحمد لله رب العالمين، أما بالنسبة لإعداد الموضوع فهي مسألة مهمة، لأنه يحدث أحياناً ألا يكون الإعداد جيداً، فيكون الكلام ليس له فائدة، نأخذ مثلاً: موضوع الاستشارة، وكيف نعد مثل هذا الموضوع، أحياناً يكون هناك كتاب مؤلف في الموضوع، فيغنيك عن أشياء كثيرة، لكن أحياناً لا يكون هناك كتاب مؤلف في الموضوع، مثلاً هناك كتب عن الشورى وليست عن الاستشارة، لكن تكلم عن الشورى في اختيار الخليفة، وأهل الشورى وأهل الحل والعقد، وصفات أهل الحل والعقد وهكذا. فهي ليست في الموضوع الذي نحن نطرقه الآن من الناحية التربوية، ولا يتكلم عن الناحية التربوية وإنما يتكلم عن أحكام الإمامة والاستشارة فيها وهكذا، فلو لم يوجد كتاب، ماذا تفعل؟ أول خطوة: ما هي الآيات والأحاديث الواردة في الموضوع؟ ما هي القصص الواردة في الموضوع، ثم ما هي أبيات الشعر والحكم الواردة في الموضوع؟ ولكل من هذه الأشياء مراجع، فمثلاً: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن قد يعطيك الآيات الواردة في الموضوع، المعجم المفهرس لألفاظ الحديث يعطيك الأحاديث الواردة في الموضوع، ثم تنتقل في مجالات الأحاديث إلى خطوة أخرى وهي تحقيق الأحاديث؛ لأنه لا يصح أن تأتي للناس بأحاديث ضعيفة، فلابد أن تلجأ إلى كتب التصحيح والتضعيف لتعرف أقوال العلماء، وإذا لم تعرف تسأل. مثلاً: ورد هنا حديث لا أعرف درجته، فاتصلت بالشيخ ابن باز وقرأت عليه السند، قلت له: هذا الحديث في مسند أحمد، فقال الشيخ قال: هذا إسناده حسن. وكذلك من أهم الأشياء بعد ذلك كيف يربط الموضوع في الواقع، لا يكفي أن نتكلم عن الموضوع من وجهة النظر العلمية البحتة النظرية، لابد أن نربطه بالواقع. مثلاً: فقرة ما هي مجالات الاستشارة؟ هذه فقرة عملية، كيف نستشير؟ هذه فقرة عملية، ما هي موانع الاستشارة؟ هذه أشياء مأخوذة من الواقع، قد لا تكون موجودة ولا في الكتاب، إما أن تكون نتيجة تفكير ذهني. ولا يكون التفكير سليماً في هذه الأشياء إلا إذا أخذ من واقع الناس، فالشخص إذا احتك بالناس يعرف ماذا لديهم من إشكالات في هذه القضية، فمثلاً عندما يأتي من يستشير في موضوع، فأقول له: كذا، ومن ثم يأتي شخص يستشير في نفس الموضوع، فألاحظ أن طريقة عرض الأول تختلف عن طريقة عرض الثاني، وأن الثاني أتاني بمعلومات لم يأتني بها الأول، فأعرف أن المسألة فيها لعبة وإخفاء معلومات، فتكتشف أن الشخص الأول يريد جواباً معيناً، فلذلك أتى لك بمعلومات معينة وأخفى الباقي، الشخص الثاني أتى لك بطرف الموضوع الآخر، وهذه كثيراً ما تحدث، يأتي شخص يقول: والله أنا أريد أن أستشيرك في موضوع، يا أخي! أنا علاقتي بفلان سيئة، هذا فلان يفعل كذا وكذا وكذا، فأنت من واقع الأشياء المعروضة تكاد أن تقول له: يا أخي! اجتنبه وابتعد عنه، ليس هناك داعٍ للمشاكل. لكن عندما تسمع من الطرف الآخر، ويأتي يستشيرك الطرف الآخر، تكتشف كما قال أحدهم: إذا جاءك أحد الخصوم مقلوعة عينه، فلا تحكم له على خصمه، فربما قد قلع عينا ذلك الشخص. فإذاً هناك مواضيع لابد من ربطها بالواقع والتفكير من خلال الأحداث الجارية، وهناك أشياء فيها مراجع، مثلاً هذا الموضوع ارجع فيه إلى شروح الأحاديث من مثل: تحفة الأحوذي، وعون المعبود، وفضل الله الصمد شرح الأدب المفرد، وفتح الباري وكتب الأدب، وأنس المجالس فيه كلام أيضاً عن المشورة، وكتاب ابن قتيبة عيون الأخبار مثلاً فيه فصل عن المشورة، وإذا أردت أن تخرج مثلاً معنى كلمة المشورة لابد أن ترجع مثلاً إلى لسان العرب حتى تعرف مادة شور، وماذا قال أهل العلم فيها؟ وهكذا، فتتكامل الخيوط. هناك طريقة أحياناً تصلح في بعض المواضيع وهي: إذا لم تستطع أن تعنصر موضوعاً، هناك أسئلة مهمة لو أدخلتها على أي قضية يمكن أن يصبح عندك عناصر لهذا الموضوع، وهذه الطريقة قد اتبعتها في هذه المحاضرة، وهذه الأسئلة مثلاً: (ما هو، كيف، متى، أين، لماذا، من) هذه الأسئلة أدخلها على أي قضية، مثلاً الحسد، ما هو الحسد؟ لماذا الحسد؟ ما دوافع الحسد؟ أين الحسد؟ في أي مجالات يحدث الحسد؟ وكيف العلاج؟ مثلاً الصدق، ما هو تعريف الصدق؟ من هم الصادقون؟ ما هي المواطن التي يظهر فيها الصدق بجلاء؟ مثلاً أخطأت على شخص أنت المذنب فينبغي أن تعتذر وهكذا، وهناك بعض العناصر لا تقبل بعض هذه الأسئلة، فمثلاً: ليس هناك شيء اسمه متى الصدق؟ لكن أحياناً يمكن أن يكون هناك متى الصدق؟ إذا جاء ظالم يأخذ مال مظلوم عندك في هذه الحالة ما حكم الصدق؟ وقال: أين أموال فلان؟ فيمكن أن تستنبط لك أشياء عن طريق إدخال هذه الأسئلة إلى الموضوع.

стр. 2324

الاستشارة من أجل تأليف القلوب السؤال قد يستشير إنسان إنساناً آخر ليس بأهلاً للمشورة، وقد لا يعلم بالمشورة، ولكن ليؤلف قلبه ويكسر الحاجز الذي بينهما، فهل هذا صحيح؟ الجواب هذه طريقة جيدة، شخص أحياناً انتهى أمره في مسألة من المسائل، لكن هناك بينه وبين فلان حساسيات أو مشاكل، فهو يريد تأليف قلب صاحبه بأي طريقة من الطرق، فمن الطرق أن يأتي ويستشيره في شيء من خصوصياته، فالشخص الآخر عندما يشعر أنك تستشيره في قضية من خصوصياته، فربما يتغير موقفه منك بالكلية، ويقول: فلان لا يعاديني، ولو كان يعاديني لما استشارني، ولولا أنه يقدرني لما استشارني، فمادام أنه استشارني فهو يقدرني، فقد يذهب كثير مما في نفسه عليك لأنك استشرته.

