← Джавами‘

Джавами‘ · id 7704

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (7 040 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

مذهب أبي عبيد في الصحابة وأما مذهبه في تفضيل الصحابة: فيرى أبو عبيد ﵀ أن أفضل الصحابة أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، وهذا الذي عليه جمهور الأئمة، وأن ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة؛ لكن القلة من أهل السنة يقدمون علياً على عثمان في الفضل؛ لأشياء عندهم في مناقب علي، رجَّحوا بها أن علياً أفضل من عثمان؛ لكن جمهور أهل السنة على أن عثمان في الفضل بعد الصديق وعمر. وقال أبو عبيد: فعلت في البصرة فعلتين أرجو بهما الجنة: أتيت يحيى القطان وهو يقول: أبو بكر وعمر وعلي -أي: في الترتيب- فقلت: معي شاهدان من أهل بدرٍ يشهدان أن عثمان أفضل من علي، قال: من؟ فقلت: أنت حدثتنا، عن شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، عن النَّزَّال بن سبرة قال: [خطبنا عبد الله بن مسعود فقال: أمَّرْنا خير من بقي ولَمْ نأْلُ] فالصحابة كونهم اجتمعوا وعلي موجود وعثمان موجود وانتخبوا، واستشار عبد الرحمن بن عوف الناس، حتى استشار العجائز في البيوت، فاتفقت كلمتهم على عثمان، ولذلك ما أجْمَعَت الأمة على خليفة من الراشدين مثلما أجمعت على عثمان، فبيعة أبي بكر حصل فيها شيء كما في حادثة السقيفة، وعمر كانت بِوَصِية من الصديق، وعلي ﵁ حصل ما حصل في توليته، لكن الأمة ما اجتمعت على خليفة في توليته وتعيينه مثلما اجتمعت على عثمان، فاستشار عبد الرحمن بن عوف الناس ثلاث ليالٍ لم يكتحل فيها بنوم، فاجتمعت كلمتهم على عثمان، وما اختلفوا في شأن تقديم عثمان، فقال ابن مسعود: [أَمَّرْنا خير من بقي -أي: أنه أفضل من علي ﵁ ولَمْ نأْلُ]. فقال يحيى بن سعيد القطان: ومَن الآخر؟ -الشاهد الثاني- قال: قلت: الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن المسور بن مخرمة، قال: [سمعت عبد الرحمن بن عوف يقول: شاورت المهاجرين الأولين، وأمراء الأجناد، وأصحاب رسول الله ﷺ ، فلم أرَ أحداً يعدل بـ عثمان] قال: فترك قوله -أي يحيى بن سعيد القطان - من نتيجة المناقشة مع أبي عبيد، ترك قوله في تقديم علي على عثمان - وقال: أبو بكر، وعمر، وعثمان، إلى آخره.

стр. 2382

موقف أبي عبيد من أهل البدع وأما بالنسبة لموقفه من أهل البدع، فإن أبا عبيد ﵀ كان شديداً على أهل البدع كعادة السلف في ذلك الوقت، وكان صاحب خبرة ومراس، واحتكاك بأصحاب الفرق الضالة، ونقل أخبارهم، وسبر غَوْرَهم، فقال: عاشرت الناس، وكلمت أهل الكلام، فما رأيت أوسخ وسخاً ولا قذراً، ولا أضعف حجةً، ولا أحمق من الرافضة، ولقد وُلِّيت قضاء الثغور -تولى القضاء ثمانية عشر عاماً- فنفيت منهم ثلاثة رجال؛ رافِضِيَّيْن وجهمياً، وقلت: مثلكم لا يساكن أهل الثغور وأخرجتهم، أي: أنهم وبال على المسلمين، فإن الثغور تحتاج إلى جهاد، والثغور هي: رباط في الجهاد، والجهاد يحتاج إلى أناس من أهل التقى والصلاح والسنة، ينتصر بهم المسلمون، أما مثلكم أنتم فأنتم سبب هزيمة فأخرجهم ونفاهم.

стр. 2383

مصنفات أبي عبيد في غير العقيدة

стр. 2384

مؤلفات أبي عبيد في علوم القرآن وأما بالنسبة لعلوم القرآن، فإن أبا عبيد ﵀ قد صنف كتابه شواهد القرآن، وعندما روى حديث: (الله أكبر! خربت خيبر؛ إنا إذا نزلنا بساحة قومٍ فساء صباح المنذَرين) قال السيوطي: هذا الحديث أصلٌ في جواز التمثل والاستشهاد بالقرآن والاقتباس، أي: أن يقتبس المرء من القرآن كلمات أو جزءاً من آية فيجعلها في كلامه وتعبيره إذا كان حقاً، وإذا لم يكن على وجه التنقص أو الاستهزاء، فالنبي ﵊ عبر عن نزوله ليهود خيبر، فقال: (الله أكبر! خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قومٍ فساء صباح المنذَرين)، وقوله: (فساء صباح المنذرين) جزء من آية، يقول السيوطي: وألف قديماً في جواز الاقتباس من القرآن والاستشهاد ببعض الفقرات الإمام أبو عبيد القاسم بن سلَّام كتاباً ذكر فيه جميع ما وقع للصحابة والتابعين من ذلك، أورده بالأسانيد المتصلة إليهم، أي: استشهادات الصحابة في خلال كلامهم بأشياء من القرآن، وأن ذلك ليس بحرام ولا ببدعة ما دام أنه كلام حق ليس فيه تنقص ولا استهزاء أو مزاح في شيء من الدين، فإنه لا بأس أن يستشهد. وبعض الاستشهادات يكون فيها تكلف، كما ذكر ابن الجوزي ﵀ في صيد الخاطر، قال: إن أبا علي ابن عقيل ﵀ من الفقهاء والعلماء الكبار، لما مات ولده وكان يحبه كثيراً، وكان شاباً قد علمه وتعب عليه، فحزن الأب جداً، وخرج الناس معه وعليهم الحزن، فمشوا معه في الجنازة إلى المقبرة، ولما اجتمعوا حول القبر وأرادوا إنزاله فيه؛ صاح أحد الناس: ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾ [يوسف:٧٨] قال: فضج الناس بالبكاء، فعلق عليها قائلاً: إن القرآن لم ينزل لإثارة الأحزان، وتجديد الآلام، وإنما نزل لتسكينها، فنَعَى على ذلك الرجل أن يقتبس هذا الاقتباس الذي كان غير مناسب ألبتة، وصحيحٌ أن العزيز من أسماء الله؛ لكن ليس من المناسب أن يقول في هذا الموضع: ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾ [يوسف:٧٨]. وكذلك ما روى الخطيب في كتابه التطفل، أي: المتطفلون على الولائم الذين يأتون بغير دعوة، روى قصة رجل رأى أحد أصحاب البيوت يدخل بيته بطعام، وأعرض عنه ولم يلتفت إليه ولا دعاه، قال: فتسَّور عليه السطح، وأشرف عليه في حوش بيته في الدار، والرجل حوله بناته قد وضع الطعام، فانتبه له صاحب البيت فصاح به وعنَّفه وقال: اتقِ الله! كيف تطَّلع على حرماتي وبناتي؟! فقال الطفيلي: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ [هود:٧٩]. فبعض الاستشهادات في غير موضعها، فمثل هذا الاقتباس والاستشهاد ليس صحيحاً، وإذا كان فيه شيء من الاستهزاء بالدين فهذه أطم وأسوأ وأخبث، لكن إذا كان في كلامِ جِدٍّ كأن يصف رجل حال الأمة، وما وقع فيه من الأهواء، وحال الناظر والمفكر في هذا الحال، فقال: فأينما توجهت تجد هذا الفساد، وهذا الركام: ﴿مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم:٢١] يعني: ما لنا مخرج ولا مهرب من هذا الذي وضعنا فيه الأعداء. فقد يستشهد البعض بأشياء من القرآن لا بأس بالاستشهاد بها في مقامِ جِد مناسب، الشاهد الذي وضعه في السياق مناسب، مثل قول النبي ﵊: (إنا إذا نزلنا بساحة قومٍ فساء صباح المنذَرين). أما أن يُستشهد بالقرآن في أي مناسبة فهذا غير صحيح، ويجب أن يجلَّ كلام الله عن هذه المناسبات التافهة، أو الاستخدامات التي يستخدم بها بعض الناس آيات من القرآن، أو أجزاء من القرآن في أشياء من التوافه، أو مقام لعب ولهو، أو كلام باطل مثلاً، وهذا واقع في كلام الناس كثيراً مع الأسف! ألف أبو عبيد ﵀ أيضاً كتاباً في عدد آي القرآن، وعدد آيات المكي والمدني. وألف ﵀ كتاباً في غريب القرآن. وألف كتاباً في فضائل القرآن ومعالمه وآدابه. وألف كتاباً في القراءات كما تقدم.

стр. 2385

مؤلفات أبي عبيد في الناسخ والمنسوخ وفي الحديث ألف أبي عبيد في الناسخ والمنسوخ في القرآن، وهذا الكتاب في ترتيبه لم يسبق إليه، فإنه رتب الكتاب على الأبواب الفقهية، فذكر تحت كل بابٍ الآيات التي تتعلق بموضوعه التي جاء فيها ناسخ ومنسوخ. فأولاً: بدأ الكتاب بباب فضل العلم، ناسخ القرآن ومنسوخه، باب ذكر الصلاة وما فيها من الناسخ والمنسوخ، الزكاة، الصيام، النكاح، الطلاق، الشهادات، المناسك، الجهاد، الأسارى، المغانم، الاستئذان، المواريث، الوصية، ناسخ الطعام ومنسوخه، الشراب، إلى آخره، فسلك في ترتيب الآيات سبيل الأبواب الفقهية، حتى أصبح كتاباً في أحكام القرآن مرتباً على الأبواب الفقهية، وهذا ابتكار جميل، وسار على نهجه الإمام الطحاوي ﵀ في كتابه أحكام القرآن. وكان منهج أبي عبيد في هذا الكتاب أن يعرض الآيات ويبين غريبها، وما قيل في ناسخها ومنسوخها، ثم الأحكام المستنبطة مع ذكر أقوال الفقهاء من الصحابة ومن بعدهم مع أدلتهم، مع المناقشة وذكر الرأي الراجح وبيان وجه رجحانه، هذه طريقته في كتاب ناسخ القرآن ومنسوخه. أما في الحديث: فله جزءٌ في حديثه الذي رواه هو حديث القاسم بن سلَّام، وله كتابه المشهور جداً، وأبرز كتاب وأشهر كتاب لـ أبي عبيد هو: غريب الحديث، وهذا الكتاب جعله لبيان الألفاظ الغريبة، الصعبة الغامضة، البعيدة عن الفهم التي تحتاج إلى دقة، أو أنها قليلة الاستعمال، والتي جاءت في أحاديث النبي ﷺ ، وآثار الصحابة والتابعين ومعانيها. تتبع أحاديث النبي ﵊ وآثار الصحابة والتابعين على تفرقها وتعددها، حتى جمع الأشياء الصعبة التي تحتاج إلى شرح وبيان، فساقها بأسانيده، وكان قد جمع معاني هذه الألفاظ من علومه، وما سمعه من أهل العلم؛ مستعيناً بشعر وأمثال العرب، ومأثور كلامهم، فيذكر ذلك في كتابه، ويذكر أيضاً فوائد فقهية مأخوذة من هذا الحديث الذي فيه كلمة غريبة، وما يُستنبط منه من الفقه بشكلٍ مختصر. رَتب الكتاب على أربعة أقسام: أول قسم: يتضمن أحاديث النبي ﷺ المرفوعة بسنده المتصل، والتي بلغت (٥٤٠) حديثاً. القسم الثاني: أحاديث الصحابة رضوان الله عليهم:- يذكر أحاديث كل صحابي على حده، ويبين الكلمات الصعبة الغريبة في كلام كل صحابي أو رواية كل صحابي. القسم الثالث: أحاديث التابعين:- يذكر أحاديث كل تابعي على حدة مما يوجد فيه كلام غريب أو كلمة صعبة مع شرحها. والرابع: أحاديث لا يعرف أصحابها:- فهي آثار بدون عزو لقائل معين، وشرح ما فيها من الألفاظ الغريبة. هذا الكتاب يقول أبو عبيد فيه: بقيت في تصنيف هذا الكتاب (٤٠) سنة، لأنه لا يأتي بأي حديث، بل يأتي بالحديث الذي فيه كلمة غريبة تحتاج إلى شرح، ويكون بسنده لا بسند غيره، ويكون فيه أيضاً فوائد فقهية، وتشرحه شواهد شعرية ومن أمثال العرب ونحو ذلك، وهذا الكتاب قد صار له مكانة مرموقة جداً، ونسخه الإمام أحمد ﵀ واستحسنه. وكان ابن الباجي أحمد بن عبد الله الإشبيلي يحفظه غيباً. وكذلك عبد الملك بن إبراهيم الهمداني المقدسي، وغيرهم من العلماء يحفظونه غيباً، تأثراً بطريقة هذا الكتاب. وأبو إسحاق الحربي ألف على نمطه، وغيره من أهل العلم ألَّفوا على نمط أبي عبيد في الغريب، وقامت لهذا الكتاب شروح ومختصرات، وتعليقات، وتعقيبات، فكان محط اهتمام وانتباه من العلماء، ونقل عنه عددٌ من المصنفين في مؤلفاتهم.

стр. 2386

منهج أبي عبيد في الفقه أما بالنسبة للفقه:- فإن أبا عبيد ﵀ كان إماماً مجتهداً، غير مقلدٍ ولا متبعٍ لمذهب معين؛ لأنه قد توافرت فيه صفات الاجتهاد؛ فمثلاً الخبرة بحديث النبي ﵊ موجودة، وعلم الناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه الخبرة باللغة معرفة اختلاف العلماء فقه النفس، كله كان متوفراً عنده ﵀. وهو صاحب مناظرات فقهية مع كبار العلماء، وحصلت له مناظرة مع الشافعي، هذه المناظرة تُكتب وتروى في موضوع أدب الخلاف والمناظرة، والإخلاص وطلب الحق. والقصة: تناظر الشافعي وأبو عبيد في القرء الذي تعتد به المطلقة، فكان الشافعي يقول: إنه الحيض، فثلاثة قروء تعني: ثلاث حيضات، أي أنه إذا طلقها في طهرٍ لم يجامعها فيه فإنها تحيض ثم تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم تحيض، فإذا انتهت الحيضة الثالثة خرجت من العدة، وملكت نفسها، وتزوجت مَن أرادت بالمعروف. وكان أبو عبيد يقول: إن معنى القرء: الطهر، وكان لكل واحد منهما حجج، وأنت إذا فتحت أضواء البيان للشنقيطي في هذه المسألة ترى عجباً، واستدلالات لطيفة من اللغة؛ لأن مما استدل به على أنه الطهر أن الله قال: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨] الثلاثة إلى العشرة إذا كان المعدود مذكراً فيكون العدد مؤنثاً، وإذا كان المعدود مؤنثاً يكون العدد مذكراً، فإذا كان حيضة ستكون ثلاثُ حيضات، وإذا كان الطهر فإننا نقول: ثلاثة أطهار، فهي ثلاثة، لكن للقائلين بأن المقصود هو الحيض أن يقولوا: إن العدد هذا جاء على المعدود وهو أن القرء مذكر، والعدد مؤنث بطبيعة الحال على القاعدة. المهم: كان الشافعي يقول: إنه الحيض، وأبو عبيد يقول: إنه الطهر، فلم يزل كلٌ منهما يقرر قوله، ويحتج لقوله بالأدلة والشواهد حتى تفرقا وقد انتحل كل واحدٍ مذهب صاحبه وانتقل إلى رأيه. وتأثر بما أورده من الحجج والشواهد، وهذه القصة نموذج على اتباع السلف ﵏ للحق وطلبه في النقاشات العلمية، ولم يكن هَمُّ الواحد منهم أن يظهر ويعلو، ويغلب وينتصر لنفسه، ولكن يبحث عن الحق، فإذا كان الحق مع الطرف الآخر تبعه، وإذا تبين للطرف الآخر أن كلامه ليس براجح فالحمد لله. يقول السبكي الشافعي عن القصة: إن صحت هذه الحكاية ففيها دلالة على عظمة أبي عبيد، فلم يبلغنا عن أحدٍ أنه ناظر الشافعي ثم رجع الشافعي إلى مذهبه، وأن الشافعي لأول مرة يرجع إلى مذهب شخصٍِ آخر. وأما بالنسبة لـ ابن تيمية ﵀ فإنه لما تكلم عن أهل العلم الذين يبحثون الليل والنهار عن العلم بدون تعصب لشخص، ولا ميل لطائفة ولا مذهب، بل يرجحون قول هذا الصحابي تارة، وقول هذا الصحابي تارة، بحسب ما يرونه من أدلة الشرع ذكر من هذا الصنف أبا عبيد. كذلك الذهبي ﵀ لما تكلم عن الاجتهاد، ومن يصلح له، ومن يصلح أن يقلَّد من الأئمة، فذكر ممن يصلح للتقليد أبا عبيد. قال ابن حجر ﵀: إن البخاري في جميع ما يورده من تفسير الغريب إنما ينقله عن أهل ذلك الفن؛ كـ أبي عبيد، والنضر بن شميل، والفراء وغيره، أما المباحث الفقهية فغالبها مستمدة له من الشافعي، وأبي عبيد، وأمثالهما. فـ البخاري استفاد من أبي عبيد في غريب الحديث والفقه.

