Полный текст (7 040 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.
стр. 2871
الرد على الذين حرموا ما رزقهم الله من الأنعام
وكذلك فإنه أخبر مثلاً في مناقشة المشركين الذين ابتدعوا البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، أول مولود للناقة لا نأكله ولا نذبحه ولا نشرب من لبنه ولا نركب ظهره ولا نستعمله، فهو محرم، قال وهو يدمغهم بالحجة: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الأنعام:١٤٣] نحن نعرف أن الضأن اثنان والماعز اثنان، والبقر اثنان والإبل اثنان، كل واحد من الأصناف الأربعة فيه ذكر وأنثى، فيكون المجموع من الأزواج ثمانية سبحان الله! انظروا إلى الحجة البالغة، فلله الحجة البالغة، وهذا ليس كلام بشر يناقش المشركين، هذا كلام الله، كيف يقيم ربنا الحجة على المشركين؟ لما حرموا هذه الأشياء على غير دليل ولا برهان، قال: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَمِنَ الْأِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ﴾ [الأنعام:١٤٣ - ١٤٤] هذا الاحتمال الثالث: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:١٤٤].
هذه طريقة السبر والتقسيم كما يسميها العلماء، فالله خلق من كل زوجٍ ذكراً وأنثى، فلم حرمتم يا أيها العرب ويا كفار الجاهلية هذا المولود المعين؟! لماذا حرمتوه؟! ألأنه ذكر أم لأنه أنثى أم لأنه ذكر وأنثى؟! أنت تقول يا أيها المشرك العربي: إن أول بطن للناقة لا نستعمله إطلاقا، ً فلماذا؟ ألأنه ذكر أم لأنه أنثى أم لأن في بطن الناقة ذكراً وأنثى أم أن لديك دليلاً من رب العالمين على التحريم؟! ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾ [الأنعام:١٤٤] إذا كانت العلة في التحريم عندكم هي الذكورية، فحرموا كل الذكور، لماذا تحرمون أول نتاج فقط؟! وإذا كانت العلة هي الأنوثة، فحرموا كل الإناث، وإذا كانت العلة أنهما جميعاً، فحرموا الزوجين كليهما، وإذا كان عندكم من الله دليل على التحريم فهاتوه: ((أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾ [الأنعام:١٤٤] فماذا يملكون إلا الاستسلام أمام الحجج الدامغة!
стр. 2872
الرد على اليهود في مسألة القربان
يبين لنا في كتابه العزيز تناقض هؤلاء، مثل نقاش اليهود الذي قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾ [آل عمران:٨٣] لماذا يا يهود المدينة لا تؤمنون بمحمد ﷺ ؟ قالوا: ما جاء بقربان تأكله النار، ونحن عندنا في كتابنا المقدس أن النبي يأتي بقربان فتنزل نار من السماء تأكله فنعرف أنه نبي، وهو لم يأت بذلك، فما هو الرد؟ قال الله : ﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ [آل عمران:١٨٣] جاءت نار وأكلت القرابين ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران:١٨٣] هناك أنبياء من قبلي جاءوا بالذي تقولون وتصفون وتشترطون، لكنكم قتلتموهم: ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران:١٨٣] هذا يدل على أنكم لا تريدون الإيمان، وأن الحجة التي أتيتم بها حجة تافهة، فقد قتلتم من جاء بهذا الوصف الذي ذكرتموه.
стр. 2873
الرد على الدهرية الذين ينكرون الخالق
وانظر إلى نقاش القرآن للمنحرفين عن العقيدة، الزائغين الظالمين المشركين الذين ينكرون الخالق، وانظر كيف يحاصرهم بأسلوب عجيب: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمْ الْمُسَيْطِرُونَ * أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور:٣٥ - ٤٣] أنت يا أيها المنكر لله كيف وجدت؟ خلقت نفسك؟! جئت من العدم هكذا من غير أي موجد؟! ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾ [الطور:٣٥] أم أنت الذي خلقت نفسك؟! فما بال السماوات والأرض أأنت خلقتها أيضاً؟! يحاصر الملحد فعلاً فلا يستطيع أن يجيب، إذ ليس عنده حجة، فيستسلم رغم أنفه.
وكان من حكمة النبي ﵊ في الدعوة أنه حبس أسرى بدر بقرب المسجد يستمعون القرآن، فلما سمع جبير بن مطعم هذه الآيات: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمْ الْمُسَيْطِرُونَ﴾ [الطور:٣٥ - ٣٧] فلما سمع سورة الطور بجمال صوت النبي ﵊، قال: (كاد قلبي أن يطير) رواه البخاري.
стр. 2874
محاجة المشركين
قال تعالى محاجاً من يشركون به: ﴿أَمْ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنْ الأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ * لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ * لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢١ - ٢٣].
لو كان هناك أكثر من إله في العالم مثلما يقول الآن المجوس وغيرهم -عندهم عدة آلهة- فماذا كان سيحدث في السماوات والأرض؟ ستفسد وتضطرب، هذا يقول: أنا أحرك الساكن، وهذا يقول: أنا أسكن المتحرك، وهذا يقول: أنزلوا المطر هنا، وهذا يقول: لا بل أنزلوه هنا، وهكذا ستفسد السماوات والأرض.
﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون:٩١] وصارت حروب بينهم ومنافسات عظيمة: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون:٩١ - ٩٢] فلو فرض وجود صانعين متكافئين لفسد العالم، ولو كان واحد أقوى من غيره، فهو الرب والبقية ليست آلهة: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً * سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً﴾ [الإسراء:٤٢ - ٤٣] فلو كان يوجد آلهة أخرى، لكانت لجأت إليهم ﴿إِذاً لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٤٢] وهذا من طرق المناظرة، يقول: لنفرض أن كذا وكذا قد تحقق فماذا كان سيحدث؟ سيحدث كذا وكذا، فيظل الشرك ممتنعاً.
وكذلك فإنه قرر المشركين بتوحيد الألوهية عن طريق توحيد الربوبية: ﴿قُلْ لِمَنْ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّا تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون:٨٤ - ٨٩].
تعبدون اللات والعزى وهبل ومناة، تعبدون الأصنام والأحجار والأشجار، وربكم خالق السماوات والأرض؟! بالربوبية يستدل على الألوهية ويفرضها عليهم ويلزمهم بها: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥] ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧] ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الأنعام:١٠١ - ١٠٢] لماذا تشركون به؟
стр. 2875
الرد على اليهود في زعمهم أنهم أبناء الله وأحباؤه
هناك تحد عجيب في القرآن لليهود على قضية أفحموا منها إفحاماً عجيباً، ماذا قال اليهود؟ قالوا: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ؛ وإذا متنا فسيدخلنا الله الجنة، هذا زعم اليهود، يقولون: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُه، والجنة لنا وأنتم في النار، والذين يدخلون الجنة هم اليهود فقط، فقال تعالى رداً عليهم: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:٩٤] يا يهود تمنوا الموت إن كنتم صادقين.
ثم أخبر الله عنهم بقوله: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة:٩٥] فهم ظلمة كفرة فجرة فسقة، كيف يتمنون الموت والحياة كل همهم وكل أملهم، وهم يعرفون أنهم بعد الموت سينتقلون إلى عذاب النار؟! وقال عنهم في سورة الجمعة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجمعة:٦] ثم قال الله: ﴿وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة:٧] ولذلك قال ابن عباس ﵁: [لو تمنى يهود الموت لماتوا] كما جاء في الحديث الصحيح عنه ﵁، قال: لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا، لكنهم لا يتمنونه أبداً، وإلى الآن يزعمون أنهم أحباب الله، ولا يمكن أن يتمنوا الموت إطلاقاً.
وقال الله عنهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ [البقرة:١١١] أماني كاذبة ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:١١١].
وهكذا استمرت الآيات في جدال هؤلاء وإفحامهم ودمغهم بالحجج البينات والرد عليهم، وفي ادعائهم أن لله ولداً وأن له صاحبة، وقام أنبياء الله يجادلون الكفار.
فهذا موسى يجادل فرعون قال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:١٠٤] فماذا كان رد فرعون؟ ﴿قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ [الأعراف:١٠٦ - ١٠٨].
وكان المفترض في فرعون أن يستسلم، ويقول: إني اقتنعت لأني رأيت أشياء ما يقدر عليها البشر، فهي آيات من رب العالمين، لكنه ظل يجادل في الله ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾ [طه:٤٩] أعاده موسى إلى حلبة الصراع ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠] لماذا لم يقل موسى: ربنا الله؟ بل قال: ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى؛ أي: يا فرعون أنت لا تخلق ولا تهدي المخلوقات، والله يخلق وأنت لا تخلق فكيف تكون إلهاً؟ وفرعون مرة ثانية يحول الموجة ويريد أن يخرج من المأزق، يقول: ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ [طه:٥١] فما دخل القرون الأولى، نحن نناقشك حول ادعائك للألوهية أنت تقول: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] وتقول: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء:٢٩] وتقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] فنقاشنا معك في هذه القضية فلماذا تزوغ وتروغ، وتقول: فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى؟! أعاده موسى إلى الحلبة مرة أخرى، انظر سبحان الله! كيف يكون استخدام الحجج؛ الأنبياء مؤيدون من الله، فلا تضييع وقت ولا لف ولا دوران، مرة ثانية بقوة يقول موسى: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ [طه:٥٢] يقول له: أنت يا فرعون لا تعرف لكن الرب الإله يعرف من خلق ويعرف الأول والآخر والمتقدم والمتأخر كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ [الحجر:٢٤] كلهم علمهم في كتابٍ لا يضل ربي ولا ينسى.
هكذا أفحمه ودمغه، وجحد فرعون ولم يذعن وهو مستيقن بالحق، قال تعالى حاكياً لنا ذلك عن موسى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء:١٠٢] في البداية كان الكلام ليناً كما أمره الله هو وهارون: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً﴾ [طه:٤٤] لكن بعد ذلك لما تولى فرعون قال له موسى: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً﴾ [الإسراء:١٠٢] أي: هالكاً، وهدده بعذاب الله .
وحكى الله لنا كيف يحيد فرعون عن النقاش: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ [الشعراء:١٨] ما دخل هذا في النقاش؟ النقاش الآن في الربوبية، وفرعون يعدد صنائعه مع موسى: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الشعراء:١٨ - ١٩] وعملت لك جريمة وقتلت وهربت.
فرد موسى: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء:٢٠] قبل أن يهديني ربي فعلتها، تلومني على شيء قبل الهداية، ثم تقول: أعطيناك ملابس وتمراً وأعطيناك أكلاً وشرباً وأعطيناك: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائيلَ﴾ [الشعراء:٢٢] يعني: تمنُّ علي لأنك أطعمت واحداً وكسوته، وشربت واحداً، وأذللت أمةً بأسرها؛ تقتل أبناءهم وتستحيي نساءهم وتجعلهم عبيداً وتذلهم، وتمنُّ على واحد، فهل هذه نعمة تمنها علي أن عبدت قومي كلهم وأذللتهم، أهذه مِنَّة يا فرعون؟! وهكذا لم يجد عدو الله مهرباً، والمغلوب ماله إلا استعمال البطش، وتلك حيلة العاجز، فهزم فرعون هزيمة شنيعة في المناظرة.