стр. 2325

الفرق بين النصيحة والغيبة السؤال هل قضية الكلام والتجريح على بعض الشباب جائزة؟ ومتى تكون؟ وهل هي دائماً أم في بعض الأحيان المهمة؟ وهل هذا يعتبر من الغيبة والنميمة؟ الجواب هذه من المشاكل التي بلي بها العمل الإسلامي في هذا الزمان، وهي قضية كلام بعض الدعاة في بعضهم البعض، وهي راجعة إلى قلة تقوى الله، وعدم الخوف من الله ، وعدم احترام حدود الله، وعبادة أوثان وهمية مثل وثن مصلحة الدعوة، فباسم مصلحة الدعوة ترتكب جميع أنواع المنكرات من الغيبة والنميمة والكذب والخيانة وإخلاف الوعد وغير ذلك باسم هذا الوثن الذي هو مصلحة الدعوة. نحن لا ننكر أن هناك مصالح مرسلة، وأن الشريعة مبنية على المصالح، وهذا باب، لكن أن نأتي وندخله في هذه الأشياء بين إخواننا المسلمين وأغشه وأكذب عليه وأغتابه باسم المصلحة، أين المصلحة في هذا الأمر؟! قضية التجريح مثلاً: عندما يسألك شخص عن رجل مبتدع، وإنسان ضال ومشرك وكافر ومنافق من المنافقين، وقد ثبت لديك نفاقه في ذلك الوقت فهذا يمكن من باب النصيحة تقول: احذر من فلان. لكن تأتي إلى إنسان ظاهره الخير وتُسأل عنه، تقول: لا. هذا إنسان مشكوك في أمره، وتبدأ تجرحه، وتلقي ظلال التهمة والريبة على هذا الشخص في نفس سائلك، هذه من الجرائم التي ترتكب من بعض الناس -للأسف- بكل سهولة، ربما لا يتحرج أصلاً ولا يسأل نفسه ما حكم هذه الكلمة التي أقولها الآن في فلان وفلان، وخصوصاً التجريح في بعض أهل العلم، والذي يجرح في العلماء هو إنسان في الغالب صاحب هوى وجهل، وإلا لما جرح في أهل العلم. كونك تذكر ملاحظة في منهج عالم فلاني أو شيء عندما تتعرض له ويصبح فيه حاجة للتبيين، وهذا يقول لك: يا أخي! بعض العلماء يقولون بجواز سفر المرأة بغير محرم، فتقول: يا أخي! مستندهم ضعيف وليس لهم دليل، والحديث واضح وصريح، وأهل العلم قالوا بالحكم الفلاني، هذا ممكن، لكن بعض الناس بدون مناسبة وبدون سؤال وهو في مجلس يقول: العالم الفلاني جزاه الله خيراً -بعض الأشياء تأتي من هذا الباب وهو باب عجيب شيطاني- له جهود كبيرة في خدمة الإسلام، وهو إنسان عنده علم غزير ومؤلفات نافعة، ولكنه، ويأتي بعد ولكنه من المثالب والمعايب ما ينسي السامع كل المدح، فقرات المدح جاءت مقدمة فقط لاقتحام قلب الشخص، وإفراغ هذه الشتائم أو المعايب في ذلك السائل. ولذلك بعض الناس يحتجون، يقول: العلماء يتكلمون في الجرح والتعديل، لكن في أي شيء؟ في قضية أخذ رواية الحديث عن الرسول ﷺ ، في تمحيص الأخبار، هذه أحاديث يبنى عليها أحكام، وتبنى عليها عقائد، وأشياء يجب أن نؤمن بها، فاضطروا اضطراراً لذلك، أما أن تكون المسألة ليس فيها حديث ينبني عليه كلام رجال في السند، ولا فيها شيء من هذه الأقاويل، فيقول: علماء الجرح والتعديل تكلموا في فلان. هل الحاجة التي كانت عند علماء الجرح والتعديل فتكلموا في فلان وفلان موجودة الآن في الشخص الذي أنت تتكلم عليه؟ قد يكون هناك حاجة كشخص يريد أن يتزوج أختك، فذهبت وسألت عنه، هناك يكون الكلام واجباً من باب النصيحة في هذا الشخص، فقط في الأشياء المهمة المتعلقة بالزواج، كما فعل الرسول ﷺ : (أما معاوية فصعلوك وأما أبو جهم فإنه لا يضع العصا عن عاتقه). لكن لو قال لك شخص: ما رأيك يا أخي، فلان تقدم لأختي؟ فتقول: لا. هذا فلان خطه سيئ، وهو إنسان تلاوته للقرآن غير جيدة وصوته ممل، ثم إنه يلبس ثياباً تفصيلها كذا أي: تأتي له بأشياء أو عيوب لا علاقة لها أبداً بالزواج. أو مثلاً جاء شخص قال: ما رأيك في فلان أريد أن أشاركه في مشروع تجاري؟ فتقول له: والله فلان يا أخي يضرب زوجته كثيراً، ولا يسمح لزوجته أن تذهب إلى أهلها، ما علاقة هذا بهذا؟! فهنا يتبين لك بالكلام هذا الفرق بين الشيء الضروري الذي ينبغي أن يذكر، وبين الشيء الذي هو غيبة حقيقة ولا يجوز أن يقال.

стр. 2326

الاقتصار على الاستشارة في الأمور الدنيوية السؤال ما حكم من كانت استشارته جميعها في أمور الدنيا، فمنها ما هو نافع ومنها ما هو ضار، وهل جائز للمستشير والمستشار؟ الجواب السؤال عندي غير واضح تماماً، لكن أقول: الذي يجعل استشارته فقط في الأمور الدنيوية، فأين يذهب بالأمور الدينية؟ وأين يذهب بقضايا الخير مثل الدعوة إلى الله، وطلب العلم، وتغيير المنكر؟ من العجب أن تقتصر استشارة إنسان على استشارة دنيوية، ولا يستشير فيما هو أهم وهو الأمور الدينية والشرعية، ولذلك ينبغي أن تعظم فيها الاستشارة أكثر، لا أظن أن موقف هذا الشخص صحيح عندما يقصر استشارته على الأمور الدنيوية، والله أعلم.

стр. 2327

الاستقامة الاستقامة هي لزوم طاعة الله ورسوله في كل جوانب الحياة، بل هي الدين كله. فيجب على كل مسلم أن يتعرف على معانيها وجوانبها في الحياة، من الاستقامة على العقيدة الصحيحة، والاتباع ونبذ الابتداع، والتوسط وعدم الغلو، فإن لهذا ثماراً كبيرة في إصلاح الفرد والمجتمع والأمة.

