← Джавами‘

Джавами‘ · id 7704

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (7 040 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

حق النفقة عليه من حقوق الأطفال: النفقة عليهم، الشريعة أوجبت على الأب: أن يبدأ بمن يعول، ينفق عليهم حتى يبلغ الذكر، وتتزوج الأنثى (أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله) حديث صحيح رواه مسلم. قال أبو قلابة: وبدأ بالعيال، وأي رجل أعظم أجراً من رجل ينفق على عياله الصغار؟! يعفهم، أو ينفعهم الله به ويغنيهم (وكفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت). نفقة الصغار لا تسقط بالإعسار عند العلماء، ويفرض على الأب القادر أن ينفق على أولاده، وأن يعمل ليكتسب مالاً، ويحبس إذا امتنع، ويرغم على العمل قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق:٧] فإن كان عاجزاً فنفقته على بيت المال، لا يوجد شيء في الشريعة (أولاد من غير نفقة) أو (أطفال من غير مصروف) لابد أن يُوجد لهم مصروف ونفقة. ومن تكريم الشريعة للطفل: أنها شرعت صدقة الفطرة عنه، فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر على الصغير والكبير، وتستحب عن الجنين في بطن أمه. الإسلام يهتم بمشاعر الطفل، العدل بين الأولاد واجب، في الهدايا والألعاب، والعيديات والأعطيات، إلا ما اقتضت المصلحة التفاوت فيه، وما وجد سببه: (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم).

стр. 2627

حقه في التربية وتربية الولد مسئولية واجبة: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) (مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع) قال ابن القيم ﵀: فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه فقد أساء إليه غاية الإساءة، وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبل الآباء، من جراء ترك تعليمهم فرائض الدين وسننه، فأضاعوهم صغاراً، فلم ينتفعوا بأنفسهم ولم ينفعوا آباءهم كباراً. عاتب بعض الآباء ولده في العقوق، فقال الولد: يا أبت! إنك عققتني صغيراً، فعققتك كبيراً، وأضعتني وليداً فأضعتك شيخاً، والجزاء من جنس العمل. النبي ﵊ كان يغتنم كل فرصة تربوية لأجل الولد، أردف مرة ابن عباس وراءه، قال: (يا غلام! إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك الحديث) ولما رأى يد عمر بن أبي سلمة تطيش في الصحفة -إناء الطعام- قال: (يا غلام! سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك).

стр. 2628

حقه في الملاطفة والملاعبة من حقوق الأطفال في الإسلام معانقتهم، وشمهم، وتقبيلهم، وملاعبتهم، وممازحتهم (قبل رسول الله ﷺ الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً، فنظر إليه رسول الله ﷺ ، فقال ﵊: من لا يرحم لا يرحم) رواه البخاري. وفيه أيضاً عن عائشة ﵂ قالت: (جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ، فقال: تقبلون الصبيان فما نقبلهم! فقال النبي ﷺ : أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة؟) (وكان ﵊ ينطلق من مسجده إلى العوالي، إلى ظئر إبراهيم مرضعة ولده ليقبله ثم يرجع) والحديث في صحيح مسلم. وكان يأخذ الحسن بن علي والحسين فيقعدهما على فخذه يلاعبهما ويحملهما. وحمل أمامة بنت زينب في الصلاة، فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها. ومرة أطال السجود حتى خشي الصحابة شراً، فرفع واحد رأسه، فوجد النبي ﷺ ساجداً والولد على ظهره، فلما انتهت الصلاة سألوه وأخبرهم، قال: (إن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله). حق الولد في اللعب، حتى والنبي ﵊ في الصلاة لا يعجله عن حاجته؛ اللعب واللهو البريء، من حق الطفل أن يلعب وأن يلهو، وأن يشبع رغبته في ذلك، وكان ﵊ يقول: يا زوينب! يا زوينب! ومج مجة في وجه محمود بن الربيع وهو صغير.

стр. 2629

حقه في الحفاظ عليه وعدم لعنه وسبه والدعاء عليه ولا يجوز الدعاء على الولد، ولا لعنه، ولا سبه، قال ﵊: (لا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا على أولادكم، وإذا استجنح الليل فكفوا صبيانكم، فإن الشياطين تنتشر حينئذٍ، فإذا ذهب ساعة من العشاء فخلوهم) رواه البخاري. من غياب الشمس إلى اشتداد الليل يحجز الأطفال في البيت؛ لأن للجن انتشاراً وخطفة، الشريعة تحافظ على الأولاد وتحفظهم من الشياطين ومن الجن. ورقية الصبيان في الحديث الصحيح: (مال صبيكم هذا يبكي؟ فهلا استرقيتم له من العين) الرقي بالقرآن والأدعية المشروعة، وكان النبي ﷺ يعوذ الحسن والحسين. وكان ﵊ يشعر الصبيان بأهميتهم، فإذا مر بالصبيان سلم عليهم كما في الحديث الصحيح، لا يقال: ولد، بزر، جاهل، والناس يسمونه جاهل، لكنه كان يسلم عليهم، ومرة شرب وكان عن يمينه غلام، وعن يساره الأشياخ، فقال: (يا غلام! أتأذن لي أن أعطيه الأشياخ؟ -الرسول ﷺ يقول للغلام- فقال: ما كنت لأوثر بفضلي منك أحداً يا رسول الله! فأعطاه إياه) إذا أتي بأول الثمر، دعا بالبركة وأعطاه لأصغر الأولاد عنده. لُعَبُ عائشة كانت موجودة في البيت، وكان يسألها ﵊ (لما كشف الستر عن بنات عائشة -اللعب- قال: ما هذا يا عائشة؟ قالت: بناتي، ورأى بينها فرساً لها جناحان من رقاع، فقال: ما هذا الذي أرى وسطهن؟ قالت: فرس، قال: وما هذا الذي عليها؟ قالت: جناحان، قال: فرس لها جناحان؟! قالت: أما سمعت أن لسليمان خيولاً لها أجنحة، فضحك الرسول ﷺ حتى بدت نواجذه).

стр. 2630

حقه في العلاج وعلاج الأطفال واجب على أوليائهم إذا احتاجوا، قال ﵊: (لا تعذبوا صبيانكم بالغمز من العذرة، وعليكم بالقسط) التهاب وقرحة تخرج في حلق الولد، كانوا يدخلون شيئاً ليفقئوها، فنهاهم ﵊ عن تعذيبهم بالغمز، وقال: (عليكم بالعود الهندي والقسط البحري) وهو شيء يعرفه العطارون، ويمكن سؤالهم عنه، يحك بالماء، ويجعل سعوطاً في أنف الولد، فإذا استنشقه برىء من هذه القرحة بإذن الله. والصبي المميز يصح أذانه، ويكون إماماً في الصلاة، ويكون صفاً مع رجل آخر (ورفعت امرأة صبياً إلى النبي ﷺ ، فقالت: ألهذا حج؟ قال: نعم. ولك أجر). هذه بعض حقوق الأطفال في الإسلام، هذا بعض ما جاءت به الشريعة في شأن الأطفال، فهل يوجد أسمى من هذا الدين وأعظم من هذه الشريعة؟! فكفانا انخداعاً بالغرب والشرق، ولنعد إلى هذه الشريعة! نسأل الله أن يحفظنا وأهلينا وأولادنا من كل سوء، ونسأله أن يرزقنا تربيتهم وحسن القيام بشئونهم؛ إنه سميع مجيب قريب. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 2631

الاهتمام بالأولاد مسئولية الأبوين الحمد لله على إحسانه، الحمد لله على شرعه ودينه، الحمد لله الذي أنزل علينا الكتاب ولم يجعله عوجاً، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله: أيها المسلمون! إن تربية الأولاد أمانة ومسئولية، لا بد من القيام بها، فانظروا كم ضيع الأمانة اليوم من المسلمين!! كم من أولياء أمور ضيعوا الأمانات!! ضيعوا الأولاد! ضيعوا فلذات أكبادهم! أهملوا! تركوهم في الشوارع يتعلمون الألفاظ القبيحة، والعادات السيئة كالتدخين وغيره، ويتدرجون شيئاً فشيئاً إلى أن يتعاطوا المخدرات، ويقعوا في الفاحشة واللواط، وهكذا تكون النتائج متوقعة، ولا شك أنها نتيجة لهذا التضييع. وهذا الإهمال الحاصل، فضلاً عن الإهمال في الحقوق الشرعية. التساهل بالطلاق، وتشتيت الأسرة، مآسٍ تحدث في بعض البيوت، ويحرم الأولاد من حنان الأبوين ومن عطفهما، كل خلاف زوجي، وكل مهاترة ومشاتمة ومضاربة بين الزوجين يكون انعكاسها مباشرة على الولد، فاتقوا الله في أولادكم، وارعوا حقوقهم. والجزء الثاني من هذا الموضوع: الولد في الغرب، وعقد المقارنة بين الطفل في الإسلام والطفل عند الغربيين، وبما أن الوقت قد ضاق -أيها الإخوة- فلعلنا نرجئ الحديث عن هذا الموضوع إلى الخطبة القادمة، لنتعلم فعلاً. كيف ضاع الولد، وضاع الأطفال في حياة تلكم الأمم، بعدما تبين لنا بالدليل القاطع والبرهان الساطع كيف حفظت الشريعة أولاد المسلمين. فنسأل الله أن يهب لنا ذرية طيبة إنه سميع الدعاء، ونسأله أن يصلح بيوتنا وأولادنا وذرارينا إنه سميع مجيب قريب، ونسأله أن يعيننا على حمل الأمانة. اللهم أعنا على ما حمَّلتنا، ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به يا رب العالمين، ولا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، وانشر رحمتك علينا، وارزقنا الأمن والأمان في ديارنا وبلداننا وبلدان المسلمين، يا أرحم الراحمين؛ ويا رب العالمين! انشر علينا الأمن والإيمان، واحفظنا بحفظك إنك أنت خير حافظ وأنت أرحم الراحمين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 2632

وبضدها تتبين الأشياء كيف ضاع الولد، وضاع الأطفال في حياة تلكم الأمم، بعدما تبين لنا بالدليل القاطع والبرهان الساطع كيف حفظت الشريعة أولاد المسلمين. فنسأل الله أن يهب لنا ذرية طيبة إنه سميع الدعاء، ونسأله أن يصلح بيوتنا وأولادنا وذرارينا إنه سميع مجيب قريب، ونسأله أن يعيننا على حمل الأمانة. اللهم أعنا على ما حمَّلتنا، ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به يا رب العالمين، ولا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، وانشر رحمتك علينا، وارزقنا الأمن والأمان في ديارنا وبلداننا وبلدان المسلمين، يا أرحم الراحمين؛ ويا رب العالمين! انشر علينا الأمن والإيمان، واحفظنا بحفظك إنك أنت خير حافظ وأنت أرحم الراحمين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 2633

الطفل الإسلامي والطفل الغربي [٢] الغرب يدعي أنه المهتم الوحيد بالطفل، وأن الطفل الغربي مكرم وله حقوقه، ومع هذا الإدعاء إلا أنه قد ظهرت الحقيقة جلية لتبين كذب دعواهم بتكذيب الواقع لهم في جملة من أخبار أطفال الغرب ختمت بها هذه المادة، والتي بدئت ببيان اهتمام الشريعة الإسلامية بالطفل، وذكر واقع أطفال السلف، وذكر معالم في تربية الطفل المسلم من كلام ابن القيم الذي أكد عليه علماء الغرب في هذا العصر؛ ولذلك جاءت هذه المادة مكملة لمادة قبلها بينت حقوق الطفل في الإسلام.

