← Джавами‘

Джавами‘ · id 7704

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (7 040 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

طلب الناس من إبراهيم الشفاعة لهم يقول موسى ﵇: (ائتوا إبراهيم الذي اتخذه الله خليلا -خليل الله- فيأتون إبراهيم ويقولون: يا إبراهيم! أنت نبي الله، وخليله من أهل الأرض، قم اشفع لنا إلى ربك، فيقول: لست هناكم ويذكر خطيئته التي أصاب فيستحيي من ربه منها، ليس ذاكم عندي، إني كنت قد كذبت ثلاث كذبات - قوله: إني سقيم، وقوله: بل فعله كبيرهم هذا، وقوله لامرأته: أخبريهم أني أخوك، ما منها كذبة إلا أنه يجادل عن دين الله وما قصد الكذب لأجل الكذب، وإنما أشياء قالها لينافح بها عن دين الله، يعني: كذب في سبيل الله وفي ذات الله، فيتواضع إبراهيم ﵇ ويقول:- إنما كنت خليلاً من وراء وراء). فكأنه يقول: لست على منزلة الخليل الذي هو النبي ﷺ ، تواضع وقال: كنت خليلاً من وراء وراء وكأنه يقول: أنا أعطيت الوحي بواسطة جبريل، يحولهم على واحد آخر موسى، لماذا؟ يقول: كلمه الله بلا واسطة، أنا خليل من وراء وراء، أنا مكلم من وراء جبريل بواسطة موسى بدون واسطة اذهبوا إلى موسى. طبعاً الكلمات التي كذب بها إبراهيم ﵇ كانت من المعاريض، لأنه لما قال: إني سقيم، يحتمل السقم الذي هو مرض، ويحتمل مرض البدن ويحتمل مرض النفس، مريض من كفركم وشرككم، شرككم سبب لي مرض النفس. ولما قال: بل فعله كبيرهم هذا هل هو أشار إلى إصبعه تورية، أو أنه أراد أن يسألوا هذا الصنم ويكون ذلك توبيخاً لهم عندما يرجعون إلى أنفسهم ويعلمون أن هذا الصنم لا يتكلم، كيف يسألونه؟ والملك الكافر لما أراد أن يأخذ زوجة إبراهيم، ولو أخبرتهم أنها زوجة إبراهيم يعلم أنه لا سبيل لأخذها إلا بقتل إبراهيم فيقتل إبراهيم، لكن إذا قالت: أخته قد يبقي على إبراهيم حياً ويخطبها منه، ولذلك قال: إذا سألك فقولي له إنك أختي، وهذه لها تأويل أنها أخته في الإسلام. فالثلاثة هذه من معاريض الكلام، لكن لما كانت صورتها صورة الكذب؛ لأن التورية الآن صورتها صورة كذب، لكنها في الحقيقة ليست بكذب، لكن الصورة صورة كذب، فلأن هذه الثالثة صورتها صورة كذب أشفق منها استصغاراً لنفسه عن الشفاعة، وخشي منها مع أنها توريات وليست كذبات. وتواضع إبراهيم ﵇ وقال: أنما كنت خليلاً من وراء وراء، اذهبوا إلى واحد ليس من وراء وراء، موسى كلمه الله وأعطاه التوراة، كليم الله وكلمه تكليماً وقربه نجياً.

стр. 2907

ذهاب الناس إلى موسى ليشفع لهم بعد رفض آدم لطلب الناس بالاعتذار لهم، يأتون إلى موسى فيقولون: (يا موسى! أنت رسول الله فضلك الله برسالته وكلامه على الناس اشفع لنا، فذكر مثل آدم قولاً وجواباً) لكنه قال: (إني قتلت نفساً لم أؤمر بقتلها) يتذكر الكلام الذي صار، مع أن هذا قبل أن يكون نبياً، والذي قتله كافر قبطي من قوم فرعون ومع ذلك قال: إني قتلت نفساً لم أؤمر بقتلها لست هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب وهي قتل النفس فيستحيي ربه منها ويقول: (حسبي أن يغفر لي اليوم، حسبي، ائتوا عيسى روح الله وكلمته وفي رواية: عبد الله ورسوله وكلمته وروحه فإنه كان يبرأ الأكمة والأبرص ويحيي الموتى).

стр. 2908

عيسى يدل الناس على رسول الله ﷺ موسى يخبر الناس بأنه قد قتل نفساً، ولا يريد من الله إلا أن يغفر له، ولا يستطيع أن يشفع للناس في بدء الحساب ويدلهم على عيسى ﵇ فيأتون عيسى فيقول: لست هناكم، يقولون: يا عيسى! أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم ورح منه، وكلم الناس في المهد صبياً، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه، فيذكر مثل آدم قولاً وجواباً: لست هناكم لكن لم يذكر ذنباً. عيسى ما ذكر ذنباً لكن يقول: أنا لست على مستوى طلب الشفاعة لست بهذا المقام، لست هناكم، ويقول في رواية: (إني عُبِدت من دون الله، إني اتُخِذت إلهاً من دون الله) مع أنه ليس ذنباً منه ولا قصد ولا أراد ولا رضي، لكن يقول ذلك تواضعاً. الآن هؤلاء الأنبياء يقولون اليوم: إذا غفر لنا يكفينا، فما بال بقية الناس؟ ثم يقول عيسى ﵇: (ائتوا محمد ﷺ فقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، انطلقوا إلى من جاء اليوم مغفوراً له وليس عليه ذنب وخاتم النبيين، أرأيتم لو كان هناك متاع في وعاء وقد ختم عليه، أكان يقدر على ما في الوعاء حتى يفض الخاتم؟) هل تستطيع أن تأخذ شيئاً من الوعاء من غير فض الخاتم، فيرجعون إلى هذا الذي قيل لهم أول من تنشق عنه الأرض، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وعندما يأتون إلى النبي ﵊ يقول كما جاء في رواية: (إني لقائم انتظر أمتي يعبرون الصراط إذ جاء عيسى فقال: يا محمد! هذه الأنبياء قد جاءتك يسألون لتدعو الله أن يفرق جمع الأمم إلى حيث يشاء لغم ما هم فيه) فأين يكون النبي ﵊؟ عند الصراط ومعه لواء الحمد، بعدما تلف القضية على الأنبياء واحداً واحداً، عيسى مع الناس مع الأنبياء كلهم يتوجهون إلى الصراط، والنبي ﵊ قائم ينتظر عند الصراط، فيطلب عيسى والأنبياء معه والناس جميعهم من النبي ﵊ ويخاطبونه حتى أبوه إبراهيم، كما جاء في رواية (وأخرت الثالثة -يعني: دعوة النبي ﵊ ليوم يرغب إلي فيه الخلق حتى إبراهيم ﵇.

стр. 2909

المقام المحمود للنبي ﷺ كل الناس يذهبون إلى محمد ﵊ ويطلبون منه طلباً واحداً؛ هذه هي مكانة النبي ﵊، وهذا هو المقام المحمود، يوم تتطلع أنظار الخلائق وأنفسهم إلى النبي ﵊ يريدون منه أن يشفع عند الله، حتى إبراهيم الخليل فيأتوني، فيقول: (أنا لها أنا لها) لا يقول: لست هناكم يقول: أنا لها أنا صاحبها وأنا الجدير بها، الله أذن لي بها، وأعطيت لي أنا، فأشفع حتى يكون الفرج بسببي وبطلبي وبدعائي لربي. فهذا المقام المحمود؛ لأن كل الناس يريدون الفرج، فكل الناس سيمدحون النبي ﵊ على هذا الموقف، ويحمدونه على أنه كان السبب في تفريج كربتهم، فيحمده كل الخلائق عليه فهذا هو المقام المحمود، فالحمد لله الذي جعلنا من أمته، وهو أفضل نبي وهو الذي سيشفع. فيقولون: (يا نبي الله! أنت الذي فتح الله بك وختم وغفر لك ما تقدم وما تأخر وجئت في هذا اليوم آمناً وترى ما نحن فيه فقم فاشفع لنا إلى ربنا) وفي رواية عند ابن المبارك: (فيأذن الله لي فأقوم فيثور من مجلسي أطيب ريح شمها أحد، يقولون: قم فاشفع لنا إلى ربنا فيقول: أنا صاحبكم فيجوش الناس -النبي ﵊ ماذا يفعل؟ يستأذن على ربه- قال: فأستأذن على ربي) وفي رواية: (في داره وهو على العرش أو الكرسي فيؤذن لي في الشفاعة) وقيل في داره يعني: الجنة دار كرامته وهي الجنة فيستأذن، قيل: أنه يستأذن أولاً في دخول الدار وهي الجنة، والله يدعو إلى دار السلام، وينتقل ﵊ من مكانه في أرض المحشر في أرض الموقف إلى مكان آخر، ويتقدم ليسجد تحت العرش، فيدعو في مكان شريف ليس في موقف إشفاق وخوف والشمس والحر، يدعو في مكان شريف تحت العرش كما أن الدعاء في الأماكن المباركة من أسباب الإجابة، فالنبي ﷺ يأخذ حلقة باب الجنة فيقعقعها فيقال: (من هذا، فأقول: محمد فيفتحون) وفي رواية: (فيقول الخازن: من؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت ألا أفتح لأحد قبلك فيفتحون لي ويرحبون). يقف بين يدي الله فيستأذن في السجود فيؤذن له فيخر ساجداً، وفي رواية: (أن جبريل يخرج إليه والله يقول لجبريل: ائذن له -ائذن لمحمد ﵊ فيدخل- قال: فإذا رأيته وقعت له ساجداً) وفي رواية: (فيتجلى له الرب ولا يتجلى لشيء قبله) أول واحد يرى الله ﵊، وفي رواية: (يعرفني الله نفسه ويتجلى لنبيه فأسجد له سجدة يرضى بها عني، ثم أمتدحه بمدحة يرضى بها عني). فإذاً يستأذن ويؤذن له، ويذهب إليه، ويتجلى له الرب فيراه فيخر ساجداً ويبدأ المدح والثناء على الله، وهذه السجدة كم طولها؟ الله أعلم، لكن لها مدة لأنه قال في الرواية: (فيدعني ما شاء الله ساجداً شاكراً له أمتدحه) وفي رواية: (فأقوم بين يديه فيلهمني محامد لا أقدر عليها الآن)، يعني: النبي ﷺ لما حدثهم الحديث يقول: المحامد تلك لا أعرفها ولا أقدر عليها لكن في ذلك الوقت سيفتح علي ويعلمني ماذا أقول، فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجداً، وفي رواية: (فينطلق إليه جبريل فيخر ساجداً قدر جمعة). النبي ﵊ إذا سجد وفتح الله عليه بمحامد يقال له بعد مدة: (يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعط، وقل يسمع، واشفع تشفع) فيرفع رأسه ﷺ ، قال: (فأرفع رأسي فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه) وفي رواية: (بمحامد لم يحمده بها أحد قبلي ولا يحمده بها أحد بعدي) وفي رواية: (فيفتح الله له من الثناء والتحميد والتمجيد ما لم يفتحه لأحد من الخلائق) يعني: الآن نحن نعرف بعض الألفاظ التي فيها تحميد وتمجيد لله مثل: سبحان الله والحمد لله، والله أكبر إلخ. هذه أشياء ما سبق أن أحداً قد دعا بها، أذكار جديدة وألفاظ جديدة، ما يفتح بها إلا على النبي ﷺ ، وطبعاً في أسماء الله لا نعرفها نحن نعرف: الفتاح، العليم، الرزاق، الكبير، المتعال، القدوس، السلام، في أسماء اختص الله بها نفسه لا أحد يعرفها، فماذا يحصل؟ الله يعلم رسوله أشياء، قد يكون منها أسماء الله تفرد بعلمها، وما نزلت في كتاب ولا على رسول، فإذاً الكلام سيكون في السجود وبعد السجود في محامد، في السجود يخر له ساجداً يمدحه ويثني عليه، وإذا رفع أتى بمحامد جديدة أخرى. ففي أشياء في السجود وأشياء بعد الرفع من السجود، فيقال: (يا محمد! فأقول: لبيك وسعديك والخير في يديك، والمهدي من هديت، وعبدك بين يديك، وبك وإليك، تباركت وتعاليت، سبحانك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، سبحانك رب البيت، ثم أشفع -فأول محامد قبل الطلب، ثم يأتي الطلب- فأقول: رب! أمتي، أمتي، أمتي، فيحد لي حداً لا أتعداه). مثلاً: شفعتك فيمن أخل بصلاة الجماعة فيشفع فيهم ثم يقال: شفعتك فيمن أخل بالفرض الفلاني أو الواجب الفلاني، أو شفعتك فيمن ارتكب المحرم الفلاني، يقول: أقبل شفاعتك في هؤلاء ويحد لي حداً، وعلى هذا الأسلوب، هكذا يشفع النبي ﵊ لأناس يخرجهم من النار فيدخلهم الجنة، فيقال: (أخرج من في قلبه مثقال شعيرة وبعد ذلك مثقال ذرة، ومثقال حبة من خردل، ولا أزال أتردد على ربي لا أقوم منه مقاماً إلا شفعت، فيشفع في كل من كان في قلبه مثقال حبة من حنطة، ثم شعيرة ثم حبة من خردل، فذلك المقام المحمود، ثم أخرجهم من النار).

