← Джавами‘

Джавами‘ · id 7704

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (7 040 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

دقة عبد الرحمن بن مهدي وإتقانه وكان رحمه الله تعالى متقناً لما يسمع:- قال محمد بن أبي بكر المقدمي: "ما رأيت أحداً أتقن لما سمع، ولما لم يسمع، ولحديث الناس من عبد الرحمن بن مهدي ". وقد بلغ في الإتقان مبلغاً عظيماً جعل يحيى بن سعيد يقول كلمة فيها تواضع، وفيها أيضاً تزكية بالغة لـ عبد الرحمن بن مهدي، يقول يحيى بن سعيد ﵀: ما سمع عبد الرحمن من سفيان عن الأعمش أحب إليَّ مما سمعتُ أنا عن الأعمش، أي: عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن الأعمش، أحب إليَّ وأوثق عندي مما سمعتُ أنا عن الأعمش، لشدة ضبط عبد الرحمن، ولشدة ضبط سفيان. وقال علي بن المديني ﵀ عن عبد الرحمن بن مهدي: كان يعرف حديثه وحديث غيره، وكان يُذكر له الحديث عن الرجل، فيقول: خطأ، ليس هكذا الحديث، ثم يقول: ينبغي أن يكون هذا الشيخ من حديث كذا من وجه كذا، قال: فنجده كما قال، أي: إنه لا يقول فقط: إنه خطأ، لكن يقول: أظن أن الصواب كذا، كما تقدم في قصة عبد الرحمن بن مهدي مع وكيع ويحيى بن سعيد. حيث جعلا حديث سفيان عن أبيه، وعبد الرحمن روى الحديث عن سفيان عن منصور، مع أن يحيى بن سعيد ووكيع كلاهما قد رواه عن سفيان عن أبيه، لكن عبد الرحمن بن مهدي رواه عن سفيان عن منصور، ورجعا إلى قوله. ومن دقته: أنه كان لا يحدث بالمعنى، بل يحدث باللفظة، وهذه المسألة عند المحدثين: هل تجوز الرواية بالمعنى أم لا؟ والذين أجازوها اشترطوا فيها شروطاً؛ منها: ١ - أن يكون عالماً باللفظ. ٢ - أن يكون عالماً بما يوحي به المعنى. إلى آخره. وبعضهم قال: لا تجوز الرواية بالمعنى، إنما يرويه كما سمع، إما أن يحفظه فيرويه، أو لا يروي شيئاً. فكان عبد الرحمن بن مهدي ﵀ ممن لا يحدث إلا باللفظ، ولا يجيز التحديث بالمعنى.

стр. 2487

معرفة ابن مهدي بعلل الحديث كان ﵀ بصيراً في علم العلل؛ حتى قال عنه علي بن المديني: علم عبد الرحمن بن مهدي في الحديث كالسحر. وهو يقول عن نفسه: لئن أعرف علة حديث أحبُّ إليََّ من أن أستفيد عشرة أحاديث. وكذلك قال علي بن المديني: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: خالفني ابن المبارك في حياة سفيان في حديث عن إبراهيم في عدة أم الولد، قال: ليس هو حديث ابن أبي ثابت، ابن المبارك ﵀ رأى هذا، وقد كان من كبار الحفَّاظ، قال عبد الرحمن: فسألت سفيان عنه، فقال: هو حديث ابن أبي ثابت، فـ سفيان الثوري أكَّد ما حفظه عبد الرحمن.

стр. 2488

روايه ابن مهدي عن الثقات كان عبد الرحمن بن مهدي ﵀ لا يروي إلا عن الثقات، وهو المشهور بالتفتيش عن الضعفاء. وقال عمرو بن علي: سألت عبد الرحمن بن مهدي عن حديث لـ عبد الكريم المعلم؟ فقال: هو عن عبد الكريم. فلما قام سألته فيما بيني وبينه. قال: فأين التقوى؟ يعني: أنه سأل عبد الرحمن بن مهدي عن حديث لـ عبد الكريم المعلم يريد نص الحديث، وعبد الرحمن بن مهدي لم يعطه نص الحديث، قال له: هو عن عبد الكريم، أي: يكفيك أن الحديث الذي تسأل عنه يرويه عبد الكريم هذا، وعبد الرحمن بن مهدي لا يرى أن عبد الكريم المعلم ثقة، وبالتالي لا يروي حديثه. فالطالب جاء في المجلس وسأله عن حديث عبد الكريم المعلم، قال: هو عن عبد الكريم، ولما قام الطالب من الدرس، اختلى بالشيخ، وقال له: حدثني حديث هذا الرجل. قال: فأين التقوى؟ يقول: إذا كانت التقوى قد حجزتني عن الرواية عمن ليس بثقة عندي في العلانية، فلا بد أن تحجزني في السر، كيف أنا ما أجبت عنه علانية، ولا أعطيتك حديثه، ثم في السر أعطي حديثه! لا أعطي حديثه؛ لأن عبد الكريم هذا كان عند عبد الرحمن بن مهدي غير قوي، ولذلك يقول الإمام أحمد ﵀: إذا حدَّث عبد الرحمن عن رجل، فهو حجة، يعني: شيوخ عبد الرحمن بن مهدي ثقات، لأنه لا يحدث إلا عن ثقة، وقد سمع من الثقة ومن غير الثقة، ولذلك يطرحون أحاديث كثيرة جداً مع أنهم سمعوها، ويحدثون بأحاديث معينة فقط، ومثل: عبد الرحمن بن مهدي ﵀ لا يحدِّث إلا عن ثقة، وهذه فائدة في المصطلح. وقال علي بن المديني: أعلم الناس بقول فقهاء أهل المدينة السبعة: ١ - الزهري. ٢ - ثم بعده مالك. ٣ - ثم بعده ابن مهدي.

стр. 2489

أقوال مأثورة عن عبد الرحمن بن مهدي كان لـ عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله تعالى أقوال قد أُثِرت عنه فيها حكم: فمن أقواله التي أثرت عنه والتي تصلح أن تكون قواعد في العلم والأدب: ١ - قال: معرفة الحديث إلهام. ٢ - وقال أيضاً: فتنة الحديث أشد من فتنة المال والولد، كم من رجل يُظَنُّ به الخير قد حَمَلَه الحديث على الكذب شهوة أن يجتمع عليه الناس، وأن يأخذوا عنه، وأن يقال: فلان عن فلان، وأن يدخل في الأسانيد، فإذا لم يكن صاحب حديث، ويريد أن يدخل نفسه في هذه الصنعة بسبب شهوة الحديث ربما يكذب. ٣ - ومن أقواله كذلك: يحرم على الرجل أن يفتي إلا في شيء سمعه من ثقة. وهذا فيه تعليم لبعض الناس الذين يتفاءلون بالفتيا، فيقول لك: هذا كذا، فتقول: مَن الذي حدثك به؟ فيقول: لا أدري، سمعته مرة في مجلس لا أدري من الذي قال، ومرة سمعت كذا في ذهني؛ لكن يقول: مُحَرَّمٌ على الرجل أن يفتي إلا في شيء سمعه من ثقة. ٤ - وقال عن الولع بالحديث: إن الحديث إذا تمكن من الإنسان، صار مسيطراً عليه، يقول: الغرام في طلب الحديث مثل: لعب الحمام، ونطاح الكباش؛ لأن أهل الحمام يولعون باللعب بها جداً، وتصبح هذه قضيتهم وشغلهم الشاغل، وكذلك الذين يهوون مصارعة ومناطحة الكباش ويجتمعون لها، تكون لهم لذة يعني: الغرام بالحديث، بل هو أشد. ٥ - وقال رسته: سألت ابن مهدي عن الرجل يتمنى الموت مخافة الفتنة على دينه. قال: ما أرى بذلك بأساً، لكن لا يتمناه من ضُرٍّ به أو فاقة، تمنى الموتَ أبو بكر وعمر ومن دونهم، فإذا كان يتمنى الموت حتى لا يفتن في دينه، فلا بأس، أما أن يتمنى الموت في ضر نزل به، فلا، لأجل الحديث. ٦ - ومن تواضع عبد الرحمن بن مهدي ﵀ كما يروي رسته: قام ابن مهدي من المجلس، وتبعه الناس يمشون خلفه فالتفت إليهم يقول لهم: يا قوم، لا تَطَأُنَّ عقِبي، أي: لا تمشوا ورائي، ولا تَمُشُنَّ خلفي، حدثنا أبو الأشهل، عن الحسن، قال عمران: [خفق النعال خلف الأحمق قلَّما يُبقي من دينه] قال: لا تمشوا ورائي، لأن المشي ورائي فتنة لي، وإن خفق النعال خلق الأحمق قلَّما يبقي من دينه، مع أن الرجل من أعقل العقلاء. ٧ - ومن أقواله العظيمة التي تنبئ عن التواضع وحب العلم وحب طلبة العلم، يقول: "إذا لقي الرجلُ الرجلَ فوقه في العلم؛ فهو يوم غنيمة" إذا التقيت مع أحد أعلم منك في مجلس فهذا يوم غنيمة لما ستستفيد منه. و"إذا لقي الرجل من هو مثله: دارسه، أي: مدارسة ومذاكرة، كما فعل هو مع وكيع في الحرم من العشاء إلى الفجر، دارسه وتعلم منه. وإذا لقي من هو دونه: تواضع له وعلَّمه". ولا يكون إماماً في العلم من حدَّث بكل ما سمع، وإنما يجب أن ينتقي، ولا يكون إماماً من حدَّث عن كل أحد، ولا مَن يحدث بالشاذ. ٨ - ومن أقواله المأثورة: إنما مثل صاحب الحديث بمنزلة السمسار، إذا غاب عن السوق خمسة أيام تغير بصره. يقول: السمسار الذي يتابع الأسعار والأشياء، إذا غاب عن السوق خمسة أيام تغيرت عليه الأسعار والبضائع والأشياء، وإذا دخل يأتي كأنه لا يعرف ولا يدري ماذا يفعل، وخبرته تغيرت. قال: صاحب الحديث بمنزلة السمسار، إذا غاب عن السوق خمسة أيام تغير بصره، فكأنه يقول: لا إجازة ولا عطلة من طلب العلم، لا بد كل يوم أن يطلب العلم، إذا غاب صاحب الحديث عن الحديث خمسة أيام، تغير، فكما أن السمسار يحتاج إلى متابعة الأسعار باستمرار؛ كذلك صاحب الحديث يحتاج إلى متابعة الحديث باستمرار. ٩ - وقال ابن مهدي: لا ينبغي لمصنفٍ أن يصنف شيئاً من أبواب العلم إلا ويلتجئ بحديث: (إنما الأعمال بالنيات). ١٠ - وقال: يحرم على الرجل أن يروي حديثاً في أمر الدين حتى يتقنه ويحفظه كالآية من القرآن، أو كاسم الرجل، أو كما يحفظ اسمه، يحفظ الحديث ويرويه، وإلا لا يرويه. ١١ - وقال: "الرجل إلى العلم أحوج منه إلى الأكل والشرب". ١٢ - وقال: لا نعرف كتاباً في الإسلام بعد كتاب الله أصح من موطأ مالك، ولم يقل: صحيح البخاري مع أن البخاري أنفع من موطأ مالك وأصح؛ لأن البخاري ما جاء إلا بعد ابن مهدي، فـ البخاري تلميذ علي بن المديني، وعلي بن المديني تلميذ عبد الرحمن بن مهدي، فـ عبد الرحمن بن مهدي لم يرَ البخاري. ١٣ - وقال أيضاً: لا يجوز أن يكون الرجل إماماً حتى يعلم ما يصح مما لم يصح، وحتى يعلم بمخارج العلم، وحتى لا يحتج بكل شيء، بل يحتج بأشياء معينة. فإذاً الذي ليس عنده تمييز الصحيح من السقيم، هذا لا يصلح أن يكون عالماً. ١٤ - وقال: أئمة الناس في زمانهم: ١ - سفيان بـ الكوفة. ٢ - حماد بن زيد بـ البصرة. ٣ - مالك بـ الحجاز. ٤ - الأوزاعي بـ الشام. ١٥ - وقال: ما خصلة تكون في المؤمن بعد الكفر بالله أشد من الكذب وهو أشد النفاق. ١٦ - وقال: لولا أني أكره أن يُعصى الله تعالى؛ لتمنيت ألَّا يبقى أحد في المصر إلا اغتابني، أي شيء أحسن من أنك تأتي يوم القيامة تجد حسنات في صحيفتك مأخوذة من الذي اغتابك وأنت لم تتعب عليها، ولا عملتها؟! ومما قالو عن حفظه أيضاً: ما قاله محمد بن يحيى الذهلي: ما رأيت في يد عبد الرحمن بن مهدي كتاباً قط، كله من حفظه.

