Полный текст (7 040 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
تفريق صيام الكفارة
السؤال
هل يجوز تفريق صيام كفارة اليمين؟
الجواب
نعم.
الجمهور على أنه يجوز تفريقه، وذهب ابن مسعود ﵁ إلى التتابع فيها، وقرأ القراءة المفسرة صيام ثلاثة أيام متتابعات، ولكن لو فرقها ليس عليه بأس إن شاء الله، وإذا صامها متوالية فهو أحوط.
стр. 317
مسألة في الإحرام
السؤال
نقل عملي من الظهران منذ ثلاث سنوات، وما زال منزلي في جدة قائماً أعود إليه في الإجازة، فمن أين يكون إحرامي؟
الجواب
إذاً ما دام لك منزل هناك في ذلك المكان فأنت مخير، أن تحرم من هنا أو تحرم من منزلك هناك، أن تحرم من ميقات أهل الشرقية هنا، أو أن تحرم من منزلك في جدة.
стр. 318
صلاة التسابيح ومشروعيتها
السؤال
ما مشروعية صلاة التسابيح؟
الجواب
هذه الصلاة قد اختلف فيها أهل العلم اختلافاً كثيراً، فقال بعضهم بمشروعيتها وذهب إلى تحسينه كالحافظ ابن حجر ﵀، وذهب إلى أنها ليست بثابتة عدد من العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فعلى حسب ما يترجح لطالب العلم يعمل، والذي ليس عنده قدرة على بحث المسألة والخروج بنتيجة، فإنه يقلد أهل العلم، فإذا سأل العالم قال له: ليست بمشروعة، فلا يجوز.
стр. 319
مسألة تقطيع أذكار الصباح والمساء
السؤال
أذكار الصباح والمساء هل يجوز تقطيعها؛ مثلاً يقرأ دعاءً ثم يشغله شاغل ثم يرجع ويكمل؟
الجواب
نعم.
هي مجموعة أذكار وأدعية لو قرأ بعضها ثم انشغل بشيء، ثم أكمل بعد ذلك فلا حرج في هذا.
стр. 320
حكم جوائز السحب في المبيعات
السؤال
ما حكم الجوائز من السيارات وغيرها التي توضع في بعض محلات التسويق لمن يشتري، توزع كوبونات للمشتري ثم يضعها في الصندوق ويجرى عليها السحب بالحظ؟
الجواب
إذاً أنت تدفع مالاً، وتأخذ كوبوناً وقسيمةً، ويجرى عليها سحب على أمل أن تخرج لك جائزة، وهذه صورة مقامرة وميسر لا يجوز الدخول فيها؛ لأنك إنما نلت هذا أو هذه القسيمة بالمال الذي دفعته، ثم قد تغنم وقد لا تغنم شيئاً.
стр. 321
حكم شراء المواد الغذائية وداخل بعضها نقود
السؤال
إذا اشتريت بعض المواد الغذائية تجد بداخلها نقوداً تصل إلى الخمسمائة ريال أحياناً؟
الجواب
هذه أيضاً لا تجوز، يجعل لك في علبة حليب خمس عشرة ريالاً، وفي علبة لا شيء، وفي أخرى خمسمائة، إذاً هذه المجازفة والمغامرة وهذا المجهول الموجود في العلبة يجعل هذا البيع ليس بجائز، لكن لو قالوا لك: العلبة هذه بخمسين فيها ثلاث ريال، أي علبة تشتريها فيها ثلاثة ريال، إذاً فالحقيقة سعر العلبة كذا، انتهت المسألة إذاً لا جهالة في العملية، لكن نقول لك: هذه العلبة يمكن فيها عشرة أو خمسة أو ريال أو لا شيء، وأنت تشتري، قد يخرج وقد لا يخرج، ثم إن هناك سلعاً متشابهة ويشترون هذه بالذات على أن يخرج فيها خمسمائة، هو أصلاً الدعاية والإعلان قائم في الغالب على التزوير، والغش والخداع، والتلبيس والضحك على عقول الناس والسذج والبسطاء، أكثر الناس يقفون هكذا في السحب من هؤلاء.
стр. 322
الدم العلامة البينة للدورة الشهرية
السؤال
الزوجة تأتيها علامات الدورة الشهرية ولا يأتي الدم، ولها خمسة أيام تأتي العلامات ولا تحدث دورها في الدم؟ الجوب: ما دامت ما رأت الدم، فهي تصوم، الدم هو البينة والعلامة القاطعة، وكذلك الكدرة والصفرة إذا جاءت في وقت العادة فهي عادة.
стр. 323
صلاة الضحى
السؤال
هل الركعتان اللتان تصليا بعد شروق الشمس في المسجد ورد فيهما حديث؟ وهل تصلى في التاسعة صباحاً؟
الجواب
نعم.
منهم من يقول: هذه صلاة الإشراق، ومنهم من يقول: هذه صلاة الضحى، ولعلها صلاة الضحى، إن شاء الله أن هاتين الركعتين صلاة الضحى، يمكن أن تصلى في أي وقت من بعد ارتفاع الشمس إلى قبيل الظهر.
стр. 324
حكم حمل الطفل في الصلاة وعليه نجاسة
السؤال
ما حكم صلاة العبد إذا كان يحمل ابنه الصغير وفيه نجاسةٌ بالبول، ولكن مع الحاجز من الحفاظات؟
الجواب
لا بأس بذلك، ما دام أن النجاسة لا تصل إلى المصلي ليس فيها رطوبةٌ تتسرب إلى المصلي، وهو يصلي فلا حرج في حمله الطفل.
стр. 325
حكم صيام كبير السن الذي لا يميز
السؤال
والدي ووالدتي لا يصومان لكبر سنهما ولا يقدران على تمييز الأوقات؟
الجواب
إذا كبر الشخص وأصابه الخرف، وصار لا يدري بالأوقات، ولا يميز الأشخاص، فقد سقط عنه التكليف فلا صلاة عليه ولا صيام، ولا يأمر بهما حيث أنه غير مكلف.