стр. 2876
خيار الأمة يسيرون على منهج الأنبياء
سار أنبياء الله على هذا المنهج، قوة في الطرح والكلام والنقاش وردود وبراهين مفحمة، وهكذا كان النبي ﵊ مع الكفار، والصحابة واجهوا هكذا، واستمر مسلسل المواجهة مع الزائغين عن العقيدة.
стр. 2877
ابن عباس ومحاجته الشهيرة للخوارج
هذا ابن عباس يناقش الخوارج: لما خرجت الحرورية على علي، جعل يأتيه الرجل، فيقول: يا أمير المؤمنين! القوم خارجون عليك، قال: دعوهم حتى يخرجوا، لما يتبين ذنبهم للناس يكون هناك مبرر واضح للقتال وسفك الدماء، قال: دعوهم حتى يخرجوا.
يقول ابن عباس: قلت: يا أمير المؤمنين! أبرد بالصلاة فلا تفتني حتى آتي القوم، ثم لبس أحسن ثيابه، ودخل على الخوارج وهم في القيلولة، فإذا هم مسهمة وجوههم من السهر، متغيرة من كثرة قيام الليل وصيام النهار، الرسول ﵊ قال للصحابة: (تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم) والخوارج لهم عمل عظيم كثير، لكن على أساس باطل، ما فائدة العبادات إذا كانت العقيدة زائغة؟! وبعض الصوفية يمكن أن يعبد الله الساعات الطويلة جداً جداً، وهو على منهج شركي، ما هي الفائدة من قيامه بالليل وصيامه بالنهار وهو مشرك بربه؛ يصرف أنواع العبادة للولي المقبور؟! ما الفائدة؟ ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣] هؤلاء الخوارج.
فرأى ابن عباس وجوههم مسهمة من السهر، قد أثَّر السجود في جباههم، كأن أيديهم ثفنات الإبل -خشنة من كثرة السجود- عليهم قمصٌ مرحضة مغسولة، قالوا: ما جاء بك يا بن عباس؟ وما هذه الحلة عليك؟ انظر إلى ابن عباس فقد تعمد لبس الحلة، وهو زاهد في الدنيا، لكن النقاش مع الخوارج له عدة، لبس أحسن الثياب وجاء، قال: ما تعيبون مني، فلقد رأيت رسول الله ﷺ وعليه أحسن ما يكون من الثياب اليمانية؟! لماذا تحرمون الطيبات؟! هذه واحدة انبخعوا فيها، ثم قرأ هذه الآية: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف:٣٢].
قالوا: ما جاء بك؟ فقال: جئتكم من عند أصحاب رسول الله ﷺ وهم أعلم بالقرآن وأبلغ.
فقال بعضهم: لا تخاصموا هذا فإنه من قريش والله قال فيهم: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف:٥٨] وقال بعضهم: فلنكلمنه ونسمع ما عنده.
قال ابن عباس: فكلمني منهم رجلان أو ثلاثة، قلت: ماذا نقمتم عليه؟ -تريدون الخروج على علي، ماذا نقمتم عليه؟ - قالوا: ثلاثاً، قلت: وما هن؟ قالوا: حكم الرجال في أمر الله ورضي بكلامهم والله يقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام:٥٧] قلت: هذه واحدة.
وهذه اسمها عملية استفراغ ما عند الخصم من الشبه، تسمع كل حجج الخصم، ثم ترد عليها واحدة واحدة، قالوا: فإنه قاتل ولم يسب ولم يغنم؛ قاتل وحضر موقعة الجمل، ومن قاتله من المسلمين ما سبى نساءهم ولا أخذ أموالهم غنائم، فلئن كانوا مؤمنين فلا يحل قتالهم، وإن كانوا كافرين فلقد حل قتالهم وسبيهم، قال: وماذا أيضاً؟ قالوا: ومحا عن نفسه صفة أمير المؤمنين في الكتاب الذي كتبه مع معاوية، فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين، انظر منطق الخوارج الأعوج! فقال ابن عباس: أرأيتكم إن أتيتكم من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ما ينقض قولكم هذا أترجعون؟ قالوا: ومالنا لا نرجع؟! فقال: أما أنه حكم الرجال في أمر الله، فإن الله قال في كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة:٩٥] وقال في المرأة وزوجها: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء:٣٥] فقد رضي الله بالتحكيم في الخصومة الزوجية وفي جزاء الصيد، فصير الله ذلك إلى حكم الرجال، فنشدتكم الله أتعلمون حكم الرجال في دماء المسلمين وإصلاح ذات بينهم أفضل أو في حكم أرنب ثمنها ربع درهم صادها رجل محرم جاء يسأل ويقول: ما علي من الجزاء؟ قالوا: نعم.
قال: فأما قولكم قاتل فلم يسب ولم يغنم، أفتسبون أمكم عائشة؟! لأن عائشة كانت في الجيش المقابل فإن قلتم: نستبيح منها، فقد كفرتم، وإن قلتم: ليست بأمنا فقد كفرتم، فأنتم تتردون بين ضلالتين، أخرجتم من هذه؟ قالوا: بلى.
وأما قولكم: محا نفسه من إمرة المؤمنين، فإني آتيكم بمن ترضون، إن نبي الله ﷺ يوم الحديبية حين صالح أبا سفيان وسهيل بن عمرو، قال: اكتب يا علي هذا ما صالح عليه محمد رسول الله، فقال أبو سفيان وسهيل بن عمرو: لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك، قال: اللهم إنك تعلم أني رسولك، امح يا علي، واكتب: هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله.
ونتيجة للنقاش والرد المفحم من ابن عباس رجع منهم أكثر من النصف وبقي بقيتهم، فخرجوا على علي ﵁ فقاتلهم فقتلهم، وهكذا كان ذلك النقاش العظيم.
стр. 2878
أبو حنيفة ومحاجته للدهرية المنكرين للخالق
وهكذا قام علماء الإسلام من بعد الصحابة يناظرون أيضاً الكفار والمرتدين وكذلك الزائغين والذين خرجوا عن هذه العقيدة، واتخذوا لهم مناهج ضالة حاربوا فيها هذا المعتقد الصحيح.
ووجد الدهرية الذين يقولون: ما يهلكنا إلا الدهر، وليس هناك بعث ولا خالق.
فقام أبو حنيفة ﵀ يقول لبعضهم: أخبروني عن سفينةٍ في دجلة تذهب فتمتلئ من الطعام والمتاع وغيره بنفسها وتعود بنفسها فترسي بنفسها وتفرغ وترجع كل ذلك من غير أن يدبرها أحد، سفينة تحمل وتسير وتفرغ وترجع بدون ربان ولا قبطان ولا عمال.
فقالوا: هذا محال لا يمكن أبداً!! فقال أبو حنيفة: إذا كان هذا محالاً في سفينة، فكيف بهذا العالم كله علويه وسفليه؟ فبهتوا لما قال لهم: أنتم ما قبلتم هذا في سفينة كيف تقبلون العالم بغير مدبر؟!
стр. 2879
أبو العباس السفاح يجادل مجوسياً
من عجائب أبي العباس السفاح -مع أنه كان غير مشهور بالعلم- أنه دخل في مناظرة مرة مع مجوسي وأتى فيها بعجب، قال للمجوسي: ما تعبد؟ قال: إلهين، قال: ما هما؟ قال: إله الخير وإله الشر -والمجوس عندهم إلهان إله الخير وإله الشر- قال: فأخبرني هل يستطيع إله الخير أن يخلق شراً؟! قال: لا يستطيع، قال: هل يستطيع إله الشر أن يخلق خيراً؟! قال: لا يستطيع، قال: أتعبد إلهين عاجزين، فانبخع وسكت وعجز.
стр. 2880
مناظرة لأحد العلماء مع زعيم شيوعي
كذلك قريب من هذا مناظرة للشيوعيين في هذا العصر في عهد لينين نشرت في الجرائد: في طشقند سيعقد مجلس مناظرة في إثبات وجود الله، قام أبو عبد الكريم المعصومي ﵀ ركب القطار واجتمع جمعٌ عظيم من المسلمين والنصارى والشيوعيين الدهريين وأكثر من عشرة آلاف نفس، وقام زعيم الشيوعين يتكلم وقال: إن الناس يقولون: إن الله موجود وهذا غير صحيح، فإن عندنا آلات رصد وعندنا ميكروسكوبات وعندنا تلسكوبات وآلات مقربة ومكبرة ودققنا ونظرنا وما وجدنا شيئاً.
فقام أبو عبد الكريم المعصومي بعدما انتهى ذاك، فحمد الله على المنبر وأثنى عليه، وصلى على رسوله ﷺ ، وذكر الأدلة على وجود الله من خلقه، ثم قال: أنا أسأل هذا الشيوعي المتكلم هل له روحٌ في جسده أو عقل في مخه أم لا؟ فإن قال: نعم، فنقول: روحك هل لمستها؟ هل رأيتها؟ هل شممتها؟ فهي غير موجودة على مذهبك يا جاهل، فانبخع وكبر المسلمون وسبحوا واستبشروا، وخجل الضالون الشيوعيون، وما كانت الحجة؟ قالوا: إن لنا أستاذاً بـ موسكو يستطيع أن يجيب عليك، وهذه دائماً حجتهم.
стр. 2881
حوار مع نصراني
تكلمت مع قبطي، وقلت له: أنتم تقولون إن عيسى جاء لكي يطهر البشرية من الآثام التي علقت بها من جراء خطيئة آدم، فصلب المسيح على كلامكم فداءً للبشرية، فمن آمن به تخلص من الإثم، فما حال من كانوا قبل عيسى وما سمعوا عن عيسى، وما آمنوا بعيسى تحديداً ولا بصلب عيسى، لأنهم لا يعرفون أنه سيوجد عيسى ويصلب على زعمكم، فما حكم هؤلاء الذين بين آدم وبين عيسى الذين ما عرفوا عن عيسى ولا سمعوا به، أليس فيهم مذنبون؟ ما موقفهم من الصلب؟ وقلت له: لا زلتم تعيرون أباكم آدم في قضية الخطيئة، وقد تاب الله عليه، وأنتم إلى الآن تقولون: إن عيسى صلب من أجل خطيئة آدم، والبشر أخذوا خطيئة آدم وصاروا ملوثين، ولا بد من الصلب.
وقلت له: ألا يمكن أن يغفر الله لعباده بطريقة أخرى غير هذه الطريقة، وكيف يرضى الله أن يكون ولده -حسب زعمكم- مغلوباً مصلوباً يبصق عليه اليهود ويجرونه على الشوك ويربطونه ويقتلونه والله ينظر إليه وما منعهم، ألا توجد طريقة ثانية أسهل عند الله لمغفرة الذنوب من هذه الطريقة الشنيعة في قتل ولده -حسب زعمكم- لكي يغفر ذنوب البشرية؟!