стр. 2328

بيان عظم أمر الاستقامة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. الجواب =٦٠٠٠٣٩٤> يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. يقول الله في محكم تنزيله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠] ويقول : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف:١٣]. أيها الإخوة: هاتان الآيتان تبين كل واحدة منهما عظم أمر الاستقامة، وما أعد الله للمستقيمين على شرعه. والاستقامة يمكن معرفة عظمها وخطرها إذا تأملت حديث رسول الله ﷺ : (شيبتني هود) رواه الترمذي، وهو حديث صحيح، فسورة هود التي أنزلها الله على رسوله ﷺ ، قد سببت له شيباً عظيماً، فظهر الشيب في رأسه من شدة ما لاقى ﵇ من أوامر هذه السورة العظيمة، وما اشتملت عليه من الأحكام الكبيرة. أيها الإخوة: ذكر بعض المفسرين أن من الأسباب التي شيبت رسول الله ﷺ من سورة هود، قول الله في هذه السورة: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ [هود:١١٢] الأمر بالاستقامة لرسول الله ﷺ ، هذا الأمر وهذه الكلمة الموجزة التي هي من دلائل نبوة رسول الله ﷺ ، وجوامع الكلم التي أوتيها ﵊. هذه الكلمة كانت وصية لرسول الله ﵇، اكتفى بها الصحابي الجليل سفيان بن عبد الله لما قال له: (يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك -يا رسول الله! أعطني عطية عظيمة جامعة لا أحتاج بعدها أن أسأل أحداً غيرك من الناس، أعطني خلاصة هذا الأمر، أعطني ما يجب علي في حياتي كلها- فقال رسول الله ﷺ : قل آمنت بالله ثم استقم) رواه مسلم.

стр. 2329

معنى الاستقامة ومقصودها أيها الإخوة: لابد أن نعلم ما هي الاستقامة. قال العلماء: الاستقامة هي لزوم طاعة الله ، وعليها مدار نظام الأمور، فلا تنتظم الأمور إلا بها، والاستقامة كما عرفها بعض السلف هي: "لزوم سنة رسول الله ﷺ ". فالاستقامة إذاً هي الدين كله، (قل آمنت بالله ثم استقم)، لم يكتفِ رسول الله ﷺ من ذلك الرجل أن يقول آمنت بالله بلسانه فقط، وإنما أمره أن يستقيم على هذا الإيمان. أيها الإخوة: إن معرفة الحق ممكنة، يمكن للناس أن يعرفوا الحق في أمور كثيرة، وأن يلتزموا به يوماً من أيامهم، ولكن المشكلة هي الثبات على هذا الحق الذي عرفوه، وهذا الإيمان الذي وصلوا إليه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [الأحقاف:١٣] على هذا الإيمان، وعلى هذه المقولة. أيها الإخوة: من الجوانب التربوية التي يحرص الإسلام عليها، أن يجعل المسلم يسير على طريق مستقيم، ويدله عليه بالآيات والدلائل والبينات والأنوار التي تضيئ للمسلم الطريق، ولكن من الناس من يسلك هذا الطريق فيكمله حتى النهاية، ومنهم من يسلك هذا الطريق فيتعثر فيه ثم يعاود النهوض، فيمشي ثم يتعثر فيجلس ويقعد، ثم يقوم ويمشي ويتعثر، ثم يقوم ويمشي وهكذا، خطوات فيها تردد، ومشي فيه تباطؤ. ومن الناس -والعياذ بالله- من يسلك الطريق من أوله ثم ينكص على عقبيه فيرتد إلى طريق الضلالة والعياذ بالله. إذاً: من هنا نستطيع أن نعلم لماذا قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [الأحقاف:١٣]، ثم استقاموا على هذا الطريق (قل آمنت بالله ثم استقم)، واصل المشوار، دون تلكؤ ولا تباطؤ. وهذا المشكلة داء كثير من المسلمين، لا يعرفون المواصلة ولا الاستمرارية على الطريق الذي سلكوه، وقد يصرف بعضهم جهداً كبيراً حتى يصل إلى الطريق، فإذا ما وصل إليه تقاعس وهبط ولصق بالأرض وطينتها ومادياتها وزينتها وزخرفها. أيها الإخوة: إن الاستقامة هي الدين كله، وهي لزوم طاعة الله، ومن هناك كان لابد أن يحدث شيء من التقصير أثناء استقامة الإنسان، ولذلك أمر الله المستقيمين بالاستغفار، فقال الله : ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ [فصلت:٦] لماذا قال: (واستغفروه)، بعدما قال: فاستقيموا إليه؟ لأن الاستقامة قد لا تتهيأ كاملة لكثير من الناس، فيجب عليهم أن يستغفروا الله إذا استقاموا على الطريق، حتى يُذهب هذا الاستغفار ما حصل منهم ويحصل من التقصير والتفريط.

стр. 2330

جوانب الاستقامة أيها الإخوة: إذا نظرنا إلى جوانب الاستقامة، نجد أن الاستقامة في جميع جوانب الدين وأموره.

стр. 2331

الاستقامة على العقيدة الصحيحة لابد من الاستقامة على العقيدة الصحيحة، العقيدة التي هي: إيمان بالله ، وتوحيد له بجميع أنواع التوحيد توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات استقامة على العقيدة التي تعني أن الإيمان قول وعمل، وليس هو تلفظ باللسان فقط. العقيدة -أيها الإخوة- التي تدفع الإنسان إلى العمل، ليس ذلك الإسلام البارد، الذي هو مجموعة من الألفاظ التي يتلفظ بها الناس إن هناك مشكلة في سلوك كثير من المسلمين، وهي أن اعتقاداتهم التي يؤمنون بها ليست حافزاً لهم على العمل، ولا دافعاً لهم لمزيد من التقديم في طاعة الله .