стр. 2490

تربية ابن مهدي لأهله وأولاده أما متابعته لأهله وأولاده في صلاة الجماعة، وهذه قضية مهمة، لأن بعض الناس ربما يهملون أهاليهم وأولادهم بحجة طلب العلم، أو بحجة الشغل، أو بحجة بعض الطاعات. قال رسته: سألت ابن مهدي عن الرجل يبني بأهله؛ فيترك الجماعة أياماً، هل العرس عذر في ترك صلاة الجماعة؟ مثلاً: بعض الناس إذا كان عرسه الليلة؛ لا تراه يصلي الفجر في المسجد، هذه مفروغ منها، فشاع عند بعض الناس أن الذي أعْرَس -الذي يبني بامرأة- يُعذر عن صلاة الجماعة، أسبوع، أو ثلاثة أيام. قال رسته: سألت ابن مهدي عن رجل يبني بأهله يترك الجماعة أياماً. قال: لا. ولا صلاةً واحدةً. وهاك قصة تبين حرص الرجل على أولاده ومتابعته لهم: قال رسته: وحضرتُ ابن مهدي صبيحة بَنَى على ابنيه -يعني: زوج ابنيه- فخرج فأذن الفجر، ثم مشى إلى بابهما -باب بيت كل واحد- والجواري والخدم موجودون، قال للجارية: قولي لهما يخرجان إلى الصلاة. فخرجن النساء والجواري من البيت، فقلن: سبحان الله! أيُّ شيء هذا؟! كأنهن يقلن: ما هذا التشديد؟! فقال: لا أبرح حتى يخرجا إلى الصلاة، أنا جالس. فخرجا بعدما صلى، تأخرا في الخروج، فبعث بهما إلى مسجد خارج من الدير، أي: بعيداً عن البيت. قال: اذهبا إلى ذلك المسجد. وقال رسته: وكان عبد الرحمن يحج كل عام، فمات أبوه وأوصى إليه، فأقام على أيتامه، فسمعتُه يقول: ابتليت بهؤلاء الأيتام، فاستقرضت من يحيى بن سعيد أربعمائة دينار احتجت إليها في مصلحة أرضهم. فكان الرجل حريص على أولاده، وحريص على الأيتام الذين هم عنده، ما كان مضيعاً كما يفعل بعض الناس إذا طلب شيئاً من العلم، ضيع الأهل والأولاد، وضيع مَن عنده، علماً بأنهم كانوا -ولا شك- ليسوا مع أولادهم كل الوقت؛ لأنهم احتاجوا إلى أشياء من الوقت كثيرة. قال ابن مهدي: لزمت مالكاً حتى ملَّني، فقلت يوماً: قد غبتُ عن أهلي هذه الغيبة الطويلة، ولا أعلم ما حدث لهم بعدي. قال: يا بني! وأنا بالقرب من أهلي ولا أدري ما حدث بهم منذ خرجت. فمع تضحيتهم بالأسفار والتغيب، لكنهم ما كانوا مهملين في المتابعة، فإذا حضر عند أهله تابعهم، وأمرهم بالصلاة، ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه:١٣٢]. وكانوا عند حماد بن زيد، فسئل عن مسألة، فقال: أين ابن مهدي؟ مَن لهذا إلا ابن مهدي؟ قال: فأقبل عبد الرحمن، فسأله عن ذلك، فأجاب، فلما قام من عنده، قال: هذا سيد البصرة منذ ثلاثين سنة. هذا من ثناء حماد ﵀ وهو شيخه عليه.

стр. 2491

محاربة ابن مهدي للغلو ومن محاربته للغلو أنه كان هناك قوم من الخوارج يقال لهم: الشمرية، أتباع أحد رءوس الخوارج يكنَّى: بـ أبي شمر، فسئل عبد الرحمن بن مهدي عن الشمرية، فقال: ما أخبث قولهم، يزعمون لو أن رجلاً اشترى ثوباً وفيه درهم من حرام؛ لا تقبل له صلاة، ولو أن رجلاً تزوج امرأةً في مهرها درهمٌ من حرام؛ لا تحل له، وكان وطؤها حراماً. ويقولون: لو أن رجلاً ذبح شاةً بسكين لرجل لم يأمر به، أو كان ثمنه من حرام؛ كانت ميتة، وما رأيت قولاً أخبث من قولهم، فنسأل الله تعالى السلامة والعافية. وكان عبد الرحمن بن مهدي ضد أهل الرأي، لأنه من أهل الأثر، وأهل الرأي كانوا لا يعتمدون على الآثار، والآثار مهمة جداً؛ فهي أقوال الصحابة، والتابعين؛ وهم أفقه الأمة، فكانوا يُعْمِلون القياس، أهل الأثر كـ عبد الرحمن بن مهدي ﵀ يرون كيف يُعْمَل القياس الآن وعندنا نصوص، لكن أولئك قوم أعجبوا بعقلياتهم، فانتهوا بذلك عن الأثر، وجلسوا يفرعون المسائل ويقيسون، وأهملوا الأخذ بالآثار، ولا شك أن الناس تفاوتوا في هذا، فمنهم من كان يأخذ بقليل من الرأي مع كثير من الأثر، ومنهم من كان يأخذ بكثير من الرأي مع قليل من الأثر، ومن الذين كان اهتمامهم بالرأي أكثر من اهتمامهم بالأثر: أبو حنيفة ﵀، وليس هذا نقيصة في الرجل؛ لكن هذا هو الواقع، لأن أبا حنيفة ﵀ لم يكن جَمَّاعاً للأحاديث مشتغلاً بالرحلة والجمع، لكنه كان صاحب ذهن وقاد، وكان أحمد ﵀ صاحب حديث، والأصوب هو الاعتماد على أقوال الصحابة. ولذلك كان عبد الرحمن بن مهدي ﵀ لا يعجبه اتجاه أبي حنيفة مطلقاً في قضية اتباع الرأي؛ لأن الآثار موجودة، وكان يخشى أن تفتح باباً لا يُسَد في تقديم الرأي على الأثر في النهاية، أو إهمال الآثار، والأخذ بهذه الأَقْيِسَة والأشياء العقلية، ولذلك قال عبد الرحمن بن عمر: شهدت عبد الرحمن بن مهدي وقد أراد أن يشتري وصيفةً له من رجل من أهل بغداد، فلما قام عنه، أُخْبِر أنه وضع كتباً من الرأي وابتدع ذلك، فجعل يقول: نعوذ بالله من شره، وكان من قبل إذا أتاه قربه وأدناه، ولكنه لما سمع عنه أنه يكتب في الرأي، ويبتعد عن الأثر، فلما جاءه، رأيته دخل وعبد الرحمن مريض، فسلم، فلم يرد عليه فقعد، فقال له عبد الرحمن: يا هذا، ما شيء بلغني عنك؟ إنك ابتدعت كتباً، أو وضعت كتباً من الرأي، فأراد الرجل الآخر أن يتقرب إليه بسوء رأيه في أبي حنيفة. فقال: يا أبا سعيد! إنَّما وضعت كتباً رداً على أبي حنيفة، أي: الرجل الذي لا يعجبك منهجه أنت، أنا وضعت كتباً في الرد عليه. فقال له: ترد على أبي حنيفة بآثار رسول الله ﷺ وآثار الصالحين؟! فقال: لا، أرد الرأي بالرأي. فقال: إنما ترد على أبي حنيفة بآثار رسول الله ﷺ وآثار الصالحين، فأما ما قلتَ فرد الباطل بالباطل، اخرج من داري. فالرجل أراد أن يدافع عن نفسه، فقال له: مُحَرَّمٌ عليك أن تتكلم أو تتمكن في داري. فقام وخرج. تنبيه: قال الكوثري، مجنون أبي حنيفة عن عبد الرحمن بن مهدي: كان زلق اللسان، ليس عنده اتزان، لا يعرف أبا حنيفة، سيء الصلاة، فبعد ذلك كونهم يقرءون بعض الكتب، ينتبهون من التعليقات؛ لأن بعض التعليقات ربما تكون سُمَّاً، كما علق الكوثري على هذا، واتهم عبد الرحمن بن مهدي بأنه يسيء الصلاة. وقيل لـ عبد الرحمن بن مهدي: إن فلاناً قد صنف كتاباً في السنة رداً على فلان. فقال عبد الرحمن: رداً بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؟ قيل: لا، بكلام. قال: رد باطلاً بباطل، ما فعل شيئاً.