стр. 2387

مؤلفات أبي عبيد في الفقه واللغة والأنساب وغيرها وأما بالنسبة للفقه:- فإنه قد ألف فيه مصنفات، وألف أدب القاضي. ومن أهم مؤلفات أبي عبيد في الفقه: الأموال الشرعية وبيان جهاتها ومصارفها، وهذا الكتاب كتابٌ عظيم ذكر فيه أن مصارف الأموال ثلاثة: - الفيء. - والخُمُس. - والصدقة. وتحت كل واحد من هذه الثلاثة أنواعٌ وأقسام، عرض فيه هذه المصارف الثلاثة، وآراء الصحابة والتابعين وفقهاء زمانه، ودلل لكل رأي وناقشه حتى يتوصل إلى الرأي المختار. وكذلك فإنه قد جعل في هذا الكتاب فوائد وفرائد مثل: دفع شُبَه وتوهمات، وقد أثنى العلماء على الكتاب، وقال أحمد بن مهدي: "أردت أن أكتب كتاب الأموال لـ أبي عبيد فخرجت لأشتري ماء الذهب -يعني: من نفاسة الكتاب يريد أن يكتبه بماء الذهب- فلقيت أبا عبيد فقلت: يا أبا عبيد! رحمك الله، أريد أن أكتب كتاب الأموال بماء الذهب، قال: اكتبه بالحبر فإنه أبقى، أي: ماء الذهب مع الوقت ينمحي". وقال ابن حجر: "وعن بعضٍ: كتابه في الأموال من أحسن ما صنف في الفقه وأجوده". وهذا الكتاب أيضاً تُنُوْوِل بالشرح والاختصار، ومَن جاء بعده، مثل: ابن زنجويه في كتاب الأموال قد أكثر النقل عن أبي عبيد رحمه الله تعالى. أيضاً له مصنفات أخرى في الفقه: ففقه أبي عبيد ﵀ مما نُثِر في الكتب ونَقَله العلماء، فإذا نقلوا أقوال الشافعي وأحمد وغيرهما، فإنهم ينقلون: وقال أبو عبيد، فهو من أصحاب الأقوال المنقولة. والآداب:- فـ أبو عبيد ﵀ قد ألف كتاب آداب الإسلام، وألَّف في الخطب والمواعظ أيضاً، وهذا مما يدل على سعة تصنيفه. في علوم اللغة:- لا شك أن له فيه مؤلفات. وألف أيضاً في أمثال العرب، فقد ألف كتاب الأمثال السائرة. وكذلك ألف ﵀ في النحو. وفي التاريخ والأنساب، حتى ألف في أنساب الخيل. وكذلك فإن هناك أقوالاً في فقهه يمكن أن نذكر منها بعض الأمثلة، ما دام الرجل ﵀ لم يتبع مذهباً معيناً كما قلنا، كان مستقلاً باجتهاده، وكان يراجع نفسه في المسائل، ويغير رأيه بناءً على ما يتبين له، وهذا يدل على التجرد، فلا يقول: أنا قلت كلمة ولا أغيرها. يقول عباس بن محمد الدوري: سمعت أبا عبيد يقول: وسئل عن الفُقَّاع -وهو نوع من الشراب يُتَخَّذ من الشعير- هل هو مسكر محرم أم لا؟ فقال: كان لي فيه قولٌ، أي: كنت أرى -مثلاً- بالمنع، فإذا هو يفسد بعد ساعة أو ساعتين، فعلمتُ أنه ليس به بأس؛ لأن الخمر لا يفسد؛ الخمر يبقى خمراً؛ لكن إذا كان يفسد، فمعناه: أنه ليس بمسكر وليس خمراً، فرأيه في هذا الشراب تحول وانتقل. ومن اللطائف التي حصلت له في تغيير رأي فقهي قصة: قال: كنت أفتي أن من نام جالساً لا وضوء عليه، حتى خرج إلى جنبي يوم الجمعة رجلٌ فنام فخرجت منه ريح، فقلت: قم فتوضأ، فقال: لَمْ أنَمْ، فقلت: بلى، وقد خرجت منك ريحٌ تنقض الوضوء، فجعل يحلف أنه ما كان ذلك منه، وقال لي: بل منك خروج ذلك فتركتُ ما كنتُ أعتقد في نوم الجالس، وراعيت غلبة النوم ومخالطته للقلب. أي: أن النوم جالساً يمكن أن ينقض الوضوء، وأن الإنسان إذا غاب عنه الوعي تماماً؛ فإن وضوءه ينتقض حتى لو نام جالساً.

стр. 2388

من آراء أبي عبيد الفقهية من آرائه الفقهية: طهارة بول ما يؤكل لحمه من الحيوانات وجواز شربه:- وبهذا قال المالكية والحنابلة ومحمد بن الحسن من الحنفية، وذهب الحنفية والشافعية إلى نجاستها، وقد استدل أولئك بحديث شرب بول الإبل الذي أمر النبي ﵊ من نزلوا بـ المدينة وأصابتهم الحمى أن يشربوه. أيضاً من آرائه: أنه يكفي النضح في تطهير بول الصبي الذي لم يطعم:- وهذا قول الشافعية والحنابلة، وذهب الحنفية والمالكية إلى وجوب غسله. ومن أراء أبي عبيد ﵀: جواز الاغتسال ورفع الحدث بماء زمزم:- وهذا قول الأئمة الأربعة. ومن أقواله رحمه الله تعالى أيضاً: كراهة قراءة القرآن بالألحان:- وأن التغني بالقرآن هو تحزين القراءة بالتخويف والتشويق المؤدي إلى خشية الله تعالى، وليس التطريب. كذلك من آرائه الفقهية: كراهة قراءة القرآن منكوساً، أي بتغيير ترتيب السور، وأنه ينبغي أن يقرأ على حسب ترتيب المصحف- وأنه رُخِّص للصبي والعجمي للقراءة، من آخر القرآن من المعوذتين وحتى يرتفع إلى البقرة لصعوبة السور الطوال عليهما. وذهب كذلك ﵀ إلى أنَّ مَن كان له دَينٌ لا يرجوه أنه ليس فيه زكاة، فإذا قبضه زكَّاه مرة واحدة لما مضى من السنين، وهذا قول الشافعية والحنابلة. وكذلك من أقواله الفقهية: أن حكم اللقطة في مكة ليس كحكمها في سائر البلاد:- فلا يجوز أخذ اللقطة في مكة للتملك، وإنما تؤخذ للحفظ والتعريف والإنشاد، ولا يحل الانتفاع بها ولا تملكها ولو عرَّفها سنة، بخلاف لقطة بقية البلدان والأماكن؛ فإنه إذا عرَّفها سنة فلم يجد صاحبها يأخذها وينتفع بها ويتملكها، وهذا قول الشافعية، وذهب الحنفية والمالكية والحنابلة إلى أنه لا فرق بين الحل والحرم في اللقطة. وأقواله كما قلنا منتشرة في كتب الفقه، والذي يطَّلع -مثلاً- على كتب الفقه المقارَن كـ المغني والمجموع وغيرهما يجد كلاماً لـ أبي عبيد منقولاً في المسائل الفقهية المختلفة. ورحل أبو عبيد رحمه الله تعالى إلى ربه -كما قلنا- في سنة: (٢٢٤هـ)، وقد بلغ من العمر ثلاثاً وسبعين عاماً. ﵀ رحمة واسعة، وأسكنه في أعلى عليين مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً. والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 2389

الإمام الحسن البصري [١، ٢] دعا له عمر، ورضع من ثدي منسوب إلى النبي ﷺ ، فجلت به الحكمة والعلوم، حسن الخلقة والخلق، قوي الجسد، فصيح بليغ، صادع بالحق آمر بالمعروف ناه عن المنكر، واعظ مؤثر وعالم متبحر، شجاع مقدام، حسن الثياب والزينة، جيد الطعام واللباس، زاهد عابد، خائف متقشف، أثنى عليه العلماء بالغ الثناء. مرب حكيم، صاحب أخبار ومناقشات، مهتم بالعربية، حاكٍ لأشياء من التاريخ قاوم الشرك بأنواعه، توفي سنة (١١٠) للهجرة، هذه العناوين وفي المادة التفصيل.

стр. 2390

الحسن البصري اسمه وكنيته ونشأته الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد: فالحمد لله الذي قيض لهذه الأمة رجالاً ينيرون لها الطريق، ويحيون السنة، ويميتون البدعة، ويجددون الدين، ويتخلقون بأخلاق الأنبياء، فيكونون قدوة للناس، ومصلحين لأحوالهم، ومعلمين لهم، ومذكرين لهم بربهم. ولا شك أن التعرف على سير هؤلاء العلماء الأجلاء من الأمور المطلوبة للإنسان المسلم ليقتدي، وتنوُّع القدوات مهمٌّ؛ لأن كل قدوة قد يكون له جانب من التفوق ليس عند الآخر، فإذا حرص الإنسان على تتبع أحوالهم، اجتمع فيه الخير. وحديثنا في هذه الليلة -إن شاء الله تعالى- عن الإمام العلم الحسن البصري رحمه الله تعالى. واسمه: الحسن بن يسار، يلقب بـ البصري، ويُدعى تارة: بـ ابن أبي الحسن. وكنيته ﵀: أبو سعيد. وأبوه اسمه: يسار، كان مولىً لـ زيد بن ثابت في أحد الأقوال. وأمه: خَيْرَة، كانت مولاة لـ أم سلمة أم المؤمنين ﵂. يسار تزوج بـ خَيْرَة في خلافة عمر بن الخطاب ﵁، فولدت له الحسن لسنتين بقِيَتا من خلافة عمر ﵀. وقال يونس عن الحسن: [قال لي الحجاج: ما أمدك يا حسن؟ قلت: سنتان من خلافة عمر]. وكانت أم سلمة تبعث أم الحسن في الحاجة، فعندما تحتاج أم سلمة إلى شيء تبعث إليه أم الحسن، ويبقى الولد عند أم سلمة ﵂، فيبكي وهو طفل، فتسكته أم سلمة بثدييها، وتخرجه إلى أصحاب رسول الله ﷺ وهو صغير، وكانت أمه منقطعة لخدمة أم سلمة، فكان الصحابة إذا أُخرج إليهم الحسن ﵃ يدعون له، فقيل: إنه أُخرج لـ عمر ﵁، فدعا له، وقال: [اللهم فقهه في الدين، وحببه إلى الناس]. قال ابن كثير ﵀: وأمُّه خَيْرَة مولاة لـ أم سلمة، كانت تخدمها، وربما أرسلتها في حاجة فتشتغل عن ولدها الحسن وهو رضيع، فتشاغله أم سلمة بثدييها، فيدران عليه. وهذه مسألة تحصل في الواقع، من أن المرأة الكبيرة حتى لو انقطعت عن الزوج وعن الولادة بسبب الحنان قد يدر لبنها، ولذلك تكلم العلماء في حكم هذا اللبن، واختلفوا هل له حكم أم لا؟ وهل تكون أماً له من الرضاع؟ وهل تثبت به المحرمية؟ وكانوا يرون أن تلك الحكمة والعلوم التي أوتيها الحسن من بركة رضاعته من أم سلمة ﵂، من الثدي المنسوب إلى رسول الله ﷺ . ونلاحظ كذلك أثر بركة دعاء الصحابة ﵃ لهذا المولود، وكيف نشأ وصار بعد ذلك. ولذلك يجب أن يكثر الإنسان من الدعاء لذريته، فقد يكون صلاحهم بدعائه، ودعوة منه قد تكون سبباً لصلاح الولد، ولذلك ندعو لهم ولا ندعو عليهم. وفي كلام كثير من الصالحين دعاء للذرية: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان:٧٤].

стр. 2391

وصف خلقة الحسن البصري كان الحسن ﵀ في خلقته رجلاً جميلاً وسيماً، قال محمد بن سعد يصفه: كان الحسن ﵀ جامعاً، عالماً، رفيعاً، فقيهاً، ثقةً، حجةً، مأموناً، عابداً، ناسكاً، كثيرَ العلم، فصيحاً، جميلاً، وسيماً. وقال الذهبي: قلت: كان رجلاً تامَّ الشكل، مليحَ الصورة، بهياً، وكان من الشجعان الموصوفين. وقال أبو عمرو بن العلاء: نشأ الحسن بـ وادي القرى، وكان من أجمل أهل البصرة، حتى سقط عن دابته فحدث بأنفه ما حدث. وقال الشعبي لرجل يريد قدوم البصرة: إذا نظرت إلى رجل أجمل أهل البصرة، وأهيبهم، فهو الحسن، فأقرئه مني السلام. وقال الأصمعي عن أبيه: "ما رأيت زنداً أعرض من زند الحسن البصري، كان عرضه شبراً" وهذا يدل على اكتمال خلقته وقوته وجسمه ﵁ ورحمه.

стр. 2392

شجاعة الحسن البصري وجهاده كان يرافق بعض المشهورين بالشجاعة، كـ قَطَرِي بن الفجاءة، والمهلب بن أبي صُفْرة؛ ولذلك تعلم الشجاعة وتربى عليها. قال هشام بن حسان: كان الحسن أشجع أهل زمانه. وقال جعفر بن سليمان: كان الحسن من أشد الناس، وكان المهلب إذا قاتل المشركين يقَدِّمُه. فهذه ميزة في الحسن ﵀، وهو معروف برقة القلب وبالوعظ، ولو سألت إنساناً وقلت له: ما هو انطباعك عن الحسن؟ فسيقول لك: هو زاهد وواعظ. وهذا صحيح؛ لكنه قلَّما يُعرف بأن الحسن كان رجلاً شجاعاً مقداماً مقاتلاً، وكان يُقَدَّم في القتال، كان قوي البنية، شديد البأس، وهذا يدل على أن الإنسان الزاهد الواعظ ليس من طبعه الضعف، ولا تلازم بين ضعف البدن والزهد وأن يكون واعظاً، فقد يكون الإنسان واعظاً رقيق القلب، وهو من أشجع الشجعان، ولا تعني الشجاعة وقوة الجسد غلظة القلب بالضرورة أبداً. كما أن رقة القلب وكثرة البكاء من خشية الله تعالى والوعظ لا تعني أن الواعظ يجب أن يكون ضعيف البدن، لا. فهذا الحسن ﵀ قوي البنية، ومع ذلك فهو رقيق القلب للغاية. وأما من جهة الجهاد، فإنه ﵀ كان كثير الجهاد ويخرج للقتال، ولذلك لا انفصام بين العالم والمجاهد، لا انفصام بين الوعظ والجهاد، كلها أمور تجتمع في شخصيات السلف ﵏.

стр. 2393

فصاحة الحسن البصري أما فصاحته وبلاغته، فإنه رحمه الله تعالى كان فصيحاً بليغاً. قال حماد بن زيد: سمعت أيوب يقول: كان الحسن يتكلم بكلام كأنه الدر، فتكلم قوم من بعده بكلام يخرج من أفواههم كأنه القيء. وهذا الفرق بين من يخرج كلامه من القلب بنور الكتاب والسنة، وبين من يخرجه بتكلف كأنه يقيء قيئاً. وقال أبو عمرو بن العلاء: ما رأيت أفصح من الحسن البصري، ومن الحجاج بن يوسف الثقفي، فقيل له: فأيهما كان أفصح؟ قال: الحسن. وقال له رجل: أنا أزهد منك وأفصح، قال: أما أفصح فلا -الزهد لا أزكي نفسي به؛ أما الفصاحة فنعم- قال: فخذ عليَّ كلمة واحدة، قال: هذه. أي: التي أنت قلتها الآن. وقيل للحجاج: من أخطب الناس؟ قال: صاحب العمامة السوداء بين أخصاص البصرة. يعني: الحسن رحمه الله تعالى.

