Полный текст (7 040 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.
стр. 3011
حث الإسلام على التخلص من آثار الجاهلية
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فيا عباد الله! يكون المرء مسلماً، ويولد في الإسلام، ويعيش بين المسلمين، وربما يكون ضالاً فيهديه الله ، فيغشى دور العبادة، ويصحب الأخيار، ويأتي الطاعات، وينتهي عن كثير من المحرمات، وربما شرع في طلب العلم، ولكن يبقى في نفسه من آثار الجاهلية ما يبقى، يدخل في الإسلام لكن دخولاً ليس بالكلي، فتبقى معه آثار من آثار الجاهلية، وبعضهم تظهر في نفسه بعد حين من الزمن من تلك المورثات الأولى التي كان عليها أيام ضلاله، ويدخل بعضهم في الهداية، ولكن يبقى فيه من لوثات المجتمع الفاسد الذي كان فيه، أو مما ورثه عن بعض أهله وعادات آبائه وأجداده مما يخالف شريعة الإسلام، وهذا عيب كبير أن نكون مسلمين ولكن فينا من لوثات الجاهلية، وأن تظهر علينا علامات الهداية وسمت الإسلام والتمسك بالسنة، ولكن فيها رذاذ يصيبنا من الجاهلية.
لقد جاء الله بالإسلام، فمحا الجاهلية، وتتبعت الشريعة كل أمر من أمور الجاهلية القبيحة لتنسفه وتحرمه، وتعظ الناس به، قال الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣] يذكّر النساء المسلمات بالبقاء في البيوت فلا يخرجن لغير حاجة شرعية، كالصلاة في المسجد بشرطها، أو حاجة دنيوية لا أن يخرجن من غير حاجة.
وقال تعالى: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣] قال مجاهد: كانت المرأة تخرج تمشي بين يدي الرجال، فذلك تبرج الجاهلية، وقال قتادة: إذا خرجن من بيوتهن كانت لهن مشية وتكسر وتغنج، فنهى الله تعالى عن ذلك، وقال مقاتل في تبرج الجاهلية: أن تلقي الخمار على رأسها، ولا تشده فيواري قلائدها وقرطها وعنقها ويبدو ذلك كله، وربما كشف النحر وما على النحر من الحلي نتيجة عدم شد الخمار، هذا من تبرج الجاهلية، فذكر الله النساء المسلمات بترك ذلك فقال: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣] لا يريد الشارع أن تبقى عند المرأة المسلمة خصلة من تلك الخصال الذميمة من العهد السابق، وعن البراء قال: كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتوا البيت من ظهره، فأنزل الله: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة:١٨٩].
لقد كانوا -أيها الإخوة- يدعون الإنسان لمن تبناه، فيأتي إنسان يتبنى شخصاً له أب معروف، فيلغي اسم أبيه، وينسبه إلى نفسه، أو له أب غير معروف فيعطيه اسماً يضيفه إليه، وينسبه إلى نفسه؛ عن عائشة ﵂ أن أبا حذيفة، وكان ممن شهد بدراً مع النبي ﷺ تبنى سالماً، وأنكحه بنت أخيه هند بنت الوليد، وهو مولى لامرأة من الأنصار، كما تبنى رسول الله ﷺ زيداً، وكان من تبنى رجلاً في الجاهلية دعاه الناس إليه، وورث من ميراثه، حتى أنزل الله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب:٥].
لكن لا تجوز النسبة لغير أبيه الحقيقي، وإن لم يعرف فلا ينسب إلى شخص ليس بولده فيرث ظلماً مع أولاده من تركته، وربما كشف كذلك على بنات هذا الرجل، بحجة أنه ولد من أولاده وليس كذلك، فجاءت الشريعة بتحطيم هذه العادة الجاهلية، وأنزل الله في كتابه آية يبين فيها تحريم ذلك، وتغير اسم زيد بن محمد إلى زيد بن حارثة، ورجع إلى اسمه الأصلي، وتزوج النبي ﷺ زينب زوجة زيد، وكان من أكبر العيوب في الجاهلية، أن يتزوج الإنسان زوجة ابنه بالتبني، فكان تحطيمها بتزويج زينب للنبي ﵊، لإزالة تلك العادة الجاهلية، ونسخ ذلك، وعندما كان يدخل الشخص في الإسلام كان يمحو من نفسه عادات الجاهلية، ويقاوم نفسه التي تريد العودة إلى الطبع الأول، وربما غلب شيء أو جهل الإنسان شيئاً -والجاهلية من الجهل- فخرج منه أمر يكرهه الشارع، فيعاتب عليه وينبه إليه، كما حصل لـ أبي ذر ﵁، فروى المعرور بن سويد، عن أبي ذر قال: رأيت عليه برداً وعلى غلامه برداً، فقلت -أي: لـ أبي ذر:- لو أخذت هذا فلبسته كانت حلة، وأعطيته ثوباً آخر، فيوافق ما عليك ويكتمل الطقم، فقال: كان بيني وبين رجل كلام، وكانت أمه أعجمية، فنلت منها، فذكرني إلى النبي ﷺ ، فقال لي: (أساببت فلاناً؟ قلت: نعم، قال: أفنلت من أمه؟ قلت: نعم، قال: إنك امرؤٌ فيك جاهلية، قلت: على حين ساعتي هذه من كبر السن، قال: نعم) رواه البخاري وفي رواية مسلم: (نعم على حال ساعتك من الكبر).
فـ أبو ذر ﵁ لعله كان يجهل ذلك، واستغرب كيف فاتت عليه مع كبر سنه، فأكد له ﵊ أنها من الجاهلية وإن غفل عنها، ثم أوصاه فقال: (هم إخوانكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن جعل الله أخاه تحت يده، فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولايكلفه من العمل ما يغلبه، فإن كلفه ما يغلبه، فليعنه عليه) رواه البخاري، وفي رواية: (إنه كان بيني وبين رجل من إخواني كلام، وكانت أمه أعجمية، فعيرته بأمه، فشكاني إلى النبي ﷺ ، فلقيت النبي صلى الله وعليه وسلم، فقال: يا أبا ذر! إنك امرؤٌ فيك جاهلية، قلت: يا رسول الله! من سب الرجال سبوا أباه وأمه، قال: يا أبا ذر! إنك امرؤٌ فيك جاهلية، هم إخوانكم) الحديث رواه مسلم.
حصل بينه وبين إنسان سوء تفاهم، فعيره بأمه، وفي رواية أنه قال له: يا بن السوداء، وقوله ﵊: (إنك امرؤٌ فيك جاهلي) أي: خصلة من خصال الجاهلية، وهكذا قالها ﵊ صريحة، وأبو ذر من هو؟ من أصدق الناس لهجة، وأتقاهم لله تعالى، لكن ظهر منه في لحظة من ضعف مكنونٌ من مكنونات الجاهلية، التي كانت قد ترسبت في الباطن عبر السنوات الطويلة التي عاشها في الجاهلية، ظهرت على حين غفلة وغضب، فعاتبه ﵊، وبيَّن له ذلك، لأن الإسلام لا يريد أن ترجع أمور الجاهلية، ولا أن تبرز أمور الجاهلية، بل يريدها نقية، يريد شخصية إسلامية سوية طاهرة ليس فيها من الأمر الأول شيء.
وقال ﵊ ذلك في القصة المشهورة التي رواها جابر ﵁ قال: (غزونا من النبي ﷺ ، وقد ساب معه ناس من المهاجرين حتى كثروا، وكان من المهاجرين لعاب فكسع أنصارياً، أي: ضربه على القفا يمزح، وكان ذلك عيب عند أولئك، فغضب الأنصاري غضباً شديداً حتى تداعوا، وقال الأنصاري: يا للأنصار! وقال المهاجري: يا للمهاجرين! فخرج النبي ﷺ ، فقال: ما بال دعوى الجاهلية؟ ثم قال: ما شأنهم؟ فأخبر بكسعة المهاجري الأنصاري، فقال النبي ﷺ : دعوها فإنها خبيثة) رواه البخاري.
(ما بال دعوى الجاهلية) أي: كيف ظهرت بينكم؟ كيف رجعتم إلى الاستنصار بالقبيلة والجماعة، وتتعادون، ويتحزب لكل إنسان جماعته وفرقته، ويتفرقون ويقتتلون؟ هذه دعوى الجاهلية، كيف ظهرت بينكم؟ ما بال دعوى الجاهلية، ترجعون إليها بعد أن هداكم الله؟! مع أنهم رفعوا شعارات إسلامية، فقال هذا: يا للمهاجرين! وقال هذا: يا للأنصار! والمهاجرون والأنصار اسمان إسلاميان، هؤلاء هاجروا إلى الله ورسوله، وهؤلاء نصروا الله ورسوله، ولكن مع ذلك لم يرض بها ﵊، لأنها على طريقة الجاهلية في التحزب والتعصب والتقاتل، وقال ﵊: (ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية) وقال: (أربع من الجاهلية لا يترك) وستبقى الأمة مبتلاة بهن، ستبقى هذه الأربع موجودة وحية في هذه الأمة مع أن هذه الأربع من أمور الجاهلية (الفخر بالأحساب) يفتخرون تعالياً وتكبراً كل إنسان بأصله وقبيلته (والطعن في الأنساب) فيذم ويطعن ويشتم في نسب الشخص الآخر (والاستقاء بالنجوم، والنياحة) قال (والنائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران أو درع من جرب).
فهذه أمور الجاهلية، حذرنا منها النبي ﷺ ، وأخبر أنها لا تزال تسري في الأمة، لكي ننتبه لها، ولا نقع فيها، بالرغم من أننا مسلمون، ولكن قد يرجع شخص إلى الطبع الأول، وإلى هذه السيئة التي تسري في الأمة.
стр. 3012
الصحابة يسألون عن أمور جاهلية تحرياً لدينهم
لقد كان الصحابة رضوان الله عليهم، يسألون النبي ﷺ عن أمور الجاهلية التي بقيت، كما قال معاوية بن الحكم السلمي ((أرأيت أشياء كنا نفعلها في الجاهلية، كنا نتطير، قال: ذلك شيء تجده في نفسك، فلا يصدنك، قال: كنا نأتي الكهان، قال: فلا تأت الكهان) هكذا قال له: إنني حديث عهد بجاهلية، كنا نفعل كذا وكذا فبيِّن لي، فبيَّن له ﷺ أن التشاؤم من الشيطان، ولا يردنك عن قصدك ولا يصدنك عن حاجتك، امض لمصلحتك، ولا تتشاءم، ولا تأت الكهان.
وقال ﵊ في قوم من العرب، والعرب كانوا مشهورين بالفخر بالآباء، وكانوا يتطاولون على بعضهم في ذلك، وينشدون الأشعار في الفخر، ويؤدي ما يؤدي إليه من احتقار الخلق والبغي والحرب بينهم، قال ﵊: (إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية، وفخرها بالآباء، مؤمن تقي، وفاجر شقي، الناس قسمان؛ أنتم بنو آدم وآدم من تراب، ليدعن رجال فخرهم بأقوام إنما هم فحم من جنهم، أو ليكونُنَّ أهون على الله من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن).
عُبِّية الجاهلية: فخرها، ونخوتها، وتكبرها، أذهبه الله محاه الله حرمه الله، ولم يبق الناس يتفاضلون إلا بالإيمان والتقوى، ليدعن هذا الفخر بالآباء مع أن الآباء جاهليون كفرة؛ من فحم جهنم، لكن كان لا يزال هناك من يفتخر بآبائه وأجداده، وإذا لم يترك هذا سيكون عند الله أهون من الجعلان، وهي تلك الدويبة السوداء التي تدير الخراءة بأنفها، صوَّر ﵊ هذا الفخر بأقبح صورة لحشرة تدفع بأنفها العذرة، هكذا قال ﵊ محارباً هذه الرذيلة التي ربما تظهر في الأمة.
ولما جاءه رجل ممثلاً عن امرأة ضربت بطن الأخرى فأسقطت جنينها، فالنبي ﵊ قضى بالدية على عصبة القاتلة، فقال الرجل: تغرمني من لا نطق وأكل، ولا شرب واستهل، فمثل ذلك يطل، أي: يبطل دمه وليس له حق، فقال ﷺ (سجع كسجع الأعراب؟!) أي: رجعتم إلى الكهان، وإلى منطقهم، وشابهتموهم في السجع، وكان الكهان يسجعون، وقضى بالغرة عبد أو أمة مقابل الجنين الذي سقط، وهي عشر الدية، ورفض منطق الجاهلية، بل إنه ﵊، كان يغير الأسماء الجاهلية، ليمحو آثار الجاهلية، وقال أحد أولاد الصحابة: كان اسم أبي في الجاهلية عزيزٌ، فسماه رسول الله ﷺ عبد الرحمن، العزيز الصلب، ولعله كره له هذه الصفة لأن المؤمن هين لين، فسماه عبد الرحمن، وكذلك قال بشير ابن الخصاصية ﵁: أنه كان يماشي النبي ﷺ ، ثم ذكر قصته وفيها تغير اسمه إلى بشير، وكان الصحابة يقاومون الأسماء الجاهلية، فهذا ابن عباس رضي عنه، قال: (من طاف بالبيت فليطف من وراء الحجر، ولا تقولوا الحطيم، فإن الرجل في الجاهلية كان يحلف، فيلقي سوطه أو نعله أو قوسه) رواه البخاري.
هذا الحجر: المنطقة غير المبنية من الكعبة، كان أهل الجاهلية يسمونه الحطيم، وكانت أصنامهم فيه، وكان الشخص إذا أراد أن يحلف مد عصاً إلى هذه الأصنام الموجودة في الحطيم ليحلف ويسمونه ب الحطيم، فنهى ابن عباس عن تسميته ب الحطيم وسماه الحجر، وهو الاسم الإسلامي المتعارف عليه هكذا، بل إن الصحابة رضوان الله عليهم تحرجوا من أشياء كانت في الجاهلية، فتحرجوا من الطواف بين الصفا والمروة؛ لأن أصنام الجاهلية كانت عليها، وأهل الجاهلية كانوا يطوفون بها، حتى أنزل الله تعالى قوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة:١٥٨] وأزيلت الأصنام، ورجعنا إلى طريقة أمنا هاجر، وتلك الذكرى العطرة.