стр. 2910

وقفة مع شفاعة النبي ﷺ يوم القيامة الشفاعة في الإخراج من النار متى تكون؟ تكون بعد التحول عن الموقف والمرور على الصراط وسقوط من يسقط في النار، ثم تأتي هذه الشفاعة، فالآن هناك شفاعة في انفضاض الموقف للحساب، وشفاعة للنبي ﵊ لإخراج من دخل النار من أمته، هذه الشفاعة الثانية تكون بعد الأولى، فالثانية تكون بعد الصراط، الناس يتجهون إلى الصراط يسلكون عليه وينطلقون عليه ويسقط من يسقط، أناس دخلوا النار وهم من الموحدين تحصل هذه الشفاعة، وترسل الأمانة والرحم لعظمهما، الأمانة والرحم، على جنبتي الصراط يميناً وشمالاً (فيمر أولكم كالبرق) إلى آخره. فإذاً عندنا شفاعتان: شفاعة الإراحة من الموقف وينصرف الناس للحساب، ثم يمرون على الصراط ثم يسقط ويهوي من يهوي في النار، ثم يكمل من يكمل إلى الجنة، فتأتي بعد ذلك الشفاعة الثانية: وهي شفاعة الإخراج، وقد جاء في رواية: (ثم أمتدحه بمدحة يرضى بها عني ثم يؤذن لي بالكلام، ثم تمر أمتي على الصراط وهو منصوب بين ظهراني جهنم) وفي رواية: (يقول ربي عز جل: يا محمد! ما تريد أن أصنع في أمتك، فأقول: يا ربي عجل حسابهم) وفي رواية: (فأقول: أنا لها حتى يأذن الله لمن يشاء ويرضى، فإذا أراد الله أن يفرغ من خلقه، نادى مناد أين محمد وأمته فيتبعوه) وفي رواية: أن النبي ﷺ عندما يقول: (يا رب! أمتي أمتي، يقال: أدخل من أمتك من الباب الأيمن من أبواب الجنة من لا حساب عليه ولا عذاب وهم شركاء في بقية الأبواب). يا رب! وعدتني الشفاعة فشفعني في أهل الجنة يدخلون الجنة، فهذه شفاعة ثالثة، وعدتني الشفاعة فشفعني في أهل الجنة لكي يدخلون الجنة فيقول الله: (فقد شفعتك فيهم وأذنت لهم في دخول الجنة). فإذاً لا ينصرف الناس من الموقف للحساب إلا بشفاعة محمد ﷺ ، ولا يدخل أحد الجنة إلا بشفاعة محمد ﷺ ، ولا يخرج أحد من الموحدين من النار من أمة محمد ﵊ إلا بشفاعته ﵊، فيما سبق إشعار بأن العرض والميزان وتطاير الصحف يقع في هذا الموطن. ينادي المنادي لتتبع كل أمة من كانت تعبد، فيسقط الكفار في النار، ثم يميز بين المؤمنين والمنافقين بالامتحان بالسجود عند كشف الساق، ثم يؤذن في نصب الصراط والمرور عليه فيطفأ نور المنافقين فيسقطون في النار أيضا، ً ويمر المؤمنون عليه إلى الجنة فمن العصاة من يسقط ويوقف بعض من نجي عند القنطرة للمقاصصة بينهم ثم يدخلون الجنة. فهذا الترتيب ذكره ابن حجر ﵀ استخلاصاً من الأحاديث وهو ترتيب مهم، هذا الترتيب يفهم كيف ستكون الأمور يوم القيامة، فنعيده: يقول بعد الرواية الأخيرة: وفيه إشعار بأن العرض يعني: يعرضون على الله: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨] هناك عرض على الله تعرض فيه البشرية كلها، كل واحد هو وذنوبه وأعماله وكل شيء مكشوف، على صفحة مفتوحة ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨]، هذا العرض على الله، ثم يؤتى بالميزان وينصب وتوزن أعمال العباد: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان:٢٨] ولا حسابكم أيضاً، في نفس الوقت يعني الله لا يعجزه شيء يحاسب الخلق كلهم كأنه يحاسب واحداً، ويقضي بينهم كلهم كأنه يقضي بين شخص وشخص، والميزان والوزن كل شيء يوضع.

стр. 2911

ماذا بعد العرض والميزان وتطاير الصحف ؟ فإذاً بعد العرض والميزان ماذا يحدث للصحف؟ تتطاير، فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله، بعد هذا يقال: لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فعباد الصليب يتبعون الصليب، واليهود يتبعون معبوداتهم، والوثنيون: من يعبد الشمس، ومن يعبد القمر، ومن يعبد الأشجار، ومن يعبد هبل، إلخ فكل واحد يتبع ما كان يعبد، وكل أمة تتبع ما كانت تعبد، هم والمعبودات في النار فإن كانت المعبودات ليست براضية، مثل: عيسى وعزير، عيسى عُبِدَ من دون الله وهو ليس معهم وإنما يتبرأ منهم يوم القيامة: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ [المائدة:١١٧] أما من عُبِدَ من دون الله وهو راض فيكون معه في جهنم أول واحد، طيب الجمادات الشمس والقمر في النار ما وجه إدخالها في النار؟ لتكون عذاباً على عابديها وتكون مما يسعر به النار فيزداد العذاب، ثم تبكيت وخزي للعابدين عندما يرون إلههم الذي كانوا يعبدونه في الدنيا صار معهم في جهنم. فإذاً العرض الميزان تطاير الصحف ثم ينادي المنادي في الموقف: لتتبع كل أمة ما كانت تعبد فيذهب كل كافر وكل مشرك إلى النار ويقعون فيها مباشرة، يسحبون إليها ويقعون فيها، من يبقى؟ يبقى الموحدون والمنافقون، المنافق -نفاقاً أكبر- مع أنه كافر فلا يذهب مع المشركين إلى النار في الدفعة الأولى، بل يبقى مع المؤمنين؛ لأن صورتهم كانت في الدنيا أنهم مع المؤمنين يتظاهرون بالإيمان، فيقال للبقية الموحدين: اذهبوا إلى الصراط ومعهم المنافقون.

стр. 2912

الصراط ينصب على متن جهنم ينصب الصراط على متن جهنم يحطم بعضها بعضا، ويأمر الناس بالمرور عليها، ولا يوجد حل إلا المرور لا مخرج ولا مهرب ولا احتمال إلا المرور، فيمرون على الصراط. الصراط مظلم مدحضة مزلة فيه كلاليب وخطاطيف، أحدُّ من السيف، وأدق من الشعرة، المرور عليه يحتاج إلى نور حتى لا يسقط أحد، المنافقون يتبعون المؤمنين، والمؤمنون معهم أنوار فيظنون أنهم سوف يستفيدون من ضوئهم، فيضرب بسور بينهم وبين المنافقين فتحدث الظلمة على المنافقين، فلابد أن يسقطوا في النار، فيسقطون في النار، انتهى المنافقون، ألحقوا بالمشركين، تأخروا عن دخول النار عن المشركين لكن إذا دخلوا يذهبون إلى الدرك الأسفل من النار. فيبقى الموحدون عصاتهم ومتقوهم، فالعصاة والمتقون كلهم يعبرون الصراط واحد كالبرق، وآخر كالريح المرسلة، وبعضهم كأجاويد الخيل والركاب، والبعض يعدو عدواً، وفيهم من يمشي مشياً، ومنهم من يزحف زحفاً ويقوم ويقع ويقوم ويقع، وأناس يسقطون في جهنم، فناج مسلم، وناجٍ مخدوش، ومكردس في نار جهنم، فالناس الذي على الصراط ثلاثة أنواع: ناجٍ مسلَّم لا يصيبه شيء، أولياء الله والمتقون والطائعون وأهل الطاعة والدين لا يصيبهم شيء. وناجٍ مخدوش، الكلاليب والخطاطيف تخدشه على بعض أعماله ومعاصيه. ومكردس في نار جهنم، هذا النوع الثالث يسقطون في جهنم، يعذبون وتشملهم شفاعة النبي ﵊ بعد حين، يعذب في جهنم إلى ما شاء الله فتدركهم شفاعة النبي ﷺ وشفاعة المؤمنين وشفاعة الملائكة وشفاعة رب العالمين في النهاية فيخرجون، آخر واحد يخرج الذي يعطى بعد ذلك في الجنة عشرة أمثال أعظم ملك من ملوك الدنيا. الذين نجوا من الصراط عندما يعدون إلى الطرف الثاني لا يدخلون الجنة مباشرة، هناك قنطرة بين الجنة والنار يحبسون على الجسر، لأن بعضهم بينهم مظالم، صحيح أنهم نجوا لكن هناك من سيأخذ من حسنات الآخر، هناك مظالم ومقاصة، وهذه الحسنات سيستفيد منها الذي سيدخل وترفع درجته، هذا يكون أقل وهذا يكون أكثر، يحبسون على قنطرة بين الجنة والنار للمقاصاة، وهؤلاء هم الناجون، لكن الذي أخذ من سيئاتهم فطرحت عليهم ثم طرح في النار هذا أمره انتهى قبل هذا وسقط في النار، الآن أناس عبروا الصراط إلى الجنة يحبسون للمقاصصة بينهم، ثم يدخلون الجنة بعد ذلك.

стр. 2913

دخول أهل الجنة الجنة وأهل النار النار وأحداث أخرى إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار فعند ذلك يذبح الموت بين الجنة والنار، والله يضع قدمه في النار فينزوي بعضها على بعض ويزداد عذاباً على أهلها، والموحدون في النار قد احترقوا وماتوا، فيخرجون منها وهي الدفعة الأخيرة، يلقون في نهر بباب الجنة فيحيون ويدخلون الجنة على الصورة الحسنة. ويبقى أماكن في الجنة بعد دخول أهل الجنة الجنة ليس لها أصحاب، شاغرة! فيخلق الله أقواماً لم يعملوا شيئاً قط فيدخلهم الجنة من فضله ورحمته، أعني: يا ليتنا كنا منهم لكن جرى قدر الله ونحن في عالم التكليف الآن، فالأماكن التي نتجت عن خروج أناس من النار من الموحدين لا يستفيد منها أهل النار توسعة، لا. وإنما يضع الجبار قدمه فهذه الأماكن تفنى والنار تنزوي على المخلدين وتضيق عليهم زيادة ويزداد العذاب، والجنة بعد دخول آخر واحد يبقى فيها أماكن فالله يخلق أقواماً يدخلهم الجنة بفضله ومنته وكرمه. فهذا هو حديث الشفاعة الطويل وقوله في آخر الحديث: (لا يبقى إلا من حبسه القرآن) يعني: وجب عليه الخلود في النار؛ لأن الله قال: ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ [ق:١٤] وأنه أخبر عن المشركين والكفار أنهم لا يخرجون منها فقال: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر:٤٨] هذا الذي حبسهم القرآن وقال تعالى: ﴿فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ [الجن:٢٣].

стр. 2914

فوائد من حديث الشفاعة في حديث الشفاعة المذكور والمشروح آنفاً فوائد كثيرة ومتعددة منها: أن الله يغضب، وأن ذلك من صفاته سبحانه، وفيه تفضيل للنبي ﷺ على جميع الخلق؛ لأن الرسل والأنبياء والملائكة كلهم لا يستطيعون أن يقوموا هذا المقام إلا النبي ﵊ فهو أفضل من كل الملائكة، وكل النبيين، وكل الخلق، محمد ﵊. في هذا الحديث أن السائل ينبغي أن يقدم بين يدي المسئول ثناءً حتى يجيبه، فإذا أراد الإنسان أن يسأل ربه يثني على ربه أولاً ولا يعجل يقول: أعطني مباشرة. يثني على الله أولاً ثم يسأل، يتحرى الزمان الفاضل والمكان الفاضل والأسلوب الحسن ثم يسأل. في هذا الحديث استشارة الناس بعضهم بعضاً يوم القيامة في الحل الذي سيكون من الكرب الذي هم فيه. وكذلك في هذا الحديث أن الناس في الآخرة لا يستحضرون كل المعلومات التي كانوا يعرفونها في الدنيا، مثلا: ً نحن نعرف أنها ستئول إلى النبي ﵊، فهل يستطيع أحد بهذه المعلومة أن يذهب مباشرة إلى النبي ﵊، لا. ولذلك قالوا: إن الناس يغطى عنهم بعض ما علموه في الدنيا، ولو كانوا مستحضرين في الآخرة أن النبي ﵊ هو الذي يبدأ منه الفرج والطلب كان ذهبوا إليه مباشرة، فإذاً بعض المعلومات التي نعرفها الآن لن تكون في الذهن يوم القيامة أو سنذهل عنها وستغيب عن البال، لأن الله ينسيهم إياها وذلك لإظهار فضل النبي ﵊. هذا من فوائد هذا الحديث العظيم، ونسأل الله أن يرزقنا شفاعة النبي ﵊ وأن يجعلنا ممن تبعه واقتفى أثره. وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 2915

خصال مطلوبة في المرأة المسلمة [١، ٢] المرأة تشكل نصف المجتمع وأكثر، وإهمال هذا الكم بغير توجيه وإرشاد أقرب إلى القصور والإفساد، وقد وقع هذا الإهمال فتأثر الكثير من بناتنا بثقافات الفتنة، ودعاة الدجال، فصارت بعضهن تجادل في المسلَّمات، ونتيجة لذلك قام الشيخ بهذه المحاضرة مذكراً بصفات المرأة المسلمة، ضارباً الأمثلة ومورداً الأدلة؛ لعل مستمعاً ينتفع، فاسمع تستفد

стр. 2916

إهمال المرأة وأثره السيئ في المجتمع الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أيها الإخوة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، نشكر لله الذي جمعنا وإياكم في هذا المكان، ونسأله أن نكون وإياكم ممن يتواصون بالحق ويتواصون بالصبر. الحقيقة أن موضوع المرأة موضوع مهم، ويكفي أن نقول في خطورة هذا الموضوع: إن أعداء الإسلام يهتمون بالمرأة أكثر من دعاة الإسلام، وأظن هذه الجملة كافية في توضيح الحال التي وصلت إليها المرأة في هذا العصر. إن المرأة المسلمة حتى تواجه هذه التحديات وحتى تحيا الحياة الكريمة الصحيحة على منهج كتاب الله وسنة الرسول ﷺ تحتاج إلى توعية وتذكير وتعليم وتفقيه ومتابعة وتربية إسلامية.