стр. 2394

لباس الحسن البصري وزينته وطعامه ومن جهة لباسه وزينته وطعامه ربما يظن بعض الناس أن الحسن عندما كان واعظاً، أنه يلبس أسمالاً بالية وثياباً مرقعة؛ ولكن الرجل كان جيد اللباس، ليس عنده تعارض بين الزهد وبين جودة اللباس وجماله، فقال ابن عُلَي عن يونس: كان الحسن يلبس في الشتاء قباءً حِبَرَة، وطيلساناً كردياً، وعمامة سوداء، وفي الصيف إزارَ كتَّانٍ، وقميصاً، وبرداً حِبَرَة. وقال أيوب: ما وجدتُ ريح مرقة طُبِخَت أطيب مِن ريح قِدر الحسن. وقال أبو هلال: قلَّما دخلنا على الحسن، إلا وقد رأينا قِدراً يفوح منه ريح طيبة. وكان يأكل الفاكهة، فلم يكن الحسن صوفياً مثل هؤلاء الصوفية الذين يتعمدون أن يُرى عليهم اللباس البالي والمرقع، ولا يأكلون اللحم ولا الفاكهة، بل كان يعتني بأمر حاله، ويتجمل لإخوانه، كيف وهو يُغْشَى؟! فالواحد إذا كان لوحده ربما يلبس ما شاء، لكن إذا كان يتصدى للناس، ويأتونه ويسألونه، ويقتربون منه، ويجلسون حوله، فلا بد أن يكون طيب الرائحة، حسن الثياب، يتجمل للناس، حتى يحبوه. ولذلك كان النبي ﷺ في الأعياد والجُمع يتزين. أرْسِلَت إليه جُبَّة، فعرض عليه عمر ﵁ أن يلبسها ويتزين بها للوفود؛ لأن الناس يهتمون بالمظاهر، ولا يناسب أن يكون العالم مظهره رث، وهيئته بالية، ورائحته غير طيبة، وثيابه غير نظيفة، بل إنه يكون نظيف الثياب، طيب الرائحة؛ لأنه يُغْشَى ويُخْتَلَط به، وهكذا يجب أن يكون الدعاة إلى الله الذين يأتون إلى الناس ويخالطونهم، فيجب أن يكون أحدهم كالشامة بين الناس، لا بأس أن يكون ثوب أحدهم حسناً، ونعله حسنة، ورائحته طيبة، وثيابه مرتبة، لكن الإنكار على مَن أسرف، (كُلْ ما شئت، والبس ما شئت، ما أخطأتك خصلتان: سَرَفٌ، ومخيلة) المشكلة في السَّرَف والخُيَلاء، وإضاعة الأموال في التوافه، ووضع المال في شيء لا يستحق؛ كالمبالغة في الزينة، والزخرفة. قال قتادة: دخلنا على الحسن وهو نائم، وعند رأسه سَلَّة، فجذبناها؛ فإذا فيها خبز وفاكهة، فجعلنا نأكل، فانتبه -أي: من النوم- فرآنا، فتبسم- ارتاح جداً أن يرى إخوانه يأكلون من طعامه؛ لأنه يؤجر- وهو يقرأ: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ [النور:٦١] إشارة إلى الآية التي فيها: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ﴾ [النور:٦١] إلى أن قال: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ [النور:٦١] فإذا علمت أن صديقك يرضى إذا أكلتَ من بيته، ولو كان غير موجود، أو بدون إذن، فلا يحتاج الأمر إلى إذن، لا يشترط إذن الصديق إذا أذن لك في بيته أن تأكل منه، فلو أعطاك مفتاح البيت وأذن لك بدخوله، وأنت تعلم أنه يرضى أن تأكل من طعامه، فلا حرج عليك أن تفتح الثلاجة وتأكل من طعامه مما هو موجود في البيت دون إفساد، وهذا الحسن ﵀ لما رأى إخوانه يأكلون من فاكهته وهو نائم سره ذلك، وقرأ الآية: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ [النور:٦١]. وعن جرثومة قال: رأيت الحسن يُصفِّر لحيته في كل جمعة. وقال أبو هلال رأيت الحسن يغير بالصفرة. فمن السنة تغيير الشيب بالحناء بالكتم، والصفرة شيء إلى الحمرة، أو اللون البني لا بأس بذلك، فإن النبي ﷺ قال: (غيِّر الشيب وجنبوه السواد) و (نهى عن الخضاب بالسواد) و (ليأتين أقوام في آخر الزمان يخضبون بالسواد لهم حواصل كحواصل الحمام لا يدخلون الجنة ولا يريحون ريحها) وحوصلة الحمامة: مثلما يكون من هذا الشكل الهلالي، الذي يجعلونه في اللحى من العبث بها، بحيث يكون هيئتها كحوصلة الحمامة، ويصبغونها بالسواد، فيكون سوءاً على سوء. فهذا الحسن ﵀ كان يغير الشيب، ونحن نُهينا عن نتف الشيب؛ لأن كل شعرة بيضاء تكون لصاحبها نوراً يوم القيامة إذا شاب في طاعة الله، فإذا ظهر له الشيب فإنه يفرح؛ لأنه يكون له نوراً يوم القيامة إذا شاب في طاعة الله، وهذا من مراعاة النفس؛ لأن النفس تكره الشيب، فلما نهينا عن نتفه رُخِّص لنا بصبغه وتغييره بغير الأسود.

стр. 2395

الحسن البصري عبادته وخشيته وحسن خلقه أما بالنسبة لعبادته ﵀، وخشيته لله، وتقشفه، فإنه مع كونه جيد الملبس والمطعم، لكنه كان زاهداً، كان يصوم أيام البيض، والإثنين والخميس، وأشهر الحرم. وحكى ابن شوذب عن مطر قال: "دخلنا على الحسن نعوده فما كان في البيت شيء -لا فراش، ولا بساط، ولا وسادة، ولا حصير- إلا سريراً مرمولاً هو عليه، حَشْوُهُ الرمل" والسرير المرمول: الذي نسج وجهه بالسعف، ولم يكن على السرير وطاء سوى الحصير، فيسمى مرمولاً. وقال حمزة الأعمى: ذهبت بي أمي إلى الحسن، فقالت: يا أبا سعيد! ابني هذا قد أحببت أن يلزمك، فلعل الله أن ينفعه بك، قال: فكنتُ أختلف إليه، فقال لي يوماً: [يا بني! أدم الحزن على خير الآخرة لعله أن يوصلك إليه، وابكِ في ساعات الليل والنهار في الخلوة لعل مولاك أن يطَّلع عليك فيرحم عبرتك فتكون من الفائزين] هذه الوصية بالبكاء من خشية الله، ودمع العين من هيبة الله تعالى وخوفه، وكنت أدخل على الحسن منزله وهو يبكي -لم يكن يأمر الناس بالشيء وهو لا يفعل، بل كان يقول ويفعل، ويفعل قبل أن يقول- وربما جئت إليه وهو يصلي، فأسمع بكاءه ونحيبه، فقلت له يوماً: إنك كثير البكاء -دائماً تبكي- فقال: [يا بني! ماذا يصنع المؤمن إذا لم يبكِ، يا بني! إن البكاء داع إلى الرحمة، فإن استطعت أن تكون عمرك باكياً فافعل، لعله تعالى أن يرحمك، فإذا أنت نجوت من النار إذا رحمك ستجد نفسك قد نجوت من النار]. قال إبراهيم اليشكري: "ما رأيت أحداً أطول حزناً من الحسن، ما رأيته إلا حسبته حديث عهد بمصيبة". كأنه الآن قبل قليل جرت عليه مصيبة. وقال أحد مَن رآه: "لو رأيتَ الحسن، لقلتَ: قد بُث عليه حزن الخلائق". أي: جُمِعَتْ عليه. وقال يزيد بن حوشب: "ما رأيت أحزن من الحسن وعمر بن عبد العزيز، كأن النار لم تخلق إلا لهما، وكانا قليلاً الضحك والمزاح. لأنه إذا كان كثير البكاء من خشية الله فإن ذلك ولا شك سيؤثر في مزاحه وضحكه، فمن كان كثير البكاء كان قليل الضحك، ومن كان كثير الخشية والهيبة كان قليل المزاح. ومن حسن خلقه: أنه كان سمحاً في بيعه وشرائه، فكان إذا اشترى شيئاً وكان في ثمنه كسر جبره لصاحبه، كان يشتري بريال إلا ربع فيترك الربع للبائع، أو بريال ونصف فيترك النصف للبائع، وما ذاك إلا من طيب خلقه، لا يدقق ويفتش ويأخذ الكسور، وإذا اشترى السلعة بدرهم ينقص دانقاً -لأن الدرهم يقسم إلى دوانق، والدانق بعض الدرهم- كمَّله درهماً، يقول: خذ الدرهم كاملاً، أو بتسعة ونصف كمله عشرةً مروءةً وكرماً. والآن بعض الناس يقولون: هناك صناديق للهيئات الخيرية في البقالات، الهيئة الخيرية أولى من صاحب البقالة، وهذا جيد وطيب، يأخذ هذه القروش ويضعها في هذا الصندوق من صناديق التبرعات، وهذا جيد أنه يجود بهذه الكسور لله تعالى. رأيت مرة منظراً غريباً في أحد البقالات الكبيرة: أجنبي كافر أعطى البائع الريالات وأخذ الفكة ووضعها في الصندوق الخيري، مع أنه كافر! لكن صحيحٌ هو لا ينتفع بها عند الله يوم القيامة؛ لأن الله تعالى لا يجزي الكافر بحسناته يوم القيامة: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣] لكن يعطونها في الدنيا، إنما يؤثر فيك أن ترى كافراً يتبرع لصندوق الإغاثة، أو لصندوق الفقراء وهو كافر!! وباع الحسن ﵀ بغلة، فقال المشتري: أما تحط لي شيئاً يا أبا سعيد؟ -اتفقوا على الثمن ورضوا، فقال المشتري: أما تحط لي شيئاً يا أبا سعيد؟ - قال: لك خمسون درهماً، أزيدك؟ -أي: هل تحتاج إلى زيادة؟ - قال: لا. رضيت، قال: بارك الله لك. وهذا عين ما أخبر به ﷺ في الحديث ودعا: (رحم الله عبداً سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، سمحاً إذا قضى، سمحاً إذا اقتضى).

стр. 2396

ثناء العلماء على الحسن البصري وقد أثنى العلماء -رحمهم الله تعالى- على الحسن بالغ الثناء:- ولما استهل أبو نعيم في الحلية ترجمة الحسن البصري ﵀، قال: "ومنهم حليف الخوف والحزن، أليف الهم والشجن، عديم النوم والوسن، أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن، الفقيه الزاهد، المشمر العابد، كان لفضول الدنيا وزينتها نابذاًَ، ولشهوة النفس ونخوتها واقذاً". والوقيذ أو الوقذ: أن يُضرب الشيء حتى يسترخي ويموت، أو يشرف على الموت، فكان لشهوته كابتاً. وعن علقمة بن مرثد قال: "انتهى الزهد إلى ثمانية من التابعين، فمنهم: الحسن بن أبي الحسن، فما رأينا أحداً من الناس كان أطول حزناً منه، ما كنا نراه إلا أنه حديث عهد بمصيبة". قال الحسن: [نضحك ولا ندري لعل الله قد اطلع على بعض أعمالنا، فقال: لا أقبل منكم شيئاً]. كان مشهوراً جداً بالمواعظ، وكانت مواعظه مؤثرة، لأن العبارات رقيقة تخرج من القلب، وعلى رسم الكتاب والسنة، [ويحك يابن آدم! هل لك بمحاربة الله طاقه، إنه من عصى الله فقد حاربه، واللهِ لقد أدركت سبعين بدرياً، أكثرُ لباسهم الصوف -أي: من زهدهم في الدنيا لا يجدون ولا يحرصون على التنعم- ولو رأيتموهم لقلتم: مجانين، ولو رأوا خياركم لقالوا: ما لهؤلاء من خلاق، ولو رأوا شراركم لقالوا: ما يؤمن هؤلاء بيوم الحساب، ولقد رأيتُ أقواماً كانت الدنيا أهون على أحدهم من التراب تحت قدميه، ولقد رأيت أقواماً يمسي أحدهم ما يجد عنده إلا قوته، فيقول: لا أجعل هذا كله في بطني، لأجعلن بعضه لله ، فيتصدق ببعضٍ وإن كان هو أحوج ممن يتصدق به عليه]. يعني: هذا المتصدِّق محتاج أكثر من المتصدَّق عليه؛ لكن يجودون لله تعالى. وعن خالد بن صفوان، قال: لما لقيت مسلمة بن عبد الملك بـ الحيرة، قال: يا خالد! أخبرني عن حسن أهل البصرة، قلت: أصلح الله الأمير، أخبرك عنه بعلم، أنا جاره إلى جنبه، وجليسه في مجلسه، وأعلم مَن قِبَلي به: أشبه الناس سريرةً بعلانية هذا أولاً، السريرة تطابق العلانية؛ لا رياء، ولا نفاق، ولا كذب، ولا تصنع، ولا مجاملات. - وأشبه قولاً بفعل. قوله يشبه فعله، لا يأمر الناس بالبر وينسى نفسه، قوله وفعله مستويان متطابقان. - إن قعد على أمر قام عليه، وإن قام على أمر قعد عليه. - وإن أمر بأمر كان أعْمَلَ الناس به، وإن نهى عن شيء كان أَتْرَكَ الناس له. - رأيته مستغنياً عن الناس، ورأيت الناس محتاجين إليه. قال: حسبك يا خالد! كيف يضل قومٌ هذا فيهم؟! فإذاً: الصالحون والعلماء والعباد والزهاد هم سراج وهاج يستضيء بهم الناس، والناس لا يهلكون وفيهم مثل هؤلاء، متى يهلك الناس؟ إذا انطفأت السرج، وإذا لم يوجد أحد ينير كيف يبصر العميان؟ ولذلك فإن وجود الدعاة في المجتمع رحمة لهذا المجتمع من عدة جهات: أولاً: أنهم من أسباب رفع العذاب عنهم: إذا وجد الصالحون والمصلحون في مجتمع فهم من أسباب رفع العذاب عن المجتمع. ثانياً: بهم يرزقون، وبهم يمطرون. ثالثاً: هم مصدر العلم، ومنهم يتعلم الجهَّال. رابعاً: هم مصدر الوعظ الذين يعظون الغافلين. خامساً: هم مصدر القدوة. سادساً: تنصلح أحوال الناس بمخالطتهم. ولذلك كلما كثروا في المجتمع كان دليلاً على صلاح المجتمع وصحته، وإذا قلوا أو انعدموا فهذا دليل على مرض هذا المجتمع أو موته. ولذلك يجب أن نحرص على تكثير الدعاة في المجتمع، ونفرح إذا رأينا عدد الصالحين في المجتمع يزيد؛ لأن هذا من أسباب سعادة المجتمع، أما إذا رأيت الصالحين ينقرضون ويقلون ويذهبون، ولا يأتي غيرهم، فهذا نذير شؤم وبلاء خطير. وبعض الناس لا يقدرون قيمة الصالحين في المجتمع، ولذلك ينابذونهم العداء يجهلون قدرهم يذلونهم يسخرون منهم يستهزئون بهم، لا يعطونهم ما يجب لهم من الحق، ولا يقدمونهم في المجالس ويسمعون لكلامهم، فلذلك ترى أمر هؤلاء الصالحين في ضعف؛ لأن الناس لم يعرفوا قيمتهم، ولم يعرفوا قدرهم. وأما إذا عرف المجتمع قدر الصالحين رأيتهم يُقَدَّمون في المجالس يقدمون في الحديث يُسْمَع لكلامهم يُنْزَل عند رأيهم، ويُبَتُّ حسب مشورتهم وأمرهم، ولذلك قال مسلمة لـ خالد بن صفوان: كيف يضل قوم هذا فيهم؟! وفي سير أعلام النبلاء يقول الذهبي: "كان الحسن سيد أهل زمانه علماً وعملاً". وقال ابن كثير في البداية والنهاية: "الإمام الفقيه المشهور، أحد التابعين الكبار الأجلاء علماً وعملاً وإخلاصاً". وقال العوام بن حوشب: "ما أشبه الحسن إلا بنبي". وعن أبي قتادة، قال: "الزموا هذا الشيخ -أي: الحسن - فما رأيت أحداً أشبه رأياً بـ عمر منه". يعني: من رجاحة عقل الحسن شبه رأيه برأي عمر. ويقال: إن أنس بن مالك، قال: [سلوا الحسن فإنه حَفِظَ ونسينا]. وهو الصحابي! وقال مطر الوراق: "لما ظهر فينا الحسن جاء كأنما كان في الآخرة". فهو يخبر عما عايَن. كأنه واحد كان في الآخرة، كان في القبر ورأى البرزخ ورأى الموت والجنة والنار، والبعث والميزان والصراط، فكأنه واحد جاء من الدار الآخرة، فهو يخبر الناس عما رآه هناك. فهذا يكون من شدة تمثله لما أخبر الله به عن الدار الآخرة، كأنه جاء من الآخرة، وهذا يدل على تأثره. وقال قتادة: [ما جمعت علم الحسن إلى أحد من العلماء إلا وجدت له فضلاً عليه -يعني: علم الحسن زائد- غير أنه إذا أُشْكِل عليه شيء كَتَبَ فيه إلى سعيد بن المسيب -وسعيد بن المسيب سيد التابعين- وما جالست فقيهاً قط إلا رأيت فضل الحسن]. وقال أبو هلال: [كنت عند قتادة، فجاء الخبر بموت الحسن، فقلت: لقد كان غُمِسَ في العلم غَمْساً، قال قتادة: بل نَبَتَ فيه، وتحقَّبه، وتشرَّبه، والله لا يبغضه إلا حروري]. والحروريون هم: الخوارج، نسبة إلى بلدة حروراء، التي كان أول أمرهم بها، خرجوا منها وفيها، ولذلك لا يبغض الحسن إلا رجل من الخوارج. وقال: [ما كان أحد أكمل مروءة من الحسن]. فالرجل كان بالإضافة إلى أدبه صاحب مروءة. وعن حجاج بن أرطأة عن عطاء: قال: [عليك بذاك -أي: الحسن - ذاك إمام ضخم يُقتدى به]. وقال قتادة: كان الحسن من أعلم الناس بالحلال والحرام. وقال بكر المُزَنِي: "مَن سره أن ينظر إلى أفقه ممن رأينا، فلينظر إلى الحسن ". كان في حلقة الحسن البصري التي في المسجد حديث، وفقه، وعلم القرآن، واللغة، والوعظ، فبعض الناس صحبه للحديث ليسمع منه المرويات، وبعض الناس صحبه للقرآن ليسمع منه التفسير، وبعض الناس صحبه للبلاغة ليتعلم منه اللغة والفصاحة والبيان، وبعض الناس صحبوه للوعظ ليتعلم منه الإخلاص والعبادة. وقال أيوب السختياني: "لو رأيت الحسن، لقلت: إنك لم تجالس فقيهاً قط". لنسيتَ كلام الفقهاء بجانب كلامه. وقال الأعمش: "ما زال الحسن يعي الحكمة حتى نطق بها". لأن الكلام الذي فيه حكمة لا يخرج إلا من رجل ارتضعها ووعاها فنطق بها. وقال رجل لـ يونس بن عبيد: "أتعلم أحداً يعمل بعمل الحسن؟ قال: والله ما أعرف أحداً يقول بقوله، فكيف يعمل بمثل عمله؟! قال: صفه لنا، أنت رأيته هذا فائدة تربوية: الأجيال كانت تسأل عمن فات، فالذي لم ير الحسن يسأل من رأى الحسن، يقول: صفه لنا، كيف هو؟ كيف شكله؟ كيف سَمْته؟ كيف عبادته؟ كيف وعظه؟ هات من كلامه شيئاً، هات من علمه من فقهه ماذا سمعت منه؟ الآن ربما يموت العالم ويخرج رجل من جيل جديد لم يرَ هذا العالم هل يسأل عنه؟ هل تراه يهتم بالجيل الذي مضى؟! يقول لواحد من الذين عاصروا العالم أو عايشوه: صفه لنا، كيف سَمْته؟ كيف كلامه؟ هات لنا مسائل مما سمعته منه، نادراً! وهذه مشكلة؛ أن الأجيال لا تحرص على الارتباط بمن سبق، والسؤال عمن سبق، كان الواحد من السلف إذا ما رأى رجلاً فاضلاً صالحاً عالماً، فاته، مات قبل أن يولد هذا مثلاً، يسأل عنه: صفه لنا مهتم. قال: كان إذا أقبل -إذا رأيته آتٍ- فكأنه أقبل من دفن حميمه -كأنه الآن دفن أحب الناس إليه، كيف يكون وجه المصاب بالمصيبة؟ هكذا كان وجهه من الخشوع- وكان إذا جلس فكأنه أسير قد أمر بضرب عنقه -لو أتي بالأسير ليضرب عنقه، كيف يكون جلوسه؟ متخشعاً، هكذا كان جلوسه، لم يكن جلوسه جلوس أشر ولا بطر- وكان إذا ذُكِرَت النار عنده، فكأنها لم تخلق إلا له. بينما بعض الناس الآن لو تليت عليهم الآيات التي فيها ذكر جهنم، يقول: هذه للكفار، الحمد لله نحن مسلمون، ولا نحتاج، ولسنا معنيين بالأمر، مع أن الإنسان ينبغي أن يخاف على نفسه لأنه لا يدري ماذا يختم له، فقد يُختم له والعياذ بالله بخاتمة أهل النار، فإذاً: لا بد أن يخاف على نفسه. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطأة: [أما بعد: فإنك لن تزال تعنِّي إليَّ رجلاًَ من المسلمين في الحر والبلاد، تسألني عن السنة كأنك إنما تعظمني بذلك، وأيْمُ الله لحسبك بـ

