← Джавами‘

Джавами‘ · id 7704

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (7 040 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

فوائد جلية من أحاديث الفتن ونختم كلامنا هذا بالتذكير ببعض الأمور، ألا وهي: أنه ﷺ قال: (ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال: الشرك الخفي، أن يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته؛ لما يرى من نظر الرجل) انظر خاف علينا أكثر من المسيح الدجال من الشرك الخفي؛ نظراً لانتشاره وشيوعه وحصوله في كل الأزمان، أما الدجال فهو محصور في وقت معين. وقال أيضاً: (أخوف على أمتي من الدجال الأئمة المضلون) يظهر أناس يدعون العلم أو علماء منحرفون ويفتون الأمة بفتاوي غلط، ويضللون الناس، ويقولون: اتبعوا القائد الفلاني ويمشي الناس وراء القائد الفلاني اعتماداً على فتواهم، وهكذا، هذا كله من الأشياء التي خشيها ﷺ علينا، فينبغي الانتباه من الشرك الخفي، والانتباه من الأئمة المضلين، والاعتصام بالعلماء الحقيقيين المخلصين لله ، واتباع الدليل. وقال ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق، ظاهرين على من ناوءهم، حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال) فظهر أن حركة الجهاد في هذه الأمة هي حركة متتابعة، وأن أولها وآخرها متصل مع بعضها، ولا ينقطع الجهاد حتى تقاتل آخر الأمة الدجال، فأثبت أن الجهاد باقي إلى قيام الساعة. وكذلك فإنه مما ينبغي أن نتعلمه الثبات في الفتن، ولذلك يقول ﵊: (يا عباد الله فاثبتوا، إني سأصف لكم وصفاً) إلى آخر الحديث. وكذلك فإنه ينبغي ألا نشعر بالتشاؤم وفقدان الثقة من أحاديث الفتن، لأن بعض الشباب عندما يقرأ أحاديث الفتن يقول: فقدنا الأمل وما في مجال للعمل وهكذا. وكذلك هناك نقطة مهمة أخرى، نلحظ من حديث الدجال وغيره أن القتال في آخر الزمان في ذلك الوقت سيكون بالسلاح الأبيض، الآن موجود قنابل ورشاشات وأسلحة ومدافع وطائرات وبوارج وصواريخ فما هي مصير هذه الأشياء؟ نقول: إنه ﷺ لا ينطق عن الهوى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤] ومادام أخبر أن القتال سيكون بالسلاح الأبيض على هذه الخيول، فلا بد أن يحدث، كيف سيحدث؟ هل ستنتهي هذه الحضارة والتكنولوجيا؟ وتقوم حرب مدمرة، وتفنى كل هذه الأشياء من المنشآت العسكرية والأسلحة إلى آخره، ويرجع الناس إلى حياتهم البدائية؟ الله أعلم كيف سيحدث. لكن لا بد أن يحدث ذلك لأننا نحن المؤمنين نصدق أن عيسى سيقتل المسيح الدجال بالحربة، الدجال معه سيوف، وأسلحة المسلمين هي السيوف، وهم يقاتلون على خيول ولا بد أن يحدث ذلك، أما كيف ستتطور الأمور الله أعلم، ثم إن علماء الكفار يقولون: إن الحياة على وجه الأرض يمكن أن تنتهي بثلاث دقائق باستخدام هذه الأسلحة المدمرة، فإذاً عقلاً لا يستبعد انتهاء الحضارة باستخدام الأسلحة، ممكن يحصل أي شيء وتنتهي هذه الحضارة، ويرجع الناس إلى عصور بدائية، يفنى خلق كثير جداً والباقون يرجعون الحياة البدائية، وهذا ممكن عقلاً وليس هناك أي إشكال، لكن متى؟ كيف؟ هل سيحدث بهذه الطريقة أم بغيرها؟ الله أعلم. ولذلك بعض الناس عندما يقرءون هذه الأحاديث يقولون: والله مادام القتال بالسيوف ما في داعي نعد العدة، ولا شيء، إن هؤلاء يخالفون السنن الربانية، ويخالفون مفهوم الإعداد الجهادي الذي أمر الله به، قال الله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠] صواريخ طائرات دبابات قنابل ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠] فنحن الآن في هذا العصر، عندنا جهاد وقتال وعندنا كفار، فلا بد أن نقاتلهم بما معنا من الأسلحة، ونعد لهم ما استطعنا، فإذا جاء الوقت الذي سيكون فيه القتال بالسلاح الأبيض، سنضطر إلى استعمال السلاح الأبيض، فلا يقول قائل: ليس هناك أمل الآن في القتال مادام المسألة ستنتهي على السيوف، كلا. لا بد من إعداد الجهاد، وهذا دين واقعي ينتشر في الأرض بطريقة واقعية، ولا بد أن ينتشر الجهاد بالسلاح الموجود، ولذلك لا بد من أخذ العدة، والتوكل على الله . كذلك لا بد من عدم تضخيم أحاديث الفتن، بعض الناس يضخمون أحاديث الفتن جداً يقول: خلاص ما في أمل الآن شغلتنا نجلس وننتظر المهدي والمسيح ابن مريم، فلا يوجد أمل أبداً في أن يظهر المسلمون على الكفار، والكفار أقوى منا، كلا وألف كلا، إن المسلمين إذا أعدوا العدة؛ فإن الله سينصرهم، وقد تكفل الله بنصرهم ولا بد ولا يوجد مانع أبداً أن نظهر على الكفار وأنتم ترون ما حدث على أرض أفغانستان، فلو أن هذا النموذج توسع وتوسع وشمل بلاد المسلمين، وقامت حركة الجهاد في سبيل الله؛ لطهرت الأرض من الكفار ببساطة، ولكن المسألة لا بد أن تكون شاقة، ولا يمكن أن ينصر الله الكسالى والقاعدين، ولا يمكن أن الدين ينتشر هكذا سلمياً، أي: أن المسلمين ينتصرون وهم قاعدون في بيوتهم، فلا بد من إعداد العدة، وعدم تضخيم هذه الأشياء بحيث إننا نرهب ونخاف، كلا. بل إننا سنجري على هذه السنن الربانية والكونية، ونأخذ بالأسباب، ونعد أنفسنا، ونعد العدة لتلك الأيام التي سيكون فيها هذا الجهاد المبارك، الذي سيكون انطلاقة بإذن الله لإقامة الخلافة في الأرض وتحكيم منهج الله فيها. نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المؤمنين بالغيب، وأن يجعلنا صدقاً عند اللقاء، وأن يجعلنا من الشاكرين في البأساء والضراء وحين البأس، وأن يجعلنا من الصابرين إذا قامت المحن، ومن الثابتين إذا نزلت الفتن، وإذا أراد بعباده فتنة أن يقبضنا إليه غير مفتونين، أقول قولي هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 2977

ذم الدين وعاقبة الاستدانة تكلم الشيخ في هذه الخطبة عن أمر عظيم وهو الدَّين؛ محذراً من الإفراط فيه، فذكر أحاديث عن رسول الله ﷺ في الترهيب من أن يموت المرء وعليه دين. وموضحاً أنه من استدان للضرورة يريد أداء حقوق الناس فهذا قد استثناه العلماء مستدلين بأحاديث تنبئ عن هذا القول، ثم ختم خطبته بذكر العلاج النافع لمرض الدَّين والاستدانة.

стр. 2978

ذم الدَّيْن والترهيب من عدم قضائه إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨] والدواوين ثلاثة، فمنها ديوان لا يتجاوز الله عنه يوم القيامة، وهو ديوان حقوق العباد. وهاهنا مسألة أيها الإخوة! نريد أن نفرد لها عدة خطب لنتكلم عنها، لما حصل فيها من التقصير العظيم من المسلمين، وهي مسألة ذات شجون خصوصاً لمن ذاق طعمها، وهي من مسائل حقوق العباد التي وقع فيها التفريط، وهذه المسألة أيها الإخوة! مسألة الدَّين. الناس اليوم يتساهلون في الاستدانة تساهلاً عجيباً، وكثيرٌ منهم لا يدرون عن أحكامها شيئاً، ونحن نتكلم في هذه الخطبة عن ذم الدَين، وعاقبة الاستدانة، وسوف نتكلم إن شاء الله عن الطرف الآخر وهو الدائن المقرض، وسنتكلم أيضاً إن شاء الله عن بعض أحكام الاستدانة. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لو كان لي مثل أحد ذهباً ما يسرني ألا يمر علي ثلاثة أيام وعندي منه شيء إلا شيء أرصده لدَين) فصلى الله عليه وسلم ما كان أحرصه على قضاء دينه، ويقول ﵊ في الحديث الصحيح: (إن قتلت في سبيل الله صابراً محتسباً، مقبلاً غير مدبر، كفر الله عنك خطاياك إلا الدَين كذلك قال لي جبريل آنفاً) وقال ﵇: (سبحان الله ماذا أنزل من التشديد في الدَّين، والذي نفسي بيده، لو أن رجلاً قتل في سبيل الله ثم أحيي، ثم قتل ثم أحيي ثم قتل، وعليه دين ما دخل الجنة حتى يقضى عنه دينه) رواه الإمام أحمد وهو حديث صحيح. وقال ﵊ في الحديث الصحيح الآخر: (نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه) وروى الإمام أحمد وابن ماجة، عن سعد بن الأطول ﵁، أن أخاه مات وترك ثلاثمائة درهم، وترك عيالاً، قال: (فأردت أن أنفقها على عياله قال: فقال لي رسول الله ﷺ إن أخاك محبوس بدينه، فاقض عنه دينه) حتى مع أنه له عيال، يأمر رسول الله ﷺ أخا الميت أن يقضي عنه دينه، وفي الحديث الصحيح الآخر: (أنه ﷺ صلى على جنازة، فلما انصرف قال: أهاهنا من آل فلان أحد؟ -الميت- فسكت القوم، فقال ذلك مراراً، وهم يسكتون، حتى أشار رجل من الصحابة إلى رجل في آخر القوم، قال: هاهو ذا رجل من أقرباء الميت، فجاء الرجل يجر إزاره إلى رسول الله ﷺ ، فقال له ﵇: إن صاحبكم مأسور بدينه عن الجنة، فإن شئتم فاسدوه، وإن شئتم فأسلموه إلى عذاب الله) حديث صحيح. وعن جابر ﵁ قال: (مات رجل فغسلناه وكفناه وحنطناه، ووضعناه لرسول الله ﷺ ، حيث توضع الجنائز عند مقام جبريل، ثم آذنا رسول الله ﷺ بالصلاة عليه، فجاء معنا، فتخطى خطىً ثم قال: لعل على صاحبكم دين؟ قالوا: نعم، ديناران، فتخلف قال: صلوا على صاحبكم -ورفض ﵊ أن يصلي عليه؛ إشعاراً للأمة بخطورة الدين، وأهمية قضائه- قال: صلوا على صاحبكم وصلاة الرسول ﷺ على المؤمنين فيها رحمة عظيمة لهم، قال: صلوا على صاحبكم، فقال له رجل منا يقال له أبو قتادة: يا رسول الله! هما علي أي: أنا أقضي دين هذا الرجل، فصلى رسول الله ﷺ على الميت ثم لقيه ﵇ من الغد فقال: ما صنعت الديناران؟ قال يا رسول الله! إنما مات أمس -ما صار له وقت طويل- فقال: ما صنعت الديناران؟ ثم لقيه من الغد فقال: ما فعل الديناران؟ قال: قد قضيتهما يا رسول الله، قال: الآن حين بردت عليه جلده).

стр. 2979

مذلة الدَّين والدين مذلة أيها الإخوة من عدة جهات: فإنه يضطر المستدين كثيراً للوقع في آفات عظيمة ومنها: الكذب إذا حدث، ومنها: خلف الوعد إذا وعد، ومنها: الحلف إذا اقسم للدائن على أن يرد إليه الدين في أجل معين، ثم أخلف وعده، فحنث في يمينه، وأقسم فعليه الكفارة، وقد يضطره إلى دخول السجن، فتسوء سمعته وسمعة أولاده وأهله بين الناس، ويحرج فيضطر إلى الكذب وربما علم أولاده الكذب، فإذا جاء الدائن إلى بيت المدين فطرق الباب أو اتصل بالهاتف، فيلجأ بعض المستدينين إلى الكذب فيقول: لولده، قل له إنه غير موجود، ثم يضطر للتخفي، ويتحرج من مواجهة الناس الذين يطالبونه، فيتوارى عن الأنظار والمجالس، ويحرم المعيشة الطبيعية، ومعاشرة الخلق، ولذلك يقول ﵇، في الحديث الصحيح: (لا تخيفوا أنفسكم بالدين). ثم انظر إلى تلك الصفة الشنيعة من صفات النفاق العملي: وإذا وعد أخلف كما تتكرر اليوم من المستدينين؟ كم مرة يخلفون؟ وما لإثم النفاق العملي العظيم وآثاره على قلوبهم، وقد يضطر المستدين للوقوع في الربا، فيقترض من مرابٍ ليسدد لمن يطالبه، أو يطلب محاكمته، وربما استدان من مرابٍ ليوفي مرابياً آخر، والدين يزداد، والحرام يعظم حتى يهلكه في الدنيا والآخرة. وإياكم ثم إياكم يا معشر المستدينين! أن تلجئوا إلى البنوك الربوية للاقتراض منها، فإن من فعل منكم ذلك، فقد وقع في لعنة رسول الله ﷺ ، مهما كانت الحاجة لا تلجأ إلى البنك الحرام المحرم، لكي تقترض منه؛ لأن رسول الله ﷺ ، لعن في الحديث الصحيح آكل الربا وموكله، لعن رسول الله ﷺ معطي الربا ولعن آخذ الربا، وهذه الآفات العظيمة في الدين، تجعل بعض المستدينين قد يخرج من دينه بسبب الدين، ولهذا يقول بعض السلف: لأن تلقى الله وعليك دَيْن ولك دِين، خيرٌ لك من أن تلقاه وقد قضيت دينك وذهب دِينُك. وهو مذلة؛ لأن فيه شغل القلب والبال والتذلل للغريم عند لقائه، وتحمل منته بالتأخير إلى حين أوانه وربما مات فصار مرتهناً بدينه (نسمة المؤمن معلقة بدينه) وقد يجعل المستدين ذليلاً من جهة أنه يحس في قرارة نفسه أنه صاحب حاجة، وأنه محتاج إلى غيره، وقد يجر على نفسه تسلط غيره عليه إذا كان الدائن لا يراعي حقوق الأخوة، فيبدأ الدائن بالتدخل في شئون المدين الداخلية الخاصة، فيتكلم من منطلق الدين الذي له عند صاحبه، مما يؤذي المدين في أهله وشخصه، وقد يتدخل الدائن في تجارة المدين، ويقول له: بع كذا، ولا تشتر كذا، والمدين المسكين يحرج ولا يستطيع أن يخالف حتى وجهة نظر الدائن. وهو مذلة أيضاً؛ لأنه سيسمع من الدائن كلاماً قاسياً بشعاً في حقه لا يليق، ولكنه يضطر إلى السكوت على مضض ولا يجد ولا جواباً ولا يستطيع رداً.