стр. 2332

الاتباع وترك الابتداع أيها الإخوة: والاستقامة كذلك في جانب التزام سنة رسول الله ﷺ ، والبعد عن البدع، لذلك كانت الاستقامة وسطاً بين التفريط والإفراط، بين الغلو والتقصير الغلو الذي حصل من الخوارج في صدر الإسلام، وهو مضاد للاستقامة التي أمر الله بها مع أن الخوارج كانوا يصلون صلاة أكثر من صلاة الصحابة، يقول الرسول ﷺ للصحابة رضوان الله عليهم: (تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم) يقصد الخوارج، أي: أنهم يصلون كثيراً، ويصومون كثيراً، حتى إن الصحابة قد يحتقرون صلواتهم إلى صلوات الخوارج لكثرتها، وصيامهم إلى صيام الخوارج لكثرة صيامهم. لكن القضية -أيها الإخوة- ليست شعائر تؤدى بكثافة فقط، وإنما هو منهج وتصور صحيح، وسنة منضبطة لها قواعد جاء بها الإسلام تحدد الطريق، وإذا زاد الأمر عن حده انقلب إلى ضده. هؤلاء هم الخوارج الذين خرجوا على صحابة الرسول ﷺ ، وقاتلوا المسلمين المتمسكين بالدين تمسكاً صحيحاً، قاتلوهم بالسيف وذبحوهم وأجروا دماءهم في الأنهار، معتقدين أن عملهم هذا قربة إلى الله ، هؤلاء هم الغلاة والمتطرفون الحقيقيون. إن التطرف والغلو هو: الخروج عن جادة الاستقامة يمنة أو يسرة، هو مجاوزة الحد الذي أمر الله به ورسوله، أما إذا استقام الإنسان على شريعة الله فيتمسك بدين الله وشرعه، ويتمسك بسنة رسول الله ﷺ في الأقوال والأفعال، والظاهر والباطن، حتى في الشكل والمظهر والملبس، فهذا لا يمكن أن يسمى متطرفاً، ولا يمكن أن يسمى غالياً أو مغالياً. ولذلك نتيجة للجهل بمعنى الاستقامة، وبحدود السنة؛ صار الكثير من الجهلة اليوم يطلقون على المتمسكين بسنة الرسول ﷺ متطرفين ومغالين، ومتشددين ومتزمتين، وهكذا لماذا؟ لأنهم جهلوا معنى التطرف والغلو، ولأنهم يجهلون -أصلاً- ما هي الاستقامة. أيها الإخوة: إن هذه الدعوات التي تظهر متهمة عباد الله المستقيمين على شرعه، المتمسكين بدينه، بأنهم متطرفون ومتزمتون ومن أهل الغلو، إنما هي من تخطيط أعداء الإسلام لكي ينفروا الناس عن هؤلاء المستقيمين على شريعة الله، لكي ينفروهم ويحذروهم بزعمهم من هذا المسلك. أيها الإخوة: إن الذي يسمي رجلاً من المسلمين التزم بسنة الرسول ﷺ في المظهر، فأطلق لحيته، والتزم بثياب الرسول ﷺ ، فجعلها فوق الكعب كما أمر ﷺ ، وكما كان ثوب الرسول ﷺ ، ولبس من الملابس المشروعة التي ليس فيها تشبه بالكفرة، وأصلح باطنه أولاً؛ فأخرج النفاق من قلبه، والكذب من لسانه الذي يسمي هذه التصرفات غلواً، فإنه لا يبعد عن الكفر كثيراً لماذا؟ لأنه في الحقيقة يطلق على الرسول ﷺ أنه متطرف ومغال، لأن هذه الأفعال من سلوكيات رسول الله ﷺ ومن تصرفاته، فلو أطلقت على هذا الإنسان أنه متطرف أو مغالي فقد اتهمت الرسول ﷺ ، الذي هو أعظم البشر، والنبي المرسل من عند الله، وخاتم الأنبياء، وصاحب الشفاعة العظمى، وأول من يدخل الجنة، وسيد الأولين والآخرين اتهمته بأنه من أهل الغلو والتطرف. أيها الإخوة: لابد من الانتباه لهذه المسألة الخطيرة التي زلت فيها أقدام الكثيرين وألسنتهم إلا من عصم الله، أما الذي يخرج على المسلمين بالسيف فيقتل الأبرياء المستقيمين على شرع الله، ويفرق المسلمين، والذي يصوم الدهر كله، ويصلي الليل كله بلا نوم، ويترك الزواج بالكلية، ولا يأكل اللحم مطلقاً، ويعيش نباتياً هذا هو الذي يمكن أن نسميه متطرفاً ومغالياً ومتزمتاً ومتشدداً. أما أن نأتي إلى رجل من عباد الله الصالحين، استقام على شرع الله، يؤدي الصلوات في المساجد، عرف معنى الإيمان، وعرف معاني العقيدة الصحيحة، والتزم بشرع الله باطناً وظاهراً، ثم نسميه متطرفاً أو مغالياً في الدين!! فهذا لعمر الله هو التطرف بحده.

стр. 2333

الاستقامة في جانب السلوك والاستقامة أيها الإخوة: تكون كذلك في جانب السلوك، فلابد أن يكون سلوك الإنسان مستقيماً، ولابد أن تكون أخلاقه مستقيمة، فلا يتلبس بشيء من سفاسف الأمور أو الأخلاق السيئة، ولذلك يعتقد بعض الناس أن الاستقامة فقط في قضايا الأخلاق، فترى أحدهم يُسأل عن فلان: ما رأيك في فلان؟ فيقول: هو والله مستقيم، تسأله: كيف هو مستقيم؟ يقول: لا يكذب، ولا يشتم، ولا يسب، وإنسان لطيف، ومعاملته طيبة، وهو مستقيم لا يستعمل الرشوة، لا يخون في معاملته، إنسان مستقيم. لكن قد يكون هذا الرجل الموصوف بهذه الصفات لا يصلي، وقد يكون خرج إلى الفسق بقضايا كثيرة، ومخالفات عديدة، يرتكبها في حق نفسه. فالناس اليوم يعبرون عن الاستقامة، ويقولون: إنسان مستقيم لمجرد الأخلاق الطيبة، والأخلاق الطيبة في حد ذاتها لا تكفي، ولذلك من المضحك جداً أن يأتي أناس قد تقدم لهم شابٌ ليتزوج ابنتهم، فيسألون واحداً ويقولون له: ما رأيك في فلان؟ فيقول: فلان لا يصلي. فيقولون: لا بأس، لكن كيف أخلاقه؟ هذه -أيها الإخوة- من الأشياء الحاصلة اليوم، لا يسألون عن التزامه بالدين وأحكام الدين، وإن ضيع حق الله فالأمر غير مهم، لكن كيف المعاملة مع العباد؟ كيف سيعامل ابنتنا في المستقبل؟ فإن كانت معاملته طيبة وافقنا وهذا الفهم للاستقامة فهم قاصر جداً؛ لأنهم اقتصروا على الاستقامة في جانب واحد من الجوانب.

стр. 2334

أنواع الاستقامة أيها الإخوة: إن الاستقامة هي أمر فردي وأمر جماعي، فإن هناك جوانب لا تتم الاستقامة بها على المستوى الفردي، ولا تحصل ولا تنتج إلا على المستوى الجماعي، والدليل على ذلك قول الله في الآية التي أشرنا إليها: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا﴾ [هود:١١٢]. إذاً: نزل الأمر بالاستقامة للرسول ﷺ المستقيم أصلاً، لكن ليزداد في الاستقامة ويثبت عليها، ومن تاب معه من صحابة الرسول ﷺ خير الأمة، الذين تابوا مع الرسول ﷺ وسلكوا سبيل الاستقامة. إذاً: هناك أمورٌ لابد من الاستقامة فيها في المجال الجماعي، كالجهاد في سبيل الله، وتوجيه طاقات الأمة، ومعاملة المجتمع الإسلامي كوحدة واحدة مع الكفرة. إذاً: لابد أن تكون استقامتنا استقامة فردية، كل إنسان بنفسه، واستقامة جماعية، استقامة المجتمع كله لله . وفقنا الله وإياكم لأن نكون من أهل الإخلاص والاستقامة، وصلى الله على نبينا محمد.

