← Джавами‘

Джавами‘ · id 7704

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (7 040 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

تواضع السلف ورجوعهم إلى الحق وقال عمر ﵁ في كتابه لـ أبي موسى الأشعري: [ولا يمنعك قضاء قضيت به اليوم فراجعت فيه نفسك، وهديت فيه لرشدك أن تراجع فيه الحق، فإن الحق قديم، ولا يبطل الحق شيء، وإن مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل] ولذلك أقر موسى ﵇ بخطئه لما ذكره به أعدى أعدائه فرعون لعنه الله، قال فرعون لموسى: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الشعراء:١٨ - ١٩] أي: عندما قتلت ذلك القبطي، قال موسى ﵇: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء:٢٠] فاعترف أنه فعلها على ضلالة، ليس كفراناً بنعمة فرعون، ولكن فعلها على ضلال: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء:٢٠] يعني: قبل أن يوحى إلي وأرسل وأنبأ، فعلتها إذاًَ وأنا من الجاهلين، ولما قال الخضر لموسى عندما تسرع موسى، ولم يفِ بعهده للخضر في الصبر على ما يجري قال الخضر: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً﴾ [الكهف:٧٢ - ٧٣] فجمع بين الإقرار والاعتذار، وهذا من خلق موسى ﵇. كلنا يفتقر إلى الحق، خلق الإنسان ظلوماً جهولاً، والنبي ﷺ كان يقوم الليل فيفتتح صلاته بقوله: (اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة؛ أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم) فيجب أن يكون عندنا افتقار إلى الحق، وأن نشعر أننا محتاجون إليه، وأننا لا غنى لنا عن الحق وإلا صرنا في نار جهنم. وكان الخلفاء الراشدون يلتمسون الحق ويريدون معرفة أخطائهم، وقال عمر بن الخطاب ﵁ عبارته الذهبية: [رحم الله من أهدى إلي عيوبي] وقال عمر بن عبد العزيز لمولاه مزاحم: [يا مزاحم! إن الولاة جعلوا العيون على العوام، وإني جاعلك عيني على نفسي -جعلتك جاسوساً عليَّ- فإن سمعت مني كلمة تربأ بها عني، أو فعلاً لا تحبه، فعظني عنده، وانهني عنه] وقال عمر بن عبد العزيز لـ عمر بن مهاجر: [إذا رأيتني قد ملت عن الحق، فضع يدك في تلبابي، ثم هزني ثم قل: يا عمر ما تصنع؟] وهذا من حرصهم على الحق ومعرفة أخطائهم، والرغبة في تقويمهم، كل واحد يريد أن يقوم، وأن ينبه، وأن يبين له خطؤه حتى لا يستمر على الضلال. الرغبة في التقويم: إذا لم تكن عند كل واحد منا الرغبة في التقويم؛ فلن يتعلم ولن يتقدم ولن يهتدي، وكلام الأئمة في تواضعهم، كلام أئمة الفقه والعلم معروف مشهور، قال الشافعي ﵀: كل مسألة تكلمت فيها بخلاف الكتاب والسنة، فإني راجع عن كلامي في حياتي وبعد مماتي، وكذلك قال مالك ﵀، والنبي ﷺ علمنا أن نقبل الحق ولو من الكافر، ولو من اليهودي، عن قتيلة الجهنية قالت: (إن يهودياً أتى النبي ﷺ قال: إنكم تشركون، تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة، فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، وأن يقولوا: ما شاء الله ثم شئت) أخرجه الإمام أحمد والنسائي. إذاً: لم يجد النبي ﷺ أي غضاضة من قبول تنبيه اليهودي لأنه حق، وأخذ به، وأمر أصحابه به واعتمده، وهكذا يقبل الحق من أي مكان جاء، ومن أي شخص مهما كان كبيراً أو صغيراً، وعلى هذا جرى الأئمة.

стр. 2592

تواضع المحدثين وقال البخاري ﵀: خرجت على الكتاب بعد العشر -بعد أن حفظ القرآن- فجعلت أختلف إلى الداخلي وغيره من المحدثين، فقال يوماً فيما كان يقرأ للناس: سفيان عن أبي الزبير عن إبراهيم، في أحد الأسانيد التي يحدث بها الشيخ في المجلس وحوله الطلاب، فقلت له: إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم، فانتهرني، فقلت أرجع إلى الأصل، فدخل فنظر فيه، دخل فنظر في مكتوبه في البيت، وكان يحدث من حفظه في الحلقة ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام؟ -أمام الناس- كيف هو يا غلام؟ قلت: الزبير بن عدي عن إبراهيم، هكذا أظهر صواب الغلام أمام الناس وهو الشيخ، فقيل للبخاري: ابن كم كنت حين رددت عليه؟ قال: ابن إحدى عشرة سنة. وقال محمد بن عمار الموصلي: رددت على المعافى بن عمران حرفاً في الحديث، فسكت، فلما كان الغد جلست في مجلسه من قبل أن يحدث، وقال: إن الحديث كما قال الغلام، قال ابن عمار: وكنت حينئذٍ غلاماً أمرد ما في لحيتي أي شعرة. وسأل رجل علياً عن مسألة فقال فيها، فقال الرجل: ليس كذلك يا أمير المؤمنين، ولكن كذا وكذا، فقال علي ﵁: أصبتَ وأخطأتُ، وفوق كل ذي علم عليم. وقال عبد الله بن وهب المصري: كنا عند مالك، فسئل عن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء وكذلك اليدين، فلم يرَ ذلك، فتركت حتى خف المجلس، فقلت: إن عندنا في ذلك سنة، فذكر حديث: (إذا توضأت خلل أصابع رجليك) فرأيته بعد ذلك يسأل عنه فيأمر بتخليل الأصابع، ويقول: ما سمعت هذا الحديث قط إلا الآن، لكنه رجع إليه وأفتى به ﵁. وهكذا كانت سنة الأئمة وأهل العلم في قبول الخطأ عند التنبيه عليه، يعترفون به ويرجعون إليه، ويعلنون ذلك كما قال أحدهم: أرجع وأنا صاغر، ولما صنف الإمام عبد الغني كتاباً في أوهام الحاكم، المحدث المشهور، لما وقف الحاكم على هذا الكتاب جعل يقرأه على الناس، ويعترف لـ عبد الغني بالفضل والشكر، ويرجع إلى ما أصاب فيه من الرد عليه رحمة الله عليهما. هكذا كانوا إذاًَ في تقبلهم للحق، بل وإكرامهم، حتى قام الكسائي وعانق وأجلس إلى جنبه من نبهه على خطأ في المجلس، وقال إسماعيل بن أبي أويس للبخاري: انظر في كتبي وما أملكه لك، وأنا شاكر لك ما دمت حياً أنك نبهتني.

стр. 2593

الأسباب المعينة على قبول الحق ما هي الأسباب المعينة على قبول الحق؟ إذا لم يكن عند المرء تقوى فلن يقبل الحق: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً﴾ [الأنفال:٢٩] فرقاناً: تفرقون به بين الحق والباطل، وتعرفون به الحق، وتنقادون إليه، فلا بد من التقوى، وأن يعرف الإنسان مقدار علمه، وأنه عرضة للخطأ، وقال ﵊: (كل بني آدم خطاء) قال عبد الرحمن بن مهدي ﵀: من يبرئ نفسه من الخطأ فهو مجنون، الذي يقول: أنا لا أخطئ كذاب: (كل بني آدم خطاء) من الذي لا يخطئ إلا من عصمهم الله . وأن يعلم الإنسان منا أن الرجوع إلى الحق فيه أجر وثواب، لما حلف أبو بكر الصديق ألا ينفق على مسطح ولا يعطيه شيئاً؛ لأنه ظلم ابنته عائشة، أنزل الله تعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٢٢] ولا يأتل: أي: لا يمتنع، وكان مسطح قريباً للصديق وقال: والله لا أنفق على مسطح شيئاً بعد الذي قال لـ عائشة، فلما نزلت الآية قال أبو بكر ﵁: [بلى والله، إني لأحب أن يغفر الله لي] فرجع إلى النفقة التي كان ينفق عليه وقال: [والله لا أنزعها منه أبداً] وكفر عن يمينه، هكذا فعل. فإذاً ثواب الرجوع إلى الحق هو الذي يدفع المؤمن إلى الرجوع، وهي خصلة عظيمة، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، اللهم اجعلنا من أهل الحق، وأقمنا على ملة الحق، وأمتنا على الحق إنك أنت الحق المبين. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 2594