стр. 2492

وفاة عبد الرحمن بن مهدي توفي عبد الرحمن بن مهدي ﵀ بعد حياة حافلة بالعلم والعبادة في جمادى الآخرة، سنة (١٩٨هـ)، وكان له من العمر (٦٣) سنة. ﵀ رحمة واسعة، وأثابه خيراً جزيلاً وأجراً عظيماً على ما نافح عن دينه، وأبان من الحق، ونقل من السنة. فالله يرفع درجته، ويغفر ذنبه، ويلحقه بالرفيق الأعلى. ونسأله أن ينفعنا بعلم ذلك الرجل وما روى. والله أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 2493

الانهيار الأُسري [١] من المعلوم أن المجتمع يقوم على الأسرة؛ لذا اهتم الإسلام بالأسرة من جميع الجوانب؛ لكي ينشئ مجتمعاً سليماً، وحذر أيضاً من انهيار هذه الأسرة التي بها ينهار المجتمع، فالأسرة أمانة في عنق كل من استرعاه الله رعية، ولو لم نعد عودة صادقة إلى الاعتناء بالأسر والبيوت؛ فإنه يخشى أن نصل إلى ما وصل إليه الغرب الكافر في مجتمعه من تفكك وتناحر بين أفراد أسرته فضلاً عن مجتمعه.

стр. 2494

اهتمام الإسلام بالبناء الأسري إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له وليً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. أيها المسلمون: لقد امتن الله على عباده بنعمٍ كثيرةٍ لا تحصى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [النحل:١٨] والله يعلم أن حياة المجتمع لا تقوم إلا بالأسر التي تتكون على طاعة الله وتنشأ كما أمر الله، فامتنَّ الله علينا بمقومات الأسرة، وأنشأها لنا وجعلها قائمة، وأمرنا بسياستها حسب الشريعة، وقال الله سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم:٢١]. انظر كيف يجعل الله الأسرة قائمة، وكيف يُكون الله الأسرة بأن جعل للرجال من أنفسهم أزواجاً، كما خلق حواء من ضلع آدم: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١] هذا هو السكن النفسي، ولكن الأسرة تحتاج إلى سكنٍ ماديٍ كذلك، فقال الله : ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً﴾ [النحل:٨٠] هذه نعمة الزوجة: السكن النفسي. ثم أعطانا البيوت: السكن الجسدي والمادي، فأنشئت الأسر وقامت. ثم أمرنا الله أن نسوس الأسر بالشريعة، وجعل لنا في شرائعه وأحكامه ما يسعد الأسرة، ويسبب تماسكها وقيامها على المبنى الشرعي الذي أراده الله؛ ليكون المجتمع في النهاية مجتمعاً صالحاً مجاهداً في سبيل الله، فيعم الإسلام في الأرض، ولما ضيعنا الأسر، فسدت المجتمعات فتخلف المسلمون، ولما فقدنا مقومات الأسرة المسلمة؛ عمَّ الشقاء والنكد؛ وأصبحت الحياة جحيماً لا يطاق.

стр. 2495

مثال لأسرة تحيا حياة إسلامية الأسرة محضن تربية، ومشاعر حبٍ وحنانٍ، وهي رحمة وتكافل، ولكننا أيها الإخوة: إذا نظرنا اليوم إلى حال الأسر، لوجدنا كثيراً من الأسر تعيش في تعاسةٍ وشقاء؛ للابتعاد عن الشريعة وتضييع الأحكام، وسنضرب الأمثلة على ذلك مع ذكر بعض الأسباب التي تؤدي وأدت إلى تفكك الأسر وتمزقها، ولكننا لابد أن نضرب مثالاً في البداية من حال الأسر الإسلامية السعيدة، التي قامت على المنهج الإلهي، قال الله سبحانه: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء:٨٩] التجأ إلى الله بالدعاء، كما قال الله في مطلع سورة مريم: ﴿كهيعص * ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ [مريم:١ - ٢] هذا ذكر الله لرحمة عبده زكريا، وهذه هي القصة: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً﴾ [مريم:٣] للإخلاص الذي عنده ناداه نداءً خفياً، فقال: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً﴾ [مريم:٤]. رق عظمي، والعظم هو المكون الأساسي للجسد، فإذا وهن العظم وضعف، فمعنى ذلك أن الجسد كله يضعف ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً﴾ [مريم:٤] أي: انتشر الشيب في شعر الرأس: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً﴾ [مريم:٤] لقد عوضتني يا رب عن الإجابة، فما كنتُ شقياً في دعوتك، أسألك بهذا: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائي﴾ [مريم:٥] أي: ومن سأتركهم من روائي بعد موتي لا يصلحون لإقامة الدين ولا للدعوة ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً﴾ [مريم:٥] أي: لا تلد، فإذاً يطلب: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم:٥ - ٦] ليس وراثة المال، لكن وراثة النبوة ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً﴾ [مريم:٦] أي: ترضى عنه، فبشره الله ثم بشرتهم الملائكة بولدٍ سماه الله -ولم يسمه لا أبوه ولا أمه- باسمٍ لم يسم به أحدٍ من الناس قبل، سماه: يحيى ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٨٩ - ٩٠]. هذه الأسرة المسلمة، التقية النقية، الطائعة لله، هذا الأب النبي، وهذا الولد النبي، وهذه الزوجة الصالحة -أصلحنا له زوجه- كيف كانوا يفعلون؟ ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء:٩٠] الأسرة كلها تتجه إلى العبادة، وإلى المسارعة في مرضات الله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً﴾ [الأنبياء:٩٠] في حال الشدة والرخاء يتوجهون إلينا بالعبادة: ﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠] فلم يكونوا منصرفين عن العبادة إلى هذه الدنيا فقط، وإنما كانوا يعبدون الله ، هكذا كانت الأسر، وتخيل أسرة فيها داود الأب وسليمان الابن ﵉، كيف يكون حالها؟

стр. 2496

أسباب الانهيار الأسري أخي المسلم: تعال معي لننظر في حال هذه الأسر التعيسة والشقية المبثوثة في مجتمعات المسلمين اليوم، هناك خطرٌ داهم يتهدد مجتمعنا ألا وهو: التمزق الأسري، فتفكك الأسرة صار علامةً بارزة من علامات المجتمع، وسمة من سماته، وهذه نتيجة طبيعية للابتعاد عن الشريعة وترك الدين. كثيرٌ من الأسر متفككة من الداخل، وإن بدا لك من الخارج أن بيتاً يضمهم، لكن كل واحدٍ منهم يعيش في عالمه الخاص، كل واحدٍ منهم له همومه الخاصة، ومشاغله ومشكلاته التي لا يشارك فيها أحداً، لا يشعر بالتزام نحو الآخرين، ولا أنه ملزمٌ بشيء تجاه أحد، هذا لا يكلم هذا وهما في بيتٍ واحد، والأب ينام في غرفة والأم تنام في غرفة، هذا مثال بسيط، لكن الأمثلة على تحطم الأسر وانهيارها في المجتمع كثيرة، ولهذا أسباب:

стр. 2497

السبب الأول: تضييع من يعول من أسباب تفكك الأسر: ما قاله ﷺ : (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت). كثيرٌ من الأولياء مضيعون لأولادهم، مضيعون لبيوتهم، لا يقومون بالحق الذي عليهم؛ تراه إذا تزوج بأخرى، وكان عنده أولاد من الأولى، أدخلت الثانية في ذهنه أن أولاده يريدون التفريق بينه وبينها -سوء ظن- وأنهم سيضعون له سحراً، ثم اتهمهم هو بأنهم يريدون أن يضعوا له السم، ثم طلق الأولى، وطرد الأولاد الذكور. ثم قالت له الثانية: إما أنا أو ابنتك في هذا البيت، أخرج البنت؟ فإذا به أخرجها ورماها في بيت أختها المتزوجة، فإذا بالأخت الأخرى تجد حرجاً عظيماً، كيف تعيش في بيتٍ وهي غريبة وزوج أختها موجود؟! لكن لا مأوى لها في الواقع، وهكذا يعيش سائر أولاد هذا الأب الذي طردهم من البيت ولم يلتفت إليهم، منهم من يعيش عند جدته، ومنهم من يعيش عند أخواله، وهذه ابنته تعيش عند أختها المتزوجة، والأم تسأل البنت: أين إخوتك الذكور؟ فتقول: لا أدري طردهم أبي منذُ زمنٍ بعيد، ولا أدري أين همُ الآن، لسان حال الأم: أسأل مَنْ وأنا امرأةٌ ضعيفة؟! وهذا أخذه أهل السوء وقرناء أهل السوء فأشغلوه بالملذات، وينفق راتبه على السفريات والمحرمات. ورجل رمى المرأة وأولادها ولا يأتي إلى البيت إلا نادراً، والأولاد فيهم معوقون وضعفة، والمدارس ستفتح، والبنات يحتجن إلى مصاريف وهو متغيب، والإيجار طاف عليه تسعة أشهر وصاحب البيت يشتكي، والمرأة ضعيفة لوحدها في البيت، وهو يطرق الباب يريد الإيجار، وأهل الخير يعطون الزوجة المساعدات، والزوج المجرم يأتي كل شهر مرة يفتح فيها حقيبة زوجته ويأخذ ما بها من التبرعات ثم يذهب ولا يدخل البيت إلا دقائق في الشهر ولا يسأل عن أولاده: (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول).

стр. 2498

السبب الثاني: كثرة الطلاق من أسباب انهيار الأسر: التسرع في الطلاق، وكثرة الطلاق. ولو قلنا: إن الطلاق اليوم من الأمور المنتشرة لما كنا كاذبين، واسأل المحاكم وسجلاتها عن حالات الطلاق التي تحدث لأتفه الأسباب. إن هذه الماديات هي التي فرقت بين الزوجين، وهذه المشكلات التافهة، والشجار البغيض سببه أن الأب لم يتربَّ على الإسلام، ولا الأم نشأت على الإسلام كما ينبغي، ولذلك نجد الشجار، والطلاق لأتفه الأسباب، والنتيجة: انهيار الأسر وتشرد الأولاد، فهم إما مع الأب أو مع الأم، فلا يرون أباهم أو لا يرون أمهم، أو هم متوزعون بينهما، وهذا يؤجج البعض على البعض الآخر وهكذا!! طلق أمها وعمرها شهرين، والآن البنت عمرها ثمانية وعشرين سنة لم ترهُ إلا مرةً واحدة في زيارةٍ عابرة، لا سأل عنها ولا أنفق عليها، ثم يتقدم الخطاب وهو يتعنت في رفضهم!! وآخر طلق زوجته ومعها ولد، مكث أربع سنوات لا يسأل عن الولد ولا يراه، وأصيبت الأم بمرض وماتت ولم يأت حتى للعزاء، ولا جاء حتى يسأل عن الولد إلى هذه الساعة، وماذا نملك له إذا نزع الله الرحمة من قلبه. قبل أن تطلق فكر بالأولاد، ماذا ستفعل معهم غداً؟ هل ستزورهم لتطمئن عليهم، أم ستنشغل بترتيب وضعك الجديد، وبعد ذلك لن تر الأولاد وسيضيعون، وإذا جئت تسأل عنهم يطالبك طفلك الصغير أن تدخل على أمه ويقول: لماذا تقاطع أمي؟!