стр. 2980

أقوال السلف في الدَّين روى عبد الرزاق عن ابن جريج قال: [رآني عمر وأنا متقنع، -أخفي وجهي بالقناع- فقال: يا أبا خالد إن لقمان كان يقول: القناع بالليل ريبة وبالنهار مذلة، فقلت: إن لقمان لم يكن عليه دين] فهذا الرجل كان عليه دين، فلذلك كان يخفي وجهه. وقال عياض بن عبد الله: الدَّين راية الله في أرضه، فإذا أراد أن يذل عبداً جعلها طوقاً في عنقه. ومن أمثال العرب: لا هم إلا هم الدَّين، ولا وجع إلا وجع العين، ويروى عن عمر أنه قال: [إياكم والدَّين، فإن أوله هم وآخره حرب]. وقال عمر بن عبد العزيز ﵁: [الدين وكر طالما حمله الكرام]. ومن أمثال العرب مما كان يقال: الدَّين رق استعباد، فلينظر أحدكم أين يضع رقه، ولمن يسلم نفسه، وساير بعض الوجهاء رجلاً وهو يحادثه، ففجأة قطع حديثه واصفر لونه، فقال الرجل لهذا الوجيه: ما هذا الذي رأيت منك؟ قال: رأيت غريماً لي، فهذا من أثر الدَّين، ونفس بعض المدينين عن نفسه في هذين البيتين. ألا ليت النهار يعود ليلاً فإن الصبح يأتي بالهموم حوائج ما نطيق لها قضاءً ولا دفعاً وروعات الغريم الغريم: صاحب الدين يروع، يخيف، وقال بعضهم نثراً: الدين هم بالليل وذل بالنهار، يتمنى هذا القائل الشاعر أن يعود الزمن إلى الوراء حتى لا يأتي غداً؛ لأنه إذا جاء الغد فإنه سيضطر إلى مواجهة الغريم.

стр. 2981

التساهل في الدَّين عادة الناس اليوم ذميمة فهم يتساهلون في الدين، وخصوصاً عندما تكون إرادتهم شراء الكماليات، لا يملكون قيمتها، أو بعض قيمتها، فيظنون أن الاقتراض أسهل الأمور، وهو سهل حلو عند أخذه، مر حنظل عند حلول وقت دفعه. والتبذير عادة قبيحة في مجتمعاتنا اليوم، التي تعودت على صرف الأموال وإنفاقها يميناً وشمالاً، بدافع بحاجة وبغير حاجة، فهم الناس اليوم يصلون لحافهم بلحاف غيرهم، لكي يمدوا أرجلهم أقصى ما يستطيعون، لو أنهم تعقلوا فأنفقوا على قدر طاقتهم واستطاعتهم، لما حصل لهم الخزي الذي حصل، والعجيب أنك ترى بعض هؤلاء من غير المتعقلين، يسكن بيتاً فخماً ويركب سيارة فارهة، وربما ركب فيها هاتفاً سياراً، كل ذلك بالدين، ولعل بعض من استدان منهم بيوتهم وسيارتهم أقل من هذا المستدين لتعقلهم. ورسول الله ﷺ كان يدعو الله بأدعية عظيمة منها: (اللهم استر عوراتي، وآمن روعاتي، واقض عني ديني) وقال ﵊: (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين وغلبة الرجال) وضلع الدين هو: ثقله، وهو أن لا يجد الدائن من حيث يؤدي، وفي رواية: (من غلبة الدين وقهر الرجال). وعن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ كان يدعو في الصلاة ويقول: (اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم). المغرم: ما يغرمه الإنسان بسبب الدين مثلاً، فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ يا رسول الله من المأثم والمغرم؟ قال: (إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف) رواه البخاري.

стр. 2982

أصناف الناس في الدَّين وليس المستدينون سواسية، فإنهم أنواع وأصناف، فمن الناس من يستدين وهو يعلم من حاله ودخله أنه سيسدد، ومنهم من يستدين ويعلم من حاله ودخله أنه من المستحيل أن يسدد، ومنهم من يستدين وهو لا يدري هل يستطيع إيفاءه أم لا، وبينهم مراتب متفاوتة، وأشدهم الرجل الذي يستدين وهو يعلم أنه لن يوفِ. وكذلك يتفاوت الناس بحسب حاجتهم، فمنهم من يستدين للكماليات ومنهم يستدين للضروريات، ولذلك يتفاوتون في الذم في الشرع من جهة حاجتهم الحقيقة للاستدانة، ومن جهة معرفتهم هل سيستطيعون إيفاء الدين أم لا؟ ما مدى الحاجة؟ أولاً: عندما تستدين يا أخي اسأل نفسك سؤالين، السؤال الأول: ما مدى حاجتك لهذا الدين؟ السؤال الثاني: هل تستطيع وفاءه ورده أم لا؟ ثم بعد ذلك قرر هل ستستدين أم لا؟ والإمام أحمد ﵀ سئل عن أخذ الأجرة على تعليم القرآن، فقال: خذ الأجرة -وأخذ الأجرة معروف الخلاف فيها عند السلف هل تجوز أو لا تجوز- فقال: هو أهون عندي -أخذ الأجرة- من أن يأخذ رجل مالاً آخر ليتاجر به، فربما خسر التجارة ولم يستطع إيفاء الدين الذي أخذه منه. ولذلك وقع النزاع عند العلماء، متى يكون المستدين معذرواً عند الله ومتى لا يكون؟ هذا ما سنبينه بعد قليل إن شاء الله وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 2983

حكم من أخذ أموال الناس يريد أداءها الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى سبيله ورضوانه. أما بعد: فيقول ﷺ في الحديث الصحيح: (الدين دينان: فمن مات وهو ينوي قضاءه فأنا وليه، ومن مات وهو لا ينوي قضاءه فذاك الذي يؤخذ من حسناته يوم القيامة، ليس يومئذ دينار ولا درهم) وهو حديث صحيح بالحديث الآتي بعده، وهو: (من مات وعليه دين، فليس ثم دينار ولا درهم، ولكنها الحسنات والسيئات) وقال ﵇: (ما من أحد يدان ديناً يعلم الله منه أنه يريد قضاءه، إلا أداه الله عنه في الدنيا) وقال ﵇: (ما من عبد كانت له نية في أداء دينه، إلا كان له من الله عون) وقال ﵇: (من أخذ ديناً وهو يريد أن يؤديه أعانه الله) أحاديث صحيحة. وقال ﷺ : (إن الله تعالى مع الدائن حتى يقضي دينه، ما لم يكن دينه فيما يكره الله) ومما يكره الله ويبغضه هذا التبذير الذي يلجئ الكثيرين من ضعاف العقول اليوم إلى الاستدانة، وقال ﷺ في الحديث الصحيح الآخر: (أيما رجل تدَّين ديناً وهو مجمع -أي عازم- ألا يوفيه لقي الله سارقاً) بعض الناس يستدينون وهو يعلم أنه لن يوفي الدين، فهذا سيلقى الله سارقاً. وروى البخاري ﵀ عن أبي هريرة ﵁: عن النبي ﷺ وهو أعظم حديث في هذا الباب: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها، أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله) رواه البخاري. ورجح ابن حجر ﵀ في تعليقه على هذا الحديث أن المدين إذا مات قبل الوفاء بغير تقصير منه، كأن يعسر مثلاً، أو يفاجئه الموت وله مال مخبوء وكانت نيته أن يؤدي الدين من هذا المال فإنه لا يعتبر مؤاخذاً عند الله يوم القيامة، ولا تبعة عليه في الآخرة، بحيث يؤخذ من حسناته لصاحب الدين، بل يتكفل الله عنه لصاحب الدين، والله يوم القيامة يأتي الخصوم أمامه وكل واحد له عند أخيه مظلمة، فهذا عند أخيه أمانة، وهذا عنده دين ما أداه، فإن كان هذا المستدين معذرواً ورجل ملجأ استدان في مرضاة الله وتحرى الوفاء فما استطاع ومات، فهذا إذا شاء الله وتفضل فإن الله يتحمل عن صاحب الدَّيْن الدَّيْن، ويعطي ذلك الرجل المقرض حسنات من عنده ، دون أن ينقص من حسنات هذا شيئاً. أما لو جاء مفرطاً مضيعاً لحقوق عباد الله، مبذراً للمال، لم ينو أداءه، فإنه يؤخذ من حسناته فتعطى لأخيه صاحب الدين، ولا تضيع حقوق الله .

стр. 2984

علاج الاندفاع إلى الدَّين ومن علاج الاندافع في الدين يا إخواني! أمور منها:

стр. 2985

القناعة أولاً: القناعة؛ فإن المسلم لو قنع بحاله ومستوى معيشته، وعيشة الكفاف لا له ولا عليه، حتى لو كانت بسيطة جداً لم يتطلب أكثر من ذلك، ولحلت له هذه القناعة مشكلة الاستدانة، ولما لجأ إلى الدين، لكن الناس لا يقنعون، فينظرون إلى من فوقهم في المعيشة، والرسول ﷺ يطلب من المسلم أن ينظر إلى من دونه في المعيشة، وإنما ينظر إلى من هو أعلى منه في الدين والورع والعبادة والتقوى، إذا أردت أن تنظر إلى الأعلى فانظر إلى صاحب الدين، وفي المعيشة تنظر إلى من هو أسفل منك حتى تحصل عندك القناعة، فلا تغتم وتهتم، وتلجأ إلى الدين، ويدخل في هذا إشاعة القناعة في نفوس أهل البيت، فإن كثيراً من النساء في الحقيقة، يلجئن أزواجهن إلى الاستدانة، ويجب على المسلم العاقل أن يتعقل في هذه الحالة، وألا يستجيب للدواعي وكثرة الصرخات، وكثرة الإلحاح على رأسه أن يستدين من قبل زوجته وأولاده، وإنما يذكرهم بالله، وهذا يبين لنا أهمية التربية الإسلامية، لو تربت الزوجة أو الأولاد التربية الإسلامية لما حصل منهم دفع الرجل صاحب البيت إلى الاستدانة.

стр. 2986

الزهد في الدنيا وكذلك من الأمور المهمة: مفهوم الزهد في الدنيا، فلو زهد الإنسان في الدنيا ومتاعها، وزينتها، لما شعر بالدافع إلى التزود فيستدين، ولكن قد تقع الاستدانة لضرورة في مثل علاج ضروري لا يملك قيمته، أو مسكن وأثاث لطالب زواج يريد أن يعف نفسه، وهو يخشى على نفسه العنت والوقوع في الحرام، فلا يستطيع الزواج من المهر والتأثيث إلا بالاستدانة، هنا تكون استدانته وجيهة، ومع ذلك لا ينسى الوفاء، والبحث عن تجارات طيبة، أو صفقات فورية حلال يسدّد بها دينه والله قد تكفل لمن يريد الوفاء بصدق أن يعينه. هذا كلامنا أيها الإخوة في ذم الدين، والترهيب من عدم قضائه، وعدم اللجوء إليه إلا في الضروريات، وكيف يعالج المسلم حاجة الاستدانة في نفسه، وسنكمل معكم بقية الموضوع وهو موضع خطير حتى يكاد يكون اليوم موضوع الساعة في مجالس الناس وأحاديثهم، والقصص كثيرة مؤلمة، سببها التهور والتفريط والاستعجال، وهو من الشيطان وعدم تقوى الله . اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، اللهم أنت الغني ونحن الفقراء، اللهم اقض عنا ديوننا، اللهم إنا نعوذ بك من الغنى المطغي، ومن الفقر المنسي، اللهم أعنا على قضاء ديوننا ووفائها لمستحقيها، واجعلنا ممن يوفون بالخير، واجعلنا ممن يكونون أحسن الناس قضاءً، وصلوا على نبيكم محمد ﷺ ، فإن الصلاة عليه في هذا اليوم العظيم فيها أجر عظيم: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم وارض عن صحابة نبيك أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وارض اللهم عنا معهم برحمتك ومنِّك وإحسانك يا أرحم الراحمين! إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 2987

رءوس أقلام في الرؤى والأحلام لقد تكلم الشيخ في هذا الدرس عن تعريف الرؤيا والحلم والفرق بينهما، مبيناً أهمية الرؤيا ومنزلتها في الإسلام، ومعنى كون الرؤيا جزءاً من النبوة كما جاءت الأحاديث دالة على ذلك، ثم ذكر أنواع الرؤى، موضحاً صدق رؤيا المؤمن في آخر الزمان، مذكراً بعقوبة الكاذب في المنام، وقد تطرق إلى مسألة مهمة وهي: هل يترتب على الرؤيا حكم شرعي؟ ثم ختم الموضوع بذكر آداب الرؤيا وبعض الرؤى التي رآها النبي ﷺ .

стр. 2988

تعريف الرؤيا والحلم والفرق بينهما الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصبحه أجمعين. وبعد: ففي هذه الليلة وهي أول ليالي العشر من هذا الشهر الكريم، والذي أخبر النبي ﷺ أنه قد تواطأت رؤى الصحابة على أن ليلة القدر في ليالي العشر، قال: (أني أرى رؤياكم قد تواطأت على هذه العشر) ففيها ليلة القدر كما أخبر ﵊. وبهذه المناسبة، نريد أن نتحدث قليلاً -أيها الإخوة- عن موضوع الرؤى والأحلام، وما جاء في الشريعة بشأن هذا الموضوع. الرؤيا هي: ما يراه الإنسان في منامه حسناً. والحلم: ما يتحلم به وما يراه في المنام، فالرؤى والأحلام من المترادفات، وعرف ابن القيم ﵀ الرؤى بأنها: أمثال مضروبة يضربها الملك الذي قد وكله الله بالرؤيا ليستدل الرائي مما ضرب له من المثل على نظيره ويعبر منه إلى شبهه. والفرق بين الرؤيا والحلم، أن النبي ﷺ قال: () الرؤيا الصادقة من الله، والحلم من الشيطان) فالرؤيا التي تضاف إلى الله تعالى لا يقال لها: حلم، والتي تضاف إلى الشيطان لا يقال لها: رؤيا وهذا فرق عظيم دل عليه كلام الشارع، من أن هذه من الله، وهذه من الشيطان.