الرجوع إلى الحق قوة لا ضعف الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، أشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين، وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله: إن بعض الناس يتصور أن الرجوع إلى الحق ضعف، وأن العودة عن قوله أو فعله الخاطئ اهتزاز في شخصيته، ويأتي الشيطان لينفخ فيه فيقول له: إذا تراجعت فأنت ضعيف شخصية، بينما الحقيقة بخلاف ذلك تماماً، فإن الإنسان ولو توهم أن تراجعه ضعف أمام الآخرين، فإنه في الحقيقة رفعة في نظرهم، ويكبر في أعينهم، ولكن المسألة تحتاج إلى شيء من المصابرة والمجاهدة، لقد تلكأ علي ﵁ عن بيعة الصديق لأنه كان يعتقد في زمن أن له في ذلك حقاً؛ كما روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂، ثم لما تبين الحق لـ علي ﵁ رجع، وقال لـ أبي بكر: موعدك العشية للبيعة، فلما صلى أبو بكر على المنبر، رقى على المنبر، فتشهد وذكر شأن علي، أي: فضله ومنزلته، وعذره بالعذر الذي اعتذر إليه، ثم استغفر له، وتشهد علي بن أبي طالب ﵁ فعظَّم حق أبي بكر، وأنه لم يحمله على الذي صنعه -أي من التأخر عن بيعته- نفاسة على أبي بكر -ليس حقداً ولا حسداً- ولا تقديماً لنفسه على نفس الصديق، ولا إنكاراً للذي فضله الله به، قال: [ولكنا كنا نرى لنا في الأمر نصيباً ونحن آل محمد ﷺ ] ثم عرف أن الحق فيما أجمع عليه الصحابة من بيعة الصديق، فبايع علناً أمام الناس، قال الراوي: فسر المسلمون بذلك وقالوا: أصبت، فكان المسلمون إلى علي قريباً حين راجع المعروف، قال ابن حجر ﵀: أي كان ودهم له قريباً، إذاً ازدادت المودة لـ علي ﵁ لما راجع، لم تهتز شخصيته في أعينهم، لم يصبح ضعيفاً في أعينهم، وإنما ازدادت مودتهم له لما رجع إلى الحق. وقال عبد الغني الأزدي: لما رددت على أبي عبد الله الحاكم الأوهام التي في المدخل إلى الصحيح في كتابه، بعث إلي يشكرني ويدعو لي، فعلمت أنه رجل عاقل، فإذاً الراجع إلى الحق يزداد في أعين الناس، وإن أوهمه إبليس في البداية أنها ضعف شخصية وأنها إهانة. والذي لا يراجع الحق كبراً فإن الله يحرمه من معرفة الحق، كما قال الله : ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف:١٤٦] قال ابن جريج ﵀: أي سأصرفهم عن أن يتفكروا فيها ويعتبروا بها، قال المفسرون: سأرفع فهم القرآن عن قلوبهم، وهكذا يكون مصير الذي يتكبر على الحق أن يحرم عن معرفته وتبينه، وهذه لا شك كارثة كبيرة ومصيبة عظيمة فادحة تنزل بالإنسان، غضباً من الله، وعقوبة له على تكبره عن الحق، أنه لا يعود ليميزه ولا يعرفه ولا يهتدي إليه.

стр. 2595

بعض العوائق عن قبول الحق وبعض الناس ربما يسهل عليه أن يرجع إلى الحق إذا اكتشف هو بنفسه الخطأ، لكن إذا بين له من الآخرين لا يسهل عليه الرجوع، ويشق عليه أن يبين له من قبل الآخرين. وبعض الناس ربما يقبل الحق ممن هو أكبر منه، لكن إذا كان من أقرانه أو ممن هو أصغر منه لا يقبل، وهذه مصيبة أيضاً، وقد تقدم حال السلف ﵏ في قبول الحق من الأطفال؛ لأجل منزلة الحق وعظم الحق في قلوبهم. ومن الناس من يكون في نفسه عجب يمنعه من قبول الحق. إذا نصحت لذي عجب لترشده فلم يطعك فلا تنصح له أبداً فإن ذا العجب لا يعطيك طاعته ولا يجيب إلى إرشاده أحداً صاحب العجب (المعجب بنفسه) كيف ينقاد للحق؟! وبعض الناس لا يرجعون إلى الحق لجهلهم، وأكثر النفوس على جهل ما لم تعلمه: وضد كل امرئٍ ما كان يجهله والجاهلون لأهل العلم أعداءُ وبعض الناس يرد الحق لأنه يخالف ما ألفه ونشأ عليه: وينشأ ناشئ الفتيان فينا على ما كان عوده أبوه وهكذا تتوارث الأجيال كثيراً من العادات والسلوكيات الخاطئة، وتتناقلها جيلاً بعد جيل، حتى تتحول إلى مُسِلَّمة من المُسلَّمات التي لا تقبل النظر والمراجعة، فضلاً عن تركها والبعد عنها، وحينئذٍ يجبن الكثيرون عن التصويب، وهكذا ما ترى من عادات بعض القبائل من الأمور المحرمة التي لا يرجعون عنها، ويعتبرونها قانوناً لا يسعهم التخلف عنه، وحجتهم هي حجة أهل الجاهلية: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾ [النساء:٦١] ماذا يقول هؤلاء وغيرهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣] وجدنا آبائنا هكذا، فنحن على ما وجدنا عليه آبائنا، تقول: هذا الحق، وهذا الكتاب، وهذه السنة، فيقولون: نحن على ما نشأنا عليه، وما ألفناه وما عرفناه، ويرفضون الحق. فيا عبد الله! أيهما ينجيك عند الله: تقليد الآباء والأجداد، أم تقليد الكتاب والسنة؟ وما الذي سيقبله الله منك؛ أن تقول: وجدت أبي وجدي، والمجتمع من حولي، أو أن تعترف بما في الكتاب والسنة، وتراجع ذلك؟ وبعض الناس عندهم كبر تجاه الدعاة إلى الله والناصحين، لا يقبلون منهم نصيحةً، قال ابن مسعود ﵁: [إن من أكبر الذنب، أن يقول الرجل لأخيه اتق الله، فيقول: عليك نفسك أنت تأمرني؟!] وهكذا ازدراء الخلق، وإذا كان هؤلاء الخلق دعاة وفضلاء فإن ازدراءهم أعظم إثماً ولا شك، وهذه مسألة خطيرة -أيها الإخوة- ومبدأ مهم في حياتنا يجب اعتماده، والذي يخالف ذلك سيكون عرضة للهلاك بلا شك، وتأمل في أكثر مصائبنا وسبب انحرافاتنا تجد السبب أننا لا نرجع إلى الحق، وكثير من المشكلات بين الأب وأبنائه، والزوج وزوجته، والأخ وإخوانه، والجار وجاره، وهكذا، وبين المدعو والداعية، تجد أن السبب في المشكلة عدم الرجوع للحق، وعدم قبول الحق، ينبغي أن تقدر القضية حق قدرها، وأن تعطى شأنها، وأن نكون متواضعين للحق. اللهم إنا نسألك أن تجعلنا ممن يخافك في الغيب والشهادة، وممن يقول كلمة الحق في الغضب والرضا، اللهم إنا نسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، اللهم إنا نشهدك أنك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، وأنك تبعث من في القبور. ونسألك في مقامنا هذا في هذه الساعة أن تعتق رقابنا من النار، وأن تجعلنا من أهل الجنة الأبرار، اللهم إنك أنت الرحيم فارحم عبادك إنك على كل شيء قدير، اللهم ارفع البأس عن المسلمين، اللهم ارفع البأس عن المسلمين، اللهم ارفع البأس عن المسلمين. هذه المؤامرات تحاك في بلاد المسلمين أيها الإخوة، وهذه الدوائر تدور عليهم من أعداء الإسلام والمسلمين، وهؤلاء الصرب يهددون أهل كوسوفو عند حصول أي شيء لهم بمذابح رهيبة، وآلاف مؤلفة من عصابات المذابح التي كانت في البوسنة التي يسمونها عصابات أراكان وعصابات النمور تتربص بالمسلمين المزيد من المذابح، بعد أن أنهوا عدداً كبيراً منها في المدة الماضية، والعالم مشغول كما يقولون، وهكذا تحاك حول المسلمين في فلسطين وما حولها في بلاد الشام وغيرها، تحاك الدوائر حولهم، ولكن الله لن يرفع الذل عن الأمة إلا إذا رجعت إليه، وأنابت إليه، والله يخوف الأمة وينذرها بهذه الأحداث والكوارث والقوارع، فمن الذي ينزجر: ﴿وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾ [الرعد:٣١] ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَاناً كَبِيراً﴾ [الإسراء:٦٠] والواجب علينا الاعتبار والاتعاظ ومراجعة الحق والرجوع إلى الله . اللهم اجعلنا في بلادنا آمنين مطمئنين، اللهم إنا نسألك الأمن في البلاد، والرحمة للعباد، اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين. وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.

стр. 2596

السفر وآدابه [١] السفر كلمة قليلة الحروف، غزيرة المعنى والمدلول، وفي الشرع الحنيف ذكر لأنواع السفر وأحكامها؛ مع توضيح المعنى الحقيقي للسياحة في الإسلام، والذي حرفه الواقع المخالف لذلك. تلك موضوعات متنوعة تناولها الشيخ في خطبته، إضافة إلى ذكر بعض الحقائق المتعلقة بالسفر إلى الخارج.

стр. 2597

أنواع سفر النبي ﷺ إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. لما كان هذا الوقت بداية الإجازة، ناسب أن يكون كلامنا أيها الإخوة! عن موضوع السفر؛ حيث أن كثيراً من الناس ينوون ويخططون للسفر في هذا الوقت. والسفر أيها الإخوة! إنما سُمي سفراً لأنه يُسفر عن أخلاق الرجال ويكشف عنها، ولذلك فإن المسافر يتبين من طبعه وأخلاقه وشمائله ما لا يتبين في حضره؛ لأنه إذا ابتعد عن المألوفات وابتعد عن الأهل والأوطان؛ فإنه يظهر على حقيقته، وتظهر أشياء كثيرة كانت خافية من قبل. ورسولنا ﷺ كان يسافر، ما كان مقيماً في مكانٍ واحدٍ طيلة عمره، ولكن: إلى أين كان رسول الله ﷺ يسافر؟ وما هي أنواع سفره ﵊؟ إن سفره ﷺ كان دائراً بين أربعة أنواع من السفر: النوع الأول: سفر الجهاد. النوع الثاني: سفر الهجرة. النوع الثالث: سفر الحج. النوع الرابع: سفر العمرة. هكذا كانت أسفاره ﷺ ، فإنه خرج من موطنه من مكة مهاجراً إلى الله بعد أن لحق الأذى به وبأصحابه، وأصبح من الصعب جداً الإقامة وسط أولئك الكفار المعاندين، الذين كان آخر ما خططوا له اغتياله ﵊، ولكن الله نجاه منهم لأمرٍ يريده . وسافر ﷺ سفرات كثيرة في الجهاد في سبيل الله، وكان هذا النوع من السفر أكثر الأنواع التي سافر فيها ﷺ ، فإنه لا يلبث أن يأتي من غزوة حتى يُجهز غيرها، ولا يلبث أن تأتي سرية حتى يخرج في غيرها، وهكذا. كانت أسفاره لخدمة الدين، كانت أسفاره لحماية هذا الإسلام الذي شرعه الله، وللذود عن حياضه، ولإنقاذ المستضعفين من المسلمين، الذين كانوا يرزحون تحت نير استعمار الكفار واضطهادهم وعذابهم. وخرج رسول الله ﷺ أربع مرات للعمرة، وخرج في حجة الوداع؛ لأنه لم يتمكن من الخروج قبل ذلك للحج، وإلا فإنه ﵊ كان أول المبادرين إلى الطاعة، ولو كان يُمكن أن يخرج للحج في أول الدعوة لخرج، ولو كان يُمكن أن يخرج للحج قبل العام العاشر لخرج، ولكن الكفار لم يمكنوه من ذلك حتى حج ﵊ في آخر سنة من حياته.