стр. 2397

جرأة الحسن البصري وصدعه بالحق، وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر أما ما كان عليه من الجرأة والصدع بالحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فله مواقف، منها:

стр. 2398

موقف الحسن مع عمر بن هبيرة جاء عن علقمة بن مرثد أنه قال: لما وَلِي عمر بن هبيرة العراق، أرسل إلى الحسن وإلى الشعبي، فأمر لهما ببيت، وكانا فيه شهراً، ثم إن الخصيَّ -وكان عند الأمراء هذا النوع من الناس- غدا عليهما ذات يوم، فقال لهما: إن الأمير داخل عليكما، فجاء عمر بن هبيرة -الأمير- يتوكأ على عصاً له، فسلم ثم جلس معظماً لهما، فقال: إن أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك يُنْفِذُ كُتُباً، أعرف أن في إنفاذها الهلكة -يعني: يعطيني أوامر في الكتب لو أنفذتها ففي إنفاذها الهلكة- فإن أطعته عصيت الله، وإن عصيته أطعت الله، فهل تريان لي في متابعتي له فرجاً؟ أي: هل أنا مكره؟ فقال الحسن: يا أبا عمرو! -وهو الشعبي، أجب الأمير، فتكلم الشعبي، فانحط في حِيَل ابن هبيرة، -يعني: كأنه يلتمس له أعذاراً وأشياء- فقال: ما تقول أنت يا أبا سعيد؟! قال: أيها الأمير! قد قال الشعبي ما قد سمعتَ. قال: ما تقول أنت يا أبا سعيد؟ فقال: يا عمر بن هبيرة! يوشك أن يتنزل بك ملك من ملائكة الله تعالى، فظ غليظ، لا يعصي الله ما أمره، فيخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك. يا عمر بن هبيرة! إن تتقِ الله يعصمك من يزيد بن عبد الملك، ولا يعصمك يزيد بن عبد الملك من الله . يا عمر بن هبيرة! لا تأمن أن ينظر الله إليك على أقبح ما تعمل في طاعة يزيد بن عبد الملك نظرة مقت، فيغلق بها باب المغفرة دونك. يا عمر بن هبيرة! لقد أدركتُ أناساً من صدر هذه الأمة كانوا والله على الدنيا وهي مقبلة أشد إدباراً من إقبالكم عليها وهي مدبرة. يا عمر بن هبيرة! إني أُخوِّفك مقاماً خوَّفَكَهُ الله تعالى، فقال: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم:١٤]. يا عمر بن هبيرة! إن تكُ مع الله تعالى في طاعته كفاك بائقة يزيد بن عبد الملك، وإن تكُ مع يزيد بن عبد الملك على معاصي الله وكََلَكَ الله إليه. قال: فبكى عمر بن هبيرة، وقام بعبرته. أي: أن البكاء متواصل -متأثر- وقام من المجلس ولا تزال عبرته فيه. هذا ما كان من موعظة الحسن لهذا الأمير، وهذا كلام نادر حتى في لفظه، وفي طريقته وأسلوبه. ولذلك من المهم أن نتعلم الأسلوب، ومثل هؤلاء العظماء ينبغي أن نتشبه بهم في أساليبهم. وقد رُوِيَت هذه القصة بسياق آخر: أن عمر بن هبيرة الفزاري والي العراق لما دخل في أيام يزيد بن عبد الملك، استدعى الحسن البصري ومحمد بن سيرين والشعبي في سنة [١٠٣هـ] وقال: إن يزيد خليفة الله استخلفه على عباده، وأخذ عليه الميثاق بطاعته، وأخذ عهدنا بالسمع والطاعة، وقد ولاني ما ترون، فيكتب إليَّ بالأمر من أمره، فأقلده ما تقلد من ذلك الأمر، فما ترون؟! -إذا أمرني بشيء فيه معصية مثلاً؟ -. فقال ابن سيرين والشعبي قولاً فيه تَقِيَّة. فقال ابن هبيرة: ما تقول يا حسن؟ فقال: يـ ابن هبيرة! خَفِ الله في يزيد، ولا تخَفْ يزيد في الله. إن الله يمنعك من يزيد، وإن يزيد لا يمنعك من الله. وأُوْشِكَ أن يُبعث إليك ملَك فيزيلك عن سريرك، ويخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك، ثم لا ينجيك إلا عملك. يـ ابن هبيرة! إن تعص الله فإنما جعل الله هذا السلطان ناصراً لدين الله وعباده، فلا تركبن دين الله وعباده بسلطان الله، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. فأجازهم ابن هبيرة، وأضعف جائزة الحسن. فقال الشعبي لـ ابن سيرين: سَفْسَفْنا له، فسَفْسَفَ لنا.

стр. 2399

موقف الحسن مع الحجاج الموقف من الحجاج لا شك أنه موقف صعب جداً؛ لأن الحجاج كان يقتل على أتفه وأدنى سبب، واخترع أساليب في التعذيب، وبدأ بأشياء من الظلم فتح بها أبواباً شنيعة، وكانوا أحياناً يفعلون بالناس أفعالاً لا تخطر بالبال، مثل: السلخ، يأتون بإنسان يسلخونه، يسلخون جلده عن سائر جسده سلخاً، وربما ولَّوا ذلك لبعض الكفرة، كما أن بعض أهل السنة أتى به أحد هؤلاء الظلمة، فوَلَّى سلخه ليهودي، قال لليهودي: اسلخه، فبدأ بسلخه من الرأس، حتى أن اليهودي رحمه، فضربه بالسكين في قلبه فمات، رحمه من إكمال السلخ. فكان يحصل ظلم عظيم، وخصوصاً ممن يبطش من أمثال الحجاج! بعث الحجاج بن يوسف الظالم إلى الحسن وقد هَمَّ به -نوى له نية سوء- فلما دخل عليه، وقام بين يديه الحسن، قال: يا حجاج! كم بينك وبين آدم من أب؟ قال: كثير. قال: فأين هم؟ قال: ماتوا. فنكس الحجاج رأسه وخرج الحسن. موعظة بكلمات يسيرة جداً، مثل هؤلاء ربما لا يمكن الكلام معهم، فسؤالان لخص بهما المسألة كلها، انتهت المهمة، وهي بهذه البساطة، والرجل إذا كان صاحب عبادة ودين؛ فإن الله يلقي في قلوب الأعداء رهبته فلا يجرءون عليه.

стр. 2400

مواعظ الحسن البصري وله رحمه الله تعالى مواعظ بالغة: منها ما وعظ بها عمر بن عبد العزيز، من باب النصح لذلك الإمام الخليفة العظيم، ووعظه بمواعظ: فمنها -من الأشياء التي نُقِلَت-: [اعلم أن التفكير يدعو إلى الخير والعمل به، والندم على الشر يدعو إلى تركه، وليس ما يفنى وإن كان كثيراً يعدل ما يبقى وإن كان طلبه عزيزاً، فاحذر هذه الدار الصارعة الخادعة الخاتلة، التي قد تزينت بخدعها، وغرت بغرورها، وقتلت أهلها بأملها، وتشوفت لخُطَّابها، فأصبحت كالعروس المجلوة، العيون إليها ناظرة، والنفوس لها عاشقة، والقلوب إليها والهة، وهي لأزواجها كلهم قاتلة، فلا الباقي بالماضي معتبر، ولا الآخر بما رأى من الأول مزدجر، ولا اللبيب بكثرة التجارب منتفع، ولا العارف بالله والمصدق حين أخبر عنها مُدَّكر، فأبت القلوب لها إلا حباً، وأبت النفوس بها إلا ظناً، وما هذا منا لها إلا عشقاً، ومن عشق شيئاً لم يعقل غيره، ومات في طلبه أو يظفر به ثم قال له: فاحذرها الحذر كله، فإنها مثل الحية؛ لين مسها، وسمها يقتل، فأعرض عما يعجبك فيها لقلة ما يصحبك منها]. وأتى له بكلام في ذم الدنيا ووجوب الحذر منها، وعدم الانغماس في نعيمها، وأنها قد عرضت على من هو خيرٌ منا النبي ﵊ فرفضها، ورفض أن يكون ملِكاً، واكتفى بأن يكون عبداً رسولاً. وأمره أن يقتدي بالأنبياء ومن مضى من الصالحين. وكان تذكيره لـ عمر بن عبد العزيز بالدنيا؛ لأن عمر بن عبد العزيز تحته الخزائن وبيت المال، والأموال تجري بين يديه، ولذلك ركز على قضية الدنيا، ومكانتها، وحقيقتها، لأنه يحتاج أشد ما يحتاج إلى مثل هذا الكلام. وهكذا الإنسان الداعية الحكيم ينصح كل إنسان بحسب حاله. فأنت إذا وعظت تاجراً يحتاج أن تكلمه في فتنة المال. وإذا وعظت طالب علم يحتاج أن تكلمه -مثلاً- في مزالق طلب العلم، ومسألة المراءاة وخطورتها، والعمل بالعلم، والحذر من أن يعلِّم الناسَ شيئاًَ ولا يعمل به. وإذا أردت أن تعظ بائعاً في السوق تحتاج أن تكلمه عن فتنة النساء. وإذا وعظت شاباً يحتاج أن تكلمه عن الشهوات واتقائها. وإذا وعظت رجلاً كبيراً حذرتَه من طول الأمل، ووجوب حسن العمل، وأن الإنسان إذا بلغ الستين أعذر الله إليه، وينبغي أن يتفرغ للعبادة. فيؤخذ من كلام الحسن ﵀: أن الإنسان يعظ الشخص بحسب حاله؛ فإذا كان صاحب سلطان ذكره بقدرة الله وقوته، وبطشه، وانتقامه وهكذا، فتكون النصيحة بحسب المنصوح له وبحسب حاله.

стр. 2401

الفنون التي برع الحسن البصري فيها كان الإمام الحسن البصري ﵀ إماماً في عددٍ من فنون العلم، وكان إماماً في العلم حقاً.

стр. 2402

فن التفسير وبعض آرائه من الفنون التي برز فيها ﵀: فن التفسير، ولذلك نقل عنه المفسرون في تفاسيرهم كثيراً من الأقوال في آيات عديدة من كتاب الله تعالى. ١/ فمما ذكره ﵀ في قوله : ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة:١٢٤] [إي والله! ابتلاه بأمر فصبر عليه؛ ابتلاه بالكوكب، والشمس، والقمر، فأحسن في ذلك، وعرف أن ربه دائمٌ لا يزول، فوجَّه وجهه للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما كان من المشركين، ثم ابتلاه بالهجرة فخرج من بلاده وقومه حتى لحق بـ الشام مهاجراً إلى الله، ثم ابتلاه بالنار قبل الهجرة، فصبر على ذلك، فابتلاه الله بذبح ابنه وبالختان فصبر على ذلك]. وذكر المفسرون ﵏ أيضاً: أن مما ابتلاه الله به: سنن الفطرة؛ خمس في الرأس، وخمس في الجسد (فأتمهن). ٢ - ومما ذكره ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ [آل عمران:١٥٢] في سورة آل عمران، في قصة غزوة أحد، قال وقد ضرب بيديه: وكيف عفا عنهم وقد قُتِل منهم سبعون، وقُتِل عم رسول الله ﷺ ، وكُسِرت رباعيته، وشُجَّ وجهه؟ ثم يقول: قال الله : قد عفوتُ عنكم إذ عصيتموني، ألا أكون استأصلتكم -فبيَّن أن عفو الله تعالى عنهم، أنه لم يستأصلهم، مع عظم المصائب التي نزلت بهم- ثم يقول: هؤلاء مع رسول الله ﷺ ، وفي سبيل الله، غضابٌ لله، يقاتلون أعداء الله، نُهُوا عن شيء فصنعوه، فوالله ما تركوا حتى غموا بهذا الغم- وهو قتل سبعين منهم، وما حصل للنبي ﵊ من الجراحات- وما أشيع من قتله، قال الحسن ﵀: فأفسق الفاسقين اليوم يتجرأ على كل كبيرة، ويركب كل داهية، ويسحب عليها ثيابه، ويزعم ألا بأس عليه، فسوف يعلم!! ومعنى قوله: إن هؤلاء الصحابة أكرم خلق الله، وصحبوا نبي الله، خرجوا للجهاد في سبيل الله، قاتلوا أعداء الله؛ لأن بعضهم ارتكب عصياناً، لما ترك الرماة الجبل ونزلوا؛ ابتلاهم الله بهذا الشيء، وهذا الغم العظيم في قتل سبعين منهم، واليوم أفسق الفاسقين يتجرأ على كل كبيرة، ويظن أنه لا بأس عليه، فكأنه يقول: خافوا الله! هؤلاء الصحابة على عِظَمِهِم هكذا ابتلاهم الله أو غمهم بهذا الغم، فكيف بالفسقة! ٣ - وكذلك مما نُقِل عنه -رحمه الله تعالى- في التفسير، في ذكر آيات من كتاب الله أشياء كثيرة جداً أوردها المفسرون، حتى أنه لا تخلو سورة من سور القرآن في التفسير إلا وتجد للحسن رحمه الله تعالى فيها قولاً أو أقوالاً، وهذا يدل على ضلوعه ﵀ في التفسير، وكان ينتهز الفرصة ليذكر من خلال تفسيره بعض الآيات بعض العظات التي يرسلها.