стр. 2634

بيان اهتمام الشريعة بالطفل إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فقد تحدثنا -أيها الإخوة- في الخطبة الماضية عن حق الطفل في الإسلام، وعما جاءت به الشريعة من الحكم والأحكام بشأنه؛ رفعت من قدره، وجعلت له مكانة وحقوقاً، وذكرنا بأن هذه الشريعة الكاملة لا يعدلها نظام ولا قانون، ولا يصل إلى مستواها تدبير؛ لأنها من تدبير العليم الخبير، الذي خلق النفس ويعلم ما تحتاج إليه وما يصلحها. ونريد أن نبين أن الطفل في الإسلام حقوقه أعلى من الطفل في الغرب، للذين يتبجحون بأن عندهم للأطفال حقوقاً ليست عند المسلمين، وأن وضع الطفل الغربي أفضل وضع على الإطلاق، لقد قلنا -أيها الإخوة! - وذكرنا بعض الآيات والأحاديث، ومن السنة المطهرة ذكرنا أموراً كثيرة جداً مما جاءت به الشريعة بشأن الطفل، لا يوجد له مثيل مطلقاً في قوانين الغرب والشرق، وقد حملت الشريعة الأبوين مسئولية تربية الولد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦] قال علي ﵁: [علموهم وأدبوهم]. الأبوان عندنا يندفعان لتربية الطفل خوفاً من الله ، وخشية نار وقودها الناس والحجارة، ولذلك يكون الباعث خشية الله تعالى، إذا فرط الوالد أو الوالدة فإن العذاب والعقاب لهما بالمرصاد يوم الدين، وقال النبي ﷺ : (مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع) ففي هذا الحديث ثلاثة آداب أمرهم بها: أولاً: أمر الأولاد بالصلاة، وثانياً: ضربهم عليها، وثالثاً: التفريق بينهم في المضاجع، وما نحل والد ولداً أفضل من أدب حسن، ولأن يؤدب الوالد ولده خيرٌ له من الصدقة بكذا وكذا. ذلك أن هذه التربية هي خيرٌ دائم، ونبع مستمر، وعطاء متجدد يكون في نفس الولد، ولذلك يكون من حق الولد على أبيه أن يحسن تسميته ويحسن أدبه، قال سفيان الثوري ﵀: ينبغي للرجل أن يُكره ولده على طلب الحديث، فإنه مسئول عنه، أي: يحمله على ذلك، ولذلك اهتم السلف جداً بالأطفال، فنبغ أطفال كثير من المسلمين، حفظوا القرآن منذ سن مبكرة، وحفظوا أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ ، وحملت لنا أخبار حلق العلم نبأ طفل يبلغ من العمر أربع سنين يجلس في مجلس الحديث يحفظ، غير أنه إذا جاع يبكي. وحملت الأخبار نبأ النووي ﵀ وهو ابن عشر سنين، والأطفال يريدونه للعب معهم، وهو يأبى ويبكي ويقرأ القرآن. وحملت الأخبار نبأ طفولة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، الذي كان أطول الأولاد لوحاً، فكتب له الشيخ عشرين حديثاً، ثم قرأها مرة واحدة فسردها عن ظهر قلب، فكتب له عشرين أخرى، فقرأها مرة واحدة، وحفظها عن ظهر قلب، ثم سردها على الشيخ. وبذلك تفوق ذلك الجيل والأجيال الذي بعده من هذه الأمة في عصر عزها وازدهار أمرها، ولكن لما ضعفت التربية الدينية، والتعليم الشرعي للأولاد في هذا الزمان؛ لم نعد نسمع عن مثل أولئك العلماء الفطاحل، الذين خرجوا يجددون للأمة أمر دينها، وينشرون العلم في الأرض، وذلك بسبب واضح وهو عدم الاهتمام بتعليم الطفل منذ سن مبكرة، فنحن نتركهم للهو وآلاته، ونتركهم للفساد وأجهزته، ولا نحملهم أو نهتم بهم في طلب العلم والتأديب الشرعي منذ نعومة أظفارهم. عباد الله: أليس من نعيم الدنيا أن يكون للإنسان قرة عين من ذريته، لقد سأل كثير بن زياد الحسن البصري ﵀ عن قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان:٧٤] فقال: يا أبا سعيد! ما هذه القرة أفي الدنيا أم في الآخرة؟ قال: لا. بل والله في الدنيا، قال: وما هي؟ قال: أن يري الله العبد من زوجته أو من أخيه أو من حميمه طاعة الله، لا والله! ما شيء أحب إلى المرء المسلم من أن يرى ولداً أو والداً، أو حميماً أو أخاً مطيعاً لله . فهذه قرة عين أن ترى ولدك يمشي على الشريعة بحسب ما جاءت به ملتزماً بآدابها، أن ترى ولدك متفقهاً في الدين، هذه من أعظم قرة العين في الدنيا (وكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، وامرأة الرجل راعية في بيت بعلها وولده وهي مسئولة عنهم، والرجل راع على أهل بيته) أو كما قال الرسول ﷺ . وقد راعت الشرعية العدل بين الأولاد، وقال النبي ﷺ : (اعدلوا بين أبنائكم) ولما نحل والد ولده غلاماً -أي: عبداً- وأراد إشهاد النبي ﷺ بناء على طلب أمه، قال له ﵊: (أله أخوة؟ قال: نعم، قال: أكلهم أعطيت ما أعطيته، قال: لا، قال: فليس يصلح هذا، وإني لا أشهد إلا على حق) رواه مسلم، وفي رواية: (لا تشهدني على جور) وفي رواية: (فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم). إذاً: العدل بين الأولاد منذ الصغر يكون حاديهم إلى البر بآبائهم، حتى في القبلات كان السلف يعدلون، ولما رئي رجل وقد جاء ولدٌ ذكرٌ له فقبله وأجلسه في حجره، ثم جاءت بنته فأخذها فأجلسها إلى جنبه من غير تقبيل، فقيل له في ذلك المجلس: ما عدلت بينهما. عباد الله: ربما يسأل الوالد عن ولده يوم القيامة قبل أن يسأل الولد عن والده، ولذلك ينبغي الاهتمام بهم أشد الاهتمام. عباد الله: لما فشا فينا حب الغرب، وذهب من ذهب إلى بلاد الغرب، وتفتح من تفتح على حضارة الغرب، وصار النظر إلى كتاباتهم وإنتاجاتهم وصناعاتهم؛ غر المغرورين منا ذلك التقدم الظاهري: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧] وقالوا: الطفل في مجتمعات الغرب يحيا أجمل سنوات عمره، وهو أرقى طفل في الكون، مستوى معيشة الطفل الغربي يفوق آلاف المرات مستوى معيشة الطفل في البلاد العربية والإسلامية، الغرب يوفر للطفل كل شيء. هذه العبارات وغيرها إذا جئت بها عند التحقيق، ونظرت إليها تحت المجهر وجدت أن المسألة ليست كذلك، ومن باب الإنصاف والعدل لا بد أن نقول: إنهم قد حققوا تقدماً كبيراً في بعض الجوانب بالنسبة للأطفال، فترى الحرص على الفحص الطبي، وصحة الولد، وبرامج التطعيمات، ومعالجة العيوب الخلقية، وتعهد الأطفال المعاقين، وعلاج الأمراض النفسية من الانطواء والانكماش؛ والخوف والتردد، وعمل برامج لتقوية النبوغ في الأطفال، والاهتمام بمدارس الأطفال أكبر من الاهتمام بالمدارس المتوسطة والثانوية، وحرية إبداء الرأي عند الطفل، والحديث والسؤال، والجلوس مع الكبار، والتشجيع على القراءة، وعلاج عسرها وبطئها، والبرامج التعليمية والتثقيفية، وزيارة المدرسين للأولاد في البيت، لا شك أن ذلك موجود عندهم، وقد تقدموا في ذلك تقدماً عظيماً، والإمكانات متوفرة لديهم بشكل كامل في هذا المجال. ولكن ما هي ميزتهم علينا في الحق والحقيقة؟ من جهة الاستعداد والإمكان يمكن للمسلم أن يأخذ كل تلك الحكم، والحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها يمكننا أن نأخذ كل تلك الإيجابيات ونجعلها عندنا، لأن ذلك أمر متوفر إذا صدقت العزيمة. أما نظريات تربية الأطفال فإنها قد كثرت، ولعلنا من خلال عرض بعض الأقوال لبعض علماء الإسلام نخرج وإياكم -أيها الإخوة! - بنتيجة واضحة من أن هذه الشريعة وهذا الدين، وعلماء هذا الدين قد بينوا كل ما يحتاج إليه الطفل بحيث لا نحتاج بعدهم إلى أحد، ولن ننقل كلاماً من عالم مسلم معاصر، أو من رجل مسلم في العصر الحديث، حتى لا يقولوا: إنما أخذوا ما أخذوا من الغربيين.