стр. 2335

الاستقامة طريق إصلاح المجتمع الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله خالق كل شيء، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً. أيها الإخوة: الاستقامة تدخل في مجالات كثيرة، ولو طبقت الاستقامة تطبيقاً صحيحاً لوجدت أنها الحل لجميع المشاكل، فلو أن الأب استقام على شرع الله ، فربى أولاده تربية إسلامية صحيحة، خالية من المنكرات والانحرافات، وعرف ماذا يطعم أولاده، وتحرى الحلال لهم؛ فإن هذا يساعد في إنشاء البيت المسلم، ويكون هذا البيت لبنة صالحة في المجتمع، ولو أن الأم استقامت على شريعة الله، فحفظت عرضها ومال زوجها، وأولادها، واستقامت على شرع الله، لتطهر البيت من كثير من الأرجاس والأنجاس. ولو أن التاجر استقام على شريعة الله، فتجنب الغش في بيعه وشرائه، وراقب الله في تصرفاته، ومشى على حدود الله وأحكامه، وتجنب الحرام كالربا والرشوة وغيرها فتأمل ماذا سيحدث؟! ولو أن المدرس استقام على شرع الله، فاتقى الله تعالى واستقام في طريقة تدريسه، وماذا يدرس، وكيف يدرس، وعرف كيف يستغل مكانه في تربية الطلبة تربية إسلامية، فكيف سيكون الحال؟! ولو أن القاضي استقام على شرع الله ، فلم يجر في الحكم ولم يحد، وعدل العدل الذي أمر الله به، فكيف سيكون وضع المجتمع؟! وهكذا من أصناف الناس، لو أنهم كلهم استقاموا على شرع الله فكيف سيكون الأمر؟!

стр. 2336

الاستقامة تشمل الدين كله أيها الإخوة: إن الاستقامة باب عظيم يشمل الدين كله، ولذلك قد لا يمكن للناس أن يمسكوا بكل أطرافه، لذلك يقول الرسول ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم: (استقيموا ولن تحصوا) أمرهم بالاستقامة، وأخبرهم بأنهم لن يستطيعوا أن يلموا بكل جوانب الإسلام، وأن يفعلوا كل ما أمر به الله ، ولذلك قال بعدها: (وسددوا وقاربوا)، أي: اتقوا الله ما استطعتم، قم بكل جهدك وطاقتك، بما تستطيع أن تؤديه من حق الله ، ولا تقصر ولا تهمل، وبعد ذلك لو فاتك شيء خارج عن إرادتك وطاقتك، فإن الله غفور رحيم.

стр. 2337

المداومة على الأعمال الصالحة أيها الإخوة: وكذلك قوله ﷺ : (قل آمنت بالله ثم استقم)، وقول الله قبل ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت:٣٠] يفيد فائدة تربوية عظيمة وهي: الاستمرار على عمل الطاعات، وعدم قطعها حتى ولو كانت نوافل. ولذلك كان أحب الأعمال إلى رسول الله ﷺ أدومها وإن قل، فلو لم يصل الإنسان إلا ثلاث ركعات في الليل، لكنه يستمر عليها، فهذا شيء طيب، وهذا أفضل من أن يصلي إحدى عشرة ركعة في الليل لمدة شهر ثم ينقطع فلا يركع ركعة. ولو أن إنساناً يصوم يوماً واحداً في الشهر أو يوماً في الأسبوع، أو ثلاثة أيام في الشهر فقط ويستمر عليها، فإنه أفضل من الذي يصوم يوماً ويفطر يوماًَ لمدة ثلاثة أشهر ثم ينقطع عن الصيام تماماً طيلة عمره. إذاً: المحافظة على الأعمال الصالحة نتيجة الاستقامة، ومن مقتضيات الاستقامة ومستلزماتها، (قل آمنت بالله ثم استقم)، واصل المشوار، وأكمل ما أنت عليه من الطاعات. وإذا تأملت معي الحديث القدسي الذي يقول: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه) كلمة (لا يزال) هذه من معاني الاستقامة. والمعنى: أي هو مستمر، لا يزال يتقرب ويتقرب، ويقوم بالنوافل ويفعل، حتى يصل إلى تلك الدرجة العظيمة، (وإذا أحب الله تعالى عبداً، نادى جبريل: إني أحب فلاناً فأحبه، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: أحبوا فلان بن فلان، ثم يوضع له القبول في الأرض). أيها الإخوة: إن من المعاني التربوية العظيمة للاستقامة: الممارسة العملية اليومية المستمرة لهذه النوافل بقدر الطاقة، والاستمرار عليها وعدم قطعها، (يا عبد الله! لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل)، قطع النوافل يقسي القلب، وقطع الأشياء التي اعتادها الإنسان يقسي القلب، ويجعل النفس في وحشة بعيدة عن الله . اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك، اللهم واجعلنا من أهل السداد والاستقامة، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا. اللهم انصر المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم انصر إخواننا المسلمين في فلسطين، اللهم أمددهم بجيش من عندك، اللهم وأنزل عليهم ملائكة من عندك تثبتهم على الحق يا رب العالمين. اللهم من أراد منهم الله والدار الآخرة فكن معه يا مولانا لا ألله، اللهم من أراد بعمله جهاداً في سبيلك، ومعاداة لأعدائك اليهود اللهم ثبته وانصره وأيده بجند من عندك يا رب العالمين، اللهم أهلك اليهود ومن شايعهم، اللهم إنهم طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد، اللهم إنهم شنقوا أطفالنا فاشنقهم في الدنيا قبل الآخرة يا رب العالمين، اللهم واجعلهم عبرة لكل معتبر اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً اللهم فرق جمعهم وشتت شملهم، واجعل دائرة السوء عليهم يا رب العالمين اللهم إنك العزيز الجبار المتكبر، اللهم أنزل بهم بطشك ونقمتك يا رب العالمين، اللهم لا تجعل لهم قائمة في الأرض، اللهم إنهم أفسدوا وأفسدوا وأفسدوا، اللهم فاجعل دائرة السوء عليهم وابطش بهم ونكل بهم يا رب العالمين. عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠]، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥].

стр. 2338

الإمام ابن باز الفاجعة العلماء ورثة الأنبياء، رفعهم الله درجات، وأخبر أنهم أهل خشيته، وأمر الناس بسؤالهم وطاعتهم واتباعهم. والشيخ ابن باز كان واحداً من أولئك العلماء الأعلام، وقد تركت وفاته حيزاً لا يسده فرد بعينه؛ لأن الرجل كان أمة، ولمزيد من فهم وإدراك هذه الحقيقة تأتي هذه المادة حاملة في طياتها نبذة موجزة عن حياة الشيخ من ولادته حتى وفاته ﵀.