стр. 2598

أنواع السفر والسفر قد يكون سفر طلب وقد يكون سفر هرب، وبناء على نوع الطلب ونوع الهرب يكون السفر إما سفر طاعة أو سفر معصية.

стр. 2599

سفر طلب وطاعة قد يكون سفر طلب مثل طلب العدو، كالجهاد في سبيل الله، أو طلب العلم، أو طلب زيارة العلماء، أو طلب الحج والعمرة، وواأسفا على أناس من المسلمين يعيشون في هذه الأيام في بلاد قريبة من البيت العتيق، ومدن ليست بعيدة من الكعبة لم يروا كعبة الله حتى هذه اللحظة، وليسوا بمعذورين لا في مال، ولا في صحة، ولا في أعذار قاهرة، فأنى لهم العذر عند الله وقد تخلفوا عن الإتيان إلى بيته، إذا كان رسول الله ﷺ عدَّ الذي ينقطع عن البيت خمس سنين: (إن عبداً أصححت له جسمه؛ لا يفد عليَّ خمس سنين لمحروم) إذا انقطع عن البيت العتيق أكثر من خمس سنين فهو محروم كما بين ﵊ في الحديث الصحيح، فكيف بمن انقطع عن البيت العتيق طيلة حياته، ويستصعبون الحج ويضعون الأعذار الواهية، وقد حج الناس والحمد لله ورجعوا في أمان وسلام. فعلام تشويشات الشيطان، وعلام الأعذار التافهة التي يُقيمها في أنفس المسوفين العصاة الذين يقولون: العام القادم، العام القادم، وما يدريهم ماذا سيحصل في العام القادم!

стр. 2600

سفر طلب ومعصية وقد يكون سفر طلب، ولكن طلب معصية كالسفر في طلب الزنا والخمور والرقص ومشاهدة المحرمات، والسفر في طلب الربا، والسفر في تتبع أولياء الله وهو من أعظم المحرمات.

стр. 2601

سفر هرب وطاعة وقد يكون سفر هرب وطاعة كمن يهرب من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، ويهاجر إلى بلاد المسلمين، أو أن يهرب من الأذى، أو ممن يريد قتله، أو غصب أمواله، أو إيذاء أهله، وفي هذا العصر والزمان من غربة الإسلام خرج كثير من المسلمين من بلادهم، أو أُخرجوا من بلادهم لأنهم قالوا: ربنا الله، وفي الأرض جماعات متناثرة من المسلمين من أهل السنة أُخرجوا من ديارهم لأنهم أهل السنة، أخرجهم الكفرة، وأهل البدعة والضلالة، وأهل الإلحاد والزيغ، ولا تزال تطّلع على أخبارهم بين فترة وأخرى، وبين حين وآخر من الزمن تسمع أنباء إخوانك الذين أُخرجوا ظلماً وعدواناً من أراضيهم وبلادهم لا يلوون على شيء إلا الفِرار بأنفسهم، وسلامة أهليهم، ليس معهم إلا حقيبة يدوية. والعتب على متبلدي الإحساس من المسلمين الذين لم يشعروا حتى هذه اللحظة أن لهم إخواناً من اللاجئين، ومن المهَجّرين، ومن الذين أُخرجوا من ديارهم ظلماً وعدواناً، ليت هؤلاء من متبلدي الإحساس بدلاً أن يسافروا إلى بلاد الكفار ليتمرغوا في أوحال المعاصي، يسافروا إلى بعض المناطق المنكوبة من أراضي إخوانهم المسلمين حتى يشهدوها. وكذلك فإن السفر إلى المساجد الثلاثة للصلاة فيها وعبادة الله من أعظم القربات، وينبغي أن يكون في نفس المسلم في هذا الزمن حنينٌ إلى بيت المقدس المسجد الثالث من هذه المساجد الثلاثة، الذي منع اليهودُ المسلمينَ من خارج ذلك المكان الصلاة فيه إلا بصعوبة بالغة.

стр. 2602

السفر لزيارة الإخوان في الله والسفر لمجرد زيارة أخ في الله من أعظم القُربات عند الله، وقد ورد بذلك أحاديث صحيحة عن رسول الله ﷺ .

стр. 2603

السفر لطلب الرزق ومن سفر الطلب الدنيوي المباح: السفر لطلب الرزق، وستر الأهل والنفس عن ذل الحاجة والسؤال، وكثير من المسلمين الذين قدموا إلى هذه البلاد وغيرها للعمل فيها، إن أخلصوا النية في إتيانهم لأجل ستر أنفسهم وأهليهم؛ فإنهم إن شاء الله مأجورون على هذا العمل، ومن خرج من بلده يسعى على صبية صغار له؛ فهو في سبيل الله حتى يرجع، ولكن العتب على من خرج ليجمع الأموال ويُفاخر فيها ثم يعود ليفجر بها في بلده. هناك الكثيرون -أيها الإخوة- يقترون على أنفسهم فترة من الزمن، ليجمعوا الأموال فإذا ما جمعوا عاثوا في الأرض فساداً.

стр. 2604

السفر لطلب العلم والسفر لطلب العلم من أعظم القربات: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١٢٢]. الناس الآن يذهبون إلى الخارج ليتحللوا من الدين، والأصل: ((لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ)) وهم يذهبون إلى الخارج لكي ينسوا الدين، والأصل: ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:١٢٢] فصار طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، والمقصود في الآية طبعاً علم الشريعة، وعلم الدين الذي يحتاج إليه المسلمون. أيها الإخوة: المسلمون اليوم يحتاجون اليوم إلى علماء في الشريعة أكثر من حاجتهم إلى الأطباء والمهندسين والله، ولكن من يفقه هذا؟ ولسنا نغض من قدر تحصيل العلم الدنيوي لرفع شأن المسلمين، ولكن علم الشريعة يحتاج إليه المسلمون في هذه الأوقات التي عم فيها الجهل حاجةً عظيمة (من خرج من بيته في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع) حديث صحيح. وقد رحل الصحابة والسلف في طلب الحديث الواحد أياماً وشهوراً، ورحل جابر ﵁ شهراً كاملاً في طلب حديث، وقال سعيد بن المسيب ﵀: إن كنت لأرحل الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد. وخرج الحميدي ﵀، وهو من أجلة المحدثين يريد أن يلقى شيخاً في مكان على ثلاثة أميال من مكة، فلما خرج إليه وسافر ذلك السفر لقي في الطريق رجلاً، فقال له: أين تريد؟ قال: أردنا أبا العباس من الرواة. قال: يرحم الله أبا العباس مات أمس، فقال الحميدي: هذه حسرة، ثم قال: أنا أسمعه منك هذا الحديث.

стр. 2605

شد الرحال لزيارة القبور والمشاهد والأضرحة ومن السفر المذموم: السفر وشد الرحال لزيارة القبور والمشاهد والأضرحة، وكثير من المسلمين الذين يظنون بجهلهم أن الشرك قد انتهى، وأن عبادة الأضرحة قد انتهت، وأن عبادة القبور كانت من زمان؛ على أولئك الذين يسمعون الأنباء الآن في عبادة الأضرحة والقبور أن يعلموا أن هذا الشرك لم ينته بعد، وأن الجهاد في سبيل إزالته من أعظم أنواع الجهاد. إذا كان قد حج إلى قبر البدوي في الستينيات ثلاثة مليون إنسان في سنة واحدة وهم أكثر من الذين حجوا إلى البيت العتيق في تلك السنة. أيها الإخوة: الأمر خطير، من الناس من يعبد من دون الله أشخاصاً وأوثاناً وأحجاراً وقبوراً وأضرحة، ويزعمون أن العلم والتكنولوجيا قد قضت على الشرك والخرافة. التكنولوجيا والعلم لا تقضي على الشرك والخرافة، الذي يقضي على الشرك والخرافة هو التوحيد والعلم الشرعي، أليس هناك كبار الدكاترة في جامعات العالم لا زالوا يعبدون أصناماً وأحجاراً وقبوراً، ويأتي الدكتور الكبير بشهادته العلمية الكبيرة إلى القبر ليعبده من دون الله؟! إذن ليست التكنولوجيا هي التي تقضي على الشرك، وإنما تعلم التوحيد ونشر السنة بين الناس هو الذي يقضي على الشرك. صحيح أن العلم الدنيوي قد يقضي على بعض الخرافات، مثل بعض الاكتشافات الطبية؛ لكن الاكتشافات الطبية والتقدم العلمي الدنيوي لا يقضي على الشرك ولا ينشر التوحيد؛ وهو وإن قضى على بعض الخرافات فإنه لا ينشر السنة، نحن نحتاج إلى رجال يقومون بين الناس لنشر العلم، لنشر السنة، لتجريد التوحيد مما علق به من الشركيات. وإنني أتعجب من أولئك الذين يأخذون بأيدي أطفالهم في السفريات ليروهم المقابر التي أقامها الأولون، والأبنية التي أقامها الأولون، والأضرحة التي أقامها الأولون على قبور ملوكهم وعظمائهم، ويدخلون بأطفالهم إلى المتاحف لكي يرى الأطفال الأصنام التي كانت تُعبد من دون الله، ثم يُزعم بأن هذه الأصنام تُحف ينبغي أن تُقام ويقام لها أماكن مخصصة لحفظها والعناية بها، وتُوضع بهالة من التقدير والحفظ والرعاية على أنها من مخلفات الأقوام السابقة. وهذه موروثات حضارية عن حضارات سابقة، تُكرم وتوضع في متاحف؛ هذه أصنام كانت تعبد من دون الله توضع في المتاحف، لأي شيء؟! ويؤخذ أطفالنا ويدار بهم في المتاحف ليُرى ما كان يعبد الرومان، وما هي مقابر الفراعنة وغير ذلك، وهذا شرك. أليست هذه وثنية؟!! إذاًَ لماذا نريها أولادنا؟ فضلاً عمن يدخل من المسلمين إلى كنائس النصارى ومعابد الكفرة يزعمون أنهم يتفرجون على الدنيا.