стр. 2882
موقف أهل السنة من فتنة القول بخلق القرآن
أيضاً من النقاشات العظيمة والجدالات ما وقع في قضية خلق القرآن: فقد خرج أحمد بن أبي دؤاد وتقرب إلى السلطان، والمبتدعة سلكوا مسلكاً خطيراً جداً لما رأوا أن بضاعتهم لا تروج، وأهل السنة يردون عليهم وعلماء المسلمين يردون عليهم، عرفوا أنه لا قيامة لهم، فقالوا: نتزلف للسلاطين ونقنع السلطان بالبدعة ونستخدم قوة السلطان في حمل الناس على البدع، فهكذا تسلل ابن أبي دؤاد إلى المأمون، وصار وزيراً عنده وأقنعه بالبدعة، واضطهد المأمون الناس على خلق القرآن، استمر مسلسل الاضطهاد في عهد المأمون ومن بعده ومن بعده، والإمام أحمد ﵀ ثابت ثبات الجبال، والأمة تقتدي به وتعرف شيخها وإمامها وقدوتها، وتنتظر ماذا يقول أحمد ليكتب.
واستمر مسلسل المحنة، وكان الإمام أحمد ﵀ معذباً مضيقاً عليه، لا يؤذن له بحضور صلاة الجمعة، حتى مات المأمون، وتولى بعده المعتصم ومات، وتولى بعده الواثق، وفي آخر أيام الواثق حدثت حادثة سببت تغيراً في منهج الواثق تجاه هذه البدعة؛ وذلك أن رجلاً قد أتي به مقيداً بالأصفاد يرفض القول بخلق القرآن، وهو شيخ جليل مهيب في القيود دخل فسلم فما رد عليه، قال: يا أمير المؤمنين! ما استعملت معي أدب الله ولا أدب رسوله، قال الله : ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء:٨٦] فقال: وعليك السلام، مُر بقيودي تحل أنا محبوس مقيد، أصلي في الحبس بتيمم فقد منعت من الماء، فحلوا قيوده.
وبعد أن صلى أقبل على ابن أبي دؤاد يسأله، ويقول له: خبرني عن هذا الأمر الذي تدعو الناس إليه، أشيءٌ دعا إليه رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي، الرسول ﷺ والصحابة دعوا إلى القول بخلق القرآن؛ ابن أبي دؤاد لا يمكن أن يكذب فيها، لأنه لو قال: دعا، فسيقال له: هات الحديث الذي يدل على أنهم دعوا فيه إلى القول بخلق القرآن، قال: لا -اضطر أن يقول: لا- قال: أعلمه أم جهله؟ لو قال: علمه، لكانت مشكلة، ولو قال: جهله، فذاك أشد إشكالاً، فسكت.
فقال: شيء لم يدع إليه رسول الله ﷺ ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي، وأنت تدعو الناس إليه وتحملهم عليه بالقوة؟ إذا لم يكن علمه رسول الله وعلمته أنت، فهذه مصيبة، فهل أنت أعلم بأمر الدين من النبي ﵊، لأنك تقول يا بن أبي دؤاد: إن خلق القرآن مسألة دينية، فمعناها أن هناك شيئاً من الدين ما علمه رسول الله، وإذا قلت لي: علمه فكيف علمه وسكت عن تبليغه، والله أخذ العهد على نبيه أن يبين للناس، فمعنى ذلك أنك تتهم نبيك أنه ما بلغ وكتم الوحي.
وبعد ذلك النقاش اهتزت ثقة الواثق بتلك العقيدة، وجعل يردد: لا خير في شيء ما دعا الناس إليه رسولُ الله ﷺ ، وخفت المحنة في آخر زمن الواثق حتى جاء المتوكل وأزال هذه الفتنة.
стр. 2883
الرد على سفسطة فرقة الحسبانية بسلاحهم
هناك طائفة اسمها الحسبانية وهؤلاء فرقة صوفية يقولون: كل الذي في الدنيا أوهام، أنت متوهم أنك موجود،، وأنا متوهم أنني موجود، أنت متوهم أنه توجد طاولة هنا، أنت متوهم أن يوجد سقف وجدار، الصحيح أنه لا يوجد شيء أبداً، وكل الأشياء التي في هذه الدنيا وهم في وهم، وما لها حقيقة، يقولون: (ليس إلا الله والكثرة وهم) الرب واحد، والعبد واحد، والعبد رب، والرب عبد، فتقول لهم: وهذه الأشياء المتعددة؟ قالوا: هذه أوهام وليست حقائق، أنت تتوهم أنك موجود، والحقيقة أنك غير موجود وأنا غير موجود، والناس هؤلاء تتوهم أنه يوجد مئات هنا، لكن كل هؤلاء غير موجودين.
فكان أحد هؤلاء في مجلس أحد الخلفاء، فقام ثمامة بن أشرس ﵀ إليه فلطمه لطمةً سودت وجهه، فقال هذا الرجل: يا أمير المؤمنين! يفعل بي هذا في مجلسك؟! فقال ثمامة: وما فعلت بك؟ قال: لطمتني، قال: لعلي إنما دهنتك البان! والبان شجر معروف شديد الخضرة يستخرج منه دهن البان، قال: أنت متوهم ما ضربتك، وأنما دهنتك بالبان، ثم جعل يقول:
ولعل آدم أمنا والأب حوا في الحساب
ولعل ما أبصرت من بيض الطيور هو الغراب
وعساك حين قعدت قمت وحين جئت هو الذهاب
وعسى البنفسج زنبقاً وعسى البهار هو الشذاب
وعساك تأكل من قفاك وأنت تحسبه الخضاب
стр. 2884
شبهة نصراني حول طبيعة المسيح والرد عليها
حضر نصراني في مجلس هارون الرشيد، قال له هارون: ما يمنعك من الإسلام؟ قال: آية في كتابكم، قال: ما هي؟ قال: إن الله قال عن عيسى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء:١٧١] وهذا يعني أنه جزء من الله، ونحن نقول: ابن الله، فلماذا أغير عقيدتي، وقرآنكم يقول هذا؟! فقال العلماء في مجلس هارون الرشيد: يا أمير المؤمنين إن الله يعلم أن هذا سيقول هذا الكلام ويحتج بهذه الآية، فأنزل في كتابه رداً عليه، قال: وما هو؟ قال: يقول الله : ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾ [الجاثية:١٣] الهاء تعود على الله ، فهل السماوات والأرض هذه جزء منه؟ هل (مِن) لا تفيد إلا التبعيض، أو لها وظائف أخرى في اللغة غير التبعيض؟ إذا قلت: جئت من المدرسة هل يعني ذلك أنني جزء من المدرسة وبعض من كل؟ لا، وهكذا، فقال: هذا عيسى من الله، أي: هو الذي خلقه، مصدر خلق عيسى من الله، فعيسى روحٌ منه وليس من العدم ولم يخلقه غير الله، إنه من الله .
стр. 2885
الباقلاني يناظر النصارى في بساط ملك الروم
وكذلك من المناظرات الظريفة التي حصلت مع النصارى: أن الباقلاني -وهو من أذكياء المسلمين- أرسل إلى ملك الروم، فانتهز الفرصة يدعوه، فدخل على المجلس والمجلس فيه بطارقة الروم وفيه رهبانهم وكبراؤهم، فـ الباقلاني ذهب إلى أكبر راهب في المجلس -البابا- وقال له الباقلاني: كيف حالك؟ وكيف حال أولادك وزوجتك؟ وهذا جعل النصارى يثورون، وقالوا: وقر كبيرنا، كيف تقول له ذلك؟ وذلك لأن الرهبان لا يتزوجون ولا لهم أولاد، لأن الزواج عليهم حرام، ولا يتلاءم مع مكانتهم ولا يليق بهم، فقالوا: وقر كبيرنا، أما علمت أننا ننزه هذا عن الأهل والأولاد.
قال أبو بكر الباقلاني ﵀: فأنتم تنزهون هذا المخلوق عن الزوجة والولد وتعتبرون ذلك عيباً في حقه ولا تنزهون خالقكم وربكم عن الزوجة والولد فانبخعوا.
стр. 2886
مناظرات أهل السنة للمبتدعة في الأسماء والصفات
стр. 2887
ابن مهدي يرد على المشبهة
وهكذا في أبواب الأسماء والصفات قام أهل السنة يردون ويناقشون، أحد علماء المسلمين وهو محدث مشهور اسمه عبد الرحمن بن مهدي سمع أن ولداً لأحد الكبراء يقول بعقيدة التجسيم والتشبيه، وأن الله يشبه المخلوقات- تعالى الله عن قولهم- فذهب وصلى معه، ثم ناداه بعدما تفرق الناس وخلا به، قال: يا بني هذه البلدة فيها أهواء وفيها اختلافات، وقد بلغني عنك أمرٌ، والأمر لا يزال هيناً ما لم يصل إليكم، فإذا وصل إليكم -أنتم أهل السلطان- فسوف تحملون الناس عليه بالقوة.
قال: وما ذاك يا أبا سعيد؟ قال: بلغني أنك تتكلم في الرب وتصفه وتشبهه؛ تقول: يد الله مثل يد المخلوقين، ووجه الله مثل وجه المخلوقين.
قال: نعم.
قال: ولم؟ قال: لأننا نظرنا في المخلوقين فما وجدنا مخلوقاً أجمل ولا أحسن ولا أزكى من الإنسان، فقلنا: هو يشبه الإنسان.
قال: رويدك يا بني حتى نتكلم في المخلوق قبل أن نتكلم في الخالق، اجعلنا نتكلم في المخلوق، أخبرني عن حديثٍ حدثنيه شعبة عن الشيباني، قال: سمعت زراً قال: قال عبد الله بن مسعود في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم:١٨] قال: رأى جبريل له ستمائة جناح -والحديث في صحيح البخاري - قال عبد الرحمن بن مهدي: يا بني صف لي خلقاً له ستمائة جناح حتى نشبه جبريل عليه! فكر وفكر فما وجد مثله، فما تكلم.
قال: يا بني إني أهون عليك الأمر وأضع عنك خمسمائة وسبعة وتسعين جناح، فأخبرني عن مخلوق له ثلاثة أجنحة، وقل لي: أين يركب الجناح الثالث؟ فسكت وقال: يا أبا سعيد نحن قد عجزنا عن صفة المخلوق ونحن عن صفة الخالق أعجز وأعجز، أشهدك أني رجعت وأستغفر الله.
فانظر كيف تقام الحجة وكيف يكون البيان، وهكذا حصل النقاش بين أهل السنة والجهمية والأشاعرة الذين اقتبسوا من المعتزلة قضية نفي علو الله على خلقه.