стр. 2635

معالم في تربية الطفل المسلم فلنطف وإياكم في جولة سريعة في معالم تربية الطفل المسلم مع رجل من أفذاذ هذه الأمة، وقادتها العلميين الفكريين، لنعلم إلى أي مرحلة كان يوجد عند المسلمين اهتمام بالطفل في كل جانب من الجوانب، لنطف مع ابن القيم ﵀، وهو يعقد لنا فصلاً عظيماً بعنوان: (فصول نافعة في تربية الأطفال تحمد عواقبها عند الكبر) ولن يكون الأمر مقتصراً على التربية الدينية والعلمية والشرعية، وإنما سيكون كلامه ﵀ عاماً شاملاً لجميع النواحي في تربية الطفل، لنعلم أنه يوجد عندنا في شرعنا، وفي كلام علمائنا نظريات تربوية عجيبة واهتمام بالغ. قال رحمه الله تعالى: ينبغي أن يكون رضاع المولود من أمه، وأن يحرص على ذلك، وإذا أريد إرضاعه من غير أمه فإنه يؤخر حتى يأخذ ذلك اللبِّأ، وتلك المواد المحصنة الموجودة في لبن الأم، وينبغي أن يمنع من حملهم والتطواف بهم حتى يأتي عليهم ثلاثة أشهر فصاعداً، لقرب عهدهم ببطون الأمهات وضعف أبدانهم، وينبغي أن يقتصر بهم على اللبن وحده إلى نبات أسنانهم؛ لضعف معدتهم وقوتهم الهاضمة للطعام، فإذا نبتت أسنانه قويت معدته، وتغذى بالطعام، فإن الله سبحانه أخر إنباتها إلى وقت حاجته إلى الطعام لحكمته ولطفه، ورحمة منه بالأم وحلمة ثدييها، فلا يعضها الولد بأسنانه. وينبغي تدريجهم في الغذاء، فأول ما يطعمونه من الغذاء اللبن، ثم يطعمونهم الخبز المنقوع في الماء، واللبن والحليب، ثم بعد ذلك الطبيخ والأمراق الخالية من اللحم، ثم بعد ذلك ما لطف جداً من اللحم، بعد إحكام مضغه أو رضه رضاً ناعماً، فإذا قربوا من وقت التكلم، وأريد تسهيل الكلام عليهم، فليدلك ألسنتهم بالعسل، فإذا كان وقت نطقهم فليلقنوا لا إله إلا الله محمداً رسول الله، وليكن أول ما يقرع مسامعهم معرفة الله سبحانه وتوحيده، وأنه فوق عرشه ينظر إليهم، ويسمع كلامهم، وهو معهم أينما كانوا. فإذا حضر وقت نبات الأسنان فينبغي أن تدلك اللثة كل يوم بالزبد والسمن، وأن يحذر عليهم كل الحذر وقت نباتها إلى حين تكاملها وقوتها من الأشياء الصلبة، ويُمنعون منها كل المنع، حتى لا تتعرض الأسنان للفساد والتعويج والخلل. ولا ينبغي أن يشق على الأبوين بكاء الطفل وصراخه، ولاسيما لشربة اللبن إذا جاع، فإنه ينتفع بذلك البكاء انتفاعاً عظيماً، فهو يوسع أمعاءه، ويفسح صدره، ويحمي مزاجه، ويثير حرارته، ويحرك الطبيعة لدفع ما فيه من الفضول. وينبغي ألا يهمل أمر قماطه ورباطه ولو شق عليه، إلى أن يصلب بدنه، وتقوى أعضاؤه، ويجلس على الأرض، فحينئذ يمرن ويدرب على الحركة والقيام قليلاً قليلاً. وينبغي أن يوقى الطفل كل أمر يفزعه من الأصوات الشديدة الشنيعة، والمناظر الفظيعة، والحركات المزعجة، فإن ذلك ربما أدى إلى فساد قوته العاقلة لضعفها، فلا ينتفع بها بعد كبره، فإذا عرض له عارض من أمر مفزع أو مخيف فينبغي المبادرة إلى تلافيه بضده من إيناسه وإنسائه إياه، وأن يلقم الثدي في الحال، ويسارع إلى رضاعه حتى تزول تلك الرهبة وذلك الخوف. وكذلك ينبغي التلطف في تدبير أمره عند نبات أسنانه، وألا يملأ بطنه بالطعام، وإذا انطلق بطنه خير من أن يمسك، وكذلك فإنه يلين بالعسل المطبوخ، ويعمل منه معجون يطعمه الولد. وأما وقت الفطام فقال الله : ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة:٢٣٣] الآية، فبين أن تمام الرضاع الحولين، وأن الفطام لا بد أن يكون عن تراضٍ وتشاور بين الأبوين، وأنه يجوز للأم أن ترضع بعد الحولين لا بأس بذلك، ولكن يكتمل الرضاع في الحولين، وينبغي للمرضع إذا أرادت فطامه أن تفطمه على التدريج، ولا تفاجئه بالفطام وهلة واحدة بل تعوده إياه. ومن سوء التدبير للأطفال أن يمكنوا من الامتلاء من الطعام، وكثرة الأكل والشرب، فإن ذلك يؤذيهم، وإن الصبي إذا شبع وامتلأ يكثر نومه ويسترخي، ويعرض له نفخة في بطنه ورياح غليظة. ومما ينبغي أن يحذر: أن يحمل الطفل على المشي قبل وقته؛ لما يعرض في أرجلهم بسبب ذلك من الانتقال والاعوجاج بسبب ضعفها، وعدم استعدادها للمشي منذ هذه السن المبكرة. ويجوز وطء الأم عند الرضاع، فإذا حملت فالأفضل أن تترك الرضاع؛ لأنها في حملها لا يكون لبنها مثل الأول في فائدته، وربما كان فيه شيء من الضرر، فأرشدهم الشارع استحباباً وليس إيجاباً إلى ترك إرضاعه في ذلك الوقت. كل هذه الفوائد الطبية التي ذكرها رحمه الله تعالى مما ينصح به الأطباء في هذا الزمان، قال ذلك قبل مئات السنين مما يدل على أن العناية الطبية كانت موجودة عند علمائنا، وكانت موجودة في المجتمعات الإسلامية، وكانوا يحرصون عليها، ولكن الأهم من ذلك كله الحرص على تأديبه وتربيته. يقول ابن القيم ﵀: فينبغي أن يعوده المربي في صغره على حسن الخلق، وتجنب الغضب واللجاج، والعجلة والخفة، والطيش والحدة والجشع؛ لأنه إذا تعود ذلك صار عادة لا يستطيع الخلاص منها إذا كبر. وينبغي أن يجنب الصبي مجالس اللهو الباطل والغناء، وسماع الفحش والبدع، ومنطق السوء؛ لأنه إذا علق بسمعه صعب عليه أن يتخلص منه ويفارقه عند الكبر. وينبغي لوليه أن يجنبه الأخذ من غيره -لا يعود ولده على الأخذ من أيدي الناس- غاية التجنب، فإنه متى اعتاد ذلك صار طبيعة، ونشأ على أن يأخذ ولا يعطي، ويعود البذل والعطاء والإعطاء، فإذا أراد أن يعطي شيئاً أعطاه على يده ليذوق حلاوة الإعطاء، ويجنبه الكذب والخيانة أكثر مما يجنبه السم، ويجنبه الكسل والبطالة والدعة والراحة، بل يحمله على العمل والشغل والجد والتعب، ويجنبه فضول الطعام والكلام والمنام، ومخالطة الأنام؛ لأن ذلك مما يفسد عليه حياته وخلقه. وكذلك فإنه يجنبه تناول ما يزيل عقله من مسكر وغيره، أو عِشْرة من يخشى فساده أو كلامه له ونحو ذلك من رفقاء السوء، ويجنبه لبس الحرير فإنه مفسد له، ومخالف لطبيعته، كما يخلفه اللواط وشرب الخمر والسرقة والكذب، ولذلك حرم على ذكور هذه الأمة والصبيان داخلون فيهم، فإنه ولو كان غير مكلف فإنه مستعد للتكليف، ولو أنه تعود لبس الذهب والحرير في أول أمره فإن ذلك مما يفسده منذ نعومة أظفاره. قال: ولهذا لا يُمَكَّن من الصلاة بغير وضوء، ولا من الصلاة عرياناً ونجساًً، ولا من شرب الخمر والقمار واللواط، مع أنه غير مكلف، لكنه لا يمكن من ذلك. وعند الغربيين شيء هو: مراعاة ميول الأطفال، فماذا يقول ابن القيم ﵀؟ يقول: فإذا صار له حسن فهم صحيح، وإدراك جيد، وحفظ واع، فينبغي تهيئته للعلم لينقشه في لوحة قلبه مادام خالياً، فإنه يستقر ويستمر ويزكو، فإذا رآه -أي: رأى ميول الولد- خلاف القراءة والحفظ والمنهج العلمي، والجلوس في الحِلَق، والإقبال على الحفظ -فماذا يفعل؟ -. فإذا رآه بخلاف ذلك من كل وجه، وهو مستعد للفروسية وأسبابها؛ من الركوب والرمي واللعب بالرمح، مكَّنه من أسباب الفروسية والتمرن عليها، فإنه أنفع له وللمسلمين، وإن رآه بخلاف ذلك -لا علم ولا فروسية- وأنه لم يخلق لذلك ورأى عينه منفتحة إلى صنعة من الصنائع مستعداً لها قابلاً لها، وهي صناعة مباحة نافعة للناس فليمكنه منها. هذا كله بعد تعليمه ما يحتاج إليه في دينه، فقضية مراعاة الميول والمواهب ليست خاصة بالغربيين، ولا اكتشفوها هم، فهي موجودة عندنا، والكلام في تحفة المودود المكتوب منذ أكثر من ستمائة سنة. فإذاً يوجد عندنا، وفي شرعنا، وكلام علمائنا ما نحتاج إليه، ولو فرضنا أن الغربيين عندهم إيجابيات فنحن أولى بها نأخذها منهم، وتبقى لهم الرذائل، نجنب ذلك أولادنا وصبياننا. نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من القائمين بالمسئوليات، الحريصين على الأمانات، ونسأله تعالى أن يخفف حسابنا، وأن يسدد خطواتنا، وأن يعيننا على تربية أولادنا. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 2636

وجوب الحذر مما يبثه الغرب إلينا الحمد لله رب العالمين، العلي الأعلى، الذي خلق فسوى، هو الواحد الأحد، والفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وذريته الطيبين الطاهرين، وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين. عباد الله: لقد قدم لنا الغربيون أشياء عجيبة من أجل الأطفال، فقدموا لنا الألعاب المختلفة، فمنها ما هو حلال نجلبه لأولادنا، ومنها ما هو حرام؛ من الألعاب المشتملة على الصلبان، أو الموسيقى، أو الأفكار القمارية الميسرية، مما يدخل في النرج وغيره، وغير ذلك من الألعاب التي تشتمل على محرمات. وقذفوا إلينا أيضاً بأفلام الكرتون التي تخاطب الأطفال، وتناسب أسنانهم وتجذبهم، وفي بعضها فوائد وتعليم لأشياء نافعة، ولكننا إذا تأملنا -يا عباد الله! - فيما قذفوه إلينا من هذه الأفلام الكرتونية لأولادنا وأطفالنا، وما جلبناه نحن لهم من هذه الأفلام، وعرضناها عليهم، لوجدنا أمراً شنيعاً والله! يندى له الجبين، فترى في بعض الأفلام عملاقين يتصارعان على امرأة، وفي بعض الأفلام تعويد للولد بشكل غير مباشر على الخدع والكمائن والإيقاع بالآخرين، وتجد في بعض هذه الأفلام أيضاً مخالفة في قضايا العقيدة؛ من عرض السحر والساحرة، أو أن يشير إلى شخص ميت بشيء فيقوم حياً، ونحو ذلك، وبعض هذه الأفلام تفسد خيالات أولادنا ولا شك، حتى يتصور الشيء الخيالي موجوداً في الواقع، بل ويطالب به ويبكي إذا لم يُحضر له. فإذاً: ينبغي الانتباه من هذه السلبيات الموجودة في الأفلام التي عملوها، وبعدما عرضت بعضها مدبلجة باللغة العربية تكتشف في بعضها من الحملات التنصيرية، والدعوة لعقد الصداقات مع الجنس الآخر، والخروج في الرحلات المختلطة، وممارسة الرقص والتقبيل، كل ذلك موجود في أفلام الكرتون التي تعرضها أنت، وتشتريها لهم بالفيديو وغيره، ويرونها هم في القنوات المختلفة، يرونها عياناً بياناً، بل أولادنا -يا جماعة! - ينظرون الآن إلى بعض الأفلام المدبلجة العجيبة تبلغ سبعين حلقة أو مائة حلقة، ما سمعنا عنه يندى له الجبين، مما يسمى بفلم (دالس) أو (رهينة الماضي) الذي يعرض فيه الزنا على أنه شيء عادي وربما لا ترى لقطته، لكن يرى ويسمع عنه في ذات الفيلم ما يجعله عادياً، وأولاد الحرام في الفيلم شيء عادي، كثيرون مبثوثون، وأن القضية طبيعية، وإقامة العلاقة المنفتحة مع الجنس الآخر أمر عادي، والخيانة الزوجية أمر عادي. وهذه الأفلام تنص على ذلك، وفيها ذلك، وهذا أمر تيقنا من سماعه من أكثر من شخص أنه موجود، ويجلس عندها الأطفال والكبار يتعلمون إقامة العلاقات، وسهولة قضية أولاد الحرام. يا عباد الله: مما نادى به مؤتمر بكين للمرأة والأسرة: مبدأ الحرية الجنسية للأطفال، فإذاً جَنِّبْ قضية (فرقوا بينهم في المضاجع) وخذ بقضية (الحرية الجنسية للأطفال) هذا ما يريدونه وكل أب والله مسئول عما يرى أولاده في البيت على الشاشة!! وهؤلاء الذين جلبوا الدش ثم أهملوا أمره وفتحوه للكبير والصغير، ولا تصدق أن عليه رقابة في البيت أو إحكاماً من الأبوين، فإن كثيراً من الأولاد يتفرجون وليس الأب والأم موجودين في البيت طيلة الوقت، فكثيراً ما يخرجون في السهرات والمواعيد، وبعد ذلك يرى أطفالنا وأولادنا الصغار والكبار هذه الأشياء. وأقسم بالله العظيم أن الحساب يوم القيامة عسير غير يسير، وهؤلاء يعرض لهم ما يفسد أخلاقهم منذ نعومة أظفارهم. لقد جاءني شخص فسألني سؤالاً في الأحلام، قال: مات عندنا ميت، وكان قد ركب دشاً قبل موته بأسبوعين، فرأته أحد نساء العائلة في قبره وهو يُخنق بحديدة، والله، وقلت له: إنني لا أعرف في تفسير الأحلام، ولا أجيد ذلك، ولكن أعرض لكم هذا المنام من قصة واقعية سمعتها بنفسي، ركب دشاً قبل موته بأسبوعين، ثم رئي بعد ذلك يُخنق بحديدة، ولاحظ التطابق بين الدش والحديدة في قبره، فما معنى ذلك؟ الله أعلم به، ولكن أقول لا شك أن القضية عسيرة وخطيرة، والانفلات الحاصل موجود وكثير، ولذلك تجد انتشار الجرائم ووقوع الفواحش موجوداًً عند الأحداث الصغار، من أي مكان يتعلمونه؟