стр. 2339

مكانة العلماء في الأمة الإسلامية إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أشهد أن لا إله إلا الله هذه الحقيقة التي أشهد عليها أهل العلم فعظمهم ورفع قدرهم وقرنهم بنفسه وملائكته، فقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:١٨] أشهدهم على أجل مشهود وهو توحيده ، وهذا يدل على فضلهم، ونفى المساواة بينهم وبين غيرهم، فقال: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩]، وأخبر أنه رفعهم درجات، فقال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١]، وأخبر أنهم أهل الفهم عنه، فقال: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٣]، وأخبر أنهم أهل خشيته، فقال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة:٨]. لماذا كانوا أخشى الأمة لله؟ لكمال علمهم بربهم ، وما أعد لأوليائه أو لأعدائه علمهم النافع دلهم على معرفة الرب، والمعرفة بما يحبه ويرضاه وبما يكرهه ويسخطه ، فكل من كان بالله أعلم كان أكثر له خشية وهم أهل العلم، أبصر الناس بالشر ومداخل الشر، قال : ﴿قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [النحل:٢٧] هؤلاء العلماء الربانيون الذين فهموا أن العذاب يحيق بأهل العذاب. وكذلك قال عنهم في قصة قارون: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْر﴾ [القصص:٨٠]، وكذلك فإنهم ينهون الناس عن الشر لمعرفتهم به: ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْأِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة:٦٣].

стр. 2340

العلماء هم ولاة الأمور هؤلاء العلماء هم ولاة الأمر وولاة الأمر تابعون لهم ولاة الأمر هم العلماء والأمراء، والأمراء يتبعون العلماء؛ لأنهم ينفذون ما يقوله أهل العلم، فقوله : ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] يدخل فيه العلماء أولاً، ثم يدخل فيه المنفذون لكلامهم ثانياً. هؤلاء العلماء طاعتهم طاعة لله ، فقد أمر بها، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] قال ابن عباس ﵁: [يعني أهل الفقه والدين وأهل طاعة الله الذين يعلمون الناس معاني القرآن في دينهم ودنياهم] وكذلك فإنه قد أوجب الرجوع إليهم وسؤالهم عمّا أشكل، فقال: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣] (إن العلماء ورثة الأنبياء) (فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب) (إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً؛ ولكنهم ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر). إنهم المبلغون عن الأنبياء الذين ينقلون للناس أحاديث الأنبياء، فهم يعلمونها، ويحفظونها، ويعرفون صحتها، ويميزون أمرها، ويعلمون شرحها، وينقلونها للناس. إنهم الطائفة التي أراد الله بهم الخير العظيم (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين). إن نجاة الناس والعالم والأمة منوطة بوجود العلماء، فإن يقبض العلماء يهلك الناس، قال ﷺ : (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رءوساً جهالاً، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا).

стр. 2341

كيفية قبض العلم عباد الله: هذا موكب أهل العلم يسير، ويقبض الله من شاء منهم، ويذهب من العلم طائفة عظيمة بقبض عالم من العلماء، قال ابن عباس [أتدرون ما ذهاب العلم؟ قالوا: لا. قال: ذهاب العلماء]. الناس أحوج إلى العلماء منهم إلى الطعام والشراب؛ لأن الطعام والشراب نحتاج إليه في اليوم مرتين أو ثلاثاً، والعلم يحتاج إليه في كل وقت؛ كما قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "إن مثل العلماء في الأرض كمثل النجوم في السماء يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، فإذا انطمست النجوم أوشك أن تضل الهداة". هؤلاء العلماء يهتدى بهم في الظلمات، ويبينون الحق من الباطل عند الاشتباه، وهم زينة أهل الأرض كما أن النجوم زينة السماء، وهم رجوم للشياطين الذين يخلطون الحق بالباطل؛ فيرجمون أهل الأهواء والضلالات بالآيات من الكتاب والسنة، ولأن تموت القبيلة بأسرها أيسر من أن يموت عالم واحد، هذا فضلهم قد جاءت به الآيات والأحاديث.

стр. 2342

من هم العلماء إنهم العارفون بشرع الله، المتفقهون في دينه، الذين يقولون: قال الله وقال رسوله، الذين يعلمون معاني الكتاب والسنة. العلماء هم الذين يعملون بعلمهم. العلماء هم الذين يخشون الله. العلماء هم الذين لا يخافون في الله لومة لائم. العلماء هم أهل السنة، وهم أهل الحديث، وهم أهل الفقه، هؤلاء هم العلماء المقصودون بهذه النصوص الشرعية.

стр. 2343

فاجعة وفاة ابن باز وبعض خصاله لقد فجعنا وفجع المسلمون في العالم برحيل الشيخ العلامة/ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله تعالى رحمة واسعة، أبو عبد الله عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله من آل باز، المولود في الرياض في الثاني عشر من ذي الحجة في عام [١٣٣٠هـ] الذي أصابه المرض مبكراً في عينيه، فنتج عن ذلك أنه أصيب بالعمى في سن التاسعة عشرة: عزاء بني الإسلام قد عظم الأمر وليس لنا إلا التجلد والصبر فشيخ المعالي غاب عنا مسافراً إلى ربه إذ ضمه اللحد والقبر لقد كان بدراً ضاء في الكون نوره ألا إنه على أنه الشيخ المبجل والحبر فسمعته في الناس فهي فريدة وسيرته بيضاء ما مسها غدر وإن هو أعمى العين فالقلب مبصر يساعده في علمه العقل والفكر فهاهي تنعاه الجزيرة كلها لقد مسها من فقده الحزن والضر إني لأحسبه والله حسيبه ممن انطبق عليه قول النبي ﷺ : (يقول الله : من أذهبت حبيبتيه فصبر واحتسب لم أرض له ثواباً دون الجنة) رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح، رزقه الله بصيرة ونوراً في قلبه، وفراسة يميز الصادق من الكاذب، واختيار الناس للمهمات، كان قوياً في أمر الله على ما يستطيع ويقدر.