стр. 2888
مناظرة الهمداني والجويني في قضية العلو
قام أبو المعالي يتبنى عقيدة نفي العلو وسئل عن: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] وبدأ يتخبط في الكلام وينفي الاستواء وينفي علو الله على الخلق، ويقولون: الله في كل مكان مع أن الله في السماء في العلو، واستوى على العرش، والعرش فوق العالم وفوق السماوات، والله فوق العرش لحديث الجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء قال: إنها مؤمنة).
فهذا الرجل بدأ يتخبط في الكلام أمام الناس، فقام له رجل من أتباع عقيدة السلف يقال له: أبو جعفر بن أبي علي الهمداني، قال: يا إمام رويدك، الآن عندي شيء أريد أن تجيبني عنه: ما ضرورةٌ يجدها الواحد منا في نفسه إذا رفع يديه يقول: يا رب، أن يتجه بنفسه إلى العلو؟ لماذا الواحد لا يضع الكفينعلى اليمين، أو على اليسار ويقول: يا رب؟ لماذا الناس ترفع أكفها وتقول: يا رب، ونفس الداعي والمصلي والطفل والمرأة والكبير والصغير والعالم وغيره كلهم إذا دعوا الله بالاضطرار يرفعون إليه أيديهم، نبئنا نتخلص من الفوق والتحت.
فضرب الأستاذ بكمه على السرير وصاح: نجلس نجلس الكرسي، وقال: يا للحيرة، خرت الأوراق وقامت القيامة في المسجد ونزل ولم يجبني، وقال: الحيرة الحيرة الدهشة الدهشة.
بعد ذلك قال: حيرني الهمداني، لأن الاتجاه إلى الله من جهة العلو بالفطرة، ماذا نجيب عن هذا؟ شيء فطري في نفوس الناس حتى الكفار، وهذا فرعون لما جاء يزعم أنه إله، ما قال لهامان: احفر لي نفقاً، إنما قال: ابن لي سلماً ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [غافر:٣٦ - ٣٧] حتى فرعون لما ذهب يبحث عن الله بزعمه اتجه إلى جهة العلو.
стр. 2889
مناظرة سحنون لأحد المعتزلة
وهكذا قام أئمة الإسلام ينافحون عن القرآن وأنه كلام الله، وقام واحد من المعتزلة الذين يقولون: القرآن مخلوق، فقام له سحنون المالكي ﵀، قال: ما تقول في القرآن؟ قال المعتزلي: مخلوق، قال: أليس كل مخلوق يذل لخالقه؟ فسكت وما استطاع أن يجيب وأطرق، قال: كم عمرك؟ قال: ثمانون سنة، فلما انتهى المجلس قالوا لـ سحنون: لماذا ما استطاع أن يجيب؟ قال: لأنه لو قال: إن القرآن ذليل، فقد كفر لأن الله قال: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ [فصلت:٤١].
стр. 2890
الرد على المعتزلة في مسألة خلق القرآن وفي إثبات رؤية الله
وهناك مناقشة مشابهة جرت بين أبي الهذيل العلاف المعتزلي البصري الذي يقول بخلق القرآن، وقام له واحد من أهل السنة، قال له: ماذا تقول في القرآن؟ قال: مخلوق، قال: كل مخلوق فان، فهل يموت القرآن؟ قال: نعم، قال: ومتى يموت القرآن؟ قال: إذا مات من يتلوه، انظر اللف والدوران، قال: حسناً أخبرني إذا قبض الله الخلق وقامت الساعة وفني الخلائق كلهم، ونادى الله في السماوات مثلما جاء في الحديث الصحيح: لمن الملك اليوم؟ فلا يجيبه أحد فيجيب نفسه بنفسه قائلاً : لله الواحد القهار؛ وهذا قرآن: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦]؟ لماذا لم يمت هذا القرآن والخلائق كلهم ماتوا وفنوا؟ فانبخع وسكت وأفحم، وهكذا أيها الإخوة تتوالى ردود أهل السنة على هؤلاء المبتدعة.
وعن الذين ينكرون رؤية الله في الآخرة قال الشافعي: فلما أن حجب هؤلاء في السخط كان في ذلك دليلٌ على أنه يرى في الرضا، فإنه تعالى يقول: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] ما هي ميزة المؤمنين إذاً إذا كانوا يحجبون أيضا؟! لا بد لهم من ميزة، ولما علمنا أن الكفار محجوبون عرفنا أن المؤمنين غير محجوبين، وأنهم ينظرون إلى الله في الجنة، وهم على الأرائك وعلى السرر.
стр. 2891
مناظرات مع أهل الكتاب
стр. 2892
مناظرة مع يهودي
من المناظرات بين اليهود والمسلمين: جاء يهودي إلى أحد المسلمين وقال له: بما أننا نتفق على موسى لماذا لا تتبعه؟ فنحن نختلف في محمد ﷺ ، لكننا لا نختلف في موسى، فقال له: أي موسى تقصد؟ إذا كانت تقصد موسى الذي بشر بمحمد ﷺ فأنا معك نتبع موسى، وإذا كان موسى الذي لم يبشر بمحمد ﷺ ، فليس موسى الذي نؤمن به هذا موسى آخر.
ولذلك قال نصراني لمسلم يسأله: ما تقول في عيسى؟ فالمسلم فطن قال: أتقصد عيسى الذي بشر بمحمد ﷺ ؟ قال: نعم.
قال: هو رسول الله نعرفه ونؤمن به، فسكت.
стр. 2893
شاعر يرد على النصارى
وحصل أيضاً في مناقشة النصارى أن بعض عقلاء الشعراء يقول في إفحام هؤلاء النصارى مناظراً لهم:
عجبي للمسيح بين النصارى وإلى أي والدٍ نسبوه
أسلموه إلى اليهود وقالوا إنهم بعد قتله صلبوه
النصارى تقول عن اليهود: إنهم قتلوا عيسى.
فإذا كان ما تقولون حقاً وصحيحاً فأين كان أبوه
ينظر إليهم وهم يذبحون ولده وما يفعل شيئاً، ما هذا الأب الذي ما فيه رحمة، قلبه قاسٍ، ولا يغير ساكناً ولا يمنعهم.
حين حل ابنه رهين الأعادي أتراهم أرضوه أم أغضبوه
يقول: هل اليهود لما صلبوا ولده أرضوه أم أغضبوه؟
فلئن كان راضياً بأذاهم فاحمدوهم لأنهم عذبوه
يا نصارى قوموا قبلوا رءوس اليهود، لأنهم فعلوا شيئاً يرضي إلهكم.
وإذا كان ساخطاً فاتركوه واعبدوهم لأنهم غلبوه
وإذا كان ساخطاً على قتل الولد، فاعبدوا اليهود لأنهم غلبوا الأب حسب زعمكم.
стр. 2894
المناظرات مع الملاحدة والعلمانيين
وهكذا أيها الإخوة يستمر هذا المسلسل من الحجج والبراهين في القديم والحديث.
قام أحد الدكاترة ممن تخرج من بلاد الغرب يتكلم أمام الطلاب المسلمين، وقال: إلى متى تبقى هذه الخيمة وهذا الحجاب وهذه التقاليد البالية، متى تخلع وترمى وتطلع المرأة للنوادي وتعمل ما تشاء أمام الناس كما تقتضي الحضارة؟ فوقف أحد الطلاب موقفاً عظيماً والله، وقال له: يا دكتور، قال: نعم، قال: أنا عندي سؤال، قال: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة:١٤٠]؟ وهذا السؤال جزء من آية، ما استطاع الدكتور أن يقول: أنا أعلم، لأنه لو قالها لضرب بالنعال، قال: الله أعلم مني، فقال له: لقد قال الله الأعلم: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٩] وقال الله : ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣] وهو الأعلم نسمع كلامه أو نسمع كلامك؟! فبهت الذي كفر.
أقول: نحن في عصر كثر فيه العدوان على العقيدة والدين والأحكام الشرعية، وما أنزله الله، فوجب علينا أن نقوم ونرد ونحاج وندمغ الباطل بالحق، فإننا بالعلم الشرعي وبالحجة وبالقوة والجرأة نسكت هؤلاء الأعادي وهؤلاء المنافقين الذين يريدون أن يحرفوا الدين وأن يقصقصوه، وأن يجعلوه شيئاً مشوهاً لا علاقة له بالشريعة التي أنزلها رب العالمين، لا ينبغي لك أن تقرأ أو تسمع باطلاً وتسكت، وخصوصاً في المجالس، والعتب الشديد واللوم العميق على بعض الناس، ممن يكون في مجلس يهاجم فيه الدين ويهاجم حكم شرعي، وهو ساكت لا يرد شيئاً.
والقصد من هذا الموضوع إيقاظ الحمية للدفاع عن العقيدة والأحكام الشرعية في نفوس المسلمين، وأن يكون عندهم جرأة وقوة وعندهم علم وعندهم أسلوب.
جاءني واحد قال: أنا أشتغل في شركة مع النصارى، وهم يثيرون الشبهات، وأنا لغتي الإنجليزية ضعيفة، وهم يتكلمون ويتكلموا وأنا لا أعرف إلا كلمتين، فقلت: يا أخي لا يصلح أن تناقشهم إطلاقاً، إذا لم يكن عندك لغة فكيف تناقش؟ لو جئت تناقش فسيغلبونك بالصوت وباللغة، ولذلك امتنع عن النقاش وائت بغيرك ممن يعلم لسان القوم ليفحمهم، لا يصلح لواحد أن يدخل في معركة وليس معه سلاح يقاتل به.
ونسأل الله أن يجعلنا هداة مهتدين ومن الذين قضوا بالحق وبه يعدلون، وأن يرزقنا الحجة والغلبة على أعداء الدين.
стр. 2895
قواعد المناظرة
نشرع في ختام هذا الدرس بذكر قواعد المناظرة والمجادلة بالتي هي أحسن وآداب ذلك.
وأما بالنسبة للقواعد فهي كثيرة فمنها: أولاً: إذا كنت مدعياً فهات الدليل لأن الله قال: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [النمل:٦٤].
ثانياً: أثبت صحة ما تنقل: لأن بعض الناس قد يأتون بأدلة لكنها غير صحيحة.
ثالثاً: لا تبتر الدليل وائت به كاملاً: هذه قواعد يلتزم بها كل الأطراف في المناقشة والمناظرة؛ لا يجوز أن تقول: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون:٤] وتقف أو تقول: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ﴾ [النساء:٤٣] وتقف، بل ائت بالدليل كاملاً، ولذلك غيلان الدمشقي الضال لما جاء عند عمر بن عبد العزيز يحتج عليه بآية: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان:٣] في قضية القدر، قال له عمر بن عبد العزيز: اقرأ آخر السورة ففيها إثبات المشيئة للعبد مع مشيئة الرب، قال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠] إذن للعبد مشيئة: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً * يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [الإنسان:٣٠ - ٣١].
رابعاً: الحق لا يعرف بالرجال: اعرف الحق تعرف أهله، بعض الناس يقولون: هذا الكلام صحيح، لأن فلاناً قاله، ودليلهم أنه قال.