стр. 2499

السبب الثالث: فشو المخدرات في المجتمع من أسباب التمزق الأسري وتحطم الأسر: فشو المخدرات في المجتمع، هذا الداء الوبيل والمرض الخطير الذي يلتهم شبابنا كل يوم، ويحطم الأجساد، هذه المخدرات التي روجها الأعداء، وعندنا شبابٌ لم يتربوا على الإسلام، ولا نشأوا على الإسلام، فماذا تتوقع أن يفعلوا إذا أعطوا هذه الحبوب وهذه المخدرات؟ ثم البطالة الموجودة عندهم التي تدفعهم إلى الاتجار بالمخدرات للحصول على الأموال، ثم هذه النشوة واللذة الموهومة التي يحسون بها، ويريدون أن يغيبوا عن الواقع، من كثرة المشاكل الأسرية والظلم الموجودان في الواقع. ثم أن الآباء لا ينتبهون من يمشي مع أولادهم من قرناء السوء الذين يغشون البيت يومياً -وهم مصدر المخدرات- لكن الذي لا يخاف الله على أولاده هل سينتبه لمثل هذا؟! فتفتك المخدرات بهؤلاء الشباب، ثم تصل إلى الصغار، وقد وصلت إلى الكبار قبل ذلك، ومنهم أناسٌ متزوجون وعندهم أولاد ويتعاطون المخدرات، وينفقون الرواتب على المخدرات، وتبقى الأسرة بلا نفقة؛ لأن الأموال قد أنفقت على المخدرات! ومن ثَمَّ يفقد وظيفته وكل شيء. ويا إخواني! لا يوجد حلٌ لمشكلة المخدرات أبداً إلا الدين، فهؤلاء الكفرة حاولوا قبلنا كثيراً جداً، سنوا الأنظمة، ووضعوا القوانين، وخوفوا وهددوا، وطاردوا وفعلوا، وعندهم أجهزةٌ أمنية رهيبة، وأشياء متخصصة لمكافحة المخدرات، لكن لا فائدة، فلا يحل قضية المخدرات إلا العودة إلى الدين، وجربوا ما شئتم! هذا بيتٌ فيه بناتٌ مستضعفات، وأولادٌ سكارى يتعاطون المخدرات، والبنات يغلقن على أنفسهن بالليل الغرف ولا يخرجن إلا بعد النظر من ثقب الباب، أو من أسفل الباب؛ ذلك لأنهن يخشين خشيةً حقيقية مدعومة بالشواهد والسوابق من هذا العربيد الذي لا شعور له، وهذا الذي يتحول وحشاً كاسراً بعد تعاطيه لهذه المخدرات! رجل عنده بنتان وولد، عمره ثلاثون عاماً، يستعمل المخدرات من خمس سنين، ضاعت الوظيفة، وضاعت النفقة، وتهدمت الأسرة، وصبرت الأم واحتسبت حتى مات الزوج، ثم قامت توفي ديونه مما تجمعه من أقربائها، حتى جمعت مبلغاً من المال وحجت عنه، هل يستحق هذا الزوج كل هذا الوفاء؟!

стр. 2500

السبب الرابع: فقدان العاطفة في المنزل من أسباب انهيار الأسر: فقدان العاطفة، فلا يوجد حنان ولا مشاعر صادقة في البيت، لا عطف من الأب ولا حياء من الأم، الأب يأتي من الوظيفة يأكل ويشرب وينام، وعنده (شلة) السهرة، والأم موضات ومواعيد وأزياء وسهرات، ولا وقت لديها لإلقاء النظرة على أطفالها؛ لأنها وكلتهم إلى الخادمة، أما اللاتي يشتغلن ويعملن فالعمل يرهقها، والمرأة ضعيفة، ومشاكل العمل تؤثر في تلك النفسية العاطفية المرهفة الحساسة، فهي منشغلة في مشكلات العمل ولا تجد وقتاً حتى لإلقاء نظرة على الطفل قبل أن تغادر البيت، بل صرحت بعض الأمهات أنهن قد مللن من الأولاد، ومللن من الأبناء، ولا قدرة لها على أن تنظر في حالهم، والأب يقول: الأولاد لا ينقصهم شيء: أكلهم أحسن أكل، وشرابهم أحسن الشراب، ونشتري لهم أحسن الملابس، وأفخر أدوات المدرسة، وأحدث ألعاب الكمبيوتر. لكن يا أيها المسكين! يا أيها الأب المغفل! ينقصهم شيء واحد: حنان عاطفة صلة أبوية تربية، هذا الذي ينقصهم، أنت تنفق على الجسد، أنت تغذيه بالطعام وتكسوه بالثياب وتعطيهم الألعاب، لكنك ما أعطيتهم شيئاً مهماً يحتاجون إليه، ما أعطيتهم عطفاً ولا حناناً، ولا جلست معهم ولا قعدت بينهم، ليس المهم أن تشتري الألعاب وترميها إليهم، لكن لاعبهم أنت، ليشعروا أن هناك أباً موجوداً في البيت، تابعهم أنتَ ليلمسوا شخصيتك بينهم، قال الله عن يحيى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً﴾ [مريم:١٢] النبوة والعلم، وماذا آتيناه أيضاً: ﴿وَحَنَاناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيّاً﴾ [مريم:١٣]. إذاً: من منة الله على يحيى أنه آتاه حناناً، بل وحناناً من لدنا، وحنانا: أي عطفاً وشفقة ورحمة في قلبه، وكان تقياً، هذا الحنان الذي جعله كما قال الله: ﴿وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيّاً﴾ [مريم:١٤].

стр. 2501

السبب الخامس: انتشار السحر ومن أسباب التفكك الأسري: انتشار السحر والتعامل به حتى راج وعمَّ، وكثر السحرة في البلد، وكثر السفر إلى خارج البلد لجلب السحر، وهذا ينتقم من هذا، وهذا يحسد هذا فيريد أن يعمل له سحراً وهكذا، وإذا انحصر التوحيد فشا الشرك. وأنواعه وهو مضاد للتوحيد، والسحر له حقيقة ومفعول، قال الله: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٠٢] ولا يضر والله الذي لا إله إلا هو! وليس له مفعول إلا إذا أذن الله: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ [البقرة:١٠٢] وتعاطاه وعمل به ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة:١٠٢]. ولو ضبط الساحر متلبساً بالسحر يقتل حداً، بل الساحر كافر: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٠٢] والناس في السحر حيارى مساكين، يظنون أن السحر قاتلهم؛ لعدم وجود عقيدة صحيحة تجلب التوكل على الله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٣] والتوكل يمنع مفعول السحر، أما إذا وجدت نفوس ضعيفة خاوية على عروشها، لا إيمان ولا طاعة ولا عبادة، وإنما ملذات وشهوات، فهؤلاء سيتضررون بالسحر. وما الذي يمنع من السحر، ومن الذي يعطل مفعول السحر إذا لم يوجد إيمان ولا دين، ولا توكل على الله، ولا صحة عقيدة، ولا يوجد محافظة على الأذكار الشرعية؛ مثل أذكار الصباح والمساء، وقبل النوم وبعد الصلوات: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١] و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١] و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ثلاث مرات؛ لكنها مهجورة، لا تقال بعد الصلوات ولا قبل النوم، ولا في الصباح والمساء والمعوذات لا يوجد أفضل منها مطلقاً لعلاج السحر ولا لمنعه. وكذلك لا يوجد حذر من إدخال المشبوهين إلى المنزل، بل يدخل أهل السوء والشر البيت -في الضيوف أو في الداخلين- فيدخل من يضع سحراً ونحو ذلك. أخي المسلم: أدخل أهل الدين، واترك أهل الفسق، وراقب بيتك. ثم بعد ذلك يقولون: نريد الذهاب للساحر لفك السحر، والذهاب إلى الساحر لا يجوز، ولو قال لك: جربنا ونفعنا، فنقول: سلامة العقيدة والدين أهم من سلامة الأبدان، توكل على الله، وارقِ نفسك بالأذكار الشرعية والمعوذات، ثم بعد ذلك تجد الحل إن شاء الله. سحر الرسول ﵊ يهودي، ففك أسره بالمعوذات، والذي فك سحره وحي من الله لنبيه ﷺ ، ففك السحر بإذن الله، وببركة هذا القرآن العظيم الذي تقرأه النفوس الصادقة فيقع في الموقع الصحيح فيؤثر وينفع. اللهم إنا نسألك أن تجعلنا ممن يقيمون حدودك في بيوتهم، اللهم اجعلنا ممن يؤسسون أنفسهم على الإسلام، ويربون أبناءهم على الإسلام، ويقيمون بيوتهم على الإسلام، نستغفرك ونتوب إليك، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 2502

السبب السادس: وجود الفيديو والتلفزيون الحمد لله الواحد القهار، مالك الملك الكبير المتعال، لا إله إلا هو يفعل ما يشاء وهو الجبار، خلق فسوى، وقدر فهدى، وصلى الله وسلم على نبينا محمد البشير النذير، والرحمة المهداة للعالمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين. أيها المسلمون: من أسباب التفكك الأسري: وجود الفيديو والتلفزيون في البيوت بما يعرضه من السموم والأفلام والخلاعة والمجون، والأمثلة الحية لتعليم الفسق لأبناء العائلة من الذكور والإناث، والآباء والأمهات، ويتصور بعض الناس أن اجتماع العائلة على التلفزيون يقرب العائلة، ويجعل بعضها مجتمعٌ إلى بعض، ولعلهم أخذوا هذا التصور من بداية دخول التلفزيون بأعداد قليلة، وكان البيت الذي كان عنده تلفزيون في القرية يأتي الأقرباء والأصدقاء والجيران ويجتمعون عليه، ويسلم بعضهم على بعض عند الدخول والمغادرة، فيتوهمون أن التلفزيون قد جمعهم، لكن الآن زال هذا الكلام، في بعض البيوت كل غرفة يوجد فيها تلفزيون، وعدّ لي بالله عليك عدد الهوائيات الموجودة فوق المنازل، وأنا فقط أريد إلقاء نظرة على الهوائيات الموجودة فوق المنازل، فأنا أعدد وأغلط في العد، واعدد ما شئت من قرون الشياطين الموجودة. لقد تبين بالدراسة أن التلفزيون والفيديو يمنعان الإنسان من الاستمتاع بما حوله من العلاقات الاجتماعية والقراءة والتثقيف، بل يساعدان على العزلة، ويقللان من غرس التفاهم بين الأزواج، كما يشغلان الطلاب عن المذاكرة، فالفيديو والتلفزيون لا يساعدان على تقوية الأواصر في الأسرة الواحدة، ولا يوجد تفاعل بين أعضاء الأسرة المجتمعين حول هذا الجهاز، لأنهم قد يشاهدون كأجساد متجاورة، لكن الحقيقة أن أذهانهم منفصلة تماماً ونفوسهم منعزلة، والجلوس أمام الجهاز لا يشجع على المحادثات الجماعية المتبادلة بين أفراد الأسرة كما ينبغي أن تكون، ولو قام الواحد بتعليق لأسكته الآخرون لمتابعة الفيلم. وقد وجد بالدراسة أن الأطفال لا يقضون وقتاً طويلاً مع بعضهم البعض بعد دخول جهاز التلفزيون إلى البيت. هذا بالإضافة إلى ما ذكرنا مما يتسرب منه من ألوان الفساد إلى الأسرة، وهذا موضوع طويل يحتاج إلى بصر، لكنني أرشد إلى مرجعٍ مهمٍ جداً في هذا وهو كتاب الأسرة المسلمة أمام الفيديو والتلفزيون للمؤلف مروان كجك، هذا الكتاب في غاية الأهمية، يجب على كل واحدٍ أن يقرأه حتى يعلم أضرار هذا الجهاز.