стр. 2403

فن الحديث عند الحسن البصري أما بالنسبة للحديث، فإن الحسن البصري ﵀ ولاشك كان قد نشأ في الفترة التي كان النقل فيها من غير كتابة وتدوين، وهي مرحلة الحفظ في الصدور، لأنه توفي في سنة [١١٠هـ]، وهذا الوقت الذي بدأ فيه التدوين، ولذلك ليس للحسن كتاب صنفه في الحديث، لأن عصر التدوين لم يكن قد بدأ بعد. ولكن الحسن رحمه الله تعالى له مرويات كثيرة جداً، وبعضُ الأسانيدِ التي فيها ذِكْرُ الحسنِ متصلٌ، وبعضُها مرسلٌ، والحديث المرسل كما نعلم: ما أضافه التابعي إلى النبي ﵊ دون ذكر الصحابي، ولاشك أن المرسل عند العلماء من أقسام الحديث الضعيف، ما عدا استثناءات يسيرة ذُكِرت في كتبهم. فلو قال الحسن: قال رسول الله ﷺ ، فإننا نعلم أن هذا حديث مرسل، وأنه حديث ضعيف، لكنه لو ذكره بالإسناد المتصل بذكر الصحابي الذي حدثه، أو التابعي عن الصحابي الذي حدثه فيكون الحديث عندئذٍ متصلاً صحيحاً، ما دام أن الحسن ﵀ قد صرح بالتحديث. وقد سمع الحسن ﵀ من بعض الصحابة، مثل: أنس وسمرة ﵄، وهناك قاعدة في المراسيل، يقول الإمام أحمد ﵀: "مرسلات إبراهيم النخعي لا بأس بها، وليس في المرسلات شيء أَضعف من مرسلات الحسن وعطاء بن أبي رباح، فإنهما يأخذان عن كل أحد". والمقصود أنه إذا قال: قال رسول الله، فلا نستطيع بطبيعة الحال أن نحكم بصحته، بل إنه نوع من الحديث الضعيف، حيث أنه منقطع فيما بينه وبين النبي ﷺ . وكذلك الحسن روى عن أبي هريرة ولم يسمع منه، وكان قد جاء هذا إلى الحجاز وهذا خرج إلى العراق فلم يتقابلا، والتمس العلماء للحسن في قوله: أخبرنا أبو هريرة، التمسوا له أنه يقصد أن أبا هريرة حدث أهلَ البصرة وهو منهم، ولكن لم يكن معهم عندما حدثهم أبو هريرة. وبعض المصطلحات: (حدَّثنا) و (أخبرنا) و (عن) ونحو ذلك لم تستقر من جهة معنىً مخصوص أو استعمال مخصوص إلا بعد الحسن رحمه الله تعالى.

стр. 2404

فن الفقه وبعض آراء الحسن الفقهية كان الحسن البصري فقيهٌ، -ولا شك- له باع عظيم في الفقه، ونُقِلَت عنه آراؤه، فكلُّ مَن صنف في الفقه لا بد أن يذكر من أقوال الحسن شيئاً، ولم يصل إلينا فقهه مجموعاً كما نقل مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، ولكنه نُقِل منثوراً في بطون كتب الحديث والفقه، لكن الذهبي ﵀ في سير أعلام النبلاء ذكر عن الحميدي أن القاضي محمد بن مفرج ألف كتاب فقه الحسن البصري في سبعة مجلدات، جمع فقهه فيها رحمه الله تعالى. ولا بأس من ذكر بعض المسائل التي تعرِّف ببعض آراء الحسن ﵀: فمثلاً: ١/ ذهب ﵀ إلى أنه لا يجب الترتيب في أعضاء الوضوء، مع أن المذهب الراجح في هذا وجوب الترتيب. ٢/ يرى ﵀ أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء بحال، وهذا هو الراجح إن شاء الله، ما لم يخرج منه شيء، فمجرد لمس المرأة لا ينقض الوضوء. ٣/ كان يرى وجوب نقض المرأة شعرها عند الغسل من الحيض، وهو قول الحنابلة. ٤/ كان ﵀ يرى أن المتيمم يصلي ما شاء من الفرائض والنوافل، ويمس المصحف، ويقرأ القرآن، ما دام أنه لم ينقض هذه الطهارة التي عملها بالتيمم، فما دام أنه لم يحدث فإن تيممه باقٍ صحيح يصلي فيه ما شاء من الفرائض والنوافل، ويمس المصحف، ويطوف بالبيت حتى يُحْدِث، ولا يلزمه التيمم لكل صلاة كما قال به بعض أهل العلم. ٥/ ذهب إلى أنه يجوز التيمم للصلاة على الجنازة لمن خاف فواتها، فإذا خاف فوات الجنازة ورفعها وذهابها وهو على غير طهارة بالماء جاز له أن يتيمم حتى مع وجود الماء. ٦/ ذهب إلى أنه يُرَش من بول الغلام ويُغْسل من بول الجارية، وهذا مقتضى الحديث الذي صح عن النبي ﷺ . ٧/ كان يرى أن للرجل السفر قبل دخول وقت الجمعة، فما دام وقت الجمعة لم يدخل بعد فيجوز لك أن تسافر من البلد حتى لو كان اليوم يوم جمعة، وأن الجمعة لا تمنع من السفر كما قال عمر ﵁. وذهب إلى كراهة دفن الميت ليلاً، واحتج بالحديث الصحيح الوارد في هذا، وهذا الحديث قد ذكره الإمام مسلم ﵀: (أن النبي ﷺ زجر أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلى عليه، إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك). ٩/ جواز إخراج القيمة في زكاة الفطر، والراجح في هذه المسألة: وجوب إخراج زكاة الفطر من الطعام، وعدم جواز إخراجها بالقيمة. ١٠/ ذهب إلى أن المرضع إذا أفطرت في رمضان خوفاً على ولدها، والحامل إذا أفطرت خوفاً على جنينها فليس عليهما كفارة بل عليهما القضاء فقط، وهذا مذهب جماعة من أهل العلم؛ من أن المرضع والحامل ليس عليهما إلا القضاء، أما الكفارة فليس عليهما كفارة ما دامتا قد أفطرتا لهذا العذر فهما أشبه بالمريض. ١١) عدم جواز بيع العُربون، والراجح: جواز بيع العُربون، وهو: أن يدفع إلى البائع جزءاً من الثمن إذا اشترى، ويُحْتَسَب من الثمن، وإذا ألغى البيع وغيَّر ما عَقَدَه فإن العربون يذهب عليه، والحديث الوارد في النهي عن بيع العُربون حديث ضعيف، فلذلك المسألة باقية على الأصل في جواز هذا البيع. ١٢/ وذهب الحسن ﵀ إلى جواز مشاركة المسلم لليهودي والنصراني، والمعنى جواز أن يدخل معهم في شركة أو في تجارة بشرط: ألا يخلو اليهودي أو النصراني بالمال دونه -أي: دون المسلم- ويكون المسلم هو الذي يلي المال؛ خشية العمل بالربا، لأنه لو تركت إدارة الشركة أو التجارة لليهودي أو النصراني يمكن أن يعمل بالحرام وأن يأخذ الربا، أما إذا كانت الإدارة للمسلم أو له الإشراف عليها فإنه لا بأس أن يشارك الكافر في التجارة. وهناك مسألة: إذا قال خذ المال مضاربةً ولم يسمِّ للعامل شيئاً من الربح فما نصيب العامل؟ واحد أعطى شخصاً مالاً، قال: اتَّجِر به، هذه شركة مضاربة: المال من شخص والجهد والعمل من شخص آخر، ولم يحدد له نسبة، فذهب ﵀ إلى أن الربح بينهما مناصفة إذا لم يحدد نسبة وحصلت التجارة وحصلت أرباح فالربح بينهما مناصفة. ١٣/ ذهب ﵀ إلى جواز تأجير المستأجر للعين بأكثر مما استأجر به، فإذا استأجر شيئاً جاز أن يؤجره، وذكر أهل العلم أنه يجوز أن يؤجره ما دامت مدة الإجارة سارية المفعول، وما دام أنه قد ملك المنفعة فيجوز أن يعطيها لغيره ويؤجرها أيضاً، لكن بشرط ألا يكون استعمال الثاني أكثر من الأول، فلو كان -مثلاً- عنده خمسة أولاد، فلا يجوز أن يؤجر البيت الذي استأجره على إنسان له عشرة، أو استأجره سكنى فلا يجوز له أن يؤجره على عمال أو على ورشة بحيث يستعملون الشيء المستأجَر أكثر مما كان سيستعمله لو كان سكن فيه. هذا الشرط عند بعض أهل العلم في جواز تأجير الشيء المستأجر. ١٤/ كان يرى بأن الخُلْع يُعَدُّ طلقة، وذهب عدد من أهل العلم إلى أنه يعتبر فسخاً ولا يعتبر طلاقاً. ١٥/ ذهب ﵀ إلى وقوع طلاق السكران، وأن السكران يتحمل الطلاق، وهذا رأي جمهور أهل العلم، وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وكذا ابن القيم وغيرهما إلى أن طلاق السكران لا يقع، ويوجد طرف بريء في الموضوع ألا وهي الزوجة، وهو لا يدري عن تصرفاته، والمسألة فيها كلام طويل، وهذا رأيه ﵀. ١٦/ ثم رأى أيضاً في مسألة صيام شهرين متتابعين أنه إذا كان على الإنسان كفارة الظهار -مثلاًَ- فإن السفر المبيح للفطر لا يقطع التتابع، فلو شرع في صيام شهرين ثم سافر سفراً طبيعياً لم يقصد منه تحايلاً -سافر سفراً مشروعاً- فإنه يفطر في هذا السفر، وإفطاره لا يقطع التتابع. ١٧/ أفتى ﵀ بأن الزوج إذا أعسر بالنفقة كان للزوجة الخيار في أن تصبر عليه أو تطلب من الحاكم التفريق بينها وبين زوجها. ١٨/ ذهب إلى أنه لا فرق بين الرجال والنساء في وجوب القتل بالردة، فإذا ارتدت المرأة تقتل مثلما يقتل الرجل. وأن الاستتابة مستحبة وليست بواجبة. ١٩/ وفي باب الأطعمة: ذهب ﵀ إلى تحريم أكل لحم القرد وتحريم بيعه، قال ابن عبد البر: لا أعلم بين علماء المسلمين خلافاً أن القرد لا يؤكل ولا يجوز بيعه. وهو مسخ، فيكون من الخبائث المحرمة، وبعض العلماء ذهبوا إلى جواز بيع القرد، قالوا: لأنه يُنْتَفَع منه فيُمْسِك الشمعة ويحفظ الأمتعة، ولأنه يقبل التعليم، أي أنه يمكن تدريبه على حراسة وحفظ الأمتعة. ٢٠/ وفي العقيقة: ذهب الحسن ﵀ إلى وجوبها، وهو الذي روى حديث العقيقة عن سمرة ﵁، وذهب جمهور أهل العلم إلى استحباب العقيقة وعدم وجوبها. ٢١/ ذهب الحسن ﵀ إلى عدم وجوب الكفارة في اليمين الغموس إذا حلف يميناً كاذبةً غموساً، وسميت غموساً لأنها تغمس صاحبها في النار، فإنه ليس عليه كفارة لأنها أعظم من أن تكفر، وليس لها إلا التوبة، وذهب بعض أهل العلم كـ الشافعي ﵀ إلى أنه تجري الكفارة حتى في اليمين الغموس إذا حلف كاذباً. ٢٢/ رأى جواز إخراج الكفارة قبل الحلف باليمين، يعني: إذا أراد أن يحنث في يمينه، حلف على شيء وأراد أن يخالفه فإنه يجوز له أن يكفر قبل أن يحنث، وفعله صحيح. ٢٣/ كان يرى أن المريض الذي عنده الماء ولا يجد من يناوله الماء أنه يتيمم. ٢٤/ ومن فتاويه أيضاً في صلاة الجماعة: قوله: [إن منعته أمه عن العشاء في الجماعة شفقة عليه فلا يُطِعْها]، فإذا منعته أمه من الذهاب إلى المسجد لصلاة العشاء في جماعة شفقة عليه لم يُطِعْها. ٢٥/ وقال الحسن فيمن مات وعليه صوم: [إن صام عنه ثلاثون رجلاً يوماً واحداً جاز]، كل واحد من الثلاثين رجلاً يصوم يوماً واحداً عن شخص عليه قضاء من رمضان ومات ولم يقضه، أنه يجوز ذلك. ٢٦/ وأيضاً من فتاويه، قال: [من تكفَّل عن ميتٍ دَيناً فليس له أن يرجع]، فإذا مات شخص وعليه دين، فقال رجل من الناس الأحياء: أنا عليَّ دينه، أو أنا أتكفل بدينه؛ فليس له أن يتراجع بعد ذلك ويُلْزَم بوفاء الدَّين.