خامساً: الحق واحدٌ لا يختلف: من عهد النبي ﵊ إلى الآن الحق في المسائل واحد لا يختلف إلى أن تقوم الساعة.
سادساً: وجوب عرض أقوال الناس على الشرع؛ هذا يقول وأنت تقول وأنا أقول، لكن في النهاية نعرف صحة الأقوال من عرضها على الشرع.
سابعاً: السكوت عما سكت الله عنه ورسوله؛ مثلما تقدم في قضية المحاجة في مسألة القرآن.
ثامناً: الباطل لا يرد بالباطل؛ القدرية قالوا: العبد يخلق فعل نفسه، فجاءت الجبرية وقالت لهم: العبد ليس له مشيئة أصلاً مجبور ضلال بضلال.
جاء أهل الرفض سبوا الصحابة وألهوا آل البيت، فجاء الناصبة وسبوا أهل البيت بالمقابل، فردوا بدعة ببدعة، كقول القائلين: سبوا أئمتهم كما سبوا أئمتكم، ويمكن أن تكون أئمتهم أئمة لنا أهل السنة، فلا يجوز رد البدعة بالبدعة ولا رد الباطل بالباطل.
تاسعاً: عدم العلم بالدليل لا يعني عدم وجود الدليل: فأثناء النقاش يأتي أحدهم ويقول: لا يوجد هذا الكلام، ولم أسمعه، فيقال له: لم تسمعه لكنه موجود فكونك لم تعرفه لا يعني أنه غير موجود.
عاشراً: الاستدلال على المسألة المختلف فيها إنما يكون بالدليل المتفق عليه: ولذلك لو بدأت مع يهودي أو مع نصراني أو مع ملحد أو مع مبتدع في نقاش فلابد أن تأتي بدليل متفق عليه أولاً، قل: أليس أنا وأنت نتفق على هذا الشيء، ثم تتوصل من هذا الاتفاق إلى إثبات الأشياء التي يختلف معك فيها.
الحادي عشر: الحجة الصحيحة لا يقدح فيها عجز صاحبها عن تقريرها: الحجة الصحيحة لا يقدح في صحتها أن صحابها عاجز عن التعبير، ولذلك بعض الناس يستغل أن صاحب الحق ما عنده لسان مضبوط، ويقول: أنت مهزوم وأنت ضعيف، مع أن هذا فقط عسرٌ في اللسان، وإلا فحجته صحيحة، فيجب أن يكون عند الإنسان تجرد وعدم اتباع للهوى.
стр. 2896
آداب المناظرة
أما بالنسبة لآداب المناظرة والمناقشة، ونحن -كما قلنا يا إخوان- نتعرض لهذا في المجالس وفي الفصول الدراسية ويمكن أن يسافر بعضنا إلى الخارج ويلتقي بمن يثيرون الشبهات، وقد يفتح أحدنا موقع إنترنت فيجد فيها شبهات وهجوماً على الإسلام وأهل الإسلام، وتريد أن ترد، فيجب أن نعرف آداب المناظرة، فمن آدابها ما يلي: أولاً: الإخلاص لله تعالى: وهذا أصل الأصول؛ وعند الله لا يبقى إلا ما أريد به وجهه.
ثانياً: البدء بذكر الله والثناء عليه.
ثالثاً: التأدب في الجلوس.
رابعاً: اجتناب الهوى: قال الشافعي: ما ناظرت أحداً فأحببت أن يخطئ؛ سبحان الله! تجرد عن الهوى.
خامساً: الرجوع إلى الحق إذا تبين: ذكر علي ﵁ في مسألة من المسائل جواباً، فقام رجلٌ ورد عليه بالدليل، فقال علي: [أصبتَ وأخطأتُ وفوق كل ذي علم عليم، أرجع إلى الحق صاغراً] اعتراف كامل وصريح وواضح، وما وجد أن الاعتراف سينقص من قدره، بالعكس كبر علي ﵁ في أعيننا لما نقلت القصة أكثر وارتفع شأنه أكثر بهذا.
سادساً: التحلي بالحلم والصبر.
سابعاً: التريث: فقد يتراجع المجادل أو ينتقل إلى دليل آخر ويترك هذا، لأنه تبين له فساد الاستدلال به، أو يخطر أنت ببالك دليل آخر أو تكتشف خللاً فيما كنت تريد أن تقوله.
ثامناً: التزام الصدق: فلا نكذب، وهناك من يقول: في الكتاب الفلاني، وهو ليس موجوداً في الكتاب الفلاني، لماذا الكذب؟ تاسعاً: الترفق بالخصم: لأن المقصود إقناعه وهدايته، وليس فقط تحطيمه، فبعض الناس يحرص على كسب الموقف، والأهم من هذا كسب الرجل نفسه، كسب الرجل الآخر أهم من أنك تكسب الموقف وتظهره في مظهر العاجز، هذا يكون مع المعاندين الرافضين للحق تماماً فهذا يفحم أمام الناس حتى لا يغتروا به، لكن ابتداءً عندما نناقش من يخالفنا في شيء فينبغي أن نكسبه إلينا ولا نحطم رأسه أو نذله.
وعاشراً: حسن الاستماع لكلام الخصم، وأن تمهله حتى يفضي إليك بحديثه.
الحادي عشر: الإنصاف: شيخ الإسلام ابن تيمية عندما تكلم في بعض الأشخاص مثل: الجويني والباقلاني والمتكلمين قال: ثم ما من هؤلاء إلا من له في الإسلام مساعٍ مشكورة وحسنات مبرورة، ولهم في الرد على كثير من أهل الإلحاد والبدع والانتصار لكثير من أهل السنة والدين ما لا يخفى على من عرف أحوالهم وتكلم فيهم بعلمٍ وصدقٍ وعدلٍ وإنصاف، فهو ﵀ ينصف المخالفين.
فإذا كان عند المخالفين مواقف مشكورة، نقول: عندهم أعمال مشكورة، أو كان لهم مواقف مبرورة، نقول: عندهم مواقف مبرورة، نقول عن أحدهم مثلاً: عنده أخطاء مثلاً في الصفات فهو مؤول، لكن عنده ردود جيدة على النصارى والملاحدة مثلاً، الإنصاف مهم، الإنصاف هو الذي يجعل الخصم يتبعك، وأتباع الخصم يسلمون لك، لكن عندما يرونك تتهجم على شيخهم بدون أدب، وتخطئه في كل ما يقول، لا يقبلون قولك.
الثاني عشر: إصلاح المنطق: أقصد بالمنطق الألفاظ والكلام والأسلوب والبيان والبلاغة، وهناك علم مهم جداً اسمه علم البيان، يعلمك كيف تعبر عن المعنى التي في نفسك بعبارة صحيحة، وهناك كتب له، وهو من علوم الآلة المهمة وبه ترى أشياء كثيرة من عظمة كتاب الله تعالى وإعجاز هذا الكلام الذي تكلم به : ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص:٣٤].
والجواب في الأسد لا في الأشد، بعض الناس يظنون أن رفع الصوت هو الذي يفحم، والذي يفحم هو العبارة القوية الصحيحة المتينة في مكانها المناسب، الجواب في الأسد لا في الأشد.
الثالث عشر: تجنب المماراة وهذه لها منزلة في الجنة.
الرابع عشر: أن اختلاف الرأي لا يوجب فساد الود بين الإخوان، نحن الآن نتناقش في مسألة فقهية ليس فقط في مسائل عقيدة مع الضالين، حتى مع إخواننا في الله نتناقش في مسائل فقهية؛ قراءة الفاتحة للمأموم خلف الإمام في الصلاة الجهرية هل تشرع أو لا تشرع، الزكاة في ذهب الحلي هل هي واجبة أو غير واجبة، مسائل خلافية كثيرة ومناقشات، ينبغي أن تكون مناقشتنا العلمية بأسلوب مؤدب ولا تفسد ما بيننا من العلاقات، ولذلك يقول يونس الصدفي: ما رأيت أعقل من الشافعي، ناظرته يوماً في مسألة، ثم افترقنا ولقيني، فأخذ بيدي، ثم قال: يا أبا موسى ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في المسألة؟! وكذلك يقول العباس العنبري: كنت عند أحمد بن حنبل وجاء علي بن المديني وهو على دابة، فتناظرا في مسألة وارتفعت الأصوات حتى خفت أن يقع بينها جفاء، فلما أراد علي الانصراف قام أحمد فأخذ بركابه؛ أخذ بركاب الدابة وكرمه وعززه وهو ينصرف، الاختلاف الفقهي ليس معناه فساد العلاقة الأخوية، يبقى الأدب والاحترام والحشمة للأخ المسلم وإن اختلفنا معه في مسائل فقهية علمية.
وهذا من أدب السلف المفقود بين كثيرٍ من الذين يعيشون من الخلف.
السادس عشر: تجنب ما يشوش الفكر أثناء النقاش: ألا يكون مثلاً محصوراً، أو فيه جوع، أو فيه تخمة.
السابع عشر: نصب حكم يحكم بينكما: لأن بعض الأطراف قد تنكر ما تقول، يقول أحدهم: ما قلت هذا القول وأنت تقولت علي، تقول له: قبل قليل قلت، والآن تراجعت، يقول: أنا ما قلت أصلاً، إذاً ضع مسجلة، أو من يكتب.
الثامن عشر: لا بأس باستعمال الأمثال: خصوصاً عندما تناقش بعض المبتدعة تقول في النهاية إذا انقطع: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ [الإسراء:٨١] ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ [الأنبياء:١٨] يأتي لك بحجة ضعيفة متهافتة تقول له: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت:٤١] وحجتك مثل بيت العنكبوت وكسراب بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً، فلا بأس باستعمال الأمثال من القرآن والسنة وكلام العرب.
والتاسع عشر: تجنب مناظرة السفيه والجاهل، لأنه لا توجد فائدة من مناظرة السفهاء.
العشرون: ملخص لهذه الآداب أسوقها إليكم من نونية الشيخ/ أبي محمد عبد الله بن محمد الأندلسي القحطاني، النونية معروفة بـ نونية القحطاني من أحلى وأعذب ما قيل:
لا تفن عمرك في الجدال مخاصماً إن الجدال يخل بالأديان
واحذر مجادلة الرجال فإنها تدعو إلى الشحناء والشنآن
وإذا اضطررت إلى الجدال ولم تجد لك مهرباً وتلاقت الصفان
فاجعل كتاب الله درعاً سابغاً والشرع سيفك وابد في الميدان
والسنة البيضاء دونك جنةً واركب جواد العزم في الجولان
واثبت بصبرك تحت ألوية الهدى فالصبر أوثق عدة الإنسان
واطعن برمح الحق كل معاندٍ لله در الفارس الطعان
واحمل بسيف الصدق حملة مخلصٍ متجردٍ لله غير جبان
واحذر بجهدك مكر خصمك إنه كالثعلب البري في الروغان
أصل الجدال من السؤال وفرعه حسن الجواب بأحسن التبيان
أحياناً تبدأ النقاش فتوجه إلى الخصم سؤالاً.