وكان الصحابة قد تحرجوا أيضاً من التجارة في الحج، لأنها كانت من عادات الجاهلية، فكيف يخلطون الدنيا بالآخرة، وقال ابن عباس ﵁: [كان ذو المجاز وعكاظ متجر الناس في الجاهلية، فلما جاء الإسلام كأنهم كرهوا ذلك، حتى نزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة:١٩٨] في مواسم الحج] رواه البخاري.
هكذا إذاً أيها الأخوة، هكذا كانت تسير الأمور، وهكذا المحو لعادات الجاهلية، والإنكار والإباء أن تبرز صفة جاهلية بين المسلمين، فكانوا يريدونها نقية، نسأل الله أن يحيينا على الإسلام، ويميتنا على الإيمان، ويجنبنا الجاهلية أقوالاً وأفعالاً، إنه سميع مجيب قريب.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 3013
ظهور الجاهلية بين أهل الدين بالتعصب
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، أشهد ألا إله إلا هو وحده لا شريك له رب الأولين والآخرين، وأشهد أن محمداً رسول الله الصادق الوعد الأمين، ﷺ وعلى آله وصبحه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
عباد الله! كيف يكون ظهور الجاهلية بين أقوام من أهل الدين؟ يكون ذلك بمثل هذه العصبيات التي حذر منها النبي صلى الله وعليه وسلم، فيتعصب الناس لأقوال ولمذاهب مثلاً كما كان أهل الجاهلية يتعصبون لقبائلهم ويتعصبون لأنسابهم، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في أمور من السنة المتنوعة، قال: ومنها أنواع تكبيرات العيدين، يجوز وكلٌ مأثور، ومنها التكبير على الجنائز يجوز على المشهور التربيع والتخميس والتسبيع، وإن اختار، أي: من اختار التكبير أربعاً، ثم تكلم عن التعصب للمذاهب، والأخذ بقول ومحاربة الأقوال الأخرى وبعضها صحيح، قال: حتى صار الأمر بأتباعهم، أي: أتباع المذاهب، إلى نوع جاهلية، فصاروا يقتتلون في بعض بلاد المشرق على ذلك حمية جاهلية، مع أن الجميع حسن، قد أمر به رسول الله ﷺ ، وأمر بلالاً بإفراد الإقامة، وأمر أبا محذورة بشفعها، فلو أذن مؤذن على أذان أبي محذورة، فلا ينكر عليه لثبوت ذلك، ومن تعصب لقول واحد مع أن القول الآخر صحيح، وعادى ووالى من أجل ذلك؛ فهو من أهل الجاهلية.
وكذلك لما تلكم ﵀ في مسألة البسملة في الصلاة، وذكر عن أقوال أهل العلم في إثبات كونها آية من القرآن، وفي قراءتها أقوال ذكرها، ثم ذكر أن بعض الناس من هذه الأمة، قد تفرقوا في ذلك، ورفعوا الألوية إظهاراً لشعار الفرقة، مع أن المسألة سهلة وواسعة، ولا تحتاج إلى هذه العصبية مطلقاً.
إذاً فيمكن أن يحصل تعصب لأقوال من أناس يزعمون التدين، مع أن الكل صحيح مادام أنه قد ثبت بالأدلة.
إننا أيها الإخوة! قد تظهر فيها أشياء من هذه الجاهلية، فنتعصب للقريب على البعيد، ويرجع الواحد إلى شعار الجاهلية فمثل: (أنا وأخي على ابن عمي وأنا وابن عمي على البعيد) أليس شعاراً جاهلياً؟ ومع هذا فإنهم يفعلونه، ألسنا نحتقر أحياناً أشخاصاً من جنسيات أو بلدان مع أنهم من المسلمين، فنستهزئ بهم، ونذكر ما يسمى بالنكات أو الطرائف عنهم، احتقاراً لهم؟ أو نقول لشخص فيه شيء من السذاجة: (عقليته عقلية كذا) ونحو ذلك؟ أليس فينا مفاخرة؟ أليس فينا مباهاة؟ ألسنا قد ندخل في الدين ونظهر سمات الاهتداء، ثم ننكشف في معاملة من المعاملات المالية، مع أن الشريعة حرمتها فنفعلها؟ وقد نشهد لشخص زوراً في محكمة؟ ألسنا قد نعتدي على المال العام، فنأخذ منه، بحجج مزيفة؟ ونعتدي على حقوق النشر والطبع المحفوظة للآخرين، وربما قال بعضنا: هذا للكفار، وهل كل أموال الكفار مباحة، أم أموال الكفار الحربيين هي المستباحة؟ فنعتدي بحجج واهية، أليس الواحد منا إذا صار في مكان أو وظيفة مهمة، ربما استكبر ومدح فاسقاً، وتعالى على الخلق وظلم، وربما هو يظهر شيئاً من علامات الدين؟ أليس يوجد فينا إسراف، وتبذير وبذخ في تصميم بيوتنا وتزويقها وجمع التحف فيها، ثم نحن نظهر التدين، والدين يقضي ألا إسراف وأن الله لا يحب المسرفين، وأن النبي ﷺ نهى عن تزويق البيوت؟ أليس أيها الأخوة ربما ظهر بذاءة في كلامنا؟ بل ربما ظهرت في كلامنا منكر كحلف بغير الله، مع أننا نقول: إننا من أهل التوحيد، وهذا مثال قد حدث على عهد الصحابة رضوان الله عليهم، فكيف كانوا يتتبعون هذا الأمر؟ عن سعد ﵁ قال: كنا نذكر بعض الأمر وأنا حديث عهد بجاهلية، فحلفت باللات والعزى، فقال لي أصحاب رسول الله ﷺ : بئس ما قلت؛ كلهم قاموا عليَّ في المجلس -لأنه قال كلمة باطلة مع أنه ما قصد ذلك، ولكن مما كان تعود عليه في السابق سنين طويلة يتلفظ بها في الجاهلية، فخرجت الآن- وقالوا: ائت رسول الله ﷺ فأخبره، فأتيته فأخبرته، فقال لي: (قل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له ثلاث مرات، وتعوذ بالله من الشيطان ثلاث مرات، واتفل عن يسارك ثلاث مرات، ولا تعد له) رواه النسائي ﵀، فهكذا إذاً على أخيهم يعاونون وينبهون، وهكذا يجب أن يكون حالنا أيها الإخوة.
أليس فينا أحياناً خصال من عدم التنازل، وعدم العفو، وعدم المسامحة مع أن الدين يقتضي المسامحة؟ ونصرُّ ونركب في رءوسنا جاهلية جهلاء في ألا نكسر كلمتنا، ولا نتنازل لإخواننا المسلمين، ويظن الواحد بالجاهلية أنه إذا تنازل لن يعود رجلاً، وأن رجولته قد نقصت، أليس كذلك يحدث بيننا أيها الإخوة؟ وهكذا وهكذا من الأشياء الكثيرة مما نرثه أحياناً من عادات أهلينا السيئة، بل إن النساء أيضاً حتى لو احتجبت وسلكت سبيلاً كثيراً طيباً من الدين، فإنه يظهر عليها أحياناً من ذلك، فتقول: هذه لم تزرني فلا أزورها، وهذه دعوتها فلم تجبني والآن دعتني فلا أجيبها، هكذا نتعامل مع أننا ينبغي علينا أن نرجع إلى الدين الحنيف، وأن نتخلص من سائر هذه العصبيات، وهذه الترهات من أمور الجاهلية.
فهذه تذكرة والذكرى تنفع المؤمنين، نسأل الله أن يعيدنا إلى صوابنا، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً يرزقنا اجتنابه، وأن يقيمنا على الملة السمحاء، وأن يرزقنا التمسك بالعروة الوثقى، وأن يخرج من أنفسنا أمور الجاهلية، إنه سميع مجيب قريب.
اللهم انصر الإسلام والمسلمين، واعل كلمة الدين، وانصر أهل السنة يا رب العالمين.
стр. 3014
زواج المسيار [١]
عاش الناس في الجاهلية حياة فوضى، وخاصة من حيث حفظ الأنساب، وعندما أتى الإسلام جاء معه بهذا المطلب العظيم، فحفظ الأنساب وصان الأعراض؛ بتحريمه لكل نكاح من شأنه إفساد الأسرة التي هي منشأ المجتمع ونواته، وهذا أمر عظيم يحمل في طياته الحفاظ على الرجل والمرأة وبناء الأسرة.
стр. 3015
أنواع من النكاح الجاهلي
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
فالحمد لله الذي جعل لنا من أنفسنا أزواجاً لنسكن إليها، وجعل بيننا مودة ورحمة.
والحمد لله الذي لما أغلق سبيل الحرام إلى الزنا، فتح سبيل النكاح بهذا المباح فأحله ، تطهيراً للنفوس وتصريفاً لهذه الشهوة في طريقها الشرعي.
والحمد لله الذي أبدلنا بنكاح أهل الجاهلية نكاح أهل الإسلام، ويعرف المسلم حقيقة هذه الشريعة وعظمتها إذا ما قارن نكاح أهل الجاهلية بنكاح أهل الإسلام: روى البخاري ﵀ في صحيحه عن عائشة زوج النبي ﷺ : [أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء، فنكاح منها نكاح الناس اليوم، يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته، فيصدقها ثم ينكحها.
ونكاح آخر: كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها: أرسلي إلى فلان، فاستبضعي منه -تطلب المباضعة وهو: الجماع من رجل شريف عندهم، أو شجاع أو كريم أو فيه خصال حميدة- ويعتزلها زوجها، ولا يمسها أبداً حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبين حملها، أصابها زوجها إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد، فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع.
ونكاح آخر: يجتمع الرهط ما دون العشرة، فيدخلون على المرأة، كلهم يصيبها، فإذا حملت ووضعت، ومر عليها ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع، حتى يجتمعوا عندها، تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت، فهو ابنك يا فلان، وتسمي من أحبت باسمه، فيلحق به ولا يستطيع أن يمتنع به الرجل.
ونكاح رابع: يجتمع الناس الكثير، فيدخلون على المرأة، لا تمتنع ممن جاءها، وهن البغايا كن ينصبن على أبوابهن رايات، تكون علماً فمن أرادهن، دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن، ووضعت حملها، جُمعوا لها ودعوا لهم القافة -أي: الذي يعرفون من الأرجل والخطوط والعلامات والقسمات، يعرفون هذا ولد من، وهذا أثر من ونحو ذلك، وهذه خبرة وإلهام- ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون، فالتاط به، أي: التحق به، وانتسب، ودعي ابنه لا يمتنع من ذلك، فلما بعث محمد ﷺ بالحق، هدم نكاح الجاهلية كله إلا نكاح الناس اليوم] رواه البخاري رحمه الله تعالى في كتاب النكاح من صحيحه.
وبهذا يتبين أنه كان يوجد عدة أنواع من الأنكحة، فمنها: النكاح الذي أقره الإسلام، ومنها: نكاح الاستبضاع المخزي؛ الذي يرضى به شخص أن تذهب امرأته إلى رجل شريف عندهم تجتمع معه ليولد ولد نجيب بزعمهم فيه صفات من ذلك الرجل، ويطؤها زوجها إذا تبين حملها، ويختلط الماء بالماء، ونكاح المشاركة المقرف الآخر الذي يجتمع الرهط ما دون العشرة، يدخلون على المرأة، فتختلط المياه والأنساب، ثم هي التي تعين الأب، ولا يمكن له أن ينتفي منه، ونكاح البغاء الذي يجتمع الناس الكثير على صاحبات الرايات، يدخلون عليهن بالزنا، ثم بعد ذلك يأتي القافة يلزمون من يرون بأن المولود له، فيلتزم به، وكانت العرب في الجملة تكره هذا النوع، وتسميهن المظلمات، والمهينات، وكان لا يليق بالحرائر عندهم، وإنما يمتهن هذا النوع الإماء والرقيق.
وكان هناك نكاح الخدم، وهو ما يتخذ سراً، وكان العرب يقولون بزعمهم: ما استتر فلا بأس، وما ظهر فهو لوم، وهو الذي قال الله فيه: ﴿وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ [النساء:٢٥] فاتخاذ الخدن حرام كما أن اتخاذ العشيقة حرام.
ونكاح البدل كان في أهل الجاهلية أيضاً: يقول الرجل للرجل: اترك لي -أي: تنازل لي عن امرأتك- وأنزل لك عن امرأتي وأزيدك، ونحو ذلك مما يتفقان عليه.
ونكاح المتعة من نكاح أهل الجاهلية: أن ينكح الرجل المرأة بشيء من المال مدة معينة، ينتهي النكاح بانتهاء المدة، وكان الزواج بالأسر يطلق على السبية اسم النزيعة، وعلى ولدها النزيع، ويتزوج الآسر من سبيته، كان ذلك في الجاهلية، والزواج بالشراء أن يشتري الفتاة من أبيها كالسلعة تماماً، والنكاح بالوراثة.
كان الرجل في الجاهلية إذا مات وتحته امرأة، استبق إليها ورثته، فأيهم وضع عليها ثوبه قبل صاحبه كان الحق له فيها، يتصرف فيها كيف يشاء، وهذا الذي قال الله فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً﴾ [النساء:١٩] لأن إكراه المرأة حرام لا يجوز، وقال: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:٢٢] فإن الولد كان في الجاهلية يرث امرأة أبيه كبقية المتاع.
стр. 3016
النكاح في الإسلام
هذه الصور المحرمة التي كانت شائعة في الجاهلية، جاءت هذه الشريعة المباركة، الشريعة الحنيفية، الشريعة السمحة، شريعة الفطرة، الشريعة المطهرة من عند رب العالمين، فنسخت ذلك الحرام كله، وأباحت الزواج الحلال، ووضعت له شروطاً، ولذلك فإن النكاح في الإسلام شيء مقدس، وهذه الرابطة بين الزوجين رابطة مطهرة، لسيت برابطة بغاء ولا نجس، ليست برابطة قضاء وطر فقط، ولذلك جُعِلَ للنكاح في الشريعة أحكام تدل على أهميته، وسعت الشريعة لحماية جوانبه، وعدم الاعتداء عليها.