стр. 2606

السفر إلى بلاد الكفار لغير ضرورة لقد بينّا بعض أنواع السفر المحرمة ومنها السفر إلى بلاد الكفار لغير ضرورة، يقيم في بلاد الكفار، وسط الكفار، ينسى دينه، ويتعلم تقاليدهم، ويتشبه بهم، ويُنفق الأموال التي ينبغي أن تبقى في بلاد المسلمين في بلاد الكفار؛ لتعين الكفار، وتدعم اقتصاد الكفار وبلدان المسلمين في أشد الحاجة إليها. أليست هذه الأموال التي ينفقونها في سياحاتهم -كما يزعمون- سيسألون عنها يوم القيامة؟! (وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه).

стр. 2607

أحكام سفر المعصية وسفر المعصية له أحكام في الشريعة، وكثير من العلماء يرون أن المسافر في سفر المعصية لا يجوز له أن يترخص؛ لا يقصر الصلاة، ولا يجمعها، ولا يُفطر في السفر، ولا يمسح على الجوربين ثلاثة ليالي وأيام؛ لأنه خرج في معصية الله فكيف يترخص برخصة الله.

стр. 2608

رد المظالم وقضاء الديون على المسافر أن يبدأ إذا احتاج إلى السفر برد المظالم، وقضاء الديون؛ نسمع بأناس عليهم ديون متراكمة لكن مع ذلك يسافرون، وينفقون الأموال التي من المفترض أن يسددوا بها ديونهم، والدين غلٌ في عنق صاحبه، والرسول ﷺ رفض أن يُصلي على الجنازة التي على صاحبها دين، وهؤلاء يبعثرون الأموال. خرج ابن المبارك ﵀ إلى ثغر من ثغور المسلمين للجهاد، وكان إذا وصل إلى تلك البلدة القريبة من الثغر يأتي إليه شاب من شباب المسلمين، ويقوم بحوائج ابن المبارك يخدمه ويسمع منه الحديث، فقدم عبد الله بن المبارك مرة إلى تلك المدينة، فجاء النفير بالجهاد فخرج مستعجلاً؛ ولكنه لم ير صاحبه الشاب الذي كان يأتي في العادة ليخدمه، فلما رجع سأل عنه، فقالوا: إنه محبوس على عشرة آلاف درهم من الدين، فاستدل على الغريم، وسأل: من هو صاحب الدين؟ وأعطاه عشرة آلاف، وحلفه ألا يخبر أحداً طيلة حياته؛ فأُخرج الرجل المدين من السجن، وذهب ابن المبارك وسافر، فلحقه الفتى على مرحلتين من الرقة فقال ابن المبارك: يا فتى أين كنت؟ ما رأيتك. فقال: يا أبا عبد الرحمن كنت محبوساً بدين. قال: وكيف خلصت؟ قال: جاء رجل فقضى ديني ولم أدر. هذا عبد الله بن المبارك يتظاهر أنه لا يعرف عن الأمر شيئاً، قال عبد الله للفتى: فاحمد الله، ولم يعلم الرجل إلا بعد موت عبد الله، لكي تنقطع كل شوائب الرياء من الموضوع.

стр. 2609

حسن اختيار الصحبة الصالحة وعلى أولئك الذين يُسافرون أن يختاروا الصحبة الصالحة، بدلاً من أن يختاروا الصحبة التي تعينهم على المنكر وعلى إتيان أماكن الفساد، وبعض الناس يذهبون معهم بخبراء في الفساد وأنواعه وأماكن الفساد؛ مرشد سياحي لكي يذهب بهم إلى الحانات والخمارات والمراقص وأماكن الدعارة؛ هذه وظيفة المرشد السياحي. عن مبارك بن سعيد قال: أردت سفراً، فقال لي الأعمش ﵀: سل ربك أن يرزقك صحابة صالحين؛ فإن مجاهد حدثني فقال: [خرجت من واسط فسألت ربي أن يرزقني صحابةً -صحبة في الطريق لكي لا أكون وحدي- ولم أشترط -ما قلت في الدعاء صحابة صالحين- فاستويت أنا وهم في السفينة فإذا هم أصحاب طنابير -أصحاب معازف وآلات موسيقية-]. والصاحب يعين على الطاعة، ويعين صاحبه حتى على أمور الدنيا ومشاق السفر ومصاعبه، قال محمد بن مناذر: كنت أمشي مع الخليل بن أحمد فانقطع شسعي -أي: صار النعل لا يصلح للسير- فخلع نعليه هو أيضاً فقلت: ما تصنع؟ قال: أواسيك في الحفاء. أي: لماذا تمشي لوحدك حافياً؟ أنا أخلع نعلي وأمشي معك أيضاً حتى أواسيك في الحفاء.

стр. 2610

السياحة في الإسلام وفي الواقع والسياحة من المفاهيم التي صارت منحرفة في هذا العصر، فمعنى السياحة: أي: الذهاب لتضييع الأموال وارتكاب المحرمات؛ هذا في الغالب. والرسول ﷺ يقول في الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود: (إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله) هذه سياحة. والناس الآن يسافرون لإضاعة وقتهم هدراً، والرسول ﷺ ما كان يسافر للفرجة، وقت المسلم ثمين، لكن إذا خرج في عمرة، أو في حج، أو في جهاد، أو في سفر إلى الخارج لعلة شرعية كالدعوة إلى الله، أو إلقاء المحاضرات الإسلامية، أو كان تاجراً من تجار المسلمين يذهب لدعم إخوانه في أماكن أخرى من العالم، ووجد في الطريق آيات الله في الأرض؛ فإنه يتفكر فيها: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ [الرعد:٤]. لكن أن يخرج أساساً للفرجة؛ فهذا يقول ابن القيم ﵀ في شأنه: أما الذين يسافرون لمجرد الفرجة فهم كالبهائم الهائمة في الصحاري؛ تذهب تتفرج لا هدف لها. أيها الإخوة: بعضكم يستغرب هذا الكلام، أنا لا أقول إنه حرام، ولكن أقول فيه هدر للوقت؛ تذهب شهراً أو شهرين لمجرد الفرجة، لمجرد الاستمتاع هكذا بدون هدف، لماذا لا تضع في حسبانك مثلاً: زيارة قريب في ذلك المكان؟ طلب علم في ذلك المكان؟ دعم مسلمين في ذلك المكان؟! لا بأس أن يغير الإنسان الجو، ولكن لا بد أن يكون معتمداً وعازماً في ذلك السفر على أن يقوم بطاعات، أما مجرد الفرجة وخصوصاً الذين يذهبون إلى أماكن للتفرج يضيعون كثيراً من شعائر الدين؛ وهم يعلمون هذا تماماً. أسأل الله أن يوفقني وإياكم لأن نحُل حلاله ونحرم حرامه، وأن يرزقنا متابعة نبيه ﷺ وظاهراً وباطناً. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 2611

واقع السفر إلى بلاد الكفر الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، لا إله إلا هو رب الأولين والآخرين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله النبي الكريم، الذي سافر أسفار التقوى، وجاهد في الله حق جهاده فصلوات الله وسلامه عليه وعلى أصحابه والتابعين. أيها الإخوة: الذهاب للنزهة في بلاد المسلمين إذا لم يُعرض الإنسان نفسه فيه لشيء من المحرمات، فهو إن شاء الله سفر مباح، حتى ولو كان لتغيير الجو ما لم يتعرض للمحرمات، ولكن السفر للفرجة في بلاد الكفار ما الخير الذي يُرجى من ورائه؟ وينبغي أن نكون في أسفارنا ممن يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويسارعون لمنع المنكر وعدم وقوعه أو تخفيفه على الأقل ونصح فاعله. نُعلّم الناس الذين نذهب إليهم، قد تدخل مسجداً من المساجد، أو تلقى رجلاً من الناس، قد تركب معه في الطائرة، لماذا لا تدعوه إلى الله؟ بعض الناس يسافرون إلى أماكن بعضها في بلاد المسلمين لكن فيها بدع، يقول أحدهم: دخلنا مسجداً من مساجد المسلمين فوجدنا الإمام في المسجد في ذلك المكان بعد أن انتهت الصلاة أتى بالكتاب ليُحدث عليهم، ثم أدخلت طفايات السجائر فوزعت على المصلين وعلى الإمام، ثم جلسوا يدخنون، ثم بعد ذلك شرعوا في التحديث. هناك بدع وضلالات كثيرة جداً منتشرة في أقطار العالم الإسلامي، أفلا يكون من الواجب على أهل التوحيد، وعلى الناس الذين لديهم علم بحسب قدرتهم واستطاعتهم أن ينبهوا الغافل، ويعلموا الجاهل، وينصحوا المبتدع، وكثيراً من أولئك يظنون أن بعض ما يعملونه من البدع قربة إلى الله، أليس من بعضكم الجالسين في هذا المسجد من سيرجع في هذه العطلة إلى أهله لأنه مقيم هنا في منطقة عمل، أليس لأهله حق في صلة الرحم؟! أليس لأهله المقيمين في ديارهم الأصلية حق في التعليم والنصيحة؟!! بعض المقيمين في خارج البلاد في جهل كبير، والرجل هنا في هذا البلد يكون قد تعلم أشياء كثيرة من الدين، أليس من حق أولئك أن ينقل إليهم هذا العلم؟ وأن ينبهوا على تلك الأخطاء؟ أنتم تعلمون أن كثيراً من الأهالي في بلاد أخرى قد استفادوا من بعض أقربائهم المقيمين في هذه البلاد، الذين رجعوا إليهم بالكتب الطيبة، والأشرطة الطيبة، والعلم الطيب الذي نشروه فيما بينهم، أليس من المفروض أن نكون دعاة إلى الله أينما حللنا وارتحلنا؟!!