أما إذا كان هذا الكبير يعقل وإذا قيل له أن يصوم يفهم معنى الصيام، ولا زال يعرف معنى الصيام والصلاة، فإنه يأمر بهما، وإذا قلنا إنه غير مكلف وأصابه الخرف وفقد التمييز؛ فإنه لا صيام عليه ولا قضاء ولا كفارة ولا على أوليائه شيء ولا عليه شيء؛ لأنه ليس بمكلف مثل: الصبي الصغير.
стр. 326
ابتلاع اللعاب لا يفطر
السؤال
ابتلاع اللعاب الذي في الفم؟
الجواب
هذا لا يضر الصيام.
стр. 327
مسألة في الزكاة
السؤال
هل أخرج الزكاة على أرباح الشركة المساهمة التي أخذت منها نصيبي من الإرث؟
الجواب
أسهم الشركات الذي يتعامل بها هو أحد شخصين؛ إما أنه يريد باتخاذها وشرائها أن يتكسب من أرباحها ويبقيها عنده أصل، ويأخذ الأرباح ويعيش من الأرباح ويكسب من الأرباح.
الثاني: أن يقصد بشرائها المتاجرة فيها، فيشتري الأسهم ليبيعها، فالأول لا زكاة عليه إلا في المال الذي يأخذه من الأرباح إذا حال عليه الحول؛ لأنه ما اتخذ الأسهم عروض تجارة يبيع فيها ويشتري، وإنما أرادها لأجل الأرباح، فالأرباح إذا أخذها فإن الزكاة فيها.
وأما إذا كان قد اتخذ أسهم الشركات يبيع فيها ويشتري ويتاجر في الأسهم، فالزكاة عليها وعلى أرباحها، فإذا حال الحول على الأسهم المعدة للبيع والشراء ففيها زكاة في قيمتها الحالية، وإذا خرجت الأرباح ففيها الزكاة وحولها حول الأصل، ولا ينتظر بالأرباح حول مستقل، وإنما حولها حول أصل.
стр. 328
الوتر يشفع بركعة عند قيام الليل
السؤال
إذا أراد رجل أن يقوم آخر الليل فهل يصلي مع الإمام ويوتر ويكمل الركعة؟ أم لا يصلي؟
الجواب
له خياران، إما أنه يكمل الوتر مع الإمام ويشفعه بركعة، ثم يقوم ويصلي في الليل ما يريد ويوتر، وإما أن يصلي في الليل مثنى مثنى ولا يعيد الوتر ويكتفي بوتره الأول مع الإمام.
стр. 329
حكم قراءة سورة بعد الفاتحة في السنن الرواتب
السؤال
هل يجب أن يقرأ شيء من القرآن بعد الفاتحة في سنن الرواتب؟
الجواب
لا يجب ولا في الفرائض، لكن السنة أن يقرأ.
стр. 330
وقت فطر المسافر بالطائرة
السؤال
إذا كان الرجل الصائم يريد أن يسافر بالطائرة إلى مكان ليس فيه مسلمون، وأقلع بالطائرة من مدينته عند قرب الغروب، هل يعتبر كصيام أهل البلد الذين يذهب إليهم؟
الجواب
الصائم إذا أراد أن يصوم في السفر، وإذا أراد أن يحسب له اليوم كاملاً، فإنه لا يفطر إلا إذا غربت الشمس في المكان الذي هو فيه، فإن كان في الجو لا يفطر إلا إذا غربت الشمس والطائرة في الجو، وعندما يكون في الجو فهو ينتظر الغروب لا في الأرض ولا في البلد الذي سيصل إليه، ولا في البلد الذي أقلع منه، وإنما هو في الجو بحسب غروب الشمس وهو في الجو، إذا اختفت وهو في الجو أفطر ويعتبر يوماً كاملاً، وإذا أراد أن يفطر فعذره معه، وهو مسافر.
стр. 331
الاستلاف من أجل الزواج بالثانية
السؤال
هل من الحكمة الاستلاف للزواج من زوجةٍ ثانية؟
الجواب
حسب الحاجة، إذا احتاج الشخص إلى أن يتزوج زوجةً ثانية، فلا حرج عليه أن يستلف سواءً الزوجة الأولى أو الزوجة الثانية، لكن بعضهم يستلف من الزوجة الأولى لكي يتزوج عليها زوجة ثانية، فهذه قلة ذوق.
стр. 332
حكم تخصيص وقت لقراءة القرآن خلال الدوام في الشركات
السؤال
هل يجوز تخصيص وقت في نهار رمضان خلال العمل في الشركات لقراءة القرآن؟
الجواب
إذا كان هناك عمل فلا يجوز الانشغال بأي شيءٍ آخر من الفرائض، مادام أنه كان يتعارض مع العمل، فلا يجوز أن يترك العمل ويقرأ القرآن ولا يصلي والسنن وغير ذلك، وأما إذا كان لا يوجد عمل فإنه لا بأس أن يقرأ القرآن وأن يصلي النوافل، وهناك أذكار لا تتعارض مع العمل، إذا كان يكتب -مثلاً- ويستغفر الله ويسبح فلا يتعارض مع العمل.
стр. 333
حكم حبوب منع الدورة
السؤال
هل يجوز للمرأة أن تتناول حبوب منع الدورة؟
الجواب
الأفضل ألا تتناولها؛ لأن تناولها يوقع كثيراً في مشكلات تتعلق باضطرابها، وبالتالي اضطراب الصلاة والصيام.
стр. 334
حكم حلق الرأس بدون حج أو عمرة
السؤال
هل يجوز حلق الرأس كاملاً بدون الحج والعمرة؟
الجواب
إذا كان لغرضٍ صحيح طبي كعلاج أو حجامة فلا مانع، وإلا غير الحج والعمرة مكروه؛ لأن الخوارج كان من سيماهم التحليق.