стр. 3017
أركان النكاح في الإسلام
أركان النكاح في الشريعة ثلاثة: أولها: وجود الزوجين الخاليين من الموانع التي تمنع صحة النكاح: بألا تكون المرأة مثلاً من اللواتي يحرم على الرجل أن يتزوج بهن لنسب أو رضاع أو عدة أو غير ذلك، وألا يكون الرجل كافراً فتتزوجه امرأة مسلمة، أو المرأة كافرة يتزوجها رجل مسلم إلا المحصنة من أهل الكتاب، إلى غير ذلك من الموانع، فإذا خلا الزوجان من هذه الموانع، فإنه يجوز عند ذلك النكاح.
الركن الثاني للزواج في الشريعة: حصول الإيجاب: وهو اللفظ الصادر من الولي، أو من يقوم مقامه، بأن يقول للزوج زوجتك فلانة، أو أنكحتك فلانة.
الركن الثالث: حصول القبول: وهو اللفظ الصادر من الزوج، بأن يقول: قبلت هذا النكاح، أو هذا التزويج.
واختار شيخ الإسلام ﵀ وتلميذه: أن النكاح ينعقد بكل لفظ يدل عليه، ولا يقتصر على لفظ الإنكاح والتزويج، فإذا قال الرجل أبو البنت: زوجتك ابنتي فلانة، فقال الرجل الآخر: قبلت، فإنه حينئذٍ تنعقد عقدة النكاح، فإذا حصل الإيجاب والقبول انعقد النكاح، ولو كان المتلفظ به هازلاً لم يقصد معناه، وهذا من احترام الشريعة لهذا العقد أن جعلت الهازل ملزماً به، لأن النبي ﷺ قال: (ثلاث هزلهن جد وجدهن جد: الطلاق والنكاح والرجعة) رواه الترمذي وهو حديث صحيح.
فمنعاً للتلاعب، وبياناً لمكانة النكاح، وهذا العقد الخطير في الشريعة جعلت الشريعة الهزل في النكاح جداً، فإذا هزل معه، ومزح معه، وقال: زوجتك ابنتي، فقال: قبلت أيضاً هازلاً، ينعقد النكاح رغماً عنهما.
هذه أركان النكاح، فما هي شروطه؟
стр. 3018
شروط صحة النكاح في الإسلام
شروط صحته أربعة: الشرط الأول: تعيين كل من الزوجين، فلا يكفي أن يقول زوجتك بنتي، وعنده عدة بنات دون أن يسمي من هي التي زوجه إياها.
الشرط الثاني: رضا كل من الزوجين بالآخر، فلا يصح النكاح إذا أكره أحدهما عليه، لحديث أبي هريرة عن النبي ﷺ ، قال: (لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا البكر حتى تستأذن) متفق عليه، إلا ما كان من نكاح الصغيرة والمعتوه على الشروط التي بينها الفقهاء.
الشرط الثالث: أن يعقد على المرأة وليها، لقوله ﷺ : (لا نكاح إلا بولي) رواه الأئمة الخمسة إلا النسائي، فلو زوجت المرأة نفسها بدون وليها، فنكاحها باطل باطل باطل، لأن ذلك ذريعة إلى الزنا، ولأن المرأة في الغالب قاصرة النظر عن اختيار الأصلح لها، ولذلك خاطب الله الأولياء بالنكاح، فقال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور:٣٢].
إذاً يزوج الولي بنته، أو موليته، أو أخته من الكفء، ويحرم عليه عضلها، وإذا عضلها -أي حبسها عن الزواج- كان للقاضي تصرف معه.
وللأولياء ترتيب جاءت به الشريعة: أبوها، ثم وكيله ووصيه، ثم جدها لأب وإن علا، ثم ابنها، ثم بنوه -أحفاد المرأة- ثم أخوها لأبوين، ثم أخوها لأب، ثم بنوهما، ثم عمها لأبوين، ثم عمها لأب، ثم بنوهما، ثم أقرب عصبتها نسباً، فإن لم يوجد للمرأة ولي، زوجها الحاكم أي: القاضي ومن يقوم مقامه من الكفء.
الشرط الرابع لصحة النكاح: الشهادة على عقد النكاح، لحديث جابر مرفوعاً: (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل) فلا يصح إلا بشاهدين عدلين، قال الترمذي ﵀: العمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم من التابعين وغيرهم، قالوا: لا نكاح إلا بشهود.
стр. 3019
ما يحرم من النكاح في الإسلام
فيحرم على الرجل أن يتزوج إحدى محارمه من النسب الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣].
ويحرم على الرجل من النساء ما يكون سببه الجمع، فيحرم الجمع بين الأختين، كما يحرم الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة خالتها، فقد راعت الشريعة قضية صلة الرحم، وأن اتخاذ الضرائر من الأخوات، والمرأة وعمتها، والمرأة خالتها يفضي إلى قطع الرحم والعداوة بين أقرب الناس إلى بعض، ولا يحوز أن يجمع عنده أكثر من أربع نسوة، والآية في ذلك معروفة.
ومن النكاح ما يحرم لعارض يزول، فإذا زال العارض جاز النكاح، فيحرم تزوج المعتدة من الغير، لأنه لا يؤمن أن تكون حاملاً، فيفضي النكاح الثاني إلى اختلاط المياه والأنساب، فإذا انقضت العدة جاز الزواج، وكذلك يحرم تزوج الزانية إذا علم زناها حتى تتوب، وتأتي الأخبار بأن سيرتها قد صارت سيرة حسنة، وأنها أقلعت عما كانت فيه، وأنها لم تر في موضع ريبة ولا شبهة، ولا خلوة، فإذا تابت جاز الزواج بها لقوله تعالى: ﴿وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٣].
كما لا يجوز تزويج الزاني أيضاً إلا بنفس الشروط السابقة.
ويحرم على الرجل أن يتزوج من طلقها ثلاثاً، إلا إذا تزوجها بعده رجل آخر مريد للنكاح، يحصل بنكاحه وطء حقيقي، ثم إذا طلقها بعد ذلك حلت للأول.
ويحرم تزوج المحرمة حتى تحل من إحرامها، ولا يحل أن يتزوج كافر امرأة مسلمة، ولا المسلمة أن تتزوج رجلاً كفاراً.
ويحرم على الحر أن يتزوج أمة مسلمة إلا إذا خاف على نفسه من الزنا، ولم يقدر على مهر الحرة، أو ثمن الأمة، ويحرم على العبد أن يتزوج سيدته بالإجماع، وكذلك يحرم على السيد أن يتزوج مملوكته؛ لأن عقد الملك أقوى من عقد النكاح، فإذا أعتقها جاز له أن يتزوجها، وإذا جعل عتقها هو مهرها جاز ذلك أيضاً.
стр. 3020
حكم نكاح الشغار في الإسلام
ومن الأنكحة التي حرمتها الشريعة: ما يكون لوجود شرط فاسد في النكاح، ومن ذلك نكاح الشغار، ونكاح الشغار سمي من الشغور وهو: الخلو من العوض، وقيل: إنما سمي نكاح الشغار شغاراً من شغر الكلب إذا رفع رجله ليبول، بهذه الهيئة القبيحة شبهه النبي ﷺ تنفيراً منه، وحتى يبتعد الناس عنه، لأنه تجعل فيه المرأة بدل المرأة، وقد أجمع العلماء على تحريمه، وأنه باطل، ويفرق بينهما إذا حصل هذا النكاح، سواء صرحوا بنفي المهر أو سكتوا عن ذلك، وقد نهى النبي ﷺ عن الشغار، وجاء في الحديث: (والشغار أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته، وليس بينهما صداق) متفق عليه.
قال شيخ الإسلام ﵀: "وفصل الخطاب أن الله حرم نكاح الشغار، لأن الولي يجب عليه أن يزوج موليته إذا خطبها كفء، ونظره لها نظر مصلحة لا نظر شهوة، والصداق حق لها لا له، وليس للولي ولا للأب أن يزوجها إلا لمصلحتها، فإذا زوجها لمصلحته غير مراعٍ مصلحتها فهو فاسق، خائن للأمانة ".
وبعض الناس يزوجون بناتهم لمصالحهم الشخصية، ولا يكون في النكاح مصلحة للبنت، وبعض الناس يحبسون بناتهم عن الزواج، لأنه يريد أن ينتفع بمرتبها، لأنها موظفة، وكلاهما من الظلمة الذين سيحاسبهم الله يوم القيامة، قال شيخ الإسلام: "وليس له أن يزوجها لغرضه لا مصلحتها، وبمثل هذا تسقط ولايته، ومتى كان غرضه أن يعاوض فرجها بفرج الأخرى فهو نكاح الشغار".
لم ينظر في مصلحتها، وصار كمن زوجها على مال له لا لها، وكلاهما لا يجوز، وعلى هذا لو سمى صداقاً حيلة -هو يريد بنت الرجل الآخر، أو أخت الرجل الآخر، فأعطاه ابنته أو أخته من أجل تلك المرأة، وسمى مهراً تغطية لنكاح الشغار- لم يجز ذلك كما نص عليه أحمد ﵀، لأن مقصوده أن يتزوج المرأة الأخرى ويزوج ابنته أو أخته لمصلحته هو، فهذا حرام لا يجوز.
ونكاح الشغار، عرفه بعض العلماء: أن يزوج الرجل وليته لرجل آخر على أن يزوجه الآخر موليته وليس بينهما صداقاً، فإن سميا صداق حيلة فهو شغار أيضاً، وبهذا قال أحمد والشافعي، فإذا سميا صداقاً ولم يكن حيلة، جاز عند أحمد والشافعي وغيرهما.
ورأى بعض أهل العلم أن حقيقة الشغار هي: أن يزوج رجل وليته لرجل آخر على أن يزوجه موليته؛ سميا مهراً أو لم يسميا مهراً، كل ذلك شغارٌ عندهم.
وذهب شيخ الإسلام ﵀ إلى أن حقيقة الشغار هي: أن يقول الرجل لرجل آخر: زوجني موليتك على أن أزوجك موليتي، ويشترطان أن كل واحدة تكون مهراً للأخرى.
فإذا كانت كل واحدة مهراً للأخرى، فسواء أضافا مبلغاً مالياً أو لا فما دام في القضية شرط، ألا نزوجك هذه حتى تزوجنا هذه فهو شغار عند بعض العلماء، وعند البعض الآخر إذا لم يقصدوا الحيلة وسميا مهر كل واحدة ودفع جاز ذلك.
ونكاح التحليل أن يتزوج الرجل المرأة ليحللها لزوجها الذي طلقها ثلاثاً، سواء شرط ذلك عليه، أو لم يشرط عليه، فإنه حرام في جميع الأحوال، قال ﵊: (ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: هو المحلل) وقال: (لعلن الله المحلل والمحلل له) رواه ابن ماجة والحاكم وغيرهما.
فلا يجوز نكاح التحليل، فإذا تزوجها الثاني راغباً فيها، وليست نيته أن يحللها للأول، وكذلك إذا وطئها في هذا العقد الذي عقده عليها، ثم طلقها، فإذا انقضت العدة، جازت أن ترجع إلى زوجها الأول.
فهذه بعض الأنكحة الفاسدة في الشريعة؛ لأجل فساد الشرط الذي حصل فيها، وهناك أنكحة أخرى فاسدة سنأتي عليها.
ومن أسباب طرح الموضوع ولا أكتمكم أيها الإخوة: ما حصل فيه اللغط والكلام مؤخراً عن زواج يعرفونه بزواج (المسيار)، واختلط ذلك على بعض العامة بالهاتف السيار، فصاروا يقولون: الزواج السيار، وهذا الموضوع يرتبط بمسألة الشروط في النكاح، وسنبحث ذلك في الخطبة القادمة إن شاء الله مع مسألة أخرى وهي: ما حكم الزواج بنية الطلاق الذي يفعله بعض المغتربين وغيرهم؟ ولكننا نحتاج إلى معرفة ما هو زوج المسيار؟ وما هي شروطه؟ وهل هو منضبط، لأن بعض الناس يطلقون ألفاظاً على شيء، ثم لا تجدهم يتفقون على حقيقته.
وقد سبق أن ذكرنا الزواج العرفي، وقلنا: مهما كان تعريفه، فإذا توافرت شروط النكاح كان النكاح حلالاً، وزدنا ذلك بياناً في هذه الخطبة، ولكن إذا سألتم ما هو الزواج العرفي؟ منهم من يقول لك: هو الزواج السري؛ أي أن يتزوج سراً، ومنهم من يقول لك: هو زواج المتعة، ومنهم من يقول لك: هو الزواج الذي لا يسجل رسمياً، ولذلك نحن لسنا مع الأسماء، وإنما العبرة في المسمى وليس في الاسم، فهاتوا لنا ما وصل إلى أسماعكم من زواج المسيار هذا لنبحث ذلك إن شاء الله في الخطبة القادمة.
نسأل الله وتعالى أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 3021
حرمة نكاح المتعة في الإسلام
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، الذي خلق فسوى وقدر فهدى لا إله إلا هو، أشهد أنه هو الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصبحه أجمعين، هو الرحمة المهداة، والسراج المنير، والبشير النذير، صلى الله عليه وعلى آله وذريته الطيبين الطاهرين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
عباد الله! إن نكاح المتعة من الأنكحة المحرمة في شريعتنا هذه، وقد كان هذا الزواج، مباحاً في فترتين من عهد النبي ﷺ ، عن علي بن أبي طالب ﵁: (أن رسول الله ﷺ نهى عن نكاح المتعة) متفق عليه.
وفي رواية: (نهى عن متعة النساء يوم خيبر) متفق عليه، وأخرج الإمام مسلم في صحيحه: (أن رسول الله ﷺ نهى يوم الفتح -فتح مكة - عن متعة النساء) وفي رواية لـ مسلم: (أن النبي ﷺ قال: يا أيها الناس إني قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع بالنساء، وإنه قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيءٌ فليخل سبيله، ولا تأخذوا مما أتيتموهن شيئاً).
