← Джавами‘

Джавами‘ · id 7704

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (7 040 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

من خصال ابن باز: التواضع والأمانة كان ينزل إلى مستوى العامة لتفهيمهم، ولم يكن يخاطبهم من علو، بل كان كثيراً ما يجيب باللهجة العامية الدارجة، ليفهموا عنه، كان متواضعاً لله ، قلما كان يعلق في دروسه مكتفياً بكلام أصحاب الكتب، كأن الدرس له ولمراجعته ومذاكرته وفائدته، وتعليقاته على فتح الباري اليسيرة يعلق على ما لا بد منه، كان يذكر مشايخه ويترحم عليهم. ومن تواضعه: أنه كان يقوم إلى العجائز والضعفة الواقفات ببابه لقضاء حوائجهن من مال أو سؤال أو قضية طلاق وغيرها، وأوقف مرة نقاشاً مع علماء كبار ليجيب امرأة بالهاتف، فلما عاتبه بعضهم قال: هذه صاحبة حاجة. ومن تواضعه: جلوسه على الأرض للطعام، آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد. وبساطة لباسه: يلبس ثوباً فضفاضاً لا رقبة له، ولا يتعدى أنصاف ساقيه، وبشته ليس نفيساً غالي الثمن، ولباسه وحذاؤه وعصاه تدل على زهده في الدنيا، ينفق مرتبه وربما يستدين لقضاء حوائج المسلمين. كان في غاية الديانة والأمانة، يُستأمن على الملايين من صدقات المسلمين وزكواتهم، فيجتهد في إنفاقها في وجوهها.

стр. 2347

اهتمام ابن باز بطلابه وبمن حوله من الناس كان يهتم بطلابه، ولما درس في الخرج جعل لهم سكناً، وطلب لهم سكناً إضافياً لما ضاق، ومكافآت، وعقد لهم الدروس والحلق بعد الفجر وبعد الظهر وبعد العصر وبعد المغرب وبعد العشاء، كان يذكر عنه بعض طلابه الذين يقرءون عليه تفسير ابن كثير بين العشائين أنه كان كثيراً ما يتأثر ويبكي، وربما يطول الدرس بسبب تأثره دون أن ينتبه، فإذا انتبه أنهى الدرس وأقيمت صلاة العشاء. وكان يناقش طلابه وخصوصاً في درس المواريث، ويتفقد أحوالهم، ويقضي حاجاتهم، ويخرج معهم إلى البر، ولا ينسى إقامة الرياضات البدنية لهم، كرياضة العدو والمسابقة على الأقدام التي وردت بها السنة، كما جاء في حديث عائشة وسلمة بن الأكوع. كان مشاركاً للناس والأهالي، ولما دهمت السيول بلدة الدلم في سنة (١٣٦٠هـ) خرج يشجع الأهالي على إقامة السدود، وأخرج من بيته التمر والقهوة إلى مواقع العمل لخدمة الناس، ولما هاجمت أسراب الجراد البلد خرج الشيخ معهم لقتله بالجريد، وكان حريصاً على الأوقاف، وإدارتها، وإقامة المدارس. ولما عين في إدارة الجامعة الإسلامية بـ المدينة النبوية في عام (١٣٨١هـ) وما بعدها كان يتفقد الفصول والطلاب، ويعتني بالوافدين من البلدان الأخرى، وقضاء حوائجهم، وتوفير الكتب لهم، والاهتمام بتعليمهم اللغة العربية. ولما عين رئيساً لإدارات البحوث العلمية والإفتاء عام (١٣٩٥هـ) وغادر المدينة النبوية إلى الرياض للمنصب الجديد حصلت مشاهد من التأثر لدى أصحابه وطلابه، وألقى كلمة اختلط فيها الكلام بالبكاء والنشيج من الجميع حتى قال أحد الحاضرين في نفسه: بكينا وفاءً لامرئ قل أن يرى له في الدعاة العاملين نظير فخلوا ملامي إن ألح بي البكا فإن فراق الصالحين عسير

стр. 2348

جوانب من سيرة ابن باز .

стр. 2349

المناصب التي تولاها ابن باز وبيان نجاحه في أعماله أيها الإخوة! قليلون أولئك الذين تولوا المناصب فلم يتغيروا، ولم يظلموا ولم يتجبروا، كان الشيخ واحداً من هؤلاء القلة، لم يخربه المنصب، ولم يشغله بالدنيا لم يتجبر ويظلم من تحته كان متواضعاً كان إدارياً ناجحاً، كما تولى إدارة الجامعة الإسلامية، وإدارة اللجنة الدائمة للإفتاء، وهيئة كبار العلماء، كان رجلاً منظماً في وقته وعمله ودروسه وطعامه ومجلسه، يعطي كل ذي حق حقه، كثيرة هي المشاريع الخيرية التي كان ابتداؤها منه، وكثيرة هي المشاريع الخيرية التي كان إنهاؤها على يديه من المساجد ومدارس تحفيظ القرآن ومنشآتها المشاريع الخيرية المتعددة المبثوثة، كان أبو عبد الله هو الذي يدفع بها، وهو الذي يكتب عنها، وهو الذي يطلب المسئولين لإنفاذها، له شفاعات عظيمة، وله تمييز عظيم لأصوات الناس مع كثرتهم، حتى لربما عرف المتكلم ولو لم يسمع صوته منذ سنين، ويحفظ الأشخاص، ويسأل عن أحوالهم، وأحوال بلدهم وأقاربهم، مع كثرتهم البالغة، يترددون على مجلسه بالعشرات، أو بالمئات أحياناً يومياً. هذا الإمام العلم -أيها الإخوة- لسنا نزعم أنه أعلم من الشافعي أو أحمد أو ابن تيمية كلا والله، ولكن أهميته في عصره لا تقل عن أهميتهم في عصورهم إن لم تكن أكثر، وحاجة الناس إليه أكثر لقلة العلماء في هذا الزمان بالنسبة للعلماء في الأزمنة الماضية.

стр. 2350

صور من ورع ابن باز وخشيته كان يكثر ذكر الله تعالى حتى وهو على الطعام وبين اللقم، كان ورعاً في الفتوى، كثيراً ما يقول: ننظر فيها -تحتاج إلى تأمل- اكتبها للجنة ونبحثها مع الإخوان، ولا يستنكف أن يقول في درسه في صحن الحرم المكي على الملأ من الناس -وسمعته بنفسي-: المسألة مشتبهة علي. ولا يجيب، وكم من مرة سألته فيتوقف عن الإجابة، ولو عُرضت على طالب علم صغير لتسرع فيها! كان صاحب خشية لله سريع الدمعة شديد التأثر يقطع درسه بالبكاء لما يغلبه، لا عجب في ذلك، فقد قال الله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] يقطع الجواب لإجابة المؤذن، ويستدرك ما فاته من الأذان لو سهى وأكمل المكالمة، ولا يفوت الذكر بعد الصلاة بالرغم من كثرة السائلين حوله، ويقطع الكلام مع الشخص عند الخروج من المسجد لأجل أن يقول الذكر. كان عادلاً حتى بين زوجتيه، له زوجتان بلغ من عدله أنه لا يصلي سنة المغرب البعدية إلا في بيت التي هو عندها الليلة، فيبدأ من بداية الليلة من بعد المغرب ومن بعد صلاة الجماعة، فلا يصلي سنة المغرب إلا في بيت التي هو عندها. هذه شفاعاته لا تعد ولا تحصى، أدى زكاة جاهه كما أدى زكاة علمه رغبة في قوله ﷺ : (اشفعوا تؤجروا) -نحسبه كذلك- شفاعاته للكبار والصغار، كم من طالب قبل في جامعة، وكم من فقير حصل على صدقة، وكم من عامل استقدم زوجة، وغير ذلك كثير كثير من شفاعات أبي عبد الله، نسأل الله أن يجعلها في ميزانه يوم يلقاه. لما كان قاضياً وبعد القضاء يسعى بالصلح بين الأزواج والزوجات، والإصلاح بين المتخاصمين، كان حليماً عفواً سمحاًَ متسامحاً، دخل عليه أيام كان قاضياً بـ الدلم رجل سباب فسب الشيخ وأفحش، والشيخ ساكت لا يجيب، ثم سافر الشيخ للحج فمات ذلك الرجل، فلما قدموه لصلاة الجنازة أبى إمام ذلك المسجد وكان يعرف الواقعة، وقال: لا أصلي على شخص يشتم العالم، صلوا عليه أنتم، ولما عاد الشيخ من الحج وأخبر بموت الرجل الذي سبه والقصة، ترحم عليه وعاتب الإمام، وقال: دلوني على قبره، فصلى عليه ودعا له، وقلت له قبل موته بأيام: أريدك يا شيخ أن تسامحني وتحللني، فلا يخلو الأمر من خطأ في حقك أو تقصير أو إخلال في فهم كلامك والنقل عنك. فقال لي: مسامح، مسامح، سامحك الله هذا هو طبعه: المسامحة، وهذا من أسباب اجتماع القلوب عليه ومحبة الناس له، أنه لم يكن يصادم، ولم يكن يرد بسفاهة، وإنما كان حليماً ﵀. كان متأدباً حتى مع كتَّابه، فمرة أطال إلى الساعة الحادية عشرة ليلاً، ثم قال: يبدو أنا قد تعبنا؛ مع أن الشيخ لم يتعب، ولكن قال ذلك مواساة للكاتب الذي كان يكتب معه، فتأخر إلى هذا الوقت، وهو الذي كان من أصحاب العبادات والطاعات. قال أحد الذين رافقوه من الطائف إلى الرياض براً: لما صرنا في منتصف الليل بعد الساعة الثانية عشر ليلاً قال لمرافقيه: يبدو أننا تعبنا، قفوا لننام في الطريق، فتوقفنا، فما لامست أقدامنا الأرض إلا وأخذنا النوم، والجيد منا من صلى ركعة أو ثلاث قبل أن ينام، فشرع الشيخ في الصلاة فاستيقظ الذين كانوا معه قبل الفجر، فإذا بالشيخ يصلي، كذا جاء حديث عن النبي ﷺ في الثلاثة الذين يضحك الله إليهم.

стр. 2351

عالمية ابن باز وبرنامجه اليومي جاءت رسالة من الفلبين إلى الشيخ من امرأة تقول: زوجي مسلم، أخذه النصارى وألقوه في بئر، وأصبحت أرملة وأطفالي يتامى، وليس لي بعد الله جل وعلا أحد، فسألت من يتحمل ومن يساعد؟ فقالوا لي: اكتبي للشيخ عبد العزيز بن باز ليساعد في ذلك، فلما قرأ الشيخ الخطاب وتأثر كتب للإدارة بالمساعدة، فلما جاءه الجواب أنه لا يوجد بند لذلك، قال: اخصموا من راتبي نفقة هذه المرأة، وأرسلوها فوراً. لم يعلن القصة على الملأ، وإنما قالها الخاصة الذين عرفوا بها. إن علمه وصل وانتشر في العالمين شرقاً وغرباً، حتى أن بعض الدعاة لما دخل في بعض بلاد أفريقيا وجد عجوزاً، فقالت: من أين أنتم؟ فقلنا لها عبر المترجم: من بلاد السعودية. فقالت: بلغوا سلامي إلى الشيخ ابن باز، هكذا حصل من نشر صيته في الأرض، والله إذا رضي عن عبد وضع له القبول في الأرض. عباد الله: إن ذلك الشيخ كان أمة في الأعباء التي يقوم بها، يبدأ يومه قبل الفجر بالاستيقاظ في الثلث الأخير من الليل، فيصلي ما كتب الله له أن يصلي، ويستغفر؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران:١٧] وبعد صلاة الفجر يحرص على قراءة الأوراد، ولا يكاد يجيب أحداً حتى يقرأ الأوراد كلها، ثم يبدأ الدرس، فيقرءون عليه حتى ساعة متأخرة من الضحى، ثم يتوجه إلى العمل للإجابة على المعاملات والأسئلة الواردة من الأقطار الأخرى، وقضايا أصحاب الحاجات والشفاعات، ثم بعد ذلك يتوجه إلى بيته فيرتاح قليلاً، ثم يدخل للإجابة على الهاتف، ثم يتغدى مع الضيوف، لم يكن يتغدى وحده رحمه الله تعالى. ثم بعد ذلك راحة إلى صلاة العصر، وبعدها أعمال خاصة له وبمكتبه، ثم بين المغرب والعشاء الإجابات على الأسئلة وهكذا بعد العشاء يلقي الكلمات في المساجد، ويحضر الندوات، ويحضر المحاضرات، كانت أعماله متوالية، وكان حريصاً على صيام يومي الإثنين والخميس، وحضور دروس الفجر، ودعوة زواره، يستقبل الوفود من البلدان المختلفة، وينجز المعاملات، وهو رحمه الله تعالى يدعو غير المسلمين للإسلام، ويأتي بالمترجمين ليقول ما يريد أن يقوله لهم حتى لم يكد يخلو يوم من أناس يسلمون بين يديه لا يقلون عن خمسة. هذا أبو عبد الله أمة بعمله، جماعة بمفرده، رحمه الله تعالى وجعل الجنة مثواه. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 2352

