← Джавами‘

Джавами‘ · id 7704

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (7 040 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

هيئات مباركة (الاجتماع على الطعام، كيل الطعام ،) ومن الهيئات المباركة الاجتماع على الطعام، والأكل من جوانب القصعة، ولعق الأصابع بعد الطعام، وكيل الطعام لِمَا جاء في الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ أنه قال: (اجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله، يبارَكْ لكم فيه). وقال ﷺ : (البركة تنزل في وسط الطعام، فكلوا من حافتيه، ولا تأكلوا من وسطه). وقال ﷺ : (إذا أكل أحدكم فلْيَلْعَقَنَّ أصابعه، فإنه لا يدري في أيتهن البركة). وقال ﷺ : (كيلوا طعامكم يبارَك لكم) حديث صحيح، رواه الإمام البخاري رحمه الله تعالى.

стр. 2522

الأماكن المباركة وأما الأماكن المباركة فقد ثبت أن المساجد بقاعٌ مباركة، وأن أحب البلاد إلى الله تعالى مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله تعالى أسواقها، وعلى رأس المساجد المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد النبي ﷺ ، والمسجد الأقصى. وقد قال ﵊: (لا تُشَدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى). وكذلك مسجد قباء، قال ﷺ : (مَن تطهر في بيته، ثم أتى مسجد قباء، وصلى فيه صلاةً كان له كأجر عمرة) حديث صحيح، رواه أحمد رحمه الله تعالى. إذا كان في المدينة يأتي قباء، وإذا جاءه يوم السبت ففيه أجر وفضل، وأما المساجد الثلاثة فيجوز السفر إليها، وقصد السفر لأجلها، وأما غيرها فلا يجوز شد الرحال إليه. يا عباد الله: إن التبرك بالمساجد لا يكون بالتمسح بترابها، ولا بجدرانها، ونحو ذلك؛ لأن التبرك عبادة، ويشترط في العبادة المتابعة، والتماس البركة في المساجد إنما يكون بالاعتكاف فيها، وانتظار الصلوات، وصلاة الجماعة، وحضور مجالس الذكر، ونحو ذلك: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧].

стр. 2523

بركة مكة والمدينة والشام ومن البقاع المباركة العظيمة مكة: التي دعا الخليل ربه أن يجعل فيها البركة، فجعل فيها البركة، وفيها بيت الله المبارك، بيت الله العتيق. وكذلك المدينة مدينة النبي ﷺ ، التي قال فيها ﵊: (إني أُحَرِّم ما بين لابَتَي المدينة أن يُقْطَع عضاها، أو يُقْتَل صيدها) وقال: (المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، لا يدعها أحد رغبةً عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه، ولا يثبت أحد على لأوائها وجهدها إلا كنتُ له شفيعاً أو شهيداً يوم القيامة) رواه مسلم ﵀. وقال: (على أنقاب المدينة ملائكة، لا يدخلها الطاعون ولا الدجال) وقال: (ومن أراد أهل المدينة بسوء أذابه الله كما يذوب الملح في الماء). وكذلك من البقاع المباركة الشام التي قال الله تعالى فيها: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء:١] وما حوله هو الشام، التي قال النبي ﷺ فيها: (طوبى للشام! فقلنا: لأي شيء ذاك؟ فقال: لأن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليه) حديث صحيح، رواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى. فمن سكن في مكة أو المدينة أو الشام ملتمساً لبركات الله في تلك البقاع سواءً من زيادة أرزاقها أو دفع الفتن عنها، فقد وُفِّق إلى خير كثير. أما لو تعدى وغلا وطلب التبرك بالتمسح بترابها وأحجارها وأشجارها، أو اعتقد أن غبارها شفاء أو يضع تربتها في الماء للاستسقاء، فإنه مأزور غير مأجور. ومن المشاعر المباركة: عرفة ومزدلفة ومنى؛ لكثرة الخير الذي ينزل على الناس فيها في موسم العبادة، ولذلك كان إتيانها في غير موسم العبادة رجاء البركة بدعةً من البدع، فمن وقف في عرفة يرجو بركةً في غير يوم عرفة، فإنه مبتدع وصاحب غُلُو.

стр. 2524

الأزمنة المباركة وهناك أزمنة جعلها الشارع مباركة، هي مثل غيرها من الزمان، لكن لما خصها الله بشيء من عنده صارت مباركة. فمثلاً: شهر رمضان شهرٌ مبارك، كما جاء في الحديث الحسن لشواهده: (قد جاءكم رمضان شهر مبارك). وليلة القدر وصفها الله تعالى بأنها ليلة مباركة: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان:٣] ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر:٣]. وكذلك يوم الجمعة، فإنه يوم مبارك، قال النبي ﷺ : (خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة) وهو كذلك يوم مبارك في الأسبوع. واليوم المبارك في السنة يوم عرفة الذي يباهِي الله فيه الملائكة بعباده. وأيام عشر ذي الحجة أيام مباركة. وثلث الليل الأخير وقت النزول الإلهي وقت مبارك. والإثنين والخميس تُفتَح فيهما أبواب الجنة، فيُغْفَر لكل عبد لا يُشرك بالله شيئاً، إلا رجلاً كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقول الله لملائكته: (أنْظِروا هذين حتى يصطلحا).

стр. 2525

بم تتحقق البركة في الأزمان المفضلة ؟ ما هي بركة هذه الأزمنة؟ بأي شيء تتحقق، وتصل إلى العبد، ويحصل عليها العبد؟ بعبادة الله فيها، وكل مَن عيَّن وقتاً يلتمس فيه بركة لم يرد به الشرع عيَّنه، واعتقد أن فيه بركة إضافية تختلف عن بقية الأوقات، فهو مبتدع من المبتدعة، كما يفعل كثير من الناس في السابع والعشرين من رجب، ونحو ذلك من الأيام التي عينوها.

стр. 2526

الأطعمة المباركة وقد جعل الله تعالى في بعض المطعومات بركة، ومثل ذلك زيت الزيتون لقوله تعالى: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ [النور:٣٥]. وقال: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾ [النور:٣٥]. وقال ﵊: (كلوا الزيت وادهنوا به، فإنه من شجرةٍ مباركة). () ائتدموا بالزيت وادهنوا به، فإنه من شجرةٍ مباركة). وكذلك اللبن فهو مبارك، وقد قال النبي ﷺ : (من أطعمه الله طعاماً فليقل: اللهم بارك لنا فيه، وارزقنا خيراً منه، ومَن سقاه الله لبنا فليقل: اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه، فإني لا أعلم ما يجزئ من الطعام والشراب إلا اللبن). وكذلك من الأطعمة التي جعل الله فيها بركةً كبيرةً في الدواء: الحبة السوداء، والعجوة، والكمأة؛ لما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إن في الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام وهو الموت) حديث صحيح. وقال ﵊ (الكمأة من المَنِّ، وماؤها شفاء للعي). والعجوة من الجنة، وهي شفاء كذلك. وقال ﷺ : (من تصبح بسبع تمرات عجوة لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر). وكذلك العسل الذي قال الله فيه: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل:٦٩]. وكذلك ماء زمزم فإن النبي ﷺ قال: (إنها مباركة، إنها طعام طُعْم). وكذلك ماء المطر ماء مبارك، فإن الله قال: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً﴾ [ق:٩]. وجاء عن أنس ﵁ قال: (أصابنا ونحن مع رسول الله ﷺ مطر، فحسر رسول الله ﷺ ثوبه حتى أصابه من المطر، فقلنا: يا رسول الله! لم صنعت هذا؟ قال: لأنه حديث عهد بربه) رواه الإمام مسلم ﵀ في صحيحه. وكذلك الخيل، جعل الله فيها بركة، وقال النبي ﷺ : (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة: الأجر، والمغنم). وكذلك الغنم فيها بركة، فقال النبي ﷺ (صلوا فيها -أي: في مرابض الغنم- فإنها بركة). وقال لـ أم هانئ (اتخذي غنماً، فإن فيها بركة). والنخل مبارك، جعل الله فيه بركة، زيادة على بقية الثمار والزروع، فقال ﵊: (إن من الشجر لَمَا بركته كبركة المسلم؛ هي النخلة) رواه البخاري ﵀. فالله يجعل البركة في من شاء من عباده، وفيما شاء من البقاع، وفيما شاء من الأمكنة والأزمنة. نسأل الله تعالى أن يبارك لنا في أهلينا وأموالنا وأولادنا. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو البر الرءوف الرحيم.

стр. 2527

التبرك الممنوع الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، خلق فسوى، وقدر فهدى، وهو رب الأولين والآخرين، الحي القيوم لا يموت، والجن والإنس يموتون. وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. عباد الله: إن ما وقعت فيه هذه الأمة من الشرك في مسألة التبرك أمر خطير جداً، وهو منتشر في بلاد المسلمين في طولها وعرضها، لا يكاد يَسْلم منه أحدٌ إلا الموحِّدين، الذين عرفوا الله تعالى ووحدوه، الذين تعلموا هذه الشريعة، وعرفوا معنى الاتباع ومعنى الابتداع، وعرفوا النهي عن الغلو، فاجتنبوا الغلو. كان أهل الجاهلية قبل البعثة يطلبون البركة من أصنامهم، وكان لهم دار في مكة فيها صنم يعبدونه، فإذا أراد أحدهم السفر كان آخر ما يصنع قبل أن يخرج من منزله أن يتمسح بذلك الصنم، وإذا قدِم من سفر تمسح به كذلك، يرجو البركة بانتقال البركة من هذا الصنم إلى اليد، ويزعمون أن أول ما كانت عبادة الحجارة في بني إسماعيل، أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن ولا يرحل راحل إلا حمل معه حجراً من حجارة الحرم، فحيثما نزلوا وضعوها، فطافوا حولها.