فإذاً النص صريح جداً في تحريم نكاح المتعة، وبعض الناس يستدلون بقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء:٢٤] على إباحة نكاح المتعة، وبعض العلماء يقول: إنه ليس المقصود بها نكاح المتعة، وإنما الاستمتاع الذي يكون في النكاح العادي، فلا بد من المهر ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء:٢٤].
ولو فرضنا أن المقصود بالآية نكاح المتعة فإنه قد نسخ بنص حديث النبي ﷺ ، والله تعالى أمر نبيه ﵊ أن يبين للناس ما نُزِّل إليهم من ربهم، فالسنة الصحيحة تنسخ آيات من القرآن أو تخصصها ونحو ذلك، كما أن السنة قد جاءت بتحريم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، وتحريم لحم الحمار الأهلي، ولم يرد ذلك في القرآن، فالسنة تكمل القرآن وتشرحه وتبينه، وهذه وظيفة النبي ﷺ .
وقد أجمع العلماء واتفق أهل السنة والجماعة على تحريم نكاح المتعة، وهو نكاح لقضاء شهوة لا يوافق مقاصد الشريعة، قال الشافعي ﵀: "وجماع نكاح المتعة المنهي عنه كل نكاح كان إلى أجل من الآجال قرب أو بعد، وذلك مثل أن يقول الرجل للمرأة نكحتك يوماً أو عشراً أو شهراً، أو نكحتك حتى أخرج من هذا البلد، وما أشبه ذلك".
وقال ابن قدامة ﵀: "معنى نكاح المتعة: أن يتزوج المرأة مدة مثل أن يقول: زوجتك ابنتي شهراً أو سنة أو إلى انقضاء الموسم، أو إلى قدوم الحج".
سواء كانت المدة معلومة أو مجهولة، كزوجتك ابنتي شهراً (مدة معلومة) أو زوجتك ابنتي حتى يأتي فلان من سفره (مدة مجهولة) وكلاهما حرام ونكاح متعة.
فهذا نكاح باطل نص عليه أحمد، فقال: "نكاح المتعة حرام، وقد نقل عن بعض الصحابة شيء يفيد إباحته، فما نقل عنهم يحمل على عدم بلوغ النسخ لهم"، ولذلك فلما بلغ بعضهم النسخ -وهم قلة قليلة- رجع عن القول بنكاح المتعة، وقال بتحريمه والحمد لله، ولذلك فلا شبهة ولا إشكال عند أهل السنة والجماعة في أن نكاح المتعة حرام، ولكنه كان قد أبيح في فترتين قبل خيبر وفتح مكة يسيرتين لأجل سفر في غزو، ثم حرم بعد ذلك، وكان التحريم إلى يوم القيامة.
ولا يمكن أن يتوافق هذا النكاح مع مقصد الشريعة في إقامة أسرة وإنجاب أولاد، وسكن بين الزوجين ونحو ذلك، والذين يقولون من أهل البدع: إن في نكاح المتعة حلاً لمشاكل الشباب الجنسية، فنقول: ائتوا بالحلول من الكتاب والسنة، وأما أن تأتوا بحلول محرمة فإنها ليست بحلول، ثم إنكم تريدون أن تحلوا مشكلة الشباب الذكور الجنسية، وتهملوا مشكلة النساء اللاتي يتزوجن يوماً أو شهراً أو سنة ثم بعد ذلك تترك، وتكون القضية مجرد قضاء وطر، وينتج ولد ولا يدرى لمن، وتستعجل فتعقد على غير نكاح متعة مما يجر إلى آخر ذلك من الفساد الذي يجر إليه هذا النوع من النكاح، نسأل الله السلامة والعافية.
اللهم إن نسألك أن تطهر فروجنا وتحصنها يا رب العالمين بالحلال، اجعل بيننا وبين الحرام برزخاً وحجراً محجوراً، اللهم أغننا بحلالك عن حرامك، واكفنا بفضلك عمن سواك، اللهم اجعلنا في بلادنا آمنين مطمئنين وسائر بلاد المسلمين وانصر المجاهدين، واحم حوزة الدين، واقمع أهل البدعة والمبتدعين، اللهم أظهر السنة في البلاد، اللهم اجعلها عامرة بذكرك يا رب العالمين، ووفقنا لكل ما فيه خير وصلاح للإسلام والمسلمين.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠] فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون، وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.
стр. 3022
زواج المسيار [٢]
تعرض الشيخ حفظه الله في هذه الخطبة إلى مسألة الشروط الجائزة وغير الجائزة في الزواج، وما هي الشروط التي يصح أو يفسد بها الزواج، وضرب لهذه الشروط عشرة أمثلة توضحها، ثم ختم خطبته بالتنبيه على التثبت في أخذ الفتاوى من أهلها، وعدم التأثر بما يفتي به مشايخ الفضائيات وأضرابهم.
стр. 3023
كثرة الفتن تؤدي إلى التحايل على الشرع
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فالحمد لله الذي خلق لنا من أنفسنا أزواجاً لنسكن إليها، وجعل بيننا وبينهن مودة ورحمة.
جُعل هذا النكاح، وهذا العقد عقداً مقدساً في الشريعة له شروطه، وله واجباته وأركانه وقد تقدم الكلام على ذلك في الخطبة الماضية، ويُعلم من كلام العلماء في شروط النكاح وأركانه مدى أهمية هذا العقد ومكانته في الشريعة.
ولما استعرت الشهوات في هذا الزمن، وكثرت المغريات والفتن، وعم الشر، وظهر التبرج والسفور، ولم يغض كثير من الرجال أبصارهم، وعمت المغريات التي فيها إثارة الفتن، سواء كان ذلك في صورة تمشي، أو صورة تتحرك، أو صورة مطبوعة، بحيث أن ما يقع من العيون على هذه الصور أمر كثيرٌ جداً قد أثار الشهوات من واقع النساء في التبرج، ومن هذه الأفلام وخاصة منها الخليعة التي تثير الشهوات، لجأ كثير من الناس إلى طرق يريدون بها قضاء الوطر والشهوة، ومن هؤلاء من وفقهم الله تعالى لتحصين أنفسهم بالزواج الشرعي والنكاح الإسلامي المبني على هذه الشريعة المباركة، ومنهم من وقع في المحرمات والكبائر، ووقع في الفواحش والزنا وانتهاك حرمات الله وحدوده، فويل لهم من عذاب يوم أليم! ومن الناس من ركب الصعب والذلول لأجل الحصول على عقد بأي طريقة كانت ليتوصل به إلى وطء المرأة، فدخل بعضهم في بعض الأنكحة المحرمة كنكاح المتعة وغيره، وركب بعضهم طريق بني إسرائيل في التحايل على شريعة الله تعالى، ويزعم بعضهم أنه اشترى امرأة من الخارج، وآخرون يقولون بأن الخادمة مثل ملك اليمين يطؤها متى شاء، وبعضهم يذهب إلى أماكن معينة فيها بنات وكاتب أنكحة وشهود، يتزوج ثم يطلق، وبعضهم يقول: وهبت نفسها لي، فتزوجتها بموافقتها بلا ولي ولا شهود ولا مهر، إلى آخر ذلك من الاختراعات والحيل التي يريدون بها التوصل إلى تحليل ما حرم الله، فما هو حكم هذه العقود؟! ثم أطلوا علينا بزواج سموه بزواج المسيار، قالوا فيه: إن الرجل يتزوج المرأة، فيقيم عندها أو عند أهلها، ويشترط عليها ألا مبيت ولا نفقة، أو أنه يأتيها بالنهار دون الليل ونحو ذلك، فنريد أن نعرف ما حكم هذا النكاح وغيره من الصور المتقدمة؟ وما حكم الزواج بنية الطلاق الذي يفعله بعضهم إذا ذهب إلى بلاد الغربة، أو إذا سافر سفراً؟ وما حكم إخفاء النكاح، لأنه لا يريد مشكلة مع الزوجة الأولى، فهو يسر به؟
стр. 3024
قضية الشرط في الزواج
لا بد قبل معرفة حكم بعض هذه الأنكحة أيها الإخوة من الاطلاع على قضية الشرط في الزواج، ما هو؟ ما أنواعه؟ ما هو الملزم منه من غير الملزم؟ ما هو الذي يفسد العقد، والذي لا يفسد العقد؟ وما الشرط المباح الصحيح؟ وما هو الشرط المحرم؟ فهلم بنا إلى جولة مما ذكره أهل العلم في هذه المسألة، لأن كثيراً من الأنكحة الموجودة معلقة بشروط، فما حكم هذه الشروط؟ وبناءً عليه يعرف حكم هذه الأنكحة.
стр. 3025
أقسام الشرط
أما الشرط في اللغة فهو: الإلزام والالتزام.
وينقسم الشرط إلى قسمين: أولاً: شرط شرعي.
ثانياً: شرط جعلي.
فالشروط التي اشترطها الشارع في العقود والتصرفات والعبادات وإقامة الحدود ونحو ذلك، هذه شروط شرعية كاشتراط الولي في النكاح: (لا نكاح إلا بولي).
والشروط الجعلية لم ترد في الشريعة، ولكن يشترطها المكلف بإرادته، كما يشترط الواقف شروطاً معينة للوقف، أن يكون الوقف مثلاً على طلبة العلم الفقراء، فلا يصرف إلى غيرهم، وشروط الموصي أن يُجعل جزء من التركة لذبح أضاحي مثلاً، فلا يصرف في غيرها، أو الشروط التي يكون فيها منفعة لأحد طرفي العقد.
وهذه الشروط الجعلية المعتبرة مقيدة بقيود شرعية معينة، فليس للشخص أن يشترط أي شرط يريده، بل لا بد أن يكون الشرط غير مناف للشريعة، لقد ثبت اعتبار الشرط في الإسلام ما لم يخالف حكم الله وحكم رسوله، وأوجب الوفاء به، قال الله تعالى: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ [البقرة:١٧٧] عن عقبة بن عامر ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن أحق الشروط أن توفوا بها ما استحللتم به الفروج) رواه البخاري.
فأحق الشروط بالوفاء الشروط التي تكون موجودةً في النكاح، ومعنى هذا: أن الشارع يقر الشروط إذا كانت شرعية، وقد ورد بذلك الحديث عن النبي ﷺ : (المسلمون على شروطهم، إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً) رواه البخاري (المسلمون على شروطهم، إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً، وكل شرط ليس في كتاب الله، فهو باطل وإن كان مائة شرط).
وموضوع النكاح له ما يتعلق به من الشروط، ومعلوم أنها إذا كانت شروط شرعية أو جعلية لا تتعارض مع الشريعة فإن الشريعة تقرها: (وأحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج) لأن هذه الشروط وقعت في مقابل استحلال فرج كان محرماً، فاستحل ذلك الفرج بهذا الشرط، فإذا كان الشرط شرعياً لا يخرج عن نطاق الشريعة فهو من أحق الشروط بالوفاء، وقد يرد الشرط صريحاً في العقد منصوصاً عليه، فيجب اعتباره والعمل به، كأن تشترط المرأة في عقد النكاح مثلاً ألا يخرجها من بلدها، ونحو ذلك.
стр. 3026
الشروط العرفية
وقد لا يكون الشرط مذكوراً في العقد، لكنه مما تضمنه العقد، أو دل عليه العرف، والعرف سمي عرفاً لتعارف الناس عليه، ومن ذلك زف العروسة إلى المتزوج، هل يكون في بيت أبيها أو في بيته، فإن الأعراف تختلف في هذا، فإن أهمل ذكر الزفاف عند العقد، رجع فيه إلى العرف.
والأعراف التي يعمل بها والتي ينطبق عليها قول العلماء: (المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً) هي الأعراف الموافقة للشريعة، أما إذا خالف العرف الشرع فلا يلتفت إليه ولا يعمل به، ولو أطبقت عليه الأمة جميعها، وهذا لا يكون إن شاء الله، وكانوا في الجاهلية -كما قلنا- متعارفين على أن نكاح الشغار والمتعة والاستبضاع أمور سارية ومنتشرة متعارف عليها بينهم، فليس كل ما انتشر بين الناس من الأعراف توافق عليه الشريعة، وإنما يشترط أن يكون مما توافقه الشريعة وتقره.
وإذا كان الشرط مقارناً للعقد عند كتابة العقد فلا بد من الوفاء.
وإذا كان الشرط متقدماً على العقد -قبل العقد بيوم أو يومين أو غير ذلك- ثم جاء العقد بالإيجاب والقبول، فهذه الشروط المتقدمة على العقد الصحيح يجب الوفاء بها.
قال شيخ الإسلام ﵀: هو الظاهر من المذهب وهو المفهوم من كلام أحمد، لأن الوفاء بشروط العهود والعقود يتناول ذلك، ولأن اتفاقهم على الشرط قبل العقد لا يزيله العقد، فلو اتفقوا على هذا الشرط، وبعد يوم أو يومين عقدوا العقد بإيجاب وقبول وولي وشاهدين، فإن الشروط المتفق عليها قبل هذا العقد داخلة فيه، فإذا كانت الشروط متأخرة عن العقد، فلا يلزم الوفاء بها، لأن العقد قد انقضى وتم على ما مضى.
стр. 3027
أقسام الشروط في النكاح
وهذه الشروط أيها الإخوة التي في النكاح تنقسم إلى قسمين: صحيح وفاسد.
стр. 3028
الشرط الصحيح في النكاح
الصحيح نوعان: النوع الأول: شرط يقتضيه العقد؛ كتسليم المرأة إلى الزوج، وتمكينه من الاستمتاع بها، فهذا الأمر من مقتضيات عقد النكاح، ولا يمكن أن يكون نكاحاً إلا بذلك، فلا يحتاج إلى شرطه، لأن الشريعة قد شرطته أصلاً، ولأن العقد يقتضي ذلك ضمناً فلا يحتاجه الإنسان إلى شرطه في العقد، وإذا ترافعا إلى القاضي سيجبرها على تسليم نفسها إذا امتنعت لأن هذا من مقتضيات العقد.