стр. 2612

تضييع الأهل والمال بعض الناس -أيها الإخوة- يجمعون ما أمامهم وما وراءهم ليسافروا به، ويرجع بعد السفر (على الحديدة) إن لم يرجع مديوناً، لماذا يفعلون هذا؟! وبعض العوائل يواعد بعضهم بعضاً في الخارج؛ في أماكن المحرمات، وبلاد الكفار، وبلاد الفتنة، يذهبون إلى هناك، ويذهب الرجال من طريق والنساء من طريق آخر، والذي يُقر الخبث في نفسه؛ فإنه لا بد أن يحدث في أهله. إذا كان السفر سيضيع الأولاد، فلماذا نسافر؟ بعض الرجال يسافرون ويتركون بيوتهم هملاًَ لا راعي لها، وليس هناك من يقوم بشئون أهليهم، تقول الزوجة: زوجي يسافر سفراً طيباً، سفر طاعة إن شاء الله، لكنه يتركني في البيت لوحدي، أخاف أي صوت في الليل، وأنا أسمع عن كثرة السرقات المتعددة، أحياناً لا يكون عندي ماء للشرب، وقد يمرض طفلي الصغير فأضطر في الليل أن أذهب مع سيارة الأجرة لوحدي بهذا الطفل إلى المستشفى؛ لأنه ليس عندي من يأخذه إلى المستشفى. الرسول ﷺ يقول: (كفى بالمرء إثماً أن يُضيع من يقوت) كفى بالمرء إثماً أن يضيع عياله وأهله. يقول شيخ الإسلام ﵀ عن سفر صاحب العيال: إن كان السفر يُضر بعياله لم يسافر، وسواءً كان تضررهم لقلة النفقة، أو لضعفهم، فسفر مثل هذا حرام، وإن كانوا لا يتضررون مادياً بل يتألمون وتنقص أحوالهم؛ الولد ليس عنده أب في البيت يعطف عليه، والزوجة ليس عندها أنيس، فإن لم يكن في السفر فائدة جسيمة تربو على ثواب مقامه عندهم؛ لأن جلوسه عندهم فيه ثواب، كعلم يخاف فواته، أو شيخ يتعين الاجتماع به، وإلا فمقامه عندهم أفضل.

стр. 2613

أسباب دنيوية لقلة السفر إلى الخارج قد يقول قائل: لقد قلّت أسفارهم إلى الخارج. صحيح الناس قلت أسفارهم إلى الخارج، لكن عندما تأتيك الأسباب بعد ذلك تجد الأحوال المادية ليست كما كانت سابقاً، جرائم الاختطاف والسرقات كثيرة أرعبت البعض فهم لا يسافرون. إذن لماذا لم يسافروا؟ لماذا تركوا السفر إلى الخارج؟ لم يتركوه لله، وهذا هو لب الموضوع، لم يتركوه لله ولا لأنه يضر بالدين، ولا لأنه يضر بالعرض، ولا لأنه يفتن ويغري ويغوي، ومضيعة للأموال التي سوف يسأل عنها العبد يوم القيامة، لكن لأنها تضر به دنيوياً. هل تظن أن امتناع هؤلاء بالسفر إلى الخارج مما يثابون عليه؟ ثم إن الذي يريد الفساد سيحصل عليه؛ فلذلك ترى بعض الناس الذين لم يستطيعوا الذهاب إلى بلدان أوروبا للفساد؛ صاروا يذهبون إلى بلدان شرق آسيا لأن نفقات الحرام أقل، والذين لم يذهبوا إلى تلك البلاد يذهبون مما هو قريب منهم جداً من البلدان التي تنتشر فيها مواخير الفساد؛ ليقضوا وطرهم المحرم هناك، فالذي يريد الفساد لا يمنعه شيء، وسيفعله وهو في بلده.

стр. 2614

واقع الحجاب الشرعي في الخارج ما معنى: قيام بعض الناس بمنع بناتهم وزوجاتهم من ارتداء الحجاب الشرعي في الخارج؟ تقول: زوجي يمنعني من ارتداء الحجاب، وستر وجهي في الخارج، ويقول: تريدين من الأجانب أن يضحكوا علينا. أيها الإخوة: من الذي تسبب أن الأجانب يضحكون عليه؟ أليس هو الذي ذهب إليهم طائعاً مختاراً حراً؟ أم أن أحداً أجبره وقيده ووثقه ورماه في بلاد الكفار؟ يذهب إلى هناك يقول لزوجته: لا نريد الناس يضحكوا علينا، اكشفي الوجه وإلا نزعته منك بالقوة. وهكذا يفعلون! والمشكلة أن بعض النساء تضطر إلى السفر مع زوجها، وبناته يضطررن لذلك، تقول الزوجة: أنا لا أضمن زوجي ماذا يفعل في الخارج، على الأقل أرافقه، ثم هو بعد ذلك يجلب الأذى على نفسه وعليها. لماذا؟ ولد صغير يقول: راتب أبي ينتهي أول عشرة أيام من الشهر؛ لأنه يسافر السفرات المحرمة، وفي النهاية ليس عندنا مصروف البيت، لا نجد الطعام الكافي، يقول هذا الطفل ببراءة الأطفال: كم مرة قلت لأبي: اشترِ لي ألعاب، ويعدني، ثم لا يشتري لي ألعاب، يقول: ليس عندي مال. ويقول الطفل حزيناً: لماذا ليس عندي ألعاب كبقية الأطفال؟ لأن هذا الأب المجرم يُنفق أمواله في السفرات المحرمة، وأنتم تعلمون وبعضكم يعلم أكثر مني عن بعض العوائل وبعض الحالات التي تُوجد فيها مثل هذه النكبات، أطفالنا في محنة من جرائم الآباء في الأسفار المحرمة. وإنني أظن -أيها الإخوة- أن بعض المسلمين أو المنتسبين إلى الإسلام يعملون في أهليهم من المنكرات ما لا يعمله اليهود في أهليهم، بل إنني أجزم بهذا من بعض الأحداث التي نسمعها، واحدة من الفتيات المراهقات في مقتبل عمرها تقول: أبي يذهب بنا إلى الخارج ويجبرنا على نزع الحجاب، ثم يدخل بنا في بلاد الكفار إلى المراقص والملاهي الليلية، ويسلمني إلى أي شاب يريد أن يرقص معي، ويدفعني إلى هذا، ولا يبالي أن يذهب بي ذلك الشاب أينما شاء، ويدفعني دفعاً، ويتفرج عليَّ مكتوف اليدين وهو مبسوط من الحضارة والمستوى الراقي الذي وصلت إليه ابنته؛ لأنها تراقص الفتيان الكفار على أنغام الموسيقى الصاخبة. هل تتصورون أن يهودياً قد يفعل في أهله مثل هذا؟!! أولئك الفجرة. لكن واحداً عنده بنت مستقيمة يذهب بها ليعمل بها هذا العمل. ماذا نقول أيها الإخوة؟! وبماذا نشتكي؟! وكيف نعلل الأمور؟! ثم نقول بعد ذلك: نعاني من كثرة المشاكل، إن لم يكن منكم جميعاً وقفة صادقة مع أنفسكم، ومع أهليكم، ومع أقربائكم، ومع جيرانكم، ومع أصدقائكم، فلن يتغير شيء في الموضوع.

стр. 2615

الطفل الإسلامي والطفل الغربي [١] لقد اعتنت الشريعة الإسلامية بالطفل أيما اعتناء؛ فكرمته وأعطته حقوقاً قبل مئات الأعوام عجز الغرب بمنظماته عن الإتيان بها. ولأجل ذلك جاءت هذه المادة مبينة لجزء كبير من حقوقه، بدءاً من حقوقه قبل الزواج ثم مروراً بحقوقه في طور الحمل والولادة، وانتهاءً بذكر حقوقه حال حياته ذكراً كان أو أنثى، ولا سيما في مسألة النسب والتربية الدينية.