لا تلتفت عند السؤال ولا تعد لفظ السؤال كلاهما عيبان
وإذا غلبت الخصم لا تهزأ به فالعجب يخمد جمرة الإحسان
فلربما انهزم المحارب عامداً ثم انثنى قصداً على الفرسان
واسكت إذا وقع الخصوم وقعقعوا فلربما ألقوك في بحران
ولربما ضحك الخصوم لدهشة فاثبت ولا تنكل عن البرهان
فإذا أطالوا في الكلام فقل لهم إن البلاغة لجمت ببيان
لا تغضبن إذا سئلت ولا تصح فكلاهما خلقان مذمومان
واحذر مناظرة بمجلس خيفةٍ حتى تبدل خيفةً بأمان
ناظر أديباً منصفاً لك عاقلاً وانصفه أنت بحسب ما تريان
ويكون بينكما حكيمٌ حاكماً عدلاً إذا جئتاه تحتكمان
стр. 2897
المباهلة
أحياناً يا إخوان في المناظرة والمجادلة قد تصل القضية إلى المباهلة، والمباهلة أن يدعو الخصمان كل واحدٍ منهما على نفسه باللعنة إن كان على الباطل وكان خصمه على الحق، مثلما قال الله في كتابه العزيز عن مباهلة النصارى في سورة آل عمران؛ إذ أنه لما جاء وفد نجران إلى النبي ﷺ ناظرهم النبي ﷺ ورد عليهم، ثم هددهم بالمباهلة كما أمره ربه: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران:٦١] فأبى النصارى المباهلة وخافوا.
في صحيح البخاري عن حذيفة قال: جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله ﷺ يريدان أن يلاعناه، فقال أحدهما لصحابه: لا تفعل فوالله لئن كان نبياً فلاعناه، فلن نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا، والنبي ﵊ خرج مع الحسن والحسين وفاطمة كما أمر الله: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ [آل عمران:٦١] فما استطاعوا أن يباهلوه.
стр. 2898
حديث الشفاعة المقام المحمود
لقد قص الله علينا في كتابه وعلى لسان أنبيائه ما يكون في اليوم الآخر؛ ليعتبر ويتعظ من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وفي هذا الدرس وقفات مع حديث الشفاعة، وكيف يشفع النبي ﷺ يوم القيامة، مع ذكر أنواع الشفاعة، وعرض صور من يوم المحشر، وقد تعرض الشيخ لبعض صفات الصراط، وحال الناس عند عبور الصراط، وكذلك ما يحدث بعد عبور الصراط من المقاصة بين الناس، ودخول أهل الجنة الجنة وأهل النار النار
стр. 2899
نص حديث الشفاعة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فإن الله قد قص علينا في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ ما يكون في اليوم الآخر من التفاصيل الكثيرة التي تكون للمؤمنين واعظاً، فيعلمون منها ما أعد الله في ذلك اليوم من الأهوال، وإذا كان الواحد يعيش في الدنيا سبعين سنة، فإن يوم القيامة طوله خمسون ألف سنة، أي: أن طول يوم القيامة أضعاف أضعاف ما يكون من عمر الإنسان في الدنيا، ويوم القيامة يبدأ من النفخ في الصور وينتهي بدخول أهل الجنة الجنة ودخول أهل النار النار.
فهذه الخمسون ألف سنة يكون الناس واقفين فيها قياماً على أرجلهم كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦]، فليس فيها متكأ ولا مكان للراحة، ولكنه يمر على المؤمنين مروراً طيباً سهلا، ً يسهله الله عليهم بأعمالهم، وقد روى أنس رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ حدثاً من أحداث ذلك اليوم فقال: (يجمع الله الناس يوم القيامة فيقولون: لو استشفعنا على ربنا حتى يريحنا من مكاننا، فيأتون آدم فيقولون: أنت الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك، فاشفع لنا عند ربنا، فيقول: لست هناكم ويذكر خطيئته ويقول: ائتوا نوحاً أول رسول بعثه الله، فيأتونه فيقول: لست هناكم ويذكر خطيئته، ائتوا إبراهيم الذي اتخذه الله خليلاً، فيأتونه فيقول: لست هناكم ويذكر خطيئته، ائتوا موسى الذي كلمه الله، فيأتونه فيقول: لست هناكم فيذكر خطيئته، ائتوا عيسى، فيأتونه فيقول: لست هناكم ائتوا محمداً ﷺ فقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني فأستأذن على ربي فإذا رأيته وقعت له ساجداً فيدعني ما شاء الله ثم يقال لي: ارفع رأسك، وسل تعطَ، وقل يسمع، واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأحمد ربي بتحميد يعلمني، ثم أشفع فيحد لي حداً، ثم أخرجهم من النار وأدخلهم الجنة، ثم أعود فأقع ساجداً مثله في الثالثة أو الرابعة حتى ما يبقى في النار إلا من حبسه القرآن، وكان قتادة يقول عند هذا أي: وجب عليه الخلود).
стр. 2900
صور من الحشر
يقول النبي ﷺ :) يجمع الله الناس يوم القيامة) وفي رواية: (إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم في بعض) وقضية الاختلاط والتداخل بعضهم في بعض، أو أن يموجوا فيدخل بعضهم في بعض هو من الأهوال التي تكون في ذلك الموقف.
يجمع الله الناس الأولين والآخرين في صعيد واحد من آدم إلى راعٍ من مزينة وهو آخر واحد يموت ويحشر، من آدم إلى رجل من مزينة، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر.
стр. 2901
مصادر الحَرَّ يوم القيامة
وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب مالا يطيقون ولا يحتملون، وفي رواية: (وتدنو الشمس من رءوسهم فيشتد عليهم حرها ويشق عليهم دنوها، فينطلقون -من الضجر والجزع مما هم فيه- يبحثون عن مخرج الناس يوم القيامة) يبحثون عن حل لهذا الكرب العظيم الذي أصابهم؛ لأن الحر يوم القيامة له ثلاثة مصادر: أولاً: الشمس التي تدنو من رءوس الخلائق.
ثانياً: التزاحم والتلاصق بالأجساد وحرارة الأنفاس.
ثالثاً: جهنم؛ لأنه يؤتى بها إلى أرض المحشر تجر لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك، ولها زفير وشهيق يرى من بعيد، فيجتمع على الناس الحر من ثلاث جهات: دنو الشمس من فوق الرءوس، وتقريب جهنم، وتلاصق الأجساد وطلاقة الأنفاس، وهذه مسألة الأنفاس معروفة، لو أننا وضعنا أشخاصاً وملأنا غرفة بهم سيصابون بحر نتيجة الاختناق من الأنفاس وحرارة الأجساد، كل واحد من هذه الأسباب كافٍ بأن الناس يصابون بكرب عظيم، فكيف إذا اجتمعت كل الثلاثة مع بعض؟ ولذلك قال: (فيبلغ الناس من الغم والكرب مالا يطيقون ولا يحتملون -فليس الحر هنا يطاق ويحتمل بل فوق التحمل، ولذلك يموج بعضهم في بعض ويدخل بعضهم في بعض- ويبحثون عن مخرج ويشق عليهم دنوها فينطلقون من الضجر والجزع مما هم فيها) فإذاً حر وضجر وجزع وفي رواية: (فيفظع الناس لذلك والعرق كاد يلجمهم) العرق يرتفع مستواه عند بعضهم حتى يلجمهم كاللجام على الفرس فيغطي الفم.
стр. 2902
الحبس يوم القيامة
في رواية: (يلبثون ما شاء الله من الحبس) إذاً الناس في هذا الصعيد محبوسون، كأنهم في سجن؛ لأن الملائكة تنزل صفوفاً من كل سماء وتحيط بالناس في أرض المحشر، وهكذا السماء الثانية طوق والثالثة والرابعة وهذا معنى قول الله : ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا﴾ [الرحمن:٣٣] لأن الملائكة محيطة بهم من جميع الجهات سبعة أطواق من الملائكة فهذا حبس، ولذلك قال هنا في هذه الرواية: (يلبثون ما شاء الله من الحبس) وفي سورة الرحمن: ﴿إِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا﴾ [الرحمن:٣٣] وكيف ينفذون وهم في حبس والملائكة محيطة بهم لا مخرج، مالنا من محيص.
قال في الحديث: (تدنو الشمس حتى تصير من الناس على قدر ميل، ويتفاوت الناس في العرق على قدر أعمالهم) وفي رواية سلمان: (تعطى الشمس يوم القيامة حر عشر سنين) فليست شمساً عادية وإنما تعطى حر عشر سنين، يعني: الشمس الموجودة الآن إذا اصطلينا بحرها في الصيف، بحر هذا اليوم الذي طلعت فيه الشمس نقول: هذا اليوم حر شديد! يوم القيامة تعطى الشمس حر عشر سنين، ثم تدنو من جماجم الناس فهي قريبة من الرءوس، فيعرقون حتى يرشح العرق في الأرض قامة، فالآن العرق ليس على سطح الأرض فقط وإنما داخل الأرض، ينزل العرق فيدخل في الأرض فتتشربه ثم يطفح؛ لأن التشرب قد انتهى حده، فيطفح إلى أعلى الأرض قامة -يعني: على قامة الرجل- ثم يرتفع حتى يقول الرجل: عق عق، يعني: من العرق، الإنسان إذا صار في الماء وألجمه الماء ليس هناك متنفس فقال: عق عق وهو صوت الغرق.
قال في رواية: (لغم ما هم فيه والخلق ملجمون بالعرق -فالعرق يكون مثل اللجام- قال: وإن معي لواء الحمد) وهذا لواء حقيقي مع النبي ﵊ يرفعه بيده وهو لواء الحمد، ومكانه معروف واضح.
стр. 2903
محاولة استشفاع الناس بالأنبياء
الناس في هذا الغم والكرب يوم القيامة يريدون حلاً، ويتمنى الكافر الفرج ولو إلى النار، فيتكلم الناس ويتبادلون الآراء في أرض المحشر، يتكلمون مع بعض يريدون رأياً، مثل الناس لو وضعوا في أزمة يبدءون يتحدثون في نقاش، ما هو السبيل إلى الخروج؟ ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [غافر:١١].
في يوم المحشر يصدر عن بعض الناس رأياً يقولون: لو استشفعنا، يلهمون ذلك من الله كما جاء في رواية مسلم: (فيلهمون الذهاب إلى الأنبياء) يريدون مخرجاً، فيقولون: لو نذهب إلى الأنبياء (فيهتمون بذلك -يصيبهم الهم- لو استشفعنا على ربنا) يعني: نطلب شفاعة أحد عند الله نستعين به على الكرب.