стр. 2503

مشكلة سوء تربية الأبناء ثم ننتقل معكم إلى قضيةٍ أخرى في مسألة انفكاك الأسر وانفراط عقدها وانهيار بنيانها، ألا وهو: سوء تربية الأولاد، وانعدام التربية بالكلية، أو قلتها قلة شديدة جداً. بنت لوحدها في البيت ليس عندها أخوات تجلس عند الهاتف، وأبوها وأمها من الكبار، يتصل بها الثعبان والذئب اللئيم؛ لينساب كلامه عذباً عبر الأسلاك ليدخل إلى ذلك الذهن الخالي من الإيمان، والقلب المريض؛ لكي تصبح الشبكة قوية، وترجع من المدرسة لا تخلع (مريولها) لتجلس عند الهاتف لتنتظر المكالمة، والطائش يمدحها بألفاظ ويطيرها في السماء -وهي تنخدع بهم- ويعدها بالزواج وأنه سيفعل ويفعل وفي النهاية يقول: أعطني نسخة من مفتاح البيت، وإذا غادر أهلك خارج البيت أبلغيني، وبعد ذلك تقع الفاحشة، ويحدث المكروه، وتقوم المصيبة، وتفقد البنت أشرف ما تملك، وأعز ما لديها في نفسها وجسدها، ثم يطرق الخطاب الباب، فماذا تقول لهم؟! ويتصل الخاطب مرةً أخرى ليطالب ويطالب، ولو تابت تبقى الحسرة في نفسها، والسبب: انعدام الرقابة، وغياب التربية، وضياع الأولاد، لأنه لا يوجد متابعة من الآباء والأمهات. بنتٌ عمرها سبعة عشر عاماً وقعت في حب الموسيقى والأغاني الغربية والأجنبية، ثم استدلت بواسطة المجلات التي تصل إلى البيت على جهةٍ أجنبية لها عنوان بريد، ثم أصبحت تراسل الجهة وتتصل، وتقول: أتمنى أن أهرب من البلد وأن ألتحق بديانتكم، وأعيش معكم، وعندي بعض العوائق المادية، لكن سآخذ من ذهب أمي وأدبر المبلغ وأهرب من البيت، سئمت أهلي وأبي وأمي، أرجو أن تساعدوني في الهروب وتستقبلوني مئات المكالمات وتأتي الفاتورة. مراهق عمره ثلاثة عشر عاماً فقط، يسرق من محلات (السوبر ماركت) -ولا صلاة بطبيعة الحال- ونسي ما كان قد حفظه في حلقة التحفيظ التي دخلها، ويستخدم الألفاظ البذيئة والفاحشة أمام أخواته، ويضرب أمه، ويساعد في ترويج المخدرات، ويحتك بالشباب الذين ينقل إليهم ومنهم الحبوب، ويختلط بأصحاب الفواحش، وربما فعل الفواحش على سطح البيت أو سلم العمارة، وأطفأ كواية الملابس بيد أخته. إن هذه البيوت التي نعيش فيها أمانة، ونحن قد ضيعنا كثيراً جداً والمصائب تتوالى، ووالله ليتفككن المجتمع لو لم نعد عودة صادقة إلى الاعتناء بالأسر والبيوت، وسنصل إلى ما وصل إليه الكفرة في مجتمعاتهم من التمزق والانحلال، وسيوضع كبار السن في ملاجئ العجزة في النهاية، وسينفرط عقد الأسرة، وتتمرد البنات، ويخرجن في الشوارع، وسنسير على ركب الكفرة، بل إن كثيراً من المتفرجين، من أبناء المسلمين قد ساروا على الركب فعلاً، والبوادر قد ظهرت، فهل من عقلاء يعودون عودة صادقة إلى الله لكي ينظروا إلى هذا الشتات الذي وصلوا إليه وأوصلوا إليه أولادهم وأسرهم؟ ولتسألُن يومئذٍ عما استودعتموه من هذه الأمانات التي وضعها الله بين أيديكم؛ في يومٍ لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون، يقول كل إنسانٍ: نفسي نفسي لا أب ولا أم ولا أخ ولا أخت، تقطعت بينهم الأواصر والعلاقات، وهذا الحضور بين يدي الله في مشهد الجزاء والحساب في ذلك اليوم العظيم الذي مقداره خمسين ألف سنة نحتاج فيه فعلاً أن تكون ذكراه حية في أذهاننا؛ حتى نبدأ في تصحيح الأوضاع. اللهم أصلح أحوالنا، اللهم أصلح أحوالنا، اللهم أصلح أحوالنا، اللهم اجعلنا بالإسلام قائمين، وأحينا بالإسلام قاعدين، وأحينا بالإسلام راقدين، ولا تشمت بنا الأعداء ولا الحاسدين، اللهم طهر بيوتنا من المنكرات، اللهم واجعل أسرنا مستقيمةً على شرعك يا رب العالمين. اللهم اغفر لنا ولآبائنا وأمهاتنا، اللهم إن نسألك مغفرةً لا تدع لنا ذنباً، اللهم نسألك أن تجعلنا ممن يخافك ويتقيك، وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.

стр. 2504

الانهيار الأُسري [٢] لقد ذكر الشيخ حفظه الله في هذا الدرس عدداً من عوامل التمزق الأسري، ثم ذكر المفاسد المترتبة على استخدام الخدم والسائقين في المنازل، وأرجع أصل هذه المفاسد إلى عدم التمسك بالكتاب والسنة، والسير على منهج الله .

стр. 2505

أهمية معرفة أحوال الأسرة وأسباب انهيارها إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: إخواني: لقد سبق أن تكلمنا في موضوع التمزق الأسري، وفتح ملف خراب البيوت وأسبابه وما ينتج عنه، وهذا الموضوع في غاية الأهمية، لأنه موضوعٌ يتعلق بمجتمعنا الذي نعيش فيه، فهو موضوعٌ واقعي حياتي يومي، إذا لم يكتوِ الإنسانُ بناره ويكون طرفاً من أطرافه، فإنه ربما سيسمع عنه من جيرانه، أو أقربائه أو أصدقائه، ولذلك فإن التصدي لهذا الموضوع من الأمور المهمة. إن معرفة أحوال الأسر وانهيارها والتمزق الأسري وصوره موضوعٌ مهمٌ للدعاة إلى الله ، لأنهم إذا عرفوا حجم المشكلة، وجهوا إليها الجهود وصرفوا إليها أنواعاً من الأعمال والأوقات لاستدراك ما فات، وإصلاح ما هو موجود، وإلا فإن نهاية المجتمع ستكون أليمة، ولا نريد أن نخطو خطى الكفار فيما وصلوا إليه في مجتمعاتهم المنحلَّة. وهو مهمٌ أيضاً لمن كان ضالعاً في سببٍ من أسباب التفكك الأسري، حتى يكف عن ظلمه، ويعود إلى الله، ويصلح من أسرته ما أفسد. وهو مهمٌ لكل ناصحٍ وقريبٍ وذي رحمٍ يريد أن يمد يد العون والمساعدة إلى أقربائه أو جيرانه أو أصحابه الذين تهدمت بيوتهم، وتشتت أسرهم، إنه مهمٌ لكل مصلح وإلا فإن إغماض العينين عن الحقائق الواقعة لا يزيدها إلا انتشاراً

стр. 2506

أسباب التمزق الأسري

стр. 2507

تضييع الأولاد بعدم النفقة عليهم أيها المسلمون: إن من أسباب التمزق: تضييع الأهل والأولاد، وعدم الإنفاق عليهم مما يضطرهم للخروج خارج البيت، وخروج النسوة بالذات خارج البيت يفضي إلى أنواعٍ من المفاسد لا يعلمها إلا الله، وبعض هذا يكون بسبب بخل القائم على أمر البيت، وكم حدثتنا القصص الواقعية عن فتياتٍ ارتكبن الفواحش لتحصيل الأموال، وربما لا يكون الغرض هو الوقوع في الفاحشة، لكنها تريد مالاً، وقل مثل ذلك في أنواع الخيانات الأخرى. عن عائشة ﵂: (أن هند بنت عتبة قالت يا رسول الله: إن أبا سفيان رجلٌ شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذتُ منه وهو لا يعلم، فقال ﷺ : خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف). إن الشارع حكيم، يعلمُ إذا ما قطعت النفقة عن الأسرة ماذا يمكن أن يحدث، ولذلك شرع للمرأة أن تأخذ سراً بغير إذن زوجها من ماله إذا كان بخيلاً لا يعطيها ما يكفيها وأولادها، لكن الشارع لا يظلم الزوج، ولذلك شرط أن يكون الأخذ بالمعروف، وألا تأخذ على هواها وكما تشاء.