بقاء خصال الشيخ حتى آخر حياته الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله سيد الأولين والآخرين، وأعلم العلماء بكتاب الله والسنة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله: كان شيخكم -رحمه الله تعالى- كريماً سخياً، يعطي من طلب، ولا يكاد يرد من سأل، ولم يكن يأكل وحده، فكان كثير الضيوف، ولا يأكل إلا ومعه أناس على مائدته، ولما مرض قال لنا مرة ونحن في مجلسه وقد حضر الطعام: تفضلوا أنتم وأنا اسمحوا لي. كان يعطي من طلب، ورأيته أعطى لباسه -بشته- من سأله إياه في مجلسه، متعه الله بعقله، فلم يصبه زوال ولا خرف ولا تغير، وبعض النسيان الذي حصل له لكبر السن لم يؤثر على مقدرته في الإفتاء واستحضار الأدلة، والتركيز والفهم، مع أنه دخل في التسعين، وقد سألته قبل أيام من موته عن امرأة ماتت وعليها سعي لم تأت به هل يقوم به ولدها عنها؟ فقال: الموت ما منه حيلة، ولولدها أن يسعى عنها، كما له أن يحج عنها -ثم وقف، ثم قال:- ولكن يجب أن يكون محرماً بنسك عند سعيه عنها. فقلت له: مثل أن يحرم بعمرة ثم يطوف ويسعى لنفسه وقبل أن يقصر شعره يسعى عن أمه؟ فقال: أو قبل أن يأتي بعمرته وبعد الإحرام هذه الدقة وهذا الانتباه للسؤال، وفي الجواب لازمه ذلك إلى آخر عمره، عمل حتى آخر أنفاسه. وكانت دروسه مستمرة حتى أيام مرضه، ودرس الفجر يوم الخميس يزيد على ثلاث ساعات، عمل (٥٨) سنة ولم يأخذ إجازة واحدة، وكان لا ينام في يومه إلا أربع إلى خمس ساعات، وبقية ذلك في العبادة ومصالح المسلمين. هذا الإنسان كيف يجد وقتاً لمعصية الله؟؟ من استعمله الله في طاعته من هيأ له هذا الأمر من أدخله في هذه العبادات وحوائج الناس والتدريس الفتيا كيف يجد وقتاً للمعصية. وقد كان مستحقاً للتقاعد منذ عشرين عاماً بكامل الراتب، ولكنه استمر لخدمة الإسلام ونصرة الدين، ومعنى ذلك أنه عملها بدون أي مقابل.

стр. 2353

آخر أيام ابن باز وحادثة الوفاة لما مرض الشيخ وكان يشتد عليه الألم إذا أفاق -هذا في آخر أيامه- قال لمن حوله من الكتاب والمساعدين: هاتوا ما عندكم، اقرءوا علي. فيقرءون الرسائل والخطابات وقضايا الطلاق، والشكاوى من المنكرات، وخطابات الشفاعات وغير ذلك مما ينفع به العباد والبلاد. كان لا يشتكي، جلست بجانبه وهو يتأمل فقلت: خيراً. فقال: أشكو بعض الشيء، وكان إذا اشتد به الألم وقد أصابه سرطان المريء والبلعوم في آخر عمره، إذا اشتد عليه الألم تغير لون وجهه، وسكت ووضع يده على موضع الألم، ولم يتأوه، ولم يصيح. والإمام أحمد ﵀ لما مرض قد سمع أن طاوساً كان يقول عن الأنين: إنه شكوى؛ فما أنَّ أحمد حتى مات.

стр. 2354

أصناف الفرحين بموت الشيخ سيشمت بموت الشيخ ويفرح أصناف من أعداء الله، وهذه حقيقة نعرفها: أولهما: المنافقون الذين يريدون عزل الإسلام عن حياة الناس، وثانيهما: المبتدعة أهل الزيغ والأهواء هؤلاء الذين سيفرحون بموت الشيخ عبد العزيز، أصحاب الشهوات الذين كانوا يقولون: إن المرأة ستسوق إذا مات ابن باز، وارتحنا من فتاويه المتشددة، ولكن أخزاهم الله تعالى في الفترة الماضية، ومات الشيخ وهم في ذل وخيبة ولم يتحقق مقصودهم، لا رفع الله لهم رأساً، ولا مكنهم مما يريدون. دعاة تحرير المرأة والاختلاط يريدون موت الشيخ بأي طريقة، لأن فتاويه عقبة في طريقهم وهكذا أصحاب الشهوات والمنكرات يريدون وفاته والتخلص منه، ولكن الله لهم بالمرصاد، وسيقيض من هذه الأمة من يقوم ويتصدى، والحمد لله أن الدين لا يقوم على شخص واحد، وأن في هذه الأمة أفذاذاً وأخياراً، وعلماء ودعاة وطلبة علم يقفون بالمرصاد أمام دعاوى هؤلاء أرباب الشهوات، وهؤلاء المنافقين الذين يريدون عزل الدين عن حياة المسلمين.

стр. 2355

عزاء الأمة في وفاة الشيخ ابن باز وأما عزاؤنا في وفاة الشيخ فإن على رأس العزاء موت محمد بن عبد الله ﷺ ، الذي قالت عائشة فيه: (فتح رسول الله ﷺ باباً بينه وبين الناس في آخر عمره، فإذا الناس يصلون وراء أبي بكر، فحمد الله على ما رأى من حسن حالهم، رجاء أن يخلفه الله فيهم بالذي رآهم، فقال: يا أيها الناس أيما أحد من المؤمنين أصيب بمصيبة فليتعز بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بغيري، فإن أحداً من أمتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشد عليه من مصيبتي) رواه ابن ماجة وهو حديث صحيح. فعزاؤنا في موت الشيخ، أولاً: نتعزى بالمصاب الذي لقيناه ولقيته الأمة بوفاة محمد بن عبد الله ﷺ ، فكل مصيبة دونه تهون، وعزاؤنا في الطلاب الذين تركهم، والعلماء الذين خرجهم هذا الشيخ الفاضل، وهذه الكتب والرسائل التي سطرت علمه، فهو وإن رحل فإن علمه باقٍ وموجود فينا، ونحن مسئولون عن نشره وتبليغه، ومن حق الشيخ علينا أن نقوم بعد وفاته بنشر علمه وفضله ومناقبه، وأن نترحم عليه، وندعو له، ونتذكر بأسى وحزن أن أرقام الهاتف [٤٣٥٤٤٤٤] و [٤٣٥١٤٢١] في الرياض، و [٥٥٦٢٨٧٤] في مكة، [٧٤٦٠٢٢٣] في الطائف، لن يرفع الشيخ سماعته اليوم ليجيب. كانت أسئلة الناس يفزع بها إلى الشيخ ليجيب، كانت الملمات تعرض على هذا المجتهد، كنا إذا داهمنا الناس بالأسئلة فزعنا إلى الشيخ نتصل به وننقل إجابته، فلن يرد علينا الشيخ بعد اليوم في المستجدات، ولكن العزاء فيما تركه من الفتاوى، وفي العلماء الذين تركهم خلفه، فما من عالم مشهور في البلد إلا وللشيخ عليه فضل ومنة. ونتذكر برؤية جنازته تلك المشاهد العظيمة لجنائز علماء الإسلام، الذين قال السلف فيها: آية ما بيننا وما بين أهل البدع يوم الجنائز. وسيصلي على الشيخ من الجموع الغفيرة من لا يحصى ولا يعد.

стр. 2356

وصف الحديث بلغة الشعر مهج تذوب وأنفس تتحسر ولظى على كل القلوب تسعر الحزن أضرم في الجوانح والأسى يصلى المشاعر باللهيب ويصهر كيف التحدث عن مصابٍ فادح أكبادنا من هوله تتفطر كل امرئ فينا يدوم تعاسة والبؤس في دمه يغور ويزخر لم لا وقد فقدوا أباً ومهذباً ورعاً بأنواع المفاخر يذكر لما بدا للحاضرين كيانه والنعش يزهو بالفقيد ويفخر هلعت لمنظره النفوس كآبة وبدا على كل الوجوه تحسر نظروا إليه فصعدت زفراتهم والدمع غمر في المحاجر يحمر كل يحاول أن يغطي دمعه لكنه يلقي النقاب فيسفر يتزاحمون ليحملوه كأنهم سيل يموج وأبحر لا تجزر يا راحلاً ريع الثقات بفقده وبكى تغيبه الحمى والمنبر لو كنت تفدى بالنفوس عن الردى لفدتك أنفسنا وما نتأخر لكن تلك طريقة مسلوكة وسجية مكتوبة لا تقهر كل امرئ في الكون غايته الردى والموت حتم للأنام مقدر كتب الفناء على الأنام جميعهم سيان فيهم فاجر ومطهر لكن من اتخذ الصلاح شعاره تفنى الخليقة وهو حي يذكر ما مات من نشر الفضيلة والتقى وأقام صرحاً أسه لا يكسر ما مات من غمر الأنام بعلمه الكتب تشهد والصحائف تخبر يا ناصر الإسلام ضد خصومه لك في الجهاد مواقف لا تحصر قد كنت للدين الحنيف معضداً وبشرعة الهادي القويم تعبر كم من فؤاد عام في لجج الهوى أنقذته أيام كنت تذكر بصرته بهدى المشرع فارعوى عن غيه فلك الجزاء الأوفر طوراً تحذره العذاب وتارة برضا الإله وما أعد تبشر ولكم خطبت على الأنام مذكراً أن الحنيف على العباد ميسر يا زاهداً عرف الحياة فما هوى في المغريات ولا سباه المظهر نم في جنان الخلد يا علم التقى وانعم بظل وارف لا يحسر إن شاء الله. اللهم تغمد شيخنا عندك برحمتك يا أرحم الراحمين، وارفع منزلته في أعلى عليين، واخلف في عقبه في الغابرين، واخلف على الإسلام وأهله بخير يا رب العالمين! اللهم اجبر مصابنا، اللهم اجبر كسرنا، وصبرنا على مصابنا، اللهم اجعلنا عاملين بكتابك وسنة نبيك ﷺ ، واجعلنا رجاعين لأهل العلم، واجعلنا من أهل العلم، واجعلنا أوفياء لأهل العلم، واجعلنا من الذين ينشرون العلم يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك أن تعلي للشيخ درجته في الجنة، وأن تلحقه بمنازل الأبرار والشهداء والأنبياء، وأن تجعله ممن يلتقي بهم يا رب العالمين. اللهم إننا شهدنا بأنه صاحب فضل وعلم وخير، وإن نبيك محمد ﷺ قد أخبر أننا شهداؤك في الأرض، وقد شهدنا له بما له من الخير، وأنت تعلم السر وأخفى، وأنت بصير بالعباد، لا نزكي عليك أحداً، أنت حسيبه وحسيبنا وحسيب كل أحد. اللهم فإنا نسألك له المغفرة ورفعة الدرجات، انشر رحمتك عليه وعلى العباد، اللهم ارزقنا الجنة وأعتقنا من النار نحن ووالدينا وأموات المسلمين يا غفار! واعلموا -أيها الإخوة- أن صلاة الغائب قد ذكر فيها العلماء أقوالاً، فمنهم من قال: لا يصلى عليه إذا صلي عليه كما اختار ذلك ابن القيم وغيره من المحققين، ومنهم من قال: يصلى على أئمة الهدى صلاة الغائب، ومنهم من قال: لكل أحد، وقد صدر التوجيه بصلاة الغائب عليه، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن رحمهم ورفع درجاتهم ومنزلتهم في الجنة إنه سميع مجيب قريب. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 2357

الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام [١،٢] لقد حفظ التاريخ في سجله الإمام أبا عبيد القاسم بن سلام ضمن العلماء المجتهدين، فقد حفظ القرآن وهو في الصغر، ثم رحل في طلب العلم وتنقل بين البصرة وبغداد والكوفة وغيرها من البقاع، وتولى القضاء في طرسوس، ولقد اشتهر بالتصنيف حتى أقبل على كتبه عامة الناس، وتتلمذ على يديه تلاميذ من شتى البقاع، وقد كان ﵀ ذا أخلاق عالية في طلب العلم، والحرص على الفوائد، وتعظيم العلم وأهل العلم. وقد توفي ﵀ في مكة بعد أن قدم إليها حاجاً ثم بقي فيها إلى أن توفي سنة (٢٢٤هـ) ودفن في مقبرة المعلاة. فرحمه الله رحمة واسعة.