стр. 335
المسافر يتم الصلاة إذا وصل إلى مدينة
السؤال
مسافر صلى المغرب ولم يجمع معها العشاء ودخل وقت العشاء ولم يصل إلى مدينته، ووصل متأخراً فصلى العشاء قصراً؟
الجواب
إذا وصل إلى بلده فلا يجوز أن يصلي العشاء قصراً لأنه صار في البلد، ويجب عليه أن يتم الصلاة.
стр. 336
الذكر في سجود السهو
السؤال
ما المشروع في سجود السهو؟
الجواب
نفس أذكار السجود الذي في الصلاة العادية.
стр. 337
المأموم لا يقف عن يسار الإمام
السؤال
هل يجوز للمأموم أن يقف عن يسار الإمام؟
الجواب
يقف عن يمينه، وإذا وقف عن يساره فعلى الإمام أن يأخذ بيده فيديره إلى الجهة اليمنى.
стр. 338
أعمال القلوب في أوقات الشدة
الدنيا جُبلت على الأكدار والمصائب والشدائد، وعندما تمر بالأمة أوقات شدة؛ فلابد لها من أمور تقوم بها حتى تزال عنها هذه الشدة أو الأزمة، وللقلوب أهمية عظيمة عند الشدائد، فمن أهم أعمال القلوب التي يحتاج إليها الإنسان في وقت الشدة: الإنابة إلى الله وصدق الرجوع إليه، وكذلك الخوف من الله وحده، والتوكل عليه والتضرع إليه، وفي ذلك فوائد عظيمة أهمها الطمأنينة.
стр. 339
القلب في أوقات المحن والشدائد
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي المتقين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الأخوة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: فلما كان لابد للمسلم أن يجتمع بإخوانه ليذكر الله وإياهم؛ خصوصاً في أوقات الشدة التي يحتاج فيها الناس كثيراً للتبصرة والتذكرة؛ التبصير بما يجب عليهم أن يعملوه، والتذكير بما ينبغي عليهم أن يتذكروه.
إن تصرفاتنا وحركاتنا وسكناتنا ينبغي أن تكون لله رب العالمين؛ إن تحركات المسلم ليست تحركاتٍ طائشة، وإن تصرفات المسلم ليست تصرفاتٍ هوجاء؛ لأنها يجب أن تكون منضبطةً بنور هذه الشريعة، وينبغي أن يكون نور الوحيين هو الذي يعمل عمله وفعله في قلوب الناس في أوقات الشدائد، وإذا كان للجوارح أعمالٌ كالصلاة والحج والجهاد، فإن للقلوب أعمالاً أعظم من ذلك بكثير؛ لأن عمل القلب ينبني عليه صلاح عمل الجوارح أو فسادها.
ولذلك فينبغي للمسلم أن يهتم بقلبه جداً في أوقات المحن -ونحن نمرُ ولا شك بمحنة- وإن الحوادث من حولنا تُوجب علينا أن نكون أكثر بصيرةً من ذي قبل، وينبغي أن تكون قلوب المسلمين حية؛ لأن القلب الميت لا خير في صاحبه.
أيها الأخوة: إن الله نزّل هذا الكتاب ليحيي به القلوب كما تحيا الأرض بماء المطر، وإنه أنزله غيثاً وهدىً وشفاءً ورحمةً للمؤمنين، وقد قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٣] ولذلك فإن الخراب إذا حصل والفِرار إذا نزل، يكون مرْجع ذلك كله إلى هذه القلوب إذا كانت خاوية، فما هي الأعمال التي ينبغي أن يعملها القلب في أوقات الشدة؟ وماذا ينبغي أن تكون حالنا عندما يبتلينا الله بمحنة؟ يقول الله : ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء:٣٥] فينظر كيف تعملون! وهذه التحركات والتصرفات محسوبةٌ علينا، وسنبعث ونرجع جميعاً إلى الله : ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزمر:٧].
ما مدة لبثنا في هذه الدنيا؛ وما طول مقامنا فيها؟ لا شيء بالنسبة لما سيأتي بعد الموت من الحياة الدائمة الخالدة المستقرة في الدار الآخرة، ولذلك لابد أن نُري الله من أنفسنا خيراً، ولابد أن نأخذ للأمر أهبته، وللميدان عدته حتى تتحد هذه القلوب في مواجهة الشر والكفر، وليكون المسلمون يداً واحدة أمام عدوهم.
стр. 340
وجوب الإنابة إلى الله وقت الشدة
أيها الأخوة: إن القلوب في أوقات الشدة هي التي تعمل، ومن أعمال القلوب المهمة إذا حصلت الشدائد: الإنابة إلى الله كما قال تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر:٥٤].
ولما مدح الله تعالى داود قال: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ﴾ [ص:٢٤] وقوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق:٣١ - ٣٣].
فإذا أنابت القلوب إلى الله في وقت الشدة حصل الخير وثبت الناس، الإنابة إلى الله هي الرجوع إليه والأوبة، والتوبة إليه .
قال تعالى: ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾ [غافر:١٣] ولذلك فإن مما يمتد من أثر الإنابة التذكر؛ والتذكر عملٌ آخر من أعمال القلب، كما قال : ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة:٢٦٩] ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الحاقة:٤٨] ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:٣٧].
فمن كان له قلب يتذكر، ومن ليس له قلب لا يتذكر، ولذلك فإن القلوب على ثلاثة أنواع: القلب الأول: ميت لا خير فيه، ولا يُرجى منه شيءٌ أبداً.
القلب الثاني: حيٌ لكنه لم يستمع للآيات، إما لأنها لم تصل إليه، وإما لأنه انشغل عنها.
القلب الثالث: حيٌ مستعدٌ تليت عليه الآيات فأصغى بسمعه، وأحضر قلبه فهو شاهد القلب ملقٍ للسمع، فهذا هو الذي ينتفع، فصاحب القلب الأول مثله كمثل الأعمى لا يرى شيئاً.
