← Джавами‘

Джавами‘ · id 7704

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (7 040 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

المتفق والمفترق فمتفقٌ جفني وسهدي وعبرتي ومفترقٌ صبري وقلبي المبلبل س: ماذا ذكر في هذا البيت؟ ج: هذا نوع من المصطلح يسمى بالمتفق والمفترق، ألف فيه الخطيب البغدادي مصنفاً. ما المقصود بالمتفق والمفترق؟ المقصود بالمتفق والمفترق: ما اتفق لفظه وخطه وافترقت أشخاصه، نفس الحروف، نفس الكلمات لكن الأشخاص مختلفون؛ وهذا أقسام وأنواع، والمتفق والمفترق مبحث متعلق بالرواة، أن تتفق أسماؤهم وأسماء آبائهم، وعندنا مجموعة من الرواة أسماؤهم واحدة وأسماء آبائهم واحدة، كـ الخليل بن أحمد؛ فهناك ستة أشخاص مشهورين بالرواية في الأحاديث، منهم: الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي البصري النحوي صاحب العروض المشهور، ومنهم: الخليل بن أحمد المزني، ومنهم: الخليل بن أحمد السجزي، ومنهم: الخليل بن أحمد المهلبي، فأنت ترى أن أسماء هؤلاء الرواة وأسماء آبائهم متفقة، مفترقون بالأشخاص. وقد تتفق أسماؤهم وأسماء آبائهم وأجدادهم؛ وهذا طبعاً أقل مثل: أحمد بن جعفر بن حمدان هناك أحمد بن جعفر بن حمدان البغدادي وأحمد بن جعفر بن حمدان البصري. قد يتفقان في الكنية والنسبة معاً، مثل: عبد الملك بن حبيب، وموسى بن سهل بن عبد الحميد اتفقوا في الكنية فكل منهما كنيته أبو عمران، واتفقا أيضاً بالنسبة فكلاهما بصري، فإذا قلت: أبو عمران البصري فيحتمل أنه عبد الملك بن حبيب التابعي المشهور، ويحتمل أنه موسى بن سهل بن عبد الحميد، فهنا لا بد من النظر لتعيين من هو منهما في السند، وقد يتفق الاسم واسم الأب والنسبة، وقد يحدث أن تتفق الكنى وأسماء الآباء كأبي بكر بن عياش، فأبو بكر بن عياش اثنان: أبو بكر بن عياش بن سالم الأسدي الكوفي وأبو بكر بن عياش الحمصي، وهكذا من أنواع الاتفاقات، لكنهم أشخاص متفترقة.

стр. 282

المؤتلف والمختلف ومؤتلف وجدي وشجوي ولوعتي ومختلف حظي وما منك آمل س: ماذا ذكر هنا؟ ج: المؤتلف والمختلف نوع من أنواع الحديث، مثل: أن تتفق الأسماء خطاً وتختلف نطقاً. قد يكون المرجع في الاختلاف النقط مثل: الباء والنون، وقد يكون الشكل مثل: الضم والكسر والفتح، فمثلاً: قد يوجد -وخصوصاً قبل النقط- تشابه كبير، فمثلاً: سلاَّم وسلام، حزام وحرام، العنسي والعبسي، عثّام وغنّام؛ فهذه كلها في أبواب المؤتلف والمختلف، فهي من جهة الخط واحدة، خصوصاً قبل وضع النقط، ولكنها مختلفة من ناحية النطق.

стр. 283

تعريف المسند والمعنعن والموضوع خذ الوجد عني مسنداً ومعنعناً فغيري بموضوع الهوى يتحلل س: ماذا ذكر هنا؟ ج: ذكر المسند، والمعنعن، والموضوع. فالمسند: هو الحديث المرفوع الذي رفعه الصحابي بسند ظاهره الاتصال، فالمرسل لا يمكن أن يكون مسنداً، والموقوف لا يمكن أن يكون مسنداً، ولا المعضل ولا المعلق. فالمسند مرفوع الصحابي بسند ظاهره الاتصال، وقد يكون في الباطن غير متصل، فإذا قيل مثلاً: ألف فلان المسند، فاعلم أن الأحاديث الموجودة فيه من هذا الباب، ويشمل ذلك ما فيه علة خفية أو انقطاع غير ظاهر وما في سنده رجل ضعيف. أما المعنعن: فهو ما رواه الراوي بالعنعنة كأن قال: عن فلان، و (أنّ) كـ (عن) في الحكم. وإذا كان الراوي مدلساً فهل تُقبل عنعنته؟ كلا. ثم النوع الثالث: وهو الموضوع: فهو الحديث المكذوب المختلق على الرسول ﷺ ، وقد مر بلفظ الزور، ولا يجوز ذكره إلا على سبيل التحذير منه.

стр. 284

علامات الوضع في الحديث ويُعرف الوضع بأشياء كثيرة ذكرها ابن القيم ﵀ وغيره من أهل العلم: منها: ركاكة اللفظ. ومنها: ذكر الأجور العظيمة المستغربة. ومنها: ما يعترف به واضعه. وقال سفيان ﵀: ما ستر الله أحداً بكذبٍ في الحديث. وقال عبد الرحمن بن مهدي: لو أن رجلاً هم أن يكذب في الحديث لأسقطه الله. وقال عبد الله بن المبارك: لو هم رجل في السحر -أي: قبيل الفجر- أن يكذب في الحديث لأصبح والناس يقولون: فلان كذاب. وقيل له: هذه الأحاديث الموضوعة ماذا نفعل بالأحاديث الموضوعة؟ قال: تعيش لها الجهابذة: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]. وبما أن السنة شرح للقرآن فحفظ القرآن يقتضي حفظ السنة، ولذلك هيأ الله من أفذاذ الأمة من قام بالواجب، نقح وصحح وبين وكشف الكذب وهكذا. قال ابن الجوزي ﵀: كل حديث ناقض الأصول، وخالف المنقول، وباين المعقول؛ فهو مردود. وكانوا يقولون: لكلام النبوة نور يدركه كل إمامٍ محدث.

стр. 285

أصناف الوضاعين ثم إن الواضعين أصناف: فمنهم الزنادقة الذين وضعوا الأحاديث لإضلال الناس كما روى بعضهم: (إن الله لما أراد أن يخلق نفسه أجرى الخيل فعرقت فخلق نفسه) فهذا الوضاع زنديق يريد بهذا الحديث الذي اختلقه العيب والذم لذات الله ، فضرب عنقه محمد بن سليمان بن علي وبيان بن سمعان الآخر قتله خالد القسري. وجاء عن حماد بن زيد أنه قال: وضعت الزنادقة على رسول الله ﷺ أربعة عشر ألف حديثٍ، ومنهم من وضعه انتصاراً لمذهبه كـ الرافضة وغيرهم، ومنهم من وضعه إرضاء للأمراء كما فعل غياث بن إبراهيم روى للمهدي حديث: (لا سبق إلا في نصل، أو خفٍ، أو حافر). هذا الحديث، ثم زاد فيه: (أو جناح) لما رأى المهدي يحب اللعب بالحمام دخل عليه وأعطاه الحديث وقال له: قال النبي ﷺ : (لا سبْق إلا في نصل -التي هي السهام- أو خفٍ -وهو سباق الجمال- أو حافر -الخيل) وهذه التي يجوز فيها المسابقات وبالجوائز، ولما كان المهدي يلعب بالحمام ويحب اللعب بالحمام قال: (أو جناح) حتى يبيح له المسابقة في الحمام.