стр. 2528

التبرك بأحجار مكة وبهذا يتبين أن التبرك بأحجار مكة وتعظيمها أمر غير مشروع أبداً، إلا الحجر الأسود، الذي استلمه النبي ﷺ ، وكذلك الركن اليماني، قال عمر: [إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك]. ولذلك كان استلام أعمدة الحرم وجدران الحرم وغير ذلك والتمسح بها، وحلقات الأبواب من فعل المشركين الذين يقعون في هذا الشرك بالتبرك بالأشياء التي لم يشرع التبرك بها. وتنتقل البدعة من واحد إلى آخر؛ حدثني رجل قال: كنت في المسعى أسعى بين الصفا والمروة، فرأيت رجلاً يمسك حلقةً من حلقات أحد الأبواب، يتفرج عليها، قال: فوقف بعده واحدٌ آخر، وصار بدلاً من أن يمسكها للفرجة يمسحها، قال: وبعد عدة أشواط وجدت نفراً كثيرين متجمعين ليمسحوا بتلك الحلقة، فكل جاهل يرى مَن قبله يَمسح فيَمْسح، وهكذا يفعلون. لقد كان أهل الجاهلية كما قلنا يلتمسون البركة من أصنامهم، وكان لهم صنم يقال له سعدٌ، وهو عبارة عن صخرة في فلاة من الأرض، فأقبل رجل من بني ملكان بإبل له ليقفها عليه التماس بركته، فلما رأته الإبل، وكانت مَرْعِيَّة لا تُرْكَب، وكان هذا الصنم يُراقُ عليه الدم، وتُنْحَر عنده الذبائح، فلما رأت الإبلُ ذلك نَفرَت منه، فذهبت في كل وجه، فغضب الأعرابي، فأخذ حجراً فرمى الصنم، وقال: لا بارك الله فيك، نَفَّرْتَ عليَّ إبِلِي، ثم خرج في طلبها، وعاد فقال: أتينا إلى سعدٍ ليجمع شملنا فشتتنا سعدٌ فلا نحن مَن سَعْدِ وهل سعدٌ الا صخرةٌ بتَنُوفةٍ مِن الأرض لا يُدعى لِغَيٍّ ولا رُشْدِ وهكذا فعل الجاهليون بأصنامهم. ولذلك لما بُعث النبي ﷺ أرسل إلى كل صنم من يهدمه، ويحرقه ويزيل أثره، وعلى رأسهم سيف الله وسيف رسوله خالد بن الوليد، وجرير بن عبد الله البجلي وغيرهما، حتى إنه يُروى أن المغيرة بن شعبة لما خرج مع خالد بن الوليد لهدم اللات، وكانت عند أهل الطائف في ثقيف، انكفأ الرجال والنساء والصبيان، وخرجت العواتق ليرون هذا الذي سيَهْدِم صنمهم ماذا سيحل به؟ فأخذ المغيرة بن شعبة فأساً كبيرة، وقال لأصحابه: ألا أضحكنكم من ثقيف؟ قالوا: بلى، فضرب بالمعول ضربةًَ على اللات، ثم صاح وخَرَّ مغشياً على وجهه، فارتجت الطائف بالصياح سروراً بأن اللات قد صَرَعت المغيرة، وأقبلوا يقولون: يا مغيرة! كيف رأيتها؟! دُونَكَها إن استطعت! ألم تعلم أنها تهلك من عاداها، فوثب المغيرة يضحك منهم، وكان قد أتقن تمثيل دوره، ويقول: والله يا معشر ثقيف ما قصدتُ إلا الهُزْء بكم، إنما هي لَكاعِ؛ حجارة ومدر، ثم ضرب الباب فكسره، ثم علوا سورها، فما زالوا يهدمونها حتى ساووها بالأرض، وأخذوا كنوزها وحليها وثيابها، فجاءوا به رسول الله ﷺ . ولما رأى الأعرابيُّ ثعلباً يبول على صنم لبني سليم استهزأ به وعرف أنه ليس بإله. وهكذا فعل الصحابي الذي هداه الله لما رأى صنمه مربوطاً بجيفة كلب مُدَّلى في بئر. كانت تلك حال أهل الجاهلية. فماذا فعل أهل جاهليتنا؟ لقد جعلوا بدل الأصنام قبوراً، وبدل بيت الصنم شباك القبر، وجعلوا ذلك الحديد الذي حول القبر مكان المَسْح، وأعتاب القبر تُقَبَّل، ويُحج إليه، ويذبح عنده، ويطاف به، وهكذا.

стр. 2529

التبرك بغار حراء وغار ثور وكذلك غلا الناس في بعض الآثار النبوية، كـ غار حراء، وغار ثور، ويريدون إحياء مكان خيمة أم معبد، ونحو ذلك. وقد قطع عمر ﵁ شجرة الرضوان التي قالوا: إنها هي الشجرة التي بويع عندها النبي ﷺ ، لما رأى الناس يأتونها، وقال: [[إنما هلك مَن كان قبلكم بمثل هذا، يتبعون آثار أنبيائهم فيتخذونها كنائس وبيعا]. ولذلك لما رأى أحد الصحابة أخاً له قادماً من جبل الطور، قال: أما لو أدركتك قبل أن ترحل إليه ما رحلتَ، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تُشَد الرحال) الحديث. وكان مالك بن أنس، وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان المساجد الأخرى غير المسجد النبوي ومسجد قباء أو الآثار النبوية ونحو ذلك، ولا يأتون أماكن الآثار للفرجة ولا لغيرها. وقال شيخ الإسلام ﵀: إذا قصد الرجل الصلاة عند بعض قبور الأنبياء أو بعض الصالحين تبركاً بتلك البقعة فهذا عين المحادة لله ورسوله. وقال: مِثْل مَن يذهب إلى حراء ليصلي فيه ويدعو، أو يسافر إلى غار ثور ليصلي فيه ويدعو، أو يذهب إلى الطور ليصلي فيه ويدعو، أو يسافر إلى غير هذه من الأمكنة أو الجبال التي يقال عنها: إنها مقامات الأنبياء، فلا شك أن هذا الرجل قد وقع فيما نهى الله ورسوله عنه. وقد تصدى علماؤنا حفظهم الله لمن يريد إحياء الآثار النبوية بزعمهم، كطريق الهجرة، ومكان خيمة أم معبد، وأن يحولوها إلى مزارات يأتي إليها الناس، ولا شك أن هذا من الأسباب التي توصل إلى الشرك، وكثير من الناس فيهم جهل.

стр. 2530

بدعة الاحتفال بالمولد ويحتفلون أيضاً بأزمنةٍ يقولون فيها بركة، مثل وقت المولد، وغير خافٍ عليكم ما حصل قبل فترة بسيطة من الاحتفال به عند كثير من المسلمين. فمن الذي أحيا المولد؟ ومن الذي بعث المولد في البلاد؟ إنهم بنو ميمون القداح، الذين تسموا بالفاطميين، وهم غير قرشيين، بل إن جدهم مجوسي. قال أبو بكر الباقلاني ﵀: القداح جد عبيد الله الذي يسمى بـ المهدي، كان مجوسياً، لا تنعقد لهم بيعة ولا تصح لهم إمامة، كان المهدي عبيد الله باطنياً خبيثاً حريصاً على إزالة ملة الإسلام، أعدم العلماء والفقهاء، وأباح الخمر والفروج، وكان زنديقاً ملعونا، ً أظهر سب الأنبياء. والفاطميون هم الذين أحيوا المولد، ونشروا الاحتفال به، ويتابعهم الجهلة من بني عصرنا وغيرهم إلى هذا الوقت على الاحتفال بيوم المولد، وأنه يوم مبارك بزعمهم، ويتبركون بذوات الصالحين، ويقولون: الشيخ فلان، وإذا دخل تمسحوا به ثم مسحوا أنفسهم، أو مسحوا وجوه أطفالهم، وهكذا يفعلون بمشايخهم، بل وصل الحد إلى أنهم كانوا يتبركون بـ الحلاج، وهو من زعماء البدع المكفِّرة، حتى كانوا يتمسحون ببوله، ويتبخرون بروثه. وفي أمم الأرض اليوم، وفي كثير من البلدان من يتمسحون بالأشخاص، والمغارات، والجدران، ومغارة الخضر، ونحوها، ويزعمون أنها أماكن مباركة، وهكذا حصل الشرك وانتشر في الأمة. ويقول بعض الناس لبعض: تفضل! بارك لنا البيت، أو تبارَكْتَ علينا يا فلان، وإنما البركة من الله، الله هو الذي يبارك، لا يبارك فلان ولا فلان، الله الذي يبارك فقط . نسأل الله أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يجنبنا البدع والشرك بأنواعه، والفتن ما ظهر منها وما بطن.

стр. 2531

التعلق بالدين لا بالأشخاص لقد كان لغزوة أحد الأثر الكبير في تهيئة النفوس لاستقبال الأخبار التي قد تؤثر على نفوسهم، من هذه الأخبار: خبر وفاة الرسول ﷺ الذي جاء في القرآن، وقد أوضح أن رسولنا ﷺ إنما هو رسول من سائر الرسل مبيناً أن التعلق لا يكون بالأشخاص وإنما بالدين.

стр. 2532

إعداد النفوس في أحد لتلقي نبأ الوفاة إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. يقول الله في القرآن المجيد: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤]. هذه الآية العظيمة من كتاب ربنا فيها بيان كافٍ لقواعد من أسس التربية الإسلامية، ووضع صحيحٍ في محله للموازين التي ينبغي أن يكون المرء المسلم متزوداً بها وهو ينظر في واقعه ومن حوله، كان لهذه الآية فعلٌ عظيمٌ في مناسبتين خطيرتين من مناسبات الإسلام: أما الأولى: فهي وقعة أحد؛ التي انهزم المسلمون فيها بعد أن نصرهم الله في بادئ الأمر، ثم انهزموا فيها لأسبابٍ أربعة جاء ذكرها في القرآن الكريم: أولاً: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾ [آل عمران:١٥٢]. ثانياً: ﴿وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٢]. ثالثاً: ﴿وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:١٥٢]. رابعاً: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران:١٥٢]. فلأن التفرق قد حل بينهم في تلك اللحظات، والتنازع، ومعصية أوامر الرسول ﷺ ، والطمع في الدنيا للجري وراء الغنائم؛ حلت بهم الهزيمة، وأشيع بأن رسول الله ﷺ قد قتل، وادعى ذلك بعض كفار قريش. وفي هذه اللحظات العصيبة التي أشيع فيها مقتل القائد؛ الذي يتجمع الجنود حوله ويصدرون عنه في أمره ونهيه، وهو الذي يعد لهم ويرتب، وهو الذي عليه المدار، ومنه تنبثق الأمور؛ حلت النكبة العظيمة في جيش المسلمين، ورسول الله ﷺ ليس كأي قائد من القواد، بل إنه قدوة عظيمة، وهو مصدر الوحي من عند الله ، ولذلك كان وقع خبر مقتله ﷺ على صحابته وقعاً في غاية السوء. وقد أيد ذلك أن شخصه ﷺ قد غاب عن ساحة المعركة في وقت من الأوقات، وكان ﵊ مختبئاً محصوراً في زاوية من الجبل هو ونفرٌ قليلٌ من أصحابه، فلما جاء وقع ذلك الخبر كالصاعقة على المسلمين، انقسموا إلى ثلاثة أقسام: فمنهم: من أمعن في الفرار. وقسم ثانٍ: ألقوا السلاح وجلسوا يائسين: لماذا يقاتلون؟ وكيف يقاتلون؟ وعلام يقاتلون وقد مات ﷺ ؟ وقسم ثالث: فقهوا الدين وعاشوا لحظات المصيبة بكامل عتادهم الإيماني، ونظرتهم الشاملة لنصرة دين الله، والاستمرارية التامة لإعلاء كلمة الله حتى آخر لحظة، فكانوا يبثون الحماس في نفوس اليائسين ويقولون: [إذا كان رسولكم قد مات فقوموا فموتوا على ما مات عليه]. وفي لحظات المصيبة والنكبة التي تقع؛ فإن الناس لا بد أن يتقسموا إلى أقسام بحسب الفقه والإيمان الذي وقر في قلوبهم. ويتخذ القرآن من حادثة فرار المسلمين في أحد مادة للتوجيه وتقرير حقيقة إسلامية عظيمة في التصور الإسلامي، إن محمداً رسول الله ﷺ قد سبقته الرسل، وقد مات الرسل من قبله، فهو إذاً سيموت لا محالة كما مات من قبله، هذه حقيقةٌ أوليةٌ بسيطةٌ، فما بالكم -أيها المسلمون- قد غفلتم عنها حين واجهتكم تلك الحقيقة في ساعات المعركة، إذا مات المبلغ، فإن البلاغ باقٍ، والبشر إلى فناء والعقيدة إلى بقاء.