стр. 2508

نشر الأسرار الزوجية ومن الأسباب أيضاً في تفكك عرى الأسرة: نشر الأسرار الزوجية، وهتك أسرار البيوت، ولذلك فإن كثيراً من الذين لا يخافون الله يحدثون بما في داخل بيوتهم من أنواع الأسرار التي لا يجوز أن تخرج، ولا أن تفشى؛ من قلة الحياء وانعدام الغيرة، وغير ذلك من التساهل، قال ﵊: (هل منكم رجلٌ إذا أتى أهله فأغلق عليه بابه، وألقى عليه ستره، واستتر بستر الله؟ قالوا: نعم، قال: ثم يجلس بعد ذلك، فيقول: فعلتُ كذا، فعلتُ كذا؟ فسكتوا، ثم إنه ﷺ أقبل على النساء، فقال: منكن من تحدث؟ فسكتن، فجثت فتاةٌ كعابٌ على إحدى ركبتيها، وتطاولت لرسول الله ﷺ ليراها ويسمع كلامها، فقالت يا رسول الله: إنهم ليحدثون وإنهن ليحدثن، فقال ﷺ : أولا تدرون ما مثل ذلك؟ إنما مثل ذلك مثل شيطان لقيت شيطانةٍ في السكة، فقضى حاجته والناس ينظرون إليه).

стр. 2509

عقوق الوالدين ومن أسباب انهيار الأسرة عقوق الوالدين: فإن عقوق الوالدين، يسببُ إما طرد الولد من البيت، وفيه فصمٌ لعرى الأسرة، أو أن يتعدى الولد على أبيه، فيعيش الوالد أو الوالدة مقهورين في البيت ذليلين لا يستطيعان مواجهة الناس، ولا ممارسة الحياة بشكلٍ صحيحٍ من الظلم الذي يقع عليهما من الولد، وهذا كثير. شقاء في الأسر، ونكد وتعاسة بسبب عقوق الوالدين، الذي يؤدي إما إلى طرد الولد وأحياناً يؤدي إلى طرد الوالدين. هذه قصةٌ واقعية عن ولدٍ طرد أمهُ وأباه من البيت الذي يملكانه، ولكن الله يمهل ولا يهمل، فأرسل إليه بناتٍ على كبره وابتلاه بشرب الخمر فصرن يضربنه وهو مخذولٌ مما يريد التعرض به لهنّ. وهذه بنتُ تمردت على أمها وتقذرت من خدمتها وتكبرت بشبابها وجمالها، رغم أن جلد الأم قد تجعد من القيام على البنت، وأفنت شبابها فيها، فابتلى الله هذه البنت بولدٍ في المستقبل فعل بها -بأمه العاقة- أكثر مما فعلت هي بأمها، وزاد عليها أن ضربها. هذا قصاصٌ طبيعيٌ يحدث في المجتمع مما يكون من آثار العقوق!

стр. 2510

سوء الخلق ومن أسباب انهيار الأسر: سوء الخلق: سوء الخلق الذي يولد الفحش والبذاءة، والاعتداء والضرب والتوحش. فهذا رجلٌ يضرب زوجته وأمه، ويدعو على ابنته بالسرطان والشلل، ولا يصلي ولا يصوم، يدخل البيت في سباب وشتائم، ويخرج من البيت في سباب وشتائم، ويقول لزوجته التي أنجبت بنتاً: ليس لك قيمةٌ في المجتمع، لأنك أنجبت بنتاً وهكذا. والتوحش المتولد من سوء الخلق يؤدي إلى أمورٍ عجيبة في العمر؛ حتى ربما كان هذا الفاجر يعري سلك الكهرباء ويضرب به ابنته وهو مشبوكٌ طرفه بالتيار الكهربائي. هذه قصصٌ واقعية، لم نختلقها ولم نكذب فيها، وإنما هي مما أفرزه المجتمع عند ابتعاده عن شريعة الله، وآثار الضرب لا زالت في ظهر البنت ما بعد الزواج، والبنت الأخرى قد أصيبت بنوبة صرعٍ مع آثار ٍواضحة في الرأس من أثر الضرب، وتلك أخذ مهرها، ولا ينفق على بناته، وهذه نتيجةٌ طبيعية للابتعاد عن شرع الله، والتجاوز لحدود الله، وعدم التخلق بأخلاق الإسلام، إن النفس إذا نزع منها الدين، تحولت إلى وحشٍ كاسر، لأن الدين يهذب النفوس، ويخلِّقها بالأخلاق الحسنة.

стр. 2511

المعاصي بأنواعها ومن أسباب انهيار الأسر وتمزقها: ارتكاب المعاصي والفسوق بأنواعها، والجرائم التي حرمتها الشريعة؛ فهذا إنسانٌ يلعب القمار، ويسافر ليلعب القمار، وإذا أخذ راتبه في آخر الشهر، فلا يمضي عليه عشرة أيام إلا وينتهي الراتب بسبب اللعب بالقمار، وزوجته وأولاده ليس عندهم ما يحتاجون إليه. ثم إن هذه المعاصي تفشت، ومنها السكر والمخدرات، وقد بينا طرفاً من ذلك، لكن بتتبع كثيرٍ من المشكلات البيتية، وجد أن سببها الخمر والمخدرات، والعربدة، والإدمان والمخدرات من الأشياء التي أطاشت العقول، وخربت البيوت. هذا ولدٌ عاطلٌ عن العمل: يتعاطى المخدرات، كل يوم في سجن، أو مستشفى، أو عيادةٌ نفسية، وكذلك الفسق والدياثة الذي يتضمن أموراً كثيرةً من إقرار الخبث والسوء في الزوجة والأولاد، وهذه صورة بسيطة جداً لما يمكن أن يقع من ذلك. هذا رجلٌ زار صاحباً له، رب أسرة، فأراد صاحب البيت أن يكرمه ويقدم له هدية، فماذا قدم له، صورته مع زوجته، صورة الزوج مع زوجته قدمها هدية لهذا الرجل الذي جاء إلى بيته زائراً، لتكون هدية تذكارية لا يغار عليها أن يراها الأجنبي، وهكذا من أنواع فقدان الغيرة الموجودة عند بعض الناس. ثم إننا نتعرض لهزاتٍ قوية في الأسر بسبب الاختلاف على القضايا المادية، واللهث وراء المادة والتعلق بالفلوس؛ ذلك التعلق المشين الذي يفضي إلى الطمع وحرمان الآخرين، والأنانية ولا ندري هل سيأتي علينا يومٌ يكون الطمع فيه بالمال مؤدياً لنا بما أدى إليه أحوال الكفرة في عالمهم؟ نشرت إحدى الصحف: أن زوجة وزوجها في بلاد الغرب قد اختارا، أو اضطرا للاختيار بين طفلتيهما المولودة حديثاً، وبين السيارة التي يدفعان أقساطها، لأنهما لا يستطيعان الجمع بين نفقة البنت وأقساط السيارة، فكان لا بد من الاختيار، فاختارا السيارة، وسلما البنت لملجأ من الملاجئ، وذكر الأب أنه ترك ابنته في المستشفى للتبني، وقال: الطفلة قد تجد عند من يتبناها أحسن مما تجد عندنا، وأكدت الأم أن ما حصل هو الصواب، ويقوم عددٌ من الناس في بلاد الغرب، ببيع أطفالهم بآلاف الجنيهات، فأي رابطةٍ هي موجودة؟ وأي عطفٍ وأي رحمة؟ وأي حنانٍ في ذلك المكان؟

стр. 2512

الاقتتال على المادة أيها الإخوة: إن الاقتتال على المادة، وطمع الناس في المادة يؤثر على الأسرة، ولذلك تجد هذا الرجل يريد أخذ راتب زوجته بالقوة ولا يترك شيئاً، وهذا الأب يحرم ابنته من الزواج، لأنها موظفة ويريد استمرارية المصدر والاستيلاء على راتب البنت، وهؤلاء أخوة يتحايلون على أختهم ويستلفون منها الأموال، وهم لا يريدون ردها وقد ذكر ﷺ أن من الكبائر استدانة الرجل وهو لا يريد الوفاء، وهكذا تكون المادة نهب الطامعين، وهي مدار العمل واتجاه النيات؛ فتفسد النفوس وتأسن ويكون فيها خراب البيوت. اللهم إنّ نسألك أن تطهر بيوتنا، اللهم إنّ نسألك تطهر قلوبنا، اللهم إن نسألك أن تجعلنا ممن يقيمون حدودك في بيوتهم، اللهم إنا نسألك العفو والعافية والستر، اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا، واحفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا، وعن أيماننا وعن شمائلنا، ومن فوقنا، ونعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 2513

السائقون والخادمات سبب رئيس في الانهيار الأسري الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد؛ الأمين على وحي الله، والمبلغ لرسالة الله، والمجاهد في سبيل الله؛ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، صلى الله عليه ورزقه الشفاعة يوم الدين، اللهم احشرنا في زمرته، وأوردنا حوضه، وارزقنا شفاعته، واجعلنا تحت لوائه، يا أرحم الراحمين! أيها الإخوة: لا شك أن من أكبر أسباب تمزق الأسر وخراب البيوت في هذه الأيام: الآثار السيئة للخادمات والسائقين، الخدم الذين هم بلية من البلايا التي نزلت فأحاطت، وطمت وعمت، واستقرت وانتشرت في بيوت المسلمين، وخصوصاً عندما تكون الخادمة كافرةً، وجزيرة العرب لها خصوصية قد ذكرها رسول الله ﷺ في عدم جواز إقامة الكفار فيها، فقال: (أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب). فهؤلاء يجلبون اليوم النصارى والبوذيين وغيرهم من الوثنيين؛ من الخادمات والسائقين ما يحرم عليهم، ويأثم والله الذي لا إله إلا هو! وهو واضع إياهم في بيته يعطيهم المرتبات، ويسلمهم السيارات، وأغلى من ذلك يسلمهم البيت والأولاد. هؤلاء الكافرون والكافرات، الذين يعيشون في البيوت، لا يقيم أصحاب البيوت لهم وزناً، والخطر منهم كبير، والمصيبة بهم عظيمة، لكن أين المعتبرون الذي يعتبرون بما أصاب غيرهم؟! إن الخادمة يمكن أن تهدم بيته، نعم والله يمكن أن تهدم بيته، لأنها تكون في كثيرٍ من الأحيان فتنةً لصاحب البيت وأولاده الشباب، لأنهن يخرجن متزيناتٍ وغير محتشماتٍ ولا متحجبات، وكذلك السائق الأجنبي كم خرب بيوتاً، وكان له أثرٌ سيئ عليها. النساء في البيت دون تربيةٍ ولا مراقبة، وتخرج مع السائق لوحدها بغية أن تتمشى في الشوارع، ورب البيت يتسكع لاهٍ بالتجارة وشلة السهرة، ألم يأتكم أنباء الخادمات اللاتي تسببن أو أقدمن على قتل صاحب البيت أو صاحبة البيت، أو خنق أحد الأطفال؟ هذا كثيرٌ ولا تمضي فترة وإلا ونسمع خبراً من ذلك. هذه خادمةٌ نصرانيةٌ كانت تدخل رجالاً أجانب من أصحابها أثناء غياب الأبوين، وهم يلبسون أقنعةً مخيفة، حتى إذا رأوهم الأطفال خافوا ودخلوا وهي تخوفهم، وتقول: لو تكلمتم سآتي بالوحوش لافتراسكم، وهم أطفالٌ يريدون اللعب، وهي لا تريد أن تتعب في القيام عليهم، فكلما حصل شيء، خوفتهم بالوحوش، كيف تنشأ العقد النفسية، وينشأ الخوف والرعب وشخصية الولد الجبان وهكذا، ثم تقوم الفواحش، وتتحول عددٌ من البيوت الطيبة إلى أوكارٍ للفساد. ألم تكن هذه الخادمات مصدر فتنة للرجل وللشباب في البيت، خصوصاً عندما لا يكون هناك خوفٌ من الله، ولا تربيةٌ ولا احتشام، ومهما أخذوا من الاحتياطات، فلا بد أن يغيب الرجل عن بيته، أو المرأة عن بيتها، فيقع ما يقع.