стр. 2917

مدى اهتمام الإسلام بالمرأة الموضوع الذي سنتحدث عنه هو مجموعة من الصفات، أو مجموعة من الخصال المهم تواجدها في المرأة المسلمة، ولا بد أن نعلم أن المرأة قسيمة الرجل، وشقيقته في الشريعة، وهذا الدين نزل للمسلمين رجالاً ونساء، يقول الله مبيناً مشاركة المرأة للرجل: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧]، وقال : ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٣٥] فانظر ماذا بقي من أبواب الخير لم تشارك المرأة فيه الرجل؟ هم يقولون: المرأة نصف المجتمع، ومع قربنا من قيام الساعة فقد صرن أكثر من الرجال عدداً في المجتمع، والغريب أن يكون هناك قطاعٌ في المجتمع أكثر عدداً من الرجال ولا يهتم به مثل الاهتمام بالرجال، ولذلك لن نستغرب في ظل هذا الإهمال الحاصل لواقع المرأة أن تنشأ تيارات غريبة عن الدين غريبة عن المجتمع في واقعنا، وأن نجد أفكاراً منحرفة تتسرب إلى أذهان بعض النساء، وأن نجد بعض النساء بدأن المشاركة في أندية مشبوهة، أو تجمعات لأعداء الإسلام يراد من ورائها هدم الدين، وهدم الفضيلة والأخلاق، وهدم المجتمع المسلم، هناك أفكار بدأت تتسرب إلى عقول النساء، وبدأ التشكيك في أساسيات من الدين عند الكثيرات، وبدأت المناقشة فيها، يعني: التسليم لأوامر الله ، وأنه لا يجوز للمسلم مطلقاً أن يناقش في أشياء في الدين من المسلمات، ولكن عندما يصل الغزو إلى مرحلة معينة تبدأ الأمور تتغير، وتبدأ المناقشات في قضايا مسلمة لم يكن أحد يتجرأ أن يناقش فيها، فمثلاً: قضية الحجاب من الأشياء المسلمة في الدين ولا يمكن أن يتكلم فيها، لكن صرنا الآن نسمع كلاماً عجيباً، ونقاشات غريبة حتى عند بعض فتيات الأسر الطيبة المعروفة بالعراقة في المجتمع، وتجد للكلام اتجاهات بعيدة عن الدين، حتى عادت مسألة الحجاب قضية يمكن أن يؤخذ فيها ويرد، وأن تطرح للمناقشة، وتخضع لرأي فلان وفلانة، وتسأل عنها الندوة الفلانية وتطرح على الصحف والمجلات؛ مع أنها قضية لا مجال فيها للرأي مطلقاً، لأن المسلم لا يمكن أن يكون له رأي في أحكام الله ، فلا يمكن أن يقول: أنا أرى كذا، ولا أرى كذا، وأنا أؤيد ولا أؤيد، فالقضية ليس فيها مجال للتأييد وعدم التأييد، ولكن البعد عن الله وعدم الفقه في الدين صار يفتح الباب لمثل هذه الأشياء، فالمرأة هي نصف المجتمع وتلد لنا النصف الآخر؛ فهي أمة بأسرها.

стр. 2918

جوانب في حياة المرأة تحتاج إلى دراسة في نظري أن الاهتمام بالمرأة يجب أن ينصب على جهات متعددة، مثل: واقع المرأة والتعليم، المرأة والعمل، المرأة والحقوق الزوجية، المرأة والاختلاط، المرأة والحجاب، المرأة ودعاة التحرر، المرأة والعبادة، المرأة وتربية الطفل، المرأة وطلب العلم الشرعي، المرأة والزواج، المرأة والطلاق، المرأة الداعية إلى الله هذه بعض المواضيع التي لابد أن تطرح، ولا بد أن تفرد في مؤلفات، وتقام لها ندوات، وتفرد في بحوث، حتى يكون للمخلصات الواعيات، وللأزواج والآباء، وللإخوان المخلصين؛ يكون لهم منهج يستطيعون أن يؤدوه إلى بناتهم وأزواجهم وإخوانهم وأخواتهم، فالمسألة تحتاج إلى جهود مكثفة -وليست جهوداً فردية- تبذل من هنا وهناك. لابد للمرأة المسلمة أن تدرس الشخصيات النسائية المعروضة في القرآن والسنة، لابد أن تدرس مثلاً شخصية مريم، خديجة وآسية وفاطمة، وبنتا الرجل الصالح الذي زوج إحداهما لموسى، لا بد أن تدرس شخصية أم موسى، وبلقيس مع سليمان، وصحابيات مثل: أسماء أم أنس، خولة بنت ثعلبة، أم عمارة لابد أن تدرس قصة الإفك، بل حتى الشخصيات الكافرة، مثل: شخصية امرأة نوح، وامرأة لوط، أو التي حصل منهن فسق كامرأة العزيز. ولابد أن يركز على دور المرأة المسلمة في المجتمع، وأن يبرز لها أشياء: المرأة المعلمة المرأة كزوجة المرأة طبيبة المرأة أم المرأة خادمة لابد أن يبحث في هذه الأشياء.

стр. 2919

خصال ينبغي أن تفهمها المرأة وتتصف بها

стр. 2920

القدوة وأهميتها للمرأة إن موضوع القدوة من الأمور المهمة للمرأة المسلمة، ولذلك يقول رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح: (خير نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وآسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام). المرأة المسلمة لها صفات ذاتية، ولها خصال شخصية يعبر لنا عن هذه الصفات وهذه الخصال كلام عائشة ﵂ في الصحيح، قالت: [ولم أر امرأة قط خيراً في الدين من زينب] هذه عائشة تقول مع أنها كانت ضرة لـ زينب -وسميت الضرة ضرة؛ لأنها تضر بمكانة الزوجة الأخرى- وكان بينهما منافسة؛ إلا أن هذه المنافسة لم تمنع عائشة ﵂ من العدل في القول: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ [الأنعام:١٥٢]، فتقول عائشة ﵂: [ولم أر امرأة قط خيراً في الدين من زينب، وأتقى لله وأصدق حديثاً، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وأشد ابتذالاً لنفسها في العمل الذي تصدق به، وتقرب به إلى الله؛ كانت تعمل بيدها لتتقرب إلى الله بهذا العمل، ما عدا ثورة من حدة كانت تسرع في الفيئة منها] فالتقوى إذاً من صفات المرأة المسلمة، وصدق الحديث، وصلة الرحم، والصدقة، وعمل اليد والتصدق منه، وإن كان فيها خصال غير حميدة مثل الحدة، فإن الرجوع منها يكون سريعاً. فهذه صفات عامة ذكرتها عائشة أم المؤمنين لنساء المسلمين، حتى يكون هناك وضوح، فهاهي عائشة ﵂ تهدي لنا الخصال المهمة التي ينبغي أن تتوافر في المرأة المسلمة؛ لأن المرأة المسلمة إذا جهلت وظيفتها، وجهلت حدودها وما يجب عليها، وجهلت مكانتها في المجتمع حصل الخبط والخروج عن شرع الله ، يقول الرسول ﷺ : (إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحصنت فرجها، وأطاعت بعلها، قيل لها: ادخلي من أي أبواب الجنة شئتِ) حديث صحيح رواه ابن حبان عن أبي هريرة. إذاً: فمجالات المرأة تختلف عن مجالات الرجل؛ الرجل قد لا يستطيع أن يدخل الجنة إلا بتحقيق صفات كثيرة، فإذا دعا داعي الجهاد فلابد أن يجاهد في سبيل الله، وعليه تحصيل النفقة لأسرته، وعليه أشياء كثيرة بل حتى في الدعوة إلى الله وإنكار المنكر يختلف مجال الرجل عن مجال المرأة؛ صحيح أن كليهما مخاطب بهذه الأمور، لكن طريقة الرجل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة تختلف عن النساء، فلو أن مجموعة من الرجال ذهبوا في رحلة أو في عمرة أو في أي مجال من المجالات، يستطيعون أن يمارسوا فيه حياة إسلامية قد لا تستطيع المرأة أن تعمل هذا العمل، الرجل يستطيع أن ينكر المنكر، ويذهب إلى الرجال في مكاتبهم، ويدخل عليهم، ويتكلم ويرفع السماعة ليخاطب فلاناً بالهاتف أياً كان من الناس؛ لكن المرأة لا تستطيع أن تذهب إلى الرجال في مكاتبهم لتنكر المنكر، أو أن ترفع الهاتف وتكلم من تشاء من المحررين مثلاً، أو أي شخصية تمارس سلوكاً منحرفاً وتنكر عليهم بهذا الانفتاح؛ فهناك إذاً حدود إذا جُهِلت حدثت تجاوزات غريبة وقد نسمع عنها في هذه الأيام!!

стр. 2921

القرب من الله بالعبادة خصلة شريفة للمرأة من صفات المرأة المسلمة: تقوى الله ، والقرب من الله ؛ فإن كثيراً من النساء يحصل عندهن تضايق من فترة الحيض والنفاس، وتشعر المرأة بأنها قد انقطعت عن عبادات عظيمة، فلا تستطيع أن تصلي ولا تصوم، والذي يكون قريباً من النساء، مثل: الأب من بناته، أو الأخ من أخواته، أو الزوج من زوجته يلمس تضايق المرأة عندما تأتيها العادة الشهرية، تتضايق لأنها انقطعت عن عبادات تريد أن تؤديها قد منعها من القيام بها الحيض أو النفاس الذي أتاها، ولذلك النفسيات الحساسة في النساء تجدها عندما تكون في فترة الطهر تشتد في العبادة، وتكثر من قراءة القرآن، وتكثر من صلاة النوافل، وتزداد في قضاء ما عليها من أيام الصيام الماضية، وصيام أيام أخرى نافلة استغلالاً للوقت، حتى إذا جاءت أيام العادة فإنها تكون قد صار عندها رصيد من الأعمال الصالحة التي لا تستطيع أن تؤديها في فترة الحيض والنفاس، وهذه الإحساسات مهمة عند المرأة، فلا تضيع الأوقات التي تستطيع فيها الصلاة والأوقات التي لا تستطيع فيها الصلاة، والحمد لله أن رخص بذكره تعالى على كل حال.

стр. 2922

أهمية التقوى للمرأة المسلمة إن التقوى مهمة للمرأة في كل المجالات في معرفة حقوق الزوج، وتربية الأولاد، وفي الإخلاص في العمل، تقوى الله ينبغي أن تكون هيئة راسخة في نفس المرأة، فعن عائشة ﵂: (أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير، فلما رآها رسول الله ﷺ قام على الباب ولم يدخل، فعرفت في وجهه الكراهية، فقالت عائشة: يا رسول الله! أتوب إلى الله وإلى رسوله فماذا أذنبت؟) لاحظ حساسية المرأة المسلمة عندما تحس أن هناك خطأ قد حصل، فهي تبادر مباشرة إلى التغيير، تقول: (يا رسول الله! أتوب إلى الله وإلى رسوله فماذا أذنبت؟) فتسأل مباشرة عما أذنبت، فقال رسول الله ﷺ : (ما بال هذه النمرقة؟ فقالت: اشتريتها لك تقعد عليها وتوسدها) أي: اشتريتها لراحتك، ولاحظ أنها اشترت شيئاً لزوجها ليرتاح، هذه الدرجة عالية، فالعادة أن الرجال يشترون للنساء أشياء توفر أسباب الراحة لهن، لكن أن تشتري المرأة أغراضاً لزوجها لكي تريحه فهذا أمر عجيب لا تفعله كل النساء، فقد يكون عند المرأة مال، وقد تنزل إلى السوق في بعض حاجياتها، فيكون من الإحساس الطيب أن تشتري لزوجها في طريقها لذلك السوق وفي أثناء تجوالها شيئاً يفيده أو يحتاجه، وهذه من الأشياء التي تقرب بين الزوج وزوجته، وهناك علاقات كثيرة متفككة بين الرجال والنساء تمحو آثارها السيئة مثل هذه التصرفات؛ كهدية الزوجة لزوجها، أو أن تشتري له حاجة تريحه في البيت. قالت عائشة: (اشتريتها لك تقعد عليها وتوسدها، فقال رسول الله ﷺ : إن أصحاب هذه الصور يعذبون، ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم، ثم قال: إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة) إن حرص الرجل على إخراج المنكرات في البيت هذا الحرص مفتقد في كثير من البيوت اليوم؛ الرسول ﷺ وقف على الباب، وما رضي أن يدخل حتى يزول المنكر من البيت، هذه المفاصلة المبنية على سلامة العقيدة وعمقها في النفس، ولما دخل بعض الرجال أول مرة، وقالوا: نزيله تدريجياً، ورفضوا المفاصلة من البداية؛ رضوا بالمنكر غصباً عنهم، قال: (أزيلي هذا) والمرأة المسلمة الطائعة التي تعرف حق الله تبادر إلى إزالة المنكر فوراً من البيت، والآن تجد منكرات كثيرة في البيوت والمرأة تتفرج عليها، وتستمتع بها وتتلهى، ولو أراد زوجها أن يزيلها لقلبت حياة زوجها شقاءً ونكداً؛ لأنها تريد هذه المنكرات في البيت، تقول: أنت تذهب وتدخل وتخرج، ويحصل لك عزائم وولائم، وأنا بماذا أتسلى، فاجعل لي هذه الأفلام موجودة في البيت، اشتر لي مجلات وضعها في البيت؟! فهذه ليست من أخلاقيات المرأة المسلمة. فأخذته عائشة فشقته مرفقين، فكان يرتفق بهما في البيت. المرأة المسلمة تسارع أيضاً إلى جعل الأشياء المحرمة أشياء مفيدة، تحاول أن تستفيد منها في حدود المباح، أخذت هذه النمرقة فشقتها وعملت منها مرفقاً يرتفق به. وحسن التصرف داخل البيت من الأمور المهمة للمرأة المسلمة. والورع والتقوى أيضاً مهم جداً في جوانب أخرى، منها مثلاً: مواجهة قضية الغيرة التي تحدث بين النساء، لو أن رجلاً تزوج بأكثر من واحدة فإن الغالب أن يكون بين زوجاته أو زوجتيه خصام ونكد، وخصام طويل، واتهامات متبادلة، وكلام من كل منهما في عرض الأخرى، ومحاولة جذب الرجل إلى جانبها، وإبعاد الزوج عن الزوجة الأخرى، كل واحدة تفعل هذا الفعل، لكن عندما يكون هناك تقوى لله تختفي هذه التصرفات أو تخف جداً، ولذلك قالت أسماء ﵂ في الصحيح: (جاءت امرأة إلى النبي ﷺ ، فقالت: إن لي ضرة، فهل علي جناح أن أتشبع من مال زوجي بما لم يعطني؟) أي: أنا لي ضرة؛ فهل يجوز أن أقول للزوجة الأخرى: زوجي اشترى لي، زوجي أعطاني، زوجي أهداني، وَهَب لي زوجي، وكله كذب لكن تتفاخر بذلك، وهذا شيء يقع بين النساء، فالضرة تسأل الرسول ﷺ عن حكم هذا العمل، فقال رسول الله ﷺ : (المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور) أي: لو أن إنساناً تباهى أو تفاخر أو تظاهر أمام الناس بأشياء ليست فيه ولا يملكها ولا حصلت له؛ فإنه عند الله كلابس ثوبي زور، وليس ثوباً واحداً. والذي دفع المرأة لسؤال النبي ﷺ هو التقوى، لو لم تكن عندها تقوى لتباهت وتفاخرت، لكنها جاءت إلى الرسول ﷺ لتسأل تقول: ما هو الحكم في هذا الأمر الذي يقع كثيراً في أوساط النساء؟ التقوى مهمة في عدم تبذير مال الزوج، أو عدم أكل المال الحرام، أو عدم السرقة من أموال الزوج، وعدم أكل حقوق الآخرين. ذكر ابن الجوزي ﵀: أن امرأة من الصالحات كانت تعجن عجيناً، فبلغها وهي تعجن موت زوجها فرفعت يدها عنه، وقالت: هذا طعام قد صار لنا فيه شركاء، أي: أنه قد صار للورثة فيه حق. فإذاً: هذه الحساسية التي تجعل المرأة تفكر في أشياء دقيقة من الأمور؛ عن الحل والحرمة وعن الشبهة ناتجة عن واعظ الله في قلبها، وكلما قوي واعظ الله كلما ابتعدت عن الحرام وكانت أخشى لله . تقوى الله تدفع المرأة المسلمة إلى الاجتهاد في العبادة؛ والاجتهاد في العبادة كان من ديدن نساء الصحابة رضوان الله على الجميع، ولقد كانت إحدى أمهات المؤمنين تقف الساعات الطويلة في قيام الليل، وكانت زينب ﵂ تجلس الساعات الطويلة بعد صلاة الفجر تذكر الله ، وحال النساء المسلمات الأوائل في عبادة الله أمر مشهور لا يخفى على من كان له اطلاعٌ على حال الأولين. وعن زينب امرأة عبد الله بن مسعود ﵄ قالت: قال رسول الله ﷺ : (تصدقن يا معشر النساء ولو من حليكن، قالت: فرجعت إلى عبد الله فقلت: إنك رجل خفيف ذات اليد، وإن رسول الله ﷺ قد أمرنا بالصدقة، فائته فاسأله، فإن كان ذلك يجزي عني وإلا صرفتها إلى غيركم، قالت: فقال لي عبد الله -زوجها-: بل ائتيه أنتِ) أي: أنا استحي أن أسأل رسول الله ﷺ ، هل يجوز لزوجتي أن تتصدق علي أم لا؟ قالت: (فانطلقت فإذا امرأة من الأنصار بدار رسول الله ﷺ حاجتي حاجتها، قالت: وكان رسول الله ﷺ قد ألقيت عليه المهابة، فخرج علينا بلال فقلنا له: ائت رسول الله ﷺ فأخبره أن امرأتين في الباب تسألانك: أتجزئ الصدقة عنهما إلى أزواجهما وعلى أيتام في حجورهما، ولا تخبره من نحن، فدخل بلال على رسول الله ﷺ فسأله، فقال رسول الله ﷺ : من هما؟ قال: امرأة من الأنصار وزينب) يعني: كلام غير معين، والرسول ﷺ احتاج يعرف ما هو الواقع؛ لأن المفتي لا بد أن يعرف حال السائل حتى يفتي فيها، فقال رسول الله ﷺ : (أي الزيانب؟ فلم يجد بلال مناصاً، فقال: امرأة عبد الله بن مسعود، فقال له رسول ﷺ : لهما أجران؛ أجر القرابة وأجر الصدقة) فقد تكون المرأة موظفة، أو قد يكون عندها مال من إرث ورثته، وقد يكون زوجها خفيف ذات اليد، بعض النساء تقول: أتبرع لـ أفغانستان، أتبرع لـ أفريقيا، أتبرع إلى كذا، وزوجي لا داعي أن أتبرع له لأنه لا أجر لي في ذلك، فتغفل بعض النساء عن هذا الأمر مع أن الزوج محتاج، أو عنده ما يكفيه لكنه مثلاً يحتاج إلى سيارة يتنقل بها، والسيارة ضرورية في هذا المجتمع، فإذاً يمكن أن تعطيه من عندها مالاً ولها أجران؛ أجر الصدقة، وأجر أنه زوجها وأقرب الناس إليها، فإن الزوج من زوجته أقرب إليها من أبيها وأمها، ولذلك فطاعة الزوج مقدمة على طاعة الأم والأب.