стр. 2533

توضيح وظيفة رسول الله في قوله تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ) إنه ﵊ قد جاء ليأخذ بأيدي المسلمين إلى العروة الوثقى، ليعقد بها أيدي البشر، ثم يدعهم عليها ويمضي وهم به مستمسكون، هذا هو المفروض أن يكون: (تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك). مات ﵇ وذهب بشخصه وبقيت دعوته حية، من الذي يستمسك بها؟ ومن الذي يعضُّ عليها بالنواجذ؟ أنتم -أيها المسلمون- تأملوا في أنفسكم: لقد ذهب رسولكم ﷺ إلى ربه، فمن الذي بقي بعده مستمسكاً بحبل الله ، وبالعروة الوثقى؟ إن الدعوة إلى الله أقدم من الداعية: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران:١٤٤] خلوا من قبله يحملون الدعوة الضاربة في جذور الزمن، وهي أكبر من الداعية، الدعاة يجيئون ويذهبون، وتبقى الدعوة إلى الله على مر الأزمان والقرون. إذاً لابد من توضيح دور الشخصيات بالضبط في هذا الدين، أن تعمل للدين هذا فرضٌ واجبٌ، أن تكون الشخصيات قدوةً حيةً تحرك نفوس المسلمين، هذا أمرٌ مهمٌ، وأن تكون مشعلاً ينير للناس ظلمات الجاهلية؛ هذا أمرٌ مطلوب، ولكن أن يكونوا هم الدين، كلا. إن هذا أمرٌ لن يتم مطلقاً؛ لأنهم سيذهبون. مشكلة كثيرٍ من المسلمين اليوم (عقدة الشخصانية) أنهم يتعلقون بالأشخاص على حساب المنهج، وهذا التعلق مذمومٌ لأسباب كثيرة: فمنها: لو أن هذا الشخص ضل، أو انحرف، أو ارتد عن دين الله، أو أخطأ كما هو متوقعٌ -لأن البشر غير معصومين- فإذاً ما الذي سيحصل لو كان التقليد الأعمى هو الذي قد استقر في النفوس؟ فإن (عقدة الشخصانية) -التعلق بالأشخاص- قد يصل إلى درجة عبادتهم من دون الله، فيتابعون على تحليل الحرام وتحريم الحلال، إن تمجيد الأشخاص في النفوس عقدةٌ مذهلةٌ تصرف كثيراً من المسلمين عن الحق، ولو أن هذا القدوة، أو هذا الشخص قد ابتعد في سفرٍ، أو موتٍ، أو ابتعد عنه، ما هي النتيجة؟ إذاً أيها الإخوة: لا بد أن نقدر الأمور بقدرها الشرعي، ونضبطها بالميزان الإلهي؛ ألا نغلو في الأشخاص كما نحفظ لهم حقوقهم، إن الذين استقاموا على الشريعة لهم مكانة عظيمة في نفوسنا، ولكن تلك المكانة لا تحملنا على ترك هجر الحق وتركه لأجلهم، إن الحق عندنا أغلى من الرجال، إن الحق أحق أن يتبع. لقد استغلت حادثة معركة أحد لإعداد الجماعة المسلمة لتلقي الصدمة الكبرى حين تقع، والصدمة الكبرى هي وفاة رسول الله ﷺ ، والله يعلم أنها ستقع وبأي وقت ستكون، فبين القرآن أن الصلة بالله لا بغيره، وأن هؤلاء محاسبون أمام الله لا أمام غيره. قال الإمام ابن القيم ﵀ في الزاد " ومنها -أي: من الغايات في هذه الغزوة- أن وقعة أحد كانت مقدمةً وإرهاصاً بين يدي موت رسول الله ﷺ ، فنبأهم ووبخهم على انقلابهم على أعقابهم إن مات رسول الله ﷺ أو قتل، بل الواجب عليهم أن يثبتوا على دينه وتوحيده، ويموتوا عليه ويقتلوا، فإنهم إنما يعبدون رب محمد وهو حيٌ لا يموت، فلو مات محمد أو قتل لا ينبغي لهم أن يصرفهم ذلك عن دينه وما جاء به، فكل نفس ذائقة الموت، وما بعث محمد ﷺ إليهم ليخلد ولا هم، بل ليموتوا على الإسلام والتوحيد ". ا. هـ ولذلك لما مات رسول الله ﷺ وقبضت روحه، يقول الراوي: فتشهد أبو بكر فمال إليه الناس، فقال: [أما بعد: فمن كان منكم يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله، فإن الله حيٌ لا يموت، قال الله : ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ)) [آل عمران:١٤٤] قال: والله لكأن الناس لم يكونوا يعلمون أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها منه الناس، فما أسمعُ بشراً من الناس إلا يتلوها] رواه البخاري.

стр. 2534

أهمية التربية في إعطاء الناس المبادئ النظرية أيها الإخوة: إن التربية مهمة في إعطاء الناس المبادئ النظرية التي يستعملونها في الواقع العملي، ولكن عندما تأتي الحاجة إلى استغلال هذه المبادئ، وإلى هذه الآيات والأحاديث، فإن ضغط الواقع وحجم المصيبة قد ينسي في تلك اللحظة تلك المبادئ النظرية التي تلقيت وحاول المربي أن تستقر في النفوس. فإذاً لا بد من إنسان يعيد إلى الذاكرة تلك المبادئ وهذه الأسس التي سبق أن أخذت مكاناً لها في الذاكرة، لماذا؟ لأن الواقع العملي يحتاج في لحظات الشدة إلى قواعد يتكئ عليها المصاب التي حدثت به المصيبة، فتذكر هذه الأشياء وإعادتها إلى الأذهان من صفات عباد الله الشاكرين الذين ثبتوا ويقومون بتثبيت الناس، قال عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه: [[والله ما هو إلا أن تلاها أبو بكر -يعني: قوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران:١٤٤] حتى عقرت- دهشت وبلغ بي الروع كل مأخذ- وأنا قائم، حتى خررت إلى الأرض، وأيقنت أن رسول الله ﷺ قد مات]. عمر ﵁ وأرضاه بعظمته وسعة علمه وفقهه ما كان يصدق أنه ﷺ قد مات حتى سمع الآية التي ذكره بها أبو بكر، وفي رواية: [[والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها، فعرفت أنه الحق، فعقرت حتى ما تقلني رجلاي، وحتى هويت إلى الأرض، وعرفت حين سمعته تلاها أن رسول الله ﷺ قد مات]. قالت عائشة: [[لقد بصَّر أبو بكر الناس في الله، وعرفهم الحق الذي عليهم، وخرجوا به يتلون: ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ)) [آل عمران:١٤٤]]. في المواقف الصعبة يظهر دور الشخصيات القيادية في المجتمع التي تقود الناس بالوحي يظهر أثرها في تثبيت الناس. عظم أبو بكر الصديق حتى صار ملجأً للناس يلجئون إليه، والحادثة كشفت عن قدرة هذا الرجل وإيمانه وعمله، لم يقم بدوره عمر، ولا عثمان، ولا علي، ولا بقية الصحابة، ولذلك كان جديراً أن يكون أفضل الأمة بعد نبيها، وخليفة المسلمين بعد رحيل نبيهم ﷺ . إذاً: الحادثة تعلم كيفية التعامل مع الواقع السيء، كيفية التعامل مع الناس في أجواء الشدة وأجواء المحنة، إن الناس قد جاءوا إلى أبي بكر والتفوا حوله لما وقعت المصيبة، وذهلتهم الصدمة في الرواية الصحيحة التي رواها الترمذي وغيره، قال الراوي: [جاء أبو بكر والناس قد دخلوا على رسول الله ﷺ ، فقال: يا أيها الناس! افرجوا لي، فأفرجوا له، فجاء حتى أكب على رسول الله ﷺ ومسه، فقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] ثم قال الناس: يا صاحب رسول الله! أقبض رسول الله ﷺ ؟ فقال: نعم. فعلموا أن قد صدق، قالوا: يا صاحب رسول الله! أيصلى على رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. قالوا: وكيف؟ قال: يدخل قومٌ فيكبرون ويصلون ويدعون، ثم يخرجون، ثم يدخل قومٌ فيكبرون ويصلون ويدعون، ثم يخرجون حتى يدخل الناس، قالوا: يا صاحب رسول الله! أيدفن رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. قالوا: أين؟ قال: في المكان الذي قبضه الله فيه، فإن الله لم يقبض روحه إلا في مكان طيب، فعلموا أن قد صدق]. كبار الصحابة والمجتمع المدني وجميع الناس يسألون رجلاً واحداً يصدرون عن رأيه وفتواه المستندة إلى العلم الشرعي، واحد ثبت الناس كلهم، واحد رجع إليه الناس وفاءوا، واحد أنقذ الناس من هول الصدمة، وعرفهم كيف يعملون، وماذا يصنعون، واحدٌ هو الذي قادهم حتى صار بعد ذلك أمر المسلمين إليه فأنقذهم، واحدٌ هو الذي قاوم الردة بأسرها، واحدٌ هو الذي كان رأيه أن يقاتل المرتدين بمللهم حتى اجتمع أمر الصحابة على ذلك. إذاً -أيها الإخوة- المواقف هي التي تبرز الرجال، فلو شاهدت ميتاً مات في دار بعض الناس، تجد الإنسان الذي أنعم الله بالثبات، يثبت نساء الميت وأولاده وأقرباءه، ويكون هو الشعلة التي تتحرك في هول تلك الصدمة هو الذي يبصر الناس بالواجب الشرعي عليهم. نسأل الله أن يجعلنا ثابتين على الحق مثبتين لغيرنا عليه، وصلى الله على نبينا الأمي، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 2535