стр. 2989

أهمية الرؤيا ومنزلتها في الإسلام أما أهمية الرؤى ومنزلتها في الإسلام، فقد كان للأنبياء معها مواقف ومن ذلك موقف الخليل إبراهيم ﵇ لما عزم على ذبح ابنه من أجل رؤيا رآها ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات:١٠٢ - ١٠٥]. وكذلك الرؤيا شغلت جزءاً كبيراً من قصة يوسف ﵇ وما فيها من رؤيا الملك، وكيف عبرها يوسف ﵇، وكذلك رؤيا صاحبي السجن. وفي سورة الأنفال كانت رؤيا النبي ﷺ في غزوة بدر، حينما رأى الكافرين قلة ليشجع الله المؤمنين على قتالهم، وفي سورة الفتح كذلك نجد رؤياه ﷺ في دخوله مكة مع أصحابه معتمرين، وتتحقق تلك الرؤيا في عام الفتح: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ﴾ [الفتح:٢٧]. وقد امتن الله تعالى على نبيه يوسف ﵇، بأنه يعلمه تأويل الرؤى ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف:٦] وقد قال النبي ﷺ مبيناً رؤيا مهمة، كانت من دلائل النبوة، وهي قوله ﵊ في الحديث: (إني عبد الله وخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته) يعني: مضطجع وملقى على الأرض في طينته، قبل أن ينفخ فيه الروح، والنبي ﵊ مكتوب عند الله أنه خاتم النبيين، وسأخبركم عن ذلك وهي دعوة أبي إبراهيم: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ﴾ [البقرة:١٢٩] واستجاب الله تعالى بعد آلاف السنين، وبعث الله بنبينا ﵊: (دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى بي، ورؤيا أمي التي رأت -وكذلك أمهات النبيين يرينه ترى مناماً على أن ما في بطنها له شأن- وإن أم رسول الله ﷺ رأت حين وضعته نوراً أضاءت له قصور الشام) رواه الإمام أحمد وهو حديث حسن، وقال الهيثمي: وأحد أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح، غير سعيد بن سويد وهو ثقة. وقد جاء عن النبي ﷺ أن الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة، فالرؤيا لها قدر عظيم، وفيها من المنافع ما الله به عليم، وإذا تأملنا في غزوة بدر كم حصل لرؤيا النبي ﷺ من المنافع، وكم اندفع من المضار، ورؤيا ملك مصر، ورؤيا يوسف وما حصل بها من الخيرات الكثيرة، ورفعه الله تعالى درجات، ورؤيا عبد الله بن زيد، وعمر بن الخطاب ﵄ في الأذان والإقامة، ترتب عليها مشروعية الأذان والإقامة، لما وافق الوحي على ذلك وأقره، وصار ذلك سبباً لشرع هذه الشعيرة العظيمة، وفي العشر الأواخر تواطأت رؤى الصحابة، على أن ليلة القدر في أحد ليالي هذه العشر. فرؤيا الأنبياء والصالحين فيها منافع مهمة، وثمرات طيبة، وهذا من بديع خلق الله ولطفه، مما يزيد المؤمنين إيماناً، قال ابن عبد البر ﵀: وعلم تأويل الرؤيا من علوم الأنبياء، وأهل الإيمان، وحسبك بما أخبر الله من ذلك عن يوسف ﵇ وما جاء في الآثار الصحاح عن النبي ﷺ ، وأجمع أهل الهدى من أئمة الهدى، من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء المسلمين، أهل السنة والجماعة على الإيمان بها، وأنها حكمة بالغة ونعمة يمن الله بها على من يشاء، وهي المبشرات الباقية بعد النبي ﵊. أيها الإخوة: إن كثيراً من الناس في عصرنا تخبطوا في مسألة الرؤى والأحلام، فاقتنى بعضهم قواميس وكتب يقولون أنها تفسر الرؤى والأحلام، وأن من رأى ماء معناها كذا، ومن رأى حية معناها كذا، ونحو ذلك من الأشياء، ولنعلم بأن قضايا الرؤى ليس لها قانون، ليس لها شيء يضبطها، وإنما يكون معناه بالنسبة لشخص يراه يختلف عن معناه بالنسبة لشخص آخر قد يرى الشيء نفسه، وقد حصل على عهد ابن سيرين ﵀ وهو من مشاهير من كان يفسر الأحلام في هذه الأمة، أنه أتاه رجلان، كل واحد منها يذكر أنه رأى في المنام أنه يؤذن، فقال للأول: أنت تحج، وقال للآخر: أنت تسرق فتقتطع يدك، فقيل له كيف ذلك؟ قال: رأيت على الأول علامات الصلاح فتأولت قول الله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج:٢٧] ورأيت على الثاني علامات الخبث والفجور، فأولت قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [يوسف:٧٠] مع أن الرؤيا نفسها هنا وهنا، لكن قال للأول: أنت تحج وقال للآخر: أنت تسرق فتقطع يدك. فإذاً -أيها الإخوة- ليس هناك قانون يضبط الرؤى، وليس هناك شيء موحد لجميع الرؤى، وليس كل من رأى في المنام نهراً أو بحراً، معناه شيء معين، وليس كل من رأى في المنام أنه يقلع منه ضرس، أنه سيفقد واحداً من أولاده، هذا قانون مضطرب وليست قاعدة في كل من يرى هذا الشيء. المسألة تختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، والله يلقي في قلوب الذين يعلمون تفسير هذه الرؤيا إلهاماً فلا تستطيع أن تقول: إن لها قاعدة. وقد نسبت كتب كثيرة لأناس من أهل العلم على أنهم ألفوها في هذا، منهم الكتاب المنسوب لـ ابن سيرين، ولعل الغالب على الظن أنه مما جمعه طلابه من بعده، وليس مما كتبه هو. وكذلك لا يمكن الاعتماد على معاجم تفاسير الأحلام. التي ظهرت، بحيث أنها تكون قاعدة مطردة.

стр. 2990

معنى كون الرؤيا جزءاً من النبوة بالنسبة لكون الرؤيا جزء من النبوة، فما معناه؟ أولاً: الأحاديث الواردة فيه إذا ألقينا عليها نظرة نجد تفاوتاً في الأرقام، فمثلاً بعض الروايات فيها، (الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة) وفي رواية أخرى: (الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءاً من النبوة) الحديث الأول في الصحيح، والثاني أيضاً رواه مسلم، والثالث: (رؤيا المسلم جزء من خمس وأربعين جزءاً من النبوة) كذلك في مسلم. فـ ابن حجر ﵀ لما علق على هذه الروايات قال: تصل إلى خمسة عشر لفظاً، وأنها تتفاوت، من ست وعشرين إلى سبعين، وأشهر الروايات: (جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة) فما معنى هذا الاختلاف؟ وما مدلوله؟ ولعل من أمثل ما ذكر في الجمع بين هذه الروايات أن ذلك يختلف باختلاف أحوال الرائين، فبعض الناس أحوالهم صادقة جداً ورؤياهم صادقة جداً فتكون رؤياهم جزء من -مثلاً- ست وأربعين، وبعض الناس في الصدق والتقوى والإيمان أقل، فتكون رؤياه جزء من سبعين، ولكن ما المقصود أن الرؤيا جزء من النبوة؟ النبوة فيها أشياء كثيرة، فيها تشريع وأحكام، وفيها أخبار عما سبق وعما سيأتي من الغيب، وغيرها من الأشياء الكثيرة من إنذار وبشارات، والنبوة تحتمل معجزات؛ لأن فيها إخباراً بالغيب، والرؤيا الصالحة يمكن أن تدل على شيء يحدث في المستقبل، سواء كان بشارة أو نذارة، سواء كان شيئاً حسناً أو شيئاً سيئاً، أو شيئاً من الشر سيقع، فيمهد للمؤمن نفسياً بهذه الرؤيا لكي يستعد لمواجهة الحدث الذي سيكون. إذاً الرؤيا ممكن أن يكون فيها إخبار عن شيء سيحدث في المستقبل، وبما أن النبوة جزء منها إخبار بالغيب فتلتقي الرؤيا مع النبوة في هذه النقطة، وفي هذه الجزئية. وكذلك فإن النبي ﷺ لما أخبر أنه لم يبق من النبوة إلا المبشرات، مثل بشائر نصر الإسلام، والنبي ﷺ أخبر أنه قد أعطي الكنزين الأحمر والأبيض، وأن الكنز الأبيض والأحمر: الفضة والذهب، وهما كنزا كسرى وقيصر. وكما أن في النبوة مبشرات، كذلك الرؤى فيها مبشرات، فالنبي ﵊ صح عنه أنه قال () لم يبق من النبوة إلا المبشرات) والبشر: هو الذي يظهر على الإنسان من طلاقة الوجه وفرحه ونحو ذلك، قال ﵊: (إن الرسالة والنبوة قد انقطعت فلا نبوة بعدي، فشق ذلك على الناس، فقال: لكن المبشرات، قالوا: يا رسول الله! وما المبشرات؟ قال: رؤيا المسلم وهي جزء من أجزاء النبوة) رواه الترمذي وهو حديث حسن، وفي رواية لـ أحمد: (لا يبقى بعدي من النبوة شيء إلا المبشرات، قالوا: يا رسول الله! ما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة يراها العبد أو ترى له) رواه الإمام أحمد ورجاله رجال الصحيح، وقد قال بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس:٦٤] قالوا: الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له. ففي هذه الأحاديث بشارة من الصادق المصدوق ﷺ للمؤمنين لبقاء ما يتحفهم وما يأنسهم من أجزاء النبوة مما فيه إشارة للرائي، والمرئي له، وقد جاءت أحاديث كثيرة في هذا الشأن، إذاً هذه بشائر من الله ، ومن لطائف ما روي في هذا أن الإمام الشافعي ﵀ رأى وهو بـ مصر أن الإمام أحمد ﵀ سيبتلى فكتب له بذلك؛ ليستعد للمحنة، وهكذا حدث فعلاً، وامتحن الإمام أحمد ﵀. فإذاً: يمكن أن يرى الإنسان لنفسه أو يُرى له شيء يقع في المستقبل ويكون من شخص صالح، فهذا إما يفرحه أو يجعله يستعد لحدث في المستقبل، يقول النبي ﵊: (أصدق الناس رؤيا أصدقهم حديثاً) وهذا يدل على أن هناك علاقة بين صحة الرؤيا وبين صدق الشخص الذي يرى، قال ﵊: (إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، وأصدقهم رؤيا، أصدقهم حديثاً).

стр. 2991

أنواع الرؤيا والرؤيا ثلاثة أنواع: (بشرى من الله ، ورؤيا مما يحدث الإنسان به نفسه، ورؤيا من تحزين الشيطان، فإذا رأى أحدكم ما يكره، فلا يحدث به، وليقم وليصل، والقيد في المنام ثبات في الدين -إذا رأى نفسه مقيداً في المنام فهذا دليل أو علامة على ثباته في الدين- والغل أكرهه) جمع اليدين إلى العنق بالأغلال يكرهه، يكره رؤيته ﵊، هذا الحديث رواه الإمام البخاري رحمه الله تعالى. ولذلك لا يوثق إلا برؤيا الرجل الذي عرف صدقه، أما من عرف كذبه لا يمكن الوثوق برؤياه إطلاقاً، وقد يدعي أنه رأى رؤيا وهو كذاب، وقد يكون رأى أشياء لكن فساده ومعاصيه أظلمت قلبه، فكان ما يراه بقلبه في المنام لا قيمة له، ولذلك لا يمكن الاعتماد عليه، فالحديث (أصدقهم رؤيا أصدقهم حديثاً) فيه إشارة إلى أن طهارة الباطن من أسباب نقاء الرؤيا ووضوحها ومجيئها كفلق الصبح في الصدق، تقع في الواقع كما رآها، وكلما كان أصدق في الحديث كانت رؤياه أصدق في الحدوث والبيان والوضوح والوقوع أيضاً، وقد يندر أن يرى إنسان كافر أو كذاب رؤية صحيحة في المنام، لكن ممكن أن يقع ذلك على ندرته، مثلما رأى فرعون الكفار رؤيا صحيحة، لكن الحقيقة أن الله ما أراه كرامة له، ومثل ملك مصر، ما أراه الله الرؤيا إلا لأجل يوسف، كي يخرج يوسف من السجن، ويبحث الملك عن تعبيرها، ولا يرى أحداً يعبر، ولا ينبري لذلك إلا يوسف فيكون سبب الإفراج عنه، وأن يتبوأ المنزلة العالية ويكون على خزائن الأرض. فيندر أن يكون من الفاسد أو الكذاب أو الكافر رؤية صحيحة.

стр. 2992

صدق رؤيا المؤمن في آخر الزمان وأما معنى قوله ﵊: (إذا اقترب الزمان لا تكاد رؤيا المؤمن تكذب) فما معنى اقتراب الزمان؟ بعض العلماء فسره بتقارب الليل والنهار، أي اعتدال الزمنين، وهذا يكون في وقت الربيع، وأن الرؤى عند ذلك تكون أصدق وهذا في العموم، ولكن الراجح والله أعلم ليس هذا، وإنما المراد باقتراب الزمان قرب قيام الساعة، وانتهاء مدة الدنيا، كلما اقتربنا من نهاية الدنيا وقيام الساعة، تكون رؤى المؤمنين لا تكاد تكذب، كأنه لما صار الكذب في آخر الزمان متفشياً، وكذلك الكفر والظلم والجهل، عوض الله المؤمنين في آخر الزمان بأمور من المبشرات والمثبتات، وهي الرؤى التي يرونها صادقة صحيحة وتقع كما رأوها، فهذا تعويض للمؤمنين.