والنوع الثاني من الشروط الصحيحة: شرط نفع معين في العقد لا يلزم إلا باشتراطه، كأن تشترط المرأة ألا يتزوج عليها، أو لا يخرجها من دارها، أو لا يفرق بينها وبين أولادها، أو أن ترضع ولدها الصغير من غيره، أو أن تكمل دراستها، أو أن تستمر في وظيفتها، ونحو ذلك من الشروط، فهذه الشروط إذا لم تتعارض مع الشريعة، فهي شروط مباحة إذا شرطوها عليه في العقد وقبل بها لزمه الوفاء بها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١] فإذا امتنع الزوج من الوفاء بها، ورفض الوفاء بها بعد العقد وبعد الزواج، فإن للزوجة حق المطالبة بفسخ العقد، لأن الزوج لم يفِ ودخلت معه على هذا الشرط الصحيح، وإذا تنازلت الزوجة أو سكتت عن ذلك، فإن العقد باق على حاله.
صحيح مستمر.
وبهذه المناسبة نقول: لا ينبغي لأولياء الزوجة أن يحرجوا الزوجة باشتراط أشياء عليه، خصوصاً إذا كان من أهل الديانة، لأن كثرة الشروط تعقد الموقف، وتفي بأنهم لا يثقون به مثلاً ونحو ذلك، وهذا ربما يؤدي إلى شيء من النفور بينهما، لكن إذا خافوا أو حصلت خشية، فاشترطوا ذلك فلا بأس عليهم.
стр. 3029
الشرط الفاسد في النكاح
وانتبهوا معي للقضية لأننا نتحدث عن مسألة ستوصلنا إلى حكم زواج المسيار وغير المسيار، والزواج السيار السائر والواقف، وسيتبين حكم هذه الأنكحة من خلال فقه قضية الشروط.
النوع الثاني: الشروط الفاسدة، وهي على نوعين أيضاً: النوع الأول: ما يفسد بنفسه مع بقاء العقد على صحته؛ العقد صحيح باق، والشرط فاسد لاغ، مثل أن يشترط عليها ألا مهر لها، أو أن يرجع عليها بالمهر بعد ذلك فيأخذه منها، أو يشترط عليها أنه لا نفقة لها، أو أن نفقته عليها، أو ألا يطأها، ونحو ذلك من الشروط، فهذه الشروط ذكر عدد من أهل العلم أنها شروط فاسدة، لكنها لا تفسد العقد، فالعقد صحيح، ولكن الشرط فاسد للزوجة أن تطالب بحقها.
النوع الثاني من الشروط الفاسدة: ما يفسد النكاح من أصله مع فساده في ذاته، فهو فاسد مفسد لا يصح معه النكاح، مثل نكاح المتعة، فإذا قال: زوجتك بنتي شهراً أو أسبوعاً أو ساعة ونحوه، فهذا شرط فاسد مفسد للعقد، والعقد باطل من أساسه، والمعاشرة زنا وحرام.
أو نكاح الشغار، أو نكاح التحليل، هذه شروط فاسدة مفسدة للعقد، مثل أن يقول: أزوجكها على أن تطلقها لتحل لزوجها الأول ونحو ذلك، هذه شروط فاسدة مفسدة للعقد.
стр. 3030
الشروط الصحيحة
الأول: ما يتضمنه العقد وإن لم يذكر في صلبه، فلا حاجة لذكره إذاًَ، لأنه لازم باللزوم كما ذكرنا في قضية اشتراط تسليم المرأة لزوجها، والاستمتاع بها، واشتراط النفقة والسكن على الزوج لا حاجة لاشتراطه، لأن الشريعة شرطته، ولأن الشريعة جاءت به ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء:٣٤] فالنفقة عليه لزوجته رغماً عنه، تؤخذ منه بالقوة، وإذا أعسر صارت ديناً عليه، وإذا امتنع ألزمه القاضي بدفع النفقة الواجبة على الزوجة، هذا من مضمون العقد، الشريعة دلت عليه والعرف دل عليه، والعادة وعقد النكاح يتضمنه حتى لو لم ينصوا عليه.
وما يتضمنه العقد، نوعان: أحدهما: ما يتضمنه العقد بدلالة الشرع، كما تقدم.
الثاني: ما يتضمنه العقد بدلالة العرف، كالأمور التي تعارف عليها الناس من غير مخالفة للشرع، أو أضرار بحق أحد الزوجين، مثل: تحديد النفقة، والكسوة، والمسكن، وزيارة أهلها ونحو ذلك، فهذا يتضمنه العقد تلقائياً، لكن لم تحد الشريعة فيه حداً محدوداً، ولم تقل يا أيها الزوج أنفق خمسمائة، أنفق ألفاً ونحو ذلك، هذه مسألة متروكة للعرف، ومتروكة لإعسار الزوج وإيساره، وقدرته واستطاعته، وما تحتاجه الزوجة ونحو ذلك.
إذا قيل يجب على الزوج أن يسكنها شرعاً، أي: سكن يلائم مثلها بالمعروف، بما تعارف عليه الناس، فلو أسكنها سكناً ليس فيه دورة مياه ولا مطبخ مثلاً، فلا يقوم لها استمتاع بحياتها الزوجية بدون ذلك، والعرف يقتضي سكناً بمثل هذه المرافق الأساسية، فهذه اشتراطها عرفي داخل مع العقد.
أما الشروط الصحيحة التي لا تخالف مقتضى العقد، كأن لا يسافر بها، أو لا يخرجها عن بلدها، أو أن تشترط رضاع ولدها من غيره، أو أن تكمل دراستها، أو تستمر في وظيفتها ونحو ذلك، فهذه شروط مباحة، إذا التزم بها ووافق عليها، لزمه الوفاء بها، فإن امتنع كان للزوجة طلب الفسخ كما تقدم.
والشروط التي لا تخالف الشريعة هي من إنشاء العاقد لا من إنشاء الشارع، فاشتراط الرجل على امرأته في عقد الزواج مثلاً: تقسيط المهر أو تأجيله، أو أن يُجعل جزء مقدم، وجزء مؤخر، أو أن تشرط عليه أن لا ينقلها من بلدها مثلاً ونحو ذلك، فهم الذين اشترطوها، وليست مشروطة في الشرع، فهي من إنشائهم لا من إنشاء الشارع.
وإذا اشتُرط على الزوج شروطاً مثل هذه الشروط فإنه يلزمه الوفاء بها، وإذا امتنع جاز للمرأة طلب الفسخ، فإن قال الزوج: أنا لا أطيق أن تبقى موظفة، فماذا نفعل؟ لا نجبره على الوفاء، ولكن نقول: لها الحق في طلب الفسخ، إن شاءت أن تتنازل عن الشرط أو تسكت، فالعقد باق، وإن شاءت طلبت الفسخ، ولبى مطلبها، لأن شرطها لم ينفذ.
ومثل ذلك أن تختار ألا يتزوج عليها، فهذا الشرط مما اختلف فيه أهل العلم، فقال بعضهم إنه شرط فاسد، لأنها أرادت أن تمنعه مما أحله الله له، وقال بعضهم: إنه دخل عن بصيرة ورضاً بذلك فيلزمه الوفاء، فإذا تزوج عليها، كان لها طلب الفسخ، وبهذا أفتى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فإن الرجل إذا أقدم على العقد وقبِل الشرط، فإنه عند ذلك لا بد أن يفي به، فإذا امتنع تكون النتائج على ما تقدم، وإذا حصل عيب بأحد الزوجين ولم يرض صاحبه، وهذا العيب يفوت الاستمتاع، كأن كانت المرأة بها جنون أو برص ونحو ذلك، أو كان الرجل مجبوباً أو عنيناً -مقطوع المذاكير- أو لا قدرة له على الوقاع، فهذا العيب ينطبق عليه خيار الفسخ من الطرف الآخر.
стр. 3031
أمثلة للشروط الفاسدة في عقد النكاح
ولنا أن نلقي الآن نظرة أيها الإخوة على الشروط الفاسدة وأمثلتها.
المثال الأول: إذا اشترط الرجل على امرأته ألا مهر لها، فإن العقد صحيح والشرط باطل، لأن المهر من حقوق المرأة التي تستحقها، فلا يسقط بنفيه لهذا المهر، قال الله: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء:٤] وقال قتادة: فريضة من الله واجبة، والآية تدل على وجوب المهر، وقد أجمع العلماء على ذلك فلا يصح التواطؤ على تركه، فإذا اشترط الرجل على زوجته ألا مهر لها، كما يقولون الآن في زواج المسيار: لا مهر فيه، يتزوجها ولا يعطيها شيئاً.
ولنعلم أيها الإخوة أن بعض هذه الأسماء مختلف عليها بين الناس، فإذا جئت لإنسان تقول: عرف لي زواج المسيار؟ أعطاك رأياً، وإذا قلت لثان: عرف لي زواج المسيار؟ أعطاك رأياً آخر، وهكذا، فنحن نتكلم بغض النظر عن الأسماء، لو شرط عليها ألا مهر لها ووافقت وانعقد العقد، فالعقد صحيح بالشروط الشرعية: الولي، وشاهدين والإيجاب والقبول إلى آخر ذلك، ولكن الشرط باطل، فإذا طالبته بعد ذلك بمهرها وجب عليه أن يعطيها المهر، وإذا سكتت، أو تنازلت له عنه، فإن العقد صحيح، وهي على ما أرادت وعلى ما تنازلت.
مثال ثان: إذا اشترط الزوج عند العقد على امرأته ألا ينفق عليها، وهذا أيضاً داخل في زواج المسيار الذي يسمونه في بعض الأحيان، فهذا الشرط باطل، ولكن العقد صحيح، ويلزم الزوج أن ينفق على زوجته: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق:٧].
وأذن النبي ﷺ لـ هند بنت عتبة أن تأخذ من مال زوجها من غير علمه بما يكفيها بالمعروف، ثم إن المرأة قبل العقد لم تستحق النفقة، فكيف تتنازل عنها، تستحق النفقة بعد العقد، فإذا انعقد العقد وسلمت نفسها، استحقت النفقة، فلها المطالبة بها، ولا يعتبر إلغاؤها من قبلها قبل العقد مسقطاً للنفقة عن الزوج، فإذاً يحق لها أن تطالب بالنفقة بعد ذلك، ولكن ما حكم العقد؟ العقد صحيح، إذا توافرت فيه الشروط.
مثال ثالث: وكذلك فإن من الشروط الفاسدة نفي التوارث بينهما، وهذا كلام سمعناه في زواج المسيار أو في غيره، أن يقول لها: أشترط عليك ألا ترثي شيئاً بعد وفاتي، فهذا الشرط فاسد باطل لا يجوز العمل به، قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ [النساء:١٢] إلى قوله: ﴿فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١٢].
فالإرث أثر من آثار عقد النكاح ولا بد من إعطائه لصاحبه، والتنازل عنه قبل العقد تنازل عن لا شيء، لأنها لم تستحق الإرث ولا هو استحقه حتى يتنازل، فإذا انعقد العقد فالعقد صحيح والشرط باطل، وترث منه رغماً عن كل أوليائه، ويرث منها رغماً عن كل ورثتها، فهذه بعض الأمثلة، ونتابع الكلام إن شاء الله.
ونسأل الله تعالى أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم، وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وعلى وآله وصبحه وأزواجه وذريته الطيبين الطاهرين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
عباد الله! مثال رابع على الشروط الفاسدة: أن يشترط أحد الزوجين على صاحبه عدم الوطء، فهذا شرط فاسد؛ لمخالفته مقصود النكاح الذي شرع من أجله، ويصح النكاح والشرط فاسد.
واختار شيخ الإسلام ﵀ أن الزوج إذا اشترط على الزوجة ألا يطأها فالشرط باطل، لأنها لا يمكن أن تعف إلا بذلك، فلا يمكن أن تتزوج زوجاً آخر وهي في عصمته، فليس لها طريق إلى العفة إلا من طريقه هو، فالشرط فاسد، وأما إذا اشترطت هي عليه أن لا يطأها، فرأى شيخ الإسلام ﵀ أنه لا بأس بذلك، لأنه يمكن أن يعف نفسه من غيرها، ويتزوج غيرها أو يتسرى.
مثال خامس على الشروط الفاسدة: إذا اشترط الزوج على امرأته ألا قسم لها، هو متزوج بزوجة فتزوج امرأة أخرى ثانية، وقال: أنا لا أريد مشكلات مع زوجتي الأولى، فأنت على الاحتياط، عندما أريد أسير عليك، وهذا الذي أخذوا منه زواج المسيار بزعمهم، ولا يوجد مثل هذا الاسم في كتب الفقهاء، وإنما هو من اختراعات الناس، عندما أريد أسير عليك في الوقت الذي أريده، فقال: شرطي ألا قسم لك، فهذا الشرط لاغ والعقد صحيح، وبعد العقد يجوز لها أن تطالب بليلتها، فإذا سكتت وسارت الأمور على ما هي عليه، وقالت في نفسها: أخشى إذا طالبته أن يطلقني، فالعقد صحيح باق على حاله، وكذلك لو اشترطت هي أن يفضلها على ضرتها، فقالت: أشترط عليك أن لي ليلتين ولها ليلة، فالشرط باطل لاغ، والعقد صحيح.
وإذا طالبت ضرتها بليلة وليلة، فيجب عليه الوفاء بذلك، والزوج لا يملك أن يفضل بين نسائه شرعاً، ويجب عليه العدل بينهن: (اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملك) أي: ميل القلب.
وجمهور العلماء يقولون بوجوب العدل بين النساء في كل ما يملكه الزوج ويقدر عليه، ومنه ما يقع في زواج المسيار، أن يشترط عليها ألا يبيت عندها، أو يأتيها في النهار إذا أراد.