стр. 2514

قصص واقعية لمفاسد الخادمات هذه الخادمة تَعلق بيها أحد الأولاد في البيت، فصارت تهين أم الولد وهو ساكت، وتعطيها الحليب الفاسد، والخبز المتعفن وهو ساكت، ماتت أمه، فصارت الخادمة مع السائق في الصباح، ومع هذا الرجل في الليل، ولا حول ولا قوة إلا بالله، والله المستعان وإليه المشتكى مما أصاب البيوت. هذه خادمةٌ: سحرت الولد، وهنّ يتعلمن السحر في بلادهن التي ينتشر فيها السحرُ والكهانة، ثم يأتين بالسحرِ عياناً بياناً وهذا أمرٌ غير خافٍ، بل هو منتشر معلوم، متواطئٍ على ذكره الكبير والصغير، سحرت هذه، أو سحرت هذا، أو سحرت الأب، أو فرقت بين الأب والأم، وهكذا يفعلن، هذه الخادمة سحرت الولد وأخذت نقوده من الإرث، غرفة الشغالة فيها تلفزيون وفيديو وأشرطة، واشترطت طقم بثلاثة آلاف، والولد لا زال يعطيها هدايا، بأي شيء؟ بهذا السحر الذي أتت به، وهو يرفض تسفيرها، ويقول لأخواته: عندكم خادمة وعندي خادمة، هل أنا ضايقتكم في خادمتكم حتى تضايقوني في خادمتي؟ وقد وصل الأمر بالفواحش لدرجة أن دارت بين خادمتين في بلدهما قبل أن تأتيان، أن أعطت إحداهما للأخرى -تودعها قبل أن تأتيان- صندوقاً من حبوب منع الحمل، قالت: لماذا؟ قالت: ستحتاجينه. وهكذا سمعتنا نحن المسلمين عند الكفار في بلادهم، وكم سمعنا من الحالات التي كانت الخادمة تريد فيها الإسلام مما سمعت عن الإسلام! ولكن لا تسلم مما تلاقي وتعاني من الانحراف في البيوت، فأي إسلامٍ تريد أن ترغب فيه وهي ترى بعينيها هذه الاعتداءات على الخادمات. في المقابل ظلم الخادمات وفسادهن جانب، واعتداء أصحاب الأسر على الخادمات جانبٌ آخر، حتى لقد هربت خادمةٌ فلبينية مسلمة إلى بيت عمال مسلمين من آل الفلبين لتحتمي بهم، مما أصابها في بيت مستخدميها، فهل هذه الحالات المزرية التي وصلنا إليها يمكن السكوت عليها يا أيها المصلحون؟! يا أيها الناس الذين يريدون الخير لمجتمعهم! هل نسكت وهل تسكتون ولا تريدون أن تقوموا لله بالواجب من النصح والتذكير والدعوة إلى الله والعمل والإصلاح؟ أم أن الفساد سيترك لينتشر في البيوت وهي معاقل الأسر المسلمة، واللبنات التي يتكون منها المجتمع المسلم؟

стр. 2515

تحذير من عاقبة الانهيار الأسري إن هذه الحالات الواقعية التي نشهدها ونسمعها دائماً، والذي يتصل بجيرانه وأقربائه وأصحابه يعرف العجب العجاب من أنواع تمزق الأسر وفشو المخدرات، وأخذ المرتبات ظلماً، وتطليق النساء. هذا افترق عن زوجته بسبب الخمر وحكم الشيخ لها بالثلاثة الأولاد، ولكنه جاء وراقب خروجها مع أولادها، فأتى بسيارته وخطف الأولاد منها، وبقيت هي ورضيعها من غير مصروف، وهكذا من الحالات التي ينتشر فيها الظلم، في المجتمع. في المجتمع الولد الكبير مروج، والصغير مات منتحراً بحقن الهروين، وذلك أفلس من شراء المخدرات، والأب والأم في نزاعٍ دائم، وربما رفعت الأم (الساطور) أو (العصا) أثناء النزاع، والاتهامات متبادلة بين الأب والأم، والنزاع قائم بين الأولاد، والطرد والصراخ متواصل. أيها المسلمون: بيوتكم بيوتكم! وأسركم أسركم! اتقوا الله فيها، واحذروا غضب الله، فإن الله لا يهمل الظالم، وإذا أخذه لم يفلته، فيأخذه أخذ عزيزٍ مقتدر، ولست مسئولاً عن بيتك فقط نعم أيها الإخوة: يوجد عددٌ كبيرٌ من البيوت -والحمد لله- مستقيمة تحكم الشريعة، بيوت نظيفة طيبة، لكن الطيب مختلط بالخبيث، والمجتمع واحد والعمارات متجاورة، والبيوت متلاصقة، والشوارع والمدارس واحدة، أولادي وأولادك فيها، إننا نتعامل مع بعضنا يومياً، والموظفون يختلطون ببعضهم، الناس لا يعيشون في فرقة، وإنما يعيشون مع بعضهم، وإنما الفرقة في القلوب، فلذلك يمكن أن يكتوي الإنسان بنار فتنة جاره، فعليكم إذاً يا أيها المصلحون يا أيها الغيورون أن تقوموا لله بالواجب، وإذا ترك الأمر على ما هو عليه؛ والله الذي لا إله إلا هو! لينتهين كما انتهت إليه بيوت الغرب وأسره، ولذلك فإننا ندعو الله من قلوبنا أن يصلح أحوالنا وأن يتوب علينا. اللهم طهر بيوتنا من المنكرات، اللهم ارزقنا الوقوف عند حدودك، اللهم جنبنا الحرام، اللهم ارزقنا حسن الخلق، وحسن تربية الأولاد، اللهم ارزقنا البر بآبائنا وأمهاتنا، اللهم إن نسألك أن تجنبنا الفواحش والفتن ما ظهر منا وما بطن، اللهم حرم علينا الفواحش وما ظهر من الآثام وما بطن، واجعلنا من عبادك المتقين الأخيار. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، فاذكروه لعله يذكركم ، وتوبوا إليه، وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.

стр. 2516

البركة لقد جاءت الشريعة الإسلامية لتحقيق التوحيد وتكميله، فسدَّت طرق الشرك المؤدية إليه؛ ومن الطرق التي يمكن أن تخل بالتوحيد ما ينشأ عن المفهوم الخاطئ للبركة؛ وما وقعت الأمة في الشرك إلا من اختلال هذا المفهوم، فبعضهم تبرك بأحجار مكة، وبعضهم بغار حراء أو بغار ثور، وبعضهم يشد الرحال إلى قبور الأنبياء والصالحين، وبعضهم يحتفل بالمولد زاعماً البركة فيه، ومن الناس من يتمسح بالأشخاص والمغارات والجدران، وبهذا حصل الشرك في الأمة وانتشر.

стр. 2517

تعريف البركة وبيان أنها من الله إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله: لقد جاءت هذه الشريعة لتحقيق التوحيد وتكميله وتحصيله، جاءت بأعظم معروف وهو التوحيد، ونهت عن أعظم منكر وهو الشرك، فسدَّت طرق الشرك والأسباب المؤدية إليه، وقَطَعَتْها قطعاً، وكذلك فإنها حمت التوحيد بجميع الوسائل ووفَّرتها وكثَّرتها. عباد الله: لابد أن نعتني بتوحيدنا وعقيدتنا، وأن نجعل هذا التوحيد خالصاً لله تعالى، وألا نواقع شركاً، فـ ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨] وقد ذهب جمع من العلماء، ومنهم: شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- إلى أن الشرك الأصغر والخفي لا يغفره الله تعالى إلا بتوبة، فلا يكفَّر ولا يدخل في المشيئة إلا إذا تاب منه صاحبه، فإن الله يتوب عليه، ولذلك لابد أن نكثر كثيراً من التوبة والاستغفار من جميع أنواع الشرك، وأن نقول: اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئاً نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه. ومن الموضوعات التي يقع فيها الشرك في الناس مسألة التبرك، وهذه القضية تحتاج إلى شيء من التوضيح، ولعلنا نلقي عليها بعض الضوء في هذه الخطبة. أما البركة فإنها دوام الخير وزيادته وكثرته وثبوته أيضاً. والبركة من الله تعالى، فهو مصدرها، وقد قال النبي ﷺ : (وبارك لي فيما أعطيت) فإنها تُطلَب من الله تعالى فهو مصدر البركة ، ونحن نقول: ﵎ أي: كَمُلَت بركته، وعَظُمَت بركته، كَثُر خيره وإحسانه إلى خلقه، وخيره هو الذي يدوم، وإذا شاء أن يُكْثِر خيراً فلا رادَّ لفضله، فهو المبارك حقاً، لا يبارك أحدٌ من الناس، وإنما الله هو الذي يبارك، ولهذا كان كتابه مباركاً، ورسوله مباركاً، وبيته مباركاً، والأزمنة والأمكنة التي شرفها واختصها عن غيرها مباركة. وإذا طَلَب أحد البركة من غير الله فإنه كَمَن يطلب الرزق من غير الله، فطلب البركة من غير الله تعالى شرك، ومن اعتقد أن شخصاً هو الذي يبارك فقد أشرك بالله تعالى، والأشياء المباركة من الأعيان والأقوال والأفعال والأشخاص ونحو ذلك إنما كانت مباركة لأن الله جعل فيها بركة، وهي سبب للبركة، وليست واهبة للبركة، كما أن العبد يستخدم الأدوية والرُّقَى وهي سبب للشفاء، وليس الدواء واهب الشفاء، وإنما الله هو الذي يشفي، وما ذكر الشرع أن فيه بركة يُستعمل استعمال السبب، قد يتخلف وقد يحصل. لقد كانت جويرية بنت الحارث رضي الله تعالى عنها بركةً على قومها، فقالت عائشة ﵂: [فما أعلم امرأةً كانت أعظم بركةً على قومها منها] والسبب أن النبي ﷺ لما أغار على بني المصطلق على حين غرةٍ منهم وأُخِذَ مَن أُخِذَ من السبي، تزوج النبي ﷺ جويرية ﵂، ولما رأى الناس أصهار رسول الله ﷺ عندهم عبيداً وإماءً أعتقوهم لهذا السبب فأُعْتِقَ مائة أهل بيت من قومها، فهي ليست مصدر البركة، وإنما كانت سبباً للخير والنماء والزيادة. وقد قال النبي ﷺ : (البركة من الله).