أثر وفاة الرسول على الصحابة الحمد لله الذي لا إله إلا هو لم يتخذ صاحبةً ولا ولداً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وجاهد في الله حق جهاده حتى لقي ربه وقد أعذر وأنذر، وبلغ الناس ما أنزل إليهم من ربهم. أيها الإخوة: إن الجو الذي عاشه صحابة رسول الله ﷺ في اليوم الذي مات فيه كان جواً حالكاً جداً يعبر عنه الراوي في الحديث الصحيح وهو أنس فيقول: (لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء، وما نفضنا أيدينا من التراب، وإنا لفي دفنه حتى أنكرنا قلوبنا). أظلم منها كل شيء، هول الصدمة أراهم الواقع مظلماً لا يرون شيئاً، اسودت الدنيا في أعينهم، وكانوا كما جاء في وصفهم: كالغنم المتفرقة في الليلة الشاتية المطيرة، كيف يفعل الليل والشتاء والمطر والبرد بقطيع من الغنم؟ كيف يبعثرها؟ ولذلك فالثبات في لحظات الفتنة، وفي لحظات المحنة، والصدمة أمرٌ مهمٌ جداً، ولذلك يقول الله في آخر هذه الآية: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً﴾ [آل عمران:١٤٤] سيأتي الله بقومٍ يحبهم ويحبونه، ليست المسألة في الأشخاص، دين الله باقٍ ولو ارتد الناس، سيأتي الله بقوم يقومون بهذا الدين: ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً﴾ [آل عمران:١٤٤] لن يضر إلا نفسه، ثم قال: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤] قال ابن الجوزي ﵀ في زاد المسير: وفي هذه اللفظة (الشاكرين) أقوالٌ: أحدها: أنهم الثابتون على دينهم قاله علي، وقال: كان أبو بكر أمير الشاكرين. وقال ابن القيم ﵀: والشاكرون هم الذين عرفوا قدر النعمة، فثبتوا عليها حتى ماتوا وقتلوا، فظهر أثر هذا العتاب، وحكم هذا الخطاب يوم موت رسول الله ﷺ ، وارتد من ارتد على عقبيه من كفار العرب، وثبت الشاكرون على دينهم، فنصرهم الله وأعزهم وأظفرهم على أعدائهم، وجعل العاقبة لهم. فإذاً: تحمل المسئولية في نصرة هذا الدين هي للشاكرين الذين ثبتوا، والقيام بتثبيت الناس وظيفة مهمة ينبغي أن يقوم بها أولئك الشاكرون. ومن عجائب الأمور التي تذكر بها هذه المناسبة: أن الله يقول عن هذا القرآن: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً) [البقرة:٢٦] هذه الآية في المجتمع المدني ثبتت الصحابة رضوان الله عليهم لما مات ﵇، فخرجوا يتلونها، أما طائفة من المستشرقين من أبناء هذا الزمن، فإنهم قالوا في هذا الحديث: إن هذه الآية من بنات أفكار أبي بكر، وأنه اخترعها لحظة حصول الصدمة ليمتص بها الصدمة، وهذه الآية قديمة جداً، هذه الآية نزلت في آيات تعقب على غزوة أحد، فتباً لتلك العقول! وفعلاً إن الله يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً؛ آية من كتاب الله اهتدى بها أقوام وثبتوا، وضل بها أقوام وزاغوا، هذا القرآن إذاً يثبت الله به المؤمنين، وليس كل الناس يكون هذا القرآن ذا أثر إيجابيٍ على أنفسهم. اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، اللهم اجعلنا من الشاكرين في النعماء، الصابرين في البأساء والضراء وحين البأس، اللهم ثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، اللهم لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمةً إنك أنت الوهاب، اللهم وطهر بلادنا من الشرك والبدع، اللهم واحمها من كل عدو للإسلام والمسلمين، اللهم من أراد بنا وببلدنا سوءاً فاجعل كيده في نحره، اللهم من أراد بلاد المسلمين بسوء اللهم فطهر الأرض من رجسه. والحمد لله رب العالمين.

стр. 2536

التوفيق بين عمل الدنيا وعمل الآخرة إن الله دعا عباده إلى العمل والتكسب لأجل المعيشة، ومع ذلك دعا إلى المسارعة والمسابقة إلى طاعته، مما يدل على أن الإنسان لابد أن يوفق بين عمل الدنيا وعمل الآخرة، وأن يسعى في هذه الدنيا بضوابط شرعية فرضها الله عليه.

стр. 2537

أحوال الناس تجاه عمل الدنيا والآخرة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد. فمع عودة كثيرٍ من الناس إلى أعماهم ودراساتهم، أنبه وأعرض في هذه الخطبة -أيها المسلمون- إلى مفهومٍ إسلامي أصيل، وتصورٍ جاء به هذا الدين العظيم، وهو: أن طريق الدنيا والآخرة طريق واحد، وأن طريق العبد في هذه الحياة حتى ولو كان يعمل للدنيا فإنما هو ينظر إلى الآخرة؛ إذ أن التعارض بين الدنيا والآخرة والفصل بينهما صار عند كثيرٍ من الناس بأسبابٍ متعددة، إذا نظروا في أمر الإسلام والدين، ثم التفتوا إلى أمر دنياهم وأعمالهم ووظائفهم وتجارتهم ودراستهم؛ وجدوا تناقضاً وأحسوا بالإثم، ورأوا تعارضاً بين ما هم فيه من أمور الدنيا وبين القرآن والسنة، وهذا الشعور له مصادر متعددة، فقد يكون نتيجةً لتصور خاطئ، وقد يكون نتيجةً لممارسةٍ خاطئةٍ وعملٍ محرم، فالذين يعملون في المحرمات وظيفةً وتجارة ودراسة شعورهم بالتعارض بين دنياهم وآخرتهم شعور حقيقي وصحيح، ويجب أن يشعروا أن ما هم فيه من عمل الدنيا يتعارض مع الآخرة تعارضاً واضحاً لماذا؟ لأنهم يعملون في مجالاتٍ محرمة منافيةٍ للدين، وتصير أمور دنياهم في هذه الحالة مخالفةً لأحكام دينهم، فيجب على هؤلاء ترك المحرمات التي هم فيها واقعون. ومن المسلمين طائفة ثانية تشعر بالتعارض؛ لأنه غلَّب جانب الدنيا على جانب الآخرة في الاهتمام والعمل، فشعوره -أيضاً- شعورٌ صحيح؛ لأنه غبن نفسه وفوت عليها حسناتٍ كثيرة لو حصلها لارتفع عند الله في الآخرة، ولأنه انشغل بالفاني، عن العمل للباقي، وركز جهده في هذه الحياة التي تنتهي؛ ركز فيها جهده وعمله، وجعل الفتات والفضلة من وقته لأمر الآخرة التي لا تنتهي، والتي حياتها في خلودٍ دائم فهذا مغبونٌ ومسكين؛ لأنه انشغل بما ينتهي عما لا ينتهي، وبالفاني عن الباقي، فينبغي أن يعود، ويعدل الميزان، وأن يجعل عمله للآخرة هو الأكثر. ومن المسلمين من يرى تعارضاً بين الدنيا والآخرة لخطأ في تصور القضية طريق الدنيا وطريق الدين، فهؤلاء ينبغي أن يبصروا ويفقهوا ليزول اللبس فلا يتعذبون، وليعملوا وهم في راحة. يصر البعض على زعم أن العبادة تتعارض مع الكسب والعمل في الصناعة والتجارة والزراعة وغيرها، وأن من أراد الآخرة فلا بد أن يطلَّق الدنيا طلاقاً باتاً حتى يصلح قلبه.

стр. 2538

شبهة الصوفية والرد عليها يقول بعض هؤلاء من الصوفية وغيرهم: إن الصحابة لم يفتحوا البلدان، ولم يصلوا إلى المنزلة العالية من الدين، إلا بعد أن تركوا الدنيا وتفرغوا تفرغاً تاماً للعبادة والجهاد فما صحة هذا الكلام؟ الجواب إن هذا الكلام فيه تعسفٌ ومنافاة لمصلحة الإنسان وفطرته التي فطره الله عليها، وبعيدٌ عن الحكمة والعقل السليم والواقع، وهو مغاير قبل ذلك كله لحال الصحابة رضوان الله عليهم، وللرد على تلك المزاعم نريد إلقاء الضوء على النظرة الشرعية للعمل الدنيوي والكسب أولاً، وكيف طبق الصحابة ذلك في حياتهم ثانياً؟ أما المسألة الأولى: فقد قال الله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧]، قال ابن كثير ﵀: "أي: استعمل ما وهبك الله من هذا المال الجزيل، والنعمة الطائلة، في طاعة ربك والتقرب إليه بأنواع القربات، التي يحصل لك بها الثواب في الدنيا والآخرة". قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧] هذه الآية فيها تفسيران: الثاني: أي: لا تنس ما أباح الله فيها من المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمناكح، فإن لربك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، ولزورك -أي: ضيوفك وزائريك- عليك حقاً، فأعطِ كل ذي حقٍ حقه. وقال الحسن وقتادة: [أي: لا تضيع حظك من دنياك في تمتعك بالحلال وطلبك إياه]. وهذا مثل قول ابن عمر ﵁: [احرث لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً] وقال الحسن: [قدم الفضل وأمسك ما يبلغ] وقال مالك: "هو الأكل والشرب بلا سرف". هذا معنى: لا تنس نصيبك من الدنيا لا تنس الحلال فهو نصيبك من الدنيا.

стр. 2539

الكسب والفرق فيه بين المؤمنين والكفار مسألة الكسب -أيها الإخوة- مسألة شرعية تحصيل المال لإنفاقه على النفس، وسد الحاجة مطلبٌ شرعي، وليست قضيةً دنيويةً بحتة يرتبط بتحصيل الكسب للإنفاق على النفس وسد الحاجة، أجرٌ وثوابٌ في الآخرة، فهي ليست قضية دنيوية مجردة، وهذا من الفروق بين المسلمين والكفار؛ فالكفار لا يحتسبون -في عملهم للدنيا في وظائفهم ودراساتهم وأبحاثهم- أجراً عند الله، وإن كانوا يقولون: إن ذهابهم إلى الكنيسة من أجل أن يجدوا فائدة ذلك بعد الموت، لكنهم لا يحتسبون في أعمالهم الدنيوية أي نوعٍ من أنواع الأجر. وأما المسلمون: فانظر في هذا الحديث الصحيح: قال ﷺ في الخارج من بيته: (إن كان خرج يسعى على ولده صغاراً فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياءً ومفاخرةً فهو في سبيل الشيطان). مسألة الغرس التي يغرسها الإنسان في الأرض، مع أن ظاهرها قضية دنيوية، ولكن لها في الآخرة اتصال وثيق؛ فعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من مسلم يغرس غرساً، أو يزرع زرعاً، فيأكل منه طير، أو إنسان، أو بهيمة، إلا كان له به صدقة) رواه البخاري. قال ابن حجر ﵀: وفي الحديث فضل الغرس والزرع، والحض على عمارة الأرض. ويستنبط منه: اتخاذ الضيعة -وهي التي يسميها الأولون بهذا الاسم- كالمزرعة وغيرها، والقيام عليها. وفيه فساد قول من أنكر ذلك من المتزهدة من الصوفية وغيرهم. فأما ما ورد من النهي عن ذلك فإنه يحمل على من استكثر بها واشتغل عن أمر الدين، وقوله: "إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة"، مقتضاه أن أجر ذلك الغرس يستمر حتى لو مات الزارع والغارس وانتقل ملكية الزرع إلى غيره.