стр. 286

ذكر معنى الإبهام في الحديث وبيان معنى الاعتبار وذي نبذٌ من مبهم الحب فاعتبر وغامضه إن رمت شرحاً أطول س: ماذا ذكر في هذا؟ ج: ذكر المبهم، والغامض، والاعتبار. والمبهم هو الراوي الذي لا يسمى كقول الراوي: أخبرني رجل، حدثني شيخ، حدثني فلان، دون أن يذكر اسمه؛ فهذا لا يُقبل حتى يُسمى لأن من شروط القبول العدالة، وإذا لم نعرف من هو الشخص، فكيف نعرف هل هو عدل أم لا؟ ولو أبهمه بلفظ التعديل: كأن قال: أخبرني الثقة لم يُقبل، لأنه قد يكون ثقة عنده ليس بثقة عند غيره، إلا إذا عرفنا أنه لا يقول أخبرني الثقة إلا وهو يريد به شخصاً معيناً، مثلاً: الشافعي لا يقول: أخبرني الثقة إلا إذا كان الثقة هذا هو أحمد، ويعرف هذا بالتجربة وبالخبرة وبكلام الأئمة فإذا نصوا على ذلك كانت هذه حالة خاصة. وكذلك لو أبهم الصحابي في أي سند؛ مثلاً التابعي الثقة قال: حدثني رجل من الصحابة، فلا يضُر ولا يهُم؛ لأن الصحابة كلهم عدول. أما الاعتبار فهو أن يُنظر هل الراوي تُوبع على روايته أم لا فإذا روى حماد بن سلمة -مثلاً- حديثاً لم يتابع عليه عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة فنظرنا هل رواه ثقة آخر عن أيوب عن ابن سيرين غير حماد بن سلمة، فهذه العملية (عملية النظر هل روى عن شيخ الراوي راوٍ آخر) هي عملية الاعتبار، ثم إذا لم نجد ننتقل للشيخ الذي بعده، هل وجد أحد روى الحديث عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، فإذا لم نجد عن ابن سيرين ننظر هل هناك أحد آخر روى الحديث عن أبي هريرة غير هؤلاء، فهذه عملية الاعتبار. أما الغامض: فهو الألفاظ المشكلة التي يخفى معناها فتحتاج إلى شرح لبيان الغريب والمشكل، ومن أحسن ما صُنف في هذا الباب كتاب: النهاية لـ ابن الأثير ﵀.

стр. 287

تعريف العزيز والمشهور عزيز بكم صبٌ ذليل لعزكم ومشهور أوصاف المحب التذلل س: ماذا انطوى عليه هذا البيت؟ ج: العزيز، المشهور. أما بالنسبة للعزيز: فهو ألا يرويه أقل من اثنين عن اثنين عن اثنين إلى منتهاه، وسمي عزيزاً إما لأنه عز برواية هذا وهذا فقوي، أو لأنه نادر أن يكون بهذه الطريقة أي: لا يرويه أقل من اثنين عن اثنين إلى منتهاه، في كل طبقة من طبقات السند يوجد اثنان فأكثر. أما المشهور: فهو ما رواه أكثر من اثنين، وسمي بذلك لوضوحه. وبعضهم يقول: إنه المستفيض من فاض الماء، وسمي بذلك لانتشاره. وبعضهم يقول: إن المشهور ما زادت رواته عن ثلاثة. ولا يشترط في الحديث الصحيح أن يكون مشهوراً ولا عزيزاً، فقد يكون الحديث الصحيح غريباً فرداً، خلافاً لمن يشترط أن يكون في كل طبقة من طبقات السند اثنان فأكثر، فتسقط أحاديث كثيرة جداً، ونحن عندنا حديث: (إنما الأعمال بالنيات). رواه عن النبي ﷺ صحابي واحد فقط وهو عمر بن الخطاب، ما عرفنا الحديث إلا من طريق عمر، ورواه عن عمر بن الخطاب تابعي واحد فقط؛ وهو علقمة بن وقاص الليثي، وما رواه عن علقمة إلا واحد وهو محمد بن إبراهيم التيمي. ولم يروه عن محمد بن إبراهيم التيمي إلا يحيى بن سعيد الأنصاري، ومن يحيى بن سعيد الأنصاري انتشر الحديث، حتى إنه يقال: إنه سمعه منه مائتي شخص، لكن الحديث بصحابيه ومن بعده ومن بعده ومن بعده واحد واحد واحد واحد في طبقات السند، ومع ذلك فالحديث صحيح، فالحديث الغريب إذا كان رواته ثقات صحيح مقبول.

стр. 288

تعريف الغريب غريب يقاسي البعد عنكم وما له وحقك عن دار القلى متحول وذكر في هذا البيت الغريب، وهو ما انفرد بروايته شخص واحد في أي موضع وقع التفرد به من السند، فهذا هو الغريب. السفاريني ﵀ قال: إن المتحول هنا يمكن أن يقصد بها التحويل الذي في السند، التي تكتب أحياناً (ح) أي: تحويلة، وتعني: انتقال الراوي من سند إلى سند آخر، يلتقي بعد ذلك مع هذا السند وقد لا يلتقي ويكون الإسنادان منفصلين. يقول: إنني لم أر فيمن شرح من قبل القصيدة ذكر هذا، لكن يُحتمل أنه أراد الإشارة إلى التحويل الذي في السند.

стр. 289

تعريف المقطوع فرفقاً بمقطوع الوسائل ما له إليك سبيل لا ولا عنك معدل س: ماذا أورد هنا؟ ج: المقطوع، وهو ما أضيف إلى التابعي من قول أو فعل، وجمعه مقاطيع، ما ينتهي إلى التابعي وحتى من دونه من أتباع التابعين يسمى مقطوعاً؛ وهذا غير المنقطع بطبيعة الحال.

стр. 290

العالي والنازل من الأسانيد فلا زلت في عزٍ منيعٍ ورفعة ولا زلت تعلو بالتجني فأنزل س: ماذا ذكر هنا؟ ج: العالي والنازل من فنون المصطلح، والسند العالي لا شك أنه نعمة إذا كان صحيحاً، والسند العالي ما قلت فيه الوسائط، وإذا كان بين صاحب الكتاب والنبي ﷺ ثلاثة كان ذلك أشرف من أن يكون بينهما أربعة، وأشرف من أن يكون خمسة وهكذا، وكلما قلّ الرجال في السند تقل مئونة البحث فيه وفي ضعفه، واحتمالات الخطأ فيه، فهذا العالي والنازل. فالإسناد العالي يعتبر محموداً إذا كان نظيفاً من المجروحين، وقد أحسن ابن ناصر الدين الدمشقي ﵀ لما قال: إذا أحببت تخريج العوالي على الراوين حقق ما أقول نزول عن ثقاتهم علوٌ علوٌ من ضعافهم نزول فإذا ذهبت تروي الإسناد العالي عن طريق ضعفاء ففي الحقيقة أنت ما علوت، وإنما نزلت. والمقصود بالعلو: العلو إلى النبي ﷺ في السند؛ فالراوي مثلاً يذهب إلى شيخ شيخه ويسمع منه لكي يعلو إسناده، وقد يكون العلو إلى إمام مشهور، أو إلى كتاب من الكتب الستة، ولا شك أن أفضلها في العلو العلو للنبي ﷺ .

стр. 291

المقصود بقصيدة ابن فرح أوري بسعدى والرباب وزينب وأنت الذي تُعنى وأنت المؤمل يقول الناظم: إنني استخدمت التورية وأتيت بأبيات ظاهرها الغزل، أو ذكر الحب ونحو ذلك، وما يُذكر في أشعار الغزل من سعدى والرباب وزينب وليلى ولبنى وعزة وبثينة ونحو ذلك، ولكنني أقصد شيئاً آخر، قال: فخذ أولاً من آخر ثم أولاً من النصف منه فهو فيه مكمل هذا لغز حله في البيت الذي بعده: أبرُّ إذا أقسمت أني بحبه أهيمُ وقلبي بالصبابة مشعل فما هو حل اللغز؟ فهو يلغز إلى كلمة واحدة؛ والكلمة هذه علم على شخص. لأنه في البيت الأخير قال: أبر إذا أقسمت أني بحبه أهيم وقلبي بالصبابة مشعل وكان قد قال قبلها: فخذ أولاً من آخر أي: خذ أول كلمة من آخر بيت، وما هي أول كلمة من آخر بيت: (أبر) ثم أولاً من النصف التي هي كلمة (أهيم). منه فهو فيه مكمل فهذه الكلمة هي (إبراهيم). وبهذا نكون قد انتهينا من المرور على منظومة ابن فرح الإشبيلي بشرح العلامة السفاريني رحمه الله تعالى.