صاحب القلب الثاني بمنزلة البصير الطامح ببصره إلى غير الجهة التي تنفعه.
وصاحب القلب الثالث هو البصير المحدق إلى جهة المنظور، فهو يرى وينتفع.
стр. 341
النصوص الشرعية وربطها بالواقع
لابد من الربط بين الآيات وبين الواقع، إذا كُنا نريد أن نكون أولي قلوب فعلاً ونتذكر، فينبغي أن نربط بين الآيات وبين الواقع، لأن هذه الآيات -أيها الإخوة- نزلت لعلاج الواقع، فهي تتلكم عن الواقع؛ لأن الله يعلم ماذا سيحدث في هذا الزمن، والله نزل القرآن لكي يستفيد منه المسلمون في كل زمن، ولذلك ينبغي أن تكون نقطة الانطلاق من هذا القرآن، إن الذين لا يرجعون إلى القرآن في النظر إلى الأحوال الموجودة الآن يخيبون كثيراً، لا تسدد لهم رمية، ولا يكون لهم رأيٌ مصيب أبداً.
ولذلك فإن قراءة القرآن وتطبيقه على الواقع هو أن ننظر: ما المقصود من الآية بهذا الواقع؟ كيف نربط القرآن بالواقع؟ كيف نقرأ ونفكر في الواقع؟ ونحن نقرأ نتدبر ونربط بالواقع ونقول: نعم.
هذا ما أخبرنا به ربنا، ونقول في آيةٍ أخرى: نعم.
هذا ما حذرنا منه الله ، ونقول عند آية ثالثة: نعم.
هذه سنة الله في الكون تعمل لحظةً بلحظة، وساعةً بساعة، ويوماً بيوم، ونقول في آيةٍ رابعة: نعم.
هذه شروط النصر، لو تكاملت لتحقق النصر، ونقول في آيةٍ خامسة: نعم.
هذا هو الجزاء الذي وعد الله به الفسقة المجرمين وهكذا، هذا جزاء ما توعدهم به ربنا يحصل الآن في الواقع، نعم.
هذا الظلم بعينه، نعم.
هذه عاقبة الظالم: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً﴾ [آل عمران:١٧٨].
ونحن يمكن أن نعرف النتائج من القرآن سلفاً، صحيح أننا قد لا نعلمها بالتفصيل؛ لأن علم الغيب بالتفصيل مما اختص به رب العالمين، لكن الله أخبرنا عن أشياء، وقال: إذا حصل كذا، فسيحدث كذا.
ولذلك عندما ننظر في الواقع سنرى الآيات تتطبق فعلاً وتتحقق، فإذا كنا نعلم أن الله لابد أن يجعل لكل ظالمٍ نهاية، فإذا حدث ظلمٌ في الأرض فنحن نعلم حقيقةً ماذا ستكون النتيجة.
وإذا أخبر الله بسقوط مجتمعاتٍ بأكملها إذا فشت فيها أدواءٌ معينة، فإننا سنعلم أن هذه المجتمعات ستسقط ولا شك، نعلم هذا سلفاً.
ما من قريةٍ فشى فيها الربا والزنا إلا استحقت عذاب الله، نعلم أنه لابد أن يقع.
فإذاً يمكن للآيات أن تنبئنا بما سيحدث، وإذا أخبر الله بأن من يعتصم به ينجو، ومن يعتصم بغيره يهلك، فإننا سنعلم النتيجة سلفاً من خلال هذه الآيات.
وليس كل الناس ينظرون إلى الواقع من خلال القرآن، وإنما ينظرون بعينٍ مجردة عن أثر القرآن، فلذلك تخيب الأشياء وتصبح مجرد احتمالات بشرية، ولكن المؤمن لا يخيب نظره، ولذلك كان من أعمال القلب الاعتصام بالله : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج:٧٨].
والاعتصام به : أي: التمسك بدينه، والتمسك بعهده وكتابه وحبله ، وهذا القرآن حبلُ الله، طرفه الأول عند الله، وطرفه الثاني بأيدينا، فإذا تمسكنا به لن نضل أبداً، والاعتصام بكتاب بالله وعهد الله يعصم الإنسان من الضلالة ويُوجب له الهداية، ويُكسبه القوة، ويبعد عنه الهزيمة.
ولذلك كان لابد أن ندور مع القرآن حيثما دار، لابد أن نتمسك في وقت الشدة -أيها الأخوة- بهذا النور ولا نحيد عنه، وإن تصرفات العامة في الأزمات غير منضبطة بالقرآن في كثيرٍ من الأحيان، لكن يمكن أن تجد من بين الناس رجلاً حضرت لديه أنوار هذا التنزيل، فصار يتصرف من خلالها، فهو لا يخطو خطوة ولا يتقدم ولا يتأخر إلا على نورٍ من ربه.
ولذلك فإن الناس في مواقفهم وآرائهم قد يخيبون كثيراً، إلا الذين اعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله، فإنك تجد آراءهم سديدة، ومواقفهم لا تتغير مع الزمن، وتجد الموقف في أول الحدث هو الموقف عند نهاية الحدث لم يتغير؛ لأنه كان منطلقاً من الكتاب والسنة، ليس منطلقاً من الآراء ولا من كلام البشر، ولا من الحسابات الدنيوية.
стр. 342
الخوف من الله عمل قلبي له فوائد
ثم إن من أعمال القلب الخوف من الله لا من غيره، وإذا نزلت الشدائد وادلهمت الخطوب، فإن كثيراً من الناس يخافون، قد يخافون من قعقعة السلاح، وقد يخافون من خطرٍ وشيكٍ يوشك أن يُحدق بهم، وقد يخافون من عدوٍ أو مرضٍ أو سيلٍ ونحو ذلك من أنواع المصائب الحادثة.