стр. 2993

الكذب في المنام والوعيد قد جاء لمن يكذب في المنام، الذي يقول: رأيت كذا، وهو لم ير، بعض الناس يكذبون في المنام، وبعضهم يكذب لأغراض دنيوية، ربما يأتي ويقول: رأيت كذا، لكي تعطيه شيئاً، أو يتقرب منك، ونحو ذلك، وهذا حرام، لو قال بعض الناس: نستخدمه في الدعوة إلى الله، أو لكي نقنع شخصاً عاصياً ونحذره، نخترع له رؤيا نقول: رأيناك في قبر أو رأيناك في سواد، أو رأيناك تضرب، أو رأينا حولك ثعباناً وغير ذلك. فنقول: لا يجوز، فالغاية لا تبرر الوسيلة، لا بد أن تكون الغاية شرعية والوسيلة شرعية، إذا أردنا أن ندعو إلى الله ، لا بد أن تكون الوسائل شرعية، أما أن نكذب في المنام لكي نهدي الناس، فهذا أسلوب خاطئ ولا يمكن القبول به، والحديث يقول: (من تحلم بحلم لم يره كلف أن يعقد بين شعيرتين ولن يفعل) والحديث رواه البخاري وفي حديث آخر (من أفرى الفرى أن يري الرجل عينه ما لم تر) إدعاء وكذب، وما معنى يعقد بين شعيرتين، يعني: يفتل إحداهما بالأخرى، وهذا حيث أنه محال فالتكليف فيه نوع من التعذيب، مثل المصورين يكلفون يوم القيامة أن ينفخوا الروح في كل صورة صوروها، فإذا قام أحدهم بعمل تمثالاً من ذوات الأرواح، أو صور صورة من ذوات الأرواح ليست للضرورة ولا للحاجة، وإنما للزينة ولكسب المال، فما هو عذابه يوم القيامة؟ يكلف أن ينفخ فيها الروح، يقال: (أحيوا ما خلقتم) كما جاء في الحديث الصحيح، كيف يحيي ما خلق والروح لا يملكها إلا الله ، وهي من شأنه ؟ فيقال لهم: (أحيوا ما خلقتم) فيكلفون بالمحال وهذا نوع من التعذيب، وكذلك هنا، ولعل هناك ارتباطاً بين هذا وهذا، فالرؤيا خلق من الله، وهي صورة معنوية فما بالك إذا كان المصور يصور صورة حسية، وهذا الذي يتكلف رؤيا ما رآها، إذاً يختلق صورة معنوية لم تقع، إذاً هناك مناسبة بين تعذيب المصور وتعذيب الكذاب في المنام، فيه تشابه لهذه المناسبة، كلاهما يعذب بالتكليف بالمحال، هذا يقال له: (أحيوا ما خلقتم) والآخر يقال له: (اعقد بين شعيرتين) وهيهات الإنسان يعقد بين شعيرتين، وربما تجر الرؤيا الكاذبة على الإنسان مصيبة لم تكن في الحسبان بسبب كذبه في المنام، فقد جاء أن رجلاً قص على ابن سيرين ﵀ فقال: رأيت كأن بيدي قدحاً من زجاج فيه ماء، فانكسر القدح وبقي الماء، فقال: اتق الله فإنك لم تر شيئاً، يعني أنه اكتشف كذبه، فقال: سبحان الله كيف تكذبني؟ هذا كلامي، قال ابن سيرين: فمن كذب فما عليّ ستلد امرأتك وتموت ويبقى ولدها، فلما خرج الرجل، قال: والله ما رأيت شيئاً، فما لبث إلا أن ولد له وماتت امرأته، فينبغي على المؤمن أن يحذر أشد الحذر في مسألة الكذب في المنام، وكذلك الكذب في التأويل؛ لأن بعض الناس يؤولون الرؤى بغير علم، وهذا حرام، وتأويل الرؤى بغير علم مثل الفتوى بغير علم، وهي باب واحد، يأتي بعض الناس يفسر بالظن يقول: لعل ولعل إما أن يعلم بما يلقيه الله في نفسه مما عنده من علم في تأويل الرؤى وإلا فلا يتكلم إطلاقاً، ويقول: الله أعلم.

стр. 2994

تقسيم الرؤيا إلى نوعين أما أنواع الرؤى فإنه قد مر معنا أنها ثلاثة، بشرى من الله، وما يحدث الإنسان بها نفسه، وتحزين من الشيطان. قال النبي ﷺ عنها: (إن الرؤيا ثلاث: منها أهاويل من الشيطان ليحزن بها ابن آدم، ومنها ما يهم به الرجل في يقظته فيراه في منامه، ومنها جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة) قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وقد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ وذكر حديث أبي هريرة، وقيل: إن ذلك من كلام ابن سيرين، لكن تقسيم الرؤيا إلى نوعين، نوع من الله، ونوع من الشيطان وهذا صحيح عن النبي ﷺ بلا ريب، فيمكن أن نقول أن الرؤى نوعان أساسيان: من الله وهي الرؤيا الصالحة، وهي البشرى وجزء من النبوة، وهي كثيرة في الأنبياء والصالحين، قليلة فيمن سواهم. ثانياً: الأضغاث ويدخل تحت الأضغاث أنواع كثيرة منها: أهاويل وتلاعب الشيطان ليحزن بها ابن آدم، مثل الذي ورد في الحديث: (أن رجلاً قال للنبي ﷺ : رأيت فيما يرى النائم البارحة كأن عنقي ضربت فسقط رأسي فأتبعته، فأخذته ثم أعدته مكانه، فقال النبي ﷺ : إذا لعب الشيطان بأحدكم في منامه، فلا يحدثن به الناس). رأيت رأسي قطع وتدحرج ولحقته وأعدته مكانه، هذا من الشيطان فلا يحدث به إطلاقاً، فالشيطان يتلاعب بابن آدم في المنام، فيريه مثل هذه الأشياء، وكذلك من رؤى الضلال المبين أن يرى الإنسان -مثلاً- صورة الله أو النبي ﷺ أو الملائكة، يقول له: افعل حراماً. الشيطان يصوره له يقول على أنه الله، أو أنه النبي، أو أنه الملك يقول له: افعل الشيء المحرم، فهذا أيضاً من تلاعب الشيطان لأن الله لا يأمر بالفحشاء، فهذا من الشيطان، كذلك لو أن الشيطان أرى النبي ﷺ في المنام مثلاًُ أنه قال: هذا النبي ﷺ ، أسود اللون أو قصير أو سمين أو أعرج أو فيه عاهة أو أعور ونحو ذلك، هذا ليس هو النبي ﵊، هذا من تلاعب الشيطان بابن آدم في المنام. النوع الثالث: نوع لا بشارة ولا من الشيطان، وإنما هو شيء كان الإنسان مهموم به في حياته، كالطالب الذي يذاكر في الامتحان ويقلب الأوراق، ويتخيل الاختبار وما سيأتي من الأسئلة ونحو ذلك فينام، فيرى نفسه في قاعة الاختبار في المنام وتوزع الأوراق، وأنه يحل وأنه سلم الورقة وأنه، شيء كان مهموماً به في يومه فرآه في ليلته، معاملة واحد يتابع فيها، فيرى في المنام المعاملة، ونحو ذلك. فإذاً هذا النوع لا تقول أنه رؤى من الله بشارة أو لا تقول أنه تلاعب من الشيطان، بل هو هم كان الإنسان مهموماً به في نهاره، فانطبع في شعوره، فرآه في ليله في المنام.

стр. 2995

أقسام الناس بالنسبة للرؤيا أقسام الناس بالنسبة للرؤيا، فإن الناس فيها أقسام: فأما الأول فهم: الأنبياء، ورؤياهم كلها صدق ووحي. الصالحون: والغالب على رؤاهم الصدق، وقد يقع فيها ما يحتاج إلى تعبير، فهي نوعان: نوع لا يحتاج إلى تعبير، يرى أنه سيحدث في اليوم الفلاني كذا وكذا مثلاً، فيقع فعلاً كما رأى مباشرة، ونوع فيه غموض يحتاج إلى تفسير، فهذا النوع الذي قد يقع لأناس من الصالحين. وأما من عداهم فتقع لهم أشياء قد تكون صادقة وقد تكون غير صادقة، ولكن الفسقة يغلب على رؤاهم الأضغاث ويقل فيها الصدق، وأما الكفار فيندر جداً أن يقع منام صادق بالنسبة لهم.

стр. 2996

هل يترتب على الرؤيا حكم شرعي ؟ مسألة مهمة: هل يترتب على الرؤيا حكم شرعي؟ إن غلاة الصوفية -أيها الإخوة- كما تقدم في الدرس الماضي، جعلوا من مصادر التلقي المنامات. كل أهل السنة والجماعة مصادر التلقي عندهم الكتاب والسنة وإجماع الأمة، والقياس؛ أعني قياس عير المنصوص عليه على المنصوص عليه في الكتاب والسنة. الصوفية عندهم كما ذكرنا (الكشف) يقولون: انكشفت لنا الأستار، ورأى القطب (الولي الأعظم) اللوح المحفوظ ورأى ما هو مكتوب فيه، الذوق والوجد والمنامات، ورأى الخضر، وطلع المقبور فحدثه بأشياء، ويعتبرون ذلك تشريعاً ويقول: أنا أخذت الورد الفلاني والصلاة النارية على فلان الفلاني، خرج من قبره وحدثني به، هذا مصدر عندهم للتشريع والتلقي، وينبني عليه أحكام وفيها فضائل. بالنسبة لـ أهل السنة، ليست الرؤى عندهم مصادر التلقي، والمنامات والرؤى على فضلها لا تؤخذ منها أحكاماً شرعية، ولا يمكن أن يقول عالم من علماء أهل السنة: إن الشيء الفلاني حرام، والدليل رؤيا رأيتها وفيها كذا كذا، أو يقول: الشيء الفلاني مباح، والدليل رؤيا رأيتها وهي كذا كذا، هذا ليس في دين الإسلام فإذاً غير رؤى الأنبياء لا يمكن أن يؤخذ منها أحكام، رؤى الأنبياء حق ووحي يؤخذ منها أحكام، أما رؤى الناس بشارات، وأخبار عن أشياء تقع في المستقبل، وهكذا. وليست مجالاً ولا مأخذاً للأحكام، فقد يقول قائل: أليس الأذان شرع بالمنام؟ وأليس عبد الله بن زيد وعمر بن الخطاب رأيا الأذان؟ نقول: نعم. لكن متى صار الأذان من الدين لما رآه عبد الله بن زيد ورآه عمر أو لما أقره النبي ﵊؟ لما أقره ﵊، ولذلك ما كانت رؤيا عبد الله بن زيد بمفردها تشريعاً، وإنما بإقرار النبي ﵊ على ذلك، وحتى لا يقطع بها في مسائل كمثل رؤية الهلال، قال النووي ﵀: لو كانت ليلة الثلاثين من شعبان، ولم ير الناس الهلال، فرأى إنسان النبي ﷺ في المنام، فقال له: الليلة أول رمضان، أي: ليلة ثلاثين شعبان، لم يصح الصوم بهذا المنام، لا لصاحب المنام ولا لغيره، فإذاً المنامات لا يؤخذ منها الأحكام الشرعية.

стр. 2997

آداب المنام أما بالنسبة للمنام فله آداب تتعلق به: قال ابن القيم ﵀: ومن أراد أن تصدق رؤياه، فليتحر الصدق، وأكل الحلال، والمحافظة على الأوامر والنواهي، ولينم على طهارة كاملة، مستقبل القبلة، ويذكر الله حتى تغلبه عيناه، فإن رؤياه لا تكذب البتة. وأصدق الرؤيا ما كان في الأسحار، فإنه وقت النزول الإلهي، واقتراب الرحمة والمغفرة، وسكون الشياطين، وعكسه رؤيا العتمة، التي هي وقت العشاء، عند انتشار الشياطين والأرواح الشيطانية، فكون الرؤيا تصدق بالأسحار فهذا غالباً، غالب الرؤيا الصادقة تكون في الأسحار.

стр. 2998

آداب الرؤيا الصالحة ما هي آداب الرؤيا الصالحة؟ لو أن إنساناً رأى رؤيا يحبها فيها بشارة، ماذا يفعل؟ قال ﷺ : (إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها فإنما هي من الله، فليحمد الله عليها، وليحدث بها، وإذا رأى غير ذلك مما يكره، فإنما هي من الشيطان، فليستعذ من شرها، ولا يذكرها لأحد فإنها لا تضره) وقال ﷺ : (فإن رأى أحدكم حسنة فليبشر، ولا يخبر إلا من يحب). فإذاً الآداب المتعلقة بالرؤيا الصالحة، في السنة عدة: أولاً: أن يحمد الله تعالى. ثانياً: أن يسأله تحقيقها. ثالثاً: يحدث بها من يحب. رابعاً: أنه لا يخبر حاسداً ولا يخبر جاهلاً، يحدث بها من يحب. وأما الرؤيا المكروهة، فجاء في السنة أنه إذا رأى ما يكره فليتعوذ بالله من شرها، ومن شر الشيطان، وليتفل ثلاثاً، ولا يحدث بها أحداً، فإنها لا تضره، وفي رواية: (وليبصق عن يساره ثلاثاً، ويستعذ بالله من الشيطان ثلاثاً، وليتحول عن جنبه الذي كان عليه) وفي رواية: (فإن رأى أحدكم ما يكره فليقم، وليصل ولا يحدث بها الناس) فإذا رأى الإنسان رؤيا سيئة أو مكربة أو مفزغة فماذا يجب عليه أن يعمل؟ أولاً: يستعيذ بالله من شرها. ثانياً: يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم. ثالثاً: يتفل عن يساره ثلاثاً طرداً للشيطان وتحقيراً له، وجهة الشمال معروفة في الشريعة للأشياء المستقذرة، والشيطان ممكن أنه يكبت من جراء هذا البصق، وهذا التفل الذي يكون عن الشمال ثلاث مرات، ويحقر ويخنس. رابعاً: لا يذكرها لأحد؛ حتى لا يتعجل أحد بتعبيرها بأشياء مكروهة، فيتضرر الرائي. خامساً: أن يصلي عندما يستيقظ من نومه، والصلاة مطردة للشيطان. سادساً: يتحول عن جنبه الذي كان عليه، تفاؤلاً بتغير الحال، فإذا كان نائماً على اليمين ينام على ظهره، فهذه بالنسبة لمسألة الرؤى السيئة، أما إذا انفجع من الرؤيا وقام من النوم مفزوعاً يقول: أعوذ بكلمات الله التامة، من غضبه ومن شر عبادته، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون، ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون:٩٧ - ٩٨].

стр. 2999

تأويل الرؤى وتعبيرها أما تأويل الرؤى وتعبيرها فمعناها: الأخبار بما تئول إليه الرؤيا، فما هو تفسير الرؤيا؟ هو كما عبر يوسف ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ﴾ [يوسف:٤١]. الأولى تعبيرها شبه مباشر: ﴿أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً﴾ [يوسف:٤١]، وأما الآخر، فيصلب ويموت ويقتل وتأكل الطير من رأسه، تأتي وتقف عليه وهو مصلوب وتأكل من رأسه وتنقر في رأسه، هذا تأويله. الرؤى إذاً قسمان: قسم جلي، كمن رأى في المنام أنه يعطى تمراً فقام في النهار فأعطي تمراً. أو رأى في المنام أن فلاناً سيموت، فقام من المنام وأخُبر أن فلاناً مات، أو بعد مدة حصل ما رآه منه. وقسم مرموز له، بعيد المرامز لا يعبره إلا حاذق؛ لأن فيه ضرب مثل، فهذا لا يقص إلا على معبر، والمعبر له صفات: منها أن يكون عالماً، ذكياً، تقياً، نقياً من الفواحش، يعرف حديث النبي ﷺ ، ولغة العرب، فهذا الذي تقص عليه الرؤى لتعبيرها وتفسيرها، وأيضاً يقول عمر ﵁ لما كتب لـ أبي موسى كما في شرح السنة للبغوي: [أما بعد: فإني آمركم بما يأمركم به القرآن، وأنهاكم عما نهاكم عنه محمد ﷺ ، وآمركم باتباع الفقه والسنة والتفهم في العربية، وإذا رأى أحدكم رؤيا فقص على أخيه فليقل خيراً لنا وشراً لأعدائنا] أي يتفاءل بها لنفسه وللمسلمين، وأيضاً ويتفاءل بأنها شر على الكفار والأعداء. وقد سئل الإمام مالك ﵀: أيعبر الرؤيا كل أحد؟ قال: [أبالنبوة يلعب!] ثم قال: [الرؤيا جزء من النبوة فلا يعلب بالنبوة] وقال النبي ﷺ (إذا رأى أحدكم رؤيا حسنة فليفسرها وليخبر بها، وإذا رأى رؤيا قبيحة، فلا يفسرها، ولا يخبر بها) وإذا كان يستطيع أن يفسرها فسرها، وإذا لم يستطع أن يفسرها فإنه يقصها على من يعرف التفسير، ممن تقدمت صفته.