стр. 2923

الصبر خصلة مهمة للمرأة المسلمة من الصفات المهمة في المرأة المسلمة: الصبر؛ فبعض النساء قد لا يكون عندها صبر على زوجها، قد يكون زوجها، لا يستطيع أن يشتري لها الملابس التي تريدها، ويوفر لها الأثاث المنزلي الذي تريده، وقد تطالبه أن ينتقل بها إلى شقة أوسع أو بيت أكبر وهو لا يستطيع، فتتضايق وتتضايق حتى يصل الأمر بها إلى طلب الطلاق، وتقول: أنا غير مستعدة أن أعيش في هذا الجو، بنت عمي -مثلاً- عندها كذا، وبنت خالي أهدي لها كذا، وأختي زوجها أعطاها كذا، وأمي مصروفها من أبي كذا وكذا وأنت ما عندك، فإما أن تعطيني أو تطلقني، يقول الرسول ﷺ في الحديث الصحيح: (أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة)، وقال ﵊ في الحديث الصحيح: (المختلعات هن المنافقات) أي: التي تريد أن تخالع زوجها بغير سبب، أما إن كان هناك سبب، كأن يكون الرجل سيئ الدين يضربها ضرباً مبرحاً فعند ذلك لا بأس عليها أن تطلب الطلاق؛ لأنها لا تستطيع أن تعيش في هذا الجو، ولو كان مسلماً فصبرها عليه ربما يكون خيراً لها، وخصوصاً إذا كان لها منه أولاد، فالصبر مهم جداً للمرأة. والصبر ثلاثة أنواع كما ذكر العلماء: ١ - صبر على طاعة الله. ٢ - صبر عن معصية الله. ٣ - صبر على أقدار الله.

стр. 2924

صبر المرأة على الطاعة صبر المرأة على طاعة الله وعلى العبادات أمر مهم، وكذا صبرها على طلب العلم، وكان نساء الأنصار خير النساء لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين، وكذلك صبرها على المحرمات الكثيرة عن طريق الوسائل المنتشرة، فالمرأة عندما تخرج هذه الوسائل من بيتها، وتصبر على العيش في البيت بعيدة عن الناس إلى حد ما، وكثيراًَ ما تختلي بنفسها، وقد تخاف المرأة من الانفراد في كثير من الأحيان فتصبر، فصبرها على هذه الحالة فيه أجر عظيم صبرها على أذى زوجها فيه أجر عظيم صبرها على تربية الأولاد فيه أجر عظيم وصبرها على شقاوة الأولاد فيه أجر عظيم. الزوجة يقول لها زوجها: أنا تعبان؛ خذي الولد واخرجي من الغرفة أريد أن أنام، فتأخذ الولد وتخرج، أليس في ذلك مشقة على نفسها؟ بلى. فيه مشقة على نفسها، ولكن فيه أجر عظيم. الأولاد يتنازعوها من شتى الجهات، هذا يقول: أعطيني، وهذا يصرخ، وهذا يضرب الآخر، وهذا يريد من هنا وهذا يريد من هناك، وهذا يخرج، وهذا يمسك زر الكهرباء، وهذا يمسك السكين، وهذا يمسك المقص، وهذا يصعد فوق الكرسي وربما رمى نفسه، وهي تريد أن تلاحق هؤلاء كلهم، هذا الصبر على شقاوة الأطفال فيه أجر عظيم، إذاً فالصبر صفة مهمة للمرأة المسلمة تحتاج إليها في كثير من الأحيان. الصبر على سلبيات الزوج؛ قد يكون الزوج بخيلاً، قد يفتعل المشاكل في البيت لأتفه الأسباب أو بدون سبب، قد يكون الزوج ديكتاتورياً في البيت لا يسمح بالمناقشة، ويريد أن يفرض رأيه على زوجته بكل وسيلة، ولا يسمح لها بأي خيار من الخيارات المباحة، ويفاجئها بقرارات بين يوم وليلة، وقد يسبها ويشتمها ويرميها بألفاظ شنيعة، وقد لا يحسن عشرتها، يدخل من باب البيت ثم الحمام، ثم يغير ملابسه، ثم يذهب ليأكل، يأكل وربما أكل لوحده ولا يرضى أن يأكل معها، ويذهب إلى غرفة النوم وينام ولا يسأل عنها مطلقاً، ثم يخرج إلى أصحابه فيعاشرهم ويذهب معهم ويأتي، ليرجع آخر الليل إلى البيت وهي قلقة عليه لتأخره عنها دون أن يشعرها، وربما سافر دون علمها، بعض الأزواج عندهم هذه الصفات، فالصبر على سلبيات الزوج صفة لا ينبغي للمرأة أن تستهين بها؛ لأن فيها أجراً عظيماً لا يضيع عند الله . كانت بعض نساء الصحابة تصبر على عدم الزواج بعد زوجها وفاءً له وإخلاصاً، لما مات أبو الدرداء خطب معاوية ﵁ زوجته أم الدرداء، فامتنعت، فسأل عن السبب، فقالت: لأنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: (المرأة لآخر أزواجها في الجنة) حديث صحيح، والحديث الآخر: (أنه إذا تزوج المرأة أكثر من زوج فإنها تكون في الجنة مع أحسنهم خلقاً) حديث ضعيف، فالحديث الصحيح إذاً: (أن المرأة لآخر أزواجها في الجنة) فلو تزوجت ثلاثة في الدنيا فهي في الجنة مع الثالث، ولو تزوجت أربعة في الدنيا فهي في الجنة مع الرابع، فـ أم الدرداء من محبتها لزوجها وإخلاصها له بعد موته صبرت عن الزواج مع تقدم الخطاب لها ومنهم الخليفة معاوية ﵁، لكنها رفضته وعنده من النعيم والملك شيء عظيم، وما ذكر ليس واجباً على المرأة إذا مات زوجها، بل يجوز لها أن تتزوج وخصوصاً إذا خشيت على نفسها، أو كانت شابة، أو كان عندها متسع من الجهد والإمكانيات، وربما يكون زواجها خيراً لها من بقائها لوحدها.

стр. 2925

صبر المرأة عن المعاصي المرأة قد يكون زوجها فاسقاً، يدخل عليها في البيت آلات اللهو، وآلات الطرب، والأفلام المحرمة، والمجلات الخليعة، وقد يأتي بأصحاب فساق، وقد يطلب منها أن تقدم لهم الضيافة، وأن تخرج إليهم، وقد يقاومها في الحجاب، وقد يشد حجابها عن رأسها، وقد يشتمها في الشارع ويعيرها؛ لأنها متحجبة أمام الناس نكاية بها وبحجابها، وقد يشرب الخمر، وإذا سكر قام بتصرفات مشينة. فالمجتمع فيه آفات، والشر انتشر فيه إلى درجة أن البيوت صار فيها من كثرة المشاكل ما الله به عليم، تقول بعض النساء: والله لا أريده، وما بقائي معه إلا من أجل أولادي فقط، أخاف إن انفصلت عنه أن يضيع الأولاد، ربما أخذ البنات ورباهن تربية سيئة ليخرجن فاسقات مثله، أنا لا آمن على البنات، لأنه ربما ضيعهن. والصبر مهم للمرأة أيضاً في طلب العلم، فالمرأة تحتاج إلى أن تتفقه في الدين، وأن تعرف أحكام الطهارة، وأحكام الحيض والنفاس، والمسائل المتعلقة بحجاب المرأة في الصلاة، وسجود التلاوة وأشياء كثيرة. المرأة الآن عندها مهمات الزوج والأولاد كلٌ من جهة، والطبخ في البيت، وغسل الملابس، وتنظيف الفرش والحائط وغير ذلك، فكيف تطلب العلم؟ كيف تفتح نفسها لطلب العلم؟ هذه مشكلة تحتاج إلى صبر حقيقة.