стр. 2358

أبو عبيد وبداية طلبه العلم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فإن أخبار الأخيار دواءٌ للقلوب، وجلاءٌ للألباب من الدنس والعيوب، وإن النفس تستروح إلى مطالعة أخبار من تقدم، والمطلع على أخبار من درج، ووقائع من غاب في غابر الموت وما خرج، ومآثر من رقى إلى سماء السيادة وعرج، يعود وكأنه عاصر أولئك وجلس معهم على نمارق الأسرة، واتكأ بينهم على وسائد الأرائك، وأفاد ذلك حزماً وعزماً وموعظةً وعلماً، وهمةً تذهب هماً وبياناً يزيل وهناً ووهماًَ، وعوناً للاقتداء بهم في جميل الخصال ونبيل المآثر والفعال. جمال ذي الأرض كانوا في الحياة وهم بعد المماتِ جمال الكتب والسيرِ هذا شيءٌ من فوائد دراسة أخبار المتقدمين، وشخصيات السلف والعلماء ﵏ أجمعين، وهي الإفادة من تلك السير في أمورٍ نقتدي بهم فيها. ويعلم الإنسان المسلم عظمة التاريخ الإسلامي، وعظمة هذه الأمة التي أنجبت هؤلاء الشخصيات، ويحس وهو يقرأ في أخبارهم أنه يعيش معهم، وربما كان في ذلك جلاءٌ لهمومه، وذهابٌ لأحزانه، وحملاً له على التخلق بأخلاق الكرام، وهذا هو المهم -فعلاً- عند الاطلاع على أخبار العلماء والأئمة المتقدمين. وسنعرض -إن شاء الله تعالى- لحياة الإمام أبي عبيد القاسم بن سلَّام رحمه الله تعالى عن أخلاقه، وحياته، وعلمه، وفضله، وكلام أهل العلم حوله، وشيءٍ من كتبه وآثاره وأخباره. عاش الإمام أبو عبيد -رحمه الله تعالى- في العصر العباسي الأول، حيث ولد سنة: (١٥١هـ)، وتوفي سنة: (٢٢٤هـ)، ويكون بهذا قد عاصر سبعةً من خلفاء بني العباس، من المنصور المتوفى سنة: (١٥٨هـ) إلى المعتصم المتوفى سنة: (٢٢٧هـ)، وبذلك يكون قد عاصر المهدي محمد بن عبد الله، والهادي موسى بن محمد، والرشيد هارون بن محمد، الذي حكم ثلاثاً وعشرين سنة، والأمين وَلَد هارون، واسمه محمد بن هارون، وتولى خمس سنين، ويكون أبو عبيد ﵀ قد عاصر -أيضاً- أخا الأمين، المأمون عبد الله بن هارون الذي حكم عشر سنين، وآخر من عاصره من خلفاء بني العباس هو: المعتصم محمد بن هارون، الذي حكم تسع سنين أيضاً. وهذه الفترة التي سبق أن وصفناها بأنها كانت أيام عز الدولة العباسية وازدهارها، وكانت فيها الحالة الاقتصادية من أحسن ما يكون، حتى أن هارون الرشيد -رحمه الله تعالى- طلب من أبي يوسف صاحب أبي حنيفة، وقاضي الناس في ذلك الوقت أن يؤلف كتاباً في السياسة الاقتصادية للدولة، فألف له كتاب الخراج، لتنظيم بيت مال المسلمين واقتصاد الدولة الإسلامية في ذلك الوقت. وفي هذه الحقبة -أيضاً- حصلت فتنة خلق القرآن، ومر بالمسلمين محنة شديدة -جداً- طالت علماء أفذاذاً، فمنهم مَن قُتل، ومنهم مَن أُخذ فحُبس، ومنهم مَن جُلد وضُرب، ومنهم مَن قُطعت عنه النفقة ونحو ذلك من أنواع الأذى، ومنهم مَن مُنع مِن التدريس، ثم تنسموا الرحمة بعدما لبثوا في العذاب المهين خمسة عشر عاماً، وذلك عندما جاء الخليفة المتوكل سنة: [٢٣٢هـ] الذي أعاد السنة ورفع المحنة. أبو عبيد القاسم بن سلاَّم اسمه: القاسم، وأبوه سلاَّم بن عبد الله، ويُكنى الإمام القاسم بن سلاَّم بـ أبي عبيد، وهو بغدادي، خراساني الأصل، من مدينة هرات، وهي مدينة عظيمة مشهورة من مدن خراسان، وهي المعروفة اليوم في بلاد أفغانستان، وهو تركي مولى الأزد، ومولى الأنصار الخزاعي، والمولى كما سبق أن ذكرنا هو: المعتَق إذا انتسب بنسبك إذا أعتقتَ شخصاً فانتسب إليك، فيقال عنه: فلان الفلاني بنسبتك أنت مولاهم، وأبوه سلاَّم كان عبداً رومياً لرجلٍ من هرات. ويُحكى أن سلاَّماً خرج يوماً وأبو عبيد في الكُتَّاب، وكان أول ما يبدأ به الصبيان في ذلك الوقت هو حفظ كلام الله تعالى عند الكتاب، فلما سلاَّم مر بالكتَّاب قال للمعلم: "علمي القاسم فإنها كيِّسة" وهذا يدل على أن الرجل صاحب لُكْنة أعجمية لا يحسن العربية؛ فهو يؤنث المذكر، وهذا موجود إلى اليوم، تجد الأعاجم إذا بدءوا في الكلام بالعربية يؤنثون المذكر، ويذكرون المؤنث، فهذا من طبيعة من أراد أن يبدأ يتكلم من الأعاجم العربية أن يقع منه هذا الخلط، ولكن هذا الرجل العامي أكرمه الله تعالى بولدٍ صار من كبار علماء العربية، ومرجعاً في هذا الشأن. أبو عبيد القاسم بن سلاَّم بمدينة هرات من مملكة خراسان، وكان مولده على الأرجح في سنة: (١٥٧هـ)، وقيل: غير ذلك، وكانت سنة وفاته في: (٢٢٤هـ) على الأصح، وهذا الذي نقله أخص تلاميذه وهو علي بن عبد العزيز البغوي، وبناءً على ذلك يكون قد عُمِّرَ (٧٣) سنة. وضعه أبوه عند الكتَّاب مع ابن مولاه، ثم لما انتهى من تلقي القرآن عند الكُتَّاب رحل في طلب العلم إلى بغداد، والكوفة، والبصرة، وتنقل في البلدان، وطلب العلم، وسمع الحديث، ودرس الأدب، ونظر في الفقه. دخل بغداد في سنة: (١٧٦هـ) تقريباً، وسمع فيها من سعيد بن عبد الرحمن الجمحي، وكذلك سمع من فرج بن فضالة. ودخل الكوفة في سنة: (١٧٧هـ)، وسمع فيها من شريك بن عبد الله النخعي. ودخل أبو عبيد البصرة في سنة: (١٧٩هـ) أيضاً وأراد أن يسمع فيها من حماد بن زيد، ولكن لم يدركه، فإنه لما دخل البصرة علم أنه قد توفي رحمه الله تعالى. حماد بن زيد، شيخ أهل البصرة، مات في نفس السنة، (١٧٩هـ)، فـ أبو عبيد ارتحل إلى البصرة ليسمع من حماد، ففاته ولم يدركه، وتأسف على ذلك أسفاً بالغاً كما سيأتي. ودخل أيضاً الرقة، وسمع من محدثيها، فيقول أبو عبيد ﵀ عن نفسه: جلست إلى معمر بن سليمان بـ الرقة وكان من خير من رأيت، والرقة: مدينة على الفرات وهي معروفة -الآن- من بلاد سورية، سمع فيها من مُعمَّر بن سليمان، بتشديد الميم، وهذا غير معمر الأزدي - معمر بن راشد اليمني ﵀، أو معمر بن راشد الأزدي - الذي سكن في اليمن فترة من حياته.

стр. 2359

تولي الإمام أبي عبيد للقضاء بعد هذا التجوال رجع أبو عبيد ﵀ إلى خراسان موطنه الأصلي، وعمل هنالك مؤدباً لآل هرثمة، والمؤدب: الذي يربي الأولاد ويعتني بهم، ويخلقهم بالأخلاق الحسنة، ويحملهم على الأدب الجم ويعلمهم الصلاة والطهارة، والأمور الأساسية التي ينبغي أن يتعلمها كل ولدٍ من الأولاد، كان هذا الشيء منتشراً في أولاد الكبار في ذلك الوقت أنهم يحرصون على الاتيان بمؤدبٍ لأولادهم. فـ هرثمة بن أعين من كبار قواد هارون الرشيد، وأبو عبيد في أول حياته تولى تأديب أولاد آل هرثمة، ثم اتصل بـ ثابت بن نصر بن مالك الخزاعي يؤدب ولده، وكان ثابت قد تولى طرسوس، وهي: مدينة بثغور الشام، بين أنطاكية وحلب وبلاد الروم، وتُعرف أيضاً بـ طرطوس، ولما تولى ثابت على طرسوس وحكمها ثماني عشرة سنة، ولَّى أبا عبيد القاسم بن سلاَّم قضاء طرسوس، فتولاها له ثماني عشرة سنة، وأصبح قاضياً لـ طرسوس، وعلى ذلك يكون أبو عبيد ﵀ قد تولى القضاء فيها سنة: (١٩٢هـ)، إلى سنة: (٢١٠هـ).

стр. 2360

أبو عبيد وبداية التعليم والتأليف بعد هذه المدة الطويلة في القضاء عاد أبو عبيد من طرسوس إلى بغداد، وهناك اتصل بـ عبد الله بن طاهر والي خراسان وكان ابن طاهر يُجري عليه في الشهر ألفي درهم. قال أبو العباس أحمد بن يحيى: قدِم طاهر بن عبد الله بن طاهر من خراسان وهو حدثٌ في حياة أبيه يريد الحج، فنزل في دار إسحاق بن إبراهيم، فوجَّه إسحاق إلى العلماء، فأحضرهم ليراهم طاهر، فقال طاهر: اجمع العلماء وأتِ بهم إلي لأراهم، وليَعْلَم ما عندهم من العلم، فحضر أصحاب الحديث والفقه، وأُحْضِر ابن الأعرابي، وأبو نصر صاحب الأصمعي، ووجِّه إلى أبي عبيد القاسم بن سلاَّم في الحضور، فأبى أن يحضر، وقال: العلم يُقْصَد -العلم يؤتى ولا يأتي، إذا أراد أن يتعلم أو يسمع فيأتي هو، أما أن نأتي إليه فلا- ورفض الاتيان، وكان عبد الله بن طاهر يُجري له في الشهر ألفي درهم، وكان من عادة العلماء في ذلك الوقت أنهم يُفرَّغون للعلم ويُجرى عليهم من بيت المال مرتب يكفيهم في حياتهم لمعيشتهم , ويتفرغون للعلم، فكان يُجرَى لـ أبي عبيد ﵀ في الشهر ألفي درهم، وهو مبلغ كبير. فلما قال: (العلم يُقْصَد) ورفض أن يأتي، قطع إسحاق عنه الرزق -أي: المرتب- وكتب إلى عبد الله بن طاهر بالخبر أن أبا عبيد امتنع، لكن هذا الامتناع أثر في نفس عبد الله بن طاهر، فكتب رسالة يقول فيها: صَدَقَ أبو عبيد في قوله، وقد ضاعفتُ له الرزق من أجل فعله هذا، فأعطه فائته، أي: كلما خصمت عليه ومنعته فأعطه وأدر عليه بعد ذلك ما يستحقه، وكان لهذه المعاملة أثر في العلاقة الطيبة بين أبي عبيد ﵀ وبين الأمير عبد الله بن طاهر، فكان أبو عبيد إذا ألف كتاباً أهداه إلى عبد الله بن طاهر، وكان الآخر يقدر ذلك ويكافئه عليه. ويروى أن أبا عبيد ﵀ لما ألف كتاب غريب الحديث وعرضه على عبد الله بن طاهر، وكان الأمراء في ذلك الوقت -بطبيعة الحال- لهم اهتمام بالعلم والأدب، فيعرفون أهمية الكتب، فلما نظر فيه قال: "إن عقلاً بعث صاحبَه على عمل مثلِ هذا الكتاب لحقيقٌ ألا يُحْوَجَ إلى طلب المعاش" فأجرى له عشرة آلاف درهم كل شهر، فعاش أبو عبيد مكرماً، وهيأ الله له من يكفيه هموم المعاش، ويتفرغ لطلب العلم، ولم يكن صاحب تزلف ولا وقوف على الأبواب، ولذلك عمل -كما قلنا في بداية أمره- في تأديب أولاد الكبار، وعمل قاضياً مدة طويلة، ثم بعد ذلك صار متفرغاً للتعليم وللتأليف، وكان يُجرى عليه رزقه.