стр. 292

ترجمة ابن فرح ناظم القصيدة والسفاريني شارحها: أما بالنسبة لناظم هذه القصيدة فهو شهاب الدين أبو العباس أحمد بن فرح بن أحمد بن محمد بن فرح اللخمي الإشبيلي الحافظ المحدث الفقيه الشافعي المولود سنة ٦٢٤هـ بـ أشبيلية وهو نزيل دمشق، وقد أسره الفرنج سنة (٦٤٦هـ) ثم نجاه الله تعالى وحج، وسمع بـ مصر من شيخ الشيوخ عبد العزيز الأنصاري وابن عبد السلام وطبقتهما ثم استوطن في دمشق، وسمع من ابن عبد الدائم والكرماني وخلق سواهم، وسمع منه قصيدة (غرامي صحيح) -وهي التي ذكرنها- الدمياطي واليونيني والبرزالي، وهو من كبار الحفاظ، وكان له حلقة في جامع دمشق، وعرضت عليه مشيخة دار الحديث النورية، فامتنع ولعل ذلك تواضع منه رحمه الله تعالى، وله هذه المنظومة وشرح الأربعين النووية ومختصر خلافيات البيهقي، لأن البيهقي جمع المسائل الخلافية بين الحنفية والشافعية فاختصر الكتاب ابن فرح الأشبيلي ﵀، وعاش خمساً وسبعين سنة وتوفي في منزله بتربة أم الصالح مبطوناً؛ أي: بداء البطن، سنة (٦٩٩هـ)، وهي سنة قازان التي أخذ فيها التتار بلاد الشام، ومات في هذه السنة خلق كثير من أهل العلم ﵀ وشيعه جمٌ غفير. نظم هذه القصيدة، وشرحها بعض أهل العلم منهم: الإمام عز الدين محمد بن أحمد بن جماعة وسماه: زوال الترح بشرح منظومة ابن فرح، وكذلك شرحها يحيى بن عبد الرحمن القرافي، وأول الشرح: الحمد لله الذي قبل بصحيح النية إلى آخره، وشرحها العلامة السفاريني ﵀، فمن هو هذا العلامة؟ وأين عاش؟ وفي أي زمن؟ لأن له مؤلفات مشهورة وموجودة. &

стр. 293

ترجمة السفاريني ونبذة عن حياته أما بالنسبة لهذا العلامة فإنه سمي بـ السفاريني نسبة إلى سفارين وهي من أعمال بلدة نابلس في فلسطين فك الله أسرها من أيدي اليهود، فبلدة السفاريني قريبة من نابلس التي بأيدي اليهود اليوم، وكان الوقت الذي عاش فيه السفاريني ﵀ في القرن الثاني عشر، فهو من العلماء المتأخرين نسبياً في بلاد الشام من عام (١١١٤هـ) إلى عام (١١٨٨هـ) وكان العثمانيون يحكمون في تلك الفترة بلاد الشام، ولكن كانت فترة ضعف في الخلافة العثمانية، فقد تآلبت عليها دول أوروبا، وانتزعت منها كثيراً من ممتلكاتها والبلدان التي كانت تحت حكمها، واشتغل كثيرٌ من سلاطينها في أواخر عمرها باللهو والعبث، حتى حكّم بعضهم شريعة غير شريعة الله، واستورد القوانين وأخذ بها دون القوانين الإسلامية. فالمهم أنه صار الوضع في آخر الدولة العثمانية حال استبداد وفوضى، وخرج عليها كثير من الولاة، وتكونت دويلات مستبدة وضعيفة، وعم السلب والنهب وفقد الأمن. يقول العلامة محمد كرد علي مؤرخ الشام متحدثاً عن حالة الشام في القرن الثاني عشر: وسكان هذا القُطر -أي: بلاد الشام - كسائر الأقطار العثمانية لا عمل لهم إلا إرضاء شهوات حكامهم، فلم يحدث شيء مما يقال له الإصلاح؛ لأن أحداً لم يأخذ بأسبابه ولا توسل بطرقه، فصار التخلف والاستبداد وإرهاق الرعية بالضرائب والإتاوات، وعم الفقر والبؤس. ولما عمت الإتاوات والضرائب والفقر والبؤس كان من دور الشيخ السفاريني مقاومة ذلك، فكان محارباً للظلم والطغيان، ومما يذكر من شجاعته أنه قال لأمير نابلس لما تولى بعد أبيه الأمير، وجاء أهل العلم لتهنئته وطلبوا منه إلغاء الضرائب الزائدة عن الزكاة الشرعية؛ لأن المزارعين لا يشبعون من غلة أراضيهم لكثرة الضرائب، فقال الأمير: لا أغير شيئاً مما كان عليه والدي المرحوم، فقال له الشيخ السفاريني: وما أدراك أنه مرحوم؟ أزل الضرائب والناس يدعون لك، فاستجاب له وأزال كثيراً من الضرائب، وأخذوا منه كتابة لإزالة الضرائب، ودعوا له بالتوفيق. أما بالنسبة للحالة الدينية في ذلك الوقت فإن الجمود والانحطاط أثر بلا شك في الحالة العلمية فمثلاً: انتشار التصوف وظهور البدع والخرافات كان واضحاً في ذلك العصر، حتى قال الكاتب الأمريكي لوثرب استيوارت في كتابه: حاضر العالم الإسلامي، فيقول عن هذه الفترة: وأما الدين فقد غشيته غاشية سوداء، فألبست الوحدانية التي علمها صاحب الرسالة للناس -وهو النبي ﷺ سجفاً من الخرافات وقشور الصوفية، وخلت المساجد من أرباب الصلوات، وكثر عدد الأدعياء الجهلاء، وطوائف الفقراء والمساكين يخرجون من مكان إلى مكان يحملون في أعناقهم التمائم والتعاويذ والسبحات، ويوهمون الناس بالباطل والشبهات، ويرغبونهم بالحج إلى قبور الأولياء، ويزينون للناس التماس الشفاعة من دفناء القبور وغابت عن الناس فضائل القرآن إلى آخر كلامه. السفاريني ﵀ في كتابه غذاء الألباب نقل صوراً مخزية عن الحال التي كانت في عصره، وكذلك ابن مفلح من أهل زمانهم أيضاً قال: فما بالك بعصرنا هذا الذي نحن فيه -وكان طبعاً في المائة الثانية عشرة من الهجرة- وقد انطمست معالم الدين وطفئت إلا من بقايا حفظت الدين، فصارت السنة بدعة والبدعة شرعة، والعبادة عادة والعادة عبادة، فعالمهم عاكف على شهواته، وحاكمهم متمادٍ في غفلاته، وغنيهم لا رأفة عنده ولا رحمة بالمساكين، وفقيرهم متكبر وغنيهم متجبر. ثم حكى عن الصوفية الذين في عصره فقال: فلو رأيت جموع صوفية زماننا وقد أوقدوا النيران وأحضروا آلات المعازف كالدفوف المجلجلة والطبول والنايات والشبابات -وهي جمع شبَّابة وهو نوع من المزامير- وقاموا على أقدامهم يرقصون ويتمايلون لقضيت بأنهم فرقة من بقية أصحاب السامري، وهم على عبادة عجلهم يعكفون، أو حضرت مجمعاً وقد حضره العلماء بعمائمهم الكبار، والفراء المثمنة، والهيئات المستحسنة، ينشدون الأشعار المهيجة في وصف الخدود والنهود والقدود، وقد أرخى القوم رءوسهم ونكسوها، واستمعوا للنغمة واستأنسوها، لقلت وهم لذلك مطرقون: مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ، فإنا لله وإنا إليه راجعون. في خضم هذا الفساد الاعتقادي والابتعاد عن الكتاب والسنة، نشأ وحمل لواء الإصلاح أئمة في ذلك الوقت، منهم الشيخ محمد السفاريني ﵀ في بلاد الشام، ولا شك أن تآليف الشيخ في العقيدة تدل على أنه كان سلفياً في الجملة، كما في كتابه: لوائح الأنوار السنية ولواقح الأفكار السنية في شرح قصيدة أبي داود الحائية، وكذلك كتابه: لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقيدة الفرقة المرضية. وكذلك كتابه: البحور الزاخرة في علوم الآخرة، فإنه يظهر منها في الجملة أن الرجل كان سلفي المعتقد، والعصر الذي وجد فيه كان عصر جمود وعدم ابتكار، وحتى لو كان هناك مؤلفات فكثير منها حواشٍ على مؤلفات قديمة، أو اختصارات، أو جمع، أما من جهة التأليف المبتكر الذي يدل على اجتهاد أو قوة علم وعمق فنادراً ما كنت تجده في مؤلفات ذلك الوقت، لكن كما قلنا وجد أئمة كبار مثل الشيخ محمد حياة السندي ﵀، ومن محدثي ذلك الزمان، وكان من شيوخ السفاريني ﵀. وقال السفاريني في كتابه: شرح ثلاثيات مسند أحمد، فيقول عن الحالة العلمية في عصره: لم يبق من آثار ذهاب البيان إلا حكايات تتزين بها الطروس ككان وكان، والعلم قد أفلت شموسه، وتقوضت محافله ودروسه، وربعه المأهول أمسى خالياً، وواديه المأنوس أضحى موحشاً داوياً، وغصنه الرطيب غدا ذاوياً، وبرده القشيب صار بالياً، فالعالم الآن قلت مضاربه، وضاقت مطالبه، وسدت مذاهبه، فليس له في هذا الزمان إلا التجاء إلى عالم السر والإعلان، هذا بالنسبة للحالة التي كان موجوداً فيها السفاريني رحمه الله تعالى. أما اسمه: فهو محمد بن أحمد بن سالم بن سليمان السفاريني أبو العون شمس الدين، ونسبته إلى سفارين، قال مرتضى الزبيدي: وهي كجبارين أي: في النطق، قرية من قرى نابلس؛ ونابلس بضم الباء والميم كما قلنا وكما ضبطها السمعاني في كتابه: الأنساب، وهي البلدة المعروفة في جنوب شرق طولكرم بـ فلسطين على مسافة عشرين كيلو متر، وينسب إليها العالم محمد السفاريني ﵀. مولده كما قلنا: سنة (١١١٤هـ)، وأسرته قيل: إنها كانت من الحجاز حيث نزح بعض أفرادها وسكنوا طولكرم ويافا، ومنهم الشيخ سعيد بن أسعد السفاريني كان إماماً في المذهب الحنبلي. وللشيخ محمد الذي نحن بصدده ابنان من أبنائه يوسف ومصطفى، ومن أحفاده عبد الرحمن بن يوسف وعبد القادر بن مصطفى، وكانا من أهل العلم. وأما بالنسبة لسيرته ﵀: فإنه كان عالماً جليلاً جميلاً صاحب سمت ووقار ومهابة واعتبار، جمع بين الإمامة والفقه، والديانة والصيانة، والصدق وحُسن السمت والخلق، والتعبد وطول الصمت عما لا يعنيه، وكان محمود السيرة نافذ الكلمة رفيع المنزلة سخي النفس، كريماً بما يملك مهاباً معظماً، وكان كثير العبادة ملازماً على قيام الليل يحث الناس عليه، وكانت مجالسه لا تخلو من فائدة، ويشغل جميع أوقاته بالإفادة والاستفادة، يطرح المسائل على الطلاب والأقران، ويدير بينهم المحاورة، وكان صادعاً بالحق لا يبالي فيه جميع أعيان البلد، وكان أمراؤها يهابونه، كان آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، ناصراً للسنة، قامعاً للبدعة، خيراً جواداً. ومع حرصه على الكتب العلمية وجمعه كثيراً منها كان يقول من تواضعه: أنا فقير للكتب العلمية، وكل ما يدخل في يده من الدنيا ينفقه، وعاش مدة عمره في بلده عزيزاً موقراً محتشماً، كانت وفاته ﵀ سنة (١١٨٨هـ)، قال الجبرتي في تاريخه؛ وتاريخ الجبرتي من التواريخ المهمة في العصور المتأخرة، وهذا التاريخ مهم وجيد، ومن نوادر الذين أرخوا تاريخاً فيه نزاهة وعدل في الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ الجبرتي ﵀، قال الجبرتي عن الشيخ السفاريني: لا يزال يملي ويفيد ويجيز من سنة (١١٤٨هـ) إلى أن توفي يوم الاثنين الثامن من شوال من هذه السنة بـ نابلس وجهز وصلي عليه بالجامع الكبير، ودفن بالمقبرة الزراكينية وكثر الأسف عليه. ولا شك أن هذا الرجل ما دام بلغ هذا المبلغ من العلم فلا بد أن يكون في أول أمره حريصاً عليه من السن المبكرة، فهو قد قال: وقد منّ الله علي بقراءة القرآن سنة (١١٣١هـ) فانتهى منه حفظاً واشتغل بالعلم، ورحل إلى دمشق في سنة (١١٣٣هـ) ومكث خمس سنين يأخذ عن علمائها، ورزقه الله قوة حفظ وملكة في الاستيعاب، ولذلك فقد استوعب علوماً كثيرة وأخذ عن مشايخ كبار وعلماء وأجازه غير واحد، فلما صار عمره تسع عشرة سنة كان قد فقه وأتقن مسائل المذهب يذاكر بها شيوخه، حتى قال عن شيخه عبد القادر التغلبي: ذاكرته في عدة مباحث من شرحه على الدليل؛ وهو دليل الطال