стр. 2405

درر من كلام الحسن البصري اشتهر الحسن ﵀ بالحكم والمواعظ. والمجتمع في ذلك الوقت بدأت تنتشر فيه الحياة المادية؛ بدأ ينتشر فيه الترف، وينتشر فيه الاستغراق في الملذات والشهوات، ثم كثرت الفتوحات، وجاءت الأموال، وكثير من الناس انشغل بهذه الأموال التي جاءت من الفتوحات، وصاروا يعمِّرون العمائر، ويزرعون، ويشتغلون بالإماء والنساء ونحو ذلك، فبدأ دخول الترف في المجتمع الإسلامي؛ فكان لا بد من قيام من يغسل القلوب، ويقوم بالوعظ، ويذكر الناس حتى لا ينشغلوا بهذه الملذات عن العمل للآخرة. فكانت كلمات الحسن البصري ﵀ غاية في التأثير، وتقدمت طائفة من مواعظه، ونضيف إليها طائفة أخرى: ١/ كان يقول ﵀: [بئس الرفيقان: الدينار، والدرهم؛ لا ينفعانك حين يفارقانك] فالصديق وقت الضيق، وهذان الرفيقان؛ الدينار والدرهم بئس الرفيقان هما لا ينفعانك حين يفارقانك، وكذلك إذا فارق مالَه لم ينفعه، ولكن الذي تصدق به يبقى له نفعه. ٢/ وقال الحسن: [يحق لمن يعلم أن الموت موردُه، وأن الساعة موعدُه، وأن القيام بين يدي الله مشهدُه أن يطول حزنه]. ٣/ وقال رحمه الله تعالى: [يابن آدم! عملك عملك، فإنما هو لحمُك ودمُك، فانظر على أي شيء تلقى عملَك، إن لأهل التقوى علامات يُعرَفون بها: صدق الحديث، والوفاء بالعهد، وصلة الرحم، ورحمة الضعفاء، وقلة الفخر والخيلاء، وبذل المعروف، وقلة المباهاة للناس، وحسن الخلق، وسعة الخَلْق مما يقرب إلى الله ]. ٤/ وقال ﵀: [يابن آدم! دينك دينك فإنما هو لحمُك ودمُك، إن يسْلَم لك دينُك يسْلَم لك لحمُك ودمُك، وإن تكن الأخرى فنعوذ بالله، فإنها نار لا تطوى، وجرح لا يبرأ، وعذاب لا ينفد أبداً، ونفس لا تموت]. ٥/ وقال هشام: سمعت الحسن يقول: [والله لقد أدركتُ أقواماً ما طُوِي لأحدهم في بيته ثوب قط، ولا أَمَر في أهله بصنعة طعام قط، وما جعل بينه وبين الأرض شيئاً قط، وإن كان أحدهم ليقول: لوددت أني أكلت أكلة في جوفي مثل الآجُرَّة]. ٦/ ويقول: [بلغنا أن الآجُرَّة تبقى في الماء ثلاثمائة سنة، ولقد أدركتُ أقواماً إن كان أحدهم ليرث المال العظيم وإنه لمجهود -شديد الجهد- فيقول لأخيه: يا أخي! إني قد علمت أنَّا ذو ميراث -وهو حلال- ولكن أخاف أن يفْسِد عليَّ قلبي وعملي فهو لك لا حاجة لي فيه، فلا يرزأ منه شيئاً أبداً، وإنه مجهود] شديد الجهد شديد الجوع شديد الحاجة يرث مالاً عظيماً ويعطيه لغيره! ٧/ وقال أيضاً: [يابن آدم! جمعاً جمعاً في وعاء، وشداً شداً في وكاء، رَكوب الذلول، ولَبوس اللين، ثم قيل مات فأفضى والله إلى الآخرة!! إن المؤمن عَمِل لله أياماً يسيرة فوالله ما ندم أن يكون أصاب من نعيمها ورخائها، ولكن راقت الدنيا له فاستهانها وهضمها لآخرته]. ٨/ وقال رحمه الله تعالى: [إن أفسق الفاسقين الذي يركب كل كبيرة، ويسحب عليها ثيابه، ويقول: ليس علي بأس، سيعلم أن الله تعالى ربما عجل العقوبة في الدنيا وربما أخرها ليوم الحساب]. ٩/ وقال الحسن: [رحم الله رجلاً لَبِس خَلِقاً، وأكل كسرة، ولصق بالأرض، وبكى على الخطيئة، ودأب في العبادة]. ١٠/ وقال: [يابن آدم! السِّكِّين تُحَدُّ، والكبش يعتلف، والتَّنُّور يُسْجَر]. هذا في الدنيا، إذا أراد الإنسان أن يشوي خروفاً، فإنه يسَنُّ السِّكِّين، ويعلف الكبش حتى يسمن، ويسجر التَّنُّور ليُنْضِج اللحم؛ ولكنه أيضاً يصلح مثالاً وتذكيراً للعبد في الدنيا: السِّكِّين تُحَدُّ: يعني: الموت قادم. والكبش يعتلف: الإنسان يأكل ويرتع في شهواته. والتَّنُّور يُسْجَر: يعني: جهنم. ١١/ وقال مرة لشاب مر به وعليه بردة: [إِيْهٍ يابن آدم! مُعْجَبٌ بشبابه مُعْجَبٌ بجماله مُعْجَبٌ بثيابه، كأن القبر قد وارى بدنك، وكأنك لاقيت عملك، فداوِ قلبك؛ فإن حاجة الله إلى عباده صلاح قلوبهم]. ١٢/ وسمع الحسن رجلاً يشكو إلى آخر، فقال: [أما إنك تشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك]، كأنه يشتكي القضاء أو يشتكي القدر، فيقول له: أنت تشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك! تشتكي القَدَر إلى المخلوق! ١٣/ ووصف السلف ممن سبقه، فقال: [أدركتُ من صدر هذه الأمة قوماً كانوا إذا أجَنَّهم الليل فقيامٌ على أطرافهم، يفترشون وجوههم، تجري دموعهم على خدودهم، يناجون مولاهم في فكاك رقابهم، إذا عملوا الحسنة سرَّتهم، وسألوا الله أن يقبلها منهم، وإذا عملوا سيئة ساءتهم، وسألوا الله أن يغفرها لهم]. ١٤/ وكان يقول: [رحم الله امرءاً خلا بكتاب الله فعرض عليه نفسه -عرض نفسه على القرآن- وقارَن، فإن وافقه حَمِد ربه وسأله الزيادة من فضله، وإن خالفه اعتقب وأناب ورجع من قريب، رحم الله رجلاً وعظ أخاه وأهله، فقال: يا أهلي! صلاتكم صلاتكم! زكاتكم زكاتكم! جيرانكم جيرانكم! إخوانكم إخوانكم! مساكنكم مساكنكم! لعل الله يرحمكم؛ فإن الله ﵎ أثنى على عبدٍ من عباده، فقال: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً﴾ [مريم:٥٥]. يابن آدم! كيف تكون مسلماً ولم يسلم منك جارك؟! وكيف تكون مؤمناً ولم يأمنك الناس؟!]. ١٥/ وقال الحسن ﵀ حاكياً إخلاص السلف /: كان الرجل يتعبد عشرين سنة لا يشعر به جاره، وأحدهم يصلي ليلة أو بعض ليلة فيصبح وقد استطال على جاره، يعقد مقارنة ويقول: من مضى كان الواحد منهم يصلي ويعبد الله عشرين سنة وجاره لا يحس أنه قام ليلة أو أنه كان يتعبد، واليوم الواحد منا يصلي ليلة أو بعض ليلة وتراه وقد استطال على جاره، وإن كان القوم ليجتمعون فيتذاكرون -مجموعة يجلسون يذكرون الله تعالى ويقرءون كتاب الله- فتجيء الرجلَ عبرتُه -الدمع يسبقه- فيردها ما استطاع -أي: حتى لا يظهر أمام الناس أنه خاشع ومتأثر- فإن غُلب قام عنهم، حتى لا يكون مظهراً للتأثر أمامهم. ١٦/ وعاد الحسن ﵀ عليلاً قد شفي من علته، فأراد أن يعظه، فقال: [أيها الرجل! إن الله قد ذكرك فاذكره، وقد أقالك فاشكره، ثم قال: إنما المرض ضربة سوط من ملَك كريم، فإما أن يكون العليل بعد المرض فرساً جواداً، وإما أن يكون حماراً عثوراً عقوراً] فالمرض هذا كضربة سوط على الدابة، فإما أن تنفع في الدبة فتجعلها تجري وتعدو، وإما ألا تكون الدابة مِمَّا ينتفع بالضرب فتكون عثورة عقورة؛ ولذلك شبَّهه بهذا، والعبد إذا أصابه المرض إما أنه يتعظ ويجعل سيره إلى الله حثيثاً بعد المرض، يحمد الله أن شفاه منه، وإلا فإن المرض لن ينفعه ولن يزيده إلا غفلة. ١٧/ وقال: [المؤمن في الدنيا كالغريب، لا ينافس غيره فيها ولا يجزع من ذلها، للناس حال وله حال، الناس منه في راحة ونفسه منه في شغل]. وقال أيضاً في الإنفاق في سبيل الله: [من أيقن بالخُلْف جاد بالعطية] إذا أيقنت أن كلَّ ما ستنفقه فإنه معوَّضٌ ومخلوف عليك به فإنك ستجود، [من أيقن بالخُلْف جاد بالعطية]. ١٩/ وقال الحسن للمغيرة التميمي: [إن مَن خوَّفك حتى تلقى الأمن خيرٌ لك مِِمَّن أمَّنك حتى تلقى الخوف] فإذا جاء واحد وخوفك بالله وباليوم الآخر فلا تتضايق منه، هذا الذي يخوفك الآن في الدنيا حتى تلقى الأمن يوم القيامة أفضل من الذي يأتي ويعطيك من أنواع الأمل والفسحة، ويحدثك عن أشياء تأمنك حتى تلقى خوفاً، صحيحٌ أنك في الدنيا تسر به وبكلامه والجلوس إليه، ولكن ما الخير إذا كنت في الآخرة ستلقى الخوف؟! ٢٠/ وقال: [كان فيمَن كان قبلكم أرق منكم قلوباً، وأصفق ثياباً -ثيابهم أسمك، ليس عندهم ثياب ناعمة، ثياب سميكة، ولكن قلوب رقيقة- وأنتم أرق ثياباً وأصفق منهم قلوباً]، وأنتم -يقول لجيله ومن معه- بالعكس: ثيابكم رقيقة لينة؛ ولكن القلوب صفيقة. ٢١/ وقال الحسن أيضاً وهو من كلامه في الأدب: في الطعام اثنتا عشرة خصلة: أربع فريضة، وأربع سنة، وأربع أدب: أما الفريضة (الواجبة): ١ - التسمية. ٢ - استطابة الأكل، فلا بد أن يكون الطعام حلالاً. ٣ - الرضا بالموجود. ٤ - الشكر على النعمة. وأما السنة: ١ - الجلوس على الرجل اليمنى. ٢ - الأكل من بين يدي الآكل. أي: يأكل مما يليه ولا يتعدى إلى ما يلي غيره. ٣ - تناول الطعام بثلاثة أصابع باليد اليمنى. هذا إذا كان مِمَّا يؤكل كالثريد، أما المرق فيشرب شرباً. ٤ - لعق الأصابع. وأما الأدب: ١ - غسل اليد قبل الطعام وبعده. ٢ - تصغير اللقم. ٣ - إجادة المضغ. ٤ - صرف البصر عن وجوه الآكلين؛ فليس من الأدب أن ينظر إلى وجوه الآكلين وهم يأكلون أثناء الطعام.

стр. 2406

من أخبار الحسن البصري ومناقشاته الحسن البصري ﵀ له أخبار ومناقشات ولقاءات حصلت مع بعض الناس، ومواعظ وجهها إلى بعض الأشخاص، منهم الخلفاء، كما فعل مع عمر بن عبد العزيز ﵀، وكان بعض الناس يأتيه ليعظه مما اشتُهر عنه من الوعظ، فكان الواحد إذا أحس غفلة أو قسوة أو أراد أن يزيد إيمانه جاء إلى الحسن. يقول عمرو بن ميمون بن مهران: خرجت بأبي أقوده في بعض سكك البصرة، فمررت بجدول فلم يستطع الشيخ أن يتخطاه، فاضطجعت له فمر على ظهري، ثم قمت فأخذت بيده، ثم اندفعنا إلى منزل الحسن فطرقت الباب، فخرجت إلينا جارية، فقالت: من هذا؟ قلت: هذا ميمون بن مهران أراد لقاء الحسن، فسمع الحسن فخرج إليه فاعتنقه ثم دخلا، فقال ميمون: يا أبا سعيد! قد أنست من قلبي غلظة فاستَلِّنَّ لي منه. أي: ليِّن لي قلبي. فقرأ الحسن: بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء:١٠٥ - ٢٠٧]. قال: فسقط الشيخ فرأيته يفحص برجله كما تفحص الشاة المذبوحة، فأقام طويلاً ثم أفاق، فجاءت الجارية، فقالت: قد أتعبتم الشيخ، قوموا تفرقوا. فأخذت بيد أبي فخرجت به، ثم قلت: يا أبتاه! هذا الحسن! قد كنت أحسب أنه أكبر من هذا! قال: فوكزني في صدري وكزة، ثم قال: يا بني! لقد قرأ علينا آية لو فهمتَها بقلبك لبقي لها فيك كُلُوم، والكلم هو: الجرح، لبقي فيه جروح من تأثير هذه الآية. وكان يعرف الظَّلَمَة من غيرهم وبالذات الحجاج، وتقدم موعظته للحجاج وموقفه منه. ومن القصص التي حدثت في هذا: أن رجلاً أتى الحسن فقال: يا أبا سعيد! إن حلفت بالطلاق أن الحجاج في النار، فما تقول؟ أقيم مع امرأتي أم أعزلها؟ حلف بالطلاق أن الحجاج في النار، فإذا كان الحجاج في النار يبقى مع زوجته، وإذا لم يكن في النار فيجب أن يفارقها، ولكن مصير الناس لا يعلم بعد الموت، وأهل التوحيد يدخلون تحت المشيئة، وإذا كان كافراً فهو في النار بلا شك. فقال له الحسن: قد كان الحجاج فاجراً فاسقاً، وما أدري ما أقول لك، إن رحمة الله وسعت كل شيء. وإن الرجل أتى محمد بن سيرين فأخبره بما حلف، فرد عليه شبيهاً بما قاله الحسن. وإنه أتى عمرو بن عبيد، فقال له: أقم مع زوجتك، فإن الله تعالى إن غفر للحجاج لم يضرك الزنا. وبطبيعة الحال فإن عقد الزواج إذا كان صحيحاً فهو باق، فلو أن أحداً طلق طلاقاً مشكوكاً في وقوعه، قال عبارة فيها شك، والنكاح صحيح، فما هو الحكم؟ الحكم أن النكاح يبقى على أصله حتى نتأكد من وقوع الطلاق. وكان الحسن يشجع الناس على تعلم اللغة العربية، فعن أبي حمزة، قال: قيل للحسن في قوم يتعلمون العربية، قال: [أحْسَنوا، يتعلمون لغة نبيهم ﷺ ]. وقال الحسن لـ فرقد بن يعقوب: [بلغني أنك لا تأكل الفالوذج -والفالوذج نوع من الحلوى نفيس، كان يوجد في ذلك الزمان- فقال: يا أبا سعيد! أخاف ألَّا أؤدي شكره -يعني: ناقش هذا الرجل، ذلك الرجل كان لا يأكل هذا النوع من الطعام النفيس، فـ الحسن سأله: سمعت أنك لا تأكل الفالوذج! لماذا؟ قال: يا أبا سعيد! أخاف ألا أؤدي شكره- قال الحسن: يا لُكَع! هل تقدر أن تؤدي شكر الماء البارد الذي تشربه؟] يعني: إذا كانت المسألة تتوقف على أننا لا نأكل أي شيء خوفاً من ألا نؤدي شكره فلن نأكل شيئاً؛ قال: حتى الماء البارد لا نؤدي شكره، فلذلك ليس إلا شكر النعمة، والاستغفار. ومن المواقف العظيمة التي دوِّنت في سيرته ﵀ في معاملة أعدائه، قيل له: [إن فلاناً اغتابك، فبعث إليه طبق حلوى، وقال: بلغني أنك أهديت إليَّ حسناتك فكافأتك]. وهذا موقف مؤثر ولا شك، يحمل الخصم على الرجوع وترك ما هو عليه.

стр. 2407

موقف الحسن البصري من المبتدعة كان الحسن ﵀ مقاوماً للبدعة، ومعلوم أن واصل بن عطاء رأس المعتزلة كان من تلاميذ الحسن إلى أن حدثت حادثة جعلت واصل بن عطاء يخرج بفكرة الاعتزال، ويعتزل مجلس الحسن البصري، وبدأت تلك البدعة. كان واصل بن عطاء في أول أمره يجلس إلى الحسن البصري، فلما ظهر الاختلاف وقالت الخوارج بتكفير مرتكبي الكبائر، وقال أهل السنة والجماعة بإيمانهم، أي أن معهم أصل الإيمان فهم مسلمون، ولكن مرتكبها فاسق فاجر، فلا يُحكم بكفر شخص إذا كان معه أصل الإيمان، وكان ما فعله كبيرة لا تصل إلى الكفر والشرك الأكبر؛ فلمَّا حصل هذا خرج واصل عن الفريقين، وقال بالمنزلة بين المنزلتين. فـ أهل السنة والجماعة يقولون: حكم مرتكب الكبيرة فاسق، لكنه باقٍ على إسلامه، لأن معه أصل الإيمان. وقالت الخوارج: مرتكب الكبيرة كافر مخلد في النار. فلم يفرقوا بينه وبين الكافر. والمعتزلة خرجوا بعد ذلك، وقالوا: مرتكب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين: لا هو مؤمن ولا كافر، وهذه بدعة، ما هو هذا الشيء؟! لا يوجد شيء لا مسلم ولا كافر! لا في الجنة ولا في النار! لما قال واصل بن عطاء هذه البدعة طََرَدَه الحسن من مجلسه، فاعتزل عنه. ثم تبعه عمرو بن عبيد، وعمرو بن عبيد كان مشهوراً بالزهد، وكان وكان حتى قال الخليفة: كلكم يطلب الصيد إلا عمرو بن عبيد. لكن عمرو بن عبيد ذهب مع المعتزلة، فُقِدَ؛ فصار في هذه البدعة الخبيثةن وعليه تأسس مذهب المعتزلة من هذه البذور الفاسدة. سُمُّوا هم وجماعتُهم بـ المعتزلة، وأطلق عليهم أهل السنة هذا اللقب لأنهم اعتزلوا أولاً مجلس الحسن البصري ﵀، وهو إمام من أئمة أهل السنة. والحسن رحمه الله تعالى لا شك أنه من أهل السنة والجماعة، وأقواله في هذا موافقة لأقوال أهل السنة والجماعة في الأبواب المختلفة؛ في الأسماء والصفات، وأن الإيمان قول وعمل، والموقف من الصحابة وغير ذلك؛ لكن لعل الحسن ﵀ صدرت منه كلمة في وقت من الأوقات حُسِبَت على مذهب القَدَرِية؛ لكنه بعد ذلك بيَّن الأمر وتراجع عن ذلك، ولا يمكن أن يقال أبداً: إنه من القَدَرِية، ويمكن إذا وجد أثناء القراءة في الموضوع كلاماً يعرف الإنسان خلفية الموضوع؛ فلعل عبارة صدرت من الحسن ﵀ فُهِمَ منها أن الشر ليس بقَدَر وأن الخير هو الذي بقَدَر فقط. إن أهل السنة والجماعة يقولون: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦] وخالق الخير وخالق الشر، والخير والشر كله من خلق الله تعالى وتقديره، وإذا قلت: الله خالق للخير وليس خالقاً للشر، فقد جعلت للشر خالقاً آخر، فيكون الكلام مؤدياً إلى مصيبة عظمى، ولو زعم قائله أنه يريد تنزيه الله عن الشر وأنه لم يخلق الشر لينزهه عن الشر أو عن الرضا بالشر فهذا هراء؛ لأنه جعل للشر خالقاً غير الله، وصارت القضية في تعدد الخالق في مسألة عظيمة، فالله خالق الخير وخالق الشر، لكن إذا قلنا: إن الله خلق الشر فإنه راضٍ به ؟ أبداً، خلقه وخلق الشيطان فتنة، ابتلاء يبتلي به العباد. فليس في المسألة إشكال؛ بل هي واضحة. لكن حصل أن نُقِلت عبارة عن الحسن ﵀ في هذه المسألة، وحصل نقاش بينه وبين بعض السلف ورجع عن ذلك. وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء: عن حماد بن زيد، عن أيوب، قال: كذب على الحسن سربان من الناس: قومٌ من القَدَرِية؛ لِيُنَفِّقُوه في الناس بـ الحسن هم مبتدعة لو قالوا للناس: مذهبنا كذا وكذا فلا أحد سيقبل منهم؛ لأنهم مبتدعة؛ فكذبوا على الحسن؛ لأن الحسن ثقة عند الناس، فإذا قيل للناس: إن الحسن يقول: كذا، فإن الناس يأخذون بقوله، فكذبوا على الحسن بأنه قال أشياء؛ لكي يُنَفِّقُوا بدعتهم بين الناس ويروجوها. وقومٌ في صدورهم شنَآن وبغض للحسن؛ فالذي افترى عليه طائفتان: طائفة تريد ترويج البدعة، وطائفة تبغض الحسن وتكرهه، وأنا نازلته غير مرة في القدر حتى خوَّفته بالسلطان، فقال: لا أعود فيه بعد اليوم، فلا أعلم أحداً يستطيع أن يعيب الحسن إلا به، وقد أدركتُ الحسن والله وما يقول -ما يقول بذلك القول- فهو قال: لا أعود بعد النقاش، ولا يمكن أن يعاب الحسن بشيء من ذلك ألبتة، وقد رجع عنه. وذكر الذهبي ﵀ كلاماً أيضاً في الموضوع، قال: الحسن بن يسار مولى الأنصار وسيد التابعين في زمانه بـ البصرة، كان ثقة في نفسه، حجة، رأساً في العلم والعمل، عظيم القدر، وقد بدت منه هفوة في القَدَر لم يقصدها لذاتها، فتكلموا فيه، فما التُفِت إلى كلامهم، لأنه لَمَّا حوقق عليها تبرأ منها. ويكفي فخراً أن الإنسان إذا تبين له خطأ كلامه أن يرجع. وقال الذهبي رحمه الله تعالى أيضاً كلاماً في مسألة تدليس الحسن ﵀، وذكرنا هذا. وكذلك فإن ابن حجر ﵀ في تهذيب التهذيب أيضاً قد أشار إلى المسألة، وأمْر الحسن ﵀ في هذا، وأن ما نُسب إليه من القدر هو أمر قد تراجع عنه، وبعض الناس زادوا عليه أشياء، فيقول في تهذيب التهذيب: كان من أفصح أهل البصرة وأجملهم وأعبدهم وأفقههم. وروى معمر عن قتادة عن الحسن تلك الكلمة المتعلقة، قال أيوب: فناظرته في هذه الكلمة، فقال: لا أعود. وقال ابن عون: سمعت الحسن يقول: [من كذَّب بالقدر فقد كفر]، والحسن كغيره من التابعين يؤمن بالقدر خيره وشره، ولئن نُقِل عنه خلاف ذلك فقد برأه العلماء من هذه التهمة سيما وقد نقل عن بعضهم أنه رجع عن ذلك. فالحمد لله صفحته بيضاء، ولو كان قال شيئاً من هذا أخطأ فيه فقد رجع.