стр. 2518

بركة النبي ﷺ ومن أعظم الذوات المباركة: ذات النبي ﷺ ؛ فذاته ذات مباركة، جعل الله فيها بركةً خاصة، ولذلك كان الصحابة ﵃ يأخذون مِن عَرَقه وبُصاقه فيتمسحون به، وكذلك لما حلق رسول الله ﷺ رأسه، أطاف به أصحابه، فما تقع شعرة إلا في يد رجل منهم. وقال أنس: (كان النبي ﷺ يدخل بيت أم سليم، فينام في بيتها وهي من محارم النبي ﷺ -فجاء ذات يوم فنام على فراشها، فأُتِيَت، فقيل لها: هذا النبي ﷺ نام في بيتك على فراشك، قال: فجاءت وقد عرق ﵊، واستنقع عرقه -تجمع العرق- على قطعة أديم على الفراش، ففتحت عتيدتها ﵂، والعتيدة هي الصندوق الصغير الذي تجعل فيه المرأة ما يعز عليها من المتاع، فجعلت تنشف ذلك العرق وتعصره في قوارير، ففزع النبي ﷺ ، فقال: ما تصنعين يا أم سليم؟! فقالت: يا رسول الله! نرجو بركته لصبياننا، قال: أصبتِ) وفي رواية: (قالت: أدوف به طيبي) أي: أخلط طيبي بعرقك- حتى يزداد طيباً، فأقرها النبي ﷺ . وعبد الرحمن بن عوف -وقصته في الحديث الصحيح- لما رأى النبي ﷺ قد اكتسى شملةً استوهبه إياها، وطلبها منه، فلامه الصحابة، فقال: رجوت بركتها حين لبسها النبي ﷺ لعلي أُكَفَّن فيها. وهكذا كانوا يلتمسون بقية شرابه ﷺ ليشربوا منه. وهذه الأحاديث الصحيحة تدل على أن ذاته ﷺ وما انفصل من جسده من شعر وعرق، وما استعمله من لباس وآنية قد جعل الله فيه من البركة ما يُسْتَشفى به، ويرجى بسببه الفائدة في الدنيا والآخرة. من الذي جعل فيه البركة؟ الله . من جعله سبباً للشفاء؟ الله . كان الصحابة يأخذون من أثره، فيضعونه عليهم عند إصابتهم بعين أو مرض أو حمى، فيشفيهم الله تعالى، فذاته ﷺ ذاتٌ مباركة لِمَا وضع الله فيها من البركة. وبعد وفاته ﵊ وتطاول الزمن ذهبت آثاره، وذهب شعره ولباسه وآنيته وسلاحه، ولم يعد لدينا إثبات الآن بأن هناك بقية من ذاته قد بقيت، وليس كل متحف وضع شعرةً في علبة أو وضع سيفاً في خزانة كان فعله دليلاً على أن ذلك للرسول ﷺ ، فنحن لا نملك إثباتاً الآن على بقاء شيء من ذاته، فلذلك لا يجوز ادعاء ذلك ولا استعماله.

стр. 2519

بركة القرآن والمأثورات وكلام الله تعالى القرآن الكريم لاشك أنه مبارك؛ لأنه كلام ربنا، وكلامه صفة من صفاته تعالى، ولذلك كان هذا القرآن مباركاً، وفيه شفاء للناس، وبسبب قراءته يحصل الخير العظيم للعبد، ألَمْ ترَ أن النبي ﷺ قال عن البقرة وآل عمران: (إنهما تأتيان يوم القيامة تحاجان عن صاحبهما)؟! وقال ﵊: (اقرءوا سورة البقرة، -اقرءوها واحفظوها- فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البَطَلَة) والبطلة هم: السحرة، وهذا حديث صحيح. فهي بركة ومضادة للسحر.

стр. 2520

الاستشفاء بالقرآن وبالمأثورات ومن بركات كتاب ربنا أنه يُسْتَشْفَى به، كما ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يقرأ على نفسه بالمعوذات، وأقر الصحابي لما رقى اللديغ بسورة الفاتحة، وكان بعض أهله ﷺ يمسح بيده الشريفة اليمنى ويقول: (اللهم رب الناس، أذهب البأس، واشفِ أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقماً) ولا يغادر سقماً: أي لا يترك سقماًَ. والأدعية المأثورة عن النبي ﷺ فيها بركة، وهي التي ينبغي الحرص عليها بالإضافة إلى كلام ربنا.

стр. 2521

هيئات مباركة (الاجتماع على الطعام، كيل الطعام ،) ومن الهيئات المباركة الاجتماع على الطعام، والأكل من جوانب القصعة، ولعق الأصابع بعد الطعام، وكيل الطعام لِمَا جاء في الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ أنه قال: (اجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله، يبارَكْ لكم فيه). وقال ﷺ : (البركة تنزل في وسط الطعام، فكلوا من حافتيه، ولا تأكلوا من وسطه). وقال ﷺ : (إذا أكل أحدكم فلْيَلْعَقَنَّ أصابعه، فإنه لا يدري في أيتهن البركة). وقال ﷺ : (كيلوا طعامكم يبارَك لكم) حديث صحيح، رواه الإمام البخاري رحمه الله تعالى.

стр. 2522

الأماكن المباركة وأما الأماكن المباركة فقد ثبت أن المساجد بقاعٌ مباركة، وأن أحب البلاد إلى الله تعالى مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله تعالى أسواقها، وعلى رأس المساجد المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد النبي ﷺ ، والمسجد الأقصى. وقد قال ﵊: (لا تُشَدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى). وكذلك مسجد قباء، قال ﷺ : (مَن تطهر في بيته، ثم أتى مسجد قباء، وصلى فيه صلاةً كان له كأجر عمرة) حديث صحيح، رواه أحمد رحمه الله تعالى. إذا كان في المدينة يأتي قباء، وإذا جاءه يوم السبت ففيه أجر وفضل، وأما المساجد الثلاثة فيجوز السفر إليها، وقصد السفر لأجلها، وأما غيرها فلا يجوز شد الرحال إليه. يا عباد الله: إن التبرك بالمساجد لا يكون بالتمسح بترابها، ولا بجدرانها، ونحو ذلك؛ لأن التبرك عبادة، ويشترط في العبادة المتابعة، والتماس البركة في المساجد إنما يكون بالاعتكاف فيها، وانتظار الصلوات، وصلاة الجماعة، وحضور مجالس الذكر، ونحو ذلك: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧].

стр. 2523

بركة مكة والمدينة والشام ومن البقاع المباركة العظيمة مكة: التي دعا الخليل ربه أن يجعل فيها البركة، فجعل فيها البركة، وفيها بيت الله المبارك، بيت الله العتيق. وكذلك المدينة مدينة النبي ﷺ ، التي قال فيها ﵊: (إني أُحَرِّم ما بين لابَتَي المدينة أن يُقْطَع عضاها، أو يُقْتَل صيدها) وقال: (المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، لا يدعها أحد رغبةً عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه، ولا يثبت أحد على لأوائها وجهدها إلا كنتُ له شفيعاً أو شهيداً يوم القيامة) رواه مسلم ﵀. وقال: (على أنقاب المدينة ملائكة، لا يدخلها الطاعون ولا الدجال) وقال: (ومن أراد أهل المدينة بسوء أذابه الله كما يذوب الملح في الماء). وكذلك من البقاع المباركة الشام التي قال الله تعالى فيها: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء:١] وما حوله هو الشام، التي قال النبي ﷺ فيها: (طوبى للشام! فقلنا: لأي شيء ذاك؟ فقال: لأن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليه) حديث صحيح، رواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى. فمن سكن في مكة أو المدينة أو الشام ملتمساً لبركات الله في تلك البقاع سواءً من زيادة أرزاقها أو دفع الفتن عنها، فقد وُفِّق إلى خير كثير. أما لو تعدى وغلا وطلب التبرك بالتمسح بترابها وأحجارها وأشجارها، أو اعتقد أن غبارها شفاء أو يضع تربتها في الماء للاستسقاء، فإنه مأزور غير مأجور. ومن المشاعر المباركة: عرفة ومزدلفة ومنى؛ لكثرة الخير الذي ينزل على الناس فيها في موسم العبادة، ولذلك كان إتيانها في غير موسم العبادة رجاء البركة بدعةً من البدع، فمن وقف في عرفة يرجو بركةً في غير يوم عرفة، فإنه مبتدع وصاحب غُلُو.

стр. 2524

الأزمنة المباركة وهناك أزمنة جعلها الشارع مباركة، هي مثل غيرها من الزمان، لكن لما خصها الله بشيء من عنده صارت مباركة. فمثلاً: شهر رمضان شهرٌ مبارك، كما جاء في الحديث الحسن لشواهده: (قد جاءكم رمضان شهر مبارك). وليلة القدر وصفها الله تعالى بأنها ليلة مباركة: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان:٣] ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر:٣]. وكذلك يوم الجمعة، فإنه يوم مبارك، قال النبي ﷺ : (خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة) وهو كذلك يوم مبارك في الأسبوع. واليوم المبارك في السنة يوم عرفة الذي يباهِي الله فيه الملائكة بعباده. وأيام عشر ذي الحجة أيام مباركة. وثلث الليل الأخير وقت النزول الإلهي وقت مبارك. والإثنين والخميس تُفتَح فيهما أبواب الجنة، فيُغْفَر لكل عبد لا يُشرك بالله شيئاً، إلا رجلاً كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقول الله لملائكته: (أنْظِروا هذين حتى يصطلحا).

стр. 2525

بم تتحقق البركة في الأزمان المفضلة ؟ ما هي بركة هذه الأزمنة؟ بأي شيء تتحقق، وتصل إلى العبد، ويحصل عليها العبد؟ بعبادة الله فيها، وكل مَن عيَّن وقتاً يلتمس فيه بركة لم يرد به الشرع عيَّنه، واعتقد أن فيه بركة إضافية تختلف عن بقية الأوقات، فهو مبتدع من المبتدعة، كما يفعل كثير من الناس في السابع والعشرين من رجب، ونحو ذلك من الأيام التي عينوها.
следующие страницы →