стр. 2540

كيفية دخول الدنيا في الآخرة عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (بينما رجلٌ بفلاةٍ من الأرض، فسمع صوتاً في سحابة: اسق حديقة فلان، فتنحى ذلك السحاب، فأفرغ ماءه في حرة، فإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله) والحرة: الأرض الملبسة حجارة سوداء. والشرجة: مفرد شراج، وهي مسالك الماء الطرق التي يسيل فيها الماء وينحدر. (فإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله -الذي نزل من السماء- فتتبع الماء) هذا الرجل الذي سمع الصوت من السحابة يتتبع الماء إلى أين ينتهي (فإذا رجلٌ قائمٌ في حديقته يحول الماء بمسحاته، فقال له: يا عبد الله! ما اسمك؟ قال: فلان، للاسم الذي سمع في السحاب) طابق الاسم الذي قاله له الرجل الاسم الذي سمعه في السحابة قبل قليل: اسق حديقة فلان (قال: فما تصنع فيها؟ -ما شأنك في هذه الحديقة والمزرعة- قال: أما إذا قلت هذا فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثاً، وأرد فيها ثلثه)، وفي رواية: (وأجعل ثلثه في المساكين والسائلين وابن السبيل) رواه مسلم. إذاً هذا الحديث يدل على الاشتغال بالزرع لحاجة الإنسان وأهله، وحاجة الأرض والمشروع الأساسي، ثلثان لهذا الذي يتصور الناس أنه من الدنيا، ولكن ذلك الرجل بصلاح نيته وصدقته الثلث من الدخل صدقة، قد بلغ به هذا الحال عند الله أن أكرمه بهذه الكرامة العظيمة. وحتى يكون لدينا مثال آخر في قضية دخول الدنيا في الآخرة: لنتأمل في مسألة التجارة في الحج؛ هذا الركن العظيم من أركان الإسلام، أباح الشارع الحكيم التجارة فيه لعلمه بحاجات الناس وما يصلحهم؛ فعن ابن عباس ﵄ قال: [كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقاً في الجاهلية، فلما كان الإسلام تأثموا من التجارة فيها -في مواسم الحج- فأنزل الله: ((لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ)) [البقرة: ١٩٨]] رواه البخاري. فكيف إذاً سمح لنا بالتجارة في موسم الحج؟! إن أعمال الحج ماشية، والحاج يسير في نسكه، ويجوز له أن يتاجر! نعم لو تفرغ للعبادة لكان أفضل، ولكن لا يمنع ذلك أن يتاجر في ذلك الموسم، وأن يبيع ويشتري ماذا يعني هذا؟ مراعاة الشريعة لحال الناس، وأن هذا دين يلبي طلبات الناس، وأن من ابتغى بعمله الله ولو كان عمله دنيوياً أنه يؤجر على ذلك.

стр. 2541

الصحابة وجمعهم بين كسب الدنيا والعلم والعمل كيف طبق الصحابة مسائل الكسب وهم يعيشون في طلب العلم والجهاد والعبادة بأنواعها؟ يشتكي الآن عدد من المخلصين ويقولون: لا نستطيع أن نوفق بين الدنيا وطلب العلم، وبين الدنيا والعبادة فكيف نفعل؟ صحيح أن المجتمع قد تعقد كثيراً، وأنه قد صارت هناك متطلبات لا توجد في العصر الأول، لكن هناك شيءٌ أساسي مشترك، وهو: الحاجة الشخصية إلى المال والكسب. قال عمر ﵁ لـ ابن عباس يعلمه قصة المرأتين، قال: [كنت أنا وجارٌ لي من الأنصار في بني أمية بن زيد، وهم من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على النبي ﷺ ، فينزل يوماً وأنزل يوماً؛ فإذا نزلت جئته بما حدث من خبر ذلك اليوم من الوحي أو غيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك] رواه البخاري. عمر يحتاج إلى العمل يحتاج لكسب قوته الصحابة لم يكونوا يمدون أيديهم للناس وهم يستطيعون كسب أقواتهم، كان عندهم عزة؛ فهم يعملون لأجل كسبهم كان بين عمر وشخص آخر صداقة أدت إلى عمل مشترك في زراعة؛ فكان عمر يعمل يوماً وينزل ذلك الرجل لطلب العلم، والرجل يعمل في اليوم الثاني وعمر ينزل في ذلك اليوم لطلب العلم، ثم يخبر كل واحدٍ منهما الآخر بما حصل في ذلك اليوم من خبر الوحي أو غيره، كما قال عمر: لا يسمع شيئاً إلا حدثه به، ولا يسمع عمر شيئاً إلا حدثه به، وفي رواية: [يحضر رسول الله ﷺ إذا غبت، وأحضره إذا غاب، ويخبرني وأخبره]. قال ابن حجر ﵀: وفيه أن طالب العلم يجعل لنفسه وقتاً يتفرغ فيه لأمر معاشه وحال أهله. أيها الإخوة: العظمة كيف استطاع ذلك الجيل أن يجمع بين تحصيل الكسب الدنيوي وبين تحصيل العلم؛ إنه لم يطلب العلم يوماً ويتفرغ للدنيا يوماً ثم يفوت العلم الذي كان في اليوم الذي عمل فيه للدنيا، كلا! إنه كان يحصل العلم لنفسه يوماً، ثم يسمعه من غيره عن اليوم الآخر من ناحية الفائدة والمعلومات لا يفوته شيء، ولكن لا بد من عمل قد يفوت شيئاً من الفضل والأجر؛ كحضور مجلس العلم، والجلوس عند العلماء، ولكن هكذا فعلوا، وهكذا وفقوا بين طلبات الدنيا والطلبات الدينية؛ بين الحاجات الدينية، والحاجات الدنيوية، فلم يكن الصحابة ممتنعين عن الكسب، فهذا أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه خدم النبي ﷺ عشر سنين، يقول أبو العالية: [وكان له -أي: لـ أنس - بستان يحمل في السنة الفاكهة مرتين، وكان فيه ريحانٌ كان يجيء منه ريح المسك]. رواه الترمذي وحسنه. وكذلك رعوا الغنم مع أن رعي الغنم عمل دنيوي، وهكذا حصل لـ سعد ﵁ في غنمٍ له؛ فقد فر من الفتن إلى خارج المدينة، وقد قال ﵊: (يعجب ربك من راعي غنم، في رأس شظية الجبل، يؤذن بالصلاة ويصلي، فيقول الله : انظروا إلى عبدي هذا، يؤذن ويقيم الصلاة، يخاف مني، قد غفرت لعبدي وأدخلته الجنة) رواه النسائي. إذاً العمل الدنيوي مستمر؛ لكن إذا جاء وقت الصلاة فأذان وصلاة ولو كان وحيداً في فلاةٍ من الأرض، وكذلك المؤمن يرعى حق الله وهو في الوظيفة والدراسة، لكن عندما يقول: الحصة أهم من الصلاة ولو ضاع وقتها، والتجارة والوظيفة لا تنقطع لأجل العمل ولا تنقطع لأجل الصلاة؛ فهذا هو المسكين. أيها الإخوة: إن التوفيق ممكن، والطريقان واحد، إذا ابتغى الإنسان وجه الله ، فقد أحلَّ الله تعالى البيع، وقال عن التجارة العالمية والنقل البحري: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ [البقرة:١٦٤] ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النحل:١٤] ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الإسراء:٦٦] ومعنى يزجي: أي يُجري ويُيسر، وأكثر البضائع في العالم الآن تنقل عبر الشحن البحري، وهذه منة من الله ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ [فاطر:١٢] أي: السفينة العظيمة تجري في البحار بما ينفع الناس من البضائع والتجارة؛ لتبتغوا من فضله، فأشار إلى التجارة والابتغاء، وقال النبي ﷺ لما سئل عن أفضل الكسب: (بيع مبرور، وعمل الرجل بيده) رواه الإمام أحمد. وقال عبد الرحمن بن عوف: [دلوني على السوق]. قالها حينما جاء المهاجرون فقراء إلى المدينة، فقال سعد بن الربيع الأنصاري -من أخوته ودينه- لـ عبد الرحمن بن عوف: انظر شطر مالي فخذه -أعطيك شطر المال- قال عبد الرحمن بن عوف: [بارك الله في مالك دلوني على السوق]. فدلوه على السوق، فذهب واشترى وباع وربح، فجاء بشيءٍ من أقطٍ وسمن، وفي رواية البخاري: ثم تابع الغدو -أي: داوم الذهاب للتجارة- ثم تزود وجاء إلى النبي ﷺ ، إذاً: فقد تاجروا وعملوا. وقال أبو هريرة: [إن المهاجرين كانوا يذهبون إلى الأسواق، والأنصار يعملون في النخل] إنها حركةٌ عجيبة حركة المجتمع المدني في عهد النبوة! الجهاد قائم، وطلب العلم قائم، والعبادة قائمة، والتجارة قائمة، ورعي الغنم قائم، والزراعة قائمة، فالمجتمع يعمل للدنيا والآخرة. لقد قدَّم لنا الصحابة ﵃ نموذجاً عملياً لقضية الجمع بين الدنيا والآخرة؛ كانوا في قمة الدين، وكانوا يحصلون الدنيا أيضاً. وقال صخر الغامدي: قال رسول الله ﷺ : (اللهم بارك لأمتي في بكورها) وكان صخرٌ رجلاً تاجراً، صحابياً فاضلاً، وكان إذا بعث تجارة بعثهم من أول النهار فأثرى وكثر ماله. رواه الترمذي وحسنه. أيها الإخوة: إن هذه القضية تدل بجلاء على أن الطريقين واحد، وأنه ينبغي لنا أن نبتغي بأعمالنا الحلال وجه الله ، نسأل الله أن يوفقنا لأرشد أمرنا، وأن يهيئ لنا من أمرنا رشداً، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم ارزقنا من فضلك واعف عنا واغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