стр. 2361

رحلة أبي عبيد إلى مكة ووفاته فيها بعد عودة أبي عبيد إلى بغداد واتصاله بـ عبد الله بن طاهر لم تطُل إقامته هناك، فرحل من بغداد إلى مصر والشام بصحبة الإمام العلم المشهور يحيى بن معين -رحمه الله تعالى- وقدم دمشق طالب علم، مع أنه كان قاضياً (١٨) سنة، وكان علماً وعالماً؛ لكن رحل إلى دمشق وسمع من هشام بن عمار، وسليمان بن عبد الرحمن، وحدَّث عنهما، وكانت رحلته في سنة: (٢١٤هـ) تقريباً، وفي سنة: (٢١٩هـ) خرج إلى مكة حاجاً، وأكرمه الله بأداء المناسك ودخل المدينة النبوية، ويدل على ذلك أنه لما شرح حديث (أن النبي ﷺ حرَّم ما بين عير وثور) وهذا الحديث فيه كلمة (عير وثور) وهي من الكلمات الغريبة التي يُتَوَقَّع أن توجد، وهذا الحديث يوجد في كتاب غريب الحديث لـ أبي عبيد، لأن هذا الكتاب يشرح فيه أبو عبيد ﵀ الألفاظ الصعبة والغريبة في الأحاديث، وهذا أشهر كتاب لـ أبي عبيد، وعُرف واشتُهر به. فطبيعة الحال لما مر بكلمتي (عَير وثور) شرحهما، وأنهما اسم جبلين، فقال: عير بـ المدينة معروف وقد رأيته، وهذا يدل على أنه دخل المدينة. ثم إنه ﵀ ذهب إلى مكة، وتوفي فيها في المحرم من سنة: (٢٢٤هـ)، ودُفن في المعلاة، مقبرة أهل مكة. وقيل: إنه رأى رؤيا قبل أن يموت في مكة، وكان قد عزم على الخروج من مكة إلى العراق في صباح اليوم التالي، فرأى رؤيا أن النبي ﷺ كان جالساً وعلى رأسه قومٌ يحجبونه، والناس يدخلون عليه ويسلمون عليه ويصافحونه، قال: فلما دنوتُ أدخل مع الناس مُنِعْتُ، فقلت لهم: لِمَ لا تخلوا بيني وبين رسول الله ﷺ ؟ فقالوا لي: لا والله لا تدخل ولا تسلم عليه، وأنت غداً ذاهب إلى العراق. كيف تخرج العراق غداً ثم تريد أن تسلم عليه؟! فقال: فقلت لهم -وهذا كله في المنام-: إني لا أخرج إذاً، فأخذوا علي العهد ألا أخرج، ثم خلوا بيني وبين النبي ﷺ ، فدخلت وسلمت عليه وصافحته، فلما أصبح أبو عبيد ﵀ بعد هذه الرؤيا، فاسخ كَرِيَّه -أي: الشخص الذي اتفق معه على الكِراء إجارة القافلة أو الدابة من مكة إلى العراق، فسخ معه عقد الإجارة- وجلس في مكة إلى أن توفي بها، ودُفن فيها رحمه الله تعالى.

стр. 2362

شيوخ الإمام أبي عبيد القاسم بن سلام لا شك أن مثل هذا الإمام العلم -كما تعودنا سابقاً في الأعلام الذين سمعنا سيرتهم- لا يمكن أن يكونوا قد خرجوا من فراغ، فإنه لا بد أن يكون هذا نتاج اعتناء وتربية علماء تخرج على أيديهم، لا بد أن يكون هناك وسط علمي وعلماء كبار تخرج أبو عبيد على أيديهم، فمن هم شيوخه؟ - عبد الملك بن قريب الأصمعي المشهور، الأصمعي البصري اللغوي أبو سعيد. - علي بن حمزة الكسائي الكوفي أحد القراء السبعة. - أبو عبيدة معمر بن المثنى. - يحيى بن زياد الفراء. - هشام بن عمار مقرئ أهل الشام. - إسماعيل بن عياش عالم الشام ومحدثها. - سفيان بن عيينة العالم الجليل المشهور الثقة الكوفي ثم المكي محدث الحرم، الذي يعد من أشهر شيوخ أبي عبيد. - عبد الرحمن بن مهدي العالم الكبير الذي تقدمت سيرته ﵀. - عبد الله بن المبارك أمير المؤمنين في الحديث. - هشيم بن بشير الواسطي. - يحيى بن سعيد القطان. - كذلك من الذين تخرج عليهم أبو عبيد في الفقه وهو الذي فتَّق له المسائل واعتنى به ووجهه إلى الفقه هو: محمد بن الحسن الشيباني، تلميذ أبي حنيفة، والذي تعلم منه أبو عبيد أشياء كثيرة، ومن ذلك ما رواه فقال: كنا مع محمد بن الحسن إذ أقبل الرشيد الخليفة، فقام إليه الناس كلهم إلا محمد بن الحسن فإنه لم يقُم، ومعلوم ما حكم القيام للداخل، وحديث النبي ﷺ : (من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار) وأن الصحابة لم يكونوا يقومون للنبي ﷺ لِمَا يعلمون من كراهيته لذلك، وأن القيام للشخص الداخل دون سببٍ منهيٌّ عنه، وأن القيام إليه لإدخاله أو إجلاسه أو معانقته بعد سفر أمرٌ لا بأس به، وأن القيام عليه أمرٌ محرم أيضاً، وأن النبي ﷺ عاتب الصحابة على وقوفهم وهو جالسٌ في الصلاة، وقال: (كدتم تفعلون فعل فارس والروم آنفاً) يعني: أنهم يقفون على رءوس ملوكهم وهم جلوس، إلا ما يكون من أمر تعظيم الخليفة أمام الأعداء مثلما وقف المغيرة وغيره على رأس النبي ﵊ في صلح الحديبية أمام الكفار ليروا الكفار منزلة النبي ﷺ . وكان لـ محمد بن الحسن الشيباني ﵀ أثرٌ بالغ في فقه أبي عبيد. ولَمَّا رتب الذهبي ﵀ في ترجمة حماد بن أبي سليمان فقيه العراق المتوفى سنة: (١٢٠هـ) رتب أجيال الفقهاء، قال: فأفقه أهل الكوفة: علي وابن مسعود، أول ما تأسست هذه البلدة الإسلامية أفقه من نزل بها: علي بن أبي طالب؛ لأنه قُتل في الكوفة، وابن مسعود الصحابي الجليل أفقه من نزل الكوفة، وأفقه أصحابهما -من تلقى عنهما العلم-: علقمة، وأفقه أصحاب علقمة: إبراهيم النخعي، وأفقه أصحاب إبراهيم: حماد بن أبي سليمان، وأفقه أصحاب حماد: أبو حنيفة، وأفقه أصحابه: أبو يوسف، وانتشر أصحاب أبو يوسف في الآفاق، وأفقههم: محمد بن الحسن المذكور، وأفقه أصحابه: الشافعي ﵀. ومعنى ذلك أن أبا عبيد قد عاصر الشافعي؛ لأنه إذا كان شيخه محمد بن الحسن الشيباني، ومحمد بن الحسن الشيباني أفقه من درس على يديه الشافعي، فمعنى ذلك أن أبا عبيد قرين للشافعي، وقد جلس معه عند محمد بن الحسن، وتفقه كلٌ منهما على محمد بن الحسن، وله مناظرات مع الشافعي ﵀. وأبو عبيد كان لا يأنف أن يستفيد من أقرانه، فأخذ كتب الشافعي فنسخها، أي: كتبها ليطلع عليها ويستفيد منها، ولذلك تجد أبا عبيد في كتبه، ينقل عن أقوال الصحابة والتابعين وشيوخه إلى المعاصرين، فينقل من أقوالهم، كما فعل ذلك في كتاب الأموال، وهو كتاب مشهور، فنقل من أقوال الصحابة والتابعين ومن شيوخه ومعاصريه. وروى الحديث عن القاضي أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم، وتفقه على يديه أيضاً، وقال: جالستُ أبا يوسف ومحمد بن الحسن، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، فما هِبْتُ أحداً في مسألة ما هبتُ أحمد بن حنبل.

стр. 2363

تلاميذ أبي عبيد القاسم بن سلام أما تلاميذ أبي عبيد ﵀، فإنه لما طار صيته في الآفاق، وسارت بتصانيفه الركبان، قصده الطلاب والحفاظ للأخذ منه والدراسة على يديه، وممن درس عليه بعضُ شيوخه وأقرانه، فسمعوا منه، وقال: كنت في تصنيف هذا الكتاب - غريب الحديث - أربعين سنة، وهذا مما يدل على عظمة هذا الكتاب، وهو كتاب مطبوع. وكان لـ أبي عبيد -رحمه الله تعالى- منزلة عظيمة عند الكبار من أئمة عصره، قال حمدان بن سهل: سألت يحيى بن معين عن الكتابة عن أبي عبيد والسماع منه؟ فتبسم، وقال: مثلي يُسأل عن أبي عبيد؟! أبو عبيد يُسأل عن الناس. ومِن شيوخه وأقرانه الذين حدثوا عنه: أحمد بن حنبل ﵀، شيخ الإسلام، الإمام المشهور. سعيد بن الحكم المصري، الثقة الثبت الفقيه. علي بن عبد الله المديني، أعلم أهل عصره بالحديث والعلل، المتوفى سنة: (٢٣٤هـ) بـ سامراء. أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، فإنه ممن درس أيضاً على أبي عبيد. وكيع بن الجراح، الإمام الحافظ. يحيى بن معين، سيد الحفاظ، وإمام أهل الجرح والتعديل. ومن أشهر تلاميذ أبي عبيد القاسم بن سلاَّم: إبراهيم بن إسحاق الحربي. أحمد بن يحيى البلاذري، الكاتب صاحب فتوح البلدان. عباس بن محمد الدوري. عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي السمرقندي، الإمام، شيخ الإسلام، صاحب سنن الدارمي. عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا، الحافظ الإمام صاحب التصانيف الكثيرة جداً والمشهورة. علي بن عبد العزيز البغوي، وهو أشهر تلاميذه من جهة الملازمة، وأشدهم له ملازمة، وأثبتهم فيه، وهو راوي كتب أبي عبيد، حتى عُرِف بوراق أبي عبيد، لزم أبا عبيد حتى مات.

стр. 2364

مكارم الأخلاق عند الإمام أبي عبيد القاسم بن سلام أبو عبيد القاسم بن سلاَّم ﵀ صاحب شمائل وخصال عالية وفريدة.

стр. 2365

أخلاق أبي عبيد في طلب العلم فمن جهة الأخلاق العلمية فإنه كان حريصاً على العلم، وهذا من أهم سمات طالب العلم أن يكون حريصاً على العلم، له نهمة وحرص على العلم يدون الفائدة ويركض وراءها حتى يحصلها، ولا يكون هذا إلا إذا كان نهماً صاحب نَهْم، كما قال البخاري ﵀ في سبب حفظه: (النهم والمطالعة) كثرة المطالعة وأن يكون الإنسان نهماً، أي: عنده همة في الحرص على الفوائد والعلوم. قال أبو عبيد: دخلت البصرة؛ لأسمع من حماد بن زيد، فقدمت فإذا هو قد مات، فشكوت ذلك إلى عبد الرحمن بن مهدي، فقال: مهما سُبِقْتَ به فلا تُسْبَقَنَّ بتقوى الله ، يعني: مهما فاتك فلا يفوتنك تقوى الله . وقال أيضاً: سمعني عبد الله بن إدريس أتلهف على بعض الشيوخ: وا أسفاه على فلان الذي ما أدركته، مات قبل أن آخذ عنه، فقال لي: يا أبا عبيد! مهما فاتك من العلم فلا يفوتنك العمل؛ لأن العمل هو القصد، أول العلم التقوى والعمل، فلو قال أحد الآن: لماذا نتعلم؟! ولماذا يتعلم طالب العلم؟! نقول: من تعلم العلم ليباهي به العلماء، أو يماري به السفهاء، أو يصرف به وجوه الناس إليه، أدخله الله جهنم، فلا بد من القصد أن يكون حسناً. فما هي نية طالب العلم في تعلمه؟ لا بد من تحديد الأهداف: أولاً: لينال خشية الله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]. ثانياً: ليعمل به، فإذا صار هدفُ طالب العلم الخشية والعمل، صح توجهه، وطابت نفسه، وزكى. وكثيرٌ من الناس ربما يطلبون العلم لجمع العلم يطلبون العلم شهوةً في العلم يطلبون العلم للشهادة للمال ليكون صاحب قضاء ونحو ذلك، ومثل هذا لا يبارك له في علمه، ولا يستفيد ولا يُستفاد منه، لكن إذا طلبه لخشية الله، وليعمل به ويؤجر على العمل ويرفعه الله درجات، فهذا الذي يستفيد ويُستفاد منه. وكان أبو عبيد ﵀ متأدباً غاية الأدب مع العلماء، يقول عن نفسه: "ما أتيت عالماً قط فاستأذنت عليه، ولكن صبرت حتى يخرج إليَّ، وتأولت قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ [الحجرات:٥] ". وقال أيضاً: "ما دققت على مُحدِّثٍ بابه قط وإنما أنتظر حتى يخرج ثم أفاتحه برغبتي" وهذا يدل على أدبه ﵀ مع الشيوخ، ما كان يزعج أحداً، ولا يطرق الباب وإنما ينتظر، وهذا ما فعله ابن عباس ﵁ كما قال: [كنت آتي بيت الرجل من أصحاب النبي ﷺ وأريد أن أسمع منه الحديث، فأجلس على بابه في القيلولة حتى أنام، أتوسد العتبة، فتُسْفِي الريح على وجهي التراب؛ لكن أتحمل حتى يخرج إلي، ويعاتبني لماذا لم أطرق عليه].