стр. 3000

السؤال عن الرؤيا والسؤال عن الرؤيا لا بأس به، فإن النبي ﷺ : (كان إذا صلى الصبح أقبل على أصحابه، ويقول: هل رأى أحد منكم البارحة رؤيا؟ من رأى منكم رؤيا فليقصها أعبرها له) كان يقول لأصحابه هذا الكلام بعد الفجر خاصة؛ لأن الرائي يكون صافي الذهن، والعابر يكون حاضر الذهن، ورؤى الأسحار -كما تقدم- من أصدق الرؤى، ومرة ما قص عليه أحد شيء، فأخبر عن رؤيا رآها، وأخبر عما حصل فيها. تقص الرؤيا على صاحب مودة وعلى ذي علم، كما جاء في الحديث، ولا تقص على حاسد، ولذلك كان يعقوب حكيماً لما قال ليوسف: ﴿لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلَى إِخْوَتِكَ﴾ [يوسف:٥] لأن إخوتك حسدة، حسدوك على النعمة التي أعطاك الله إياها، فلا تقصصها على حاسد: ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً﴾ [يوسف:٥]. هل يمكن للإنسان إذا أخبر جاهلاً برؤيا ففسرها وعبرها أنها تقع فعلاً على هذا النحو الذي عبرها به؟ ممكن، وقد جاء حديث عن النبي ﷺ ، تكلم العلماء في صحته، بعضهم صححه وبعضهم لم يصححه أنه ﵊ قال: (إن الرؤيا تقع على ما تعبر به، ومثل ذلك كمثل رجل رفع رجله فهو ينتظر متى يضعها) إذا رأى أحدكم رؤيا فلا يحدث بها إلا ناصحاً أو عالماً، الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت. وقد يقال: ممكن الآن واحد يقص الرؤيا على كذا شخص وكل واحد يفسرها له تفسيراً مختلفاً، فعلى أي تفسير تقع؟ قال بعضهم: تقع على أول معبر، واشترط بعضهم أن يكون أول عابر يصيب وجه التعبير الصحيح، وإذا أول عابر ما أصاب وجه التعبير الصحيح، وقال كلاماً من عنده خلطاً وما أصاب، فأول واحد يصيب بعده، يقع تعبير الرؤيا بناءً على كلامه، فإذاً على أول معبر يعبرها بشكل صحيح. هناك قصة حسنه رواها الدارمي، حسن الحافظ ابن حجر ﵀ إسنادها في الفتح: عن عائشة ﵂ أنها قالت: (كانت امرأة من أهل المدينة لها زوج تاجر، يختلف في التجارة، فأتت رسول الله ﷺ فقال: إن زوجي غائب وتركني حاملاً فرأيت في المنام أن سارية بيتي انكسرت، وأني ولدت غلاماً أعور، فقال النبي ﷺ : خيرٌ، يرجع زوجك إن شاء الله صالحاً تلدين غلاماً براً، فذكرت ذلك له، فجاءت ورسول الله ﷺ غائب، ذكرت ذلك ثلاثاً) الآن المرأة جاءت وسألت ثلاث مرات وهي تجاب بنفسه، جاءت مرة أخرى والنبي ﵊ غائب، وعائشة موجودة، فسألت عائشة عن المنام، يعني: الآن ليس هناك داعي أن تسأل عائشة؛ لأنها سألت النبي ﵊ وهو أصدق الناس، وأعرف الناس بالتأويل، فلماذا تسأل بعده؟ فربما أصبحت في عقوبة. فـ عائشة ما كانت تدري عما قبل، فلما جاءت هذه المرأة وقالت: رأيت كذا وكذا، قالت عائشة: [لئن صدقت رؤياك، ليموتن زوجك، وتلدين غلاماً فاجراً] فقال: انكسرت سارية البيت، يعني: موت عمود البيت وهو الرجل، والغلام الأعور يعني: غلام فاجر، فقعدت تبكي المرأة هذه، فجاء رسول الله صلى الله ﷺ ، فقال: (مه يا عائشة! إذا عبرتم للمسلم الرؤيا فعبروها على خير؛ فإن الرؤيا تكون على ما يعبرها صاحبها، قالت عائشة: فمات والله زوجها، ولا أراها إلا ولدت غلاماً فاجراً) فقال بعضهم: لعله عقوبة لهذه المرأة حيث سألت بعد النبي ﷺ ، فقد سألت ثلاثاً وما اكتفت؟! فإذاً الرؤيا لا تقص على أي أحد، تقص على ناصح وواد، ليس على حاسد ولا على جاهل، وإنما صاحب علم، هذه الصفات التي ذكرناها لمن تقص عليه الرؤيا.

стр. 3001

رؤية النبي ﷺ في المنام رؤية النبي ﷺ في المنام تقدم الكلام فيها وشرحها، وأن الشيطان لا يتمثل بصورة النبي ﵊، وإذا رأيته ﵊ ورأيت شعره أسود، ورأيت شيباً بسيطاً في مفارق الرأس والعنفقة (عشرون شعرة بيضاء) ولحيته تملأ ما بين منكبيه، ووجهه أبيض مشرب بالحمرة، وعيناه واسعتان، وشديدتا السواد في شدة البياض، ورموشه قد طالت وانثنت، وأنه ﷺ عريض ما بين المنكبين، وأنه عظيم المشاش أي: مفاصل الأصابع، وأنه ﷺ كان شعره يصل إلى أذنيه أو يصل أحياناً إلى عاتقيه، وأحياناً تكون له ظفائر، وكل هذا ورد في صفة شعر النبي ﷺ إلى آخر ما ورد في صفاته؛ إذا رأيته على صفاته التي وردت في كتب السيرة، فهو هو ﵊، والشيطان لا يمكن أن يتمثل به، فرؤيته قد تكون بشارة تثبيت، لصاحب المنام -مثلاً- يثبته الله بأن يريه النبي ﵊ وهو يقول له كلمات فيها تثبيت، وقد يراه من غير أن يقول له كلمة. وأما إذا رئي على صفة المغايرة، فليس هو النبي ﵊ قطعاً، وقد يقول: رأيت نوراً ما رأيت وجهه ولا رأيت شكله، فنقول: لا نستطيع أن نقطع أنه هو ﵊. ابن سيرين قال له رجل: إني رأيت النبي ﷺ ، قال: صف الذي رأيته، فإن وصف له صفة لا يعرفها، قال له: لم تره، ومرة رآه رجل، فوصفه لـ ابن عباس: قال: لم تعدل، لو رأيته في الحقيقة ما استطعت أن تصفه بأكثر وأوضح من هذا، والرجل ما كان رأى النبي ﵊؛ لأنه من التابعين.

стр. 3002

رؤى النبي ﷺ النبي ﵊ رأى رؤيا فقصها على أصحابه، رأى أنه على حوض يسقي الناس، وأتى أبو بكر فأخذ الدلو ليريح النبي ﵊، فنزع ذنوبين، وفي نزعه ضعف والله يغفر له، فأتى عمر بن الخطاب فأخذ منه، فلم يزل ينزع حتى تولى الناس والحوض يتفجر، ففسروه على أن الفتوحات في عهد عمر بن الخطاب تكون شاملة وكبيرة، وعهد الصديق كان سنتين وأشهر، انشغل فيه بقتال المرتدين، وإرساء دعائم الإسلام، وما كان عمر يستطيع أن يفتح لولا أن أبا بكر قد مهد الأمر بوضع القواعد والأسس، وأن الإسلام قد استتب في الجزيرة بمحاربة المرتدين. خلافة عمر استمرت فوق عشر سنوات، ولذلك فتح الله الأمصار في عهده، والنبي ﷺ رأى أن عمر بن الخطاب عليه قميص يجتره فأوَّله بالدين، يعني: أن دين عمر كامل وسابغ، وقد رأى النبي ﷺ أنه يشرب لبناً وأنه خرج من أظفاره الري وأنه أعطى الفضل لـ عمر، وأول اللبن هنا بالعلم، ورأى النبي ﷺ قصراً وامرأة تتوضأ بجانب القصر، فقال: (لمن القصر؟ فقيل: لـ عمر؟ فذكرت غيرتك فوليت مدبراً، فبكى عمر رضي الله تعالى عنه). رأى النبي ﷺ أنه هاجر إلى أرض ذات نخل، ذهب وأهله إلى أرض اليمامة أو هجر، فإذا المدينة هي يثرب، ورأى رؤيا أنه انثلم سيفه، فانقطع صدره، فإذا هو ما وقع بالمؤمنين يوم أحد من مصيبة، ثم هزه مرة أخرى فإذا هو راجع كما كان، فأوله ما جاء الله به من فتح واجتماع المؤمنين، ورأى في المنام بقراً تذبح، وكان تأويلها النفر من المؤمنين -السبعين- الذين أصيبوا في أحد وقتلوا، ورأى النبي ﷺ أناساً من أمته، غزاة في سبيل الله يركبون ثبج البحر كالملوك على الأسرة، فأخبر أصحابه بذلك واستيقظ يضحك، فسألت أم حرام بنت ملحان، أن يجعلها الله منهم، فدعا لها، فهكذا حصل وركبت البحر زمن معاوية وغزت، وخرجت من الساحل وركبت الدابة فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر، فهلكت وذهبت شهيدة إلى الله . وكذلك رأى النبي ﷺ ذات ليلة أنه في دار عقبة بن رافع، وأنه أوتي برطب من رطب مرطاب فأولها بالرفعة لنا في الدين، والعاقبة في الآخرة، وأن ديننا قد طاب، وكذلك رأى النبي ﷺ زوجته عائشة يحملها الملك جبريل في سرقة من حرير، ويقول هذه امرأتك، فيكشفها فإذا هي عائشة، هذا الكلام قبل أن يتزوج عائشة بمدة، ويقول: إن يكن من عند الله يمضه، وفعلاً تزوج النبي صلى الله عائشة، ورأى النبي ﵊ امرأة سوداء ثائرة الرأس، خرجت من المدينة حتى نزلت الجحفة، فأولها: بأن وباء المدينة خرج من المدينة ونقل إلى الجحفة، وهذا الحديث في البخاري. والصحابة رأوا رؤى؛ منها ما تقدم أن رجالاً من أصحاب النبي ﷺ أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال رسول الله ﷺ : (أرى رؤاكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها) ورؤيا الأذان كذلك من رؤيا الصحابة رضوان الله تعالى عنهم، وغير هذه من الرؤى التي رآها الأنبياء والصالحون من بعدهم، وربما الرؤيا أحياناً تذكر الإنسان بشيء، كأن يكون مجتهداً يفكر في أمر من الأمور، كمن عرضوا عليه قضية صلاة الجنازة على شخص مشكوك فيه، ما يدري هل هو مسلم أم كافر؟ فماذا يقول في صلاة الجنازة؟ فقيل: أن أحد أهل العلم وهو شيخ الإسلام ﵀ عرضت المسألة عليه ونام، فرأى رؤيا وكأن أحداً يقول له: الشرط يا أحمد! الشرط يا أحمد! ففهم من ذلك أن يشرط في الدعاء، يعني أنه يقول في الدعاء: اللهم إن كان صاحب هذه الجنازة مؤمناً فاغفر له وارحمه وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، وهكذا، فيقول الشرط، إن كان صاحب هذه الجنازة مؤمناً فيدعو له بالمغفرة والرحمة، وكذلك إذا اشتبه في كونه مؤمناً أو كافراً أو ما يدرى عن حاله، وكذلك يمكن أن تحصل رؤيا تدل شخصاً على شيء مفقود، كما حصل لبعض القضاة وكان قد وضع عنده صك قرض لبعض من جاء يستفتيه في مسألة العقار، فقال القاضي: انظر فيها وضعها في مكان وتفي، وجاء أصحاب الصك يريدونه فما عثر عليه الورثة، وصارت المسألة في حرج على أولئك وعلى هؤلاء، فرأى ولد القاضي في المنام أن الشيخ يقول له: أنظرها في المكان كذا من الدرجة، في مكان وضعتها فيه، فقام من النوم، وذهب فعلاً فوجدها في نفس المكان الذي قيل له في المنام أن أباه قد وضعها فيه، وجاء وأعطاها لأصحابها وقال: إنه ﵀ دلني على المكان في المنام، وقد تقع عجائب من هذا القبيل، وهذا لا حرج في ثبوته وتصديقه، وممكن أن يكون حقاً، وأخبار الرؤى كثيرة جداً وتكفي القواعد التي تقدم ذكرها. ونسأل الله أن يقر أعيننا بدينه ونصرة دينه، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يجعلنا من أهل الصلاح والتقوى، والمتمسكين بالعروة الوثقى، وأن يجعلنا من أهل الصدق، وصلى الله وسلم على نبيا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 3003

رأس المنافقين إن عبد الله بن أبي بن سلول رأس النفاق قد أثر تأثيراً بالغاً في زرع الفتن، وإثارة الأحقاد بين المسلمين، بل لقد بلغ به الحد أن نال من النبي ﷺ ومن عرضه، لكنه لما مات صلى عليه النبي ﷺ رحمة بأمته، وتأليفاً للناس؛ كما أنه لم يقتله عندما أثار الفتن.

стр. 3004

عبد الله بن أبي وبعض تربصه بالنبي والمسلمين إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها الأخوة: شخصية عجيبة تلك التي سنتناولها في هذه الخطبة إن شاء الله، كان لها أثر كبير في وقتها، وقد جاءت بشأنها آيات من الكتاب العزيز، وأحاديث في سنة النبي ﷺ وسيرته.