стр. 2542

ضوابط التجارة والكسب الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وأسبغ عليهم رضوانه، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين آمين. عباد الله: لقد حثت الشريعة على العمل، وذمت البطالة والكسل، وكثيرٌ من المسلمين اليوم ما بين انغماسٍ في الدنيا بالكلية أو بطالة عمياء، يقع شبابهم البطالون في المعاصي وهم في الغي سادرون، وقليلٌ من المسلمين من توسط في الأمر وعرف كيف ينتهج النهج الصحيح في هذه الحياة. لقد باشر الصحابة ﵃ الأعمال وتاجروا، حتى ألصق الناس بالنبي ﵊ وهو أبو بكر الصديق، ما منعه حبه للنبي ﷺ من الكسب والتجارة والسفر، وقد سافر إلى بصرى في عهد النبي ﷺ ، ولا منع النبي ﷺ حبه لقرب أبي بكرٍ من التجارة مع حبه له لقد عملوا في الكسب مع أنه قد عرضت عليهم هبات، لكن الكسب من التجارة أولى من الكسب من الهبة، وهذه المسألة دل عليها حديث النبي ﷺ : (لأن يحتطب أحدكم حزمةً عل ظهره خيرٌ له من أن يسأل أحداً فيعطيه أو يمنع) رواه البخاري، فهو يدل على أن قضية الشحاذة والسؤال والطلب مذمومة ما دام الإنسان قادراً على العمل، ولم توصد في وجهه الأبواب، ولم تسد السبل؛ فإنه ينبغي أن يعمل وأن ينوي بعمله هذا وجه الله . ولكن حتى لا يتصور البعض أن القضية إمضاء الوقت في الكسب والتجارة والوظائف والدراسة؛ لا بد أن نعلم أن الشريعة قد جعلت ضوابط حتى لا يحصل طغيان ولا اختلالٌ في الميزان فما هي هذه الضوابط؟

стр. 2543

من ضوابط التجارة: أن يكون العمل مباحاً أولاً: لا بد أن يعمل الإنسان أو يدرس في مجالٍ مباح؛ فإذا عمل في مجالٍ محرم، أو دراسةٍ محرمة، أو إجازة محرمة، أو وظيفةٍ محرمة، أو تجارةٍ محرمة؛ فهو خارجٌ عن هذه المسألة التي ذكرناها خروجاً كلياً، وطريق دنياه توصله إلى جهنم، والأمر واضح وجلي، فإن المكاسب المحرمة والأعمال المحرمة طريق دنيوي لا يتحد مع طريق الآخرة، بل يؤدي إلى جهنم وبئس المصير.

стр. 2544

من ضوابط التجارة: التزام أحكام الشريعة ثانياً: لا بد من تطبيق أحكام الشريعة في الأمور الدنيوية، وهذه مسألة ملفتة للنظر حقاً في هذه الشريعة؛ أن الشريعة ما جاءت بأحكامٍ في الصلاة والصيام والحج والذكر والدعاء وتلاوة القرآن فقط، وإنما جاءت بأحكام متعددة في النكاح والطلاق والحضانة والرضاع والبيع والشراء والوكالة والكفالة والرهن والإجارة والحوالة والبناء وأحكام البناء والطرقات وغير ذلك؛ فهذه أمور دنيوية ولكن جاءت فيها أحكام شرعية؛ لأن الله أعلم بما يصلح الخلق ليس في آخرتهم فقط، وإنما في دنياهم أيضاً، ولأن الخلق يظلمون والإنسان ظلومٌ جهول، فإذا أوكل إلى الإنسان أمر دنياه يشرِّع فيه ما يشاء من القوانين ظلم وبغى، ولذلك جاءت الشريعة بأمورٍ محددة وتدخلت الشريعة في الأمور الدنيوية، وصار البيع والشراء والاقتصاد والعلاقات منضبطة بالشريعة في الإسلام، فمن عمل في الدنيا فلا يجوز له أن يعمل في محرمٍ، ولا يبيع محرماً كخمرٍ وخنزيرٍ، ولا يغش ولا يحتكر.

стр. 2545

من ضوابط التجارة: الإيمان بحقارة الدنيا مع العمل فيها وكذلك من الشروط والضوابط: أن يؤمن الإنسان بحقارة الدنيا وتفاهتها مع عمله فيها وسعيه فيها (ألا إن الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه، وعالم أو متعلم) رواه الترمذي وحسنه. ملعونة أي: مبغوضة من الله، واستثنى: (إلا ذكر الله وما والاه) وما كان في معناه من أعمال البر والخير، ويدخل في ذلك التكسب للإنفاق على النفس والأولاد والصدقة من المال المكتسب، فكأنه قيل: الدنيا مذمومة لا يحمد فيها إلا ذكر الله وعالم أو متعلم، وما كان يخدم قضية الآخرة مما جاءت الشريعة بالأمر به؛ من وجوب النفقة على النفس والأهل، وأداء الحقوق الشرعية، وتدخلت الشريعة في أمور اللباس مع أنه أمر دنيوي؛ فلبس الحرير والذهب محرم على الرجال، والنفقة أوجبتها حتى على البهائم؛ فإذا كان عند الإنسان بهائم فيجب عليه شرعاً أن ينفق عليها، وإذا كان لا يريد، أو قصرت النفقة، فليُطْلِقْها ولا يتركها عنده، فكل إنسانٍ مسئول عن نفقة البهائم التي عنده حتى العصافير في أقفاصها. أيها الإخوة: لقد سئل الإمام أحمد ﵀: أيكون الرجل زاهداً في الدنيا وعنده مائة ألف؟ قال: نعم. إذا لم يفرح إذا زادت ولا يحزن إذا نقصت. إذاً يمكن أن يكون زاهداً ولو كان عنده الملايين، وإذا وصل الإنسان وهو يتعامل بالأموال في الدنيا والوظائف لدرجة أن يكون المال عنده بمثابة الحمار الذي يركبه في تنقله، والكنيف الذي يدخل فيه لقضاء حاجته؛ فليس على هذا خوف من التعلق بالدنيا؛ فهو يحصل المال للحاجة، مثل: اتخاذ المرحاض للحاجة فلا بد منه، ولكن القلب ليس متعلقٌ بالمرحاض، ولا بد من اتخاذ وسيلة نقل كانت عند الأولين وكثيرٍ من الآخرين الدواب الحمير، ولكن القلب ليس متعلقاً بالحمار، ولا محباً له وغالياً فيه، وينام على ذكره، ويصحو عليه، ويراه في منامه، كلا! فإذا كان الإنسان يعمل في الدنيا وقلبه ليس متعلقاً بها، وإنما يعمل لأنه لا بد من تحصيلها لنفقاته وعياله؛ فعند ذلك لا خوف عليه.

стр. 2546

من ضوابط التجارة: عدم الانشغال بالدنيا عن الآخرة ومن الشروط والضوابط: عدم الانشغال بالدنيا عن الآخرة قال الله تعالى: ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور:٣٧]، لم يحرم التجارة ولم يحرم البيع؛ بل قال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة:٢٧٥] لكنه ذم الإلهاء ولم يذم التجارة وأثنى على عباده الذين: ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ﴾ [النور: ٣٧] ليس أن يغلق الدكان للصلاة فقط! لا ﴿عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ﴾ [النور:٣٧] وذكر الله أشياء كثيرة، وطلب العلم من ذكر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩] فهؤلاء لا تشغلهم الدنيا وزخرفها وزينتها وملاذ بيعها وربحها عن ذكر ربهم؛ الذي هو خالقهم ورازقهم. عن ابن مسعود ﵁ أنه رأى قوماً من أهل السوق أقيمت الصلاة فأغلقوا حوانيتهم ودخلوا المسجد، تركوا بياعاتهم ونهضوا إلى الصلاة، فقال ابن مسعود: [هؤلاء من الذين ذكر الله في كتابه: ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِهم تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور:٣٧]]، وكذلك قال ابن عمر ﵁: [فيهم نزلت: ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ﴾ [النور:٣٧]]. قال مطر الوراق: [كانوا يبيعون ويشترون، ولكن كان أحدهم إذا سمع النداء وميزانه في يده خفضه وأقبل إلى الصلاة، وإذا رفع أحدهم المطرقة فأذن ألقاها خلف ظهره ولم يطرق بها] فهذا ضابطٌ مهم جداً في الانشغال بالدنيا، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧]، قيل: المراد بالنصيب الكفن؛ كأنه قال: لا تنس أن تترك جميع مالك إلا نصيبك الذي هو الكفن، قال الشاعر: نصيبك مما تجمع الدهر كله رداءان تلوى فيهما وحنوط وقال آخر: هي القناعة لا تبغي بها بدلاً فيها النعيم وفيها راحة البدن وانظر لمن ملك الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير القطن والكفن إذاً القناعة من الضوابط المهمة في الموضوع.

стр. 2547

من ضوابط التجارة: إخراج الزكاة والصدقات كذلك من الضوابط في الانشغال في الدنيا: إخراج حقوق الله من ممتلكاتها؛ كتسليم الزكاة من المال، قال الله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام:١٤١] وإخراج النفقات الواجبة على الزوجة والأولاد والوالدين المحتاجين، والصدقة: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ [البقرة:٢٤٥]. ثم الالتزام بالأحكام الشرعية في العمل الدنيوي على النحو المتقدم بيانه، وحسن القصد: أن يقصد بتجارته أو عمله وجه الله لا الأشر ولا البطر ولا التفاخر ولا التكاثر، وأن يقصد إعفاف نفسه عن سؤال الناس، والاستغناء عن الخلق، والانفاق على الأهل، وصلة الرحم، وابتغاء الأجر من الله . أيها الإخوة: إذا نوى التاجر بهذا هذا، ونوى الطالب بدراسته قوة المسلمين ونفعهم، وأردنا بأعمالنا الدنيوية وجه الله، والتزمنا بالضوابط؛ استطعنا التوفيق ولم نظلم طرفاً من الأطرف. هذه القضية الحساسة والمهمة: التوفيق بين العمل الدنيوي والعمل الأخروي، هذه المسألة الكبيرة من فقهها والتزم بها وسعد في الدنيا سعد في الآخرة. اللهم اجعلنا ممن يخافك ويتقيك، اللهم اجعلنا نخشاك كأنا نراك، وأسعدنا بتقواك، ولا تذلنا بمعصيتك إنك سميع مجيب، اللهم انصر المجاهدين، وانصر من نصر الدين، وأيدهم بملائكة من عندك يا رب العالمين. وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2548

الحمد لله يرحمك الله في هذه المادة تحدث الشيخ عن أدب من الآداب الشرعية العظيمة التي جاءت بها الشريعة الإسلامية، وهو أدب العطاس، ففي البداية ذكر مجمل الأحاديث الواردة في كتب الحديث عن العطاس، ثم بيّن الأحاديث الموضوعة والضعيفة التي وردت فيه، وعرج في الأخير على الكثير من الأحكام والآداب والفوائد المتعلقة بالعطاس.