стр. 2904
الاستشفاع بآدم ﵇
يأتي الناس آدم -الآن المؤمنون يريدون الذهاب منه إلى الجنة والكفار يريدون الفكاك ولو إلى النار من الكرب- فيفزع الناس ثلاث فزعات فيأتون آدم، فيقولون: ألا تشفع لنا عند ربك حتى يريحنا؟ يقول بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى آدم أبي البشر فليشفع لنا إلى ربنا فليقض بيننا -أول ما ينصرفون إلى آدم يقولون: هذا آدم أبو البشر أبونا لعله يرحم حالنا ويشفع لنا عند الله- فيقولون: يا أبانا! استفتح لنا الجنة -هؤلاء المؤمنون- والناس يقولون: استشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا فليقض بيننا، فنريد الفكاك ونريد القضاء، الآن يطالبون بأن يبدأ الحساب، فالآن كل الطلب الذي يطلبونه أن يبدأ الحساب حتى ينتهي وتنفك الأزمة، يا آدم أنت أبو البشر أنت أبونا، يا أبانا، ويذكرون مناقبه لأنهم يطلبون منه طلباً يقولون: لك مكانة عند الله، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه وفي رواية: وأسكنك جنته، وعلمك أسماء كل شيء، أنت أبو البشر، وأنت اصطفاك الله، فاشفع لنا عند ربك، قال آدم: لست هناكم يقول: منزلتي دون المستوى المطلوب، أنا لا أستطيع أشفع، منزلتي دون مستوى الشفاعة، لست هناكم.
فيريد أن يحولهم على غيره، لماذا لست هناكم؟ من باب التواضع يذكر خطيئته، مع أن الله غفر له لكن يذكر خطيئته التي أصاب وأنه أكل من الشجرة، ويذكر ذنبه فيستحيي ويقول: (إني أذنبت ذنباً فأهبطت به إلى الأرض، ويقول: هل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم آدم؟ ويقول: إني أخطأت وأنا في الفردوس فإن يغفر لي اليوم حسبي) ويقول: (إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيت، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، ائتوا نوحاً).
стр. 2905
طلب الناس من نوح أن يشفع لهم
الناس يأتون نوحاً بعد آدم، فما هي مواصفات نوح؟ أول رسول بعثه الله إلى هذه الأرض، فيأتون نوحاً أبو البشرية الثاني فلا يوجد واحد بعد نوح إلا ونسبه ينتهي إلى نوح لماذا؟ لأن الله لما أهلك قوم نوح وهم البشرية في ذلك الوقت، هلكوا كلهم والطوفان عم الأرض كلها، نوح والذين آمنوا معه أنجاهم الله من الطوفان، الذين آمنوا معه ما كان لهم ذرية؛ لأن الله قال عن نوح: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات:٧٧]، فإذاً نوح أبونا بعد أبينا الأول آدم، يعني: كل واحد من البشرية الذين جاءوا بعد نوح لابد أن يكون نسبه يرجع إلى نوح، ولذلك إذا نسبنا إبراهيم ﵇ أو محمد ﵇ فلابد أن نمر بنوح إلى آدم، أول رسول بعثه الله إلى هذه الأرض.
(ائتوا عبداً شاكراً) الله سماه شاكراً فيأتون نوحاً، فيقولون: يا نوح! أنت أول الرسل إلى أهل الأرض وقد سماك الله عبداً شكوراً، يا نوح! اشفع لنا عند ربك، فإن الله اصطفاك واستجاب لك في دعائك، ولم يدع على الأرض من الكافرين دياراً، فهذا الذي يقوله أهل الموقف لنوح.
الآن نوح هل هو رسول أم نبي؟ الجواب أنه رسول، بعثه إلى أهل الأرض بعدما وقع فيهم الشرك، آدم كان نبياً، ونوح كان رسولاً إلى قوم وقع فيهم الشرك، لما يذهبوا إلى نوح يقولون هذا الكلام فيقول: لست هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب، فيستحيي من ربه منها، ماذا يذكر نوح؟! يذكر سؤال ربه ما ليس له به علم لما قال بعدما غرق ولده، قال: ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ [هود:٤٥]، كأنه يقول: أنت وعدتني أن تنجي أهلي وابني من أهلي فلماذا لم ينجُ؟ وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين، قال: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود:٤٦]، فيذكر هذا الموقف يقول: هذا أنا سألت الله ما ليس لي به علم وفي رواية: (إني دعوت بدعوة أغرقت أهل الأرض) فكأنه يقول: أنا أخطأت بسؤال الله ما ليس لي به علم، وثانياً: الدعوة الآن التي دعوت بها واستجيبت أخشى الآن أن ليس لي دعوة تستجاب لأن الدعوة التي تستجاب استنفذت لما دعوت على أهل الأرض أن يغرقهم الله وأغرقهم، فأخشى الآن أن أدعو فلا أجاب، ما هي الخطوة التي تليها؟
стр. 2906
طلب الناس من إبراهيم الشفاعة لهم
يقول موسى ﵇: (ائتوا إبراهيم الذي اتخذه الله خليلا -خليل الله- فيأتون إبراهيم ويقولون: يا إبراهيم! أنت نبي الله، وخليله من أهل الأرض، قم اشفع لنا إلى ربك، فيقول: لست هناكم ويذكر خطيئته التي أصاب فيستحيي من ربه منها، ليس ذاكم عندي، إني كنت قد كذبت ثلاث كذبات - قوله: إني سقيم، وقوله: بل فعله كبيرهم هذا، وقوله لامرأته: أخبريهم أني أخوك، ما منها كذبة إلا أنه يجادل عن دين الله وما قصد الكذب لأجل الكذب، وإنما أشياء قالها لينافح بها عن دين الله، يعني: كذب في سبيل الله وفي ذات الله، فيتواضع إبراهيم ﵇ ويقول:- إنما كنت خليلاً من وراء وراء).
فكأنه يقول: لست على منزلة الخليل الذي هو النبي ﷺ ، تواضع وقال: كنت خليلاً من وراء وراء وكأنه يقول: أنا أعطيت الوحي بواسطة جبريل، يحولهم على واحد آخر موسى، لماذا؟ يقول: كلمه الله بلا واسطة، أنا خليل من وراء وراء، أنا مكلم من وراء جبريل بواسطة موسى بدون واسطة اذهبوا إلى موسى.
طبعاً الكلمات التي كذب بها إبراهيم ﵇ كانت من المعاريض، لأنه لما قال: إني سقيم، يحتمل السقم الذي هو مرض، ويحتمل مرض البدن ويحتمل مرض النفس، مريض من كفركم وشرككم، شرككم سبب لي مرض النفس.
ولما قال: بل فعله كبيرهم هذا هل هو أشار إلى إصبعه تورية، أو أنه أراد أن يسألوا هذا الصنم ويكون ذلك توبيخاً لهم عندما يرجعون إلى أنفسهم ويعلمون أن هذا الصنم لا يتكلم، كيف يسألونه؟ والملك الكافر لما أراد أن يأخذ زوجة إبراهيم، ولو أخبرتهم أنها زوجة إبراهيم يعلم أنه لا سبيل لأخذها إلا بقتل إبراهيم فيقتل إبراهيم، لكن إذا قالت: أخته قد يبقي على إبراهيم حياً ويخطبها منه، ولذلك قال: إذا سألك فقولي له إنك أختي، وهذه لها تأويل أنها أخته في الإسلام.
فالثلاثة هذه من معاريض الكلام، لكن لما كانت صورتها صورة الكذب؛ لأن التورية الآن صورتها صورة كذب، لكنها في الحقيقة ليست بكذب، لكن الصورة صورة كذب، فلأن هذه الثالثة صورتها صورة كذب أشفق منها استصغاراً لنفسه عن الشفاعة، وخشي منها مع أنها توريات وليست كذبات.
وتواضع إبراهيم ﵇ وقال: أنما كنت خليلاً من وراء وراء، اذهبوا إلى واحد ليس من وراء وراء، موسى كلمه الله وأعطاه التوراة، كليم الله وكلمه تكليماً وقربه نجياً.
стр. 2907
ذهاب الناس إلى موسى ليشفع لهم
بعد رفض آدم لطلب الناس بالاعتذار لهم، يأتون إلى موسى فيقولون: (يا موسى! أنت رسول الله فضلك الله برسالته وكلامه على الناس اشفع لنا، فذكر مثل آدم قولاً وجواباً) لكنه قال: (إني قتلت نفساً لم أؤمر بقتلها) يتذكر الكلام الذي صار، مع أن هذا قبل أن يكون نبياً، والذي قتله كافر قبطي من قوم فرعون ومع ذلك قال: إني قتلت نفساً لم أؤمر بقتلها لست هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب وهي قتل النفس فيستحيي ربه منها ويقول: (حسبي أن يغفر لي اليوم، حسبي، ائتوا عيسى روح الله وكلمته وفي رواية: عبد الله ورسوله وكلمته وروحه فإنه كان يبرأ الأكمة والأبرص ويحيي الموتى).
стр. 2908
عيسى يدل الناس على رسول الله ﷺ
موسى يخبر الناس بأنه قد قتل نفساً، ولا يريد من الله إلا أن يغفر له، ولا يستطيع أن يشفع للناس في بدء الحساب ويدلهم على عيسى ﵇ فيأتون عيسى فيقول: لست هناكم، يقولون: يا عيسى! أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم ورح منه، وكلم الناس في المهد صبياً، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه، فيذكر مثل آدم قولاً وجواباً: لست هناكم لكن لم يذكر ذنباً.
عيسى ما ذكر ذنباً لكن يقول: أنا لست على مستوى طلب الشفاعة لست بهذا المقام، لست هناكم، ويقول في رواية: (إني عُبِدت من دون الله، إني اتُخِذت إلهاً من دون الله) مع أنه ليس ذنباً منه ولا قصد ولا أراد ولا رضي، لكن يقول ذلك تواضعاً.
الآن هؤلاء الأنبياء يقولون اليوم: إذا غفر لنا يكفينا، فما بال بقية الناس؟ ثم يقول عيسى ﵇: (ائتوا محمد ﷺ فقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، انطلقوا إلى من جاء اليوم مغفوراً له وليس عليه ذنب وخاتم النبيين، أرأيتم لو كان هناك متاع في وعاء وقد ختم عليه، أكان يقدر على ما في الوعاء حتى يفض الخاتم؟) هل تستطيع أن تأخذ شيئاً من الوعاء من غير فض الخاتم، فيرجعون إلى هذا الذي قيل لهم أول من تنشق عنه الأرض، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وعندما يأتون إلى النبي ﵊ يقول كما جاء في رواية: (إني لقائم انتظر أمتي يعبرون الصراط إذ جاء عيسى فقال: يا محمد! هذه الأنبياء قد جاءتك يسألون لتدعو الله أن يفرق جمع الأمم إلى حيث يشاء لغم ما هم فيه) فأين يكون النبي ﵊؟ عند الصراط ومعه لواء الحمد، بعدما تلف القضية على الأنبياء واحداً واحداً، عيسى مع الناس مع الأنبياء كلهم يتوجهون إلى الصراط، والنبي ﵊ قائم ينتظر عند الصراط، فيطلب عيسى والأنبياء معه والناس جميعهم من النبي ﵊ ويخاطبونه حتى أبوه إبراهيم، كما جاء في رواية (وأخرت الثالثة -يعني: دعوة النبي ﵊ ليوم يرغب إلي فيه الخلق حتى إبراهيم ﵇.