ولكن القلوب تختلف، فمن الناس مَنْ قلوبهم موصولةٌ بالله، فإذا نزلت المصيبة وجاءت الأحداث لا تتزلزل كياناتهم، ولم تضطرب مواقفهم وتتزعزع، ولا يجرون في جميع الاتجاهات لا يدرون إلى أين يذهبون! ولا ترى الواحد منهم إذا نزل الخوف يفر فراراً لا يلوي على شيء، حتى إذا ابتعد بمسافةٍ طويلة توقف وقال: إلى أين أذهب الآن، وماذا أفعل؟! خطوات غير محسوبة، لأن الخوف كان مهيمناً على قلبه فنتج هذا الاضطراب، ولكن المسلم الذي يُسلم أمره لله ويعلم قول الله : ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥] الذي يخشى الله فقط ولا يخشى أحداً إلا الله، فإن الله يثبته؛ لأن الشرور -أيها الأخوة- لا تنتهي، قد يحصل بك شر وتعتصم بأحد البشر فينقذك، لكن غداً يحصل لك شرٌ آخر فلا ينجيك أحد.
стр. 343
خوفك من الله يجعلك تفر إليه
لن تجد من يقف بجانبك طيلة حدوث الأحداث المتكررة إلا الله ، إذا خفت منه وهربت إليه فإن الله يكون معك في جميع الأحداث، ولذلك فإن الله يداول الأيام بين الناس، والذي يحسم مادة الخوف ويقضي على الخوف والذعر هو التسليم لله، فإن من سلم لله واستسلم له وعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له، لم يبقَ لخوف المخلوقين في قلبه موضعٌ أبداً.
فإن النفس التي يخاف عليها قد سلمها إلى وليها وبارئها وخالقها ، وعلم أنه لا يصيبها إلا ما قدر الله لها، وأن ما كتب لها لابد أن يصيبها، وأن ما لم يكتب فلا يمكن أن يصيبها، هذا الذي يحسم مادة الخوف نهائياً وهذا هو الذي يجعل الإنسان مطمئناً.
стр. 344
من نتائج الخوف من الله الطمأنينة
مشكلتنا -أيها الأخوة- أننا نُذعر ونخاف وننسى بسرعة، تصرفاتنا غير موزونة وغير مضبوطةٍ بموازين الشريعة، ولذلك فإذا كان الخوف من الله لا من غيره؛ فإن الطمأنينة تنزل تلقائياً في القلب والطمأنينة عملٌ آخر من أعمال القلوب: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] ذكر الله هو القرآن.
والذي يُعرض عن القرآن يتزلزل قلبه، ويضطرب عيشه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ كلامي، القرآن: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦] هذه التي من المفروض أن تتذكرها لتنجو وتثبت، وتكون لك حياةٌ سعيدة، وعيشة رغيدة، ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٢٧].
وكان من دعاء بعض السلف: اللهم هب لي نفساً مطمئنةً إليك، وإذا طال الخوف على الإنسان واشتد به وأراد الله أن يريحه ويحمل عنه، أنزل عليه السكينة فاستراح قلبه إلى الرجاء واطمئن به، وسكن لهيب خوفه.
ولذلك كان للعلماء المذكرين بالله أدوارٌ مهمة في تثبيت الناس، فلما كان ابن القيم ﵀ يتكلم عن نفسه وعن صحبه عندما تنزل بهم الخطوب، وكان لهم أعداء كُثر بسبب تمسكهم بالسنة، فإنهم عند تزلزل الأمور كانوا يذهبون إلى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فيجلسون إليه، يقول: فما هو إلا أن نسمع كلامه حتى ترتاح القلوب وتهدأ النفوس وتطمئن، والطمأنينة بذكر الله وبمجالسة أولياء الله من الأسباب التي تُحدث الثبات في القلب.
ومن أنواع الطمأنينة: الطمأنينة إلى حكم الله وما يقع من المصائب والأحداث، وإذا علمت أن ما شاء الله كان وأن ما لم يشأ لم يكن، فلا معنى للجزع والقلق، فإن الشيء المحذور إذا قُدِّر فلا سبيل إلى صرفه.
لقد هرب أناسٌ كثيرون خوفاً من هذه المنطقة، فلما ركبوا الطريق ساروا في سياراتهم وحصل على بعضهم من الحوادث ما قضى به نحبه، وقد كان خائفاً من شيء، فإذا منيته تكون في أمرٍ آخر، وإذا بالشيء الذي هرب منه قد ساقه إلى أمرٍ آخر كان فيه هلاكه وحتفه:
ما قد قضى يا نفس فاصطبري له ولكِ الأمان من الذي لم يقدرِ
وتحققي أن المقدر كائنٌ يجري عليك حذرتِ أم لم تحذري
стр. 345
الخوف من الله سبب لعدم الأمن من مكر الله
والخوف من الله يستوجب أمراً آخر من مهمات القلوب، وهو عدم الأمن من مكر الله ، لذلك يقول الله : ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل:٤٥ - ٤٧].
هذه الآيات عين الواقع بالضبط، هؤلاء الذين مكروا السيئات فعملوها، ودعوا الناس إليها، وحرضوهم عليها، وشجعوهم على فعلها، هؤلاء الذين يمكرون بالناس في دعائهم إياهم للمعاصي، هؤلاء: أأمنوا أن يخسف الله بهم الأرض؟ ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [النحل:٤٥ - ٤٦].
وتقلبهم هو تنقلهم في الأسفار وغيرها، وتغيرهم في أحوالهم، ولذلك قال الله في آيةٍ أخرى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٧ - ٩٩].
فإذاً الناس عندما يؤخذون بالعذاب على أنواع: فمنهم من يأخذه الله وهو مطمئن نائم, ومنهم من يأخذه الله وهو يلعب ويلهو، أو مشغول بالدنيا، فيأتيه العذاب فجأة، ومنهم من يأخذه الله وهو يخاف من وقوع العذاب عليه.