стр. 2366

أخلاق أبي عبيد في الحرص على الفوائد كان أبو عبيد -رحمه الله تعالى- يفرح فرحاً شديداً لتحصيل العلم والفائدة، حتى ربما حرمه الفرح من النوم، فقال عن نفسه::كنت في تصنيف هذا الكتاب غريب الحديث أربعين سنة، وربما كنت أستفيد الفائدة من أفواه الرجال، فأضعها في موضعها من الكتاب -أفواه الرجال أي: العلماء- فأبيت ساهراً فَرِحَاً فَرَحَاً مني بتلك الفائدة- مِن الفَرَح بالفائدة التي حصَّلها ودوَّنها في كتابه غريب الحديث ربما ما جاءه النوم. ومِن حرصه على الفائدة: القصة المشهورة التي حدثت له في زيارته للإمام أحمد ﵀ وهي قصة جميلة، قال: زرت أحمد بن حنبل، فلما دخلت عليه في بيته قام فاعتنقني وأجلسني في صدر المجلس -وهذا يدل على محبة أحمد لـ أبي عبيد القاسم بن سلاَّم - فقلت: يا أبا عبد الله! أليس يقال: -أي: في الأثر- (صاحب البيت أو المجلس أحق بصدر دابته أو مجلسه) أي: صاحب البيت أحق بصدر البيت من الضيف أو من أي شخص آخر، وكذلك الدابة أولى بصدر الدابة من الشخص الآخر، لأنه صاحب الحق، فلا يجوز للضيف أن يعتدي ويجلس في صدر المجلس بدون إذن صاحب البيت. قال الإمام أحمد: نعم، يَقْعُدُ ويُقْعِدُ مَن يريد، أي: ما دام أنه صاحب الحق فلو أقعد مَن يريد فلا حرج على هذا الضيف من أن يجلس في صدر المجلس، فقلت في نفسي: خذ إليك أبا عبيد فائدة. ثم قلت: "يا أبا عبد الله! لو كنتُ آتيك على حق ما تستحق لأتيتك كل يوم" أي: لو كانت زيارتي لك بقدر حقك علينا وعلى قدر ما يليق بك من منزلة لرابطنا كل يوم عندك وأتيناك، فقال: لا تقل ذاك! فإن لي إخواناً ما ألقاهم في كل سنةٍ إلا مرة، أنا أوثق في مودتهم ممن ألقى كل يوم. قال: قلت: هذه فائدة أخرى يا أبا عبيد. فلما أردت القيام قام معي، قلت: لا تفعل يا أبا عبد الله أي: اجلس مكانك وارتاح ولا داعي أن تقوم معي، فقال الإمام أحمد: قال الشعبي: من تمام زيارة الزائر أن يُمشى معه إلى باب الدار ويؤخذ بركابه. قال: قلت: يا أبا عبد الله مَن عَن الشعبي؟ أي: من حدثكم عن الشعبي هذه العبارة- قال: ابن أبي زائدة، عن مجالد عن الشعبي. قال: قلت: يا أبا عبيد هذه ثالثة، ثلاث فوائد. فكان يفرح بالفوائد ويجمعها ويراجعها، ويعدد الفوائد واحدة واثنتين وثلاث حتى لا ينساها. وقد أمسك ابن عباس بركاب زيد بن ثابت ﵄، وكان يطلب عليه العلم، فقال زيدٌ متواضعاً: [أتُمْسِكُ بي -يعني: بركاب دابتي- وأنت ابن عم رسول الله ﷺ -أنتم آل البيت لكم حق- فقال عبد الله بن عباس ﵁: إنا هكذا نصنع بالعلماء].

стр. 2367

أخلاق أبي عبيد في تعظيم العلم واحترام أهله وأما في تعظيمه للعلم وإكرامه لطلبة العلم فما كان يهين العلم كما يفعل بعض الناس الذين يهينون العلم ويضعونه في غير موضعه، ويأتون به الأبواب، لا بد أن يكرم العلم مثلما فعل أبو عبيد ﵀. وهذه قصة أخرى له: كان طاهر بن عبد الله بـ بغداد، هذا الأمير كان يود أن يأتي إليه أبو عبيد؛ ليسمع منه كتاب غريب الحديث في منزله، ويُقال: إن فلاناً أتى عنده أبو عبيد (المؤلف) إلى البيت، وحدَّثه بالكتاب، فرفض أبو عبيد القاسم بن سلاَّم، إجلالاً لحديث رسول الله ﷺ قال: تريد أن تسمع؟ ولما قدِم علي بن المديني، وعباس العنبري، إلى أبي عبيد طلباً لسماع كتابه غريب الحديث كان يحمل كل يومٍ كتابه ويأتيهما في منزلهما فيحدثهما به، مع أنهما جاءا إليه يطلبانه، فكان يذهب إليهما، هؤلاء أهل العلم وطلبة العلم يُؤتَون ويكرَمون، ووضع العلم عندهم وضع في مكان ومحل مناسب، هذه حكمة، إجلالاًَ لعلم علي بن المديني وعباس العنبري، كان أبو عبيد يأتي إليهما ليحدثهما في بيتهما، ويصون العلم ويُكرمه من أن يُؤتى به إلى الأبواب.

стр. 2368

أخلاق أبي عبيد في نسبة الفضل لأهل الفضل كان أبو عبيد ﵀ حريصاً على الأمانة العلمية وعزو العلم لأهله، ونسبة الفضل إلى أهل الفضل، فكان يقول: مِن شُكْر العلم أن تستفيد الشيء -إذا حصلت على فائدة- فإذا ذُكِر لك قلتَ خفي عليَّ كذا وكذا ولم يكن لي به علمٌ حتى أفادني به فلان كذا وكذا، فهذا شُكْر العلم. فمثلاً: إذا حصلتَ على فائدة مِن شُكْر هذه الفائدة أن تذكر مَن الذي علمك إياها، وتعزوها لصاحبها الذي استفدتها منه، فكأنك تقول: إنها ليست من كدي ولا من عقلي ولا من استنتاجي واستنباطي وإنما علمني إياها فلان، فذِكْر اسم الشيخ الذي علمك الفائدة في المجلس، أو أن تقول: كنت أجهل الأمر الفلاني حتى شرحه لي فلان، وكان يخفى عليَّ معنى الكلمة الفلانية حتى سمعتُه من فلان، هذا من التواضع ومن الأدب ومن معرفة الفضل لأهل الفضل. وقال أبو محمد عبد الغني بن سعيد المصري: علقت حكاية أبي عبيد مستفيداً لها ومستحسناً، وجعلتها حيث أراها في كل وقت -كأنه كتبها وعلقها على الجدار- لأقتدي بـ أبي عبيد، وأتأدب بآدابه، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢]، وهذا مِن الشُّكْر: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧]. وكان أبو عبيد يقول عن نفسه: "ما كان عليَّ من حفظ خمسين حديثاً مئونة" أي: ما يشق عليه حفظ خمسين حديثاً سنداً ومتناً في مجلس واحد، وهذا مما يسر الله له الحفظ خمسون حديثاً في مجلس واحد ليس فيه مشقة عليه سنداً ومتناً.

стр. 2369

أخلاق أبي عبيد في صدقه مع الآخرين روى الخطيب ﵀ حكاية عن أبي عبيد القاسم بن سلاَّم أنه جاءه الحسن بن حربوية، فقال: أريد أن أسألك عن سؤالين قال: ما هما؟ قلت: ﴿دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ﴾ [ص:١٧] ما معنى الأيد؟ قال أبو عبيد: القوة. قلت: فما معنى: ﴿أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ [ص:٤٥]؟ قال: القوة، والأبصار: العقول. قلت: ما بال إحداهما لم تثبت فيها الياء ﴿دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ﴾ [ص:١٧] إنما بالكسرة بدون ياء؟ وهذه ﴿أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ [ص:٤٥] ثبتت فيها الياء مع أن كلاهما بمعنى: القوة؟! قال: عمل الكاتب الذي كتب. قال: فاندفعتُ أسأل عن مسألة أخرى ثالثة، فقال أبو عبيد مذكراً للسائل: أنت قلتَ: مسألتين يرحمك الله؟ قال: قلت: ما أحسب حضر المجلس أحدٌ أبعد مني منزلاً، فقال أبو عبيد معلماً إياهُ: الصدق وإن كان يرحمك الله، فأنت إن قلت مسألتين فعليك أن تلتزم بمسألتين، فإن أردت أكثر فاستأذن، لكن أن تقول: أريد أن أسألك سؤالين، ثم تسأل سبعة أو خمسة أو ثلاثة. لا، أين الصدق؟ انظر: كيف كان يتعامل بالصدق حتى في هذه الأشياء الدقيقة.

стр. 2370

طرائف حصلت لأبي عبيد القاسم بن سلام ومن طرائف ما حصل لـ أبي عبيد مع بعض السائلين: نقول: قد يُبتلى العالم بسؤال من جهلة العوام، كأن يأتيه سائل يسأله فيظن العالم أن هذا يريد منه الفائدة العظيمة والحقيقية، فإذا به يكتشف أن هذا السائل من أتفه ما يمكن. حصلت له قصة طريفة: وذلك أنه جاءه رجل قد يكون السائل ذا لحية كبيرة، مثلما جاء لـ أبي حنيفة رجل مهيب، عليه سمت، فجلس في المجلس فاحشتم أبو حنيفة وقبض رجليه، وكان قد مد رجليه وتكلموا ودار النقاش في المجلس، فإذا هذا السائل يقول: متى يفطر الصائم؟ قال: إذا غربت الشمس. قال: وإذا لم تغرب؟! فمد أبو حنيفة رجليه، وقال: قد آن لـ أبي حنيفة أن يمد رجليه، يقول: احتشمت منك طيلة هذا الوقت، وظننتك شيئاً، فإذا بك تسأل هذا السؤال الدال على سخف العقل. فحصلت قصة مشابهة لـ أبي عبيد ﵀، جاءه شخصٌ فسأله عن الرباب أبو عبيد من كبار علماء اللغة والغريب، كان يعرف الألفاظ الغريبة مدخلها ومخرجها، هذا تخصص أبي عبيد، فجاءه رجل فسأله عن الرباب؟ فقال أبو عبيد مجيباً بدقته وعلمه العميق: هو الذي يتدلى دُوَين السحاب -أي: قريب السحاب- وأنشده بيتاً لـ عبد الرحمن بن حسان، وأتى بالشاهد الذي يدل على هذا المعنى: كأن الرباب دُوَين السحاب نعامٌ تُعلق بالأرجلِ فقال: لم أُرِد هذا، قال أبو عبيد: إذا كنت تريد إطلاقاً آخر؛ فالرباب يطلق على اسم امرأة، وأنشد أبو عبيد بيتاً فيه الدلالة على أن الرباب اسم امرأة قائلاً: إن الذي قسم الملاحة بيننا وكسا وجوه الغانيات جمالا وهب الملاحة للرباب وزادها في الوجه من بعد الملاحة خالا فقال: لم أُرِدْ هذا -أيضاً- فقال أبو عبيد: عساك أردتَ قول الشاعر: ربابٌ ربةُ البيتِ تصب الخل في الزيتِ لها سبعُ دجاجاتٍ وديكٌ حسن الصوتِ قال: هذا أردت، هذه ربما هي نشيدة كانت عند الأطفال ينشدونها في ذلك الوقت: ربابٌ ربةُ البيتِ تصب الخل في الزيتِ لها سبعُ دجاجاتٍ وديكٌ حسن الصوتِ نشيد أطفال، فقال: هذا أردت، فقال: مِن أين أنت؟ قال: مِن البصرة. قال: على أي شيءٍ جئت؟ على الظهر -أي: الدابة- أم على الماء -أي: في سفينة أو قارب؟ قال: في الماء. قال: كم أعطيت الملاح؟ قال: أربعة دراهم. قال: اذهب استرجع منه ما أعطيته، وقل: لم تحمل شيئاً، فعلام تأخذ مني الأجرة؟ وهذا يشبه -أحياناً- من يعتني ببعض القصائد والأناشيد يُتْرك العلم والشيء المهم، كما وقع لبعض الشباب حفظوا قصيدة (صوت صفير البلبلِ) بالنص، وأما البيقونية أو تحفة الأطفال في التجويد أو الرحبية في المواريث لا تحفظ الطرائف ويترك العلم الأساسي من عدم الجدية، ومن تدني المستوى العلمي؛ أن ينشغل الشاب بالأناشيد وتترك القصائد أو أشعار أهل العلم التي نظموها في المصطلح في الأصول في المواريث في الحديث في غيره، تترك وتحفظ بدلها الأشعار التي إن جاءت أو راحت فهي أشياء يمكن أن تكون من المباحات، قد يكون لبعضها فوائد؛ لكن لا ترقى إلى فوائد العلم، فهذا الذي جاء إلى أبي عبيد ويسأله عن الرباب إذا به يريد: ربابٌ ربةُ البيتِ تصب الخل في الزيتِ لها سبعُ دجاجاتٍ وديكٌ حسن الصوتِ وأبو عبيد -رحمه الله تعالى- كانت له أخلاق كثيرة أخرى، وعبادة، وأدبٌ جم، وعلومٌ، وآثار، فسنتحدث عن ذلك -إن شاء الله- تكملة في الدرس القادم، وهو آخر درس في هذه المدة من الإجازة.