стр. 2926

صبر المرأة على أقدار الله المرأة قد تبتلى بزوجٍ يعتبر بلاء من الله، وقد تقع مصيبة كأن يموت زوجها وهي تحبه جداً، قد يموت ولدها وقد تكون متعلقة به جداً. عن أنس ﵁ قال: [مات ابن لـ أبي طلحة من أم سليم] تأمل معي في كيفية التصرف وكيف عالجت الأمور؟ [فقالت لأهلها: لا تحدثوا أبا طلحة بابنه حتى أكون أنا أحدثه] أي: سأخبره بطريقتي الخاصة، قال: [فجاء ولا يدري عن الولد شيئاً، فقربت إليه عشاءً، فأكل وشرب، قال: ثم تصنعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك؛ فوقع بها] السؤال الآن: كيف يطيب للمرأة أن تتصنع وتتزين، وتدع المجال لزوجها ليقع عليها وعندها ولد ميت؟! هذا الفرق بين نساء الصحابة ونساء اليوم [فلما رأت أنه قد شبع وأصاب منها، قالت: يا أبا طلحة، أرأيت لو أن قوماً أعاروا عاريتهم أهل بيتٍ ثم قالوا: ردوا علينا عاريتنا التي أعطيناكم، ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا. قالت: فاحتسب ابنك] فانظر كيف دخلت عليه، أما اليوم فيعرف الرجال أن الولد قد مات من صراخ المرأة، بل بعضهن تنوح إذا جرح الولد وتصيح كأنه قد مات ثلاثة. فيا معشر النساء! انظرن الآن ودققن في تصرف أم سليم! فغضب أبو طلحة، فقال: تركتني حتى إذا تلطخت ثم أخبرتني بابني؟ فانطلق حتى أتى رسول الله ﷺ فأخبره بما كان، فقال رسول الله ﷺ : (بارك الله لكما في غابر ليلتكما) يعني: بما حدث، قال: فحملت أم سليم من تلك الليلة، فكان رسول الله ﷺ في سفر وهي معه، فلما عادوا إلى المدينة وقبل أن يصلوها ضربها المخاض فاحتبس معها أبو طلحة، وانطلق رسول الله ﷺ ، قال: يقول أبو طلحة: إنك لتعلم يا رب أنه يعجبني أن أخرج مع رسولك إذا خرج، وأدخل معه إذا دخل -وذلك من شدة محبة الصحابة للرسول ﷺ ، ويريد أن يكون ملتصقاً به- وقد احتبست بما ترى يا رب، تقول أم سليم بعد الدعاء مباشرة: يا أبا طلحة، لا أجد الذي كنت أجد فانطلق بنا فانطلقنا، ولما قدم المدينة رجع المخاض فولد غلاماً، قال أنس: فقالت لي أمي: يا أنس! لا يرضعه أحد حتى تغدو به على رسول الله ﷺ ، فلما أصبح احتملته فانطلقت به إلى رسول الله، قال: فصادفته ومعه ميسم، فلما رآني قال: لعل أم سليم ولدت؟ قلت: نعم، قال: فوضع الميسم، وجئت به فوضعته في حجره ودعا رسول الله ﷺ بتمرة فلاكها حتى ذابت ثم قذفها في فيِّ الصبي، لذلك أن من السنة أن يحنك المولود بالتمر عند ولادته يأخذ أبوه قطعة من التمر فيمضغها أو يعجنها حتى تذوب تقريباً ثم يضعها في فم المولود ويمررها على حنكه من الداخل فجعل الصبي يتلمظها، قال: فقال رسول الله: (انظروا إلى حب الأنصار التمر) أي: على الفطرة! خرج من بطن أمه وهو يحب التمر، قال: فمسح وجهه وسماه عبد الله. مهم للمرأة أيضاً أن تصبر على ما يصيبها من الأذى في سبيل الله، قد تضطر لأن تُخرج من بلدها، قد تفصل من مكان دراستها ظلماً وعدواناً، أو يحصل لها اضطهاد فيطردها زوجها من البيت، فتخرج من المكان الذي ألفته صابرة محتسبة. عن أبي موسى ﵁ قال: [بلغنا مخرج رسول الله ونحن بـ اليمن، فخرجنا مهاجرين إليه] وكانت معهم أسماء بنت عميس، وذلك أنهم ذهبوا إلى الحبشة مع المسلمين الذين هاجروا من مكة إلى الحبشة حيث التقوا بهم، فقال لهم جعفر بن أبي طالب ﵁: [أنتم خرجتم إلى رسول الله، ونحن أرسلنا رسول الله إلى الحبشة أقيموا معنا] حتى قدموا جميعهم إلى رسول الله ﷺ في المدينة سنة سبع للهجرة، وسمع عمر أن أسماء بنت عميس قالت كلاماً بعدما جاءوا من الحبشة إلى المدينة، فقال: [من هذه؟ قالت: أسماء بنت عميس، قال عمر ﵁: ألحبشية؟ أو قال: ألبحرية هذه؟] يعني: أتت عن طريق البحر، فقالت أسماء: نعم. فقال عمر: سبقناكم في الهجرة، فنحن أحق برسول الله منكم، فغضبت أسماء وقالت كلمة: قالت: كذبت يا عمر! كلا. لقد كنتم مع رسول الله يطعم جائعكم ويعظ جاهلكم وكنا في دار أو في أرض البعداء والبغضاء؛ في الحبشة، وذلك في الله وفي رسوله، وأيم الله لا أطعم طعاماً ولا أشرب شراباً حتى أذكر ما قلت لرسول الله ﷺ ، وذلك أن النجاشي تعرض لمحاولات عزله عن ملكه بعد أن أجار المسلمين، وانقسمت الحبشة على نفسها، وكان الصحابة يخافون؛ لأنه لو غُلِب النجاشي فلا أحد يحميهم؟ والقصة ذكرها الذهبي في السير، لكن ما أقوله هنا هو حديث في الصحيح، وعندما نقول: في الصحيح، فإما أن نعني البخاري ومسلم، أو أحدهما، أو أنه على شرط الحديث الصحيح، وإن لم يرد في البخاري ومسلم. قالت أسماء: وسأذكر ذلك لرسول الله وأسأله، ووالله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد على ذلك. تأمل أمانة المرأة المسلمة، ودقتها في النقل، مع أن النساء تجمح بهن العاطفة والمبالغة والتهويل، فينقلن الخبر أكثر مما كان عليه، كما قال المحدث عن أهل الكوفة: يأتي إليهم الحديث شبراً فيخرج من عندهم ذراعاً. أو أنهن يهولن القصة ويعظمن الحدث حتى يظن السامع أن الدنيا قد قامت ولم تقعد، وهذا من طبع النساء، لكن المرأة المسلمة دقيقة في نقل الأخبار لا تزيد عليها، ولا تتسرع في استنتاجاتها الخاصة، فتقول: حصل كذا، ولا تهول الموضوع، بل تنقله بدقة. تقول أسماء: ووالله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد على ذلك، قال: فلما جاء النبي ﷺ ، قالت: يا نبي الله! إن عمر قال: كذا وكذا، فقال رسول الله: (ليس أحق بي منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أهل السفينة هجرتان) من اليمن إلى الحبشة، ومن الحبشة إلى المدينة، قالت: [فلقد رأيت أبا موسى -وهو من أصحاب الهجرتين وأصحاب السفينة- يأتوني أرسالاً يسألونني عن هذا الحديث ما من الدنيا شيء هم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم رسول الله] قال أبو بردة: قالت أسماء: [ولقد رأيت أبا موسى وإنه ليستعيد هذا الحديث مني] أي: يقول: أعيدي علي أعيدي علي؛ لأن فيه: إنكم أصحاب السفينة لكم هجرتان.

стр. 2927

التضحية من صفات المرأة المسلمة من صفات المرأة المسلمة كذلك: التضحية، فالمرأة المسلمة قد تضحي بنومها من أجل أولادها قد تضحي براحتها من أجل زوجها قد تضحي بشيء من نفقتها المستحقة لها على زوجها المرأة المسلمة تراعي زوجها إذا كان قليل المال فلا تطلب منه أشياء لا يستطيعها، قد يجمع مالاً لشراء سيارة، لا تقول له: عندك مال اشتر لي ثياباً، رأيت فستاناً في محل كذا أريد أن أشتريه، وأدوات الزينة والتجميل. المرأة المسلمة تراعي زوجها فتضحي بشيء من حقها، وتضحي بمالها على زوجها، وتضحي براحتها وتضحي ببدنها ووقتها من أجل زوجها. كثير من الزوجات اللاتي منَّ الله عليهن بالهداية وتزوجن من رجال مستقيمين، الرجل المستقيم له متطلبات كثيرة إذا كان داعية إلى الله أو طالب علم، عليه مسئوليات كثيرة متعددة، دعوته إلى الله ستجعله يبذل من وقته وماله كثيراً، لا بد أن يذهب هنا وهناك، ويحضر جلسات وحلقات علم، ويعلم غيره ويخرج مع غيره. وهو إذا كان طالب علم قد يدخل مكتبته الخاصة ويقفل عليه الباب ويجلس يقرأ بعيداً عن ضجة الأولاد، وبعيداً عن المؤثرات. وقد يكون رجلاً يستغل الكرم في الدعوة إلى الله، فيدعو الناس ويدعو أصحابه وزملاءه على ولائم وعلى غداء وعلى عشاء، وهذا كله فوق رأس من؟ المرأة هي التي ستطبخ لهم، وتلحق العزيمة وراء العزيمة، وزوجها يرجع متأخراً في الليل تعبان وقد لا يكلمها وينام مباشرة، ماله قد ينفق في أشياء أخرى من الطاعات غير النفقة على الزوجة، أو التوسيع على الزوجة. إذا جلس في البيت قد ينشغل بقراءته الخاصة، أو بأبحاثه، ويدخل إلى البيت متعباً ينام قليلاً يطلب الغداء، وبعد العصر مثلاً قد يذهب إلى مشوار، وبعد المغرب يأتي إلى هناك، وبعد العشاء يكون عنده عمل إلخ. أيها الإخوة: المشكلة أن العصر الذي نعيش فيه عصر بعد عنِ الله، وعصر البعد عن الله يطلب من المسلمين مضاعفة الطاقات والجهود، ولا شك أن الرجل في أيام السلف كان عنده وقت لأهله أكثر من الرجل في هذا العصر، لماذا؟ لأن المنكرات كانت في الأول قليلة، والطيبون كثر، والمجتمع الإسلامي نظيف، وليست هناك هذه الثغرات الكثيرة الموجودة الآن التي تتطلب السد المرأة إذا لم يكن عندها تضحية ستتضايق من زوجها حتى ولو كان زوجها مستقيماً. تقول: إنما تزوجتك لتقعد معي أريدك أن تخرج بي أريدك أن تأخذنا في جولة أنا والأولاد أريدك أن تذهب بنا مثلاً إلى منتزه فلان وإلى البر وإلى كذا أريد منك أن توصلني إلى أهلي كل يوم كذا أريد منك أن توصلني إلى صويحباتي وصديقاتي أريد أن أزورهم، وأنت مشغول عني لا تجلس معي ولا تكلمني تأتي متعباً وتنام مباشرة، وما عندك وقت أن تذهب بي في زيارات، وتفاجئني بالولائم والعزائم رن التلفون استعدي خمسة أنفار استعدي عشرين نفراً، وهي قد تتضايق وما عندها الحاجيات الكافية، وهو يقول: عجلي بسرعة الضيوف وصلوا، وهو لم يأتِ بالمصاريف، وهذه الحياة المعروفة فلا يخفى عليكم. فالمرأة لا بد أن تكون صاحبة تضحية، بعض النساء الحقيقة الله يجزيهن الخير على صبرهن، فعلاً هي في تضحية ليست سهلة، هي الآن تعبت وشقيت ووضعت الطعام، يأتي وبسرعة افتحي الباب ويأخذ الباب ويمشي ولا يكلمها كلمة شكر واحدة، والمرأة تتأثر هو الآن فاجأها، أو بدون اتصال، جاء ودخل البيت وعندي الآن أناس، وتشتغل وتعمل ثم يأخذ الأكل وفي الأخير يتكلم مع الناس ويمكن يذهب معهم، ويقول: اجمعي السفرة، أو يدخل لها السفرة على البيت بقضها وقضيضها وأحياناً لا يقول: جزاكم الله خيراً، وأحسن الله إليكم، وأنت اليوم بيضت وجهي عند الضيوف، المفروض أن نقولها، وهي كلمة لطيفة ملاطفة مكافأة لزوجته، اذهب بها وروح عنها عند أهلها أو عند إحدى صديقاتها. أحياناً من الأخطاء: يضع الإنسان زوجته عند عائلة ويذهب مشواراً ويرجع الساعة الحادية عشرة ونصف في الليل أو الثانية عشرة في الليل، والزوجة محرجة من أصحاب البيت، والزوج تأخر. التصرفات مثل هذه كثيرة جداً ولكن المرأة المسلمة التي تضحي في ذات الله وفي سبيل الله مأجورة أجراً عظيماً، والغربيون يقولون: الجندي المجهول، والمرأة في كثير من الأحيان لا نقول: الجندي المجهول، إنما نقول: (إن الله يحب العبد التقي النقي الخفي، إذا غابوا لم يفتقدوا) (طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع). بعض النساء في بعض البيوت مع بعض الرجال حالهم مثل هذا الحال، نسأل الله أن يأجرهن أجراً مضاعفاً. والمرأة تقول أحياناً للرجل: أنت تعلم غيرك، وأنت تنصح غيرك يا زوجي انصحني أنا، علمني أنا ولو كلمة واحدة من هذه الأشياء التي قرأتها، أنت تسمع الآن أعطنا ما نسمعه، وهو قد يهمل في هذا الجانب، وهو شيء موجود عند الرجال مع الأسف. فالمرأة عندما تصبر على هذا وهي ستقرأ وستسمع بنفسها، وأحياناً زوجها يقرأ وهي سألته سؤالاً أخري عني لا تقطعي حبل أفكاري، فمثلما أنك تعلم غيرك علم زوجتك، فعندما تصبر الزوجة على هذا الصدود من زوجها لم يضع هذا الأجر والعمل عند الله إن شاء الله.

стр. 2928

احتساب المرأة المسلمة الاحتساب: هو أن تحتسب المرأة المسلمة كل الأشياء التي تفعلها عند الله ، أن تطلب الأجر من الله وحده، إخلاصها لله سيدفعها إلى أن تحتسب هذه الأمور، والشعور بعظم الأجر وفضل الاحتساب، وما لها عند الله لو صبرت هذا سيدفعها إلى عدم التذمر وعدم التضايق ممن كان هذا حاله مما وصفنا قبل قليل. وأذكر الآن حديثاً صحيحاً أيضاً يبين لنا بجلاء كيف كن نساء الصحابة رضوان الله عليهن يتحملن المشاق في الصبر على الشدائد، ومساعدة الزوج، والوقوف بجانبه، وألفاظ الحديث كافية في التعبير بدون زيادة. في الصحيح عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: (تزوجني الزبير وما له في الأرض من مال ولا مملوك ولا شيء، غير ناضح -الجمل الذي يسقى عليه الماء- وغير فرسه، فكنت أعلف فرسه وأستقي الماء وأخرج به غربه -والغرب هو الدلو الذي يصنع من جلد الثور- وأعلف -تصور الآن تعلف الفرس وتسقي الماء وتخرز الدلو- وتعجن -كل هذه الأشياء وهي تتطلب جهداً كبيراً جداً- ولم أكن أحسن الخبز وكان يخبز جارات لي من الأنصار وكن نسوة صدق وكنت أنقل النوى من أرض الزبير الذي أقطعه رسول الله ﷺ على رأسي -تنقل النوى على رأسها- وهي مني على ثلثي فرسخ، فجئت يوماً والنوى على رأسي، فلقيت رسول الله ﷺ ومعه نفر من الأنصار، فدعاني ثم قال: إخ إخ -وهي الكلمة التي تقال للبعير- حتى نزل ليحملني، فاستحييت أن أسير مع الرجال وذكرت الزبير وغيرته، وكان أغير الناس، فعرف رسول الله ﷺ أني قد استحييت فمضى، فجئت الزبير فقلت: لقيني رسول الله ﷺ وعلى رأسي النوى ومعه نفر من أصحابه، فأناخ لي أركب فاستحييت منه وعرفت غيرتك، فقال الزبير: والله لحملك النوى كان أشد علي من ركوبك معه -يعني كلمة ملاطفة صحيح أنه شيء شاق- قالت: حتى أرسل إلي أبو بكر -أي: لا زالت على هذه الحال- حتى أرسل إلي أبو بكر بخادم يكفيني سياسة الفرس فكأنما أعتقني). فانظر إلى هذه المرأة التي تعمل كل هذه الأعمال وتتعب كل هذا التعب خدمة لزوجها، هذا من الذي يعمله، لو قلنا لرجل يعمله والله لا يعمله، لا يقوى عليه رجل تعمله هذه المرأة، ثم انظروا رحمكم الله إلى هذا التعاون بين النساء، تقول أسماء ﵂: (ما كنت أعرف أخبز فكن نساء الأنصار يخبزن لي، وكن نسوة صدق) وهذا مهم جداً أن يوجد هذا المجتمع النسائي، تعاون على طلب العلم، ومن أجمل الأمثلة التي نسمعها أحياناً عن بعض النساء اللاتي يطلبن العلم كل واحدة معها أطفال، والأطفال إذا صرخوا لا تسمع ولا واحدة من النساء شيء في حلقة العلم، فيتعاونَّ فيوم تمسك الأولاد فلانة، ويوم آخر فلانة، والحلقة التي بعدها تمسك الأولاد فلانة، واحدة تضحي والباقيات يستمعن وينصتن ويتعلمن، ويأتيها الدور وهكذا تعاون. وواحدة من الأمثلة الجميلة: جارات مثلاً سمعن أن فلانة عندها اليوم وليمة كبيرة، فذهبن مباشرة، هذه تطبخ لها في بيتها صنفاً وتأتي به، وتلك تساعدها في بيتها، هذه تفعل وهذه تضع، وهذه تصب، ببساطة توزع العمل، وكل واحدة من النساء زوجها عنده وليمة، فهذه مجموعة تساعد بعضهن بعضاً في هذه الأشياء، فإذاً حياة التعاون مهمة، وبعض الرجال يعزلون نساءهم عن النساء الأخريات، حتى إن المسكينة قد لا تجد من يعينها ومن يشد من أزرها ويساعدها، المفروض أن المرأة لها جارات طيبات، أخوات طيبات، زميلات طيبات، إذا احتاجت لا يكلفها الأمر سوى اتصال: عندي كذا، فتأتي المساعدة مباشرة، هذه الحياة لا بد أن تكون هكذا.