ولذلك إذا أخذ الله غيرنا بعذابٍ وهم نائمون مطمئنون، فنحن الآن في مرحلة نخشى أن يأخذنا الله بعذابٍ ونحن على تخوف.
لابد -أيها الأخوة- أن نفقه الآيات، ولذلك سنعيد قراءتها: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل:٤٥] أي: لا يتوقعون، لم يدر في بالهم أن الله سيفعل بهم ما فعل، أو يأخذهم في تقلبهم وهم في أسفارهم وذهابهم ومجيئهم، أخذهم الله فأصيبوا فما هم بمعجزين، يصل إليهم الأثر وهم في أقصى الدنيا.
ولذلك لما أنزل الله بعاد عذاباً كان منهم قومٌ مسافرون إلى مكان بعيد عن مكان الحدث، فذهب إليهم العذاب فأخذهم في سفرهم! الحالة الثالثة: أو يأخذهم على تخوف، أي: هم يترقبون أن يحدث شيء، فيأخذهم الله في حال الخشية وفي حال الخوف: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ [النحل:٤٧] وهم خائفون وجلون مضطربون يخشون حدوث شيء، فيأخذهم الله ، أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرءوفٌ رحيم.
كيف يكون رءوفاً رحيماً؟ إذا لم يعاجلهم بالعقوبة ، قد يأخذهم مباشرة، وقد يأخذهم بعد إمهال، وقد يأخذهم على تخوف ويكون من أشد أنواع الأخذ، لأنه قد اجتمع عليهم الخوف والعذاب، ولذلك لابد من العودة إلى الله، فنحن الآن في مرحلة مصيرية وفي لحظات عصيبة.
وبعض الناس الذين ناموا انتبهوا لحظات، ثم ناموا ورجعوا للغفلة، فعليهم أن ينتبهوا، أفأمنوا أن يأخذهم الله على تخوف، فإن ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليمٌ شديد؛ إذا جاءت غاشية من عذاب الله، فإنها لا تبقي ولا تذر.
وتأمل قوله : ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ [الأعراف:٩٧] والنوم يأتي من الطمأنينة، أناس مطمئنون لا يحسبون في حسابهم أي شيء، فينام الإنسان فيأتيه العذاب وهو نائم، كما فعل الله بأقوامٍ كُثر، أتاهم العذاب وهم نائمون.
﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف:٩٨] وإنما يلعب الناس إذا توفر لهم الرزق، وتوفر لهم رغد المعيشة، وكان عندهم سعة، فإنهم لا يحتاجون لطلب الرزق، فلذلك يلهون ويلعبون، وينشغلون بكل الملهيات، ولو كانوا في ضنك لذهبوا يطلبون الرزق، ولكن أمنوا مكر الله واغتروا بالنعمة ولم يشكروها، فيلعبوا في سائر الأوقات بالمعاصي وبالمنكرات، فيأتيهم العذاب ضحى وهم يلعبون؛ فيكون مفاجئاً لهم، وهذا دليل أمنهم من مكر الله، ولو كانوا يخشون الله ما ناموا ولعبوا، ولصلوا وقاموا وعبدوا الله، وفعلوا كما كان يفعل رسول ﷺ .
فلم يكن نومه ﵊ غفلة، وإنما كان عبادة، ولذلك فإنه لابد للعباد أن يفيئوا إلى الله في وقت الشدة، وأن يتوكلوا على الله.
стр. 346
التوكل على الله
من أهم أعمال القلوب: التوكل على الله.
﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣] ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٣] ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٧٣ - ١٧٤] هذا كان عاقبة الذين يتوكلون على الله، كفاهم الله الشر والعذاب وكفاهم بأس عدوهم غانمين سالمين، وأرجعهم يعبدون الله ويتبعون رضوانه.
стр. 347
رسول الله وتوكله على الله
كان ﷺ يقول في دعائه وذكره لربه: (اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت) وكان يفوض أمره إلى ربه حتى عند النوم يقول: (أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، رغبةً ورهبةً إليك) واعتماده على الله .
والتوكل يمكن أن نعرفه بأن نقول: هو تفويض الأمر إلى الله، والتعلق بالله في كل حال، وقطع علائق القلب عن غير الله، كل علاقة بغير الله نقطعها، والاعتماد على الله في حصول المطلوب وزوال المكروب مع الأخذ بالأسباب، هذا تعريف التوكل.
стр. 348
موسى ينصح قومه بالتوكل على الله
موسى ﵇ لما أرسله الله لبني إسرائيل وكانوا في اضطهاد وظلم قال: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ [يونس:٨٧] اجعلوها عامرة بذكر الله؛ لأن هذا الذي ينجي في الأخطار، وهذا الذي يصبر الناس، فماذا قال موسى لقومه؟ وقال موسى لقومه لمن آمن به: ﴿يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ * فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [يونس:٨٤ - ٨٥] ولذلك لابد أن يواطئ اللسان القلب؛ فالقلب متوكل واللسان يقول: توكلنا على الله، واللسان يقول: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [الممتحنة:٤].
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤] أي: يكفيك ويكفي المؤمنين الذين اتبعوك، فهو حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين، ولذلك -أيها الأخوة- ثبت من خلال الأحداث بالدليل القاطع أن جمع الأموال وتخزين الأطعمة لا يفيد شيئاً أبداً إذا نزل عذاب الله، فالأموال تذهب كلها، والعدو يستولي عليك وعلى طعامك.