стр. 294

التفريح بذكر التسبيح التسبيح له فضل عظيم وأجر كبير، ويدلك على ذلك أن الله أمرنا به في الصلاة وفي غيرها، بل ورتب عليه أجراً كثيراً، وقد ذكر الشيخ المواطن التي يجب ويستحب فيها التسبيح، كما تحدث عن التسبيح الجماعي وذكر بدعيته مستدلاً على ذلك.

стр. 295

مقدمة عن التسبيح الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: فحديثنا في هذه الليلة -أيها الإخوة- بعنوان: التفريح بذكر التسبيح. التسبيح عبادةٌ عظيمة لله ، نسبح الله تعالى بكرةً وأصيلاً، نسبح الله في الصباح والمساء، نسبح الله في الصلوات؛ في ركوعنا وسجودنا، نسبح الله في افتتاحنا لصلواتنا. هذه العبادة ما معناها؟ ما هي المواضع التي يذكر فيها التسبيح؟ وما فضل التسبيح؟ إلى أمورٍ أخرى نتعرف عليها بمشيئة الله تعالى في مرورنا على هذه العبادة العظيمة من الأذكار التي يذكر بها المسلم ربه.

стр. 296

معاني التسبيح أما معناه أيها الإخوة! فإن التسبيح: هو التنزيه فإذا سبحت الله أي: نزهته عن جميع النقائص والعيوب تسبح الله ، أي: أن تبرئ ربك من كل عيب، وأن تشهد له بالكمال، وإذا حمدته فأنت تثني عليه، فيكتمل التسبيح بالتحميد، تمجيد الله ، لأنك تثبت له الكمال من جهة، وتنفي عنه النقص من جهةٍ أخرى، ولذلك كان من أعظم الأذكار: سبحان الله وبحمده: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم:١٧]. وقد يكون التسبيح بمعنى الصلاة كما أنه قد جاء في صلاة السبحة (سبحة الضحى) وهي: النافلة تسمى بالتسبيح، لأنها تشتمل على التسبيح، وكذلك فإن هذا التسبيح هو من رءوس الأذكار، فإن ذكر الله تعالى منه ما يكون تسبيحاً، ومنه ما يكون تهليلاً، ومنه ما يكون تحميداً منه ما يكون تكبيراً، وكل هذا من أنواع الثناء على الله ، والتسبيح تبريكٌ وتقديسٌ وتطهيرٌ، والتسبيح من حكمته استحضار العبد عظمة الخالق، ليمتلئ قلبه هيبةً فيخشع له ، هذا التسبيح مطلوبٌ عقله بالقلب والتفكر فيه، وأننا إذا قلنا سبحان الله، فإن هذه ليست كلمة تقال باللسان دون أن نعرف معناها، بل نستحضر المعنى إذا عرفناها، إن التسبيح عبادةٌ لو كانت على طهارة فهي طيبة، ويجوز أن تكون على غير طهارةٍ قائماً وقاعداً ومضطجعاً: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٩١]. التسبيح داخل في حديث عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه) وسواء كان تسبيحاً أو غيره، ويندب للمسلم أن يسبح الله بصوتٍ خافت على وجه العموم: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:١١٠] ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ [الأعراف:٢٠٥]. وأما دبر الصلوات فقد ذهب عددٌ من أهل العلم إلى مشروعية الجهر به؛ لأن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قد أخبر أن الجهر بالذكر عقب المكتوبة كان على عهد رسول الله ﷺ ، وهذا التسبيح إذا عقله الإنسان، فإنه يعقل أموراً كثيرةً منها:

стр. 297

بعض المخلوقات التي تسبح الله أن يعرف أنه ليس مختصاً بهذا الذكر، فإن هناك مخلوقات تسبح الله ، ألم يأتك خبر تسبيح الملائكة، لقد روى الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه: عن ابن عباس ﵁ قال: (أخبرني رجلٌ من أصحاب النبي ﷺ من الأنصار؛ بينما هم جلوس ليلةً مع رسول الله ﷺ رمي بنجمٍ فاستنار، -أضاء النجم في السماء لما رمي به- فقال لهم رسول الله ﷺ : ماذا كنتم تقولون في الجاهلية إذا رمي بمثل هذا؟ قالوا: كنا نقول: ولد الليلة رجلٌ عظيم، ومات رجلٌ عظيم، فقال رسول الله ﷺ : فإنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا ﵎ اسمه إذا قضى أمراً سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا، ثم قال الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم ماذا قال، قال: فيستخبر بعض أهل السماوات بعضاً حتى يبلغ الخبر هذه السماء الدنيا) كلما أمر سبحانه بأمرٍ سبحت الملائكة على طبقاتها؛ حملة العرش ويليهم أهل السماوات السبع، حتى ينتهي التسبيح إلى الملائكة الذين في السماء الدنيا، إن السماوات ممتلئة بالملائكة ليس فيها موضع شبرٍ أو أربع أصابع إلا وفيه ملكٌ قائم راكعٌ أو ساجد (أطت السماء وحق لها أن تئط) لقد اهتزت واضطربت بعبادة الملائكة فيها، فهؤلاء الملائكة يسبحون الله . - وكذلك الجبال والطير تسبح، وقد أخبر الله بقوله : ﴿وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور:٤١] ﴿وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤] فهي تسبح الله وقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء:٤٤] كل شيءٍ حتى الجمادات تسبح بحمد الله تعالى، وهذه الجبال لما كان داود ﵇ يقرأ في الزبور ما تملك الجبال إلا أن تسبح معه من جمال صوته ﵇، ولذلك قال المفسرون في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبأ:١٠] قال مجاهد: [سبحي معه]. ومن الجمادات التي سبحت: الطعام بين يدي النبي ﷺ ؛ كما جاء في الحديث الصحيح عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (كنا نعد الأيادي بركة وأنتم تعدونها تخوفيا، كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فقل الماء فقال: اطلبوا فضلة من ماء، فجاءوا بإناءٍ فيه ماءٌ قليلٌ فأدخل يده في الإناء، ثم قال: حيّ على الطهور المبارك، والبركة من الله) فلذلك لا يجوز أن يقال: بارك لنا يا فلان، أو تباركت علينا يا فلان، مصدر البركة من الله وليست من المخلوق، والله يبارك من خلقه ما يشاء، فجعل النبي مباركاً، وجعل ماء زمزم مباركاً، ويجعل البركة فيما يشاء . وقال ابن مسعود: (فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله ﷺ ، ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل بين يدي النبي صلى الله عليه وسل) فالصحابة كان يسمعون بآذانهم تسبيح الطعام وهو يؤكل بين يدي النبي ﷺ . وأكرم وأعظم تسبيح هو تسبيح أهل الجنة. أهل الجنة يسبحون الله ، وتسبيحهم لله ليس بتعبٍ ولا بنصب؛ لأنهم يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس كما قال ﵊: ((إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون، ولا يتفلون ولا يبولون، ولا يتغوطون ولا يمتخطون، قالوا: فما بال الطعام؟ أين يذهب إذا أكله أهل الجنة؟ قال: جشاءٌ ورشحٌ كرشح المسك) فضلات الطعام من أجسادهم تترشح، ولكن رشحٌ ليس كعرقنا برائحة كريهة، إنما هو رشحٌ كرشح المسك، فيضمر بطن أحدهم، فيعود ويأكل، ويرشح كرشح المسك، ويضمر بطنه ويأكل، وهكذا في أكلٍ مستمر ولذةٍ مستمرة. قال ﵊ في الحديث: (يلهمون التسبيح والتحميد كما تلهمون النفس) رواه مسلم، هل نتعب إذا تنفسنا نحن، إننا نتنفس بطريقةٍ آلية بدون كلفةٍ أو مشقة وهكذا يلهم أهل الجنة التسبيح، يسبحون باستمرار ولا يتعبهم ذلك التسبيح.

стр. 298

فضل التسبيح وأجره ومنزلته التسبيح -أيها الإخوة- منزلته عظيمة وأجره جزيل وفضله كبير. وقد جاء عن أبي مالكٍ الأشعري أن رسول الله ﷺ قال: (التسبيح والتكبير يملأ السماوات والأرض) وقال: (الحمد لله تملأ الميزان) وكذلك قال (إن التسبيح والتكبير يملأ السماوات والأرض) روى ذلك النسائي رحمه الله تعالى عن النبي ﷺ . وهو صدقةٌ من الصدقات كما قال ﵊: (يصبح على كل سلامى في كل يوم صدقة) كل عظم أو كل مفصل من المفاصل عليه صدقة، لشكر نعمة المفاصل، كيف نتحرك وكيف نقرب وكيف ننبسط إلا بهذه المفاصل، في الإنسان ثلاثمائة وستون، كل واحد عليه شكر نعمة، كل سلامى من أحدكم في كل يومٍ صدقة، فمن أين تأتي بثلاثمائة وستين صدقة؟ قال: (فله بكل صلاةٍ صدقة، وصيامٍ صدقة، وحجٍ صدقة، وتسبيحٍ صدقة) الحديث رواه أبو داود وهو حديثٌ صحيح. وقد أخبرنا ﷺ عن أجر التسبيح فقال الحديث الذي رواه أحمد ﵀، قال: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبي عبد الله مولى جهينة قال: سمعتُ مصعب بن سعد يحدث عن سعد، وهؤلاء كلهم ثقات، عن رسول الله ﷺ أنه قال: (أيعجز أحدكم أن يكسب في اليوم ألف حسنة؟! قالوا: ومن يطيق ذلك؟ قال: يسبح مائة تسبيحه فيكتب له ألف حسنةٍ وتمحى عنه ألف سيئةٍ). إذاً مائة تسبيحه في اليوم، مائة تسبيحة يومياً يسردها كلها في نفس الوقت أو يجزئها على أوقات أو غير ذلك، وهي سهلة، قد تحتاج منك عشر دقائق أو ربع ساعة، دقائق قليلة تكسب فيها ألف حسنة، وليس فقط هذا، وإنما تمحى عنك ألف سيئةً أيضاً، والله ذو الفضل العظيم.

стр. 299

تسبيح النبي ﷺ لقد كان النبي ﷺ يسبح الله في صلاته، وإذا أردنا أن نعرف عدد المرات التي كان النبي ﵊ يسبح فيها في ركوعه وسجوده فإن أقرب حديثٍ ينبئنا عن ذلك حديث سعيد بن جبير: قال: (سمعت أنس بن مالك يقول: ما صليتٌ وراء أحدٍ بعد رسول الله ﷺ أشبه صلاةً برسول الله ﷺ من هذا الفتى -يعني: عمر بن عبد العزيز - قال: فحزرنا في ركوعه عشر تسبيحات، وفي سجوده عشر تسبيحات) رواه النسائي ﵀ فيه. هذا الحديث هو الحديث الذي فيه ذكر عدد التسبيحات النبوية في الركوع والسجود، كان ﵊ -نحن نعلم أن الواحدة واجبة والثلاث أفضل- يسبح عشر تسبيحات في الركوع وعشر تسبيحات في السجود. وكان ﵊ يسبح في صلاته إذا قرأ القرآن وخصوصاً في قيام الليل كما جاء في حديث حذيفة ﵁ الذي رواه مسلم في صحيحه قال: (صليتٌ مع النبي ﵊ ذات ليلة فافتتح البقرة، فقلتُ: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلاً فإذا مر بآية فيها تسبيحٌ سبح، وإذا مر بسؤالٍ سأل، وإذا مر بتعوذٍ تعوذ، ثم ركع فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحواً من قيامه، ثم قال: سمع الله لمن حمده، ثم قام طويلاً قريباً مما ركع، ثم سجد فقال: سبحان ربي الأعلى فكان سجوده قريباً من قيامه) وهكذا كان ﵊ طويل التسبيح في صلاته، وفي ركوعه وسجوده، وفي قيامه إذا قرأ في صلاة الليل ومر بآيةٍ فيها تسبيحٌ سبح الله ، توقف عن القراءة وصار يسبح الله .

стр. 300

مواطن يستحب فيها التسبيح

стр. 301

التسبيح في الصلاة المفروضة وبعدها لقد جاءت -أيها الإخوة- السنة بأن التسبيح في افتتاح الصلاة وأثناء القراءة في قيام الليل، وفي الركوع والسجود، وإذا انتهى من الصلاة فإنه يسبح الله ثلاثاً وثلاثين كما جاء ذلك في حديثٍ صحيح، يقول ﵊ ((من سبح الله في دبر كل صلاةٍ ثلاثاً وثلاثين، وحمد الله ثلاثاً وثلاثين، وكبر الله ثلاثاً وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على شيءٍ قدير؛ غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر). فإذاً في أول الصلاة: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، وبعد نهاية الصلاة أول ذكر من الأذكار: سبحان الله، يبدأ به، ثلاثاً وثلاثين.