стр. 2408

اهتمام الحسن البصري باللغة العربية كان ﵀ يهتم باللغة العربية كما أسلفنا، ويقاوم اللحن، واللحن: هو الخطأ في الكلام: جاء رجل إلى الحسن البصري فقال: يا أبا سعيد! ما تقول في رجل مات وترك أبيه وأخيه؟ والصحيح أن يقول: وترك أباه وأخاه- فقال الحسن: ترك أباه وأخاه -يصحح له اللغة في السؤال- فقال له -هذا السائل وكان فيه غفلة-: فما لأباه وأخاه؟ -الآن السائل جاء بحرف الجر وأخطأ ثانية والصحيح أن يقول: فما لأبيه وأخيه! - فقال له الحسن: إنما هو فما لأبيه وأخيه؟ قال الرجل: يا أبا سعيد! ما أشد خلافك علي! -لا بد أن تخالفني، مرة أقول لك: أباك وتقول لي: أبيك، ومرة أقول وأرجع إلى قولك، فتعيب عليَّ أيضاً- قال: أنت أشد خلافاً عليَّ، أدعوك إلى الصواب وتدعوني إلى الخطأ! كان في ذلك الوقت أناس قد دخلوا من الأعاجم في الإسلام وأولاد الإماء، فصار هناك لحن في اللغة؛ لأن هناك أناساً أمهاتهم فارسيات ومن الأعاجم فحصل لحن، واللحن كثير في الكلام، تغيرت اللغة في ألسنة كثير من الناس، فكان الحسن يقاوم ذلك. قال رجل للحسن: يا أبي سعيد! فقال الحسن: أكَسَبْ الدوانيق شغلك عن أن تقول: يا أبا سعيد؟! يقول: هل البيع والشراء أشغلك عن تعلم اللغة، صرت لا تعرف أن تقول للمنادى المنصوب: يا أبا سعيد؟! وقرع رجل على الحسن البصري الباب، وقال: يا أبو سعيد! فلم يجبه، فقال: يا أبي سعيد، فقال الحسن: قل الثالثة وادخل ما دام قال: يا أبو، ويا أبي، بقيت واحدة وهي الصحيحة، فقال الحسن: قل الثالثة وادخل.

стр. 2409

حكاية الحسن البصري لأشياء تاريخية حَكَى عن نفسه ﵀ بعض الأشياء التاريخية: قال: كنت أدخل بيوت رسول الله صلى الله عليه وسم في خلافة عثمان أتناول سقفها بيدي -يعني: سقوف حُجَر النبي ﵊ كانت منخفضة، ما كان ﵊ يسكن في قصور وسقوف مرتفعة- وأنا غلام محتلم يومئذٍ. وحدَّث مرة عن أنس بن مالك بحديث حنين الجذع، لما النبي ﵊ كان يخطب إلى جنب جذع يسند ظهره إليه، فلما كثر الناس بنوا له المنبر وصار يصعد المنبر ويخطب عليه، ولما خطب على المنبر أول مرة ﵊، قال أنس: (فسمعت الخشبة تحن حنين الواله -الخشبة التي كان يخطب عليها النبي ﵊ لما فقدت الذِّكر، فقدت مكان النبي ﵊، عندها حنت حنين الولهان- فما زالت تحن وترتجف -مثل: الذي يبكي فإنه يرتعد- فما زالت تحن حتى نزل إليها ﷺ فاحتضنها فسكنت) وهذا حديث في البخاري معروف، وهو من معجزات النبي ﵊. يقول الحسن معلقاً، كان إذا حدث بهذا الحديث بكى، ثم قال: [يا عباد الله! الخشبة تحن إلى رسول الله ﷺ شوقاً إليه، فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه].

стр. 2410

حكاية الحسن مع أنس وحدَّث مرة عن أنس بن مالك بحديث حنين الجذع، عندما كان النبي ﵊ يخطب إلى جنب جذع يسند ظهره إليه، فلما كثر الناس بنوا له المنبر، وصار يصعد المنبر ويخطب عليه، ولما خطب على المنبر ﵊، قال أنس: (فسمعت الخشبة تحن حنين الواله -الخشبة التي كان يخطب عليها النبي ﵊ لما فقدت الذِّكر، فقدت مكان النبي ﵊، عندها حنت حنين الولهان- فما زالت تحن وترتجف -مثل: الذي يبكي فإنه يرتعد- فما زالت تحن حتى نزل إليها ﷺ فاحتضنها فسكنت) وهذا حديث في البخاري معروف، وهو من معجزات النبي ﵊. يقول الحسن معلقاً، كان إذا حدث بهذا الحديث بكى، ثم قال: [يا عباد الله! الخشبة تحن إلى رسول الله ﷺ شوقاً إليه، فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه].

стр. 2411

الحسن مع الفرزدق الشاعر حصلت للحسن ﵀ مع الفرزدق الشاعر قصة: فإنه قد اجتمع معه في جنازة أبي رجاء العطاردي، فقال الفرزدق: يا أبا سعيد! يقول الناس: اجتمع في هذه الجنازة خير الناس وشرهم -يقصد أن الحسن خير الناس وأنه شر الناس- فقال الحسن: لستُ بخير الناس ولستَ بشرهم؛ لكن ما أعددت لهذا اليوم يا أبا فراس؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ثم انصرف. وقال الأصمعي: لما ماتت النوَّار بنت أعين بن ضبيعة المجاشعي -امرأة الفرزدق - وكانت قد أوصت أن يصلِّي عليها الحسن البصري، فشهد أعيان أهل البصرة مع الحسن، والحسن على بغلته، والفرزدق على بعيره، فسار، فقال الحسن للفرزدق: ماذا يقول الناس؟ قال: يقولون: شهد هذه الجنازة اليوم خير الناس؛ يعنونك، وشر الناس؛ يعنوني. فقال له: يا أبا فراس! لستُ بخير الناس ولستَ أنت بشر الناس، ثم قال الحسن: ما أعددتَ لهذا اليوم؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله منذ ثمانين سنة. فلما أن صلى عليها الحسن مالوا إلى قبرها، فأنشأ الفرزدق يقول: أخاف وراء القبر إن لم يعافني أشد من القبر التهاباً وأضيقا إذا جاءني يوم القيامة قائدٌ عنيفٌ وسواقٌ يسوق الفرزدقا لقد خاب من أولاد دار مَن مشى إلى النار مغلول القلادة أزرقا يساق إلى نار الجحيم مسربلاً سرابيل قطران لباساً مخرَّقا إذا شربوا فيها الصديد رأيتَهم يذوبون من حر الصديد تمزقاً فلما سمع الحسن بكى حتى بلَّ الثرى، ثم التزمه، وقال له: لقد كنت من أبغض الناس إلي وإنك اليوم من أحب الناس إلي. لما رأى شعره، ما صار في الهجاء والكلام المُقذع، وإنما صار في الترقيق وهذا الكلام الذي فيه وصف النار، التزمه ﵀ وعانقه. ومن كلامه في الغيبة والمغتاب، قال أصلة بن طريف: قلت للحسن: الرجل الفاجر المعلِن بفجوره هل له غيبة -أي: يحرم أن يُغتاب؟ - قال: لا. ولا كرامة، إذا ظهر فجوره فلا غيبة له. وقال: ثلاثة لا تحرم عليك غيبتهم: ١ - المجاهر بالفسق. ٢ - والإمام الجائر. ٣ - والمبتدع.

стр. 2412

استغلال الحسن البصري للمواقف في التربية والوعظ قال فرقد: دخلنا على الحسن فقلنا: يا أبا سعيد! ألا يعجبك من محمد بن الأهتم؟! -أي: أما تستغرب من خبر محمد بن الأهتم؟! - قال: ما له؟ فقلنا: دخلنا عليه آنفاً وهو يجود بنفسه -يحتضر- فقال لنا: انظروا إلى ذاك الصندوق فيه ثمانون ألف دينار، أو قال: درهم، لم أؤد منها زكاةً، ولم أصل منها رحماً، ولم يأكل منها محتاج. فقلنا: يا أبا عبد الله! فلمن كنت تجمعها؟! قال: لروعة الزمان، ومكاثرة الأقران، وجفوة السلطان -أخاف أن السلطان يغضب عليَّ، فلا يعطيني المقسوم، والأقران أكاثرهم بالمال، وأستعد لروعة الزمان، هذه القصة التي قيلت للحسن، فقال الحسن -معلقاً على ذلك، ولا يمكن أن يفوت مثله-: انظروا من أين أتاه شيطانه؛ خوَّفه روعة زمانه، ومكاثرة أقرانه، وجفوة سلطانه، ثم قال: أيها الوارث! لا تُخْدَعَنَّ -يقول الآن للوارث الذي ورث الثمانين ألفاً هذه من ذلك الرجل الشحيح البخيل المقصر- كما خُدِع صُوَيْحِبُك بالأمس، جاءك هذا المال، لم تتعب لك فيه يمين، ولم يعرق لك فيه جبين، جاءك ممن كان له جموعاً منوعاً، من باطل جمعه، من حق منعه، ثم قال الحسن: إن يوم القيامة لذو حسرات، الرجل يجمع المال، ثم يموت ويدعه لغيره، فيرزقه الله فيه -أي: في الوارث- الصلاح والإنفاق -في وجوه البر- فيجد -البخيل، المانع الحقوق- ماله في ميزان غيره فيتحسر -أي: يوم القيامة. وقال الحسن: [قدم علينا بشر بن مروان، أخو الخليفة، وأمير المصريين، وأشب الناس، وأقام عندنا أربعين يوماً، ثم طعن في قدميه فمات، فأخرجناه إلى قبره -يقول الآن قصة فيها موعظة، انطباعه عن هذا المشهد ينقله إلينا- يقول: فلما صرنا إلى الجبَّان -المقبرة- إذ نحن بأربعة سودان يحملون صاحباً لهم إلى قبره -هذا جمع عظيم مع هذا الرجل المشهور، وذاك واحد مسكين معه أربعة سودان يحملونه إلى قبره، فوضعنا السرير عن الجنازة فصلينا عليه، ووضعوا صاحبهم فصلوا عليه -نحن في مكان وهم في مكان آخر في المقبرة- ثم حملنا بشر بن مروان إلى قبره، وحملوا صاحبهم إلى قبره، ودَفَنَّا بشراً، ودفنوا صاحبهم، ثم انصرفوا وانصرفنا، ثم التفتُ التفاتة فلم أعرف قبر بشر من قبر الحبشي، فلم أر شيئاً قط كان أعجب منه. أي: بعدما تولينا كلنا من المقبرة نظرتُ ورائي فما عرفت أياً من القبرين الذي قبر فيه بشر بن مروان، فاعتبرها موعظة، أي: هذه مظاهر، لكن في النهاية صاروا في القبرين سواء، قبران متشابهان، كلاهما في القبر. وقال رجل للحسن: إني أكره الموت، قال الحسن: [ذاك أنك ادخرت مالك، ولو قدَّمْتَه لسَرَّك أن تلحق به] لو أنفقتَه في سبيل الله لسَرَّك أن تلحق به. ومن تعليمه لرجل في المباركة بالمولود: عن عوف قال: قال رجل في مجلس الحسن: لِيَهْنكَ الفارس، قال له الحسن: فلعله حامِر -ما يدريك أنه فارس! ربما يكون حَمَّاراً، يعني: في البلادة والغباء وعدم التدبير- إذا وهب الله لرجل ولداً فقل: شكرتَ الواهب، وبورك لك في الموهوب، وبلغ أشده، ورُزقت بره].

стр. 2413

مقاومة الحسن البصري للشرك بأنواعه كان ممن يقاوم الشرك الأصغر والأكبر بأنواعه، حتى قال رجل من بني مجاشع: جاء الحسن في دم كان فينا، فخطبهم فأجابه رجل، فقال: قد تركتُ ذلك لله ولوجوهكم. هناك قضية دماء، الحسن أراد أن يصلح فيها، فيجعل أهل المقتول يتنازلون، فجاء رجل من أهل المقتول، قال: قد تركت ذلك لله ولوجوهكم -يعني: من أجل الله ومن أجلكم- فقال الحسن: لا تقل هكذا، بل قل: لله ثم لوجوهكم، وآجرك الله. أثابك الله على تنازلك، ولكن لا تسوِّنا بالله، تقول: تركتها لله ولكم، لا يصلح أن تسوي بيننا وبين الله، قل: لله، ثم لكم. وهذا نظائره كثيرة، مثل أن تقول: لولا الله ثم فلان، لا تقول: لولا الله وفلان، فهي شرك، بل لولا الله ثم فلان، لا تجعل الخالق والمخلوق بمنزلة واحدة، وتعطف هذا على هذا.