стр. 2637

نظرات في واقع الطفل الغربي ثم ماذا يوجد عند الغربيين الذين أعجبنا بهم؟ فتى بريطاني يرفع دعوة على أمه ليتلقى منها وقتاً كافياً، توجه إلى المحكمة، يرفع قضية على أمه؛ لأنها لا تجلس معه وقتاً كافياً، تذهب خارج البيت وتتركه، وأقر القاضي فعلاً أن الحق معه، وألزم الأم بالبقاء مع الطفل، حتى الأساسيات غير موجودة عندهم، فليس هناك حضانة ولا حق في الرضاعة يعطى للطفل، ولا حنان يرتضعه، يترك ويرمى ويهمل. وصبي آخر في أوريلندا وفي فلوريدا رفع قضية على والديه، بأنه يريد أن يغير أبويه، وأن ينتقل إلى أسرة أخرى، وفعلاً أقر القاضي له بذلك، وغير اسمه إلى اسم العائلة الجديدة، واختار الأسرة الأخرى ليبقى عندهم، وحمل الاسم الجديد، وقال إن أمه مدمنة المروانة، ولها علاقات جنسية شاذة، وأنها تأخذ أجرها في آخر الأسبوع لتشتري الخمر، وأخبر أنها تتعاطى الكحول، وأنها تنسى علبة المروانة في المطبخ، ثم أخبر أنها وضعته في دار للأيتام فترة من الزمن، ثم إنها على علاقة بعشيق لها. أيها الإخوة! إن الغرب يقرون قضية انتساب الولد إلى غير أبويه، والله يقول: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٥] ونحن المتغربون منا والبعيدون عن الدين لا تظنوا أننا بعيدون عنهم، ولذلك تسمع الآن عن بعض أفراد العوائل يقولون: أبي تزوج على أمي وتركنا وأهملنا بلا نفقة ولا رعاية ولا تفقد، نحن لا نعرفه منذ سنين، كيف تطالبني الآن ببر أبي وأنا لا أريد التعرف عليه؟! أطفال يحملون الأسلحة في المدارس، وإحصائيات عن قتلى، وخوف ورعب نتيجة لذلك، هذا هو المجتمع الغربي، ثم نقلت لنا قصة مدهشة في الصحف والمجلات عن امرأة ادعت لدى البوليس بأن هناك رجلاً أسود خطف ولديها، ثم ألقى بها خارج السيارة ومضى بالصغيرين، وخيم الحزن على البلدة، وعملت الإعلانات، وتحمس السكان للبحث، وبحثوا في كل مكان ولم يجدوا شيئاً، وبعد ذلك عثر على السيارة غارقة في بحيرة وفيها الولدان، طفلان صغيران!! ثم اعترفت الأم أنها هي التي فعلت ذلك؛ لأن عشيقها يريدها من غير أولاد، والأولاد عبء عليها، فماذا تفعل بهم؟ وبينت الإحصائيات ستمائة واثنين وستين طفلاً لم يتجاوزوا الخامسة سقطوا ضحايا جرائم قتل خلال عام (١٩٩٢م) ارتكب ثلثيها والدا الضحية أو أحدهما، وكذلك يفعل من يمشي على هذه الخطة الوحشية ممن هم عندنا، فتراه يربط يد الولد بأسلاك ربما تؤدي إلى بتر الأعضاء في المستقبل، ويرجع أب قد استشاط غضباً يركل ابنته (اثنتا عشرة سنة) يضربها بالحذاء بكل قوته، فتتكسر عظام الصدر حتى تصل إلى القلب، ويحدث نزيف داخلي ثم تموت، هذا هو عين ما هو موجود عند الغرب. الطفلة ثلاث سنوات هيدي كوسدة ماتت من الجوع بعد أن تركت أياماً في غرفة مظلمة وراء باب موصد دون طعام، وذنبها أنها أخذت قطعة حلوى من غير أن تستأذن من زوج أمها، حتى وجدتها الشرطة البريطانية متحللة، وملقاة على ظهرها في غرفة رطبة. الطفلة تيره هنري عمرها واحد وعشرون شهراً فقط توفيت على يد أبيها الذي أشبعها ضرباً وعضاً في حي دريكستون في لندن. الطفل كريستوفر استوك أربع سنوات توفي بنزيف في المخ من جراء الضرب المبرح الذي كالته له صديقة أبيه. الطفلة هان يومان عمرها ستة أسابيع فقط، واتهم زوج أمها بضربها ضرباً مبرحاً أدى إلى تكسر عظام الجمجمة، وتوفت الطفلة البريئة في المستشفى متأثرة بجراحها. وأم في مقاطعة هام شاير البريطانية عمرها عشرون عاماً تعتدي على طفل رضيع لها من أجل أن تسكته عن البكاء، ولما لم يكن ليسكت كسرت جمجمته؛ لأنه كان يزعج عشيقها. وقام جون الين اثنين وثلاثين سنة بقتل صغيرته آن سبع سنوات، ثم ابنه الأكبر كول عشر سنوات، ثم استدار إلى زوجته فطعنها طعنات كثيرة، ثم أطلق الرصاص على نفسه، وكانت آلة التسجيل تشتغل في المنزل، والصوت ينطلق بعد ذلك عند المحققين على هذه المأساة المروعة، عندما تقدم الوالد مصوباً مسدسه في يده إلى ابنته وهي تتوسل إليه وتقول: أحبك يا بابا! ولكن ذهب التوسل أدراج الرياح. هذه هي الحظيرة الغربية، الآباء يعتدون على أبنائهم جنسياً! من يتخيل أن يعتدي الأب على ابنه جنسياً؟! أثبتت الدراسات في عام (١٩٨٧م) في بريطانيا أن (٩٠%) من حالة الاعتداء الجنسي على الأطفال تتم في نطاق الأسرة الواحدة، الأطفال في جميع الأعمار معرضون للخطر، ثلث ضحايا الانتهاكات الجنسية دون الخامسة من أعمارهم تتم على أيدي الأب، وزوج الأم والأم. قضت إحدى محاكم لوسن في بريطانيا بالسجن خمسة أعوام على رجل في الخمسين من عمره قام بالزنا بابنته طوال اثني عشر عاماً، وقد اعترف الرجل بالتهمة، وأنجبت ابنته منه ستة أولاد توفي أحدهم والباقون في وضع سيء في المستشفى. كل أسبوع ثلاثمائة مكالمة هاتفية من ضحايا تعرضوا لاعتداء من قبل آبائهم، ولذلك في الغرب الآن رقم هاتف مخصص لشكاوى الأطفال، يعرضونه على شاشات التلفزيون ليحفظه الولد، حتى لو أراد الاستنجاد بالشرطة من أبويه -من أقرب الناس إليه- يتصل. المواليد غير الشرعيين في ازدياد (أولاد الحرام في ازدياد) ومع زيادة الحملة على المخدرات وجد من عمره ثلاثة أعوام يشم الكوكايين. أيها المسلمون: هذه حياة الأطفال في الغرب؛ أم تقتل طفلها في ماء الحمام المغلي، وأب يهشم رأس صغيره الوليد بحذائه. امرأة ولدت فألقت بالطفل في سلة المهملات، ويعثر على الأولاد في المراحيض العامة، هذا هو واقع الطفل الغربي!! ثلث عدد الأطفال المصابين بالإيدز يموتون بعد عامين من الإصابة، أمراض جنسية خطيرة تنتقل إلى الأولاد، وأطفال مشردون، وعصابات لقتل الأولاد، لأنهم يشوهون البلد، ورهنت امرأة طفلها لقاء جرعة كوكايين، ويحصلون الآن على المخدرات بسهولة. الذي نريد أن نقوله: إن هذه الشريعة رحمة ونعمة، وإننا عندما نتمسك بالشريعة يكون أولادنا سادة العالم وقادته، وينشئون أحسن نشأة، ونعطيهم أحسن حنان وأحسن عطف، وعندما نأتي لهم بالألعاب ومن حقهم أن يلعبوا، وقد أشرنا إلى ذلك في الخطبة الماضية، حق الولد في الملاطفة والملاعبة، وأن يكنى ويسلم عليه، ويوجد له شأن في المجتمع ومكان، ويجلس في مجالس الكبار، ويعطى الإناء عن اليمين مع أنه يوجد عن اليسار كبار. شريعة كاملة، فإلى أي شيء نسعى؟ وماذا نريد من وراء التقليد واتباع الغربيين؟ حتى ألعاب الكمبيوتر اكتشفوا فيها الآن أنها أسباب مرض الصرع، وأنها تجلب النوبات العصبية، حتى ألزمت كبار الشركات كشركة (نان تندل للألعاب) وغيرها بكتابة تحذير على الألعاب: (إن هذه الألعاب من أسباب الصرع والنوبات العصبية للأطفال). فإذاً: ليس كل ما يأتينا منهم مفيد، بل كثير منه ضار، وأولادنا يسيرون على خطى أولادهم، وإذا لم يتق الآباء الله تعالى فسترون نتائج فضيعة في المجتمع. فهل حان الوقت لمزيد من الاهتمام بالأطفال على ضوء الشريعة؟ هل حان الوقت للتربية والاعتناء بها لمقاومة مظاهر انتشار الفاحشة واللواط والجرائم التي تتفشى عند أولادنا؟ اللهم أصلح شأننا وبيوتنا، وأصلح نياتنا وذرياتنا يا رب العالمين. اللهم هب لنا من ذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً. اللهم جنبنا الشرور والفتن ما ظهر منها وما بطن، اجعلنا في بلدنا هذا آمنين مطمئنين بشريعتك وسائر بلاد المسلمين. اللهم آمنا في الأوطان والدور، وأرشد الأئمة وولاة الأمور، وارحمنا برحمتك يا عزيز يا غفور. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 2638

الغيظ المكتوم بين الظالم والمظلوم [١] الظلم من شيم النفوس، وهو فساد في الأرض، وتعدٍ لحدود الله، وله صور ومجالات، وأشكال شتى تزل فيها الأقدام، ولذا يجب على كل مسلم أن يعرف الظلم ليتجنبه، وفي هذه المادة ذكر للظلم مع ذكر صور له مشهورة، فاقرأ لتعرف وتلزم.