وحيث قلنا: إن العدل بين النساء واجب، وليس من حق الزوج اشتراط عدم العدل عند العقد، لأن ذلك من حقوق المرأة، فإنها بعد العقد صار حقاً لها أن تتنازل عنه، أو تلزمه به، فتقول له: أنا أسامحك في ألا تأتيني إلا نهاراً بعد العقد، أو تسكت عن المطالبة بحقها في الليل، والعقد صحيح باق، لكن إذا طالبت يلزمه أن يفي به، ولا يستطيع أن يجبرها على البقاء عنده، وتنازل الزوجة عن ليلتها لزوجة أخرى بعد الزواج قد جاء في السنة، فلما أراد النبي ﷺ أن يطلق سودة بنت زمعة قالت: يا رسول الله! امسكني وأهب يومي لـ عائشة، وأرادت أن تحوز على الفضل في بقائها زوجته في الدنيا والآخرة، فوافقت على أن تهب يومها لـ عائشة، فصار النبي صلى الله وسلم يقسم لـ عائشة يومها ويوم سودة.
مثال سادس على الشروط الفاسدة: إذا اشترط الرجل على امرأته ألا تزور أهلها ولا ترى أقاربها، ولا تدخل بيتهم، فإن الشرط باطل، لأن في ذلك قطيعة للرحم، وهذا لا تقره الشريعة، وللمرأة الحق في المطالبة بأن يأذن لها في زيارة أهلها، لأن صلة الرحم عليها واجبة، وهذا شيء تقتضيه الطبيعة والجبلة الفطرية، إلا إذا ثبت للزوج أنهم يفسدونها عليه، وترجع من أهلها منقلبة على زوجها، تذيقه ألوان العذاب، فإن له الحق في منعها، لأنه إذا كان قد ثبت الفساد من رواء ذهابها إليهم، وإذا ذهب معها وجلس معها لينظر ويسمع، فهو أحسن وأفضل.
مثال ثامن: إذا اتفق الزوج مع المرأة أو مع وليها على مهر سري ومهر علني، والمهر العلني يقولون: نتباهى به أمام الناس، ونقول: زوجناها بمائتي ألف، وهم كذابون أشرون بطرون، فإنه لم يدفع لهم إلا أربعين ألفاً مثلاً، فما هو الحكم في ذلك؟ يصح العقد على ما وقع عليه، ما حصل عند العقد هو اللازم، ولا عبرة بما يعلن للناس طلباً للسمعة، وأحياناً في بعض البلدان هرباً من الضريبة، فيعلنون مهراً ويتفقون على آخر، فالمهر الذي انعقد عليه العقد هو اللازم، وهو الذي يجب عليه أن يدفعه، وإذا عقدوا عقدين، فالثاني تأكيد للأول، والعقد الأول بمهره هو اللازم على الزوج أن يفي به.
مثال تاسع: إذا اشترطت المرأة طلاق ضرتها، أجاب النبي ﷺ عن هذا الشرط بقوله: (لا تسأل المرأة طلاق أختها، لتكفأ ما في صحفتها) كأن يكون عند أختها إناء فيه طعام، فجاءت الثانية التي طالبت بتطليق الأولى، فأخذت إناء طعامها فقلبته، فأبقتها بغير طعام، فهذا حرام، ونهى النبي ﷺ ، أن تسأل المرأة طلاق ضرتها، فلا يجوز أن تقول له: شرطي عليك إذا تزوجتك أن تطلق الأولى، أو تقول: طلقها ثم تزوجني، فهذا حرام لا يجوز لما فيه من الضرر، ولما فيه من السعي لقطع نصيب الأولى.
مثال عاشر: جعل الطلاق حقاً للمرأة لا يصح اشتراط جعل الطلاق حقاً للمرأة كالرجل على الصحيح من أقوال أهل العلم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق:١] أنتم يا معشر الرجال إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن، فأنتم الذين تطلقون، فإذا اشترطت عليه أن يكون مصيرها بيدها والطلاق بيدها، فالعقد صحيح والشرط باطل لاغٍ لا عبرة به على الصحيح من أقوال أهل العلم.
وبناءً على ما تقدم أيها الإخوة، يتبين حكم زواج المسيار بالتفصيل، وحكم غيره من الأنكحة، وبقيت عندنا أمور تحتاج إلى تغطية.
الزواج بنية الطلاق دون أن ينص عليه في العقد حكم وطء الخادمة على أنها ملك يمين حكم شراء امرأة من الخارج النكاح السري: كأن يأتي يعقد على امرأة في بلدها ويأتي بها على أنها خادمة، أو أن يتزوج امرأة طرف البلد أو في بلد آخر سراً، فما حكم النكاح السري؟ ولعلنا نغطي ذلك في خطبة بمشيئة الله بعد ثلاثة أسابيع بحول الله وقوته.
стр. 3032
تنبيهات
والذي أريد أن أنبه عليه قبل ختام الكلام النقطة الأولى: أن بعض الناس -أيها الإخوة- يأخذون الأحكام الشرعية من المجالس ومن القنوات الفضائية، فيأتي واحد إلى الثاني في المجلس، يقول: سمعت عن النكاح الفلاني حللوه، من الذين حللوه؟ من الذين أفتوا بتحليله؟ لا ترى لذلك جواباً، لكن يتناقلون الأحكام بينهم بكل سهولة قال تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل:١١٦] حرام أن تفتي بغير علم، وأن تنقل فتوى بغير علم، وأن تنقل فتوى بغير تثبت، وأنت آثم في ذلك.
النقطة الثانية: أن بعض الناس يتأثرون بما يشاهدون في بعض القنوات، وقد أخبرني بعض الإخوان بعد الخطبة الماضية عن شيء من ذلك، يؤتى بطبيب ورجل يمثل دور شيخ، ولا أقول شيخاً، وربما يكون عليه لحية أو لا يكون، ومذيعة فاجرة، واختلاط من عدد من النساء والرجال في ذلك (الأستديو) وبعض الآخرين من المشاهدين، أو من الذين يدلون بآرائهم، ثم يتناولون القضية بالبحث، ويخرجون منها بحكم.
ولدي قاعدة أريد أن أقولها لكم: إذا رأيت من يدعي أنه شيخ يجلس في مقابلة مع امرأة متبرجة، أو يشترك معها في الحديث في برنامج ونحوه، فاعلم أن الشيخ مزيف، وأن اللحية مزورة، وخصوصاً عندما يجلسونه بجانب امرأة متبرجة ويتعمدون ذلك إساءة لسمعة أهل الدين، وتحطيماً لمكانة العلماء في النفوس، وتتبع معي هذه القضية: لا تجد أحداً يقابل امرأة متبرجة أو يشترك معها في برنامج خصوصاً في هذه القنوات الخارجية، إلا وتجده متساهلاً في دينه، متساهلاً في فتاويه، لا تجده ممسكاً بحبل الله المتين، ويمشي على الصراط المستقيم، وهل خلت المسألة من الرجال حتى يكون هذا الشيخ مع المرأة المتبرجة؟ ألا يوجد رجال يسألونه ويجيب، لا توجد إلا امرأة؟ واعجبا! بعد ذلك يتبين لك ما حكم الأحكام المتلقفة من أفواه هؤلاء الذين يزعمون أنهم شيوخ، الأحكام باطلة، سخيفة مثل سخفهم وسخف البرنامج الذي اشتركوا فيه، ويجب أن نحذر أيها الإخوة من الأخطار الوافدة على بلدنا من الخارج مما فيه إشاعة للفاحشة، وإشاعة للفساد؛ مثل أنهم يتكلمون عن الجنس على المكشوف، أي: تحطيم كل الروابط الإسلامية والإيمانية والقواعد الشرعية في نفوس الناس، وهذا الغزو إن لم ننتبه له، فلا شك أنه سيكون من أسباب فساد المجتمع.
نسأل الله أن يقي بلادنا هذه وبلاد المسلمين كافة الشرور، اللهم اجعلنا في بلادنا آمنين مطمئنين، واحمها واحفظها بحفظك يا رحمن يا رحيم! اللهم ارحمنا برحمتك يا عزيز يا غفور، ووفق الأئمة وولاة الأمور لكل ما تحب وترضى يا رب العالمين! سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، ودعاء لإخواننا في بلاد الشيشان الذين حقوقوا نتائج باهرة في هذه الأيام، اللهم انصرهم نصراً عزيزاً يا رب العالمين! اللهم قيض لهم جنداً من عندك يدكون معاقل الكفرة إنك على كل شيء قدير، وأقر أعيننا بنصرة الإسلام والمسلمين في ربوع العالمين يا رب العالمين! وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.
стр. 3033
سمات رجل العقيدة [١، ٢]
إن الإسلام اليوم في حاجة ماسة إلى رجال يذودون عنه، ويردون على أصحاب الشبهات الذين يريدون تشويه صورة الإسلام الحقيقية، وهؤلاء الرجال ليسوا كغيرهم من الرجال، وإنما لهم سمات خاصة يتميزون بها عن غيرهم طالعها في هذه المادة.
стр. 3034
حاجة الإسلام إلى الرجال
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
بمثل هذه الكلمات -أيها الإخوة- أسلم صحابيٌ من صحابة رسول الله ﷺ كان قادماً من اليمن، فأوحى إليه كفار قريش أن محمداً ﷺ رجلٌ مؤذٍ لكي يتجنبه، ولكنه خطر بباله أن يأتي رسول الله ﷺ ليسمع منه، فأتاه وعرض عليه أن يساعده إن كان به مرض أو كان به رئي من الجن، فتلا عليه ﷺ هذه الكلمات من أوائل خطبة الحاجة، فكان هذا سبباً في إسلامه ﵁.
إخواني! يُسرني أن ألتقي بكم في هذا المكان، ولعل الله أن يكتب لنا الأجر العظيم في هذا اللقاء، وأن يجعل حضورنا للقاء بعضنا لقاء الإخوة في الله .
والموضوع الذي أريد أن أتحدث به إليكم هو (سمات رجل العقيدة) ونعلم جميعاً -أيها الإخوة- بأن الدين الذي ندين الله به يتعرض في هذا الزمان إلى هجمات شرسة، وأن المسلمين في هذا العصر في غاية الضعف والهوان، وليس العيب من الإسلام، ولكن العيب من المسلمين أنفسهم، فإن هذا الدين دين كامل، ليست المشكلة في هذا الدين، ولكن المشكلة في الناس الذين من المفترض أن يحملوا هذا الدين على أكتافهم، ولذلك لما فكر أحد المستشرقين في هذا الدين فتجلت له بعض جوانب عظمة الإسلام قال: يا له من دينٍ لو كان له رجال.
فهذا المستشرق أدرك عظمة هذا الإسلام، فقال: يا له من دين عظيم لكنه يحتاج إلى رجال يحملونه، إن هذا الدين يحمل في طياته عوامل استمراريته وهيمنته على سائر الأديان، ونحن في عصر الذل الذي يعيش فيه المسلمون، لا بد أن نضع أمام أعيننا عدة اعتبارات: الاعتبار الأول: عدم اليأس واستمرارية العمل لنشر هذا الدين.
الاعتبار الثاني: أن التركيز لا بد أن يتم ويستمر في بناء الشخصيات التي تحمل هذا الدين.
المشكلة هي مشكلة عدم وجود الرجال، لو كان هناك رجال لانتهت المشكلة، وعندما تمنى بعض الصحابة أماني، قال عمر: [أتمنى أن يكون لي ملء هذه الحجرة رجالاً أمثال أبي عبيدة].
نتعرّف في هذا المقام على بعض السمات التي تتكون منها الخطوط العريضة في نفس صاحب العقيدة ورجل العقيدة:
стр. 3035
الإيمان بهذه العقيدة
فأما أولها: فهو الإيمان بهذه العقيدة التي نزلت من عند رب العالمين؛ الإيمان بما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، والتحاكم إلى الكتاب والسنة عند التنازع، والاستغناء بهما عما جاء في سواهما، واعتقاد كمال هذا الدين، ووجوب تقديم النقل على العقل في حالة التعارض المتوهم، وإلا ففي الحقيقة فإن النقل الصحيح لا يعارض العقل الصريح.
والأدب مع نصوص الكتاب والسنة من حيث مراعاة الألفاظ في بيان العقيدة، وعدم الدخول إلى القرآن والسنة بمقررات عقلية سابقة، وترك الخوض في علم الكلام والفلسفة من حيث أنه علم لا ينفع، وكما ورد في الدعاء: (اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع) وأن نؤمن إيماناً تاماً بأنه لا يُوجد شيء اسمه فلسفة إسلامية، ورجل العقيدة كما أنه يعتقد بهذه العقيدة، فإنه يُربي الناس عليها، ويبينها بالوحي حتى تمتلئ قلوب الناس بعظمة الله وبعظمة نصوص القرآن والسنة، ويحرص رجل العقيدة على أن يربي نفسه ويربي الشباب بالذات على هذه العقيدة وعلى سنة رسول الله ﷺ ، قال عمرو بن حبيش ﵁: [إذا رأيت الشاب أول ما ينشأ مع أهل السنة والجماعة فارجه -توقع منه الخير- وإذا رأيته مع أهل البدع فايئس منه، فإن الشاب على أول نشوئه].
ولذلك الآن لو وُجدت هناك الأوعية التربوية الصحيحة المستمدة من عقيدة أهل السنة والجماعة فانضوى وانضم إليها شباب الأمة، لخرجت نوعية عظيمة من الرجال، ولكن المشكلة أن شباب الأمة الإسلامية تتخطفهم الشهوات والشبهات وطرق الزيغ والضلال، والطرق التي يُخلط فيها الحق بالباطل في كثيرٍ من الأحيان، ولذلك لا تجد النوعيات التي تحمل هذا الدين، وإنما تجد عقليات مشوشة ومضطربة لا يمكن أن تفهم نصوص الكتاب والسنة فهماً صحيحاً وتنطلق بها لتطبقها تطبيقاً صحيحاً، فأنى لهؤلاء أن يحملوا هذا الدين.
وقال عبد الله بن شوذب ﵀: "إن من نعمة الله على الشاب إذا نسك -إذا اهتدى وسلك الطريق المستقيم- أن يوافي صاحب سنة يحمله عليها"، وهذا الكلام يشمل النساء أيضاً، ولذلك يجب أن تنتبه المرأة المسلمة إلى دعاة الضلال الذين يريدون أن يؤثروا عليها بالبدعة مثل دعاة التصوف.