стр. 2549

أحاديث العطاس عند البخاري الحمد لله رب العالمين، وصلى وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد نتحدث أيها الإخوة! في هذا الدرس إن شاء الله تعالى عن أدب من الآداب الشرعية العظيمة التي جاءت بها هذه الشريعة، ألا وهو أدب العطاس والتثاؤب، وكذلك أدب يدخل فيه أيضاً وهو التجشؤ والتنخم، وقد وردت عدد من الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ في موضوع العطاس، وذكر الأئمة ﵏ هذا الموضوع في كتاب الأدب من كتبهم المصنفة، كما ذكر ذلك البخاري رحمه الله تعالى في كتاب الأدب فقال: باب الحمد للعاطس، عن أنس بن مالك ﵁، قال: (عطس رجلان عند النبي ﷺ فشمت أحدهما ولم يشمت الآخر فقال الذي لم يشمته: عطس فلان فشمته، وعطست فلم تشمتني! فقال: هذا حمد الله، وإنك لم تحمد الله) وقال ﵀ باب تشميت العاطس إذا حمد الله، فيه أبو هريرة وذكر ابن حجر ﵀ أنه يريد بذلك التنبيه على حديث أبي هريرة خلافاً لما ذكره بعض أهل العلم أن هذا ما اخترمت المنية البخاري قبل أن يتمه ويضع فيه هذا الحديث. عن البراء بن عازب ﵁، قال: (أمرنا النبي ﷺ بسبع ونهانا عن سبع، أمرنا بعيادة المريض واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإجابة الداعي، ورد السلام، ونصر المظلوم، وإبرار المقسم، ونهانا عن سبع: عن خواتيم الذهب، وعن آنية الفضة، وعن المياثر، والعسيِّه، والاستبرق، والديباج، والحرير). ثم قال ﵀: باب ما يستحب من العطاس وما يكره من التثاؤب، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : (إن الله يُحب العطاس ويكره التثاؤب، فإذا عطس فحمد الله؛ فحق على كل مسلم سمعه أن يشمته، وأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان فليرده ما استطاع فإذا قال: هاه! ضحك منه الشيطان) وقال رحمه الله تعالى: باب إذا عطس كيف يشمت، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، قال: (إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله، وليقل أخوه أو صاحبه: يرحمك الله، فإذا قال له: يرحمك الله، فليقل: يهديكم الله ويصلح بالكم) وقال ﵀: باب لا يشمت العاطس إذا لم يحمد الله، وذكر فيه حديث سليمان التيمي، قال: سمعت أنساً ﵁ يقول: (عطس رجلان عند النبي ﷺ فشمت أحدهما ولم يشمت الآخر، فقال الرجل: يا رسول الله شمَّتَّ هذا ولم تشمتني، قال: إن هذا حمد الله وأنت لم تحمد الله).

стр. 2550

أحاديث العطاس عند مسلم وذكر مسلم ﵀ في صحيحه في كتاب المساجد ومواضع الصلاة حديث معاوية بن الحكم السلمي الذي يتعلق أيضاً بموضوع العطاس في الصلاة، قال: (بينا أنا أصلي مع رسول الله ﷺ إذ عطس رجل من القوم فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أمِِياه! ما شأنكم تنظرون إلي؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم فلما رأيتهم يُصمتونني. لكني سكت -أي: كدت أن أرد عليهم؛ لكني كظمت غيظي وسكت- فلما صلى رسول الله ﷺ ، فبأبي وأمي! ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، فوالله ما كهرني ولا ضربني) الحديث. وستأتي رواية في السنن تشرح هذا النص أيضاً فيها زيادة موضحة، وكذلك من الأحاديث التي ساقها الإمام مسلم في صحيحه في كتاب الزهد والرقائق حديث أبي بردة، قال: (دخلت على أبي موسى -وهو في بيت بنت الفضل بن عباس - فعطست فلم يشمتني، وعطست فشمتها، فرجعت إلى أمي فأخبرتها فلما جاءها، قالت: عطس عندك ابني فلم تشمته وعطست فشمتها، فقال: إن ابنك عطس فلم يحمد الله فلم أشمته، وعطست فحمدت الله فشمتها، سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا عطس أحدكم فحمد الله؛ فشمتوه، فإن لم يحمد الله؛ فلا تشمتوه). وكذلك ذكر حديث إياس بن سلمة بن الأكوع أن أباه حدثه: (أنه سمع النبي ﷺ عطس رجلاً عنده فقال له: يرحمك الله ثم عطس أخرى فقال له رسول الله ﷺ : الرجل مزكوم) ظاهر رواية مسلم أنه قالها في المرة الثانية وسيأتي في السنن أنه قالها بعد ثلاث.

стр. 2551

أحاديث العطاس عند أبي داود أما في سنن أبي داود فقد روى في كتاب الصلاة مما يتعلق بالعطاس في الصلاة حديث معاذ بن رفاعة بن رافع عن أبيه، قال: (صليت خلف رسول الله ﷺ فعطس رفاعة فقلت: الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، فلما صلى رسول الله ﷺ انصرف فقال: من المتكلم في الصلاة) ثم ذكر الحديث. وفي رواية عند أبي داود أيضاً: (عطس شاب من الأنصار خلف رسول الله ﷺ وهو في الصلاة فقال: الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه حتى يرضى ربنا، وبِعدِّما يرضى من أمر الدنيا والآخرة، فلما انصرف رسول الله ﷺ ، قال: من القائل الكلمة؟ فسكت الشاب، ثم قال: من القائل الكلمة فإنه لم يقل بأساً؟ فقال: يا رسول الله! أنا قلتها لم أرد بها إلا خيراً، قال: ما تناهت دون عرش الرحمن ﵎. وروى أبو داود رحمه الله تعالى كذلك حديث معاوية بن الحكم السلمي الذي رواه مسلم أيضاً، قال: لما قدمت على رسول الله ﷺ علمت أموراً من أمور الإسلام، فكان فيما علمت أنه قال لي: (إذا عطست فاحمد الله، وإذا عطس العاطس فحمد الله؛ فقل: يرحمك الله). وفي رواية أبي داود توضيح لرواية مسلم، فـ معاوية بن الحكم السلمي كان رجلاً يسكن البادية، فجاء إلى المدينة وأسلم وتعلم من النبي ﷺ أشياء، ومن هذه الأشياء أن العاطس إذا حمد الله يشمت، ثم أنه لما تعلم هذا الأمر، قال: (فبينما أنا قائم مع رسول الله ﷺ في الصلاة إذ عطس رجلاً فحمد الله، فقلت: يرحمك الله رافعاً بها صوتي، فرماني الناس بأبصارهم حتى احتملني ذلك، -أي: وجد في نفسه من هذا النظر والعبوس- فقلت: مالكم تنظرون إلي بأعين شُزر؟ قال: فسبحوا -لأنه من نابه شيء في الصلاة سبح أي: يسكتوه بالتسبيح- فلما قضى رسول الله ﷺ ، قال: من المتكلم؟ قيل: هذا الأعرابي). وقد عنون عليه أبو داود ﵀ باب تشميت العاطس في الصلاة. وأيضاً مما رواه أبو داود في سننه وهو حديث صحيح، عن أبي هريرة قال: (كان رسول الله ﷺ إذا عطس وضع يده أو ثوبه على فيه وخفض -أو غضَّ- بها صوته) أو بأي شيء يغطي فمه ويغض من صوته. ومن الصيغ التي تقال في العطاس بخلاف ما ورد من قوله: (الحمد الله يرحمك الله) ما رواه أبو داود أيضاً في كتاب الأدب من سننه وهو حديث صحيح، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، قال: (إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله على كل حال، وليقل أخوه أو صاحبه: يرحمك الله، ويقول هو: يهديكم الله ويصلح بالكم). فيقال إذاً (الحمد لله) وفي رواية (والحمد لله على كل حال) وروى كذلك أبو داود في سننه في باب كم مرة يشمت العاطس، من حديث عبيدة بنت عبيد بن رفاعة الزرقي عن أبيها عن النبي ﷺ ، قال: (تشمت العاطس ثلاثاً، فإن شئت أن تشمته فشمته، وإن شئت فكف) ولكن هذا الحديث حديث ضعيف. وروى كذلك رحمه الله تعالى في ماذا يقال لأهل الكتاب أو للكفار إذا عطسوا، من حديث أبي بردة عن أبيه، قال: (كانت اليهود تعاطس عند النبي ﷺ رجاء أن يقول لهم: يرحمكم الله -فيدعو لهم بالرحمة- فكان يقول: يهديكم الله ويصلح بالكم) فإذا عطس الكافر فلا يترحم عليه، ولا يقال له: يرحمك الله، ولا يدعى له بالرحمة، وإنما يقال: يهديكم الله ويصلح بالكم. وهذا ما يتعلق بالعطاس من سنن أبي داود.

стр. 2552

أحاديث العطاس عند الترمذي وأما الترمذي ﵀ فإنه قد ذكر في العطاس أحاديث، ومما ذكره حديث الرجل الذي عطس في الصلاة فقال: الحمد لله حمداً كثيراً إلى آخره، قال الترمذي ﵀: حديث رفاعة حديث حسن، وكأن هذا الحديث عند بعض أهل العلم أنه في التطوع؛ لأن غير واحد من التابعين قالوا: إذا عطس الرجل في الصلاة المكتوبة إنما يحمد الله في نفسه ولم يوسعوا في أكثر من ذلك، هذا رأي الترمذي ﵀ الذي نقله عن بعض التابعين أنه قال هذا الكلام، والرواية وهي رواية معاذ بن رفاعة بن رافع عن أبيه التي رواها الترمذي ﵀، قال: (صليت خلف النبي ﷺ فعطست فقلت: الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه مباركاً عليه كما يحب ربنا ويرضى فلما صلى رسول الله ﷺ انصرف فقال: من المتكلم في الصلاة؟ فلم يكلمه أحد ثم قالها ثانية: من المتكلم في الصلاة؟ فقال رفاعة بن رافع بن عفراء: أنا يا رسول الله، قال: كيف قلت؟ قال، قلت: الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه مباركاً عليه كما يحب ربنا ويرضى، فقال النبي ﷺ : والذي نفسي بيده لقد ابتدرها بضعة وثلاثون ملكاً أيهم يصعد بها) وهذا الحديث رواه النسائي في كتاب الافتتاح وعنون عليه: قول المأموم إذا عطس خلف الإمام. كذلك ذكر الترمذي ﵀ فوائد في سننه في هذا الموضوع، قال: كرهوا -أي: أهل العلم- للرجل أن يتكلم والإمام يخطب وقالوا: إن تكلم غيره فلا يُنكر عليه إلا بالإشارة في أثناء خطبة الجمعة كما كان يفعل عمر؛ كان يضع إصبعه على شفتيه يسكته لا يقول له: أنصت حتى لا يخطئ مثله، واختلفوا في رد السلام وتشميت العاطس والإمام يخطب، فرخص بعض أهل العلم في رد السلام وتشميت العاطس والإمام يخطب وهو قول أحمد وإسحاق، وكره بعض أهل العلم من التابعين وغيرهم ذلك وهو قول الشافعي ﵀. وروى أبو داود ﵀ في كتاب الأدب من حديث هلال بن يساف، قال: (كنا مع سالم بن عبيد فعطس رجل من القوم، فقال: السلام عليكم، فقال سالم: وعليك وعلى أمك، ثم قال: لعلك وجدت مما قُلت لك أي: وجدت في نفسك مما قلت لك، قال: لوددت أنك لم تذكر أمي بخير ولا شر -وددت لو أنك ما أتيت بسيرة أمي لا بالخير ولا بالشر- قال: إنما قلت لك كما قال رسول الله ﷺ ، إنا بينما نحن عند رسول الله ﷺ إذ عطس رجلٌ من القوم فقال: السلام عليكم؛ فقال رسول الله ﷺ : وعليك وعلى أمك ثم قال: إذا عطس أحدكم فليحمد الله قال: فذكر بعض المحامد وليقل له من عنده: يرحمك الله وليرد -أي: عليهم- يغفر الله لنا ولكم). وكذلك فإن الترمذي ﵀ روى في كتاب الأدب من سننه عن نافع: (أن رجلاً عطس إلى جنب ابن عمر فقال: الحمد لله والسلام على رسول الله، قال ابن عمر: وأنا أقول الحمد لله والسلام على رسول الله وليس هكذا علمنا رسول الله ﷺ ، علمنا أن نقول: الحمد لله على كل حال) قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث زياد بن الربيع.