стр. 2639

تحريم الظلم وعاقبته الوخيمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن الظلم حرامٌ؛ حرمه الله تعالى على نفسه، وحرمه بين الخلق، فقال في الحديث القدسي: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته محرماً بينكم، فلا تظالموا) وفي رواية عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه : (إني حرمت على نفسي الظلم وعلى عبادي؛ ألا فلا تظالموا). والظلم من طبيعة الإنسان، قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [الأحزاب:٧٢] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْأِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم:٣٤]، فمن طبيعة الإنسان الظلم؛ يظلم في المجالات المختلفة، يظلم دائماً إلا من عصمه الله تعالى: والظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفةٍ فلعلة لا يظلمُ

стр. 2640

عاقبة الظالم في الدنيا والآخرة وعاقبة الظالم أليمة في الدنيا وفي الآخرة، فأما في الدنيا فإن النبي ﷺ قال: (إن الله يملي للظالم، فإذا أخذه لم يفلته؛ ثم قرأ: ((وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ)) [هود:١٠٢]). فيملي له تعالى ليزداد إثماً، ثم يأخذه أخذ عزيزٍ مقتدر، ولذلك فإن مصير الظالم في الدنيا الهوان والعذاب قبل الآخرة، ومن تعذيب الظالمين ما ذكره ربنا : ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام:١٢٩]، أي: نسلط بعضهم على بعض، ونهلك بعضهم ببعض، وننتقم ببعضهم من بعض، جزاءً على ظلمهم وبغيهم؛ كما قال ابن كثيرٍ ﵀ في تفسير هذه الآية، فيسلط الله على الظالم ظالماً آخر، فيظلمه ويقهره جزاء ظلمه، والجزاء من جنس العمل. أما في الآخرة فقد قال النبي ﷺ : (الظلم ظلماتٌ يوم القيامة) وقال تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً﴾ [طه:١١١] أي: خضعت لجبارها الحي الذي لا يموت، وحصلت الخيبة لأهل الظلم يوم القيامة: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً﴾ [طه:١١١] وقال تعالى: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨] فيكون القصاص ويكون الجزاء في الآخرة بعد الدنيا.

стр. 2641

نصرة الله للمظلوم وأما المظلوم فإن الله قد جعل له في الدنيا دعوةً مستجابة ترفع على الغمام إلى الله ، تفتح لها أبواب السماء ويقول الله: (لأنصرنك ولو بعد حين) لأن الله لا يحب الظلم، ولذلك يستجيب دعوة المظلوم ولو بعد حين، فقد يقف المظلوم أمام الظالم يدعو عليه، ولا يحدث للظالم شيء في الموقف نفسه، ولكن الاستجابة آتية. وربما يكون أحياناً من التخفيف على الظالم أن يُستجاب للمظلوم في الحال، كما حدث في الذي ذهب يشهد زوراً فلم يرجع من المحكمة إلى بيته إلا وقد أصيب بالشلل، نقمة عاجلة من الله تعالى، وقد يُعَجِّلُ سبحانه العقوبة وقد يؤخرها لحكمةٍ يعلمها في خلقه. وكذلك فإن الله يجعل لولي المظلوم سلطاناً وقوة؛ كما قال تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً﴾ [الإسراء:٣٣] أي: جعلنا له قوة واقتداراً، وجعلنا له خياراً، وجعلنا الأمر إليه في العفو أو أخذ الدية أو طلب القصاص: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء:٣٣] فلا يمثل ويشوهْ الجثة، ولا يقتل غير القاتل، ولا يتعد على أقرباء القاتل، كما فعل بعض الناس: ﴿فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً﴾ [الإسراء:٣٣].

стр. 2642

النبي ﷺ والصالحون من أمته يتجنبون ما يمكن أن يؤدي إلى الظلم ولأجل خطورة الظلم كان الصالحون يخشونه على أنفسهم، ويبتعد الكثير منهم عن القضاء؛ فرفض كثيرٌ من العلماء تولي القضاء خشية أن يظلم أحد الخصمين، فيبوء بالإثم والانتقام من الله تعالى، مع أنه ربما يكون مجتهداً مخطئاً، ولكن حتى لا يحيف أو يداخله الهوى. أعرض كثيرٌ من الصالحين والعلماء عن تولي القضاء لأجل خشية الظلم؛ لأنه يخاف أن يظلم، ويعلم ما هي عقوبة الظالم في الدنيا والآخرة. وعن أنسٍ قال: غلا السعر على عهد رسول الله ﷺ -ارتفعت الأسعار- فقالوا: يا رسول الله! سَعِّرْ لنا -افرض تسعيرةً للبضائع- فقال النبي ﵊: (إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى ربي وليس أحدٌ منكم يطلبني بمظلمة في دمٍ ولا مال) رواه الترمذي وقال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيح. هذا النبي ﵊ يرفض التسعير خشية أن يكون قد ظلم البائع الذي يجوز له أصلاً أن يبيع كيف يشاء وبالسعر الذي يريد، ولذلك رفض التسعير خشية أن يظلم الباعة، وقال لأصحابه وهو النبي ﵊: (وإني لأرجو أن ألقى ربي وليس أحدٌ منكم يطلبني بمظلمة في دمٍ ولا مال). وأما التسعير فقد ذكر العلماء ﵏ أنه إذا حصل احتكارٌ وظلمٌ، واجتمع الباعة على رفع الأسعار في الأشياء التي يحتاج إليها الناس كالأقوات، جاز التسعير عليهم لمنع ظلمهم، وأما في الأحوال العادية فلا تسعير؛ لأنه في الأصل منعٌ للبائع من حقه، فالنبي ﵊ يرفض ذلك خوفاً من أن يلقى الله وفي عنقه مظلمة لأحد.

стр. 2643

أنواع الظلم: بحسب من يقع عليه والظلم -أيها المسلمون- على أنواعٍ ثلاثة: الأول: ظلم العبد لربه؛ كما قال تعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣] يرزقهم ويعافيهم ثم يشركون به، ويجعلون له صاحبةً وولداً، أو يحلفون بغيره، أو يشركون الشرك الخفي، فيقولون: لولا الله وفلان فالشرك هو أعظم الظلم على الإطلاق. الثاني: ظلم العبد لنفسه؛ ويكون بسائر المعاصي، قال : ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق:١]. وثالثاً: ظلم العبد لغيره، والله تعالى قد يسامح ويغفر، ولكن في ظلم العبد للعبد لا بد من القصاص، لأن الله لا يظلم أحداً.

стр. 2644

منع الناس من العبادة من أقبح الظلم ومن الظلم العظيم منع الناس من العبادة والحيلولة بينهم وبين أماكنها، كما قال : ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة:١١٤]. وقد عَدَّ الله الذين يبقون في دار الشرك ولا يهاجرون إلى بلاد الإسلام ظَلَمةً، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ [النساء:٩٧] هذه الحجة التي قالوها عند قبض أرواحهم. لماذا أنتم في بلاد الكفر؟ ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء:٩٧] أي: ما دام لكم مجالٌ وفسحة في الذهاب إلى بلاد الإسلام، فلماذا لم تهاجروا إليها؟ فسر هذه الآية ابن عباس ﵁ وأرضاه فقال: (إن ناساً من المسلمين كانوا مع المشركين، يكثرون سواد المشركين، وتكثير سواد المشركين حرام، ونفعهم وتقويتهم وهبة عصارة الأذهان إليهم حرام، يكثرون سواد المشركين على عهد رسول الله ﷺ ، فيأتي السهم فيُصيب أحدهم فيقتله أو يُضرب فيقتل، فأنزل الله: ((إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ)) [النساء:٩٧]) رواه البخاري ﵀. فالذي يختار الذهاب إلى بلاد الكفر دون حاجةٍ ولا إلجاء، يختار الذهاب إلى بلاد الكفر لمزيدٍ من زينة الحياة الدنيا، للمال وليعيش بين الكفار، فينشأ أولاده بينهم دون إلجاءٍ أو خوفٍ أو ضرورة أو تضييق، يذهب إلى بلاد الكفار مختاراً، فلا شك أنه ظالمٌ لنفسه، وكثيرٌ من الناس يتوسعون هذه الأيام في الهجرة إلى بلاد الكفر، مع ما في ذلك من المخاطر العظيمة عليهم وعلى أولادهم. ولو كان أحدهم ملجأً مضطراً فالله يعلم ظرفه، بخلاف ما لو كان مختاراً فإنه ظالمٌ لنفسه.

стр. 2645

الوسوسة في الطهارة ظلم وتعدٍّ وقد وصف الشارع صاحب الوسوسة بأنه ظالم، وعددٌ من الناس يقعون في هذا المرض العظيم يُهلكون أنفسهم، ألا ترى أنه قد وصفهم بالظلم كما جاء في حديث الأعرابي الذي جاء إلى النبي ﷺ يسأله عن الوضوء، فأراه ﵊ الوضوء ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال ﷺ : (هكذا الوضوء؛ فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم) الذي يزيد على الثلاث مسيءٌ ومتعدٍ وظالم، وبعضهم يمكث في دورة المياه ساعات يعيد الوضوء ويزيد، لا ينفك عن هذه الفعلة وهو ظالم، فلو تأمل الموسوسون هذا الحديث لكفاهم.

стр. 2646

من صور الظلم فإذا جئنا -أيها الإخوة- إلى ظلم العباد بعضهم لبعض، فلنعلم أن النبي ﷺ قد حرم ظلم المسلم لأخيه المسلم، فقال ﵊: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه) الحديث رواه البخاري. وظلم العباد لبعضهم في هذا الزمان منتشرٌ وشائعٌ للغاية، حتى صارت الجلطات وأمراض الضغط وما يحصل من الأزمات النفسية والقلبية شعاراً في هذا العصر ودليلاً على كثرة الظلم وانتشاره، وانعكس الظلم في شكل أمراضٍ خطيرة تصيب الناس لما يقع عليهم من حرمانهم حقوقهم ومن ظلمهم.

стр. 2647

الظلم بأخذ أرض الغير ومن أوجه الظلم: الظلم بأخذ أرض الغير: عن سعيد بن زيد ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من ظلم من الأرض قيد شبر طُوقه من سبع أرضين) رواه البخاري ﵀. وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن -وكانت وبينه وبين أناسٍ خصومة في أرضٍ- فدخل على عائشة فذكر لها ذلك، فقالت: يا أبا سلمة! اجتنب الأرض؛ فإن رسول الله ﷺ قال: (من ظلم قيد شبرٍ طوقه من سبع أرضين) رواه البخاري. وعن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أنه خاصمته أروى في حقٍ لها زعمت أنه انتقصه، فخاصمته إلى مروان، فقال سعيد: أنا أنتقص من حقها شيئاً؟! أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: (من أخذ شبراً من الأرض ظلماً فإنه يطوقه يوم القيامة من سبع أرضين). وعن يعلى بن مرة قال سمعت النبي ﷺ يقول: (أيما رجلٍ ظلم شبراً من الأرض كلفه الله أن يحفره حتى يبلغ آخر سبع أرضين ثم يطوقه يوم القيامة حتى يُقضى بين الناس) رواه الإمام أحمد وهو حديثٌ صحيح. فيحفره إلى أعمق سبع أرضين ثم يجعل حول رقبته بثقله العظيم طيلة خمسين ألف سنة -يوم القيامة- ولو كان شبراً واحداً. وترى الواحد اليوم إذا أراد أن يبني على أرضه أخذ شبراً سوراً للبيت من أرض جاره؛ يأخذ جدار بيته من أرض جاره، ليعلم إذاً أن من يأخذ شبراً فهذا مصيره؛ يطوق به يوم القيامة، فكيف إذا استولى على الأرض كلها؟!