стр. 2414

وفاة الحسن البصري ﵀ وبالنسبة لوفاته رحمه الله تعالى، فإنه لما حضرته الوفاة جعل يسترجع -يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون- فقام إليه ابنه، وقال: يا أبتي! قد غممتنا، فهل رأيت شيئاً؟! قال: [هي نفسي، لَمْ أُصَبْ بمثلها]. ويُروى أنه أغمي عليه ثم أفاق إفاقة فقال: [لقد نبَّهتموني من جنات وعيون، ومقام كريم]. وقال رجل قبل موت الحسن لـ ابن سيرين -وابن سيرين كان مشهوراً بتعبير الرؤى والأحلام-: رأيتُ كأن طائراً أخذ أحسن حصاة بالمسجد؟ فقال ابن سيرين: إن صدقت رؤياك مات الحسن. أي: هو أحسن من عندنا في المسجد، فلم يكن إلا قليلاً حتى مات الحسن، ووقع تفسير وتأويل الرؤيا. وكانت وفاة الحسن ﵁ ليلة الجمعة، في أول رجب سنة (١١٠هـ). وقد عاش -كما قال ابنه- نحواً من ٠٨٨) سنة، عمراً مباركاً في طاعة الله، وكانت جنازته مشهودة، وصُلِّي عليه عُقيب صلاة الجمعة بـ البصرة، فشيَّعه الخلق وازدحموا عليه. قال حُميد الطويل: توفي الحسن عشية الخميس، وأصبحنا يوم الجمعة، ففرغنا من أمره -أي: جهزناه- وحملناه بعد صلاة الجمعة ودفناه. وهذه نهاية هذه السلسلة في هذا الوقت، ولعلنا نعود إليها مجدداً إن شاء الله تعالى. ونسأل الله التوفيق والإخلاص. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 2415

الإمام الوزير ابن هبيرة [١، ٢] ابن هبيرة عالم عامل بعلمه، تولى الوزارة فلم تشغله عن طلب العلم والتأليف والتدريس، فهو قدوة لكل من اشتغل بمنصب أو اعتلى كرسياً في الدولة. ابن هبيرة تاريخ حافل بالآراء السديدة، والاستنباطات العجيبة من الكتاب والسنة. ابن هبيرة بلغ درجة عظيمة من الإحسان لمن أساء إليه أو ظلمه، عقيدته سلفية، له كلام عجيب حيث قال: والله لا نترك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب مع الرافضة، بل نحن أحق به منهم، ولا نترك الشافعي مع الأشعرية بل نحن أحق بالشافعي منهم، ما معنى ذلك؟ في الدرس ستجد الإجابة. ابن هبيرة مات مسموماً، وجنازته خرج فيها ما لم ير في جنازة غيره في عصره كما قال ابن الجوزي ﵀.

стр. 2416

ابن هبيرة وطلبه للعلم وبعض مؤلفاته الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه. وبعد: ففي سلسلة (أضواء على سير العلماء) نتحدث في هذه الليلة -إن شاء الله تعالى- عن سيرة العالم الوزير الكامل الإمام العادل عون الدين أبي المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة بن سعيد بن الحسن بن جهم الشيباني الدوسي العراقي الحنبلي، صاحب المصنفات رحمه الله تعالى، وهذا الإمام عربيٌ شيبانيٌ. كان مولده في سنة بـ قرية بني أوقر من الدور إحد بلدان العراق، ولذلك يقال في نسبه: الدوري. ودخل بغداد في صباه، وطلب العلم، وقرأ القرآن بالراوية على جماعة. وسمع الحديث من جماعة، منهم: القاضي أبو الحسين بن الفراء، وابن الزاغوني، وعبد الوهاب الأنماطي، وغيرهم. وقرأ القرآن بالقراءات السبع. وشارك في علوم الإسلام، ومهر في اللغة، وكان يعرف مذهب الإمام أحمد ﵀، والعربية، والعروض. يقول الذهبي عنه كما في السير: "كان سلفياً أثرياً". وهذه صفة مهمة للعلماء. سلفياً: يتبع السلف في المعتقد. أثرياً: يعتمد الأثر والحديث والدليل في أقواله الفكرية وغيرها. وقرأ الفقه على أبي بكر الدينوري. وقرأ الأدب على أبي منصور الجواليقي. وصَحِبَ أبا عبد الله محمد بن يحيى الزبيدي الواعظ الزاهد من حداثته، وأخذ عنه التألُّه والعبادة، وانتفع بصحبته حتى إن الزبيدي كان يركب جملاً ويعتم بإزار ويلويها تحت حنكه وعليه جبة وهو مخضوب بالحناء، فيطوف بأسواق بغداد ويعظ الناس، وزمام جمله بيد أبي المظفر ابن هبيرة، فكان ابن هبيرة ﵀ يمسك بجمل هذا الواعظ يمشي به وهو يطوف على الناس يعظهم، وكلما وصل الزبيدي موضعاً، أشار أبو المظفر بمسبحته ونادى برفيع صوته: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير) وهذا الذكر يقال عند دخول السوق. وكان رحمه الله تعالى متشدداً في اتباع السنة وسيرة السلف الصالح، ولما طلب العلم حصل أنه ﵀ أمضه الفقر، وأعيته الحاجة، واحتاج إلى موردٍ للكسب، فتعرض للكتابة فصار كاتباً -حصل على وظيفة كاتب- وتقدم وترقى في الكتابة لدى الخليفة، وصار على مشارف الخزانة، ثم ولي ديوان الزمام، أي: ديوان يُعْنَى بالشئون المالية المدنية والعسكرية، وفيه تُحفظ السجلات، وهو من التراتيب الإدارية في الدولة الإسلامية في ذلك الوقت، فلوحظ عليه الأمانة وجودة العمل وإتقانه، فكان قوياً أميناًَ، فتولى ديوان الزمام للخليفة المقتفي لأمر الله، وفي سنة: (٥٤٤ هـ) عينه وزيراً، واستمر في الوزارة لابنه المستنجد بالله بعد الخليفة المقتفي. وكان -رحمه الله تعالى- ديِّناً، خيِّراً، متعبداً، عاقلاً، وقوراً، متواضعاً، باراً بالعلماء، مكباً -مع أعباء الوزارة- على العلم وتدوينه، كبير الشأن، وكان حسنة الزمان في ذلك الوقت.

стр. 2417

مؤلفات ابن هبيرة شرح الوزير ابن هبيرة الصحيحين، وسماه: الإفصاح عن معاني الصحاح، في عشرة مجلدات كما يقول الذهبي رحمه الله تعالى. ولما وصل إلى حديث: (من يرد الله به خيراً، يفقهه في الدين) شرح الحديث، وتكلم على معاني الفقه، وآل به الكلام إلى أن ذكر مسائل الفقه المتفق عليها والمختلف فيها بين الأئمة الأربعة المشهورين: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، فكان هذا كتاب فقه فيه أقوال العلماء في المسائل المختلفة الفقهية داخلٌ ضمن شرحه لـ صحيح البخاري وصحيح مسلم؛ ولكن الناس أفردوه عن الكتاب الأصلي، وطُبِع باسم الإفصاح عن معاني الصحاح، وهو كتاب مهم، ولكنه في الحقيقة قطعة من الكتاب الأصلي في شرح الصحيحين. هذا الكتاب صنفه في ولايته للوزارة، واعتنى به، وجمع عليه أئمة المذاهب، فكان يعرف آراء المذاهب من أصحابها، وأوفدهم من البلدان لأجل هذا الكتاب، وحضروا عنده، وأنفق على تأليف ذلك الكتاب مائة ألف دينار يدخل فيها نفقات العلماء الذين رحلوا واجتمعوا وتباحثوا في هذا الكتاب. وحدَّث بهذا الكتاب، واجتمع خلق عظيم لسماعه، وبُعِث به إلى العظماء في أطراف المملكة الإسلامية، واستُنْسخت منه نسخٌ كثيرة، وبلغ ذلك الكتاب إلى السلطان نور الدين الشهيد ﵀، واشتغل الفقهاء في ذلك الزمان بكتاب الإفصاح عن معاني الصحاح يدرسونه في المساجد، ويعيده المعيدون، ويحفظ منه الفقهاء. وكذلك صنف في النحو كتاباً اسمه المقتصد، وعرضه على أئمة الأدب في عصره، وشرحه ابن الخشاب في أربعة مجلدات. وكذلك صنف كتاب العبادات الخمس على مذهب الإمام أحمد ﵀، وحدَّث به بحضرة العلماء من أئمة المذهب. وله أرجوزة في المقصور والممدود، وأرجوزة في علم الخط. هذا الرجل من عَظَمَته أنه اشتغل بالعلم وألف وهو وزير.

стр. 2418

ابن هبيرة يتولى الوزارة استدعي ابن هبيرة من قبل الخليفة المقتفي لأمر الله سنة: (٥٤٤ هـ) إلى داره وقلده الوزارة، ومشى أرباب الدولة وأصحاب المناصب كلهم بين يديه وهو راكبٌ إلى الإيوان في الديوان، وكان يوماً مشهوداً، وكان ذلك تقليداً عظيماً لمن يتولى الوزارة. ولكن الرجل لما بلغ ذلك المنصب لم يفسد، ولم ينشغل بأمور الدنيا، ولم يترك طلب العلم، وهذا درسٌ عظيمٌ جداً يؤخذ من حياة هذا الإمام، بل إن أخلاقه قد ازدادت بعد توليه الوزارة، وكان يقول بعد توليه الوزارة: لا تقولوا في ألقابي: سيد الوزراء. لماذا نهاهم عن تسميته بسيد الوزراء؟ قال: لأن الله تعالى سمى هارون وزيراً. وجاء عن النبي ﷺ أن وزيريه من أهل السماء: جبريل، وميكائيل، ومن أهل الأرض: أبو بكر، وعمر. فإذا قيل: سيد الوزراء، قد يُتَوَهَّم دخول هارون، وأبي بكر، وعمر في هؤلاء الوزراء، ولا يمكن أن يكون سيداً لهم، ولا يجوز أن يكون كذلك، فكان يتنبه حتى لهذه المسائل. وكان متواضعاً رحمه الله تعالى، لم يشغله أو يطغه المنصب، بل كان ملتزماً لجانب التواضع، وقال: إن النبي ﷺ قال: (إن الله اختارني، واختار لي أصحاباً، فجعلهم وزراء وأنصاراً) يقول الوزير ابن هبيرة ﵀: "ولا يصلح أن يقال عني: إني سيد هؤلاء السادة".

стр. 2419

أعمال ابن هبيرة عندما تولى الخلافة لما تولى الوزير ابن هبيرة الوزارة عمل إصلاحات كثيرة، منها: ١ - قام بالعدل. ٢ - جاد على الناس. ٣ - أصلح ما فسد من قبل. ٤ - شجع الناس على طلب العلم، ورفع منزلة العلماء وقدرهم عنده، وكان صاحب عبادة بالإضافة إلى ذلك. من الذين ترجموا للوزير ابن هبيرة: ابن الجوزي ﵀. لما ولي الوزير أبو المظفر الوزارة، بالغ في تقريب خيار الناس من الفقهاء والمحدِّثين والصالحين، واجتهد في إكرامهم وإيصال النفع إليهم، وارتفع به أهل السنة غاية الارتفاع. فالرجل عمل خطوة مهمة جداً وهي تقريب خيار الناس من الفقهاء والمحدِّثين والصالحين، فجعلهم عنده في مجلسه يستشيرهم ويأخذ بعلمهم. وكذلك جعلهم في الوظائف المختلفة؛ وظف العلماء، وعندما يوظف العلماء لا شك أنه يحصل خير عظيم جداً، وارتفع أهل السنة في عصره، لأنه كان سلفياً، ومن النادر أن يصل إلى هذا المنصب في ذلك الوقت سلفيٌ عالِمٌ، يتبوأ مكان الوزارة بعد الخليفة مباشرة، هذا شيء نادر للغاية، وهذه من مآثر ابن هبيرة ﵀. قال مرة في وزارته: "والله لقد كنت أسأل الله تعالى الدنيا لأخدم بما يرزقنيه الله منها العلم وأهله". فإذاً كان قصده من طلب الدنيا خدمة العلم وأهل العلم، وليس أن يحصل على منصب شخصي، أو منفعة مادية، لم يكن لأجل مصلحته، وإنما لمصلحة العلم وأهله. ومن هذا! ينبغي أن يتعلم كل من وصل إلى منصب مهما كان؛ مديراً، أو وزيراً، أو وكيلاً، أو غير ذلك، ماذا يفعل إذا وصل إلى منصب الوزارة؟ القيام بالعدل. تقريب الأخيار، ووضعهم في الوظائف والمناصب المختلفة، واستشارتهم. تقريب العلماء، والعمل بكلامهم وأحكامهم التي يقولونها. إصلاح ما فسد من قبل. عدم الانشغال عن العلم. رفع منزلة العلماء. إقامة الدروس وحضورها، وإقامة المناقشات العلمية والمباحثات تكون بين يديه. إكرام أهل العلم، وإجراء الرواتب لهم، وتفريغهم للعلم، بجعل الأعطيات لهم ليتفرغوا لطلب العلم. إقامة السنة ونصر السنة وأهلها، وفي المقابل طمس البدعة، وإبعاد أهل البدعة، وكبتهم. التواضع، لأن المنصب يُطْغِي، ومن حوله ينفخون فيه، ولكن إذا كان ممن وفقه الله، فإنه لا يتأثر بهذا النفخ، بل يكون على جانب العدل.

стр. 2420

قصة ابن هبيرة مع أبي محمد الأشيري هذا الرجل له مناقب عجيبة، منها: لما تولى الوزارة، مع هذه الولاية التي تولاها، التي كان يمكنه أن يخفض ويرفع بإشارة إصبع، يعاقب، أو يكرم، ونحو ذلك في أمور الدنيا، الرجل كان حسَّاساً، طالباً للعدل، متحرياً لبراءة ذمته. وقد حصلت له قصص، منها هذه القصة: ذكر مرة في مجلسه مسألة تفرد بها الإمام أحمد عن الثلاثة: أبي حنيفة، والشافعي، ومالك. فادَّعى أبو محمد الأشيري المالكي أنها رواية عن مالك، قال: هذا القول الذي تقول: إنه تفرد به أحمد، لم يتفرد به أحمد فقط، وهو رواية عن مالك، ولكن لم يوافق الأشيري على ذلك أحد من العلماء الحاضرين من المالكية وغير المالكية، وأحضر الوزير للإثبات كتب مفردات أحمد التي فيها بيان المسائل التي انفرد بها أحمد عن الأئمة الثلاثة، وهذه المسألة كانت منها، كما قال الوزير ابن هبيرة ﵀. ولكن الأشيري المالكي أصر على دعواه أن هذه رواية عن مالك. فصار عند ابن هبيرة ﵀ غضب من هذا الرجل الذي يصر على غير الحق، هذه الكتب، وهذه الإثباتات، وهؤلاء العلماء، وهذا يقول: ليست من مفردات أحمد، فاحتدَّ ابن هبيرة ﵀، وقال له: بهيمةٌ أنت؟ أما تسمع هؤلاء الأئمة يشهدون بانفراد أحمد بها، والكتب المصنفة وأنت تنازع؟! وتفرق المجلس. فلما كان المجلس الثاني، مجلس علم، يحضره الوزير ابن هبيرة ﵀ ومعه العلماء، واجتمع الخلق للسماع، أخذ ابن شافع في القراءة، فقام ابن هبيرة ومنع الدرس من الابتداء، وقال: قد كان الفقيه أبو محمد جرى في مسألة أمس على ما لا يليق به من العدول عن الأدب والانحراف عن نهج النظر حتى قلت تلك الكلمة -أي: هذا الأشيري المالكي انحرف عن نهج النظر، وفعلاً هو مخطئ، وهذه الإثباتات، لكن يقول: أنا قلت له كلمة عظيمة وهأنذا، فليقل لي كما قلت له أمام الحاضرين جميعاً -الآن القصاص- فلست بخيرٍ منكم، ولا أنا إلا كأحدكم، فضج المجلس بالبكاء -تأثر الناس جداً من هذا الموقف- وارتفعت الأصوات بالدعاء والثناء، وأخذ الأشيري يعتذر، ويقول: أنا المذنب والأولى بالاعتذار من مولانا الوزير. وهو يقول - ابن هبيرة -: القصاص القصاص يطلب ويصر على القصاص، اقتص مني وقل لي مثلما قلت لك. فقال يوسف الدمشقي مدرس النظامية: يا مولانا! إذا أبى القصاص، فالفداء، الآن الأشيري يرفض أن يقول لك تلك الكلمة كما قلت له، وهو راضٍ، فنعدل من القصاص إلى الفدية. فقال الوزير: له حكمه. فقال الأشيري: نعمك عليَّ كثيرة، فأي حكم بقي لي؟! فقال: قد جعل الله لك الحكم علينا بما ألجأتنا به إلى الاعتداء عليك، فلا بد من تعويض، ما دمت أنك ترفض القصاص. فقال الأشيري: عليَّ بقية دين منذ كنتُ بـ الشام. فقال الوزير: يعطى مائة دينار لإبراء ذمته وذمتي، فأُحضر له مائة دينار. فقال له الوزير: عفا الله عنك وعني، وغفر لك ولي. وذكر ابن الجوزي أنه قال: يعطى مائة دينار لإبراء ذمته -أي: من الدَّين- ومائة دينار لإبراء ذمتي -من الكلمة التي قلتها له- فأعطاه مائتي دينار. والأشيري من علماء المالكية، كان قد طلبه الوزير ابن هبيرة، فأينما وجد عالم مجيد عالم جيد يطلبه، ولو كان في آخر الدنيا. وكان الأشيري عند نور الدين الشهيد محمود بن زنكي ﵀، فسمع به الوزير ابن هبيرة، واستقدمه وطلبه من نور الدين، فأعطاه وأرسله إليه وأكرمه، وصار عنده في المجلس وفي المباحثات التي تكون.
следующие страницы →