стр. 349
تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة
ما الذي ندخره للحظات الشدة؟! التوكل على الله وعبادته، من سره أن يكون الله معه في وقت الشدة، فليكن مع الله في وقت الرخاء، ونحن يمكن أن نجني ثمرات ما زرعناه في الماضي من وقت الرخاء عندما نكون الآن في وقت الشدة، فإذا لم نكن قد زرعنا شيئاً فلنستغل الفرصة الآن، فيمكن أن نعبد الله، وأن نتجه إلى المساجد، وأن نصلي ونحن مطمئنون، وأن نتصدق ونخرج من أموالنا، إن أناساً حرموا من الصدقات، قد يريد الصدقة لكن لا مجال أن يتصدق، واليوم صاروا يُتَصدَّق عليهم، ناس كانوا يقولون: هل رأيتم الفقر، فإنا هذا دفناه؟ ناس قالوها في السنوات الماضية والآن صاروا يقبلون ما يُعطى لأولادهم من الثياب المستخدمة، واحد كان عنده خمسين مليون ديناراً، لكنه يقتسم الآن هو وخادمه رغيفاً من الخبز.
والله الذي لا إله إلا هو -أيها الأخوة- إذا لم تهزنا الأحداث وتجعلنا نفيء إلى الله ، فإن الله إذا أخذنا فإنه سيأخذنا أخذ عزيزٍ مقتدر، ولذلك فالحق نفسك أيها المسلم.
أكثر من العبادات الصدقات توكل على الله اجمع قلبك على الله! لا تشتت نفسك بالتوكل على غير الله، فإن من توكل على غير الله ذل.
والعوام كثيرٌ منهم هوام، لا يعتقدون بالعقيدة الصحيحة في التوكل، ولذلك تجدهم مساكين في ألفاظهم ومعتقداتهم، نسوا قضية التوكل على الله، الناس الآن يتعلقون بأي قشة ونسوا التوكل على الله .
﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام:١٣٤] ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [التكوير:٢٦] وإلى أين تهربون؟!! ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور:٧ - ٨].
أين ثمود؟ أين فرعون ذو الأوتاد؛ الذين طغوا في البلاد؛ فأكثروا فيها الفساد؟ هل كان هناك أشد من فرعون ومن معه من جنده؟! أو أشد من ثمود الذين قطعوا الصخر، وعملوا هذه البيوت التي بقيت إلى الآن:: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات:١٣٧ - ١٣٨].
إذاً مسألة التجميع والاستكثار من الدنيا لا تنفع أبداً وقت الأزمة، وما ينفع إلا بالإيمان بالله، فإن كان عندك رصيد من الإيمان نفعك وقت الشدة، وإلا فيمكن أن تصيبك سكتة أو أي شيء من الأمور المفزعة والمضطربة، أو صدمة نفسية وعصبية، لكن المسلم المعتصم بالله، لو أصابته شدة ينقذه الله.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال تعالى: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف:١٦٥].
لكن الله يمهل فيظن الناس أنه ما أخذ ولن يؤخذ مع أن العذاب قريب: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف:٢٤ - ٢٥].
стр. 350
الولاء والبراء
أيها الأخوة: من أعمال القلب: تجديد الولاء والبراء الحق، الولاء لله والبراء من أعداء الله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [المائدة:٥٥] من هم أولياؤنا؟ من هم أحبابنا؟ من هم المقربون إلينا؟ إنهم أولياء الله، إنهم المسلمون المطيعون لله في كل مكان، هؤلاء هم أولياؤنا.
من هم أعداؤنا؟ هم أعداء الله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾ [النساء:٤٥] كل عدوٍ لله فهو عدونا، وكل عابدٍ لله فهو صديقنا وأخونا وحبيبنا ومقربٌ إلينا، فلابد أن نتولى الله ورسوله والذين آمنوا، ولابد أن نتبرأ من كل كفرٍ وكافر، وكل شركٍ ومشرك، وكل بدعةٍ ومبتدع، ولابد أن نتبرأ من كل معصيةٍ وفسقٍ وظلمٍ، ونجدد الولاء لله، وهذه قضية قلبية، فمحل الولاء والبراء في القلب.
الولاء المقتضي للمحبة: يكون بواسطة القلب، والبراء المقتضي للبغض والعداوة يكون في القلب، ثم تكون أعمال الجوارح بناءً على أعمال القلوب.
فإذاً عندما تضيع الولاءات وتختلط لابد من هزيمة قريبةٍ أو بعيدة، وعندما يتحقق الولاء لله ، فإن الله ناصرٌ أولياءه ولا شك: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١] ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة:٢١].
стр. 351
البصيرة
ومن أعمال القلب أيضاً البصيرة، والبصيرة هي النظر في الواقع من خلال النور الذي يقذفه الله في قلوب من يشاء من عباده، فإذا قذف الله نوره في قلب عبدٍ مؤمن، فإنه يرى ما أخبرت به الرسل كأنه رأي عين: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف:١٠٨] فلا أدعو على جهل ولا غفلة، بل أدعو إلى الله على بصيرة، ولا أدعو من منطلقات غيري ومبادئ غيري، بل أدعو إلى الله على بصيرة من ربي: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦].
البصيرة بالضبط هي معرفة الحق، تمر بالمسلمين مسائل كثيرة -خصوصاً في أوقات الشدة والمحنة- لا يدرون أين الحق فيها، يضطربون من قائلٍ يقول: هذا هو الحق، ومن قائلٍ يقول: هذا العالِم هو الذي معه الحق، وآخر يقول: هذه الفتوى هي الفتوى الصحيحة، وثالث يقول: الرأي هذا هو الرأي الصواب.
يضطرب الناس ويموجون ويختلطون، لكن أين الحق؟ من الذي يدلك على الحق؟ البصيرة.
стр. 352
من أين تأتي البصيرة ؟
أيها الأخوة: البصيرة التي تأتي بالتفقه بالدين، والتي تأتي بعبادة الله، البصيرة التي تأتي بالإقبال على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، الذي يقوم بهذه الأعمال يقذف الله في قلبه نوراً يعرف به الحق من الباطل.
ولذلك عندما تختلط عليك الأمور فراجع قلبك؛ لأن معناه أن البصيرة فيها خلل.