стр. 2648

أكل أموال اليتامى ظلم عظيم ومن الظلم أكل مال اليتيم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ [النساء:١٠]. لقد بلغ الظلم والانحراف عن الشريعة حداً جعل أقرب الأقربين يأكلون أموال اليتامى، فهذا يأخذ أموالَه عمُّه، وآخر يستولي على مخصصاته خالُه، فأقرب الأقرباء لم يمتنعوا من ظلم اليتامى إلا من رحم الله، يأكلون أموال اليتامى ظلماً. الإرث الذي تركه لهم أبوهم يأكلونه، أو يتولى أحدهم عليه فيأكل منه، أو يأخذ مخصصات الدولة التي جُعلت لهؤلاء اليتامى فيأكلها، أو يأكل الضمان الاجتماعي ونحو ذلك، وهذا ظلمٌ حرامٌ وشنيع، كيف لو أن أولاده صاروا هم اليتامى؟! هل يرضى بأن تُؤكل أموالهم وحقوقهم ويبقون يتكففون الناس، أو يُعطى لهم الفتات ويأخذ الناس الباقي؟! فليرع حق الله في اليتامى. ولذلك ترى بعض المنصفين، ينفقون من جيوبهم على اليتامى، ويبقون أموال اليتامى سليمة، يسلمونهم إياها إذا كبروا، ألا فليبشروا بأجر من الله تعالى.

стр. 2649

مطل الغني ظلم ومن جوانب ظلم العباد تأخير رد الدين، كما قال النبي ﷺ : (مطل الغني ظلم) رواه البخاري كالمقتدر الذي عنده ما يؤدي به، ومع ذلك لا يؤدي حقوق الناس، وهذا كثيرٌ اليوم في عالم التجارة والاقتراض، يأخذون البضائع بالدين، ولا يسددون وعندهم مال، يقول أحدهم: سأتوسع! أتتوسع من مال الغير؟! يقترض ليتاجر ثم يقول للشخص: ليس عندي مال، ويقول: دعه ينتظر وأنا أنتظر الأرباح، مع أن أجل الدين قد حل، لكنهم ظلمة، يؤخر أحدهم ويماطل وعنده ما يسدد به الدين، والأموال موجودة، ولكن يقول: هكذا درجت العادة في السوق. وقريبٌ من هذا ظلم التاجر للأُجراء والموظفين والعُمال بتأخير الرواتب وعنده مالٌ يدفعه إليهم. عن أنس ﵁ قال: (كان النبي ﷺ يحتجم ولم يكن يظلم أحداً أجره) حديثٌ صحيح. حتى الحجام يعطيه أجره كاملاً، يعطيه ديناراً، ومعلوم أن الدينار أربعة غرامات وربع من الذهب، فلم يكن النبي ﷺ يظلم أحداً أجره حتى الحجام. وهؤلاء يؤخر أحدهم الرواتب بالأشهر عن العمال والموظفين، وعنده ما يدفع، فإذا نوقش قال: كل الشركات هكذا، كل السوق هكذا، أنا أحسن من غيري، هل تريد إذا ظلم الناس أن تظلم مثلهم؟ لماذا نمشي على العادة السيئة الموجودة بين بعض الناس ونقول: نظلم مثلما ظلم الآخرون؟! ثم يقول: سأعطيهم قبل السفر، يمنع الخادمة ويقول: سأعطيها قبل السفر، وهل المستحق عليك قبل السفر أم المستحق عليك في آخر الشهر؟ هذا ظلم ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران:١٤٠] ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨].

стр. 2650

تحريف الوصية ظلم ومن أنواع الظلم: الظلم بتحريف الوصية، كأن يُدخل فيها من لم يكتب ولم يشأ الموصي، ويخرج منها من أدخله الموصي، أو يجحد بالكلية، وتغير وتحرف؛ ولذلك قال الله: ﴿وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:١٠٧] في آخر آية الوصية التي يشهد عليها.

стр. 2651

اليمين الكاذبة لاقتطاع مال امرئ مسلم ظلم عظيم ومن الظلم العظيم أن يحلف كذباً لأخذ مال أخيه المسلم، عن علقمة بن وائل عن أبيه قال: (جاء رجلٌ من حضرموت ورجل من كندة إلى النبي ﷺ فقال الحضرمي: يا رسول الله إن هذا قد غلبني على أرضٍ لي كانت لأبي، فقال الكندي: هي أرضي في يدي أزرعها ليس له فيها حق، فقال رسول الله ﷺ للحضرمي: ألك بينة؟ قال: لا. قال: فلك يمينه -يحلف- قال: يا رسول الله إن الرجل فاجرٌ لا يبالي على ما حلف عليه، وليس يتورع من شيء، فقال: ليس لك منه إلا ذلك -لا بينة إذاً يحلف المدعى عليه- فانطلق المدعى عليه ليحلف، فقال رسول الله ﷺ لما أدبر: أما لئن حلف على على مال صحابه ليأكله ظلماً ليلقين الله وهو عنه معرض) رواه الإمام مسلم ﵀. وفي رواية لـ مسلم في شأن هذه القصة: (من اقتطع أرضاً ظالماً لقي الله وهو عليه غضبان) أي يلقى الله وهو معرض عنه. كم الذين يحلفون في المحاكم ظلماً؟ كم الذين يجحدون أموال الغير؟ كم الذين يتركون العامل يعمل ويمنونه بالمشاركة ويمنونه بالأرباح، فإذا كبرت المؤسسة وقام العمل على سوقه، وبدأت الأرباح تدر، قالوا: اذهب فليس لك شيء، ويخرجونه بثيابه. أين يكون من يفعل ذلك يوم الدين؟ وما هو حاله يوم الدين؟ ولكن الناس لا يفكرون بيوم الدين، مثل هؤلاء البشر لا يقيمون ليوم القيامة وزناً، فلا وزن لهم عند الله يوم القيامة.

стр. 2652

ظلم الشريك لشريكه ومن أنواع الظلم: أن يظلم الشريك شريكه، كما قال داود ﵇: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص:٢٤]. نسأل الله أن يباعد بيننا وبين الظلم، وأن يجعلنا برآء من الظلم، اللهم إنا نعوذ بك أن نظلم أو نُظلم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم، وأوسعوا لإخوانكم يوسع الله لكم.

стр. 2653

ظلم الرجل لزوجته الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين. أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، الحكمُ العدْلُ: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٩]. وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. عباد الله! إن من الظلم العظيم أن يظلم الرجل زوجته التي هي عانية عنده وأسيرة وضعيفةٌ، ومحتاجةٌ إلى نفقته وحمايته، فيعمد كثيرٌ من الأزواج إلى ظلم زوجاتهم، فيمنع النفقة عن زوجته أو يضربها ضرباً مبرحاً غير الذي أمر به الشارع، أو يضربها مع أنه هو الظالم وهي المظلومة. ويُرى آثار الضرب في جلدها اخضراراً وازرقاقاً، وربما أسال الدم، وهكذا يفعل بعض الظلمة من الأزواج الذين لا يخافون الله؛ يضرب الرجل بكل قوته على جنب المرأة وجسدها في ضعفها؛ بكل قوته على ضعف جسدها ينهال عليها ضرباً، كما قال النبي ﷺ : (يجلدها جلد العبد) وهذا من الظلم، وستأخذ من حسناته يوم القيامة. ومن الظلم لها أن يمنع عنها النفقة، أو يأخذ أموالها إذا كانت موظفة، ثم يقول لها: إذا أردت أن تقترضي مني فاقترضي وسددي، والمال مالها، وقد أخذ أحدهم من أموال زوجته فوق مائتي ألف لينفقها على نفسه وقرناء السوء في الخمر والحرام، فلما قالت له: اختر أنا أو قرين السوء صاحبك، قال: أختار صاحبي وأنتِ اخرجي من البيت، هكذا يتبجح بعضهم، وهذا من ضمن المآسي الاجتماعية التي تعيشها بُيوتنا. الزوجة لا تُحس بالأمان لأنها معرضة للطرد في أي لحظة، ولو في جوف الليل، ربما يضربها وهي حامل، تقي جنينها من الضرب، وهو لا يرحم الولد ولا أمه، فهذا ظلم والله لا يحب الظالمين، فكيف يلقى الله تعالى؟! من الظلم الذي وصفه الله من ظلم النساء أن يمسكها بعد طلاقها ليزيد عليها العدة، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة:٢٣١] فهذا ظلم، يمسكها ضراراً إلى آخر العدة وقبيل أن تنتهي يردها بعد الطلقة الأولى، ثم يطلق ويمسكها إلى قبيل انتهاء العدة في الطلاق الثاني، ويردها لتطول عليه العدة ولا تذهب إلى غيره، وليس له فيها حاجة. ولذلك لما لاعن عويمر زوجته في قصة الملاعنة المشهورة قال بعدما تمت الملاعنة: يا رسول الله إن حبستها فقد ظلمتها، فهو يقول: بعدما رأيتها في الفجور والزنا وتمت الملاعنة، فقد كذبتها، وإن أبقيتها عندي -ولا يمكن أن أطيقها- فقد ظلمتها، فهي طالقٌ طالقٌ طالق، فأقره النبي ﷺ ، فكانت سنةً لمن كان بعدهما من المتلاعنين الانفصال التام والنهائي إلى آخر العمر، لا يردها ولو بعد زوج، وتلك هي التفرقة الكبرى؛ بين الملاعن والملاعنة، فالزوجة تخرج إلى الأبد ولا تبقى عنده وهو لا يريدها.

стр. 2654

قطع الشجرة التي يستظل بها الناس ظلم وبعض الناس يتصور أن الظلم مع الأحياء أو مع أهل الحياة، ولكن الظلم حتى مع الجمادات، وحتى مع البهائم، ومن قطع شجرة ليضر بالناس فلا يستظلون بها عبثاً ظلماً صوب الله رأسه في النار، كما حمل عليه أبو داود حديث النبي ﷺ الصحيح: (من قطع سدرة صوب الله رأسه في النار).

стр. 2655

من ظلم المسلم لأخيه سوء ظنه به وصور ظلم الأخ لأخيه المسلم كثيرة، ومن ذلك ظلمه في تفسير مواقفه، وبناء ذلك على سوء الظن، وهذا مثالٌ من السنة، عن أبي هريرة ﵁ قال: (أمر رسول الله ﷺ بالزكاة، فقيل: منع ابن جميل وخالد بن الوليد وعباس بن عبد المطلب -أي: منعوا زكاة أموالهم فلم يؤدوها- فقال ﷺ : ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيراً فأغناه الله ورسوله -وهذا ذمٌ له وتأكيدٌ للتهمة عليه- وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً، قد احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله - خالد كيف يمنع الفرض وقد تطوع بتحبيس سلاحه وخيله ثم لا زكاة في الوقف وقد جعل خيله وسلاحه وقفاً على المجاهدين في سبيل الله، فأنتم تظلمون خالداً، لأنه جعل أمواله التي عنده وقفاً على المجاهدين في سبيل الله- وأما العباس بن عبد المطلب فعم رسول الله ﷺ فهي عليه صدقه ومثلها معها) رواه البخاري. وكان النبي ﷺ قد استعجل من العباس زكاة سنتين أخذها مقدماً للحاجة مقدماً، فلما جاء وقت الزكاة ولم يعط العباسُ زكاتَه، لأنه كان قد أعطاها من قبل، ولما ظلمه بعض الناس، أخبرهم النبي ﷺ أنه قد أداها من قبل، وأنه لو كان عليه فرقٌ فإنه سيتحمله هو من جيبه ﷺ ، لأنه عمه، وعم الرجل صنو أبيه. والشاهد من هذه القصة التي رواها البخاري ﵀ أن بعض الإخوان يظلمون أخاهم المسلم بتفسير مواقفه بناءً على سوء الظن تفسيراً غير صحيح، إذاً فليتقوا الله في أخيهم، وليحملوا أمره على أحسنه، نسأل الله السلامة والعافية. اللهم لا تجعلنا من الظالمين، ونجنا من القوم الظالمين، اللهم إنا نعوذ بك من الظلم وأهله، اللهم لا تجعلنا من الذين يظلمون الناس يا رب العالمين. اللهم إنا نسألك أن تنصر الإسلام والمسلمين، وأن تُذل الشرك والمشركين، وتهزم أعداء الدين، اللهم إنا نسألك الأمن والرخاء لبلادنا وبلاد المسلمين يا رب العالمين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.