стр. 2553

أحاديث العطاس عند ابن ماجة وأما ابن ماجة رحمه الله تعالى فإنه قد ذكر في سننه حديثاً يتعلق بالعطاس لكن في باب آخر في كتاب الفرائض، ذكر حديث جابر بن عبد الله والمسور بن مخرمة، قالا: قال رسول الله ﷺ : (لا يرث الصبي حتى يستهل صارخاً، قال: واستهلاله أن يبكي ويصيح أو يعطس) فإذاً الصبي إذا ولد، يرث إذا أصدر صوتاً يدل على حياته مثل العطاس أو الصياح والبكاء.

стр. 2554

أحاديث أخرى في العطاس وأيضاً مما يُذكر في موضع العطاس من الأحاديث حديث خلق آدم، فإن النبي ﷺ قال في الحديث الصحيح الذي رواه ابن حبان والحاكم: (لما نُفخ في آدم الروح مارت وطارت فصارت في رأسه، فعطست فقال: الحمد لله رب العالمين، فقال الله: يرحمك الله) فهذا ما يتعلق إذاً بخلق آدم ﵇ وأنه قد قال: الحمد لله رب العالمين وقد رواه الترمذي في السنن في كتاب تفسير القرآن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عطس فقال: الحمد لله، فحمد الله بإذنه فقال له ربه: يرحمك الله، يا آدم اذهب إلى أولئك الملائكة إلى ملأ منهم جلوس فقل: السلام عليكم، قالوا: وعليك السلام ورحمة الله، ثم رجع إلى ربه فقال: إن هذه تحيتك وتحية بنيك بينهم) إلى آخر الحديث.

стр. 2555

الأحاديث الضعيفة الواردة في العطاس ومن الأحاديث الضعيفة التي وردت في العطاس: (العطاس والنعاس والتثاؤب في الصلاة، والحيض والقيء والرعاف من الشيطان) هذا الحديث رواه الترمذي في السنن لكنه حديث ضعيف. وكذلك: (العطسة الشديدة والتثاؤب الرفيع من الشيطان) وهو أيضاً حديث ضعيف، ومن الأحاديث الموضوعة التي وردت: (العطاس عند الدعاء شاهد صدق) وكذلك: (من حدث بحديث فعُطس عنده؛ فهو حق) وكذلك: (أصدق الحديث ما عطس عنده) وكل هذه الأحاديث أحاديث موضوعة ولذلك قال العلماء: فلو أن حديثاً من أحاديث النبي ﷺ ذكر وعطس عنده مائة رجل لم يعد هذا دليلاً على صحته، فإذاً ليس هناك ارتباط بين العطاس وبين صحة الحديث.

стр. 2556

شرح أحاديث العطاس ونشرع الآن في بيان وشرح هذه الأحاديث، وما يتعلق بآداب العطاس وبعض المسائل التفصيلية في الموضع:

стр. 2557

حكم قول العاطس: الحمد لله أما قوله ﷺ : (فليحمد الله العاطس) فهذا يدل على وجوب ذلك، أي: ما حكم أن يقول العاطس الحمد لله، ظاهر الحديث يدل على وجوبه، ومعنى ذلك أنه يأثم إن لم يقل، لكن النووي نقل الاتفاق على الاستحباب، ولكن يبقى أن الأحوط للإنسان المسلم ألا يترك ذلك أبداً.

стр. 2558

ماذا يقول العاطس ؟ وأما المسألة الأخرى وهي: ماذا يقول العاطس؟ يقول: الحمد لله، وورد في رواية أخرى: (الحمد لله على كل حال) وورد في رواية أخرى: (الحمد لله رب العالمين) وكل هذه الأحاديث صحيحة وقد روى البخاري في الأدب المفرد: (من قال عند عطسة سمعها: الحمد لله رب العالمين على كل حال ما كان، لم يجد وجع الضرس ولا الأذن أبداً) قال ابن حجر ﵀: هذا موقوف على علي ورجاله ثقات، قال: ومثله لا يقال من قبل الرأي فله حكم الرفع، فإذاً هنا صيغة جديدة وهي الجمع بين الحمد لله رب العالمين وعلى كل حال ونص الحديث: (الحمد لله رب العالمين على كل حال ما كان، وأن من قال ذلك لم يجد وجع الضرس ولا الأذن أبداً) وهذا رأي الحافظ ﵀ في هذا الحديث. كما روى الطبراني بسند لا بأس به عن ابن عباس قال: (إذا عطس الرجل فقال: الحمد لله، قال الملك: رب العالمين، فإذا قال: رب العالمين؛ قال الملك: يرحمك الله) إذاً العاطس مخير في أن يقول: الحمد لله فقط، أو الحمد لله رب العالمين، أو الحمد لله على كل حال، ووردت رواية عن علي موقوفة في الجمع، وأما أفضل هذه الصيغ، فقد قال بعضهم: إن الحمد لله رب العالمين أفضل، وقال بعضهم: الحمد لله على كل حال أفضل لأنها أعم، وقال بعضهم: إن الصيغة الواردة في الصلاة التي وردت للرجل الذي عطس في الصلاة، قال: [الحمد لله حمداً طيباً مباركاً فيه مباركاً عليه كما يحب ربنا ويرضى] قالوا: هذه دالة على أفضلية هذه العبارة، وعلى كل حال نقول: هو مخير بين العبارات الثابتة المرفوعة عن النبي ﷺ ، وإن قال هذا تارة وهذا تارة، فلعله يكون قد أصاب السنة إن شاء الله، فهو ينوع فتارة يقول: الحمد لله، وتارة يقول: الحمد لله رب العالمين وتارة يقول: الحمد لله على كل حال. وإذا عطس فقال في الصلاة كما قال الصحابي والنبي ﷺ أقره على ذلك؛ فهذا أيضاً أمر محمود، لكن هناك أشياء غير مقبولة مثل أن يقول: الحمد لله والصلاة على رسول الله؛ لأن هذا ليس موضعها؛ لأن هذا ذكر من الأذكار، والأذكار توقيفية فإذا أضاف إليها الإنسان أشياء من عنده، وتركيبات لم ترد في الشريعة، فيكون مبتدعاً إذا أتى بهذه الأشياء وواظب عليها، أو اعتقد فضلها. ولذلك نلتزم بالسنة ونأتي بما ورد في السنة، وقد جاء أيضاً عند البخاري في الأدب المفرد بسند صحيح عن مجاهد أن ابن عمر سمع ابنه عطس فقال: آب فقال: وما آب؟ إن (آب) اسم شيطان من الشياطين، جعلها بين العطسة والحمد. فهذه يمكن أن تصدر من بعض الناس، وفي رواية ابن أبي شيبة: آش (بدل الباء شين) فليحرص المسلم على ألا يصدر حروفاً بعد العطاس إلا الحمد لله رب العالمين. وكذلك بعضهم يقول عبارات أخرى أو أدعية أخرى، فإذاً علينا التقيد بالسنة، وقد ذكر أهل العلم أنه يتحرر أن كل العبارات الواردة ثلاث: الحمد لله رب العالمين أو الحمد لله على كل حال، وذكر النووي ﵀ أن الحمد لله رب العالمين أحسن من الحمد لله، والحمد لله على كل حال أفضل، قال: يقول عقب عطاسه الحمد لله ولو قال: الحمد لله رب العالمين لكان أحسن فلو قال: الحمد لله على كل حال كان أفضل، وهذه الأحاديث تقتضي التخيير.

стр. 2559

التشميت والتسميت بالنسبة لتشميت العاطس ورد بلفظ فشمَّت أو سمَّت، بالشين والسين، ومعناهما متقارب، والمقصود به التنبيه على هذه؛ حتى لا يظنها البعض خطأ مطبعياً، فيضيف نقاطاً على السين إذا رآها في بعض الكتب فالسمت: هو القصد والطريق القويم، والتشميت: التبريك، والعرب عندهم معنى شمته: أي: دعا له بالبركة، وشمت عليه: إذا برك عليه، وجاء في حديث علي وفاطمة شمت عليهما، إذا دعا لهما بالبركة، وقيل: إن التسميت أفصح، وعلى أية حال كلاهما بمعنى واحد.

стр. 2560

سبب قول: يرحمك الله للعاطس ما هو وجه قولنا للعاطس إذا عطس: يرحمك الله؟ قال أهل العلم: إن العاطس إذا عطس ربما ينحل كل عضو في رأسه وما يتصل به من العنق يعني: أن هيئة العطاس وحركته فيها خطورة حتى أن بعضهم قالوا: لا تبقى عضلة في الإنسان إذا عطس إلا وتحركت، فإذا قلنا له: يرحمك الله كان هذا معناه: أن الله أعطاه رحمة يرجع بها كل عضو من الأعضاء التي تحركت إلى موضعها، ويبقى على حاله من غير تغيير، فرحمة الله لصونه لهذا العبد العاطس في رجوعه إلى حال الاعتدال. وكذلك فإنه في اللغة الشوامت معناها: القوائم، فكأن التشميت أن يعود إلى قوامه الذي كان عليه، وأما بالنسبة لحال الشخص إذا لم يحمد الله ؛ فإنه لا يُشمت، وقد جاء في حديث: (إن هذا ذكر الله فذكرته، وأنت نسيت الله فنسيتك) والنسيان في اللغة يطلق على الترك، نسيتك أي: ترك الحمد للعاطس مناسبته واضحة فيحمد الله أن دفع عنه الأذى، وأذهب عنه الضرر وأعاده إلى حاله، وهذه نعمة والنعم تقابل بالحمد، وخروج الضرر نعمة، وعودته إلى حاله نعمة، ولذلك يقول: الحمد لله أنه ردني إلى صحتي وعافيتي.
следующие страницы →