стр. 2344

من خصال ابن باز: رده على أهل الباطل والبدع هو الذي رد على أهل الباطل باطلهم، ولما قال عظيم من عظماء الدنيا: إن القرآن فيه خرافات كقصة أصحاب الكهف، وعصا موسى! كتب الشيخ مبيناً أن ذلك ردة وكفر، ولما كتب إليه نائب لذلك القائل أن القائل لا يقصد، وأنه متراجع عن قوله، كتب له الشيخ آمراً: إن كان صادقاً فليعلن توبته على الملأ كما أعلن كفره على الملأ. هو الشيخ الذي رد على أهل الباطل باطلهم، وعلى أهل البدع بدعهم، فهذه كتبه ورسائله حافلة بالرد عليهم بين لما أمر الله أهل العلم أن يبينوا، رحمة الله تعالى عليه، وهذه مقالاته في التحذير من البدع كالاحتفالات غير الشرعية البدعية من المولد، وذكرى الإسراء، وليلة النصف من شعبان، وغيرها قائمة عندما يرى المنكرات أمامه يتكلم، وعندما يرى انتشار ألوان الفحش والفساد من الأفلام والأغاني يتكلم عن ذلك، وعندما يرى منكر سفر الناس إلى بلاد الكفار يتكلم عن ذلك، وعندما يرى فشو المنكرات يتكلم عن ذلك، وهذه رسائله في المحرمات المنتشرة، وفي البدع الكثيرة، مع أخذه ﵀ بالحكمة والموعظة الحسنة. نحن لا نبرئه فهو بشر، ولا نرفعه إلى رتبة الأنبياء فليس بمعصوم، الحق ما وافق الكتاب والسنة: كان إماماً بحق لـ أهل السنة والجماعة في عصره، ومجدداً للدين، فكم أحيا الله به من سنة، وأمات من بدعة، وأيقظ من غفلة، وهدى من ضلالة! فهو إمام -إن شاء الله- داخل في قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ [الفرقان:٧٤]. كان ساعياً في إزالة المنكرات، وخطاباته الكثيرة لم يطلع عليها الناس؛ لأنه كان يخاطب صاحب المنكر أو صاحب الشأن ولا يريد الفضيحة والتشهير، ويسير على الحكمة في ذلك مع ما في فعله -رحمه الله تعالى- من الاجتهاد، فاجتهد وتصدى للنوازل الكبار والمسائل الصعبة الشائكة التي وجدت في هذا العصر، والمتعلقة بأنواع المكتشفات والمخترعات، بما رزقه الله من العلم والفهم والبصيرة، فترأس مجمع الفقه الإسلامي الذي أصدر عدداً من الفتاوى في النوازل الفقهية المعاصرة التي يحار فيها العلماء ويضطربون.

стр. 2345

من خصال ابن باز: جمعة بين الفقه والحديث كان مجدداً جامعاً بين الفقه والحديث، يعرف الحديث وصحته، ويحفظ من أحاديث دواوين السنة الكثير، يعرف الرجال وضبط الأسماء، وتصحح النسخ والطبعات بين يديه مع كونه ضريراً، كان بحراً في معرفة أقوال العلماء لا يخرج عنها، ولا تكاد تجد له فتوى شاذة، فظهر ﵀ عدلاً وسطاً بين طرفين، مال أحدهما إلى الحديث ولم يشتغل بالفقه كما ينبغي، ومال الآخر إلى الفقه وأقوال الفقهاء ولم يهتم بالحديث كما ينبغي، فكان جامعاً بين الفقه والحديث. من أعظم ميزات منهج الشيخ: الجمع بين الفقه والحديث، هو الرئيس المسكت الذي تجتمع على قوله الآراء، وربما اختلف العلماء بين يديه في النقاشات في لجنة الفتوى، أو في مجلس هيئة كبار العلماء، فإذا قال قولاً فصل بينهم وأذعنوا له، ورضخوا لرأيه، وجعلوا لقوله صوتين في لجنة الفتوى مقابل صوت واحد لكل عضو من أعضاء اللجنة، هاتوا واحداً سيجتمع عليه العلماء بعد رحيل الشيخ فتكون له الكلمة المطاعة على الجميع، ويكون له النفوذ في كثير من أقطار الأرض من الجهة العلمية، ومن الإذعان للفتوى!

стр. 2346

من خصال ابن باز: التواضع والأمانة كان ينزل إلى مستوى العامة لتفهيمهم، ولم يكن يخاطبهم من علو، بل كان كثيراً ما يجيب باللهجة العامية الدارجة، ليفهموا عنه، كان متواضعاً لله ، قلما كان يعلق في دروسه مكتفياً بكلام أصحاب الكتب، كأن الدرس له ولمراجعته ومذاكرته وفائدته، وتعليقاته على فتح الباري اليسيرة يعلق على ما لا بد منه، كان يذكر مشايخه ويترحم عليهم. ومن تواضعه: أنه كان يقوم إلى العجائز والضعفة الواقفات ببابه لقضاء حوائجهن من مال أو سؤال أو قضية طلاق وغيرها، وأوقف مرة نقاشاً مع علماء كبار ليجيب امرأة بالهاتف، فلما عاتبه بعضهم قال: هذه صاحبة حاجة. ومن تواضعه: جلوسه على الأرض للطعام، آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد. وبساطة لباسه: يلبس ثوباً فضفاضاً لا رقبة له، ولا يتعدى أنصاف ساقيه، وبشته ليس نفيساً غالي الثمن، ولباسه وحذاؤه وعصاه تدل على زهده في الدنيا، ينفق مرتبه وربما يستدين لقضاء حوائج المسلمين. كان في غاية الديانة والأمانة، يُستأمن على الملايين من صدقات المسلمين وزكواتهم، فيجتهد في إنفاقها في وجوهها.

стр. 2347

اهتمام ابن باز بطلابه وبمن حوله من الناس كان يهتم بطلابه، ولما درس في الخرج جعل لهم سكناً، وطلب لهم سكناً إضافياً لما ضاق، ومكافآت، وعقد لهم الدروس والحلق بعد الفجر وبعد الظهر وبعد العصر وبعد المغرب وبعد العشاء، كان يذكر عنه بعض طلابه الذين يقرءون عليه تفسير ابن كثير بين العشائين أنه كان كثيراً ما يتأثر ويبكي، وربما يطول الدرس بسبب تأثره دون أن ينتبه، فإذا انتبه أنهى الدرس وأقيمت صلاة العشاء. وكان يناقش طلابه وخصوصاً في درس المواريث، ويتفقد أحوالهم، ويقضي حاجاتهم، ويخرج معهم إلى البر، ولا ينسى إقامة الرياضات البدنية لهم، كرياضة العدو والمسابقة على الأقدام التي وردت بها السنة، كما جاء في حديث عائشة وسلمة بن الأكوع. كان مشاركاً للناس والأهالي، ولما دهمت السيول بلدة الدلم في سنة (١٣٦٠هـ) خرج يشجع الأهالي على إقامة السدود، وأخرج من بيته التمر والقهوة إلى مواقع العمل لخدمة الناس، ولما هاجمت أسراب الجراد البلد خرج الشيخ معهم لقتله بالجريد، وكان حريصاً على الأوقاف، وإدارتها، وإقامة المدارس. ولما عين في إدارة الجامعة الإسلامية بـ المدينة النبوية في عام (١٣٨١هـ) وما بعدها كان يتفقد الفصول والطلاب، ويعتني بالوافدين من البلدان الأخرى، وقضاء حوائجهم، وتوفير الكتب لهم، والاهتمام بتعليمهم اللغة العربية. ولما عين رئيساً لإدارات البحوث العلمية والإفتاء عام (١٣٩٥هـ) وغادر المدينة النبوية إلى الرياض للمنصب الجديد حصلت مشاهد من التأثر لدى أصحابه وطلابه، وألقى كلمة اختلط فيها الكلام بالبكاء والنشيج من الجميع حتى قال أحد الحاضرين في نفسه: بكينا وفاءً لامرئ قل أن يرى له في الدعاة العاملين نظير فخلوا ملامي إن ألح بي البكا فإن فراق الصالحين عسير

стр. 2348

جوانب من سيرة ابن باز .