стр. 2616

تكريم الشريعة الإسلامية للطفل إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله: لقد جاءت هذه الشرعية بكل ما يصلح حالنا وما يصلح لنا، وما تركت جزئيةً إلا وأتت فيها بحكم وتوجيه، لقد جاءت هذه الشريعة لإسعاد المجتمع، والأطفال من ضمن المجتمع، وشريحة من شرائحه، أولادنا وأطفالنا لقد اهتمت الشرعية بهم غاية الاهتمام، وانصبت الأحكام والآداب والتوجيهات الشرعية للاهتمام بحال الأولاد والأطفال، ونحن في زمن مع الأسف غابت فيه شمس الشريعة، واندثر فيه العلم وانتشر الجهل، وفشا التقليد الأعمى للغرب، إلا من رحم الله تعالى من خلقه، فصار كثير من الناس يعجبون بالغربيين، ويتكلمون عن طريقتهم في الاهتمام بالأطفال، وعما فعلوه لإسعاد الأولاد، ونسوا ما في شرعيتنا مما جاء بهذا الخصوص. فتعالوا بنا نعقد المقارنة، ونبين ما في الشريعة مما يتعلق بالأطفال والأولاد، وما عليه الغربيون في هذا المجال، ونبدأ بالشريعة ولابد.

стр. 2617

اختيار الزوجة الصالحة إن رحلة الطفل في الإسلام تبدأ من قبل وجوده، تبدأ من حين البحث عن أم وزوجة صالحة، قال ﷺ : (فاظفر بذات الدين تربت يداك) وعن أم ودود ولود، كما أمر النبي ﷺ : (تزوجوا الودود الولود). ويدعو الإنسان قبل وجود الطفل بقوله: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران:٣٨] كما كان نبي الله يدعو. وعند إتيان الزوجة يلاحظ أن الطفل يمكن أن ينتج من الجماع، فهو يقول قبل الوقوع على زوجته: باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا. فإذا وجد الولد، وتخلق في بطن أمه، فلا يجوز إسقاطه ولا قتله، وإذا ولد فهو أشد وأعظم، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء:٣١]. فإذا ولد فلا يجوز قتله بحالٍ أبداً، وإذا خاف العيلة والفقر فالله يرزقه، ولما كان يقتله خشية الفقر قدم ذكر رزق الولد أولاً على رزق الأب، فقال: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء:٣١] وفي سورة الأنعام قال: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء:٣١] أي: من الفقر الواقع، فقدم رزق الآباء هنا أولاً، فقال: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام:١٥١] وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً﴾ [الإسراء:٣١] أي: ذنباً عظيماً من أكبر الكبائر، كما قال النبي ﷺ : (أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك) رواه مسلم.

стр. 2618

تحريم وأد البنات ولما كان يلحق البعض من العار بالبنات، وكان وأد البنات سنة جاهلية جاءت الشريعة بالتأكيد على تحريمه، وهو من الكبائر قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ﴾ [التكوير:٨] سؤال توبيخ لمن وأدها ﴿بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:٩] لا يوجد في الإسلام شيء: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ [النحل:٥٨ - ٥٩]. كانت المرأة عند الولادة تأتي إلى الحفرة ومعها القابلة، فإن كانت أنثى استخرجتها فرمت بها في الحفرة مباشرة، وأهيل عليها التراب، وإن كان ذكراً نجا. ولما كانت البنات فيهن ضعف، وهنَّ عالة على الأب، ولسن مثل الذكور في القوة والإعانة؛ عوضت الشريعة أبا البنات بأجر عظيم، قال ﷺ : (من كان له ثلاث بنات، فصبر عليهن، وأطعمهن، وسقاهن، وكساهن من جدَتهِ -من ماله وغناه- كنَّ له حجاباً من النار يوم القيامة) حديث صحيح. ولما شقَّت امرأة فقيرة تمرة تصدقت عائشة بها عليها فأطعمتها ابنتيها، فقال النبي ﷺ : (إن الله قد أوجب لها بها الجنة، أو أعتقها بها من النار) رواه مسلم.

стр. 2619

حقوق الطفل في الإسلام

стр. 2620

حق الطفل جنيناً لماذا جاءت الشريعة بالسماح بالإفطار للحبلى والمرضع؟ لماذا أجازت الإفطار وجعلت الحبلى والمرضع من أهل الأعذار؟ إن ذلك من أجل مصلحة الولد الجنين الذي في البطن، والولد الذي يرتضع، وقال النبي ﷺ : (لا تجني أم على ولد) فلا يجوز أن تتعاطى شيئاً يضعفه أو يشوهه، وينبغي أن تتقوى الحامل لتغذيته في بطنها، وهذا من مسئوليتها. وتأمل حفظ الشريعة للجنين! تأمل حقوق الجنين في الشريعة بتأجيل إقامة الحد على المرأة الحامل من الزنى حتى تضع حملها. ولما جاءت المرأة الغامدية فاعترفت عند النبي ﷺ : (يا نبي الله! أصبت حداً فأقمه عليَّ، فدعا رسول الله ﷺ وليها، فقال: أحسن إليها، فإذا وضعت فائتني بها، فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة، قالت: ها قد ولدته، قال: اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه، فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز) الحديث. وفي رواية: (أتى النبي ﷺ ، فقال: قد وضعت الغامدية، فقال: إذن لا نرجمها وندع ولدها صغيراً ليس له من يرضعه، فقام رجلٌ من الأنصار وقال: إليَّ رضاعه يا نبي الله! قال: فرجمها) قال العلماء: ولو كان حدها الجلد وهي حامل، لم تجلد بالإجماع حتى تضع. ومن تعدى على الجنين في بطن أمه فأسقطه، فالحديث في ديته واضح، كما رواه البخاري في المرأتين من هذيل التين اقتتلتا، فرمت إحداهما الأخرى بحجر، فأصابت بطنها وهي حامل، فقتلت ولدها الذي في بطنها، فاختصموا إلى النبي ﷺ (فقضى أن دية ما في بطنها غرة عبد أو أمة، فقال ولي المرأة التي غرمت: كيف أغرم يا رسول الله! من لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل، فمثل ذلك يُطل! -أي: يهدر ولا يضمن- فقال النبي ﷺ : إن هذا من إخوان الكهان) الكهان الذين يسجعون بمثل هذا السجع. فإذاً: الجنين إذا اعتدي عليه فسقط فله دية (قيمة عبد) تدفع، قال ابن قدامة ﵀: الحامل إذا شربت دواءً فألقت الجنين، فعليها الغرة والكفارة، تدفع الغرة أو قيمة العبد إلى ورثة الجنين، والكفارة عليها أيضاً، قال العلماء: إذا ماتت الحامل وفي بطنها جنين -يا عباد الله! انظروا إلى حقوق الجنين في الشريعة، ولو ماتت امرأة حامل والولد حيٌ يتحرك- قد تجاوز ستة أشهر، يشق بطنها طولاً ويخرج الولد، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾ [المائدة:٣٢] ومن تركه عمداً حتى يموت فهو قاتل نفس. إذاً: يستعمل الأطباء من الوسائل الأسهل لاستخراج ما في بطنها، فإذا كانت امرأة كتابية كافرة، وفيها حمل من زوج مسلم فماتت، فأين تدفن وفي بطنها جنين مسلم؟ تدفن في طرف مقبرة المسلمين، فلا تدفن مع المسلمين؛ لئلا يتأذوا بعذابها، ولا تدفن مع الكفار لئلا يتأذى ولدها المسلم بعذابهم، هذا كلام الإمام أحمد رحمه الله تعالى. ومن حفظ الشريعة لحقوق الجنين: أنه إذا مات أبوه مثلاً وهو في بطن أمه لا يدرى ذكر أو أنثى، توأم أو واحد، فإن الورثة يقتسمون بحيث يجعل له النصيب الأوفر ويأخذون هم الأقل احتياطاً، يبنون على أنه أنثى -مثلاً- ويقتسمون، حتى إذا كان ذكراً يكون ماله محفوظاً، الاحتياط من أجل الجنين. وأما السِقْطُ فإن له أحكاماً، قال النبي ﷺ : (والسقط يصلَّى عليه، ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة) رواه أبو داود، وهو حديث صحيح الإسناد. قال العلماء: إذا نفخ فيه الروح يُغسل ويصلَّى عليه احتراماً للسقط، جاءت به الشريعة، فإذا ولد المولود فإنه يجرى له إجراءات كثيرة في الشريعة. تأملوا تكريم الشريعة للطفل الذي يولد، جاءت بأشياء تدل على أنه قد حدث أمر مهم، وليس مجرد أرحام تدفع، ولا مجرد ولد خرج، وإنما يحتفى به غاية الاحتفاء، ويكرم غاية التكريم، الشريعة تكرم الطفل من مبدأ أمره، فيحنك؛ بأن تلين التمرة حتى تصير مائعة بحيث تبتلع، ويفتح فم المولود وتوضع فيه، ويدعى له بالبركة، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 2621

حقه في النسب ويجب إثبات نسبه لأبيه، فالشريعة تعتني غاية الاعتناء بقضية النسب لما يترتب عليها من الأحكام في المحرمية والميراث والحضانة وأشياء كثيرة تترتب على قضية النسب، فأنساب أولادنا ليست ضائعة في الشريعة، بخلاف أنساب أولادهم من أولاد الزنا وأدعيائه، ومن ينسب إلى غير أبيه بكل سهولة، ومن ينتقل عن أبيه الحقيقي قانونياً في المحكمة لديهم. أما أولادنا فأنسابهم محفوظة: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب:٥]. ولإثبات النسب جاءت الشريعة بحديث: (الولد للفراش وللعاهر الحجر) فمن ولد على فراشه فهو ولده، وهذا أقوى شيء في الموضوع لا يلتفت إلى غيره، وإذا أقر بالنسب ألحق به، وإذا قامت البينة على النسب فكذلك، بل يستعمل القافة الذين يعرفون آثار الأقدام، وتخطيطات الأرجل، والملامح والشبه، لإثبات النسب في حالة تعذر معرفته، ويلحق الولد بأبيه، ولو عرَّض بنفيه فإنه يلحق به، ولو خالف لونه لون أبيه، لحديث الرجل الذي قال للنبي ﷺ : (ولد لي غلام أسود -يعرض بنفي الولد ولم يصرح- الحديث، وفيه قال النبي ﵊: فلعل ابنك هذا نزعه عرق، فخرج لجد قديم من أجداده). والانتفاء من الولد الشرعي كفر كما نص عليه الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : (كفى كفراً بامرئ ادعى نسباً لا يعرفه، أو جحده وإن دق) رواه أحمد، وهو حديث حسن. فإذا جحد إنسان ولده الشرعي اتهمته الشريعة بالكفر تغليظاً لهذه الجريمة. ولو زنت المرأة وهي على فراش زوجها، فالولد ولده لحديث: (الولد للفراش) ما لم ينفه ويتبرأ منه، ولا يجوز له نفيه إلا ببينة وحجة شرعية، فإذا نفى الولد فإنه يلحق بأمه كما جاء في الحديث: (أن النبي ﷺ لاعن بين الرجل وامرأته، فانتفى من ولدها، ففرق بينهما، وألحق الولد بالمرأة) رواه البخاري ومسلم. ولا ينتفي إلا إذا نص على نفيه، كما ذكر ذلك الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، فإن لاعن المرأة من غير أن ينفي الولد، فالولد ولده؛ كل ذلك حفظاً لنسب الولد، وحفظاً لحياته في المستقبل، وحفظاً لمكانته في المجتمع.