стр. 2656

المجاهرون ما أعظم لباس الستر حين يستتر به المؤمن إذا وقع في ذنب! فهو لباس أسبغه الله على عباده المؤمنين؛ لكن بعض الناس يهتكون هذا اللباس ويمزقونه بعد أن سترهم الله فحرموا العافية التي حلَّت بأهل الستر. وتتعدد أنواع المجاهرة بالمعاصي في عصرنا الحاضر حيث وسائل الاتصال بكل أنواعها، مع اتساع دائرة المعاصي والذنوب، ألا فليحذر العاقل من نقض عرى الستر، فإن أبى إلا نقضها فلا يستغرب إن وجد ردة فعل إزاء ما يجاهر به من كثير من الخلق، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه.

стр. 2657

كل أمتي معافى إلا المجاهرين الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن من سنة النبي ﷺ ومن حديثه ننطلق ونأخذ النور، ومما وجهنا به ﵊ في هذه المسألة العظيمة، التي هي من الأمور المهمة في حفظ مجتمع المسلمين، وصيانة دينهم وعفافهم، روى الإمام البخاري رحمه الله تعالى عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً ثم يصبح وقد ستره الله فيقول: يا فلان! عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عليه). (كل أمتي معافى) من العافية، وأن الله يغفر الذنب ويقبل التوبة منه. (كل أمتي معافى إلا المجاهرين) فالمجاهرون بالمعاصي لا يعافون، الأمة يُعفى عن ذنوبها، لكن الفاسق المعلن لا يعافيه الله ، وقال بعض العلماء: إن المقصود بالحديث كل أمتي يُترَكون في الغيبة إلا المجاهرون، والعفو بمعنى الترك، والمجاهر: هو الذي أظهر معصيته وكشف ما ستر الله عليه فيحدث به. قال الإمام النووي ﵀: من جاهر بفسقه، أو بدعته، جاز ذكره بما جاهر به. هذه المجاهرة التي هي التحدث بالمعاصي، يجلس الرجل في مجلس كما أخبر النبي ﷺ ويقول: عملت البارحة -أقرب ليلة مضت- كذا وكذا، يتحدث بما فعل، ويكشف ما ستر، وقد قال النبي ﷺ : (اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله عنها، فمن ألمَّ بشيء منها فليستتر بستر الله) رواه الحاكم، وهو حديث صحيح. لماذا -أيها الإخوة- كل الأمة معافى إلا أهل المجاهرة؟! أولاً: لأن في الجهر بالمعصية استخفاف بمن عُصِي وهو الله ، واستخفاف بحق رسوله ﷺ ، واستخفاف بصالحي المؤمنين، وإظهار العناد لأهل الطاعة ولمبدأ الطاعة، والمعاصي تذل أهلها، وهذا يذل نفسه ويفضحها في الدنيا قبل الآخرة.

стр. 2658

المجاهرة لمصلحة راجحة عباد الله: إن المجاهرة بالمعصية والتبجح بها، بل والمفاخرة، قد صارت سمة من سمات بعض الناس في هذا الزمن، يفاخرون بالمعاصي، ويتباهون بها، وينبغي على الإنسان أن يتوب ويستتر، ولكن هؤلاء يجاهرون، قال النووي ﵀: يكره لمن ابتلي بمعصية أن يخبر غيره بها -يعني: ولو شخصاً واحداً- بل يقلع عنها ويندم، ويعزم ألا يعود، فإن أخبر بها شيخه الذي يعلمه، أو الذي يفتيه، أو نحوه من صديق عاقل صاحب دين مثلاً، يرجو بإخباره أن يعلمه مخرجاً منها، لقد أصيب الرجل بذنب أو وقع في ذنب، ويريد أن يسأل شخصاً ليعلمه كيف يتوب، وما هو المخرج من المعصية، ما هو الطريق لتركها، وكيفية التوبة، وما يجب عليه من جهة الأطراف الأخرى إن كان هناك أطراف أخرى في المعصية، ففي مثل هذه الحالة ما حكم الإخبار بالمعصية؟ فإذا أخبر بها شيخة أو نحوه ممن يرجو بإخباره أن يعلمه مخرجاً منها، أو ما يسلم به من الوقوع في مثلها، أو يعرفه السبب الذي أوقعه فيها فهو حسن، وإنما يحرم الجهر حيث لا مصلحة؛ لأن المفسدة حينئذٍ ستكون واقعة، فالكشف المذموم هو الذي يقع على وجه المجاهرة والاستهزاء لا على وجه السؤال والاستفتاء، بدليل خبر الذي واقع امرأته في رمضان، فجاء فأخبر النبي ﷺ لكي يعلمه المخرج، ولم ينكر عليه النبي ﷺ في إخباره.

стр. 2659

إمامة المجاهر بالذنب وعيادته عباد الله: إن المجاهرة بالمعاصي وإشاعتها والتباهي بها يحمل الناس الآخرين على التقليد والوقوع فيها، إن الشريعة لما شددت على المجاهرة بالمعصية كان ذلك لحكمة، والشارع يعلم أن المجاهر يدعو غيره، ويجذبه، ويزين له ويغريه، ولذلك كانت المجاهرة بالمعصية أمر خطير جداً، وقد ذكر العلماء إجراءات متعددة في الفتاوى والأحكام بشأن المجاهر، فنصوا على كراهية الصلاة خلف الفاسق عموماً ما دام فسقه لا يكفر، فالصلاة صحيحة لكنه لا ينال ثواب من صلى خلف الإمام التقي، وقال بعضهم: بإعادة الصلاة خلف من جاهر بالمعصية. وسُئل ابن أبي زيد ﵀: عمن يعمل المعاصي هل يكون إماماً؟ فأجاب: أما المصر المجاهر فلا يمكن أن يكون إماماً، ولا يجعل إماماً، ولا يُمَكّن من ذلك، ويطالب بتغييره، ويُرفع أمره؛ لأنه منصبٌ قيادي يؤم فيه المسلمين، فكيف يؤمهم ويتقدمهم ثم يكون مجاهراً بمعصية؟! وسئل عمن يعرف منه الكذب العظيم، أو القتَّات النمام الذي ينقل الأخبار للإفساد بين الناس، هل تجوز إمامته؟ فأجاب: لا يصلى خلف المشهور بالكذب، والقتات، والمعلن بالكبائر، مع صحة الصلاة أي: أنها لا تعاد، ولكن يكره الصلاة وراء هذا الرجل، أما من تكون منه الهفوة والزلة فلا تُتبع عورات المسلمين. وقال مالك ﵀: من هذا الذي ليس فيه شيء، كل إنسان يعصي، وقال مالك مردفاً: وليس المصر والمجاهر كغيره، المصيبة في المصر والمجاهر، هذا في مسألة إمامته. وماذا عن عيادته إذا مرض؟ وعيادة المريض المسلم أجرها عظيم، ومن حق المسلم على المسلم، لكن العلماء قالوا: لا يعاد المجاهر بالمعصية إذا مرض؛ لأجل أن يرتدع ويتوب ويرتدع غيره ممن يمكن أن يقع في المعصية، وإذا عاده من يدعوه إلى الله وينصحه فهو حسن لأجل دعوته، أما إذا لم تكن هناك مصلحة شرعية فلا يعاد زجراً له ولأمثاله.

стр. 2660

الصلاة على المجاهر وحكم إجابة دعوة الوليمة وماذا عن الصلاة عليه؟ لقد ذكر أهل العلم ﵏ في هذه المسألة المجاهر بالمعصية إذا مات، فإنه لا يصلي عليه الإمام ولا أهل الفضل؛ زجراً له ولأمثاله، وردعاً لمن يقع في هذا، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ينبغي لأهل الخير أن يهجروا المظهر للمنكر ميتاً إذا كان فيه كف لأمثاله، فيتركون تشييع جنازته. فمن جاهر بشيء فمات مصراً مجاهراً، يترك أهل الفضل والخير الصلاة عليه، ويصلي عليه عامة الناس ما دام مسلماً لم يخرج من الإسلام. وماذا بالنسبة للستر عليه؟ وما حكم غيبته؟ يندب الستر على المسلم عموماً؛ لأن النبي ﷺ قال: (من ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة) فإذا علمت عن مسلم ذنباً فاستره، وخصوصاً إذا كان ممن ينسب لأهل الدين، والطعن فيه طعن في الإسلام، والعيب عليه عيب في أهل الإسلام، لكن المجاهر بالمعصية له شأن آخر، قال العلماء: وأما المجاهر والمتهتك فيستحب أن لا يستر عليه، بل يظهر حاله إلى الناس حتى يجتنبوه، وينبغي رفع أمره للقاضي حتى يقيم عليه ما يستحقه؛ لأن ستر مثل هذا الرجل أو المرأة يطمعه في مزيد من الأذى والمعصية، وإذا كانت غيبة المسلمين حراماً فإن هذا الرجل قد أباح للناس أن يتكلموا في شأنه بمجاهرته، فأجاز العلماء غيبة المجاهر بفسقه أو بدعته؛ كالمجاهر بشرب الخمر وغيره، كما قال الإمام أحمد ﵀: إذا كان الرجل معلناً بفسقه فليس له غيبة، لكنَّ النووي ﵀ أشار إلى أن غيبته فيما جاهر فيه فقط، ويهتك فيما جاهر فيه، ويحذر الناس من شأنه. وأما هجره فإذا كان يرتدع به فيجب الهجر، وذلك بالمقاطعة وعدم الكلام، وعدم الزيارة، وعدم السلام عليه، قال الإمام أحمد ﵀: ليس لمن يسكر ويقارف شيئاً من الفواحش حرمة ولا صلة إذا كان معلناً مكاشفاً. إن قضية المجاهرة حساسة جداً في الشريعة أيها الإخوة! وماذا عن وليمته؟ ودعوته للعرس والنكاح؟ إن إجابة الوليمة واجبة بنص حديث النبي ﷺ : (ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله) هذا في العموم، أما المجاهر فلا تجاب دعوته للعرس والنكاح، ولا تؤتى وليمته ما دام مجاهراً.