стр. 302

التسبيح في الصباح والمساء لقد جاءت السنة أيضاً بتسبيح الله في الصباح والمساء كما جاء في حديث أبي هريرة ﵁: (من قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به، إلا أحدٌ قال مثلما قال أو زاد عليه) رواه مسلمٌ رحمه الله تعالى. وكذلك فإن التسبيح في الصباح والمساء مما ورد في القرآن: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه:١٣٠] وكما مر معنا يطلق التسبيح على الصلاة.

стр. 303

التسبيح في السفر لقد ورد في السنة أن النبي ﷺ مع أصحابه كانوا إذا نزلوا في السفر -في منخفضٍ من الأرض- سبحوا الله تعالى: (كنا إذا صعدنا كبرنا، وإذا نزلنا سبحنا) وقد أشار ابن القيم ﵀ وغيره إلى مناسبة هذا التسبيح، وهو أن الإنسان إذا نزل في منخفض فإنه يتذكر أن ينزه الله تعالى عن السفول وعن المواطن المنخفضة، وعن كل نقصٍ وعيبٍ، ويقدس ربه بهذا التسبيح، فإذا نزل قال: سبحان الله، وإذا ارتفع تذكر عظمة ربه وارتفاعه فكبرَ، يكبر الله ويذكر الكبير المتعال. وكذلك التسبيح يكون أيضاً في الركوع والسجود واجباً كما تقدم، وأن التسبيح في الركوع بقوله: سبحان ربي العظيم، وفي السجود: سبحان ربي الأعلى مناسبٌ لحال المصلي، فإن المصلي عندما يكون في أنزل مكان وأخفض مكان ويضع جبهته على الأرض ويقول: سبحان ربي الأعلى، فيتذكر علو ربه، وهو في أخفض مكان، كما أنه يسبحه عندما ينزل في الأماكن المنخفضة في الأسفار، وهذا ليس خاصاً بالأرض فحتى لو كان في الجو ونزل أو نزلت الطائرة فإنه يسبح الله .

стр. 304

تنبيه الإمام في الصلاة بالتسبيح سبحان الذي لا ينسى، لقد كان التسبيح منبهاً للإمام من قبل المأمومين، والنبي ﷺ قال: (من نابه شيءٌ في صلاته فليقل: سبحان الله). (وجعل التصفيق للنساء والتسبيح للرجال) فإذا أخطأ الإمام وأراد المأموم أن ينبهه، فإنه يقول له: سبحان الله، فهذا الإنسان ينسى والله تعالى لا ينسى، فسبحان من لا ينسى، ولذلك يذكر المأموم الإمام التسبيح، إذا أخطأ أو سهى في صلاته، كما أن المصلي يمكن أن يسبح لأي شيءٍ ينوبه في الصلاة، فلو أن إنساناً طرق الباب، أو أوشك شخصٌ على الوقوع في المهلكة، أو أوشك الولد أن يقترب من الكهرباء، وأراد المصلي أن ينبه زوجته أو أحداً في البيت، فإنه لا بأس عليه أن يرفع صوته بالتسبيح ما دام أنه قد نابه شيءٌ في الصلاة، فليسبح. (من نابه شيءٌ في صلاته فليقل: سبحان الله فإنه لا يسمعه أحدٌ يقول: سبحان الله إلا التفت) حديثٌ صحيحٌ رواه البخاري رحمه الله تعالى. وكذلك جاء عن علي ﵁: (كان لي من رسول الله ﷺ ساعةً آتيه فيها، فإذا أتيته استأذنته؛ إن وجدته يصلي فسبح دخلت، وإن وجدته فارغاً أذن لي). إن التسبيح أيها الأخوة! يكون في عبادات أخرى مثل: ما يكون في صلاة الكسوف والخسوف، فإنه قد جاء في السنة أن التسبيح عند الكسوف والخسوف عبادة، كما روى عبد الرحمن بن سمرة رضي الله تعالى عنه حيث قال: (أتيت النبي ﷺ وقد كسفت الشمس وهو قائمٌ في الصلاة رافعٌ يديه، فجعل يسبح ويهلل ويكبر، ويحمد ويدعو حتى حسر عنها) وهذا الحديث قد رواه مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه.

стр. 305

التسبيح في صلاة العيدين والتسبيح يكون مشروعاً في تكبيرات صلاة العيدين، فإن الثناء على الله بعد كل تكبيرة من تكبيرات صلاة العيدين سنة، فيسبح ويصلي على النبي ﷺ ، ويحمد الله تعالى ويهلله ، فيقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ويصلي على النبي ﷺ ، والذي ورد عن ابن مسعود ﵁، مما كان يقول بين تكبيرات العيد، أن يحمد الله ويثني عليه، ويصلي على النبي ﷺ .

стр. 306

التسبيح عند التعجب التسبيح يستعمل عند التعجب، إذا قال لك إنسان شيئاً عجيباً أو استغربت من فعلٍ أو قولٍ فإنه يشرع لك التسبيح، هذا من المواطن التي يسبح فيها الإنسان، وقد جاء في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁: (أن النبي ﷺ لقي أبا هريرة وأبو هريرة جنب، فانسل أبو هريرة وذهب خفية فاغتسل فتفقده النبي ﵊ وسأل عنه قال: أين كنتَ يا أبا هريرة؟ قال: يا رسول الله! لقيتني وأنا جنب، فكرهت أن أجالسك حتى أغتسل، فقال: سبحان الله! إن المؤمن لا ينجس) فقد تعجب ﵊ مما قاله أبو هريرة إذ كان أبو هريرة يظن أن الجنب لا يجالس ولا يصافح، فقال ((سبحان الله! إن المؤمن لا ينجس) وكذلك جاء في صحيح مسلم، عن أنسٍ ﵁ أن أخت الربيع أم حارثة جرحت إنساناً فاختصموا إلى النبي ﷺ فقال: (القصاص القصاص فقالت أم الربيع: يا رسول الله! أتقتص من فلانه؟ والله لا يقتص منها! فقال النبي ﷺ : القصاص كتاب الله، سبحان الله يا أم الربيع! وإن هناك من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره، كما حصل أن عم أنس بن مالك، أنس بن النضر لما جيء بخبر القصاص قال: والله لا تكسر ثنية الربيع وأبر الله قسمه وتسامحا) وكانوا من قبل مصرين على القصاص، ومصرين على كسر سن هذه الفاعلة، وهذه الفاعلة كان لها منزلة عظيمة، لكنها اعتدت وأخطأت، ولما حكم النبي ﵊ بالقصاص، وأصروا عليه وجاء أنس بن النضر إلى النبي ﷺ وقال: والله لا تكسر ثنية الربيع، هذه المرأة الصالحة لا تكسر ثنيتها حلف فأبر الله قسمه، فجاءوا وتنازلوا ولم تكسر ثنيتها. إن التسبيح عند الرعد قد ورد فيه حديث عن ابن عباس ﵄ قال: (كنّا مع عمر ﵁ في سفر، فأصابنا رعدٌ وبرد فقال لنا كعب ﵁: من قال حين يسمع الرعد: سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ثلاث مرات، عوفي من ذلك الرعد، قال: فقلنا فعوفينا) أخرجه الطبراني وحسنه ابن حجر ﵀ كما نقل ابن علان في الفتوحات الربانية.

стр. 307

التسبيح للحائض والجنب إن هذا التسبيح يكون للإنسان في كل أحيانه، ولذلك فهو إنقاذ للحائض ومجالٌ لها للأجر وذكر الله تعالى، فحيث أنها لا تقرأ القرآن ولا تمسك القرآن، وعند بعض العلماء لا تقرأ القرآن لكنها لا تنسى التسبيح، ولذلك لما ذكر الترمذي رحمه الله تعالى المسألة في سننه ساق الحديث وفي إسناده ضعف، قال ((لا تقرأ الجنب ولا الحائض) وهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم، مثل: سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق قالوا: لا تقرأ الحائض ولا الجنب من القرآن شيئاً إلا طرف الآية والحرف ونحو ذلك، ورخصوا للجنب والحائض في التسبيح والتهليل. فحتى لو قلنا على قول هؤلاء العلماء أنها لا تقرأ القرآن، فلا يعني هذا أن تنقطع عن ذكر الله، ولذلك يكون التسبيح مجالاً للعبادة، فتهلل وتسبح وتذكر الله ، واختار عددٌ من أهل العلم أن الحائض يمكن أن تقرأ القرآن لكن بدون أن تمس المصحف، وتقرأ القرآن إما عن ظهر قلب، أو أنها تمسك المصحف بخرقةٍ أو بشيءٍ أو تقلب الورقة بالقلم ونحو ذلك.