стр. 2371

مناقب الإمام أبي عبيد القاسم بن سلام ومن طرائف ما حصل لـ أبي عبيد مع بعض السائلين: نقول: قد يُبتلى العالم بسؤال من جهلة العوام، كأن يأتيه سائل يسأله فيظن العالم أن هذا يريد منه الفائدة العظيمة والحقيقية، فإذا به يكتشف أن هذا السائل من أتفه ما يمكن. حصلت له قصة طريفة: وذلك أنه جاءه رجل قد يكون السائل ذا لحية كبيرة، مثلما جاء لـ أبي حنيفة رجل مهيب، عليه سمت، فجلس في المجلس فاحشتم أبو حنيفة وقبض رجليه، وكان قد مد رجليه وتكلموا ودار النقاش في المجلس، فإذا هذا السائل يقول: متى يفطر الصائم؟ قال: إذا غربت الشمس. قال: وإذا لم تغرب؟! فمد أبو حنيفة رجليه، وقال: قد آن لـ أبي حنيفة أن يمد رجليه، يقول: احتشمت منك طيلة هذا الوقت، وظننتك شيئاً، فإذا بك تسأل هذا السؤال الدال على سخف العقل. فحصلت قصة مشابهة لـ أبي عبيد ﵀، جاءه شخصٌ فسأله عن الرباب أبو عبيد من كبار علماء اللغة والغريب، كان يعرف الألفاظ الغريبة مدخلها ومخرجها، هذا تخصص أبي عبيد، فجاءه رجل فسأله عن الرباب؟ فقال أبو عبيد مجيباً بدقته وعلمه العميق: هو الذي يتدلى دُوَين السحاب -أي: قريب السحاب- وأنشده بيتاً لـ عبد الرحمن بن حسان، وأتى بالشاهد الذي يدل على هذا المعنى: كأن الرباب دُوَين السحاب نعامٌ تُعلق بالأرجلِ فقال: لم أُرِد هذا، قال أبو عبيد: إذا كنت تريد إطلاقاً آخر؛ فالرباب يطلق على اسم امرأة، وأنشد أبو عبيد بيتاً فيه الدلالة على أن الرباب اسم امرأة قائلاً: إن الذي قسم الملاحة بيننا وكسا وجوه الغانيات جمالا وهب الملاحة للرباب وزادها في الوجه من بعد الملاحة خالا فقال: لم أُرِدْ هذا -أيضاً- فقال أبو عبيد: عساك أردتَ قول الشاعر: ربابٌ ربةُ البيتِ تصب الخل في الزيتِ لها سبعُ دجاجاتٍ وديكٌ حسن الصوتِ قال: هذا أردت، هذه ربما هي نشيدة كانت عند الأطفال ينشدونها في ذلك الوقت: ربابٌ ربةُ البيتِ تصب الخل في الزيتِ لها سبعُ دجاجاتٍ وديكٌ حسن الصوتِ نشيد أطفال، فقال: هذا أردت، فقال: مِن أين أنت؟ قال: مِن البصرة. قال: على أي شيءٍ جئت؟ على الظهر -أي: الدابة- أم على الماء -أي: في سفينة أو قارب؟ قال: في الماء. قال: كم أعطيت الملاح؟ قال: أربعة دراهم. قال: اذهب استرجع منه ما أعطيته، وقل: لم تحمل شيئاً، فعلام تأخذ مني الأجرة؟ وهذا يشبه -أحياناً- من يعتني ببعض القصائد والأناشيد يُتْرك العلم والشيء المهم، كما وقع لبعض الشباب حفظوا قصيدة (صوت صفير البلبلِ) بالنص، وأما البيقونية أو تحفة الأطفال في التجويد أو الرحبية في المواريث لا تحفظ الطرائف ويترك العلم الأساسي من عدم الجدية، ومن تدني المستوى العلمي؛ أن ينشغل الشاب بالأناشيد وتترك القصائد أو أشعار أهل العلم التي نظموها في المصطلح في الأصول في المواريث في الحديث في غيره، تترك وتحفظ بدلها الأشعار التي إن جاءت أو راحت فهي أشياء يمكن أن تكون من المباحات، قد يكون لبعضها فوائد؛ لكن لا ترقى إلى فوائد العلم، فهذا الذي جاء إلى أبي عبيد ويسأله عن الرباب إذا به يريد: ربابٌ ربةُ البيتِ تصب الخل في الزيتِ لها سبعُ دجاجاتٍ وديكٌ حسن الصوتِ وأبو عبيد -رحمه الله تعالى- كانت له أخلاق كثيرة أخرى، وعبادة، وأدبٌ جم، وعلومٌ، وآثار، فسنتحدث عن ذلك -إن شاء الله- تكملة في الدرس القادم، وهو آخر درس في هذه المدة من الإجازة.

стр. 2372

عبادة وزهد الإمام أبي عبيد كانت لهذا الإمام عبادة جيدة، وهكذا كان دأب العلماء رحمهم الله تعالى، وخصوصاً في قيام الليل، والإمام أحمد ﵀ لما استضاف رجلاً من أهل الحديث جاءه في بيته، فوضع له الإمام أحمد ﵀ ماءً بالليل، وفي الصباح نظر في الماء فوجده ما نقص ولا تغير، فعاتبه الإمام أحمد ﵀، وقال: صاحب حديثٍ لا يقوم الليل! كيف يكون هذا؟ فلم تكن القضية عندهم حفظ المعلومات -كما ذكرنا- وإنما هي أيضاً عبادة. وكان أبو عبيد -رحمه الله تعالى- يُقَسِّم الليل أثلاثاً:- فيصلي ثلثه، وينام ثلثه، ويصنف الكتب في ثلثه. فثلث لقيام الليل، وفيه تأنس القلوب بربها، وترتاح بمناجاة مليكها ، وثلثٌ ينام فيه، وثلثٌ يصنِّف فيه الكتب، وكان مقتدياً في ذلك بالإمام العلم محمد بن الحسن الشيباني ﵀، وكان شيخه. وأما بالنسبة للزهد والجود:- فإن الرجل كان زاهداً، مترفعاً عن النقائص، ومع كثرة الأعطيات التي تأتيه إلا أنه لم يكن طماعاً أبداً، فإن أبا دُلَف العِجلي أحد قواد المأمون أرسل إلى عبد الله بن طاهر يستهديه أبا عبيد مدة شهرين، يقول: أهدني أبا عبيد شهرين، وذلك لما سمع بـ أبي عبيد ووَصَلَه صيته العلمي، فطلب عبد الله بن طاهر الأمير من أبي عبيد أن يسير إلى أبي دُلَف لشهرين، فأقام عنده شهرين مشتغلاً بالتعليم، فلما أراد الانصراف وصله أبو دُلَف بثلاثين ألف درهم، فلم يقبلها، وقال: أنا في جنبة رجلٍ لا يحوجني إلى صلة غيره، ولا آخذ ما فيه عليَّ نقصٌ، فلما عاد إلى عبد الله بن طاهر وَصَلَه بثلاثين ألف دينار، لِمَا رأى من تعففه عن قبول ثلاثين ألف درهم من أبي دُلَف، فهل يا ترى أخذ هذا المال، وصار مكافأة عن تعففه الأول؟ كلا، بل إنه قال له: أيها الأمير! قد قبلتها، ولكن قد أغنيتني بمعروفك وبرك وكفايتك عنها، وقد رأيتُ أن أشتري بها سلاحاً وخيلاً، وأوجه به إلى الثغر، فيكون الثواب متوفراً على الأمير، ففعل، ووضعها ثمن سلاحٍ في سبيل الله، وأقنع الأمير بحجة أن هذا سيكون فيه ثواب وافر محفوظ لهذا الأمير.

стр. 2373

ورع أبي عبيد كان أبو عبيد -رحمه الله تعالى- متصفاً بالورع أيضاً:- ومِن ورعه: أنه كان وهو رأسٌ في اللغة يستشهد بأبيات الشعر القديمة، كما يفعل أهل اللغة في بيان معاني الألفاظ، ويبينون أن الشاعر أراد بهذا اللفظ المعنى الفلاني، وأن العرب استخدموه في أشعارهم على هذا المعنى، فكانت الشواهد الشعرية تبين المعاني لهذه الألفاظ، ولكن هذه الشواهد الشعرية -وبعضها جاهلي- لم تكن تخلو من هجاءٍ، أو بعض المنكرات، وكان يذكر في بعض الشعر اسم الذي هُجِيَ به. فمن ورع أبي عبيد -رحمه الله تعالى- أنه كان يحذف اسم الشخص الذي هُجِيَ ويستبدله بميزانه الصرفي، فمثلاً اكتشف بعض العلماء أن أبا عبيد في بعض الأشعار التي فيها هجاء لرجلٍ اسمه عتبة؛ قد حذف عتبة وجعل بدله فُعْلَة (وزن الاسم) حتى لا ينكسر البيت من جهة، وحتى يصون ذلك الشخص، ولا يَقَعَ في الأعراض بالتعيين، وكان يتحفظ من المشاركة في ذم أحدٍ أو هجائه، أو نشر ذلك، أو إشاعته.

стр. 2374

من حلم أبي عبيد وأدبه كان أبو عبيد ﵀ أيضاً متصفاً بالحلم، وله في ذلك قصص: فمن ذلك: أن أبا عمرو الطوسي قال: قال لي أبي: غدوتُ إلى أبي عبيد ذات يوم فاستقبلني يعقوب بن السكيت، فقال: إلى أين؟ فقلتُ: إلى أبي عبيد، فقال: أنتَ أعلم منه -كأنه يزهده في لقاء أبي عبيد - قال: فمضيت إلى أبي عبيد فحدثته أن فلاناً قال لي: إني أعلم منك، فقال لي أبو عبيد: الرجل غضبان، قال: قلت: مِن أي شيء؟ قال: جاءني منذ أيام فقال لي: اقرأ علي غريب الحديث، فقلت: لا. ولكن تجيء مع عامة الناس في الدرس، أما أن أخصص لك درساً فلا أطيق ذلك، فغضب ودخل ذلك في نفسه، وقال لك من جراء ذلك هذا الكلام. فلم يرد عليه ويقول: هذا جاهل، أو هذا سفيه ونحو ذلك؛ وإنما قال: الرجل غضبان، والغضبان يخرج منه كلام ليس بموزون. وكان صاحب أدبٍ أيضاً:- قال إسحاق بن راهويه ﵀ وهو من كبار العلماء، ومن قرناء الإمام أحمد ﵀، حتى قال بعضهم: ما عَبَر الجسر أحدٌ أحفظ من رجلين -أي: جسر بغداد المنصوب على النهر الذي عبره الكثير من العلماء الأجلاء- مثل أبي زرعة الرازي وإسحاق بن راهويه، أي: على رأي من قال هذه العبارة. قال إسحاق بن راهويه: أبو عبيد أوسعنا علماً، وأكثرنا أدباً.

стр. 2375

غيرة أبي عبيد للحق وصفته وسمته وكان أبو عبيد متحرقاً لنصرة الحق:- ولما حدثت محنة الإمام أحمد ﵀؛ يقول عبد الغني المقدسي عن أبي شعيب الحراني: لما أُخذ أحمد بن حنبل فضُرب، جعل أبو عبيد القاسم بن سلَّام يذهب ويجيء، ويقول: أيُضرب سيدُنا؟! لا أصبر، أيُضرب سيدُنا؟! فهو من التحرق لما حصل للإمام أحمد ﵀ ما استطاع أن يجلس في مكان واحد، بل يذهب ويجيء، ويقوم ويقعد، لا يستطيع أن يمسك نفسه، ويقول: أيُضرب سيدُنا، أيُضرب سيدُنا؟ لا أصبر. وأما بالنسبة لحِلْيته وسمته:- فقد جاء في وصفه كما ذكر الذهبي ﵀ في سير أعلام النبلاء: أنه كان يخضب بالحناء، وكان أحمر الرأس واللحية، ذا وقارٍ وهيبة. وقال ثعلب وهو يصف أبا عبيد: كان عاقلاً، لو حضره الناس يتعلمون من سمته وهديه لانتفعوا، وكان عددٌ من أهل العلم يُرحل إليهم لا لأجل العلم؛ لكن ليتعلم من أدبهم وسمتهم وهديهم. وكان أصحاب عبد الله بن عمر ﵁ يرحلون إليه فينظرون إلى سمته وهديه ودَلِّه فيتشبهون به. والنظر إلى بعض العلماء يجلو صدأ القلب، كما قال مالك ﵀: "كنت كلما أجد في قلبي قسوةً آتي محمد بن المنكدر، فأنظر إليه نظرة، فأتعظ في نفسي أياماً" نظرة واحدة إلى محمد بن المنكدر موعظة تكفي الشخص مدة أيام، وقد قال النبي ﷺ : (أولياء الله الذين إذا رُؤوا ذُكِرَ الله . فهناك أناس من كثرة العبادة والتقوى يظهر على وجوههم ما يجعل النظر إليهم يجلب الخشوع، ويزيد الإيمان، من صلاحهم وتقواهم وعبادتهم.