стр. 2349

المناصب التي تولاها ابن باز وبيان نجاحه في أعماله أيها الإخوة! قليلون أولئك الذين تولوا المناصب فلم يتغيروا، ولم يظلموا ولم يتجبروا، كان الشيخ واحداً من هؤلاء القلة، لم يخربه المنصب، ولم يشغله بالدنيا لم يتجبر ويظلم من تحته كان متواضعاً كان إدارياً ناجحاً، كما تولى إدارة الجامعة الإسلامية، وإدارة اللجنة الدائمة للإفتاء، وهيئة كبار العلماء، كان رجلاً منظماً في وقته وعمله ودروسه وطعامه ومجلسه، يعطي كل ذي حق حقه، كثيرة هي المشاريع الخيرية التي كان ابتداؤها منه، وكثيرة هي المشاريع الخيرية التي كان إنهاؤها على يديه من المساجد ومدارس تحفيظ القرآن ومنشآتها المشاريع الخيرية المتعددة المبثوثة، كان أبو عبد الله هو الذي يدفع بها، وهو الذي يكتب عنها، وهو الذي يطلب المسئولين لإنفاذها، له شفاعات عظيمة، وله تمييز عظيم لأصوات الناس مع كثرتهم، حتى لربما عرف المتكلم ولو لم يسمع صوته منذ سنين، ويحفظ الأشخاص، ويسأل عن أحوالهم، وأحوال بلدهم وأقاربهم، مع كثرتهم البالغة، يترددون على مجلسه بالعشرات، أو بالمئات أحياناً يومياً. هذا الإمام العلم -أيها الإخوة- لسنا نزعم أنه أعلم من الشافعي أو أحمد أو ابن تيمية كلا والله، ولكن أهميته في عصره لا تقل عن أهميتهم في عصورهم إن لم تكن أكثر، وحاجة الناس إليه أكثر لقلة العلماء في هذا الزمان بالنسبة للعلماء في الأزمنة الماضية.

стр. 2350

صور من ورع ابن باز وخشيته كان يكثر ذكر الله تعالى حتى وهو على الطعام وبين اللقم، كان ورعاً في الفتوى، كثيراً ما يقول: ننظر فيها -تحتاج إلى تأمل- اكتبها للجنة ونبحثها مع الإخوان، ولا يستنكف أن يقول في درسه في صحن الحرم المكي على الملأ من الناس -وسمعته بنفسي-: المسألة مشتبهة علي. ولا يجيب، وكم من مرة سألته فيتوقف عن الإجابة، ولو عُرضت على طالب علم صغير لتسرع فيها! كان صاحب خشية لله سريع الدمعة شديد التأثر يقطع درسه بالبكاء لما يغلبه، لا عجب في ذلك، فقد قال الله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] يقطع الجواب لإجابة المؤذن، ويستدرك ما فاته من الأذان لو سهى وأكمل المكالمة، ولا يفوت الذكر بعد الصلاة بالرغم من كثرة السائلين حوله، ويقطع الكلام مع الشخص عند الخروج من المسجد لأجل أن يقول الذكر. كان عادلاً حتى بين زوجتيه، له زوجتان بلغ من عدله أنه لا يصلي سنة المغرب البعدية إلا في بيت التي هو عندها الليلة، فيبدأ من بداية الليلة من بعد المغرب ومن بعد صلاة الجماعة، فلا يصلي سنة المغرب إلا في بيت التي هو عندها. هذه شفاعاته لا تعد ولا تحصى، أدى زكاة جاهه كما أدى زكاة علمه رغبة في قوله ﷺ : (اشفعوا تؤجروا) -نحسبه كذلك- شفاعاته للكبار والصغار، كم من طالب قبل في جامعة، وكم من فقير حصل على صدقة، وكم من عامل استقدم زوجة، وغير ذلك كثير كثير من شفاعات أبي عبد الله، نسأل الله أن يجعلها في ميزانه يوم يلقاه. لما كان قاضياً وبعد القضاء يسعى بالصلح بين الأزواج والزوجات، والإصلاح بين المتخاصمين، كان حليماً عفواً سمحاًَ متسامحاً، دخل عليه أيام كان قاضياً بـ الدلم رجل سباب فسب الشيخ وأفحش، والشيخ ساكت لا يجيب، ثم سافر الشيخ للحج فمات ذلك الرجل، فلما قدموه لصلاة الجنازة أبى إمام ذلك المسجد وكان يعرف الواقعة، وقال: لا أصلي على شخص يشتم العالم، صلوا عليه أنتم، ولما عاد الشيخ من الحج وأخبر بموت الرجل الذي سبه والقصة، ترحم عليه وعاتب الإمام، وقال: دلوني على قبره، فصلى عليه ودعا له، وقلت له قبل موته بأيام: أريدك يا شيخ أن تسامحني وتحللني، فلا يخلو الأمر من خطأ في حقك أو تقصير أو إخلال في فهم كلامك والنقل عنك. فقال لي: مسامح، مسامح، سامحك الله هذا هو طبعه: المسامحة، وهذا من أسباب اجتماع القلوب عليه ومحبة الناس له، أنه لم يكن يصادم، ولم يكن يرد بسفاهة، وإنما كان حليماً ﵀. كان متأدباً حتى مع كتَّابه، فمرة أطال إلى الساعة الحادية عشرة ليلاً، ثم قال: يبدو أنا قد تعبنا؛ مع أن الشيخ لم يتعب، ولكن قال ذلك مواساة للكاتب الذي كان يكتب معه، فتأخر إلى هذا الوقت، وهو الذي كان من أصحاب العبادات والطاعات. قال أحد الذين رافقوه من الطائف إلى الرياض براً: لما صرنا في منتصف الليل بعد الساعة الثانية عشر ليلاً قال لمرافقيه: يبدو أننا تعبنا، قفوا لننام في الطريق، فتوقفنا، فما لامست أقدامنا الأرض إلا وأخذنا النوم، والجيد منا من صلى ركعة أو ثلاث قبل أن ينام، فشرع الشيخ في الصلاة فاستيقظ الذين كانوا معه قبل الفجر، فإذا بالشيخ يصلي، كذا جاء حديث عن النبي ﷺ في الثلاثة الذين يضحك الله إليهم.
следующие страницы →