стр. 2661

من ابتلي بمعصية فليستتر أيها المسلمون: (إن الله حيي ستير يحب الحياء والستر) إنه يحب الستر، فيجب على من ابتلي بمعصية أن يستتر، ويجب عدم فضحه، فإذا جاهر فقد هتك الستر الذي ستره به الستير وهو الله ، وأحل للناس عرضه، وقد أجمع العلماء على أن من اطلع على عيب أو ذنب لمؤمن ممن لم يعرف بالشر والأذى، ولم يشتهر بالفساد، ولم يكن داعياً إليه، وإنما يعمله متخوفاً متخفياً؛ أنه لا يجوز فضحه، ولا كشفه للعامة ولا للخاصة، ولا يرفع أمره إلى القاضي؛ لأن النبي ﷺ حثَّ على ستر عورة المسلم وحذَّر من تتبع زلاته: (من ستر عورة أخيه المسلم ستر الله عورته يوم القيامة، ومن كشف عورة أخيه المسلم كشف الله عورته، حتى يفضحه الله بها في بيته) رواه ابن ماجة وصححه في صحيح الجامع. ولأن كشف هذه العورات والعيوب، والتحدث بما وقع من هذا المؤمن أو المسلم قد يؤدي إلى غيبة محرمة، وإشاعةٍ للفاحشة وترويج لها، المؤمن يُستر ويُنصح، والفاجر يُهتك ويُعيرَّ، كما قال الفضيل ﵀. أما من عُرِف بالأذى والفساد، والمجاهرة بالفسق، وعدم المبالاة بما يرتكب، ولا يكترث بما يقال عنه، فيندب كشف حاله للناس، وإشاعة أمره بينهم؛ ليحذروا منه، ويرفع أمره إلى القاضي ما لم يخش مفسدة أكبر؛ لأن الستر على هذا يطمعه في الإيذاء، ومزيدٍ من الفساد، وانتهاك الحرمات، والتجاسر على المعصية، هذا في المعاصي التي وقعت في الماضي، أما من رأى إنساناً يرتكب معصية فيجب عليه أن يُنكِر عليه ولا يقول: أستره؛ لأن النبي ﷺ قال: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) واستثنى العلماء مسألة جرح الرواة؛ لأجل سنة النبي ﵊، ويجرح الشهود عند القاضي إذا كانوا من المجروحين لحفظ الحقوق، وكذلك من أراد أن يتولى صدقات أو أوقافاً، أو أموال أيتام، أو نحو ذلك، لا يحل الستر عليهم عندئذٍ، وإنما يخبر بأمرهم القاضي؛ لأن المسألة تتعلق بها حقوق لمسلمين، أو لعامة المسلمين. وينبغي على الإنسان المسلم إذا وقعت منه هفوة أو زلة أن يستر على نفسه، ويتوب بينه وبين الله ، ولا يستحب له رفع أمره إلى القاضي، ولا يكشف شأنه لأحد كائناً من كان إلا في مثل الأمثلة التي تقدمت في الاستفتاء والاستنصاح. الستر لأجل ألا تشيع الفاحشة، ولأجل ألا يعم ذكرها في المجتمع، ولأجل أن تكبت أخبارها؛ لأن نشر أخبارها يجذب إليها، ولذلك فإن من الآثمين إثماً عظيماً الذين ينشرون أخبار الخنا، والفجور، والخلاعة، والمجون، والحفلات المختلطة، والغناء ونحو ذلك على الملأ؛ لأنهم يريدون إشاعة الفاحشة في المجتمع المسلم: (اجتنبوا هذه القاذورات، فمن ألمَّ فليستتر بستر الله، وليتب إلى الله، فإن من يبدي لنا صفحته نقم عليه كتاب الله) حديث صحيح رواه الحاكم وصححه، ووافقه الذهبي وغيره. أيها المسلمون: إن النبي ﷺ لما جاءه رجلٌ يقول: أصبتُ حداً فأقمه عليَّ -والمعصية حصلت خفيةً- أعرض عنه النبي ﷺ ؛ فإن فيه إرشاداً إلى عدم استحباب طلب إقامة الحد، وأن من وقع في شيءٍ تكفيه التوبة فيما بينه وبين الله . اللهم إنا نسألك أن تتوب علينا، وأن ترحمنا، وأن تغفر لنا، وأن تسترنا بسترك الجميل في الدنيا والآخرة، وأن تصفح عنا الصفح الجزيل. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 2662

الأصل الستر وإنما الجهر لمصلحة الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، أشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين، وأشهد أن محمداً رسول الله البشير النذير والسراج المنير، والنبي الأمين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى أزواجه وذريته الطيبين الطاهرين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. عباد الله: إن مما ينبغي حفظه ما يحصل بين الزوجين، وتفاصيل ما يقع حال الجماع وقبله من مقدماته، إلى غير ذلك من الأسرار البيتية، قال ﷺ : (إن من شر الناس عند الله منزلةً يوم القيامة: الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها) أخرجه مسلم، وقال ﷺ وقد أقبل على صف الرجال بعد الصلاة: (هل منكم إذا أتى على أهله أغلق بابه وأرخى ستره، ثم يخرج فيحدث فيقول: فعلت بأهلي كذا وكذا، فسكتوا، فأقبل على النساء فقال: هل فيكن من تحدث؟ فقالت فتاة منهنَّ: والله إنهم ليحدثون وإنهنَّ ليحدثن، فقال: هل تدرون ما مثل من فعل ذلك؟ إنَّ مثل من فعل ذلك مثل شيطان وشيطانة لقي أحدهما صاحبه بالسكة -أي في وسط الطريق- فقضى حاجته منها والناس ينظرون) أخرجه أحمد، وهو حديث حسن. عباد الله: إن الله يحب الستر ويكره التحدث بالكلام الفاحش، وإن مما يقع بين الرجل وامرأته مع أنه بالحلال لكن لأنه خنا فإنه لا يتحدث به، لا يتحدث بأي شيءٍ يثير الشهوات، حتى مجرد ذكر الوقاع أنه قد حصل دون تفصيلٍ، إذا لم يكن له حاجة كرهه العلماء وعدوه من خوارم المروءة، حتى مجرد أن يخبر أنه قد حصل بينه وبين أهله شيء لغير مصلحة شرعية فهو مكروهٍ؛ لأنه من خوارم المروءة. عباد الله: إنَّ الطبيب وغيره ممن يطلعون على بعض أسرار الناس لا يحل له أن يفشي ذلك، إلا إذا كانت هناك مَضرَّةٌ على المسلمين، فإنه يُبلَّغ بها حتى لا تقع المضرَّةُ على المسلمين، وقال العلماء: إن الإنسان إذا اطلع على شيءٍ فيه ضررٌ على أحد بلَّغه بالتحذير العام، ولا يتكلم عن الشخص إذا كان ذلك كافياً، فيقول له: انتبه واحذر! وهناك من يريد إيقاع الشر بك، ونحو ذلك، فإذا لم يكن كفُّ الشر ممكناً إلا بالإبلاغ عن هذا الشخص وجب الإبلاغ عنه، ويجب الإبلاغ عن كل من يحدث شيئاً فيه ضررٌ على المسلمين، كالذين يعملون أوكار الفجور والدعارة، وتوزيع المخدرات ونحو ذلك، يجب الإبلاغ عن هؤلاء وعدم الستر عليهم؛ لأن في ذلك مصلحة المجتمع المسلم.

стр. 2663

صور من المجاهرة عباد الله: انظروا إلى من حولكم من الناس كيف صارت المجاهرة بالمعاصي عندهم شيئاً عادياً، كل من يعلق صورةً محرمةً تعليقاً يظهر للناس، أو يلصق على سيارته عبارةً بذيئة وهو يعلم معناها، أو يشرب شيئاً من المحرمات شفطاً، وأخذاً لدخانه وسحباً، أو من السوائل التي يدخلها إلى جوفه أمام الناس فهو مجاهر بالمعصية، فلا تستغرب إذا رأيت من أهل الخير من مر بمدخنٍ فلم يسلم عليه، ثم مر به وهو لا يدخن فسلم عليه؛ لأن ذلك من فقه معاملة من يجاهر. كيف جاهر الناس برفع أطباق استقبال موجات الشر وبثها في بيوت المسلمين، حتى صارت كالأعلام ترفرف فوق البيوت؟! كيف يجاهر بعض الناس برفع أصوات الغناء عند الإشارات وزجاج باب السيارة منخفض فينشر الفسق؟! كيف بمن يجلس على الشاطئ، أو الرصيف، أو غيره فيعزف، وبعضهم يرقصون أمام الغادي والآتي؟! وهذه المرأة المتهتكة التي تنزل إلى السوق والشارع متبرجةً متعطرةً كاشفةً عن الأقدام والسيقان، وعن الشعر وغيره؛ تمشي أمام الناس مجاهرةً بالفسق والمعصية. كيف صار حال بعض الناس في المجاهرة بالفسق والمعاصي في الدعايات التي ينشرونها على الملأ وفيها فجورٌ، أو دعوةٌ لفجورٍ، أو دعوة لحفلة غناء، أو اختلاط، أو قمار، أو ميسر في معاملات تجارية يُجهر بها على الملأ؟! لقد صارت مسألة المجاهرة من المسائل العظيمة أيها الإخوة، ولذلك تجب النصيحة، ويجب القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لماذا النهي عن المنكر واجب؟ ومحاربة المنكر لمكافحة المجاهرة، وبالدرجة الأولى الذي يجهر بالمعصية أمام الناس. كم وكم من الناس قد وقعوا في المجاهرة، وحديث النبي ﷺ خطير: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين) أي: فلا معافاة لهم، نفى المعافاة عنهم، ومن نفيت عنه المعافاة فكيف سيكون حاله؟! نسأل الله السلامة والعافية. اللهم إنا نسألك أن تطهر مجتمعاتنا من المنكرات، وأن تطهر بيوتنا من المعاصي والآثام. اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من عبادك الأتقياء الأخفياء، الذين يخشون في السر والعلن، ويخافون أن تطلع على حال هم فيه على معصية. اللهم طهر قلوبنا من الشرك، والرياء؛ والكبر، والغرور. اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم. وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.

стр. 2664

المزيد من المنهجية في طلب العلم لقد وجدت العشوائية وعدم الثبات والاضطراب والتذبذب وعدم الاستمرار لدى الكثير من طالبي العلم الشرعي؛ فحدث الخلل، وما حدث ذاك إلا عند غياب المنهجية السليمة لطلب العلم. فلابد من تلافي الخلل ورسم الطريق الصحيح لمنهجية رائدة في طلب العلم، فلابد من التدرج في التعليم والصعود المتأني في سلم العلم. ولقد أجاد بعض الأفذاذ في السير على المنهجية الصحيحة فاستوى على سوقه فكان الرسوخ، وأخطأ بعض السذج فليس معهم إلا نتف من هنا وهناك.

стр. 2665

الحث على الجدية في طلب العلم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علّمتنا، وزدنا علماً إنك أنت العليم الحكيم. أيها الأخوة: أحييكم في هذه الليلة وأقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فإننا في هذه الليلة، سنكمل -إن شاء الله- ما بدأناه في ليلة الخميس الماضي، عندما شرعنا في الكلام على موضوع (طالب العلم والمنهج). وبعد المحاضرة الماضية كان هناك عدد من الأسئلة، وهذه الأسئلة تضمنت ردود فعل مختلفة من عدد من الإخوان؛ لسماعهم المحاضرة الماضية. فبعضهم رأى أن فيها حَثَّاً على الجدية في الطلب، واستثمار الأوقات، لكي يكون طالبُ العلم طالبَ علم حقيقي فعلاً. وبعضهم رأى في العرض السابق تثبيطاً وشعر بالإحباط في نفسه؛ لأنه لما قارن ما هو عليه بالمنهج الذي ينبغي أن يسير عليه طالب العلم، رأى أنَّ بين هذا وذاك بوناًَ شاسعاًَ. وبعضهم من أصحاب التخصصات العلمية والوظائف قالوا: إن معنى الكلام أنه ليس لنا موقعاً في طلب العلم، وأننا لا بد أن نتجه لقراءة كتيبات، ونترك العلم لأهل العلم. وبعضهم قال مازحاً: نريد أن نبيع الكتب الكبيرة التي اشتريناها من معارض الكتاب، فما فائدة وجود كتاب مثل: كتاب (المغني) لدينا.
следующие страницы →