стр. 308

التسبيح فيه قوة للبدن ووقاية من المجاعة التسبيح فيه قوة للبدن والدليل على أن التسبيح يقوي البدن ما جاء في الحديث الصحيح عن عبيدة السلماني عن علي ﵁ قال: شكت إليّ فاطمة مجل يديها من الطحين -لقد أصاب يدي فاطمة خشونة نتيجة الخبز فشكت لزوجها علي ﵁ فقال لها علي مقترحاً: لو أتيت أباك فسألته خادماً، فذهبت تسأل أباها خادماً يكفيها مؤنة العمل، فقال ((ألا أدلكما على ما هو خيرٌ لكما من الخادم؟ إذا أخذتما مضجعكما تقولان ثلاثاً وثلاثين، وثلاثاً وثلاثين وأربعاً وثلاثين، من تحميدٍ وتسبيحٍ وتكبير). فإذا سبحان الله ثلاثاً وثلاثين والحمد لله ثلاثاً وثلاثين، والله أكبر أربعاً وثلاثين، هذه الأذكار بدل الخادم، إذاً تعطي قوة للبدن، وتعوض عن الخادم، وأشار إلى هذا المعنى ابن القيم ﵀ وعده من الأذكار التي تقوي البدن، وقد جاء في الحديث أيضاً، أن التسبيح يقيت الناس، عندما لا يكون هناك طعام ولا شراب، وهذا ليس في الآخرة بل في الدنيا، يأتي على الناس وقت لا يجدون فيه طعاماً ويعيشون مدة طويلة بدون طعام فما يقيتهم وما يقويهم وما يبقيهم على قيد الحياة، قال النبي ﷺ في حديث الدجال المشهور: (وإنه قبل خروج الدجال ثلاث سنوات شدادٍ يصيب الناس فيها جوعٌ شديد، يأمر الله السماء في السنة الأولى أن تحبس ثلث مطرها، ويأمر الأرض فتحبس ثلث نباتها، ثم يأمر السماء في الثانية فتحبس ثلثي مطرها، ويأمر الأرض فتحبس ثلثي نباتها، ثم يأمر الله السماء في السنة الثالثة فتحبس مطرها كله، فلا تقطر قطرة، ويأمر الأرض فتحبس نباتها كله فلا تنبت خضرا، فلا تبقى ذات ظلف -الدواب- إلا هلكت، إلا ما شاء الله، قيل: فما يعيش الناس في ذلك الزمان؟ قال: التهليل والتكبير والتسبيحُ والتحميدُ ويجري ذلك عليهم مُجرى الطعام). إذاً يقوم هذا بالنسبة لهم مقام الطعام، ويكفيهم عن الطعام! هذا التسبيح لعظمة أجره وفائدته في الدنيا وفي الآخرة.

стр. 309

ابن مسعود وإنكاره للتسبيح الجماعي ولنعلم أخيراً -أيها الإخوة- أن هذه العبادة قد ابتدع بعض الناس فيها بدعاً كثيرة، في طريقة التسبيح، وأدخلوه في أشياء، فبعضهم يسبح في الأذان، وأيضاً في اتباع الجنازة بعضهم يسبح مشيعاً الجنازة، ولا شك أن هذا كله من البدع المنكرات. وكان أصحاب النبي ﷺ يكرهون رفع الصوت عند الجنائز. ومن البدع أيضاً: التسبيح الجماعي كما يفعل في بعض البلدان، يبدأ الإمام فيسبح الناس كلهم بصوتٍ واحد ثلاثاً وثلاثين بعد الصلاة وهكذا.

стр. 310

أصحاب حلق الذكر وكيفية تسبيحهم وقد جاء عن عبد الله بن مسعود ﵁ حديثٌ عظيمٌ في هذا الشأن، رواه الدارمي ﵀ بإسنادٍ صحيح، قال عمرو بن يحيى سمعتُ أبي يحدث عن أبيه قال: كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود قبل صلاة الغداة، فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد -يستفيدون من العالم وهو خارج من باب بيته إلى المسجد- فجاءنا أبو موسى الأشعري على باب بيت عبد الله بن مسعود، فقال: أخرجَ إليكم أبو عبد الرحمن بعدُ؟ قُلنا: لا. فجلس معنا، حتى خرجَ فلما خرجَ قمنا إليه جميعاً، فقال له أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن! إني رأيت في المسجد آنفاً أمراً نكرته، ولم أرَ والحمد لله إلا خيراً، قال: فما هو؟ قال: إن عشتَ فستراه، لقد رأيتُ في المسجدِ قوماً حلقاً جلوساً ينتظرون الصلاة في كل حلقةٍ رجلٌ وفي أيديهم حصى، فيقول: كبروا مائة، فيكبرون مائة، فيقول: هللوا مائة، فيهللون مائة، ويقول: سبحوا مائة، فيسبحون مائة!! -إذاً هذا العمل كان عن أمر رجلٍ بمجموعات معهم حصى قال عبد الله بن مسعود لـ أبي موسى الأشعري: فماذا قلتَ لهم؟ قال: ما قلتُ لهم شيئاً انتظاراً لرأيك وأمرك، قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم وضمنت لهم ألا يضيع من حسناتهم؟ وغضب عبد الله بن مسعود؛ لأن أبا موسى لم ينكر المنكر الواضح والبدع الواضحة، ثم مضى ومضينا معه، حتى أتى حلقةً من تلك الحلق، فوقف عليهم، فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن! حصى نعدُ بها التكبير والتهليل والتسبيح، قال: فعدوا سيئاتكم فأنا ضامنٌ ألا يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم! هؤلاء صحابة نبيكم ﷺ متوافرون وهذه ثيابه لم تبل وآنيته لم تكسر -ما أسرع ما وقعتم في البدع! الآن الصحابة ما زالوا موجودين والنبي ﷺ آنيته موجودة، وثيابه موجودة، ومات قريباً، وبسرعة وقعتم في البدع- والذي نفسي بيده؛ إما إنكم لعلى ملةٍ هي أهدى من ملة محمد، أو مفتتحوا باب ضلالة قالوا: والله -يا أبا عبد الرحمن - ما أردنا إلا الخير -هذه العملية فيها تحميس وفيها ضبط للعدد، هذه العملية يتشجعون فيها على الذكر، ولا أحد يقوم بسرعة بعد الصلاة بل الجميع يأتي بالأذكار وما أردنا إلا الخير- قال: وكم من مريدٍ للخير لم يصبه!

стр. 311

وكم من مريد للخير لم يصبه وهذه عبارة عظيمة جداً أهل البدع لا أحد منهم يقول: أنا أريد شراً، لا أصحاب المسابح الألفية ولا أصحاب الصلوات النارية، ولا أصحاب الأذكار الصمدية، ولا أصحاب اللطيفية، يا لطيف أربعة آلاف وأربعمائة وأربعين مرة! ولا أصحاب البدع المختلفة من الموالد وغيرها. ولا يقول: أريد بدعة، كلهم يقول: نريد الخير، نريد إحياء القلوب، نريد الذكر والحسنات، نريد الأجر، نريد التحميس، نريد الضبط وهكذا، فقال ابن مسعود: وكم من مريدٍ للخير لم يصبه! أي: فكونكم تريدون الخير، لا يبرر العمل -إذا كان العمل خطأ فالمائة الحسنة لا تبرره، يبقى العمل خطأ ولو كانت النية حسنة. ليت أصحاب البدع من الصوفية وغيرهم يفقهون هذه الكلمة، النية الحسنة لا تبرر البدعة، تبقى البدعة بدعة، والخطأ خطأ ولو كانت نية حسنة، ولو كان يقصد الخير، ولو قال لك: اجتمعنا في المولد في اثني عشر ربيع الأول لنتذكر سنة محمد ﷺ وسيرته، ولو كنتم تريدون الخير، ولو كنتم تقصدون إحياء السيرة وتذكرها، يبقى الاحتفال بالمناسبة بدعة، والاجتماع عليها بدعة، ويبقى إظهار الاحتفال والفرح بها عيدٌ مبتدع مخالف، وكم من مريدٍ للخير لم يصبه. كنتُ أناقش شخصاً قبل أيام في مسألة الاحتفال بيوم المولد، فقال: نحن نجتمع في يوم المولد ونعمل أشياء، وفينا أحد المشايخ يرى الرسول ﷺ كل ليلة في المنام، ويأخذ منه تعليمات. وهذه كارثة أيها الإخوة، يرى الرسول كل ليلة! هل الرؤية باليد، أم بالريموت كنترول؟ واحد إذا ضغط على زر يأخذ قليلاً من النوم ثم يرى رسول الله ﷺ ؟ يا ليت رؤيا النبي ﵊ بالمنام كانت مسألة باليد، إذاً لكان الواحد ضغط الزر ونام، أو يقول أذكاراً معينة وينام ويأتيه الرسول في المنام، هذا يقول: شيخنا يرى الرسول ﷺ في كل ليلة، قلت له: في كل ليلة؟! قال: لا يمر أسبوع إلا ويراه، ثم قال: يتلقى منه تعليمات، وهذه طبعاً كارثة كبيرة جداً جداً، أي: يتلقى منه تعليمات، يعني ممكن أن يقول: الكتاب والسنة الآن على جنب، وفتح باب جديد، لأن هناك تعليمات إضافية، يأتيه في المنام ويقول له تعليمات، وافعل وقل لأتباعك، وقل لأصحابك أن يفعلوا كذا كذا. وهذا هو الخطر العظيم وهذا هو الشر الداهم والمستطير أن يقال: جاءنا في المنام، لو جاءه أحد فقد جاءه إبليس قطعاً.