стр. 2376

مكانة أبي عبيد بين العلماء

стр. 2377

العلوم التي برع فيها أبو عبيد وأما بالنسبة للعلوم التي برع فيها أبو عبيد رحمه الله تعالى، فإنه كان موسوعة، لم يشغله علمٌ عن علمٍ، فلم يشتغل بالحديث عن الفقه، ولا باللغة عن التاريخ، فبعض الناس يمكن أن يقال عنه: محدث غير فقيه، وبعض الناس يمكن أن يقال عنه: فقيه غير محدث، لا يميز الصحيح من الضعيف في الأحاديث، لكن أبا عبيد ﵀ وُصف بأنه الإمام، الحافظ، المحدث، المفسر، المقرئ، الفقيه القاضي المجتهد، اللغوي النحوي، الأخباري النسَّابة، أي: يعلم الأنساب، والأخباري من يعلم التاريخ، هكذا أقر له كبار الأئمة من معاصريه ومَن بعده، وبهذا وصفوه. وهذا قد عبر به عن نفسه، فقال مرة: ما ناظرني رجلٌ قط وكان مفَنَّناً في العلوم إلا غلبته، ولا ناظرني ذو فنٍ واحد إلا غلبني في فنه ذلك، يعني: إذا كان الرجل متخصصاً في فنٍ واحد فيمكنه أن يغلبني، أما إذا كان في كثير من العلوم فإذا ناظرته غلبته، هذا دليل على سعة اطلاعه ﵀ وشمولية معرفته. ومما ميز الرجل أنه صنَّف في وقتٍ كانت المصنفات فيه قليلة، ولما انتشرت المصنفات صار بعضهم ينقل من بعض، فكانت مصنفاته أكثرها مبتكَرة، أي: أن بعض مصنفاته ربما لم يُسبق إليها، وبعض التراتيب التي فيها لم يُسبق إليها. فالرجل مبارك في التصنيف والتأليف، ومصنفاته تنبئ عن أنه لم يكن متخصصاً في فنٍ واحد، فمثلاً: له في القرآن وعلومه مؤلفات، وفي اختيار القراءة الصحيحة الموافقة للعربية والأثر؛ لأن من شروط القراءة الصحيحة أن تكون موافقة للأثر، وموافِقةً لرسم مصحف عثمان، وموافقة لوجهٍ من أوجه اللغة المعتمدة، فـ أبو عبيد ﵀ صنَّف في القراءة المختارة الموافقة للغة والأثر. وكذلك صنف في الناسخ والمنسوخ. وصنف في إعراب القرآن، وهذه كلها من علوم القرآن. وصنف في الحديث وعلله، وكُتُبُه تشهد بذلك، وله كتاب مشهور اسمه: غريب الحديث. وأما في الفقه؛ فإنه كان إماماً مجتهداً، يُذْكَر في طبقة الشافعي وأحمد، وله أقوال في الفقه، نثرها في كتابه غريب الحديث وغيره، وسنذكر بعضها إن شاء الله. وله في الأخلاق والآداب مؤلفات؛ وفي اللغة العربية من نحو، وشعر، وأدب أيضاً مؤلفات، وفي التاريخ والأنساب مؤلفات. فالرجل بالجملة واسع العلم. وهذا ما ذكرناه من أن التخصصات الجامعية قد قضت على الموسوعية في العلم، ولم يكن من العلماء من يفهم في الأصول، أو يتخصص في اللغة، أو في المصطلح فقط، وإنما كان علم الواحد منهم شاملاً لأبواب العلم وأنواعه. وقال أحمد بن كامل القاضي: كان أبو عبيد القاسم بن سلَّام فاضلاً في دينه وفي علمه، ربانياً، متفنناً في أصناف علوم الإسلام؛ من القرآن والفقه والعربية والأخبار، حسن الرواية، صحيح النقل، لا أعلم أحداً من الناس طعن عليه في شيء من أمره ودينه. وهذه تزكية ممن يعرفه؛ بأنه لم يوجد عليه مطعن في شيء من أمره ودينه. وقال عبد بن جعفر بن درستويه أو درَسْتَوَيه كلها بالفتح أو كلها بالضم، دُرُسْتُوَيْه أو دَرَسْتَوَيْه، وهو يصف أبا عبيد: كان من علماء بغداد المحدثين، النحويين على مذهب الكوفيين، ورواة اللغة والغريب عن البصريين والكوفيين، ومن العلماء بالقراءات، جمع صنوفاً من العلم، وصنف في كل فنٍ من العلوم والآداب فأكثر واشتهر. وكذلك فإنه قد جاء في ترجمته: أن كتبه مستحسنة مطلوبة في كل بلد، والرواة عنه مشهورون ثقات ذوو ذكرٍ ونبلٍ. ومعنى ذلك أن العلماء قد عرفوا قيمتها، ونصحوا بها، وطلبة العلم أقبلوا عليها فصارت مطلوبة مرغوبة، وهذا يبين دقة الرجل ﵀ وعمقه. وصنف كتباً وقد خرجت للناس واستُفيد منها علمٌ كثير، ولا شك أن التأليف في ساعات الأسحار حيث تصفو الأذهان، وتنشط القرائح والأفهام، فيه بركة، ويمكن أن يكون هذا أحد الأسباب التي جعلت مصنفات هذا الرجل مباركة.

стр. 2378

ثناء العلماء على أبي عبيد أما ثناء العلماء عليه فكثير، ويكفينا شهادة الإمام أحمد ﵀، فإن محمد بن أبي بشر قال: أتيتُ أحمد بن حنبل في مسألة، فقال: ائتِ أبا عبيد فإن له بياناً لا تسمعه من غيره، فأتيت أبا عبيد فسألته فشفاني جوابُه، وأخبرته بقول أحمد فقال: يا بن أخي! ذاك -يعني الإمام أحمد - رجلٌ من عمال الله، نشر الله رداء عمله في الدنيا، وذخر له عنده الزلفى. وتقدم أن حمدان بن سهل قال لـ يحيى بن معين وسأله عن الكتابة عن أبي عبيد: نكتب عن أبي عبيد أم لا؟ ونسمع منه؟ فتبسم، وقال: مثلي يُسأل عن أبي عبيد! أبو عبيد يُسأل عن الناس، لقد كنت عند الأصمعي يوماً إذ أقبل أبو عبيد فشق إليه بصرُه -بصرُ الأصمعي شقَّ إلى أبي عبيد - حتى اقترب منه، فقال: أترون هذا المقبل؟ قالوا: نعم، قال: لن يضيع الناس ما حيي هذا المقبل. وقال إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: أبو عبيد أوسعنا علماً، وأكثرنا أدباً، وأجمعنا علماً، إنا نحتاج إلى أبي عبيد وأبو عبيد لا يحتاج إلينا. وقال أيضاً: الأئمة في زماننا: الشافعي، والحُمَيْدي، وأبو عبيد. وقال إبراهيم بن أبي طالب: سألتُ أبا قدامة عبد الله بن سعيد اليشكري -أحد أئمة الحديث، مجمعٌ على ثقته- عن الشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبي عبيد، فقال: أما أفهمهم فـ الشافعي، إلا أنه قليل الحديث، وأما أورعهم فـ أحمد بن حنبل، وأما أحفظهم فـ إسحاق، وأما أعلمهم بلغات العرب فـ أبو عبيد. ولما جاء نعي أبي عبيد لـ عبد الله بن طاهر، وكان قد قال: كان للناس أربعة: ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه، وقاسم بن معن في زمانه، وأبو عبيد القاسم بن سلَّام في زمانه، لما جاءه نعي أبي عبيد قال: يا طالب العلم قد مات ابن سلَّام وكان فارس علمٍ غير محجامِ مات الذي كان فيكم رُبع أربعةٍ لَمْ يلقَ مثله أستاذ أحكامِ خير البرية عبد الله أولهم وعامرٌ ولنعم الثنا يا عامِ هما اللذان أنافا فوق غيرهما والقاسمان: ابن مَعْنٍ وابن سلَّام فازا بقِدحٍ متينٍ لا كفاء له وخلفاكم صفوفاً فوق أقدامِ وقال الهلال بن علاء الرِّقِّي: مَنَّ الله على هذه الأمة بأربعة في زمانهم: بـ الشافعي: تفقه بحديث رسول الله ﷺ . وبـ أحمد بن حنبل: ثبت في المحنة ولولا ذلك لكفر الناس. وبـ يحيى بن معين: نفى الكذب عن حديث رسول الله ﷺ . وبـ أبي عبيد القاسم بن سلَّام: فسر الغريب من حديث رسول الله ﷺ . لولا ذلك لاقتحم الناس في الخطأ، ولم يفهموا الأحاديث على وجهها، ولا فهموا معناها. وقال إبراهيم الحربي ﵀ وهو من تلاميذ أبي عبيد: أدركتُ ثلاثةً لن يُرى مثلهم أبداً، تعجز النساء أن يلدن مثلهم: رأيت أبا عبيد القاسم بن سلَّام ما مثَّلْتُه إلا بجبلٍ نُفِخ فيه روح. وقال أحمد بن يحيى الملقب بـ ثعلب: لو كان أبو عبيد في بني إسرائيل لكان عجباً، مع أن القوم أصحاب عجائب كثيرة، ولعلها لتعويض نقص إيمان القوم لأجل أن تحملهم على الإيمان، لأنهم كان عندهم ضعف، قال: لو كان أبو عبيد في بني إسرائيل لكان عجباً. وقال الأزهري: كان أبو عبيد ديِّناً فاضلاً، عالماً أديباً فقيهاً صاحب سنة. وعَدَّ ابن تيمية ﵀ أبا عبيد من الأئمة الذين لهم في الأمة لسان صدقٍ، كما ذكره فيمن يعرف كل أحدٍ زكاءهم وذكاءهم. ما هو الفرق بين الذكاء والزكاء إذا قيل: كان ذكياً زكياً؟ الزكاء: في النفس، فالزكي المزكَّى أي: العدل، الثقة، الطاهر، والأمين، التقي. والذكي يعني: في ذهنه، وعقله؛ لكنه قد يكون شريراً، ولذلك يقال عن بعض الناس: أوتي ذكاءً ولم يؤت زكاءً، وهذا ذكاؤه يكون وبالاً عليه، لأنه يستخدمه في الشر، فإذا أوتي المرء ذكاءً ولم يؤتَ زكاءً فهذه مصيبة، وعدد من الملاحدة وأصحاب المذاهب الضالة أوتوا ذكاءً ولم يؤتوا زكاءً. وقال ابن القيم ﵀ عن أبي عبيد: وكان من أعيان المفتين -يعني: بـ بغداد، وكان جبلاً نُفِخ فيه الروح علماً وجلالة ونُبلاً وأدباً.

стр. 2379

منهج أبي عبيد في العقيدة

стр. 2380

منهج أبي عبيد في مسائل الصفات والإيمان والقرآن أما مصنفاته ﵀ فقد قلنا: إنها كانت منوعة في أبواب العلم المختلفة. فمثلاً: في التوحيد: له كتاب في الإيمان ومعالمه، وبيان أنه يزيد وينقص. وفي صفات الله تعالى أيضاً كان يرى إثبات الصفات، وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء: قال أبو عبيد: هذه الأحاديث صحاح -يعني: أحاديث الصفات- حملها أصحاب الحديث والفقهاء بعضهم عن بعض، وهي عندنا حقٌ لا شك فيها، ولكن إذا قيل: كيف يضحك؟ وكيف وضع قدمه؟ قلنا: لا نفسر هذا، ولا سمعنا أن أحداً يفسره. ما معنى العبارة؟ معناها: أننا نؤمن أن الرب يضع قدمه في النار، ونؤمن أن الرب يضحك؛ لكن لا نستطيع أن نخبر بالكيفية، فنحن نثبت المعنى على حسب كلام العرب ولغتهم؛ لكننا لا يمكن أن نشبه أو نكيف أو نقول: كيفية قدمه كذا، وكيفية يده كذا، وأصابعه كذا، هذه أشياء لا يمكن أن نخوض فيها، وعقولنا لا تحتمل ذلك أبداً، ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ [طه:١١٠]. أما إثبات الصفة، وإثبات معناها، وإثبات حقيقة الصفة: أن له يداً حقيقية، وله قدماً حقيقية، وله قبضةً حقيقية، وأنه يحثو بيده، فلا شك، وأما الأشاعرة فيقولون: لا قبض ولا يد ولا حثو. فإثبات الصفات من عقيدة أهل السنة والجماعة، ومعنى نفي التفسير: نفي الإخبار بالكيفية، أما المعنى على حسب كلام العرب فيثبته أبو عبيد وغيره من أئمة المسلمين من أهل السنة والجماعة. أما القرآن: فلا شك أنه يقول: القرآن كلام الله، منزل غير مخلوق. وقال عبد الملك السمسار: اتفقت أنا وعلي بن المديني وأبو عبيد القاسم بن سلَّام، فقال علي أو غيره: يا أبا عبيد! ما تقول فيمن قال: القرآن مخلوق؟ فقال أبو عبيد: هذا رجلٌ يُعَلَّمْ، ويقال له: إن هذا كفرٌ فإن رجع وإلا ضربت عنقه.