стр. 2622

حقه في الرضاع وحق الولد في الرضاع محفوظ، قال الله : ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة:٢٣٣] قال بعض أهل العلم: هذا أمر في صورة الخبر (يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ) أي: فليرضعن أولادهن، فيجب عليها خصوصاً إذا لم يقبل غير ثديها، وتأثم لو لم ترضعه في هذه الحالة، ولا يفطم قبل السنتين إلا بالتراضي والتشاور بين الأبوين، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾ [البقرة:٢٣٣] فلا يحق لأحد الأبوين أن يتفرد بقرار فطم الولد، تصوروا وتأملوا قضية فطم الولد المتعلقة بتغذيته، ليس الأب حراً فيها ولا الأم، لا بد من قرارٍ مشترك مبني على مصلحة الولد ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾ [البقرة:٢٣٣] وربما يحتاجان إلى مشاورة الطبيب، كل هذا احتياطاً لسلامة الطفل، وتغذيته ومصلحته جاءت به الشريعة، أسمى شريعة.

стр. 2623

حقه في التسمي والتكني ويسميه أبوه، ويختار له اسماً حسناً، وورد تسميته في اليوم الأول، أو السابع، ويجوز قبل السابع وبينهما وبعد ذلك، وفي الحديث: (كل غلام مرتهن بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه، ويحلق ويسمى)، ولا يسمه باسم قبيح، (وقد غير النبي ﷺ اسم (عاصية) إلى (جميلة) وغيَّر اسم (أصرم) إلى (زرعة)) حديث حسن. ولإشعار الولد والطفل بالمسئولية وبأنه كبير، ولتزداد ثقته بنفسه، شرعة تكنيته، وقال النبي ﷺ : (يا أبا عمير ما فعل النغير) طائر كان الولد يلعب به، وهو أخ صغير لـ أنس بن مالك، وقال: (هذا سنا يا أم خالد) وكانت فتاة صغيرة، تصوروا وتأملوا وتفكروا يا عباد الله! كيف تزرع الشريعة المسئولية في نفس الطفل، وكيف يشعر الطفل بأنه كبير، وكيف يحس بثقله، يا أم خالد! يا أبا عمير! يا أبا فلان، وهم صغار. ولتكريم الولد تذبح عقيقته، ينفق من أجل ذلك المال، وينهر الدم في يوم سابعه، تذبح ولا يتصدق بثمنها، ومن فائدتها فك المولود من أسر الشيطان، للحديث: (كل غلام مرتهن بعقيقته) فلفك تسلط الشيطان عليه تذبح العقيقة، قال الإمام أحمد ﵀ فيمن اقترض للعقيقة -استلف واستدان-: رجوت أن يخلف الله عليه، أحيا سنة، شاتان مكافئتان عن الغلام، وتجوز واحدة لحديث (عق عن الحسن والحسين كبشاً كبشاً، وعن الجارية -البنت- شاة واحدة لا يمس رأسه بشيء من دمها) وهذه عادة جاهلية قد أبدلتها الشريعة، وجاءت بدهن رأس الولد بالزعفران، وهو ذلك الماء طيب الرائحة، ويحلق رأسه إماطة للأذى عن رأسه، ويتصدق بوزنه ذهباً أو فضة، أو ما يقابلهما من المال. ويختن الذكر وجوباً؛ وهو قطع الجلدة التي تغطي الحشفة، بحيث تنكشف كلها مراعاة للولد، ولذكر الولد، ولطهارة الولد، ولجماع الولد في المستقبل، حماية من تراكم الإفرازات ما بين الحشفة والجلد، وكذلك الوقاية من آثار البول، ولا بأس بختان المرأة، لحديث: (إذا مس الختان الختان -فهناك ختان في الرجل وختان في المرأة- فقد وجب الغسل) فإذا دعت الحاجة إلى ختانها، كأن تكون القطعة الزائدة كبيرة فتختن لكن بغير استئصال ولا إنهاك، كما جاء في الحديث الذي حسنه بعضهم من طرقه: (إذا خفتي فأشمي ولا تنهكي -أي: لا تستأصلي- لأنه أحظى للبعل في المستقبل) فإذاً: تختن إذا دعت الحاجة رغم أنف المؤتمر العالمي الأول والثاني للمرأة.

стр. 2624

حقه في الحضانة فماذا عن حق الحضانة للولد، الولد يحتاج إلى حنان وعطف ورعاية، والشريعة قد كفلت ذلك، حضانته حق حتى يستقل بأمره، يحفظ ويوقى من جميع الأضرار والشرور، وجعلت للأم الحضانة في حال انفصال الزوجين؛ لأنها أعرف بتربيته وأقدر على ذلك، وأصبر وأرأف من الأب، ولذلك جاء ذلك منصوصاً عليه في الشريعة، واجبة على الحاضنة ليس لها الحق في التخلي من هذا الواجب، خاصة إذا لم يوجد له حاضنة أخرى من المحارم. وليس للكافر على المسلم حضانة، فلا تحضن الكافرة مسلماً؛ لأجل أن الإسلام يعلو ولا يعلى، وبالتالي لا يذهب أولاد المسلمين إلى الكنائس يوم الأحد، ولا تختطفهم أمهاتهم، ويعيشوا في بلاد الكفار فيشبوا نصارى أو يهوداً. وفي حال السفر ينظر في الأصلح للطفل الإقامة أو النقلة، فإذا أراد الحاضن السفر فينظر في مصلحة الولد، وقد بحث العلماء ذلك وبينوه. وللحضانة ترتيب وليست فوضى، الأم ثم أمهاتها، ثم الأب ثم أمهاته، ثم الجد ثم أمهاته، ثم الأخت من الأبوين، فالأخت لأب، فالأخت لأم، ثم الخالة، ثم العمة، ثم الأقرب فالأقرب، كل ذلك لأجل رعاية الولد وحضانته، وأن يبقى الولد عند أقرب الناس إليه، يرعاه ويحنو عليه. أطفالنا ليسوا مشردين، أطفال الإسلام في حفظٍ وحماية ورعاية، وحضانة وكفالة، فإذا تزوجت أمه التي انفصلت عن أبيه -زوجها الأول- واشتغلت بحق الزوج الثاني، انتقلت الحضانة عن الأم، لحديث: (أنت أحق به ما لم تنكحي) فتنتقل إلى أمها، وهكذا. فإذا صار الولد مميزاً كابن سبع سنين، وعقل واستغنى عن الحضانة يُخيَّر بين أبيه وأمه. يراعى حاجة الولد النفسية، وميله النفسي ورغبته، ويستشار القاضي، فيحضره في المجلس، ويعقد مجلس القضاء، ويشغل القاضي والناس بالحضور، ويسأله: يقول: من تريد؟ اختر، مراعاة لشعور الولد، هذا ابن سبع سنين يخير بين أبيه وأمه، لحديث أبي هريرة: (أن امرأة جاءت إلى رسول الله ﷺ وأنا جالس عنده، فقالت: يا رسول الله! إن زوجي يريد أن يذهب بابني، فقال رسول الله ﷺ : استهما عليه، فقال زوجها: من يحاقني في ولدي؟ -أي: من ينازعني فيه- فقال النبي ﷺ للولد: هذا أبوك وهذه أمك، فخذ بيد أيهما شئت، فأخذ بيد أمه، فانطلقت به) حديث صحيح، رواه أبو داود. وهذا التخيير أو القرعة لا يكونان إلا بما يحصل مصلحة للولد، وكان الذي اختاره الولد أصلح له، فإن كانت الأم أصون من الأب وأغير منه؛ جعل الولد عندها، والعكس كذلك. ولا اختيار للصبي في الحالة التي يختار فيها الأقل مصلحة أو لا مصلحة له، قال ابن القيم ﵀: سمعت شيخنا -أي: ابن تيمية - يقول: تنازع أبوان صبياً عند أحد القضاة فخيره بينهما، فاختار أباه، فقالت أمه للقاضي: سله لأي شيء اختار أباه، فسأله، فقال الولد: أمي تبعثني كل يوم للكتاب -مدرسة تحفيظ القرآن- والفقيه -أي: الذي يحفظني ويعلمني- يضربني، وأبي يتركني ألعب مع الصبيان، فقضى به للأم، وقال: أنت أحق به، هي تذهب به للكتاب، وذاك يضيعه ويتركه يلعب في الشارع مع الصبيان، فالأحق هو الأنفع للولد، فتراعى مصلحة الولد.