والعقيدة الصحيحة إذا استقرت في نفس رجل العقيدة فإن لها أثراً عظيماً في حياته، بل وحتى على فراش الموت يكون لها أثر، مثال: عن أنس ﵁: (أن النبي ﷺ دخل على شابٍ وهو يحتضر، فقال: كيف تجدك؟ فقال: والله يا رسول الله إني أرجو الله وإني أخاف ذنوبي، فقال رسول الله ﷺ : لا يجتمعان في قلب عبدٍ في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وأمَّنه مما يخاف).
стр. 3036
الدفاع عن هذه العقيدة
وكذلك من سمات رجل العقيدة: أنه يدافع عن هذه العقيدة ويرد عنها سهام المبطلين وكيد المنحرفين وأصحاب الأهواء، وذلك بمنهج متميز واضح، ويعتمد في منهجه على حجية السنة في العقيدة، ومنها أحاديث الآحاد الصحيحة، ويعتقد أن القول بأن أحاديث الآحاد لا تفيد قطعية الثبوت، فهذه بدعة كبيرة جاءت إلينا من كتب أهل البدع، ويعتقد بتقديم أقوال الصحابة في تفسير النصوص الشرعية؛ لأنهم أعلم من غيرهم من أفراد الأمة، ولا ينبز الصحابة بمثل الكلام الذي يتشدق به بعض المنحرفين في كتبهم، وخصوصاً من المعاصرين الذين يقولون: إن الصحابة لم يعلموا علم الكلام؛ لأنهم كانوا منشغلين عن ذلك بالجهاد!! سبحان الله ما أعظم فريتهم! رموا صحابة الرسول ﷺ بأنهم جهلوا علم الكلام؛ لأنهم كانوا منشغلين بالجهاد، وهل يفوت الصحابة رضوان الله عليهم علم نافع، لأنهم كانوا منشغلين بالجهاد؟!! كل الصحابة غاب عليهم هذا العلم التافه، والحمد لله أنه غاب عنهم.
وكذلك يأخذ بطريقة جمع النصوص في المسألة الواحدة وعدم الاقتصار على بعضها دون بعض كفعل أهل البدعة، نأخذ مثالاً -أيها الإخوة- لو أن شخصاً أخذ بحديث: (من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة) ولم يأخذ بغيره، هذا النص قد يُوهم عند البعض بأن مجرد التلفظ باللسان يكفي في دخول الجنة، ولكنه عندما يأخذ بالنصوص الأخرى، ومنها -مثلاً- قول النبي ﷺ : (من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه) وقوله ﵊: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة) إلى آخر الحديث.
إذاً: تتكامل النصوص وتجتمع لتكون العقيدة الصحيحة من جميع جوانبها، أما أن نأخذ بعض النصوص ونترك بعضها، فإننا سوف نقع في بدعة وضلال ولا نفهم العقيدة الصحيحة.
والاقتصار على الكتاب والسنة في مقارعة المبتدعة أمر مهم يدل على فقه صاحبه، وإليكم هذا المثال: قال صالح بن الإمام أحمد ﵀: جعل ابن أبي دؤاد ينظر إلى أبي كالمغضب، قال أبي: وكان يتكلم هذا فأرد عليه، ويتكلم هذا فأرد عليه، فإذا انقطع الرجل منهم اعترض ابن أبي دؤاد فيقول: يا أمير المؤمنين! هو والله ضال مضل مبتدع، فيقول الخليفة: كلموه ناظروه، فيكلمني هذا فأرد عليه، ويكلمني هذا فأرد عليه، فإذا انقطعوا يقول المعتصم: ويحك يا أحمد ما تقول، فأقول: يا أمير المؤمنين! أعطوني شيئاً من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ حتى أقول به، لا زال الإمام أحمد على هذه الحالة حتى قال أحمد بن أبي دؤاد وقد نفذ صبره: أنت لا تقول إلا ما في الكتاب والسنة! وهذا الكلام اعتراض صريح يُدين ذلك المبتدع إدانة كاملة.
ورجل العقيدة يقف أمام محاولات تهوين العقيدة؛ الذين يهونون من شأن العقيدة ويقولون: هذه أمور جانبية، هذه أمور تافهة، هذه أمور لا تقدم ولا تؤخر، وماذا يعني: إذا اعتقدنا أن لله يداً أو وجهاً؟! تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً، لم يعرفوا ربهم ثم يريدون أن يدعوا إليه وإلى سبيله.
بعض الناس يتبجحون، فيقولون: أين الذين يقولون بعلو الله من الغزو الفكري؟ أين الذين يقولون بعلو الله من التيارات العلمانية؟ أين الذين يقولون بعلو الله من قضايا الجهاد؟ ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً﴾ [الكهف:٥].
أي: لا يمكن أن يجتمع الإيمان بعلو الله والجهاد في سبيل الله؟! لا يمكن أن يجتمع الإيمان بعلو الله ومقاومة الغزو الفكري؟! لا يمكن أن يجتمع الإيمان بعلو الله والرد وفضح التيارات العلمانية؟! أين التكامل؟! لماذا نقتصر على جانب من الدين ونترك الجوانب الأخرى؟!
стр. 3037
عدم الاعتداء على نصوص القرآن والسنة
رجل العقيدة لا يعتدي على نصوص القرآن والسنة، ولا يُغير عليها بسهام التأويل والرد والتفنيد ويُحكم عقله فيها، بل إنه يستسلم لها، عن أبي هريرة ﵁ قال: (اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ ، فقضى رسول الله ﷺ أن دية جنينها غرة عبد أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها وورثها ولدها ومن معهم، فقال حمل بن النابغة الهذلي -أحد الذين غرموا في الدية-: يا رسول الله! كيف أغرم من لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل، فمثل ذلك يُطل؟!).
هذا الرجل لما علم أنه سيدفع دية الجنين اعترض على الرسول ﷺ ، وقال: كيف تريدوني أن أدفع دية جنين؛ والجنين لا أكل، ولا شرب، ولا نطق ولا صرخ ولا استهل؟! فمثل هذا الكلام يسقط عني لا شأن لي به.
فلما سمع رسول الله ﷺ هذا الكلام قال عبارة نقضت كلام الرجل من أصله، وبينت عيبه وزيفه، فقال: (إنما هذا من إخوان الكهان).
هذا الرجل من إخوان الكهان، هذا المنطق تقديم العقل على النقل والاعتراض على نصوص الشريعة؛ لأنها لا توافق عقل الشخص من الكهانة (إنما هذا من إخوان الكهان).
وبعض نصوص العقيدة يكذبها بعض الناس؛ لأنها لا توافق عقولهم، فمثلاً: لما سئل الإمام عبد الله بن المبارك ﵀ لما روى حديث نزول الله عزوجل إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الآخر، سأله إنسان في المجلس، قال: كيف ينزل؟ فأجاب عبد الله بن المبارك: "ينزل كيف يشاء ".
وفي رواية: "إذا جاءك الحديث عن رسول الله ﷺ فاخضع له".
كان هارون الرشيد ﵀ مرة من المرات في مجلس، وكان يحدثه بالأحاديث رجل من الصالحين يسمى أبو معاوية الضرير، فحدثه بحديث أبي هريرة ﵁، عن الرسول الله ﷺ : (احتج آدم وموسى) إلى آخر الحديث، فقال عيسى بن جعفر -أحد الحاضرين-: كيف هذا وبين آدم وموسى ما بينهما؟!! -أي: من القرون- ما هو خطأ الرجل؟ أنه قدم عقله على النص، الرسول ﷺ يقول: (احتج آدم وموسى) وهذا يقول: كيف التقوا؟ وأين التقوا وبينهما سنين طويلة؟ هذه جريمة يا إخوان!! هذا العقل المحصور الضيق نحكمه في النصوص الشرعية وننفي النصوص، فوثب هارون الرشيد رحمه الله تعالى، وقال: يحدثك عن الرسول ﷺ وتعارضه بكيف؟! وفي رواية: أن هارون الرشيد ﵀ -وكان شديداً على المبتدعة- قال: النطع -السيف- زنديق يطعن في الحديث.
فما زال أبو معاوية يسكنه ويقول: بادرة منه يا أمير المؤمنين! بادرة منه يا أمير المؤمنين! حتى سكت.
وفي رواية: أنه حبسه ولم يُطلقه حتى حلف بالأيمان المغلظة أنه ما سمعه من أحد؛ أي: ما تلقى الشبهة هذه من أحد.
стр. 3038
الاهتمام بسنة الرسول ﷺ
ورجل العقيدة: يهتم بسنة رسول الله ﷺ اهتماماً عظيماً في تعلمها وجمعها وتطبيقها وتمييز صحيحها من سقيمها، فهو يميز الأحاديث الضعيفة من الأحاديث الصحيحة، ولا يأخذ بأي حديث سمعه، وإنما يبحث عن صحته لكي يعمل به ويرويه للناس.
لا يجوز أن نروي حديثاً عن الرسول ﷺ ولسنا متأكدين من صحته، فضلاً عن أن نكون متأكدين من ضعفه أو كذبه: (من حدَّث عني بحديث يُرى أنه كذب فهو أحد الكاذبِين، أو الكاذبَين) لا يجوز لك أن تحدث بحديث عن الرسول ﷺ وأنت لم تتأكد من صحته، هذا فضلاً عن أن تحدث به وأنت تعلم أنه ضعيف أو موضوع؛ هذه جريمة أكبر من الأولى.
والآن لا يخلو واعظ أو خطيب أو محاضر إلا وتجد في ثنايا كلامه أحاديث ضعيفة أو مكذوبة، يقولون: ترقق قلوب الناس تؤثر في الناس نستغلها لصالح الرسول الله صلى الله وسلم! كذبوا والله، وافتروا على رسول الله ﷺ كذباً، نحن لسنا يهوداً، والغاية عندنا لا تبرر الوسيلة، وإنما الوسائل لها حكم المقاصد، إذا كان مقصدك صحيح لا بد أن تكون وسيلتك صحيحة.
بعض الناس يأخذ أحاديث مثل: (إذا دمعت عيني اليتيم، وقعت دموعه في كف الرحمن فيأخذها، ويقول: من أبكى هذا اليتيم؟ أعطيت الجنة من أسكته) كلام مؤثر، لكن الحديث لم يثبت عن الرسول ﷺ حتى يجوز لنا أن نأخذ به؟!! ولذلك قام رجال الأمة الذين قيضهم الله لأحاديث الرسول ﷺ فما تركوا شيئاً إلا بينوه، فجردوا أسماء الضعفاء، وأسماء الثقات، وبينوا درجات الأحاديث، وبينوا ثقة الرجال من ضعفهم، وجردوا الأحاديث المكذوبة والمصنوعة في الكتب حتى تبين للناس ما هو الحق، ولا زالت الأمور في تنقيح واجتهاد يتوالى عليه الناس المجتهدون منهم في هذا الأمر جيلاً بعد جيل، دلالةً على أن الله يحفظ هذا الدين بحفظ القرآن والسنة.
وكذلك من حق سنة رسول الله ﷺ على رجل العقيدة: أنه يقدم كلام رسول الله ﷺ على كلام كل أحد، وإذا تعارض كلام رسول الله ﷺ مع كلام البشر يقدم كلام رسول الله ﷺ ويترك كلام ذلك الشخص.
عن وبرة قال: كنت جالساً عند ابن عمر، فجاء رجل، فقال: أيصلح لي أن أطوف بالبيت قبل أن آتي الموقف؟ فقال: نعم.
فقال: فإن ابن عباس يقول: لا تطف بالبيت حتى تأتي الموقف، فقال ابن عمر: (فقد حج رسول الله ﷺ فطاف بالبيت قبل أن يأتي الموقف، فبقول رسول الله ﷺ أحق أن تأخذ أو بقول ابن عباس إن كنت صادقاً؟!) رواه مسلم.
والاهتمام بالسنة من مقتضيات شهادة أن محمداً رسول الله، بعض الناس يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، وهو يُهمل السنن ولا يطبقها، وإذا جاءت سنة يقول: هذه أشياء تافهة، وهذه قشور، وهذه أمور جانبية، اتركنا من اللحية، واتركنا من إسبال الثوب، ودعنا من تحريك الإصبع في الصلاة ووضع اليدين على الصدر؛ هذه قشور، لا ينبغي أن نشتغل بها، سبحان الله العظيم! ماذا كان يفعل الرسول الله ﷺ ؟ إذا كان كلام هؤلاء المجرمين صحيحاً فمعناه: أن الرسول ﷺ كوم السنن الصغيرة حتى إذا كانت آخر دقائق من حياته قال: يا مسلمون! إني كنت أشغلكم بالجهاد وبالأمور الكبيرة، وأنا الآن سوف أذكر لكم السنن الصغيرة في آخر عمري؛ لأني ما أردت أن أشغلكم بها من البداية، ثم مات.
هذا معنى كلامه.
لكن الرسول ﷺ كان يعلم الناس الأمور الصغيرة والكبيرة بالتوازن.
لو كان عندك كافر تطبق عليه حديث معاذ: (فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله -هذا أول شيء- فإن هم أطاعوك لذلك فأعلموهم بأن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم) الحديث.
فلو أسلم الكافر فيجب أن نعلمه جميع الدين، يجب أن نكون أمناء في تقديم الدين، لا نقول: نقدم بعضه للناس ونترك بعضه، وبعد عشرين سنة نبدأ نعلمهم هذه الأشياء الصغيرة، سبحان الله! هذه طريقة الرسول ﷺ ؟! ومن المسائل الخطيرة التي تحدث في هذا العصر وتخرج بها كتب جديدة إلى الأسواق، هذه المسألة من مذهب المعتزلة في تقديم العقل على النقل، وربما تظنون أن هذا الكلام نظري وصعب، لكن لو أخبرتكم أن رجلاً من المسلمين قد أخرج كتاباً في هذه السنة (١٤٠٩هـ) يقول فيه: إن حديث موسى أنه لطم عين ملك الموت ففقأها، مع أنه صحيح وثابت لكنه غير معقول؛ لأن موسى لا يلطم عين ملك الموت فيفقأها، فالحديث لا نقبله، وببساطة شطَّب الحديث.