стр. 3005

أول مقابلة يتربص بها ابن أبيّ بالنبي ﷺ كانت أول مقابلة لهذه الشخصية مع النبي ﷺ فيما رواه الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه عن أسامة بن زيد؛ أن نبي الله ﷺ ركب على حمار على قطيفة فدكية، وأردف أسامة بن زيد وراءه يعود سعد بن عبادة في بني الحارث من الخزرج، قبل وقعة بدر، حتى مر بمجلسٍ فيه عبد الله بن أبي، قبل أن يسلم عبد الله بن أبي، أي: يتظاهر بالإسلام، فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان، واليهود والمسلمين، وفي المجلس عبد الله بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة، خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه، ثم قال: لا تغبروا علينا، فسلم رسول الله ﷺ عليهم، ثم وقف، فنزل فدعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القرآن، فقال عبد الله بن أبي ابن سلول: أيها المرء! إنه لا أحسن مما تقول، إن كان حقاً فلا تؤذنا به في مجلسنا، ارجع إلى رحلك، فمن جاءك فاقصص عليه، فقال: عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول الله فاغشنا به في مجالسنا، فإنا نحب ذلك، فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون، فلم يزل النبي ﷺ يخفضهم حتى سكنوا، ثم ركب النبي ﷺ دابته، حتى دخل على سعد بن عبادة، فقال له النبي ﷺ : (يا سعد ألم تسمع ما قال أبو حباب؟ يريد عبد الله بن أبي، قال كذا وكذا، قال سعد بن عبادة: يا رسول الله! اعف عنه واصفح، فوالذي أنزل عليك الكتاب، لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك، وقد اصطلح أهل هذه البحيرة -أي: البلدة، وهي يثرب التي صارت المدينة وطيبة - على أن يتوجوه فيعصبوه بالعصابة، أي: يتوجوا عبد الله بن أبي ملكاً عليهم -فلما أبى الله ذلك، فاتت الفرصة على عبد الله بن أبي وفاته الملك للإسلام الذي جاء- فلما أبى الله ذلك بالحق الذي أعطاك الله، شرق بذلك -أي: غص به وكرهه- فذلك فعل به ما رأيت، فعفا عنه رسول الله ﷺ . وكان النبي صلى الله وعليه وسلم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب -كما أمرهم الله- ويصبرون على الأذى، أي: في تلك المرحلة التي جاءت بعدها مرحلة أخرى، كما قال الله : ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً﴾ [آل عمران:١٨٦] إلى آخر الآية. وكان النبي ﷺ يتأول العفو ما أمره الله به حتى أذن الله فيهم، ونزلت الآيات بالأمر بجهاد الكفار والمنافقين، والغلظة عليهم، وتغيَّر الحال، فلما غزا رسول الله ﷺ بدراً، فقتل الله به صناديد كفار قريش، قال ابن أبي ابن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان: هذا أمر قد توجه -أي: ظهر وبان، وقوي الإسلام وقام عموده- فبايعوا الرسول ﷺ على الإسلام، فأسلموا، أي: في الظاهر. لقد اضطر ابن أبي أن ينتقل من العداوة الجهرية للدين إلى العداوة السرية، والكيد للإسلام وأهله، لقد فوت عليه هذا الدين الملك، فشرق من أجل ملكه، ونافق، وصار يعادي الإسلام والمسلمين، ويدبر المؤامرات ويحبكها هو وأعوانه كيداً للدين وأهله، وكان مما يخفي به أمره أنه كان يقوم بعد خطبة الجمعة، بعد أن كان النبي ﷺ يخطبها، يدعو قومه إلى الإسلام متظاهراً أنه ينصر الله ورسوله، وهكذا كان يتظاهر بالحرص على مصلحة المسلمين. وفي الجهاد كان لا يريد المسلمين أن يخرجوا من المدينة إلى أحد، حتى لا ينكشف هو وأصحابه، ولكن الله أراد أمراً آخر، فاضطر للخروج، ثم انسحب، وهكذا صار أمرهم في بقية الغزوات أنهم لا يخرجون، ويتخلفون بالأعذار الواهية، وإذا خروا خرجوا ليرجعوا، أو ليثيروا الفتنة في جيش المسلمين. إن ذلك الرجل يكره الدين وأهله، وتجرأ أن يقول للنبي ﷺ وقد خمر أنفه بردائه: لا تغبروا علينا، وفي رواية أخرى للبخاري أنه قال للنبي ﵊: إليك عني، والله لقد آذاني نتن حمارك، فقال رجل من الأنصار: والله لحمار رسول الله ﷺ أطيب ريحاً منك، فغضب لـ عبد الله رجل من قومه فشتمه، فغضب لكل واحد منهم أصحابه، فكان بينهما ضرب بالجريد والأيدي والنعال.

стр. 3006

مكائده في غزوة بني المصطلق فإذاً كان مؤامرات عبد الله بن أبي تسبب الوقيعة في المسلمين والفتنة بينهم، فلقد كاد النبي عليه والصلاة والسلام وآذاه في أقرب الناس إليه زوجته عائشة، واتهم صفوان بن المعطل وإياها بفعل الفاحشة، وأنزل الله براءتها من فوق سبع سموات، وبراءة صفوان ﵄، فقد بلغ أذاه إلى أهل النبي ﷺ ، وكان لا يتوانى في انتهاز الفرص للوقيعة بين المسلمين، ولذلك فإن غزوة المريسيع (غزوة بني المصطلق) قد شهدت مواقف دنيئة من هذا الرجل في غاية العجب، ومن ذلك ما حصل بين رجلين مزح أحدهما مع الآخر، فحصل بينهما رفع لشعار الجاهلية، فلما أنكره النبي ﷺ ، قال عبد الله بن أبي لما سمع القصة أوقد فعلوها؟ أي: المهاجرون، والله لقد كاثرونا في بلدنا، وصاروا يأكلون من خيراتنا، ونافسونا، ثم يريدون أن يطغوا علينا، فأراد أن يحيي العصبية، ويعيدها جاهلية، فقال: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وقال أيضاً: لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا، أي: امنعوا الأموال عنه وعن أصحابه، لا تعطوه زكاة ولا غيرها، فيضطر الناس للانفضاض عنه، والأعراب الذين لا يأتون للمال لا يأتون، فلما سمع بذلك عمر ﵁، قال: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي ﷺ : (دعه لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه). سلك النبي ﷺ ذلك المسلك إيثاراً لسلامة الدين والدعوة، وحتى لا يتحدث العرب الذين لا يعرفون القصة، وهم البعيدون عن المدينة وظروفها والأحوال والملابسات، حتى لا يقال إن محمداً قتل ابن أبي وهو قد تابعه وأظهر الإسلام، فترك النبي ﷺ قتله، فانبرى ابنه عبد الله، وكان رجلاً مسلماً صادقاً - عبد الله بن عبد الله بن أبي، والله يخرج الحي من الميت- فقال لأبيه: والله لا تنقلب حتى تقر أنك الذليل ورسول الله ﷺ العزيز، ففعل رغماً عنه، حبسه على باب المدينة، الحديث رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح. لقد فعل ابن أبي من المؤامرات عجيباً، ومن ذلك أنه خان الله ورسوله؛ وهذا من أشنع الأمور، والله قال لنبيه: ﴿وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء:١٠٧] أي: يخونونها بالمعصية ﴿﴾ [النساء:١٠٧] وخان الخيانات جميعاً الصغرى إلى العظمى، إلى خيانة دولة المسلمين، وإلى التجسس لحساب العدو مع إخوانه المنافقين، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ [المائدة:٤١]. هل تعرفون -يا أيها الأخوة- هذه الآية: ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ [المائدة:٤١] قال أهل التفسير، وذكره ابن كثير ﵀: هذه الآية في المنافقين، وقال في شرحها: سماعون من أجل قوم آخرين، فكانوا يأتون مجالس النبي ﷺ ، وينقلون أخباره إلى قوم وصفهم الله بقوله: لم يأتوك قال تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ [المائدة:٤١] فكان هناك كفار صرحاء لا يستطيعون الإتيان، وكان هؤلاء المنافقون يجلسون عند النبي ﷺ يسمعون الأخبار، وينقلونها إلى قوم لم يأتوه: ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة:٤١].

стр. 3007

ما هي صفات المنافقين ؟ ما هي صفات عبد الله بن أبي وأصحابه؟ قال تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة:١٤] لقد كان أمراً عجيباً ذلك الذي فعله ابن أبي في الطعن وكشف عورات المسلمين، وإفشاء أسرارهم، والتجسس للمشركين على المسلمين، ونقل أخبار المسلمين والتآمر عليهم، كانوا طابوراً خامساً وصفاً خلفياً، يريدون أن يظهر في المسلمين عورة تنقل إلى الكفار، وثغرة يخبر بها الكفار، واتخذوا مسجد الضرار كفراً وتفريقاً بين المؤمنين، وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله، وتستروا بالمسجد، وهو في الحقيقة ضرار للإسلام وأهله، هكذا كانوا يتسترون بالإسلام وهم على الكفر الأكبر، وهكذا فعلوا عندما نصبوا ذلك الصرح ليجعلوه وكراً لمؤامراتهم، حتى لا تنتبه إليهم عيون المسلمين، وكانوا يحرضون الكفار على المسلمين قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ [الحشر:١١] وهكذا صنع أعداء الله، وهكذا جاملوهم وكانوا في صفهم، قال الله تعالى عنهم: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً﴾ [النساء:١٣٨ - ١٣٩] فكانوا يصانعون اليهود في المدينة ليبتغوا عزة، وإذا كانت الدائرة على المسلمين قالوا: لقد دخلنا في الصف الأقوى قال تعالى: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً﴾ [النساء:١٣٩] وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ [المائدة:٥١ - ٥٢] إنها مسارعة وهرولة، إنها ركض وسعي، يسارعون فيهم، يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ * وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة:٥٢ - ٥٣]. لقد كان أولئك المنافقون بقيادة عبد الله بن أبي يتخلفون عن الجهاد الحقيقي، ويصانعون أعداء الله، وكانوا من تخلفهم لا يعدون عدة، ولقد كشف الله أستارهم وأسرارهم وقال: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ [التوبة:٤٦] فلو كانوا يريدون الجهاد حقيقةً لأعدوا عدة الجهاد، ولكنهم لم يعدوها، ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة، كانوا يتخلفون عن النبي ﷺ بالأعذار القبيحة، وكذلك فعل عبد الله بن أبي، وكان المسلمون يكتشفون المنافق من وجهه ونصيحته لمن هي، ولذلك قال بعضهم في رجل اتهمه بالنفاق: إنا لنرى وجهه ونصيحته إلى المنافقين، وهكذا كانت سور القرآن تنزل، كالتوبة والمنافقين، والنساء والنور؛ كاشفة لأستار هؤلاء، فإن الله تعالى لم يكن ليترك نبيه دون كشف حالهم، وسميت سورة من القرآن بالفاضحة، لأنها كانت تفضحهم، والعجب كيف كان شعور ابن أبي وغيره من المنافقين والسور تنزل في فضحهم، والله يقول: يقولون، يقولون، وهو كلامهم بالنص، وهكذا كان القرآن ينزل بكلامهم بالنص الذي قالوه سراً، فاطلع الله عليه، فأطلع المؤمنين عليه. اللهم إنا نسألك البراءة من النفاق، اللهم إنا نسألك البراءة من النفاق، اللهم طهر قلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الرياء، وألستنا من الكذب، إنك حي قيوم سميع مجيب، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 3008

موت ابن أبي والصلاة عليه الحمد لله، أشهد أن لا إله إلا الله، وسبحان الله! ولا حول ولا وقوة إلا بالله، وأشهد أن محمداً رسول الله، الرحمة المهداة، وحامل لواء الحمد، وصاحب المقام المحمود، الشفيع المشفع يوم الدين، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله! وبعد حياة حافلة بالمؤامرات على الإسلام مات عبد الله بن أبي ابن سلول، وذهب منافقاً إلى ربه، فماذا كان موقف النبي ﷺ ؟ وماذا حصل في نهاية قصة ذلك الرجل؟ روى الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه عن ابن عمر ﵄ قال: (لما توفي عبد الله بن أبي جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله ﷺ ، فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله ﷺ ليصلي عليه، فقام عمر، فأخذ بثوب رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله ﷺ تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه، فقال رسول الله ﷺ : إنما خيرني الله، فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة:٨٠] وسأزيده على السبعين، قال: إنه منافق، فصلى عليه رسول الله ﷺ ، فأنزل الله: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة:٨٤]) الحديث رواه البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه، قال ابن حجر أحمد بن علي العسقلاني صاحب كتاب فتح الباري بشرح صحيح البخاري رحمه الله تعالى في قول البخاري: جاء ابنه عبد الله بن عبد الله القصة: لما احتضر عبد الله، أي: ابن أبي جاء ابنه إلى النبي ﷺ ، فقال: (يا نبي الله إن أبي قد احتضر فأحب أن تشهده وتصلي عليه، قال: ما اسمك؟ قال: الحباب، قال: بل أنت عبد الله). وكان عبد الله بن عبد الله بن أبي من فضلاء الصحابة، وشهد بدراً وما بعدها، واستشهد يوم اليمامة في خلافة أبي بكر الصديق، ومن مناقبه: أنه بلغه بعض مقالات أبيه، فجاء إلى النبي ﷺ يستأذنه في قتله، خشي إن قتله أحد المسلمين ألا يتحمل الموقف، فقال: أقتله بيدي، قال النبي ﷺ : (بل أحسن صحبته) أخرجه ابن مندة من حديث أبي هريرة بإسناد حسن، وكأنه كان يحمل أمر أبيه على ظاهر الإسلام، فلذلك التمس من النبي ﷺ أن يحضر عنده ويصلي عليه، ولا سيما وقد ورد ما يدل على أنه فعل ذلك بعهد أبيه، ويؤيد ذلك ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر والطبري من طريق سعيد كلاهما عن قتادة، قال: أرسل عبد الله بن أبي إلى النبي ﷺ ، فلما دخل عليه أي: على المنافق، قال النبي ﷺ : (أهلكك حب يهود) فقال: يا رسول الله! إنما أرسلت إليك لتستغفر لي، ولم أرسل إليك لتوبخني، ثم سأله أن يعطيه قميصه ليكفن فيه، فأجابه، وهذا مرسل مع ثقة رجاله، ويعضده ما أخرجه الطبراني عن ابن عباس قال: لما مرض عبد الله بن أبي، جاءه النبي ﷺ ، وذكر الحديث، قال ابن حجر: وكأن عبد الله أراد بذلك دفع العار عن ولده وعشيرته بعد موته، فأظهر الرغبة في صلاة النبي ﷺ ، ووقعت إجابته إلى سؤاله بحسب ما ظهر من حاله، إلى أن كشف الله الغطاء عن ذلك، وهذا من أحسن الأجوبة، فقام رسول الله ﷺ ليصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوب النبي ﷺ ، وفي رواية: [فقام إليه، فلما وقف عليه يريد الصلاة، وثبتُ إليه فقلت: يا رسول الله! أتصلي على ابن أبي وقد قال يوم كذا كذا وكذا؟ أعدد عليه قوله] يشير بذلك إلى مثل قوله: لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ، وإلى مثل قوله: لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، وقال عمر يا رسول الله: أتصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟ وكأن عمر ﵁ فهم من قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة:٨٠] أن النبي ﷺ حتى لو زاد على السبعين لن يغفر الله لـ عبد الله بن أبي مادام قد مات على النفاق، وهذا مقتضى كلام العرب، وكان النبي ﷺ ، يريد أن يتألف قوم عبد الله بن أبي وولده المسلم أيضاً، وكذلك فإنه كان رحيماً بأمته، فمشى على فهم كان قد تراءى له، وقال النبي ﷺ : (لو أعلم أني لو زدت على السبعين غفر له لزدت) وهكذا أراد أن يزيد، فطول القيام تطويلاً طويلاً، كما جاء في بعض الطرق لهذا الحديث، وقال: (تأخر عني يا عمر) فلما تأخر عنه، وحصلت الصلاة، نزلت الآيات، والله يبين للمؤمنين: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة:٨٤] قال في رواية: فذكر لنا أن نبي الله ﷺ قال: (وما يغني عنه قميصي من الله، وإني لأرجو أن يسلم بذلك ألف من قومه) وأنزل الله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة:٨٤]. وفي حديث ابن عباس، فلم يمكث إلا يسيراً، حتى نزلت، أي الآية، قال: فما صلى رسول الله ﷺ على منافق بعده حتى قبضه الله، وهكذا حصل في هذه السيرة لهذا الرجل، وانتهت بإعلان واضح وصريح من رب العزة بأنه لا مجاملات على حساب العقيدة، وأنه لا يمكن أن يستغفر المؤمنون لرجل من المشركين: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة:١١٣] كان النبي ﷺ يعمل بالظاهر حتى يعلم الحق والحقيقة بالأدلة التي يراها في الواقع، أو بما يوحيه الله إليه، وبين الله تعالى لنا صفات المنافقين، في سور كثيرة من القرآن، وآيات معددة لنحذر منهم، وليس بعجيب ولا غريب أن تكون عدد الآيات في صدر سورة البقرة التي تتكلم عن المنافقين أضعاف عدد الآيات التي تتكلم عن المؤمنين، وكذلك التي تتكلم عن الكافرين الصرحاء، لأن الناس ثلاثة أقسام: مسلم، وكافر صريح، ومنافق يخفي الكفر ويظهر الإسلام، ونظراً لخفاء حال هؤلاء فقد اعتنى الله عناية بالغة بذكر صفاتهم، ليحذرهم المؤمنون، وهكذا كان جهادهم أمراً واجباً، بنص قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ [التحريم:٩]. اللهم إن نسألك أن تحيي الإيمان في قلوبنا، اللهم اجعل قلوبنا معمورة بالإيمان واليقين.