стр. 2625

حق اللقيط واليتيم وإذا أسلم أحد الأبوين فالولد مع المسلم منهما. واللقيط إذا وجد ولا يدرى من أبوه، بل وجد ملقى في الشارع أو في مكان ما، فللشريعة فيه أحكام، وللشريعة فيه صيانة، التقاطه فرض على الكفاية، وهو تخليص لآدمي من الهلاك، قال الله: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾ [المائدة:٣٢] ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:٢] ولا إثم أعظم من إثم من أضاع نسمة مولودة، فيجب التقاطه على الكفاية، فلو تركه المسلمون حتى يموت أثموا كلهم، لا ذنب لنفس أن تموت جوعاً أو تأكلها الكلاب، ومن ترك الولد كذلك في برية يموت جوعاً وبرداً أو تأكله الذئاب، فهو قاتل نفس ولا شك. حدثني بعض الإخوان عن رجل وضع ولداً في أحد الحمامات العامة وذهب، قال: فرآه بعد ذلك بمدة يقول له في المنام: ضيعك الله كما ضيعتني! وكل ما يوجد مع اللقيط من مال، أو كساء، أو سرير، أو غطاء فهو ملكه، وكل مال له ينفق عليه منه، فإن لم يوجد مال فنفقته على بيت مال المسلمين، ونسب الولد محفوظ لأبيه، ولا يجوز التبني في الإسلام: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب:٤] ولذلك لا يجوز لملتقط اللقيط أن ينسبه إلى نفسه، وإنما يجعل له اسماً يسمى به، فيسميه زيداً أو عمراً أو سعيد بن عبد الله بن عبد الرحمن ونحو ذلك. واليتيم: الولد الصغير الذي فقد أباه دون البلوغ، ماذا جاءت الشرعية بشأنه؟ ما أعظم ما جاءت به: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام:١٥٢] (أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين، وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى) يقوم بأموره من النفقة والكسوة، والتأديب والتربية، وليست قضية إنفاق وكسوة فقط، وإنما تأديب وتربية للذي يريد أجر كفالة اليتيم: (أدنِ اليتيم وامسح برأسه، وأطعمه من طعامك؛ يلن قلبك وتدرك حاجتك) حديث حسن لغيره. فإذا تولى أموال اليتامى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً﴾ [النساء:٢] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ [النساء:١٠] اختلاس، تفويت، إهمال، تضييع، ومن السبع الموبقات أكل مال اليتيم.

стр. 2626

حق النفقة عليه من حقوق الأطفال: النفقة عليهم، الشريعة أوجبت على الأب: أن يبدأ بمن يعول، ينفق عليهم حتى يبلغ الذكر، وتتزوج الأنثى (أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله) حديث صحيح رواه مسلم. قال أبو قلابة: وبدأ بالعيال، وأي رجل أعظم أجراً من رجل ينفق على عياله الصغار؟! يعفهم، أو ينفعهم الله به ويغنيهم (وكفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت). نفقة الصغار لا تسقط بالإعسار عند العلماء، ويفرض على الأب القادر أن ينفق على أولاده، وأن يعمل ليكتسب مالاً، ويحبس إذا امتنع، ويرغم على العمل قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق:٧] فإن كان عاجزاً فنفقته على بيت المال، لا يوجد شيء في الشريعة (أولاد من غير نفقة) أو (أطفال من غير مصروف) لابد أن يُوجد لهم مصروف ونفقة. ومن تكريم الشريعة للطفل: أنها شرعت صدقة الفطرة عنه، فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر على الصغير والكبير، وتستحب عن الجنين في بطن أمه. الإسلام يهتم بمشاعر الطفل، العدل بين الأولاد واجب، في الهدايا والألعاب، والعيديات والأعطيات، إلا ما اقتضت المصلحة التفاوت فيه، وما وجد سببه: (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم).

стр. 2627

حقه في التربية وتربية الولد مسئولية واجبة: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) (مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع) قال ابن القيم ﵀: فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه فقد أساء إليه غاية الإساءة، وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبل الآباء، من جراء ترك تعليمهم فرائض الدين وسننه، فأضاعوهم صغاراً، فلم ينتفعوا بأنفسهم ولم ينفعوا آباءهم كباراً. عاتب بعض الآباء ولده في العقوق، فقال الولد: يا أبت! إنك عققتني صغيراً، فعققتك كبيراً، وأضعتني وليداً فأضعتك شيخاً، والجزاء من جنس العمل. النبي ﵊ كان يغتنم كل فرصة تربوية لأجل الولد، أردف مرة ابن عباس وراءه، قال: (يا غلام! إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك الحديث) ولما رأى يد عمر بن أبي سلمة تطيش في الصحفة -إناء الطعام- قال: (يا غلام! سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك).

стр. 2628

حقه في الملاطفة والملاعبة من حقوق الأطفال في الإسلام معانقتهم، وشمهم، وتقبيلهم، وملاعبتهم، وممازحتهم (قبل رسول الله ﷺ الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً، فنظر إليه رسول الله ﷺ ، فقال ﵊: من لا يرحم لا يرحم) رواه البخاري. وفيه أيضاً عن عائشة ﵂ قالت: (جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ، فقال: تقبلون الصبيان فما نقبلهم! فقال النبي ﷺ : أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة؟) (وكان ﵊ ينطلق من مسجده إلى العوالي، إلى ظئر إبراهيم مرضعة ولده ليقبله ثم يرجع) والحديث في صحيح مسلم. وكان يأخذ الحسن بن علي والحسين فيقعدهما على فخذه يلاعبهما ويحملهما. وحمل أمامة بنت زينب في الصلاة، فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها. ومرة أطال السجود حتى خشي الصحابة شراً، فرفع واحد رأسه، فوجد النبي ﷺ ساجداً والولد على ظهره، فلما انتهت الصلاة سألوه وأخبرهم، قال: (إن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله). حق الولد في اللعب، حتى والنبي ﵊ في الصلاة لا يعجله عن حاجته؛ اللعب واللهو البريء، من حق الطفل أن يلعب وأن يلهو، وأن يشبع رغبته في ذلك، وكان ﵊ يقول: يا زوينب! يا زوينب! ومج مجة في وجه محمود بن الربيع وهو صغير.

стр. 2629

حقه في الحفاظ عليه وعدم لعنه وسبه والدعاء عليه ولا يجوز الدعاء على الولد، ولا لعنه، ولا سبه، قال ﵊: (لا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا على أولادكم، وإذا استجنح الليل فكفوا صبيانكم، فإن الشياطين تنتشر حينئذٍ، فإذا ذهب ساعة من العشاء فخلوهم) رواه البخاري. من غياب الشمس إلى اشتداد الليل يحجز الأطفال في البيت؛ لأن للجن انتشاراً وخطفة، الشريعة تحافظ على الأولاد وتحفظهم من الشياطين ومن الجن. ورقية الصبيان في الحديث الصحيح: (مال صبيكم هذا يبكي؟ فهلا استرقيتم له من العين) الرقي بالقرآن والأدعية المشروعة، وكان النبي ﷺ يعوذ الحسن والحسين. وكان ﵊ يشعر الصبيان بأهميتهم، فإذا مر بالصبيان سلم عليهم كما في الحديث الصحيح، لا يقال: ولد، بزر، جاهل، والناس يسمونه جاهل، لكنه كان يسلم عليهم، ومرة شرب وكان عن يمينه غلام، وعن يساره الأشياخ، فقال: (يا غلام! أتأذن لي أن أعطيه الأشياخ؟ -الرسول ﷺ يقول للغلام- فقال: ما كنت لأوثر بفضلي منك أحداً يا رسول الله! فأعطاه إياه) إذا أتي بأول الثمر، دعا بالبركة وأعطاه لأصغر الأولاد عنده. لُعَبُ عائشة كانت موجودة في البيت، وكان يسألها ﵊ (لما كشف الستر عن بنات عائشة -اللعب- قال: ما هذا يا عائشة؟ قالت: بناتي، ورأى بينها فرساً لها جناحان من رقاع، فقال: ما هذا الذي أرى وسطهن؟ قالت: فرس، قال: وما هذا الذي عليها؟ قالت: جناحان، قال: فرس لها جناحان؟! قالت: أما سمعت أن لسليمان خيولاً لها أجنحة، فضحك الرسول ﷺ حتى بدت نواجذه).

стр. 2630

حقه في العلاج وعلاج الأطفال واجب على أوليائهم إذا احتاجوا، قال ﵊: (لا تعذبوا صبيانكم بالغمز من العذرة، وعليكم بالقسط) التهاب وقرحة تخرج في حلق الولد، كانوا يدخلون شيئاً ليفقئوها، فنهاهم ﵊ عن تعذيبهم بالغمز، وقال: (عليكم بالعود الهندي والقسط البحري) وهو شيء يعرفه العطارون، ويمكن سؤالهم عنه، يحك بالماء، ويجعل سعوطاً في أنف الولد، فإذا استنشقه برىء من هذه القرحة بإذن الله. والصبي المميز يصح أذانه، ويكون إماماً في الصلاة، ويكون صفاً مع رجل آخر (ورفعت امرأة صبياً إلى النبي ﷺ ، فقالت: ألهذا حج؟ قال: نعم. ولك أجر). هذه بعض حقوق الأطفال في الإسلام، هذا بعض ما جاءت به الشريعة في شأن الأطفال، فهل يوجد أسمى من هذا الدين وأعظم من هذه الشريعة؟! فكفانا انخداعاً بالغرب والشرق، ولنعد إلى هذه الشريعة! نسأل الله أن يحفظنا وأهلينا وأولادنا من كل سوء، ونسأله أن يرزقنا تربيتهم وحسن القيام بشئونهم؛ إنه سميع مجيب قريب. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
следующие страницы →