стр. 312

المبتدعة لا يجاوز القرآن تراقيهم وقال ابن مسعود لأصحاب حلق الذكر: إن رسول الله ﷺ حدثنا: (إن قوماً يفقهون القرآن لا يجاوز تراقيهم) لا أجر ولا ثواب ولا انتفاع، لا يجاوز الحناجر والتراقي، وايمُ الله ما أدري لعل أكثرهم منكم، هذه فراسة ابن مسعود ﵁ فراسة عجيبة! يقول ابن مسعود: أظن القوم هؤلاء الذين أخبرني النبي ﵊ عنهم، أنهم يقرءون القرآن ولا ينتفعون به، ولا يثابون ولا يأخذون منه شيئاً، مثل السهم إذا اخترق الغزال ونفذ من الطرف الآخر من سرعته وقوته، فإن السهم يخرج نظيفاً لم يعلق به من لحم وعصب الغزال شيء إطلاقاً، كما يخرج السهم من الرمية من قوس الصائد، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، وايم الله ما أدري لعل أكثرهم منكم. يقول: لعل أكثر هؤلاء منكم أنتم يا أيها الذين تذكرون بهذه الطريقة المبتدعة، ثم تولى عنهم ﵁، فقال عمرو بن أبي سلمة: رأينا عامة أولئك يطاعنون يوم النهروان مع الخوارج، فعلاً حصل، وهؤلاء كانوا في عماد جيوش الخوارج الذين قاتلوا علياً والصحابة والصالحين من المسلمين في معركة النهروان، وكان معهم ذو الثدية وهو رجلٌ أسود، مقطوع اليد، في عضده مثل حلمة ثدي المرأة، علامة على أن هؤلاء هم جيش الخوارج، ولذلك علي بن أبي طالب طلبَ أن يلتمسوه في القتلى، حتى يطمئن أنه ما قاتل مسلمين وأراق دماء مسلمين، فبحثوا فما وجدوه قال: ما كذبت ولا كذبت، لا يمكن إلا أن يكون هذا موجوداً، فبحثوا وبحثوا ووجدوه تحت الجثث مقتفياً مقتولاً، وجدوه وآيته في عضده مثل حلمة ثدي المرأة وحولها شعيرة. رجل أسود، النبي ﷺ أخبر علياً ﵁ أنه سيقاتل قوماً هذه آيتهم، ذو الثدية وفعلاً قد كانوا هؤلاء. إذاً أيها الإخوة: هذا التسبيح عبادة عظيمة قد يجعلها بعض الناس على هيئةٍ بدعية، لا يرضاها الله ولا رسوله، ولا شرعها الله ولا رسوله.

стр. 313

التسبيح باليد اليمنى ويكون التسبيح باليد، والأفضل باليمنى كما بين الصحابي كان يعقد التسبيح بيمينه، فالنبي ﷺ كما روى عمرو بن العاص: (كان يعقد التسبيح بيمينه) رواه أبو داود والترمذي وهذا الحديث يبين أن السنة أن الإنسان إذا أراد أن يعد التسبيح أن يجعل عقدة من طرف الأصبع الأنملة مع راحة اليد، هذه عقده، وهذه عقدة ثانية، وهذا طرف الإصبع مع راحة اليد، فيعقد التسبيح بيمينه ويعد ثلاثة وثلاثين وهكذا إذا أراد أن يضبط العدد، وهذا ليس فقط لضبط العدد، بل له فوائد أخرى، فإن النبي ﷺ قد أخبر أنهن مسئولاتٌ مستنطقات، أطراف الأصابع الأنامل، قال (واعقدن بالأنامل فإنهن مسئولات مستنطقات) فيوم القيامة تشهد لك هذه الأنامل بأنك ذكرت الله فيها، هذه طائفة من هذه العبادة العظيمة وهي التسبيح. نسأل الله أن يجعلنا من المسبحين ومن المستغفرين ومن التائبين، وصلى الله على نبيه الأمين.

стр. 314

الأسئلة

стр. 315

التسبيح بالسر السؤال هل التسبيح بالسر مشروع؟ أو لابد من تحريك الشفتين على الأقل؟ الجواب نعم. لا يعتبر تسبيحاً حتى تذكره، ولا يكون ذكراً حتى تتلفظ به، ولكن لا يعني أن تجهر به وتصيح، لكن لابد أن يجري نفس يتحرك اللسان والشفتان حتى يكون ذكراً تؤجر عليه، أما التأمل القلبي أو إمرار الشيء في الذهن، فلا يعتبر ذكراً إلا إن كان ذكراً بالقلب.

стр. 316

تفريق صيام الكفارة السؤال هل يجوز تفريق صيام كفارة اليمين؟ الجواب نعم. الجمهور على أنه يجوز تفريقه، وذهب ابن مسعود ﵁ إلى التتابع فيها، وقرأ القراءة المفسرة صيام ثلاثة أيام متتابعات، ولكن لو فرقها ليس عليه بأس إن شاء الله، وإذا صامها متوالية فهو أحوط.

стр. 317

مسألة في الإحرام السؤال نقل عملي من الظهران منذ ثلاث سنوات، وما زال منزلي في جدة قائماً أعود إليه في الإجازة، فمن أين يكون إحرامي؟ الجواب إذاً ما دام لك منزل هناك في ذلك المكان فأنت مخير، أن تحرم من هنا أو تحرم من منزلك هناك، أن تحرم من ميقات أهل الشرقية هنا، أو أن تحرم من منزلك في جدة.

стр. 318

صلاة التسابيح ومشروعيتها السؤال ما مشروعية صلاة التسابيح؟ الجواب هذه الصلاة قد اختلف فيها أهل العلم اختلافاً كثيراً، فقال بعضهم بمشروعيتها وذهب إلى تحسينه كالحافظ ابن حجر ﵀، وذهب إلى أنها ليست بثابتة عدد من العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فعلى حسب ما يترجح لطالب العلم يعمل، والذي ليس عنده قدرة على بحث المسألة والخروج بنتيجة، فإنه يقلد أهل العلم، فإذا سأل العالم قال له: ليست بمشروعة، فلا يجوز.

стр. 319

مسألة تقطيع أذكار الصباح والمساء السؤال أذكار الصباح والمساء هل يجوز تقطيعها؛ مثلاً يقرأ دعاءً ثم يشغله شاغل ثم يرجع ويكمل؟ الجواب نعم. هي مجموعة أذكار وأدعية لو قرأ بعضها ثم انشغل بشيء، ثم أكمل بعد ذلك فلا حرج في هذا.

стр. 320

حكم جوائز السحب في المبيعات السؤال ما حكم الجوائز من السيارات وغيرها التي توضع في بعض محلات التسويق لمن يشتري، توزع كوبونات للمشتري ثم يضعها في الصندوق ويجرى عليها السحب بالحظ؟ الجواب إذاً أنت تدفع مالاً، وتأخذ كوبوناً وقسيمةً، ويجرى عليها سحب على أمل أن تخرج لك جائزة، وهذه صورة مقامرة وميسر لا يجوز الدخول فيها؛ لأنك إنما نلت هذا أو هذه القسيمة بالمال الذي دفعته، ثم قد تغنم وقد لا تغنم شيئاً.
следующие страницы →