стр. 2381

مذهب أبي عبيد في الصحابة وأما مذهبه في تفضيل الصحابة: فيرى أبو عبيد ﵀ أن أفضل الصحابة أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، وهذا الذي عليه جمهور الأئمة، وأن ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة؛ لكن القلة من أهل السنة يقدمون علياً على عثمان في الفضل؛ لأشياء عندهم في مناقب علي، رجَّحوا بها أن علياً أفضل من عثمان؛ لكن جمهور أهل السنة على أن عثمان في الفضل بعد الصديق وعمر. وقال أبو عبيد: فعلت في البصرة فعلتين أرجو بهما الجنة: أتيت يحيى القطان وهو يقول: أبو بكر وعمر وعلي -أي: في الترتيب- فقلت: معي شاهدان من أهل بدرٍ يشهدان أن عثمان أفضل من علي، قال: من؟ فقلت: أنت حدثتنا، عن شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، عن النَّزَّال بن سبرة قال: [خطبنا عبد الله بن مسعود فقال: أمَّرْنا خير من بقي ولَمْ نأْلُ] فالصحابة كونهم اجتمعوا وعلي موجود وعثمان موجود وانتخبوا، واستشار عبد الرحمن بن عوف الناس، حتى استشار العجائز في البيوت، فاتفقت كلمتهم على عثمان، ولذلك ما أجْمَعَت الأمة على خليفة من الراشدين مثلما أجمعت على عثمان، فبيعة أبي بكر حصل فيها شيء كما في حادثة السقيفة، وعمر كانت بِوَصِية من الصديق، وعلي ﵁ حصل ما حصل في توليته، لكن الأمة ما اجتمعت على خليفة في توليته وتعيينه مثلما اجتمعت على عثمان، فاستشار عبد الرحمن بن عوف الناس ثلاث ليالٍ لم يكتحل فيها بنوم، فاجتمعت كلمتهم على عثمان، وما اختلفوا في شأن تقديم عثمان، فقال ابن مسعود: [أَمَّرْنا خير من بقي -أي: أنه أفضل من علي ﵁ ولَمْ نأْلُ]. فقال يحيى بن سعيد القطان: ومَن الآخر؟ -الشاهد الثاني- قال: قلت: الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن المسور بن مخرمة، قال: [سمعت عبد الرحمن بن عوف يقول: شاورت المهاجرين الأولين، وأمراء الأجناد، وأصحاب رسول الله ﷺ ، فلم أرَ أحداً يعدل بـ عثمان] قال: فترك قوله -أي يحيى بن سعيد القطان - من نتيجة المناقشة مع أبي عبيد، ترك قوله في تقديم علي على عثمان - وقال: أبو بكر، وعمر، وعثمان، إلى آخره.

стр. 2382

موقف أبي عبيد من أهل البدع وأما بالنسبة لموقفه من أهل البدع، فإن أبا عبيد ﵀ كان شديداً على أهل البدع كعادة السلف في ذلك الوقت، وكان صاحب خبرة ومراس، واحتكاك بأصحاب الفرق الضالة، ونقل أخبارهم، وسبر غَوْرَهم، فقال: عاشرت الناس، وكلمت أهل الكلام، فما رأيت أوسخ وسخاً ولا قذراً، ولا أضعف حجةً، ولا أحمق من الرافضة، ولقد وُلِّيت قضاء الثغور -تولى القضاء ثمانية عشر عاماً- فنفيت منهم ثلاثة رجال؛ رافِضِيَّيْن وجهمياً، وقلت: مثلكم لا يساكن أهل الثغور وأخرجتهم، أي: أنهم وبال على المسلمين، فإن الثغور تحتاج إلى جهاد، والثغور هي: رباط في الجهاد، والجهاد يحتاج إلى أناس من أهل التقى والصلاح والسنة، ينتصر بهم المسلمون، أما مثلكم أنتم فأنتم سبب هزيمة فأخرجهم ونفاهم.

стр. 2383

مصنفات أبي عبيد في غير العقيدة

стр. 2384

مؤلفات أبي عبيد في علوم القرآن وأما بالنسبة لعلوم القرآن، فإن أبا عبيد ﵀ قد صنف كتابه شواهد القرآن، وعندما روى حديث: (الله أكبر! خربت خيبر؛ إنا إذا نزلنا بساحة قومٍ فساء صباح المنذَرين) قال السيوطي: هذا الحديث أصلٌ في جواز التمثل والاستشهاد بالقرآن والاقتباس، أي: أن يقتبس المرء من القرآن كلمات أو جزءاً من آية فيجعلها في كلامه وتعبيره إذا كان حقاً، وإذا لم يكن على وجه التنقص أو الاستهزاء، فالنبي ﵊ عبر عن نزوله ليهود خيبر، فقال: (الله أكبر! خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قومٍ فساء صباح المنذَرين)، وقوله: (فساء صباح المنذرين) جزء من آية، يقول السيوطي: وألف قديماً في جواز الاقتباس من القرآن والاستشهاد ببعض الفقرات الإمام أبو عبيد القاسم بن سلَّام كتاباً ذكر فيه جميع ما وقع للصحابة والتابعين من ذلك، أورده بالأسانيد المتصلة إليهم، أي: استشهادات الصحابة في خلال كلامهم بأشياء من القرآن، وأن ذلك ليس بحرام ولا ببدعة ما دام أنه كلام حق ليس فيه تنقص ولا استهزاء أو مزاح في شيء من الدين، فإنه لا بأس أن يستشهد. وبعض الاستشهادات يكون فيها تكلف، كما ذكر ابن الجوزي ﵀ في صيد الخاطر، قال: إن أبا علي ابن عقيل ﵀ من الفقهاء والعلماء الكبار، لما مات ولده وكان يحبه كثيراً، وكان شاباً قد علمه وتعب عليه، فحزن الأب جداً، وخرج الناس معه وعليهم الحزن، فمشوا معه في الجنازة إلى المقبرة، ولما اجتمعوا حول القبر وأرادوا إنزاله فيه؛ صاح أحد الناس: ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾ [يوسف:٧٨] قال: فضج الناس بالبكاء، فعلق عليها قائلاً: إن القرآن لم ينزل لإثارة الأحزان، وتجديد الآلام، وإنما نزل لتسكينها، فنَعَى على ذلك الرجل أن يقتبس هذا الاقتباس الذي كان غير مناسب ألبتة، وصحيحٌ أن العزيز من أسماء الله؛ لكن ليس من المناسب أن يقول في هذا الموضع: ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾ [يوسف:٧٨]. وكذلك ما روى الخطيب في كتابه التطفل، أي: المتطفلون على الولائم الذين يأتون بغير دعوة، روى قصة رجل رأى أحد أصحاب البيوت يدخل بيته بطعام، وأعرض عنه ولم يلتفت إليه ولا دعاه، قال: فتسَّور عليه السطح، وأشرف عليه في حوش بيته في الدار، والرجل حوله بناته قد وضع الطعام، فانتبه له صاحب البيت فصاح به وعنَّفه وقال: اتقِ الله! كيف تطَّلع على حرماتي وبناتي؟! فقال الطفيلي: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ [هود:٧٩]. فبعض الاستشهادات في غير موضعها، فمثل هذا الاقتباس والاستشهاد ليس صحيحاً، وإذا كان فيه شيء من الاستهزاء بالدين فهذه أطم وأسوأ وأخبث، لكن إذا كان في كلامِ جِدٍّ كأن يصف رجل حال الأمة، وما وقع فيه من الأهواء، وحال الناظر والمفكر في هذا الحال، فقال: فأينما توجهت تجد هذا الفساد، وهذا الركام: ﴿مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم:٢١] يعني: ما لنا مخرج ولا مهرب من هذا الذي وضعنا فيه الأعداء. فقد يستشهد البعض بأشياء من القرآن لا بأس بالاستشهاد بها في مقامِ جِد مناسب، الشاهد الذي وضعه في السياق مناسب، مثل قول النبي ﵊: (إنا إذا نزلنا بساحة قومٍ فساء صباح المنذَرين). أما أن يُستشهد بالقرآن في أي مناسبة فهذا غير صحيح، ويجب أن يجلَّ كلام الله عن هذه المناسبات التافهة، أو الاستخدامات التي يستخدم بها بعض الناس آيات من القرآن، أو أجزاء من القرآن في أشياء من التوافه، أو مقام لعب ولهو، أو كلام باطل مثلاً، وهذا واقع في كلام الناس كثيراً مع الأسف! ألف أبو عبيد ﵀ أيضاً كتاباً في عدد آي القرآن، وعدد آيات المكي والمدني. وألف ﵀ كتاباً في غريب القرآن. وألف كتاباً في فضائل القرآن ومعالمه وآدابه. وألف كتاباً في القراءات كما تقدم.

стр. 2385

مؤلفات أبي عبيد في الناسخ والمنسوخ وفي الحديث ألف أبي عبيد في الناسخ والمنسوخ في القرآن، وهذا الكتاب في ترتيبه لم يسبق إليه، فإنه رتب الكتاب على الأبواب الفقهية، فذكر تحت كل بابٍ الآيات التي تتعلق بموضوعه التي جاء فيها ناسخ ومنسوخ. فأولاً: بدأ الكتاب بباب فضل العلم، ناسخ القرآن ومنسوخه، باب ذكر الصلاة وما فيها من الناسخ والمنسوخ، الزكاة، الصيام، النكاح، الطلاق، الشهادات، المناسك، الجهاد، الأسارى، المغانم، الاستئذان، المواريث، الوصية، ناسخ الطعام ومنسوخه، الشراب، إلى آخره، فسلك في ترتيب الآيات سبيل الأبواب الفقهية، حتى أصبح كتاباً في أحكام القرآن مرتباً على الأبواب الفقهية، وهذا ابتكار جميل، وسار على نهجه الإمام الطحاوي ﵀ في كتابه أحكام القرآن. وكان منهج أبي عبيد في هذا الكتاب أن يعرض الآيات ويبين غريبها، وما قيل في ناسخها ومنسوخها، ثم الأحكام المستنبطة مع ذكر أقوال الفقهاء من الصحابة ومن بعدهم مع أدلتهم، مع المناقشة وذكر الرأي الراجح وبيان وجه رجحانه، هذه طريقته في كتاب ناسخ القرآن ومنسوخه. أما في الحديث: فله جزءٌ في حديثه الذي رواه هو حديث القاسم بن سلَّام، وله كتابه المشهور جداً، وأبرز كتاب وأشهر كتاب لـ أبي عبيد هو: غريب الحديث، وهذا الكتاب جعله لبيان الألفاظ الغريبة، الصعبة الغامضة، البعيدة عن الفهم التي تحتاج إلى دقة، أو أنها قليلة الاستعمال، والتي جاءت في أحاديث النبي ﷺ ، وآثار الصحابة والتابعين ومعانيها. تتبع أحاديث النبي ﵊ وآثار الصحابة والتابعين على تفرقها وتعددها، حتى جمع الأشياء الصعبة التي تحتاج إلى شرح وبيان، فساقها بأسانيده، وكان قد جمع معاني هذه الألفاظ من علومه، وما سمعه من أهل العلم؛ مستعيناً بشعر وأمثال العرب، ومأثور كلامهم، فيذكر ذلك في كتابه، ويذكر أيضاً فوائد فقهية مأخوذة من هذا الحديث الذي فيه كلمة غريبة، وما يُستنبط منه من الفقه بشكلٍ مختصر. رَتب الكتاب على أربعة أقسام: أول قسم: يتضمن أحاديث النبي ﷺ المرفوعة بسنده المتصل، والتي بلغت (٥٤٠) حديثاً. القسم الثاني: أحاديث الصحابة رضوان الله عليهم:- يذكر أحاديث كل صحابي على حده، ويبين الكلمات الصعبة الغريبة في كلام كل صحابي أو رواية كل صحابي. القسم الثالث: أحاديث التابعين:- يذكر أحاديث كل تابعي على حدة مما يوجد فيه كلام غريب أو كلمة صعبة مع شرحها. والرابع: أحاديث لا يعرف أصحابها:- فهي آثار بدون عزو لقائل معين، وشرح ما فيها من الألفاظ الغريبة. هذا الكتاب يقول أبو عبيد فيه: بقيت في تصنيف هذا الكتاب (٤٠) سنة، لأنه لا يأتي بأي حديث، بل يأتي بالحديث الذي فيه كلمة غريبة تحتاج إلى شرح، ويكون بسنده لا بسند غيره، ويكون فيه أيضاً فوائد فقهية، وتشرحه شواهد شعرية ومن أمثال العرب ونحو ذلك، وهذا الكتاب قد صار له مكانة مرموقة جداً، ونسخه الإمام أحمد ﵀ واستحسنه. وكان ابن الباجي أحمد بن عبد الله الإشبيلي يحفظه غيباً. وكذلك عبد الملك بن إبراهيم الهمداني المقدسي، وغيرهم من العلماء يحفظونه غيباً، تأثراً بطريقة هذا الكتاب. وأبو إسحاق الحربي ألف على نمطه، وغيره من أهل العلم ألَّفوا على نمط أبي عبيد في الغريب، وقامت لهذا الكتاب شروح ومختصرات، وتعليقات، وتعقيبات، فكان محط اهتمام وانتباه من العلماء، ونقل عنه عددٌ من المصنفين في مؤلفاتهم.
следующие страницы →