إذا غبشت عندك الصورة في محنة فلم تدر أين الحق، وتقول: أرى أناساً يقولون كذا، وأناساً يقولون كذا، وأسمع من هذا، ومن مصدرٍ آخر أين الحق؟ ما هو الحق؟ ما هو الصواب؟ إذا اختلفت الأمور فراجع قلبك.
ولذلك كان شيخ الإسلام ﵀ يقول: يا معلم إبراهيم علمني، ويا مفهم سليمان فهمني، يلجأ إلى الله بالدعاء، حتى يكشف له الحق: (اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراطٍ مستقيم).
стр. 353
فائدة البصيرة
إذا كان عندك بصيرة، فإن أي حدث يحدث سيكون عندك فيه وضوح رؤية، حتى في الأحكام الشرعية والفتاوى الفقهية، إذا ما تبينت لك المسألة فالجأ إلى الله وقل: يا معلم إبراهيم! علمني، ويا مفهم سليمان! فهمني، وقبل ذلك قل هذا الدعاء الذي كان ﷺ يقوم الليل ويدعو به: (اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك) لماذا نحن نتخبط ونلجأ إلى هذا وهذا، وننسى شيئاً مهماً جداً وهو اللجوء إلى الله؟ ولذلك أيها الأخوة! البصيرة تقتضي كما ذكرنا عبادة، وتقتضي تفقهاً في الدين، ولذلك أنا أنصح كل أخٍ اختلط عليه حكم مسألة من المسائل وأقول له: ابحث فيها بنفسك، افترض أنك تريد معرفة حكم شرعي، في مسألة فقهية، فارجع إلى كتب العلم، انظر ماذا قال أهل العلم في هذه المسألة، وما هي الأدلة، أليس عيباً أن كثيراً من الشباب يضطربون في مسائل فقهية من الواقع الحادث ويقولون: لا ندري هل هذا الحق أو هذا، هذه الفتوى صح أم خطأ، وبين أيديهم كتب ومراجع يستطيعون الرجوع إليها وبحث المسائل فيها؟! لكن نحن تعودنا على الكسل نقول: نريد كل شيء يأتي إلينا جاهزاً، نحن ما عندنا استعداد للبحث، ووالله لو قرأنا وتفقهنا لعرفنا، فيمكن ذلك بقراءة وتفقه، وبمناقشة أهل العلم، ودعاء لله وإخلاص له وتضرع، بهذه كلها نصل إلى الحق.
стр. 354
الاعتبار بالواقع
ومن أعمال القلوب: الاعتبار، الاعتبار: أخذ العبرة من الواقع: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْأِنْسَانُ كَفُوراً * أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً * أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً﴾ [الإسراء:٦٧ - ٦٩].
الآن -أيها الأخوة- إذا حدثت شدة، أو أزمة، المفروض أن نعتبر ومعنى نعتبر أي: أن تحملنا مصيبة غيرنا -مثلاً- على سلوك السبيل السوي، أو تحملنا المصيبة التي وقعت بنا نحن على تعديل مسلكنا ومنهجنا.
يا أخي! أنت تعيش في بلد فحصلت عليك مصيبة، ما هو المفروض عليك؟ عليك أن تعتبر فتتوب إلى الله، وتغير طريقتك، وكذلك جيرانك: واحد نزلت به مصيبة، ماذا ينبغي عليه؟ أن يعتبر فيما نزل به، يتعظ بما نزل به، ويأوي إلى الله، يرجع يتوب ينيب، وماذا ينبغي على جيرانه من حوله؟ ينبغي عليهم أن يعتبروا بمصابه هو، فيقولون: نخشى أن يصيبنا ما أصابهم، فيتوبوا إلى الله هم أيضاً.
стр. 355
الله جل وعلا يأمرنا بالاعتبار من واقعنا
وهذه الآيات مهمة بالنسبة للذين لا يعتبرون: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٦٧] لا أحد أبداً تدعونه إلا الله ، ﴿ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْأِنْسَانُ كَفُوراً﴾ [الإسراء٦٧].
انظر الآن إلى المناقشة: أنت يا أيها الذي نجوت الآن من البحر!! يا أيها الناجون الذين أشركوا وأعرضوا بعد نجاتهم -بدلاً من أن يقابلوا نعمة النجاة بشكرٍ لها؛ من الإقبال على الله وترك المعاصي أعرضوا- أنتم أيها المعرضون بعد النجاة: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ﴾ [الإسراء:٦٨] هل إذا رجعت إلى البر لا يستطيع الله أن يخسف بك البر؟! ويزلزل بك الأرض؟ بل يستطيع ، فهو على كل شيء قدير: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام٦٥] ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ﴾ [الإسراء:٦٨] أنتم الذين نجوتم وأشركتم، بعد أن خرجتم إلى اليابسة، وقلتم الآن وصلنا إلى بر الأمان، أتضمن ألا يخسف بك جانب البر: ﴿أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ [الإسراء٦٨] مطر فيه حجارة: ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً﴾ [الإسراء٦٨].
سبحان الله العظيم! ربنا عندما يناقش هؤلاء الناس فإن المناقشة في الصميم، لكن المشكلة عدم وجود الذي يعتبر ويفهم؟ ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى﴾ [الإسراء:٦٩] أي: هل لن تركب البحر أبداً؟ ألن تعرض لك حاجة وتركب البحر مرة ثانية؟! ممكن: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ﴾ [الإسراء:٦٩] إي والله قد يرجعك مرة ثانية في البحر، لكن هذه المرة يرسل عليك قاصفاً من الريح، فيهدم صواري السفن، ويغرق المراكب ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً﴾ [الاسراء:٦٩] أي: لا تجدوا أحداً يأخذ بثأركم.
ولذلك هناك أناس اعتبروا من هذه المواقف، وإليكم مثالاً على ذلك:
следующие страницы →