стр. 3009

رواسب الجاهلية الطبع يغلب التطبع كما قيل، وربما اهتدى المرء لكن مع بقاء أمور في طبعه كان قد اعتادها في جاهليته، فتبدو على حين غفلة، أو في موقف ما، وهذا قد حدث للصحابة على رفعتهم وفضلهم، ونحن بذلك أحرى، ولكن النصح مطلوب، وتقبُّله وإن كان مراً واجب

стр. 3010

موقف الإسلام من آثار الجاهلية

стр. 3011

حث الإسلام على التخلص من آثار الجاهلية إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فيا عباد الله! يكون المرء مسلماً، ويولد في الإسلام، ويعيش بين المسلمين، وربما يكون ضالاً فيهديه الله ، فيغشى دور العبادة، ويصحب الأخيار، ويأتي الطاعات، وينتهي عن كثير من المحرمات، وربما شرع في طلب العلم، ولكن يبقى في نفسه من آثار الجاهلية ما يبقى، يدخل في الإسلام لكن دخولاً ليس بالكلي، فتبقى معه آثار من آثار الجاهلية، وبعضهم تظهر في نفسه بعد حين من الزمن من تلك المورثات الأولى التي كان عليها أيام ضلاله، ويدخل بعضهم في الهداية، ولكن يبقى فيه من لوثات المجتمع الفاسد الذي كان فيه، أو مما ورثه عن بعض أهله وعادات آبائه وأجداده مما يخالف شريعة الإسلام، وهذا عيب كبير أن نكون مسلمين ولكن فينا من لوثات الجاهلية، وأن تظهر علينا علامات الهداية وسمت الإسلام والتمسك بالسنة، ولكن فيها رذاذ يصيبنا من الجاهلية. لقد جاء الله بالإسلام، فمحا الجاهلية، وتتبعت الشريعة كل أمر من أمور الجاهلية القبيحة لتنسفه وتحرمه، وتعظ الناس به، قال الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣] يذكّر النساء المسلمات بالبقاء في البيوت فلا يخرجن لغير حاجة شرعية، كالصلاة في المسجد بشرطها، أو حاجة دنيوية لا أن يخرجن من غير حاجة. وقال تعالى: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣] قال مجاهد: كانت المرأة تخرج تمشي بين يدي الرجال، فذلك تبرج الجاهلية، وقال قتادة: إذا خرجن من بيوتهن كانت لهن مشية وتكسر وتغنج، فنهى الله تعالى عن ذلك، وقال مقاتل في تبرج الجاهلية: أن تلقي الخمار على رأسها، ولا تشده فيواري قلائدها وقرطها وعنقها ويبدو ذلك كله، وربما كشف النحر وما على النحر من الحلي نتيجة عدم شد الخمار، هذا من تبرج الجاهلية، فذكر الله النساء المسلمات بترك ذلك فقال: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣] لا يريد الشارع أن تبقى عند المرأة المسلمة خصلة من تلك الخصال الذميمة من العهد السابق، وعن البراء قال: كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتوا البيت من ظهره، فأنزل الله: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة:١٨٩]. لقد كانوا -أيها الإخوة- يدعون الإنسان لمن تبناه، فيأتي إنسان يتبنى شخصاً له أب معروف، فيلغي اسم أبيه، وينسبه إلى نفسه، أو له أب غير معروف فيعطيه اسماً يضيفه إليه، وينسبه إلى نفسه؛ عن عائشة ﵂ أن أبا حذيفة، وكان ممن شهد بدراً مع النبي ﷺ تبنى سالماً، وأنكحه بنت أخيه هند بنت الوليد، وهو مولى لامرأة من الأنصار، كما تبنى رسول الله ﷺ زيداً، وكان من تبنى رجلاً في الجاهلية دعاه الناس إليه، وورث من ميراثه، حتى أنزل الله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب:٥]. لكن لا تجوز النسبة لغير أبيه الحقيقي، وإن لم يعرف فلا ينسب إلى شخص ليس بولده فيرث ظلماً مع أولاده من تركته، وربما كشف كذلك على بنات هذا الرجل، بحجة أنه ولد من أولاده وليس كذلك، فجاءت الشريعة بتحطيم هذه العادة الجاهلية، وأنزل الله في كتابه آية يبين فيها تحريم ذلك، وتغير اسم زيد بن محمد إلى زيد بن حارثة، ورجع إلى اسمه الأصلي، وتزوج النبي ﷺ زينب زوجة زيد، وكان من أكبر العيوب في الجاهلية، أن يتزوج الإنسان زوجة ابنه بالتبني، فكان تحطيمها بتزويج زينب للنبي ﵊، لإزالة تلك العادة الجاهلية، ونسخ ذلك، وعندما كان يدخل الشخص في الإسلام كان يمحو من نفسه عادات الجاهلية، ويقاوم نفسه التي تريد العودة إلى الطبع الأول، وربما غلب شيء أو جهل الإنسان شيئاً -والجاهلية من الجهل- فخرج منه أمر يكرهه الشارع، فيعاتب عليه وينبه إليه، كما حصل لـ أبي ذر ﵁، فروى المعرور بن سويد، عن أبي ذر قال: رأيت عليه برداً وعلى غلامه برداً، فقلت -أي: لـ أبي ذر:- لو أخذت هذا فلبسته كانت حلة، وأعطيته ثوباً آخر، فيوافق ما عليك ويكتمل الطقم، فقال: كان بيني وبين رجل كلام، وكانت أمه أعجمية، فنلت منها، فذكرني إلى النبي ﷺ ، فقال لي: (أساببت فلاناً؟ قلت: نعم، قال: أفنلت من أمه؟ قلت: نعم، قال: إنك امرؤٌ فيك جاهلية، قلت: على حين ساعتي هذه من كبر السن، قال: نعم) رواه البخاري وفي رواية مسلم: (نعم على حال ساعتك من الكبر). فـ أبو ذر ﵁ لعله كان يجهل ذلك، واستغرب كيف فاتت عليه مع كبر سنه، فأكد له ﵊ أنها من الجاهلية وإن غفل عنها، ثم أوصاه فقال: (هم إخوانكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن جعل الله أخاه تحت يده، فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولايكلفه من العمل ما يغلبه، فإن كلفه ما يغلبه، فليعنه عليه) رواه البخاري، وفي رواية: (إنه كان بيني وبين رجل من إخواني كلام، وكانت أمه أعجمية، فعيرته بأمه، فشكاني إلى النبي ﷺ ، فلقيت النبي صلى الله وعليه وسلم، فقال: يا أبا ذر! إنك امرؤٌ فيك جاهلية، قلت: يا رسول الله! من سب الرجال سبوا أباه وأمه، قال: يا أبا ذر! إنك امرؤٌ فيك جاهلية، هم إخوانكم) الحديث رواه مسلم. حصل بينه وبين إنسان سوء تفاهم، فعيره بأمه، وفي رواية أنه قال له: يا بن السوداء، وقوله ﵊: (إنك امرؤٌ فيك جاهلي) أي: خصلة من خصال الجاهلية، وهكذا قالها ﵊ صريحة، وأبو ذر من هو؟ من أصدق الناس لهجة، وأتقاهم لله تعالى، لكن ظهر منه في لحظة من ضعف مكنونٌ من مكنونات الجاهلية، التي كانت قد ترسبت في الباطن عبر السنوات الطويلة التي عاشها في الجاهلية، ظهرت على حين غفلة وغضب، فعاتبه ﵊، وبيَّن له ذلك، لأن الإسلام لا يريد أن ترجع أمور الجاهلية، ولا أن تبرز أمور الجاهلية، بل يريدها نقية، يريد شخصية إسلامية سوية طاهرة ليس فيها من الأمر الأول شيء. وقال ﵊ ذلك في القصة المشهورة التي رواها جابر ﵁ قال: (غزونا من النبي ﷺ ، وقد ساب معه ناس من المهاجرين حتى كثروا، وكان من المهاجرين لعاب فكسع أنصارياً، أي: ضربه على القفا يمزح، وكان ذلك عيب عند أولئك، فغضب الأنصاري غضباً شديداً حتى تداعوا، وقال الأنصاري: يا للأنصار! وقال المهاجري: يا للمهاجرين! فخرج النبي ﷺ ، فقال: ما بال دعوى الجاهلية؟ ثم قال: ما شأنهم؟ فأخبر بكسعة المهاجري الأنصاري، فقال النبي ﷺ : دعوها فإنها خبيثة) رواه البخاري. (ما بال دعوى الجاهلية) أي: كيف ظهرت بينكم؟ كيف رجعتم إلى الاستنصار بالقبيلة والجماعة، وتتعادون، ويتحزب لكل إنسان جماعته وفرقته، ويتفرقون ويقتتلون؟ هذه دعوى الجاهلية، كيف ظهرت بينكم؟ ما بال دعوى الجاهلية، ترجعون إليها بعد أن هداكم الله؟! مع أنهم رفعوا شعارات إسلامية، فقال هذا: يا للمهاجرين! وقال هذا: يا للأنصار! والمهاجرون والأنصار اسمان إسلاميان، هؤلاء هاجروا إلى الله ورسوله، وهؤلاء نصروا الله ورسوله، ولكن مع ذلك لم يرض بها ﵊، لأنها على طريقة الجاهلية في التحزب والتعصب والتقاتل، وقال ﵊: (ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية) وقال: (أربع من الجاهلية لا يترك) وستبقى الأمة مبتلاة بهن، ستبقى هذه الأربع موجودة وحية في هذه الأمة مع أن هذه الأربع من أمور الجاهلية (الفخر بالأحساب) يفتخرون تعالياً وتكبراً كل إنسان بأصله وقبيلته (والطعن في الأنساب) فيذم ويطعن ويشتم في نسب الشخص الآخر (والاستقاء بالنجوم، والنياحة) قال (والنائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران أو درع من جرب). فهذه أمور الجاهلية، حذرنا منها النبي ﷺ ، وأخبر أنها لا تزال تسري في الأمة، لكي ننتبه لها، ولا نقع فيها، بالرغم من أننا مسلمون، ولكن قد يرجع شخص إلى الطبع الأول، وإلى هذه السيئة التي تسري في الأمة.

стр. 3012

الصحابة يسألون عن أمور جاهلية تحرياً لدينهم لقد كان الصحابة رضوان الله عليهم، يسألون النبي ﷺ عن أمور الجاهلية التي بقيت، كما قال معاوية بن الحكم السلمي ((أرأيت أشياء كنا نفعلها في الجاهلية، كنا نتطير، قال: ذلك شيء تجده في نفسك، فلا يصدنك، قال: كنا نأتي الكهان، قال: فلا تأت الكهان) هكذا قال له: إنني حديث عهد بجاهلية، كنا نفعل كذا وكذا فبيِّن لي، فبيَّن له ﷺ أن التشاؤم من الشيطان، ولا يردنك عن قصدك ولا يصدنك عن حاجتك، امض لمصلحتك، ولا تتشاءم، ولا تأت الكهان. وقال ﵊ في قوم من العرب، والعرب كانوا مشهورين بالفخر بالآباء، وكانوا يتطاولون على بعضهم في ذلك، وينشدون الأشعار في الفخر، ويؤدي ما يؤدي إليه من احتقار الخلق والبغي والحرب بينهم، قال ﵊: (إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية، وفخرها بالآباء، مؤمن تقي، وفاجر شقي، الناس قسمان؛ أنتم بنو آدم وآدم من تراب، ليدعن رجال فخرهم بأقوام إنما هم فحم من جنهم، أو ليكونُنَّ أهون على الله من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن). عُبِّية الجاهلية: فخرها، ونخوتها، وتكبرها، أذهبه الله محاه الله حرمه الله، ولم يبق الناس يتفاضلون إلا بالإيمان والتقوى، ليدعن هذا الفخر بالآباء مع أن الآباء جاهليون كفرة؛ من فحم جهنم، لكن كان لا يزال هناك من يفتخر بآبائه وأجداده، وإذا لم يترك هذا سيكون عند الله أهون من الجعلان، وهي تلك الدويبة السوداء التي تدير الخراءة بأنفها، صوَّر ﵊ هذا الفخر بأقبح صورة لحشرة تدفع بأنفها العذرة، هكذا قال ﵊ محارباً هذه الرذيلة التي ربما تظهر في الأمة. ولما جاءه رجل ممثلاً عن امرأة ضربت بطن الأخرى فأسقطت جنينها، فالنبي ﵊ قضى بالدية على عصبة القاتلة، فقال الرجل: تغرمني من لا نطق وأكل، ولا شرب واستهل، فمثل ذلك يطل، أي: يبطل دمه وليس له حق، فقال ﷺ (سجع كسجع الأعراب؟!) أي: رجعتم إلى الكهان، وإلى منطقهم، وشابهتموهم في السجع، وكان الكهان يسجعون، وقضى بالغرة عبد أو أمة مقابل الجنين الذي سقط، وهي عشر الدية، ورفض منطق الجاهلية، بل إنه ﵊، كان يغير الأسماء الجاهلية، ليمحو آثار الجاهلية، وقال أحد أولاد الصحابة: كان اسم أبي في الجاهلية عزيزٌ، فسماه رسول الله ﷺ عبد الرحمن، العزيز الصلب، ولعله كره له هذه الصفة لأن المؤمن هين لين، فسماه عبد الرحمن، وكذلك قال بشير ابن الخصاصية ﵁: أنه كان يماشي النبي ﷺ ، ثم ذكر قصته وفيها تغير اسمه إلى بشير، وكان الصحابة يقاومون الأسماء الجاهلية، فهذا ابن عباس رضي عنه، قال: (من طاف بالبيت فليطف من وراء الحجر، ولا تقولوا الحطيم، فإن الرجل في الجاهلية كان يحلف، فيلقي سوطه أو نعله أو قوسه) رواه البخاري. هذا الحجر: المنطقة غير المبنية من الكعبة، كان أهل الجاهلية يسمونه الحطيم، وكانت أصنامهم فيه، وكان الشخص إذا أراد أن يحلف مد عصاً إلى هذه الأصنام الموجودة في الحطيم ليحلف ويسمونه ب الحطيم، فنهى ابن عباس عن تسميته ب الحطيم وسماه الحجر، وهو الاسم الإسلامي المتعارف عليه هكذا، بل إن الصحابة رضوان الله عليهم تحرجوا من أشياء كانت في الجاهلية، فتحرجوا من الطواف بين الصفا والمروة؛ لأن أصنام الجاهلية كانت عليها، وأهل الجاهلية كانوا يطوفون بها، حتى أنزل الله تعالى قوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة:١٥٨] وأزيلت الأصنام، ورجعنا إلى طريقة أمنا هاجر، وتلك الذكرى العطرة. وكان الصحابة قد تحرجوا أيضاً من التجارة في الحج، لأنها كانت من عادات الجاهلية، فكيف يخلطون الدنيا بالآخرة، وقال ابن عباس ﵁: [كان ذو المجاز وعكاظ متجر الناس في الجاهلية، فلما جاء الإسلام كأنهم كرهوا ذلك، حتى نزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة:١٩٨] في مواسم الحج] رواه البخاري. هكذا إذاً أيها الأخوة، هكذا كانت تسير الأمور، وهكذا المحو لعادات الجاهلية، والإنكار والإباء أن تبرز صفة جاهلية بين المسلمين، فكانوا يريدونها نقية، نسأل الله أن يحيينا على الإسلام، ويميتنا على الإيمان، ويجنبنا الجاهلية أقوالاً وأفعالاً، إنه سميع مجيب قريب. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 3013