стр. 2929

الهمة العالية كذلك المرأة المسلمة تحتاج إلى صفة الهمة، لماذا الهمة؟ لأنه مع مشاكل الزوج والبيت والأولاد وأحياناً الحمل والرضاع هذا يأخذ الكثير من الجهد والمشقة، إذا ما كان عندها همة مع هذه الأشياء قد تكثر، وقد يضيع أكثر وقتها في النوم، وهذا ما يحصل عند الكثيرات، أكثر الوقت هو وقت النوم، والراحة والتمدد والاسترخاء، إذا لم تكن عند المرأة همة فلن تستفيد المرأة من وقتها، فلا بد من الهمة. أيضاً بالنسبة للاحتساب: بعض النساء لا يفكرن في احتساب الأجر على الحمل والرضاع، تقول: والله هذا كتب الله علي، وتصبر على مضض وهذا حتى يأتي الولد، وقد يكون زوجها ممن يحب الأولاد الواحد تلو الآخر، والمرأة تتعب جداً، فإذا احتسبت كل أنة من أنات الولد، وكل رضعة ترضعه إياه، وكل قومة يوقظها في منتصف الليل وهو يصرخ، فلا يضيع عند الله ولا يذهب هباءً منثوراً، لكن ما الذي يجعل الأجر يثبت؟ الاحتساب والنية الصالحة.

стр. 2930

القناعة بالقليل وكذلك القناعة من الصفات المهمة: أن تقنع المرأة بما رزقها الله، وبما يجلبه الرجل من الأشياء إلى البيت، وبأثاث البيت، ولا تطالب بالمزيد، فالقناعة كنز فعلاً، والذي عنده امرأة قنوعة فإن عنده كنزاً قد لا يقدر بقيمة، ولن يحس بعظم المرأة التي عنده حتى يذهب إلى زوجة أخرى، إذا فقدها جاءه الويل من غيرها، قال: والله تلك زوجتي كانت فعلاً امرأة قنوعة، هذه تتطلب وتتطلب وتتطلب وتلك ما فتحت فمها بشيء، الذي آتي به إلى البيت تعمله، وإذا عرضت عليها شيئاً لأشتريه لها توافق. والحديث الصحيح عن جابر بن عبد الله قال: دخل أبو بكر ﵁ ليستأذن على رسول الله ﷺ فوجد الناس جلوساً ببابه، لم يأذن لأحد منهم، قال: فأذن لـ أبي بكر ﵁ فدخل، ثم أقبل عمر ﵁ فاستأذن فأذن له، فوجد النبي ﷺ جالساً حوله نساءه واجماً ساكتاً، قال: فقال لأقولن شيئاً أضحك النبي ﷺ -الواحد إذا دخل على واحد مغموم لا يزيده غماً، وإنما يحاول أن يبسط أساريره، وأن يروح عن نفسه ما هو فيه، فقال عمر: (يا رسول الله! لو رأيت بنت خارجة -يعني زوجته- سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها، فضحك رسول الله ﷺ ، وقال: هن حولي يسألنني النفقة، فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها، وقام عمر إلى حفصة بنته يجأ عنقها، كلاهما يقول: تسألن رسول الله ما ليس عنده؟ قلن: والله ما نسأل رسول الله ﷺ شيئاً أبداً ليس عنده). الزوج أحياناً يحتاج إلى تأييد أقارب الزوجة، هذه من أهم الأشياء على أقارب الزوجة أن يراعوا الرجل، لو رأوا أن ابنتهم تطلب الكثير عليهم أن ينصحوها، يا فلانة، هذا ليس في مصلحتك، هذا الكلام قد يغضب الرجل ويأتي بتصرف لا تحمد عقباه، قد لا يستطيع غداً أن يعيش معك. وبالذات من النساء مثل كلام الأم مع ابنتها في هذا الموضوع أشد تأثيراً من كلام الرجل مع ابنته المتزوجة، وكلام الأخت لأختها كذلك، فعلى النساء أن ينظرن إلى هذه المسألة بعين الاعتبار.

стр. 2931

الحنان والشفقة على الزوج والأولاد من الأمور المهمة والصفات: صفة الحنان والشفقة: المرأة القاسية القلب الفضة الغليظة يمقتها ربها كما يمقتها البشر أيضاً، وحدثنا رسول الله ﷺ حديثاً في الصحيح قال: (ودنت مني النار حتى قلت: أي رب! فإذا امرأة تخدشها هرة) -النبي ﷺ أراه الله النار فيها امرأة تخدشها هرة في وجهها- (قلت: ما شأن هذه؟ قالوا: حبستها حتى ماتت جوعاً، لا أطعمتها ولا أرسلتها تأكل من الخشاش) فإذاً المرأة إذا كانت فضة وغليظة تقسو على الرجل، وتقسو على الأولاد، وعلى الحيوانات والجارات والأخوات، فإن الجميع سينفر منها ويكرهونها، ومن الصفات المهمة وجود الحنان، والحنان صفة المرأة لأنها مجبولة عليه، لا يزول إلا إذا طبع الله على القلب. ولذلك يقول النبي ﵊ في الحديث الصحيح: (خير نساء ركبن الإبل صالح نساء قريش؛ أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده) ليس هناك أشد منهن حناناً على الولد في الصغر، ولا أشد رعاية لمال الزوج ولممتلكات الزوج. وهذا الحديث رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن أبي هريرة، وله قصة: أنه ﵊ خطب أم هانئ فاعتذرت بكبر سنها وأنها أم عيال، فرفقت بالنبي ﷺ ألا يتأذى بمسنة، قالت: أنا مسنة لا أدع الرسول يتأذى بمسنة، ولا بمخالطة أولادها، لأن الرجل لو أتاه أولاد من امرأة أخرى ليس مثل أولاده مهما كان، صحيح أنهم ليسوا أولاده لكن لا يعني هذا أن يعاملهم بالفضاضة والغلظة، يعني بعض النساء مسكينة عندها أولاد من زوج آخر، ثم تزوجها رجل وضم الأولاد إليه لكن لا يعطف على الأولاد، ولا يعامل أولادها من الزوج الآخر بمثل أولاده، وربما يشتري لأولاده هدايا، وألعاباً، وأشياء ويترك أولادها، يا أخي هؤلاء أيتام، وهؤلاء قد يكون أبوهم طلق المرأة ظلماً، أنت ضمهم إلى أولادك يأجرك الله . والحنان من الأشياء التي فقدها النساء خصوصاً في المجتمع الغربي، وأنا أنقل لكم هذا الكلام من امرأة والفضل ما شهدت به الأعداء، أو قل: وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا، هذه مريم كوربي وهي سيدة هولندية وأم لثلاثة أطفال تقول: زوجي يعمل من الثامنة صباحاً وحتى السادسة مساءً، وأنا أعمل من الثامنة صباحاً حتى الواحدة ظهراً، أعتقد أننا في حالة مادية معقولة، ونسكن في شقة جيدة، ويبدو أن هذا لا يكفي، فثمة تشققات هائلة داخل العائلة، لكأننا من عالم غريب مختلف عن عالم أطفالنا، أنا وزوجي نجتر بعض الحنين السابق، وبعض التفاعل السابق، الأمر لأطفالنا مغايرٌ تماماً، قد أكون مخطئة لكنني أشعر بحدس الأم أن أطفالي ملوثون بيأس خاص أعتقد أنه استوطن بقوة في اللاوعي، إنني لا أفهم الدافع لذلك، فهم يتابعون دروسهم في المدرسة، كما أنهم يشاهدون التلفزيون كل مساء، ولقد سألت أحد الأصدقاء وهو أستاذ في علم النفس عن هذه الحالة، فأجاب أن ملاحظتي هذه مجرد خيال، وأن الأطفال في صحة حضارية جيدة -انظر الكلام الفاضي؛ الأطفال في الغرب بهذه النظرة، ما دام عنده مدرسة وبيت ومال وحاجيات، وعنده وسائل اللهو واللعب، فهو لا يحتاج أكثر من ذلك- كلمة حضارية هذه هي التي أفزعتني، فأنا أعتقد أن أولادي ككل الأولاد الآخرين، يعانون حصاراً ما، إنني لا أفهم، كل ما أستطيع أن أقوله هو أن الحنان الذي أقدمه لأطفالي لا يكفيهم على ما يبدو، لا يمكنني أن أقدم أكثر من ذلك، وأعتقد أننا نبني جيلاً يكرهنا بالضرورة. فعلاً الحنان هو السر، السر في كل الكلام، هذه الجملة الأخيرة التي قالتها: كل ما أستطيع أن أقوله هو أن الحنان الذي أقدمه لأطفالي لا يكفي. ولذلك فإن خروج المرأة من بيتها دمار، وعملها خارج البيت دمارٌ على دمار، وانشغالها عن بيتها وعن أطفالها مصيبة، والآن مع وجود مشكلة الخادمات هذه صار الطفل يتعلق بالخادمة أكثر من أمه، الأم الآن صارت تقرف أنها تغير لولدها -أعزكم الله- اذهبي يا خادمة غيري له، الرضاعة يرضع من النيدو، وصار الجيل جيل النيدو محروماً من إرضاع الأم، وحنان الأم، فالخادمة هي التي توقظه، وهي التي تلبسه للمدرسة، وهي تستقبله من المدرسة، وهي التي تصنع له طعامه، وهي التي وفي النهاية وصلنا إلى مستوى عجيب. واحد من إخواني يقول: ذهبت العائلة إلى المطار الأم والأب والولد والأولاد لأن الخادمة تريد أن تسافر، يقول فلما ذهبت الخادمة إلى صالة السفر ودخلت الأطفال بدأوا يبكون بشكل عجيب في صالة المطار، والذي يخلع يده من أمه، والذي يصيح، والذي متأثر جداً؛ لأن الخادمة تريد أن تسافر، والله لو أمه تريد أن تسافر ما سأل عنها، لأن الخادمة كل شيء، ومهما كانت الخادمة لن تعطي الحنان للطفل مثل الأم، فالآن هذه مشكلة اجتماعية خطيرة، صحيح أن الخادمة قد تنظف البيت، وتغسل الصحون، وتعتني بكي الملابس، لكن الأشياء المتعلقة بذات الطفل والزوج ينبغي على الأم أن تشتغل بنفسها في هذا الجانب، كل شيء تصنعه الخادمة، وفي النهاية الأم تقول: مع السلامة، قبلة باردة تطبعها على الوجه ويكفي، من أين له أن يحس بالحنان؟

стр. 2932

الحياء المطلوب من المرأة المسلمة كذلك من الصفات المهمة للمرأة: الحياء؛ الحياء صفة مهمة، والرسول ﷺ وُصِفَ أنه كان أشد حياءً من العذراء في خدرها، إذاً المرأة بطبيعة الحال تستحي، وينبغي لها أن تستحي لأن هذا خلقها، ولما خرجت من البيت وصارت الحفلات، والذهاب إلى الأسواق وصار التبرج والتهتك ذهب الحياء وهذا شيء طبيعي جداً، ماذا ننتظر بالله؟ تخرج نساؤنا إلى الشوارع، والأسواق، والحفلات، والزينات، والتبرج، والخلوة بالسائق وو ثم بعد ذلك نريد منهن حياءً، لن يحدث هذا، الله جعل لكل شيء سبباً. أيضاً من ضمن هذه الملاحظات: قضية كلام المرأة مع الرجل الأجنبي، صار الآن شيئاً طبيعياً جداً، وصارت تكلمه بالهاتف، وتستقبله في البيت وقد تتحدث معه، وقد تتحدث مع السائق بكلام طويل، وتتحدث مع ابن عمها بكلام طويل، ومع ابن خالها وهو رجل أجنبي عنها، فإذاً ذهب الحياء، وفي المدرسة أيضاً يحدث أو في الخروج من المدرسة هذا التهتك في الأسواق. بالنسبة لبعض الأصناف من النساء يعني مثلاً: الطبيبات، إذا لم تنتبه إلى نفسها قد يذهب حياؤها، ولا شك بتجربة المجربين أن الطبيبات في المستشفيات أقل حياءً من باقي الأصناف من النساء؛ لأنها تخالط الرجال، والأطباء والمرضى، وتذهب وتأتي في المستشفى رائحة غادية، ففقدت الحياء، وشيء طيب أن بعض النساء عندما تذهب إلى الطبيب ولا توجد طبيبة نسائية لا ترضى أن تكشف بسهولة هذا شيء مهم جداً، وهذه ظاهرة طيبة، ينبغي أن نبقي هذه الأشياء ولا نزيلها من نفسية المرأة، وأحياناً الأمر في بعض البيئات التي فيها رجال ونساء نجد التضاحك والنكت مع بعض الأجانب وكأنه أخوها.