стр. 2909
المقام المحمود للنبي ﷺ
كل الناس يذهبون إلى محمد ﵊ ويطلبون منه طلباً واحداً؛ هذه هي مكانة النبي ﵊، وهذا هو المقام المحمود، يوم تتطلع أنظار الخلائق وأنفسهم إلى النبي ﵊ يريدون منه أن يشفع عند الله، حتى إبراهيم الخليل فيأتوني، فيقول: (أنا لها أنا لها) لا يقول: لست هناكم يقول: أنا لها أنا صاحبها وأنا الجدير بها، الله أذن لي بها، وأعطيت لي أنا، فأشفع حتى يكون الفرج بسببي وبطلبي وبدعائي لربي.
فهذا المقام المحمود؛ لأن كل الناس يريدون الفرج، فكل الناس سيمدحون النبي ﵊ على هذا الموقف، ويحمدونه على أنه كان السبب في تفريج كربتهم، فيحمده كل الخلائق عليه فهذا هو المقام المحمود، فالحمد لله الذي جعلنا من أمته، وهو أفضل نبي وهو الذي سيشفع.
فيقولون: (يا نبي الله! أنت الذي فتح الله بك وختم وغفر لك ما تقدم وما تأخر وجئت في هذا اليوم آمناً وترى ما نحن فيه فقم فاشفع لنا إلى ربنا) وفي رواية عند ابن المبارك: (فيأذن الله لي فأقوم فيثور من مجلسي أطيب ريح شمها أحد، يقولون: قم فاشفع لنا إلى ربنا فيقول: أنا صاحبكم فيجوش الناس -النبي ﵊ ماذا يفعل؟ يستأذن على ربه- قال: فأستأذن على ربي) وفي رواية: (في داره وهو على العرش أو الكرسي فيؤذن لي في الشفاعة) وقيل في داره يعني: الجنة دار كرامته وهي الجنة فيستأذن، قيل: أنه يستأذن أولاً في دخول الدار وهي الجنة، والله يدعو إلى دار السلام، وينتقل ﵊ من مكانه في أرض المحشر في أرض الموقف إلى مكان آخر، ويتقدم ليسجد تحت العرش، فيدعو في مكان شريف ليس في موقف إشفاق وخوف والشمس والحر، يدعو في مكان شريف تحت العرش كما أن الدعاء في الأماكن المباركة من أسباب الإجابة، فالنبي ﷺ يأخذ حلقة باب الجنة فيقعقعها فيقال: (من هذا، فأقول: محمد فيفتحون) وفي رواية: (فيقول الخازن: من؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت ألا أفتح لأحد قبلك فيفتحون لي ويرحبون).
يقف بين يدي الله فيستأذن في السجود فيؤذن له فيخر ساجداً، وفي رواية: (أن جبريل يخرج إليه والله يقول لجبريل: ائذن له -ائذن لمحمد ﵊ فيدخل- قال: فإذا رأيته وقعت له ساجداً) وفي رواية: (فيتجلى له الرب ولا يتجلى لشيء قبله) أول واحد يرى الله ﵊، وفي رواية: (يعرفني الله نفسه ويتجلى لنبيه فأسجد له سجدة يرضى بها عني، ثم أمتدحه بمدحة يرضى بها عني).
فإذاً يستأذن ويؤذن له، ويذهب إليه، ويتجلى له الرب فيراه فيخر ساجداً ويبدأ المدح والثناء على الله، وهذه السجدة كم طولها؟ الله أعلم، لكن لها مدة لأنه قال في الرواية: (فيدعني ما شاء الله ساجداً شاكراً له أمتدحه) وفي رواية: (فأقوم بين يديه فيلهمني محامد لا أقدر عليها الآن)، يعني: النبي ﷺ لما حدثهم الحديث يقول: المحامد تلك لا أعرفها ولا أقدر عليها لكن في ذلك الوقت سيفتح علي ويعلمني ماذا أقول، فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجداً، وفي رواية: (فينطلق إليه جبريل فيخر ساجداً قدر جمعة).
النبي ﵊ إذا سجد وفتح الله عليه بمحامد يقال له بعد مدة: (يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعط، وقل يسمع، واشفع تشفع) فيرفع رأسه ﷺ ، قال: (فأرفع رأسي فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه) وفي رواية: (بمحامد لم يحمده بها أحد قبلي ولا يحمده بها أحد بعدي) وفي رواية: (فيفتح الله له من الثناء والتحميد والتمجيد ما لم يفتحه لأحد من الخلائق) يعني: الآن نحن نعرف بعض الألفاظ التي فيها تحميد وتمجيد لله مثل: سبحان الله والحمد لله، والله أكبر إلخ.
هذه أشياء ما سبق أن أحداً قد دعا بها، أذكار جديدة وألفاظ جديدة، ما يفتح بها إلا على النبي ﷺ ، وطبعاً في أسماء الله لا نعرفها نحن نعرف: الفتاح، العليم، الرزاق، الكبير، المتعال، القدوس، السلام، في أسماء اختص الله بها نفسه لا أحد يعرفها، فماذا يحصل؟ الله يعلم رسوله أشياء، قد يكون منها أسماء الله تفرد بعلمها، وما نزلت في كتاب ولا على رسول، فإذاً الكلام سيكون في السجود وبعد السجود في محامد، في السجود يخر له ساجداً يمدحه ويثني عليه، وإذا رفع أتى بمحامد جديدة أخرى.
ففي أشياء في السجود وأشياء بعد الرفع من السجود، فيقال: (يا محمد! فأقول: لبيك وسعديك والخير في يديك، والمهدي من هديت، وعبدك بين يديك، وبك وإليك، تباركت وتعاليت، سبحانك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، سبحانك رب البيت، ثم أشفع -فأول محامد قبل الطلب، ثم يأتي الطلب- فأقول: رب! أمتي، أمتي، أمتي، فيحد لي حداً لا أتعداه).
مثلاً: شفعتك فيمن أخل بصلاة الجماعة فيشفع فيهم ثم يقال: شفعتك فيمن أخل بالفرض الفلاني أو الواجب الفلاني، أو شفعتك فيمن ارتكب المحرم الفلاني، يقول: أقبل شفاعتك في هؤلاء ويحد لي حداً، وعلى هذا الأسلوب، هكذا يشفع النبي ﵊ لأناس يخرجهم من النار فيدخلهم الجنة، فيقال: (أخرج من في قلبه مثقال شعيرة وبعد ذلك مثقال ذرة، ومثقال حبة من خردل، ولا أزال أتردد على ربي لا أقوم منه مقاماً إلا شفعت، فيشفع في كل من كان في قلبه مثقال حبة من حنطة، ثم شعيرة ثم حبة من خردل، فذلك المقام المحمود، ثم أخرجهم من النار).
стр. 2910
وقفة مع شفاعة النبي ﷺ يوم القيامة
الشفاعة في الإخراج من النار متى تكون؟ تكون بعد التحول عن الموقف والمرور على الصراط وسقوط من يسقط في النار، ثم تأتي هذه الشفاعة، فالآن هناك شفاعة في انفضاض الموقف للحساب، وشفاعة للنبي ﵊ لإخراج من دخل النار من أمته، هذه الشفاعة الثانية تكون بعد الأولى، فالثانية تكون بعد الصراط، الناس يتجهون إلى الصراط يسلكون عليه وينطلقون عليه ويسقط من يسقط، أناس دخلوا النار وهم من الموحدين تحصل هذه الشفاعة، وترسل الأمانة والرحم لعظمهما، الأمانة والرحم، على جنبتي الصراط يميناً وشمالاً (فيمر أولكم كالبرق) إلى آخره.
فإذاً عندنا شفاعتان: شفاعة الإراحة من الموقف وينصرف الناس للحساب، ثم يمرون على الصراط ثم يسقط ويهوي من يهوي في النار، ثم يكمل من يكمل إلى الجنة، فتأتي بعد ذلك الشفاعة الثانية: وهي شفاعة الإخراج، وقد جاء في رواية: (ثم أمتدحه بمدحة يرضى بها عني ثم يؤذن لي بالكلام، ثم تمر أمتي على الصراط وهو منصوب بين ظهراني جهنم) وفي رواية: (يقول ربي عز جل: يا محمد! ما تريد أن أصنع في أمتك، فأقول: يا ربي عجل حسابهم) وفي رواية: (فأقول: أنا لها حتى يأذن الله لمن يشاء ويرضى، فإذا أراد الله أن يفرغ من خلقه، نادى مناد أين محمد وأمته فيتبعوه) وفي رواية: أن النبي ﷺ عندما يقول: (يا رب! أمتي أمتي، يقال: أدخل من أمتك من الباب الأيمن من أبواب الجنة من لا حساب عليه ولا عذاب وهم شركاء في بقية الأبواب).
يا رب! وعدتني الشفاعة فشفعني في أهل الجنة يدخلون الجنة، فهذه شفاعة ثالثة، وعدتني الشفاعة فشفعني في أهل الجنة لكي يدخلون الجنة فيقول الله: (فقد شفعتك فيهم وأذنت لهم في دخول الجنة).
فإذاً لا ينصرف الناس من الموقف للحساب إلا بشفاعة محمد ﷺ ، ولا يدخل أحد الجنة إلا بشفاعة محمد ﷺ ، ولا يخرج أحد من الموحدين من النار من أمة محمد ﵊ إلا بشفاعته ﵊، فيما سبق إشعار بأن العرض والميزان وتطاير الصحف يقع في هذا الموطن.
ينادي المنادي لتتبع كل أمة من كانت تعبد، فيسقط الكفار في النار، ثم يميز بين المؤمنين والمنافقين بالامتحان بالسجود عند كشف الساق، ثم يؤذن في نصب الصراط والمرور عليه فيطفأ نور المنافقين فيسقطون في النار أيضا، ً ويمر المؤمنون عليه إلى الجنة فمن العصاة من يسقط ويوقف بعض من نجي عند القنطرة للمقاصصة بينهم ثم يدخلون الجنة.
فهذا الترتيب ذكره ابن حجر ﵀ استخلاصاً من الأحاديث وهو ترتيب مهم، هذا الترتيب يفهم كيف ستكون الأمور يوم القيامة، فنعيده: يقول بعد الرواية الأخيرة: وفيه إشعار بأن العرض يعني: يعرضون على الله: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨] هناك عرض على الله تعرض فيه البشرية كلها، كل واحد هو وذنوبه وأعماله وكل شيء مكشوف، على صفحة مفتوحة ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨]، هذا العرض على الله، ثم يؤتى بالميزان وينصب وتوزن أعمال العباد: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان:٢٨] ولا حسابكم أيضاً، في نفس الوقت يعني الله لا يعجزه شيء يحاسب الخلق كلهم كأنه يحاسب واحداً، ويقضي بينهم كلهم كأنه يقضي بين شخص وشخص، والميزان والوزن كل شيء يوضع.
следующие страницы →