ظهور الجاهلية بين أهل الدين بالتعصب الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، أشهد ألا إله إلا هو وحده لا شريك له رب الأولين والآخرين، وأشهد أن محمداً رسول الله الصادق الوعد الأمين، ﷺ وعلى آله وصبحه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. عباد الله! كيف يكون ظهور الجاهلية بين أقوام من أهل الدين؟ يكون ذلك بمثل هذه العصبيات التي حذر منها النبي صلى الله وعليه وسلم، فيتعصب الناس لأقوال ولمذاهب مثلاً كما كان أهل الجاهلية يتعصبون لقبائلهم ويتعصبون لأنسابهم، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في أمور من السنة المتنوعة، قال: ومنها أنواع تكبيرات العيدين، يجوز وكلٌ مأثور، ومنها التكبير على الجنائز يجوز على المشهور التربيع والتخميس والتسبيع، وإن اختار، أي: من اختار التكبير أربعاً، ثم تكلم عن التعصب للمذاهب، والأخذ بقول ومحاربة الأقوال الأخرى وبعضها صحيح، قال: حتى صار الأمر بأتباعهم، أي: أتباع المذاهب، إلى نوع جاهلية، فصاروا يقتتلون في بعض بلاد المشرق على ذلك حمية جاهلية، مع أن الجميع حسن، قد أمر به رسول الله ﷺ ، وأمر بلالاً بإفراد الإقامة، وأمر أبا محذورة بشفعها، فلو أذن مؤذن على أذان أبي محذورة، فلا ينكر عليه لثبوت ذلك، ومن تعصب لقول واحد مع أن القول الآخر صحيح، وعادى ووالى من أجل ذلك؛ فهو من أهل الجاهلية. وكذلك لما تلكم ﵀ في مسألة البسملة في الصلاة، وذكر عن أقوال أهل العلم في إثبات كونها آية من القرآن، وفي قراءتها أقوال ذكرها، ثم ذكر أن بعض الناس من هذه الأمة، قد تفرقوا في ذلك، ورفعوا الألوية إظهاراً لشعار الفرقة، مع أن المسألة سهلة وواسعة، ولا تحتاج إلى هذه العصبية مطلقاً. إذاً فيمكن أن يحصل تعصب لأقوال من أناس يزعمون التدين، مع أن الكل صحيح مادام أنه قد ثبت بالأدلة. إننا أيها الإخوة! قد تظهر فيها أشياء من هذه الجاهلية، فنتعصب للقريب على البعيد، ويرجع الواحد إلى شعار الجاهلية فمثل: (أنا وأخي على ابن عمي وأنا وابن عمي على البعيد) أليس شعاراً جاهلياً؟ ومع هذا فإنهم يفعلونه، ألسنا نحتقر أحياناً أشخاصاً من جنسيات أو بلدان مع أنهم من المسلمين، فنستهزئ بهم، ونذكر ما يسمى بالنكات أو الطرائف عنهم، احتقاراً لهم؟ أو نقول لشخص فيه شيء من السذاجة: (عقليته عقلية كذا) ونحو ذلك؟ أليس فينا مفاخرة؟ أليس فينا مباهاة؟ ألسنا قد ندخل في الدين ونظهر سمات الاهتداء، ثم ننكشف في معاملة من المعاملات المالية، مع أن الشريعة حرمتها فنفعلها؟ وقد نشهد لشخص زوراً في محكمة؟ ألسنا قد نعتدي على المال العام، فنأخذ منه، بحجج مزيفة؟ ونعتدي على حقوق النشر والطبع المحفوظة للآخرين، وربما قال بعضنا: هذا للكفار، وهل كل أموال الكفار مباحة، أم أموال الكفار الحربيين هي المستباحة؟ فنعتدي بحجج واهية، أليس الواحد منا إذا صار في مكان أو وظيفة مهمة، ربما استكبر ومدح فاسقاً، وتعالى على الخلق وظلم، وربما هو يظهر شيئاً من علامات الدين؟ أليس يوجد فينا إسراف، وتبذير وبذخ في تصميم بيوتنا وتزويقها وجمع التحف فيها، ثم نحن نظهر التدين، والدين يقضي ألا إسراف وأن الله لا يحب المسرفين، وأن النبي ﷺ نهى عن تزويق البيوت؟ أليس أيها الأخوة ربما ظهر بذاءة في كلامنا؟ بل ربما ظهرت في كلامنا منكر كحلف بغير الله، مع أننا نقول: إننا من أهل التوحيد، وهذا مثال قد حدث على عهد الصحابة رضوان الله عليهم، فكيف كانوا يتتبعون هذا الأمر؟ عن سعد ﵁ قال: كنا نذكر بعض الأمر وأنا حديث عهد بجاهلية، فحلفت باللات والعزى، فقال لي أصحاب رسول الله ﷺ : بئس ما قلت؛ كلهم قاموا عليَّ في المجلس -لأنه قال كلمة باطلة مع أنه ما قصد ذلك، ولكن مما كان تعود عليه في السابق سنين طويلة يتلفظ بها في الجاهلية، فخرجت الآن- وقالوا: ائت رسول الله ﷺ فأخبره، فأتيته فأخبرته، فقال لي: (قل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له ثلاث مرات، وتعوذ بالله من الشيطان ثلاث مرات، واتفل عن يسارك ثلاث مرات، ولا تعد له) رواه النسائي ﵀، فهكذا إذاً على أخيهم يعاونون وينبهون، وهكذا يجب أن يكون حالنا أيها الإخوة. أليس فينا أحياناً خصال من عدم التنازل، وعدم العفو، وعدم المسامحة مع أن الدين يقتضي المسامحة؟ ونصرُّ ونركب في رءوسنا جاهلية جهلاء في ألا نكسر كلمتنا، ولا نتنازل لإخواننا المسلمين، ويظن الواحد بالجاهلية أنه إذا تنازل لن يعود رجلاً، وأن رجولته قد نقصت، أليس كذلك يحدث بيننا أيها الإخوة؟ وهكذا وهكذا من الأشياء الكثيرة مما نرثه أحياناً من عادات أهلينا السيئة، بل إن النساء أيضاً حتى لو احتجبت وسلكت سبيلاً كثيراً طيباً من الدين، فإنه يظهر عليها أحياناً من ذلك، فتقول: هذه لم تزرني فلا أزورها، وهذه دعوتها فلم تجبني والآن دعتني فلا أجيبها، هكذا نتعامل مع أننا ينبغي علينا أن نرجع إلى الدين الحنيف، وأن نتخلص من سائر هذه العصبيات، وهذه الترهات من أمور الجاهلية. فهذه تذكرة والذكرى تنفع المؤمنين، نسأل الله أن يعيدنا إلى صوابنا، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً يرزقنا اجتنابه، وأن يقيمنا على الملة السمحاء، وأن يرزقنا التمسك بالعروة الوثقى، وأن يخرج من أنفسنا أمور الجاهلية، إنه سميع مجيب قريب. اللهم انصر الإسلام والمسلمين، واعل كلمة الدين، وانصر أهل السنة يا رب العالمين.

стр. 3014

زواج المسيار [١] عاش الناس في الجاهلية حياة فوضى، وخاصة من حيث حفظ الأنساب، وعندما أتى الإسلام جاء معه بهذا المطلب العظيم، فحفظ الأنساب وصان الأعراض؛ بتحريمه لكل نكاح من شأنه إفساد الأسرة التي هي منشأ المجتمع ونواته، وهذا أمر عظيم يحمل في طياته الحفاظ على الرجل والمرأة وبناء الأسرة.

стр. 3015

أنواع من النكاح الجاهلي إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. فالحمد لله الذي جعل لنا من أنفسنا أزواجاً لنسكن إليها، وجعل بيننا مودة ورحمة. والحمد لله الذي لما أغلق سبيل الحرام إلى الزنا، فتح سبيل النكاح بهذا المباح فأحله ، تطهيراً للنفوس وتصريفاً لهذه الشهوة في طريقها الشرعي. والحمد لله الذي أبدلنا بنكاح أهل الجاهلية نكاح أهل الإسلام، ويعرف المسلم حقيقة هذه الشريعة وعظمتها إذا ما قارن نكاح أهل الجاهلية بنكاح أهل الإسلام: روى البخاري ﵀ في صحيحه عن عائشة زوج النبي ﷺ : [أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء، فنكاح منها نكاح الناس اليوم، يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته، فيصدقها ثم ينكحها. ونكاح آخر: كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها: أرسلي إلى فلان، فاستبضعي منه -تطلب المباضعة وهو: الجماع من رجل شريف عندهم، أو شجاع أو كريم أو فيه خصال حميدة- ويعتزلها زوجها، ولا يمسها أبداً حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبين حملها، أصابها زوجها إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد، فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع. ونكاح آخر: يجتمع الرهط ما دون العشرة، فيدخلون على المرأة، كلهم يصيبها، فإذا حملت ووضعت، ومر عليها ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع، حتى يجتمعوا عندها، تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت، فهو ابنك يا فلان، وتسمي من أحبت باسمه، فيلحق به ولا يستطيع أن يمتنع به الرجل. ونكاح رابع: يجتمع الناس الكثير، فيدخلون على المرأة، لا تمتنع ممن جاءها، وهن البغايا كن ينصبن على أبوابهن رايات، تكون علماً فمن أرادهن، دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن، ووضعت حملها، جُمعوا لها ودعوا لهم القافة -أي: الذي يعرفون من الأرجل والخطوط والعلامات والقسمات، يعرفون هذا ولد من، وهذا أثر من ونحو ذلك، وهذه خبرة وإلهام- ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون، فالتاط به، أي: التحق به، وانتسب، ودعي ابنه لا يمتنع من ذلك، فلما بعث محمد ﷺ بالحق، هدم نكاح الجاهلية كله إلا نكاح الناس اليوم] رواه البخاري رحمه الله تعالى في كتاب النكاح من صحيحه. وبهذا يتبين أنه كان يوجد عدة أنواع من الأنكحة، فمنها: النكاح الذي أقره الإسلام، ومنها: نكاح الاستبضاع المخزي؛ الذي يرضى به شخص أن تذهب امرأته إلى رجل شريف عندهم تجتمع معه ليولد ولد نجيب بزعمهم فيه صفات من ذلك الرجل، ويطؤها زوجها إذا تبين حملها، ويختلط الماء بالماء، ونكاح المشاركة المقرف الآخر الذي يجتمع الرهط ما دون العشرة، يدخلون على المرأة، فتختلط المياه والأنساب، ثم هي التي تعين الأب، ولا يمكن له أن ينتفي منه، ونكاح البغاء الذي يجتمع الناس الكثير على صاحبات الرايات، يدخلون عليهن بالزنا، ثم بعد ذلك يأتي القافة يلزمون من يرون بأن المولود له، فيلتزم به، وكانت العرب في الجملة تكره هذا النوع، وتسميهن المظلمات، والمهينات، وكان لا يليق بالحرائر عندهم، وإنما يمتهن هذا النوع الإماء والرقيق. وكان هناك نكاح الخدم، وهو ما يتخذ سراً، وكان العرب يقولون بزعمهم: ما استتر فلا بأس، وما ظهر فهو لوم، وهو الذي قال الله فيه: ﴿وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ [النساء:٢٥] فاتخاذ الخدن حرام كما أن اتخاذ العشيقة حرام. ونكاح البدل كان في أهل الجاهلية أيضاً: يقول الرجل للرجل: اترك لي -أي: تنازل لي عن امرأتك- وأنزل لك عن امرأتي وأزيدك، ونحو ذلك مما يتفقان عليه. ونكاح المتعة من نكاح أهل الجاهلية: أن ينكح الرجل المرأة بشيء من المال مدة معينة، ينتهي النكاح بانتهاء المدة، وكان الزواج بالأسر يطلق على السبية اسم النزيعة، وعلى ولدها النزيع، ويتزوج الآسر من سبيته، كان ذلك في الجاهلية، والزواج بالشراء أن يشتري الفتاة من أبيها كالسلعة تماماً، والنكاح بالوراثة. كان الرجل في الجاهلية إذا مات وتحته امرأة، استبق إليها ورثته، فأيهم وضع عليها ثوبه قبل صاحبه كان الحق له فيها، يتصرف فيها كيف يشاء، وهذا الذي قال الله فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً﴾ [النساء:١٩] لأن إكراه المرأة حرام لا يجوز، وقال: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:٢٢] فإن الولد كان في الجاهلية يرث امرأة أبيه كبقية المتاع.
следующие страницы →