стр. 2933

الشجاعة من الصفات المهمة للمرأة المسلمة من صفات المرأة المسلمة الشجاعة في مواجهة اللحظات الطارئة في مواجهة اللحظات الحرجة، قد يحصل حادث، قد يجرح الولد، قد ينزل منه الدم أنت عندما تحلل المشكلة النفسية لماذا يخاف بعض الأولاد ويصيح لو رأى الدم خرج منه؟ لماذا خاف الطفل من الدم؟ يمكن ألا يخاف، لكن بسبب التربية، لأن الأم إذا جرح الولد وشاهدت الدم فزعت وصاحت وخافت، الولد المسكين يعرف أن الأم كلما نزل الدم فإذاً هي تصيح، إذاً هذه مصيبة، فصار الطفل أيضاً يجزع، فانتقلت المسألة والخوف والفزع من الأم إلى الطفل. إذاً: التربية مهمة لا بد أن تكون الحركة متماسكة، فإذا جرح يده أو مرض لا تلطم وتندب وتصيح وتفزع فيخاف الولد ويتربى على الجبن، لماذا أطفالنا الآن في حالة سيئة؟ من هذه الأشياء. ومن الأمثلة على الشجاعة التي وردت في السيرة: ما ورد في صحيح البخاري أن الرسول ﷺ كان ساجداً عند الكعبة فبعض الكفار تواصوا، وقالوا: من يأتي بسلى جزور بني فلان ويطرحه على ظهر النبي ﵊، فأتى رجل بسلى الجزور وكرشة البعير المملوءة بهذه البقايا والمخلفات على كراهة رائحتها ووضعها على ظهره وهو ساجد ﷺ ، ثم أقبلوا يتضاحكون -لعنهم الله- حتى مال بعضهم على بعض من الضحك كما في صحيح البخاري، فبقي ﷺ لا يرفع من السجود، فانطلق منطلق إلى فاطمة وهي جويرية، يعني بنت صغيرة فأقبلت تسعى قال: أبوك وضعوا عليه كذا، فجاءت تركض، فطرحت عن ظهره الأذى، وأقبلت عليهم تسبهم ودعت على من صنع ذلك، وهي بنت صغيرة، ما خافت من صناديد قريش، ولا من كفار قريش. إذاًَ: الشجاعة في مواقف كثيرة قد تواجهها المرأة، لا بد أن تكون هذه صفة ملازمة.

стр. 2934

الانقياد وخصوصاً للزوج وموافقته على آرائه قال ﵊: (خير نسائكم الودود الولود -الودود أي: المتحببة إلى زوجها- المواتية -الموافقة لزوجها- المواسية -التي تواسيه لو صار فيه خطب أو حزن- إذا اتقين الله -إذا خفنه وأطعنه- وشر نسائكم المتبرجات المتخيلات -أي: المعجبات المتكبرات- وهن المنافقات لا يدخل الجنة منهن إلا مثل الغراب الأعصم) حديث صحيح في صحيح الجامع رواه البيهقي عن أبي أذينة. ما هو الغراب الأعصم؟ هو الذي منقاره ورجلاه لونها أحمر، هل رأيتم غراباً أحمر المنقار والرجلين؟! نادر جداً، ولذلك يقول الرسول ﷺ على هذه الندرة، وأقل ساكنين الجنة النساء، وأكثر أهل النار النساء، النساء الآن أكثر من الرجال، لكن بسبب غلبة النفس الأمارة بالسوء، وكثرة انقياد المرأة إلى مزالق الشيطان، والمرأة من انقيادها أنها تأخذ برأي الرجل الحكيم، قد ينصحها أبوها: هذا الرجل لا يصلح لك، هذا إنسان فاسق، هذا سألنا عنه كذا وكذا، أحياناً البنت تركب رأسها وتقول لأبيها: إني أريده، ولا بد، ولا تكلم أباها، وتقاطعه، وتقلب وجهها، وتتغير ملامحها أمام أهلها، وأمام أمها، وتدخل من الخارج إذا كانت موظفة أو مدرسة وتغلق على نفسها الباب ولا تأكل، ويصيبها المرض، ويذهبون بها إلى المستشفى، كل هذا عناداً لهم، لماذا؟! فإذا كانوا هم غير محقين، قد يكون عندك مبرر تفعلين هذا، لكن أحياناً يكون الأب طيباً حريصاً على مصلحة البنت. وهذه القصة عن الصحابية فاطمة بنت قيس تبين لنا عاقبة الأخذ بالرأي الحميد فعن فاطمة بنت قيس ﵂ أن زوجها طلقها ثلاثاً فلم يجعل لها رسول الله سكناً ولا نفقة، قالت: قال لي رسول الله: (إذا حللت فآذنيني) أخبريني إذا انتهت العدة، فآذنته فخطبها معاوية وأبو جهم وأسامة بن زيد، تقدم ثلاثة لخطبة فاطمة بنت قيس، فقال رسول الله: (أما معاوية فرجل ترب -فقير مسكين وقد لا يناسبك- وأما أبو جهم فرجل ضراب للنساء -لا يضع عصاه عن عاتقه كناية عن كثرة ضربه للنساء- ولكن أسامة بن زيد) فقالت بيدها هكذا: أسامة أسامة إشارة للاستغراب! لماذا قالت بيدها هكذا؟ لأن أسامة كان مولى، وكان أيضاً أسود اللون؛ وليس من نفس طبقتها، وكان أبوه زيد بن حارثة أبيض حتى إن بعض الناس شككوا في نسب أسامة من زيد، قالوا: كيف يكون أسود من أبيض؟ فكان الرسول ﷺ لحبه لهما يتأذى من هذه الأشياء، وثبت في الحديث الصحيح أن رجلاً من الأعراب عنده خبرة بالقافة، من أثر الأرجل يعرف العلاقات، فلما دخل كان أسامة وأبوه نائمين قد تغطيا بشيء فلم يبدُ إلا أقدامهما، فدخل الأعرابي الرجل الخبير فنظر في القدمين، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض، فالرسول ﷺ سر جداً بهذا الكلام، لأنه قطع الكلام، وهؤلاء القافة لهم عجب في هذا، أنه قد يخبر من هي؟ وهل هي حامل أو لا؟ وهل هي شابة أو عجوز؟ فقالت بيدها هكذا فقال لها رسول الله: (طاعة الله وطاعة رسوله خير لك، قالت: فتزوجته فاغتبطت) أي: تزوجته فسُرَّت وارتاحت وعاشت معه عيشة سعيدة.

стр. 2935

الوعي العلمي للمرأة المسلمة ختاماً: نختم كلامنا بصفة مهمة من صفات المرأة أو لازمة للمرأة المسلمة: وهي صفة الوعي: إن صفة الوعي صفة مهمة، فالمرأة المسلمة تدار حولها المؤامرات، وتنسج لها شباك التحرر والرذيلة حتى تقع فيها، فإذا لم تكن المرأة على مستوى من الوعي، ومطلعة، وتقرأ، وكانت امرأة فاهمة، بل كانت مغفلة وسطحية ولا تستطيع أن تواجه المخطط، ولا أن ترد كيد الأعداء في نحرهم؛ قد تقع بسهولة في أشياء مثل مساجد الضرار، ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، ومساجد الضرار التي أنشئت لتحتوي المرأة ولتوقعها في الرذيلة، ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، وقد تكون من الجمعيات التي لها ارتباطٌ بأعداء الله تخرب المرأة، والمرأة مسكينة تجد أشياء خيرية ثم تذهب فتجد رفيقات السوء وتجد المجتمع السيئ وتذهب وتضيع وتنحل، إذا لم يوجد هناك وعي فإن المرأة تبتلع بسهولة وتسقط في حبائل شياطين الإنس والجن. فنحن لا نريد أن يكون حال المرأة كما قال الشاعر الأول: علموهن الغزل والنسج والردن وخلوا كتابة وقراءة علموهن هذه الأشياء واتركها لا تقرأ ولا تكتب فصلاة الفتاة بالحمد والإخلاص تُجزئ عن يونس وبراءة هكذا يدعي، وقال آخر: ما للنساء والكتابة والعمالة والخطابة هذا لنا ولهن منا أن يبتن على جنابة سبحان الله! انظر إلى عقلية الرجل، فقط المرأة وظيفتها أن يعاشرها ويجامعها. لا يا أخي! هذه امرأة عندها طاقات، لكن المشكلة ما هي الحدود والضوابط الشرعية ماذا تقرأ المرأة؟ ما هي المجالات المناسبة لدراسة المرأة؟ سئل الشيخ عبد العزيز بن باز عن هذا الموضوع، فقال: ما فائدة دراسة المرأة مثلاً لأشياء من الهندسات التي لا فائدة فيها، لكن تدرس مثلاً: العلم الشرعي اللغة العربية الطب أو أي شيء مثل: التمريض في الحدود الشرعية في البيئات الشرعية والأماكن الشرعية بالإشراف الشرعي، فعند ذلك تخرج النوعيات المنتجة في المجتمع، وكذلك يدخل في مسألة الوعي غير إحباط المخططات الهدامة: قضية وعي المرأة عند الزواج، بعض النساء لا تعرف من سذاجتها وقلة وعيها كيف تسأل عن زوجها، وتقدم لها واحد فسألت قالوا: يصلي وفيه خير وأخلاقه جيدة جداً. واحدة سألت تقول: إني تزوجت رجلاً فقالوا عنه: إنه ذو أخلاق وجيد وملتزم بالسنة وإنسان دين مستقيم، فلما دخل بي وجدت أنه لا يصلي ويستعمل المخدرات، قلت: سبحان الله العظيم! ألا يوجد تمييز أبداً؟! كيف؟! أنت عندما ترى المسألة أنه صالح ومستقيم وداعية إلى الله ودين وخير وملتزم بالسنة، ثم يكون في حقيقة الأمر أنه لا يصلي ويستعمل مخدرات، يعني هناك خلل وهناك شيء غريب في الموضوع، ليس هناك وعي في السؤال عن الزوج ولا عن تقصي الأخبار، يقابله في النوع الآخر غلو. امرأة تقول: أنا سألت عن زوجي، مديره وأصحابه في العمل، وسألت ولد عمه، وسألت رجالاً، وأجريت اتصالات تقول: أريد أن أتوثق، فهذا كلام لا داعي له، فإذاً لا بد من قنوات اتصال مع أن المرأة تستطيع أن تسأل النساء لكن الوعي يكمن في تحليل الأخبار، وتبين مدى ثقة هذا الخبر من ذاك الخبر، واستبيان مدى ثقة هذا المصدر من ذلك المصدر، واستبيان هل هذا الخبر فيه عاطفة وتهويل، أو فعلاً من جهة موثوقة؟ هنا تكمن قضية الوعي أيضاً. وأذكر هنا حادثة طريفة في نهاية الكلام: امرأة تورطت مع رجل وسألت عنه فقالوا لها: هذا زوج صالح فعقد عليها، فقبل الدخول قال لها: لماذا لا نذهب نتفسح أو نأخذ جولة على محلات الأثاث أو كذا من هذا النوع؟ فذهبت معه وهذا شيء جائز لأنه زوجها حتى لو لم تكن هناك وليمة، ففي الطريق تقول هذه المرأة: لاحظت أن الرجل هاوٍ، تارة يفتح الراديو وتارة الموسيقى رافعاً الصوت، فتقول: انفجعت وقلت: هذا ليس الرجل ولكن تريد أن تتبين الأمر، فقالت له وكان فيها ذكاء وحنكة: ما رأيك بـ عبد الحليم حافظ الفنان الفلاني؟ فالرجل أبدى الاستغراب، وقال: لا يجوز، الغناء حرام وكيف قالت له: أنا سمعت له كذا وكذا وأعرف قصة يعني عادية، فقال: هاه، وسردت له أشياء كانت تعرفها من جاهليتها السابقة، فبعد ما سردت له قال: الحمد لله، والله أنا كنت أظنك معقدة ومتزمتة ورجعية ومتخلفة وأنا تعبت وأنا أظهر كذا، الحمد لله أنك وفرت علي المشوار، ولن أتكلف بالتظاهر بهذا، الحمد لله الآن أصبحنا أنا وإياك متفاهمين وعلى خط واحد وهذا الشريط نسمع فيه، فلما وصلت إلى البيت طلبت منه فسخ العقد، وقالت: ضحكت علي وأنت كذا. لكن ليس كل النساء يتهيأ لهن هذه الفرصة في الاختبار، يمكن أن تتورط فعلاً، فالشاهد من الكلام أن مسألة الوعي بهذه الأمور وعدم الاستعجال من المرأة في انتقاء الزوج وإحسان العلاقة معه والعشرة هذا شيء لابد منه. وهذه آخر نصيحة أوجهها وهي إحسان العشرة والمعاملة الطيبة من كلا الجانبين للآخر، وألا تغتر المرأة وتكره زوجها، قد تقول: هذا قبيح وأنا جميلة، هذا مستواه الاجتماعي منخفض وأنا عالي، أو تقول: أنا ذكية وهو بطيء الفهم، أو أنا أعلم منه، على المرأة هذه أن تتقي الله ، وأن ترعى حق الله في نفسها وفي زوجها. وختاماً: أيها الإخوة! أسأل الله لي ولكم الهداية في كل الأمور، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرزقنا وإياكم حسن التصرف في الأمور كلها، والله أعلم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 2936

خطورة عيد الحب/ ألعاب البوكيمون إن ظاهرة التشبه بالكافرين ظاهرة قد انتشرت وتفشت، ومن أوجه التشبه التي عمت وطمت في الأمة التشبه بأعياد الكافرين، ومنها ما يسمى (بعيد الحب) أو (عيد العشاق). وفي هذا الدرس قد بين الشيخ خطر هذا العيد وأصله والهدف من نشره بين المسلمين، كما ذكر كلام أهل العلم في حكم التشبه بالكافرين ومشاركتهم أعيادهم. ثم نبه على خطر آخر يحاك ضد أطفال المسلمين، وذلك من خلال عرض لعبة البوكيمون، فقد وضح خطر هذه اللعبة على عقيدة الأطفال، وذكر قصصاً تبين ذلك، وأشار الشيخ إلى دور المسلم تجاه هذه المؤامرات.

стр. 2937

التحذير من تقليد الكفار بأعيادهم الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. الحمد لله الذي ميَّز أهل الإسلام على أهل الأوثان والشرك والكفر، وجعل أهل الإسلام كالشامة بين الناس، يعرفون بعقيدتهم ودينهم، وسمتهم وخلقهم: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ [المائدة:٤٨] فحذرنا عن اتباع الملل الأخرى وطرقها، ونهى نبيه ﷺ عن ذلك، وأمره بالحذر من أن يتبع الكفار في شيء من دينهم: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥] (والذي نفس محمد بيده! لا يسمع بي يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار) فهذه الأديان الموجودة في هذا العصر -سوى دين الإسلام- أديان باطلة لا تزيد متبعها من ربه إلا بعداً.

стр. 2938

التحذير من اتباع الكافرين عباد الله: لقد أخبرنا النبي ﷺ عن أمر سيقع في الأمة ليس حتى نستسلم له ولكن حتى نحذر منه. أيها الإخوة: عندما قال لنا رسول الله ﷺ : (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب، لدخلتموه، قال الصحابة: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟) أي: من غير اليهود والنصارى أعني؟ وفي حديث ابن عمر ﵄، قال رسول الله ﷺ : (ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل مثلاً بمثلٍ، حذو النعل بالنعل، حتى لو كان فيهم من نكح أمه علانية، كان في أمتي مثله) أخرجه الحاكم. وقد وقع ما أخبر به النبي ﷺ وانتشر ذلك في الأزمنة المتأخرة، من اتباع كثير من المسلمين لأعداء الله تعالى في عاداتهم وتقاليدهم وسلوكياتهم وقدواتهم، قلدوهم في الشعائر، قلدوهم في الأعياد، وكان ذلك نتيجة لغلبة الكفار، والمغلوب مولع بتقليد الغالب، وكانت المتابعة للنصارى في كثير من الأحيان.

стр. 2939

عيد الحب أصله والهدف منه أيها الإخوة: إننا نجد ظاهرة في انتشار التقليد للكفرة بين شباب المسلمين ذكوراً وإناثاً ظاهرة لا تبشر بخير، ومن ذلك ما يقدم عليه الكفرة من الاحتفال بعيد لهم، يسمونه: بعيد الحب. وهو عيد وثني من عهد الرومان، عيد من الأساطير والخرافات دخل على النصارى من الوثنية، وكذلك قيل: اسم قديس لهم يسمى فلنتايم، اضطهده الرومان قبل دخولهم في النصرانية، وكان وقت مقتله عيداً لهم؛ لأنه يدعو إلى الحب، والتقارب بين الجنسين، وهذا سواء كان وثنياً كما يدل عليه رسم كيوبيد الممثل بطفل له جناحان ومعه سهم وقوس -هذا إله الحب عند الرومان، وهو من الآلهة التي يعبدونها من دون الله- أو سواء كان احتفالاً بإحياء ذكرى ذلك القسيس النصراني، فإن كلا الأمرين خطير جداً أن يحتفل مسلم أو مسلمة بإله يعبد من دون الله من دين الوثنية الرومانية، أو بإحياء ذكرى قسيس من قساوسة النصارى، كلاهما مصيبة عظيمة. هذا التقليد النصراني الذي كان وراء إفساد كثير من الشباب والشابات حتى أبطلته النصرانية في وقت من الأوقات، ثم رجعوا إليه مرة أخرى، واليوم يقوم أناس من المسلمين بالاحتفال به وكتابة الكلمات الغرامية، وإرسال بطاقات التهنئة مصحوبة بهذه الأشياء العاطفية، هذه الأمور الخطيرة والخطيرة جداً على عقيدتنا وديننا. هذه المظاهر من البهجة والسرور التي تظهر في الأعياد، وتبادل الورود الحمراء؛ تعبيراً عن الحب الذي كان عند الرومان وثنياً لعبادات من دون الله، أو عند النصارى عشقاً بين الحبيب ومحبوبته، ولذلك سمي بعيد العشاق، وتوزيعاً لبطاقات التهنئة المرسوم عليها صورة الإله الذي يعبد من دون الله، أو تبادل تلك الكلمات من العشق والغرام، شعراً ونثراً، أو معها صور ضاحكة وأقوال هزلية، حتى كتب على البطاقات: كن فلنتينياً، هذا المفهوم النصراني أو الوثني، عندما يتسلل إلى بناتنا وأبنائنا ويدخل عقول المسلمين فيحتفلون به، ماذا يعني ذلك؟ إنه شعار الكفر ورب الكعبة! وتقليد النصارى والكفرة فيما هو مصادم لدين الإسلام تمام المصادمة.

стр. 2940

نتيجة اهتمام الشباب بعيد الحب ثم يا عباد الله! تأملوا فيما ينبني على ذلك من شيوع الفاحشة في الذين آمنوا، وحفلات نهارية، وسهرات ليلية، ومناسبات مختلطة راقصة، وورود، وصناديق شكولاتة ترسل إلى الزوجات والصديقات والعشيقات أيضاً، إن هذه القضية عندما تكون في عقل مسلم أنه يحتفل تقليداً للأمة الضالة، وخلطاً بين الشرك والتوحيد، بين العقل والخرافة، وبين الآلة والأسطورة، عندما يقع ذلك -أيها المسلمون- فإننا لا بد أن نعي أن الخطر جسيم، وأن القضية تمثل تهديداً جاداً لإسلامنا وعقيدتنا، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِين﴾ [الزمر:٦٥ - ٦٦] بما أن المسألة لها جذور وثنية شركية، والله قال في كتابه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾ [النساء:٤٨]. وقال الله على لسان عيسى ﵇: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢] فلا يقل: إنني لا أقصد شركاً ولا أقصد عبادة من دون الله، فهذه جذور القضية، وهذا أصلها: (ومن تشبه بقوم فهو منهم). ثم ماذا يقصد؟ يقصد إحياء المشاعر والعواطف تجاه من؟ إن قال: تجاه الصديقة والعشيقة، فهذه مصبية عظمية وطامة كبيرة، وإشاعة للفاحشة بين المسلمين، وإن قال: أقصدها مواعدات وغراميات، وحفلات راقصة، فنقول: ألم يقل الله تعالى: (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً) [النساء:٢٧]؟ إذاً هؤلاء يريدون إثارة الشهوات، وأن يميل الإنسان الضعيف بقلبه إلى المحرمات، فلماذا إذاً يحدث ذلك فيما بيننا؟

стр. 2941

العيد الإسلامي من شعائر الإسلام أيها المسلمون: يجب ألا ننسى أن الأعياد في الإسلام هي عبادات تقرب إلى الله تعالى، وهي من الشعائر الدينية التي تقرب إلى الله، ما هي الأعياد الشرعية؟ عيد الفطر، وعيد الأضحى ولا يوجد غيرهما في السنة، وعيد الجمعة الذي نحضره اليوم، هذه عبادات توقيفية، أعيادنا إذاً من صميم ديننا، أعيادنا لها أدلة، أعيادنا ليست اختراعات، أعيادنا ليست عادات، أعيادنا ليست تقاليد، أعيادنا ليست قابلة للتطوير، أعيادنا غير قابلة للزيادة، وغير قابلة للنقصان، فأعيادنا -أيها المسلمون- من يتأمل النصوص الشرعية فيها يجدها أعياداً محددة مؤقتة، حتى تقديمها أو تأخيرها لا يجوز.

стр. 2942

التشبه بالكافرين ومشاركتهم في أعيادهم أيها المسلمون: إن مسألة الأعياد مسألة دينية، ثم قل لي: أليس في مشاركة هؤلاء النصارى أو الوثنيين في مثل هذه الأعياد تشبهاً بهم؟ وقد قال الله: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران:١٠٥] والكاف في قوله: (ولا تكونوا كالذين) للتشبيه. إن الواجب على المؤمنين أن يكونوا ممن تخشع قلوبهم لذكر الله، ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم، هؤلاء اليهود والنصارى طال عليهم العهد والزمن والوقت، فغيروا دينهم، حرفوا كتبهم، ابتدعوا ما لم يشرع لهم، وتركوا ما أمرهم الله به، ثم إن نبينا ﵊ قد قال: (من تشبه بقوم فهو منهم). قال شيخ الإسلام في هذا الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وأبو داود: هذا الحديث أقل أحواله أنه يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم؛ لأن معنى قوله:) فهو منهم) ظاهره كفر المتشبه بهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١]. قال الصنعاني ﵀: فإذا تشبه بالكافر في زيٍ واعتقد أنه يكون بذلك مثله كفر، فإن لم يعتقد ففيه خلاف بين الفقهاء، منهم من قال: يكفر وهو ظاهر الحديث، فهو منهم، ومنهم من قال: لا يكفر ولكن يؤدب. وقد نقل شيخ الإسلام الإجماع على حرمة التشبه بالكفار في أعيادهم في وقت الصحابة رضوان الله عليهم.

стр. 2943

التشبه بأعياد الكفار أخطر من التشبه بزيهم والتشبه بالكفار فيما هو من شأنهم، كعيد الحب، أخطر من التشبه بهم في أزيائهم أو ملابسهم وسلوكياتهم؛ لأن دينهم إما مخترع أو محرف، وما لم يحرف منه فهو منسوخ، فكيف إذا كانت القضية احتفالاً بعيد الحب، وتشبهاً بعبادة الأوثان كما كان عند الرومان، وبأهل الكتاب في هذا القديس الذي قيل: إنه شخصية خرافية، وقيل: إنه شخصية حقيقية لكنهم غلو فيه، فالأمران أحلاهما مر. والمقصود مما تدندن حوله القنوات الفضائية، والاحتفالات التي تكون فيها، والبرامج المخصصة في هذه القنوات وغيرها هو: إشاعة الفاحشة في المؤمنين، إنه مخطط كبير، لكي يقبل الشباب والشابات من أبناء المسلمين على هذه الثورات الشهوانية البهيمية الحيوانية التي يريدون من ورائها تحطيم الأمة. قل لي يا أيها المسلم: لو وضعت نفسك مكان مخطط يهودي يخشى أن تجتمع طاقات الأمة والشباب فيها على غزو اليهود أو الانتقام من النصارى، فما هي الطرق التي تذيب بها هذه الإرادات للجهاد؟ كيف تحطم أمة تخشى منها؟ كيف تلهي أمة عن الواجب الذي يخشى منه هؤلاء اليهود والنصارى؟ الجواب بإلهائهم بشتى أنواع الإلهاء، وإثارة الشهوات فيهم، وهكذا يقوم عيد الحب بدوره وإحيائه في هذه القنوات وفي غيرها؛ لأجل تحطيم إرادة الجهاد، وتحطيم النقاء والطهر الموجود في أبناء المسلمين وبناتهم، إن المسألة إذاً خطة والذي قد دخل فيها دون أن يعلم أنها مخطط فهو مغفل مسكين إن إنساق وصار أداة من الأدوات. والله تعالى لا يرضى لعباده الكفر، والله نهانا عن الذين قاتلونا في الدين أن نبرهم ونقسط إليهم، وقال: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة:٢٢]. فما معنى إذاً الترويج للنصرانيات الفاجرات وغيرهن في تعليق شباب المسلمين بتلك الشخصيات؟ قل لي يا عبد الله: إن ظهور مثل أولئك على الشاشات، وهذه الدعايات العظمية التي تقوم لأولئك النصرانيات الفاجرات وغيرهن من أبناء المسلمين المتأثرين بهن، عندما تعرض على الملأ، وعندما يحب هؤلاء المشاهدون ويقلدون تلك الشخصيات التي تروج لمثل عيد الحب وغيره، وتنتهي الورود الحمراء من المحلات، وتدخل داعية مسلمة إلى قاعة في مدرسة، لتلقي على الطالبات في هذا اليوم، فإذا بها تفاجأ بما يحطم المعنويات ويحبط الآمال، فترى كل بنت تقريباً في هذه الصالة إن لم يكن معها وردة حمراء فمعها شال أحمر، أو منديل أحمر، أو شنطة حمراء، أو جورب أحمر، أو معطف أحمر، أو نوع زينة حمراء على الشعر، ونحو ذلك، المهم الاقتباس ولو بشيء يسير من أولئك الكفرة، أي شيء أحمر في ذلك اليوم

стр. 2944

الواجب علينا أمام أعياد الكفار عباد الله: إنه لا بد أن يعي المسلمون حجم المخطط ليدركوا المؤامرة، فلا ينساقوا وراءها، لا بد من تفتيح الأذهان والعقول، ولابد من التنبيه على الكوارث الخطيرة التي تحيط بنا، وكيف يجوز أن يجعل هذا العيد الوثني النصراني وسيلة لانتشار الزنا والفواحش؟ مصبية من جميع الأبعاد! وكارثة بجميع المقاسات! أيها الإخوة: إن شتى المقاييس لو وزنا بها الأمر لتبين لنا بأن الخطر المحدق على شبابنا وشاباتنا من رواء ذلك كبير، والواجب علينا الآتي:

стр. 2945

عدم الاحتفال بها أو إعانة الكفار فيها أولاً: عدم الاحتفال بهذا أو مشاركة المحتفلين به في احتفالهم أو الحضور معهم؛ لما سبق من الأدلة الدالة على تحريم الاحتفال بأعياد الكفار، قال الحافظ الذهبي ﵀: فإذا كان للنصارى عيد ولليهود عيد وكانوا مختصين به، فلا يجوز لمسلم أن يحتفل بهذه الأعياد، كما لا يشاركهم في شرعتهم ولا قبلتهم، كما نبه عليه في كتابه تشبه الخسيس بأهل الخميس. كذلك عدم إعانة الكفار على احتفالهم به، لا بإهداء شيء لهم بمناسبته، ولا بطبع شعارات وأوراق لهم وبطاقات تهنئة به؛ لأنه ترويج لشعائر الكفر، والإعانة عليه حرام، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢]. قال شيخ الإسلام: لا يحل للمسلمين أن يتشبهوا بهم في شيء مما يختص بأعيادهم، لا من طعام، ولا لباس، ولا اغتسال، ولا إيقاد نيران، ولا تبطيل عادة -أي: إقفال الدكاكين وإيقاف الأعمال- من معيشة أو عبادة أو غير ذلك، ولا يحل فعل وليمة، ولا الإهداء ولا البيع بما يستعان به على ذلك لأجل ذلك، ولا تمكين الصبيان ونحوهم من اللعب الذي في الأعياد ولا إظهار الزينة، وبالجملة ليس لهم أن يخصوا أعيادهم بشيء من شعائرهم، بل يكون يوم عيدهم عند المسلمين كسائر الأيام. وقال ابن التركماني ﵀: فيأثم المسلم بمجالسته لهم وبإعانته لهم بذبح وطبخ وإعارة دابة يركبونها لمواسمهم وأعيادهم.
следующие страницы →