حديث: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) رواه البخاري.
يقولون: هذه أشياء وعادات وتقاليد، ونحن لسنا مكلفين أن ننقل تقاليد عبس وذبيان إلى أمريكا واستراليا.
قالوا: والرسول ﷺ قال هذا الحديث لما سمع أن بنت كسرى تولت زمام الملك، لكن لو رأى جولدا مائير لقال غير هذا الكلام! سبحان الله! كبرت كلمة تخرج من فمه، اللهم لا تسلطه على أحد من المسلمين، وامحقه وأفكاره التي يريد أن يسمم بها عقول المسلمين.
اللهم قاتل معتزلة القرن العشرين، وامحقهم يا رب العالمين، ولا تجعل لهم سناناً ولا لساناً مسلطاً على المسلمين.
أيها الإخوة! نحن نعيش في أخطار الكتب والأشرطة تُقذف إلينا سموم من هذا المنهج الرديء تقديم العقل على النصوص الشرعية كقولهم: صحيح البخاري لا نأخذ به، وإذا كان هناك حديث ثابت لم يعجبهم يقولون: هذا لا يُوافق طبيعة العصر الذي نعيش فيه أين الإسلام؟! أين الاستسلام لله بالطاعة والانقياد له؟! اللهم اهد من كان ضالاً من المسلمين.
стр. 3039
الانتساب إلى الله ورسوله
رجل العقيدة لا يُنتسب إلى أحد غير الله ورسوله، كما قال ابن القيم ﵀: وأهل هذه الغربة هم أهل الله حقاً، فإنهم لم يأووا إلى غير الله، ولم ينتسبوا إلى غير رسوله ﷺ ، ولم يدعوا إلى غير ما جاء به، ومن صفات هؤلاء الغرباء: ترك الانتساب إلى أحد غير الله ورسوله لا شيخ، ولا طريقة، ولا مذهب، ولا طائفة، بل هؤلاء الغرباء منتسبون إلى الله بالعبودية وحده، وإلى رسوله بالاتباع لما جاء به وحده، وأكثر الناس لاهم لهم.
إذاً: المسلمون يجمعهم طريقٌ واحد ليس له ثانٍ؛ طريق أهل السنة والجماعة وهو طريق أهل الحديث سماهم أئمة السلف هكذا، سموهم أهل السنة والجماعة تمييزاً لهم عن أهل البدعة، وسموهم بأهل الحديث تمييزاً لهم عن الذين يحكمون عقولهم وآراءهم في النصوص.
قال الإمام أحمد عن الطائفة المنصورة: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم.
كل تسمية مخترعة مهما كان الذي اخترعها، ومهما كان عدد الذين ساروا عليها، فكلها تسميات مبتدعة، يُقصد منها تفريق صفوف المسلمين؛ المسلمون ليس لهم جماعة إلا جماعة واحدة وهم أهل السنة والجماعة؛ عقيدتهم معروفة لم تختلف على مرَّ العصور، وأعمالهم وأخلاقهم معروفة، وطريقتهم في الدعوة معروفة، ومفاصلتهم للكفار معروفة، وكل شيء واضح في القرآن والسنة، وعلماء المسلمين يوضحون هذا الطريق لمن يسير إليه فقط، ليست هناك تسميات وأحزاب وطوائف، وإلا فقل لي: ما الذي أخر مسيرة الدعوة الإسلامية الآن إلا هذه التحزبات والتفرقات؟! هذا من الطائفة الفلانية، وهذا من الطائفة الفلانية.
يا أخي! أين أنت من جماعة الرسول ﷺ ؟! ماذا كانوا يسمون أنفسهم؟! ليس لهم إلا أوصاف: الطائفة المنصورة، الفرقة الناجية، لكنهم هم أهل السنة والجماعة الذين اجتمعوا على هذه السنة فقط، ولذلك فإن من المدهش أحياناً أنك تجد اثنين من المسلمين ليس بينهم فرق في التصورات، لكن هذا يطلق على نفسه اسم كذا، وهذا يطلق على نفسه اسم كذا، وهذا موجود -فقط الاسم- هذا رافع لشعار، وهذا رافع شعار لماذا يا أخي؟ ألسنا أمة واحدة؟!! أليس إبراهيم سمَّانا المسلمين؟!! لماذا نتفرق؟!! ما هي المشكلة؟ أن كل أحد ينتسب إلى طائفة يسميها بأسماء ليست شرعية، فيوالي لها، ويعادي عليها، ويتعصب لها، ويدافع عنها بالحق والباطل.
стр. 3040
الدعوة إلى مذهب أهل السنة والجماعة
ورجل العقيدة يدعو إلى مذهب أهل السنة والجماعة؛ وهم الوسط بين الأطراف، والحجة عند الخلاف، المتفقون على العقيدة عبر الأزمان، ورجل العقيدة يُصحح معتقدات العامة، فإن كثيراً من العامة عندهم خرافات وشعوذات ومعتقدات باطلة، وهذه قصة تُبين لنا كيف كان العلماء يصححون معتقدات العامة الخاطئة؟ كان نعمان بن محمود الآلوسي ﵀ جوزي زمانه في الوعظ والتذكير، فكان في كل سنة يجلس في شهر رمضان للوعظ في أحد المساجد الواسعة، فيُقصد من أطراف الأماكن حتى يغص المكان بالمستمعين، فاتفق له في رمضان سنة (١٣٠٥هـ) أن استطرد في مجلسٍ من مجالسه بحث سماع الموتى، فذكر ما قاله أهل العلم في كتبهم الفقهية من عدم سماع الموتى كلام الأحياء، فقام حشوية بغداد وأنكروا عليه هذا العزو، وأثاروا أفراد جهلة العوام كما هي عادتهم في كل زمان ومكان، وكادت تقع فتنة تسود وجه التاريخ، ولكنه بدهائه وحلمه سكن ثائرتهم، فجمع في اليوم الثاني كل ما لديه من كتب المذاهب الأربعة وارتقى كرسي الوعظ، وقد احتشدت الجموع، فأعاد البحث وصدع بالبيان، ثم أخذ يتناول كتاباً كتاباً فيتلو نصوص العلماء ثم يرمي بها إلى المستمعين ويصرخ: هؤلاء علماؤكم، فإن كنتم في ريبٍ فدونكموهم وناقشوهم الحساب.
حتى إذا فرغ نهض واخترق الجموع الثائرة غير وجلٍ ولا هياب، فأقبلوا عليه يقبلون يديه ويعتذرون إليه من قيامهم بتحريك المرجفين وفريق المقلدة الجامدين، فكان ذلك سبب تأليف رسالته المشهورة: الآيات البينات في حكم سماع الأموات.
стр. 3041
رجل العقيدة والعصبية
رجل العقيدة لا يتعصب لأحدٍ، ويضع نصب عينيه القاعدة الذهبية التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "من نصب شخصاً كائناً من كان فوالى وعادى على موافقته في القول والفعل فهو من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً، ولا تجوز الطاعة المطلقة لإمام من الأئمة مهما علا شأنه، وشاع بين الناس ذكره، ولكن من يجهل حكماً من الأحكام عليه أن يستفتي الأتقياء العلماء؛ الذين يعتمدون في فتاويهم على القرآن والسنة، وينبغي أن يتحرى الدليل ما أمكن، والناس منهم من يجتهد، ومنهم طالب علم يُمحص ويقرأ ويعرف الأدلة، ويتابع القول الذي عليه الدليل الصحيح، ومنهم عامة لا يعرفون ولا يميزون، هؤلاء عليهم أن يسألوا الثقات من العلماء في بلادهم الذين يعتمدون على القرآن والسنة.
هذه المسألة ببساطة.
وفي الوقت الذي ندعو فيه إلى عدم التعصب لأحدٍ أياً كان، فإننا في ذات الوقت ننكر على أولئك النفر الذين وضعوا أنفسهم في رتبة الاجتهاد ولما يحصّلوا العلم الشرعي بعد أو قواعده الأساسية، كيف يطيرون ولم ينبت لهم الريش في أجنحتهم؟ كيف يحلقون في سماء العلم؟ هؤلاء الناس الذين يظنون أنه بمقدورهم وهم العاجزون القُصر أن يستنبطوا الأحكام الشرعية لوحدهم، وبعضهم يزعم أن علماء الحديث عنده كعمال الخدمات يقدمون له الحديث الصحيح وهو الذي يتولى فهمه وشرحه؛ هؤلاء أساءوا العلم والأدب وهم من المغرورين.
وفي ذات الوقت عليكم أن تنتبهوا من خلال قراءتكم وسماعكم لهذه الأشياء المسجلة المنتشرة إلى ألفاظ الغمز واللمز في أهل السنة الذين تجردوا عن التعصب، وهناك من يلمزهم وينبزهم ويغتابهم ويستهزئ بهم، فترى أحدهم يقول: هذه سلفية مزعومة، والآخر يقول: هذا فقه بدوي، وثالث يقول: فتيان سوء يتطاولون على أئمة العلم؛ ومقصودهم تنفير الناس من اتباع الدليل، يريدون التعصب والتقوقع.
стр. 3042
طلب العلم والعمل به
يجب أن يكون منهاج رجل العقيدة طلب العلم الصحيح، وأن يكون طلبه مبدوءاً بتعلم خشية الله أولاً، فإن رأس العلم خشية الله، وليس مجرد تعلم التعريفات والمتون والمصطلحات والاختلافات والأقوال، وعلم بغير زكاةٍ يكون وبالاً على صاحبه.
وبعض طلبة العلم يقولون: لا نريد دليلاً إلا من القرآن أو من السنة، وغير ذلك نرمي به عرض الحائط، فكيف إذا كان إجماعاً صحيحاً، أو إذا كان قياساً صحيحاً مستنبطاً من القرآن والسنة، وهل متابعتهم للعلماء أولى أم متابعتهم لآرائهم الشخصية؟!! ويجب على رجل العقيدة: أن يعمل الدروس النافعة للعامة والخاصة، للبسطاء والمثقفين، لمن له تعمق في الفهم ومن هو بسيط في الفهم.
قال ابن حجر ﵀ في ترجمة أحد العلماء في كتابه إنباء الغُمر: "وكان يعمل المواعيد النافعة للعامة والخاصة، حتى إن كثيراً من العوام انتفعوا به، وصارت لديهم فضيلة مما استفادوا منه".
وقال ابن حجر ﵀: " أحمد بن محمد الصفدي كانت له عناية بالعلم، وكان يعرف بشيخ الوضوء".
لماذا كان يعرف بشيخ الوضوء؟ لأنه كان يعلم الناس الوضوء، كان يتعاهد المطاهر فيعلم العوام الوضوء، فلذلك سمي شيخ الوضوء.
إذاً: علينا أن نعلم العامة والخاصة، بعض الناس يقصرون جهودهم التعليمية على فئة معينة من الناس؛ على الشباب دون الشيوخ، أو على الرجال دون النساء، أو على الكبار دون الصغار؛ هؤلاء ما عندهم تكامل في خطتهم التربوية التعليمية، ويجب أن يكون التعليم عاماً شائعاً في الناس؛ في الصغار والكبار، والرجال والنساء، والشباب والشيوخ، حاول ألا تخص أحداً دون أحد.
بعضهم تقول له زوجته: علمني شيئاً، وهو مُنشغل مع إخوانه أو يُعلم نفسه، ويتعلم مع إخوانه، زوجته التي في البيت لا تعرف أشياء كثيرة من الأحكام؛ هذا غير صحيح.
أيها الإخوة: يجب أن تكون لدينا نظرة شمولية في قضية الدعوة والتعليم، لو رأيت منكراً في الشارع أنكر عليه، ولو كنت بجانب شخص في الطائرة علمه شيئاً فإنك لن تخسر شيئاً، اصرف جهودك في الأماكن العامة لتعليم الناس، أئمة المساجد يقيمون الدروس لتعليم الناس، المدرسون في المدارس يعلمون الطلاب، ويبذلون العلم للجميع وينصحون الكل، وبهذه الطريقة نصل إلى منع المنكرات بأقصر وقت ما أمكن، أما الانزواء والتقوقع في بيئات معينة منغلقة ونمنع الخير عن الناس فهذا غير صحيح.
стр. 3043
الاهتمام بالقرآن
رجل العقيدة يهتم بالقرآن الكريم في التربية، فإن بعض الناس يركزون على المواضيع الفكرية، أو الفقهية، أو العلمية البحتة وغيرها، وينسون كتاب الله عزوجل، ويقرءون كلام الأشخاص أكثر مما يقرءون كلام الله، ولذلك يصير اتصالهم بالأشخاص والمؤلفات أكثر من الاتصال بالقرآن الكريم؛ وهذا فيه نوع من الخطورة.
الرسول ﷺ لماذا منع في بادئ الأمر كتابة شيء غير القرآن؟ لأنه يريد أن ينصب اهتمام الناس على القرآن، ينطلقون منه ويسيرون عليه، وبعض الناس يتصورون أن القرآن لا يوفي جميع الأشياء، وهذا غير صحيح، فالقرآن كتاب أحكام، وكتاب تربية، وكتاب أخلاق، والقرآن يجمع أشياء كثيرة، وإذا أردت التربية فستجد هناك التربية بأنواعها بالقصة، وبالموعظة، وبالقدوة، وبالعقوبة إلى آخره.
ينبغي أن تكون دراسة رجل العقيدة للقرآن الكريم دراسة وافية عامة يدرس قصص القرآن وأمثاله، والعلاقة بينه وبين أسباب نزوله، وتسلسل الأحداث بالمكي والمدني؛ ليعرف مسيرة القرآن في تربية المسلمين، وما هي الأولويات؟ وبماذا يبدأ؟ وبماذا يتوسط؟ وبماذا انتهى؟ وأساليب الجدل والمناظرة في القرآن لمعرفة كيفية إفحام الخصوم وإقامة الحجة عليهم.
وكذلك دراسة نواحي الإعجاز في القرآن حتى يعظم في النفس، وكل علم قد يتندم الإنسان على الاشتغال به إلا دراسة القرآن والسنة.
كل العلوم سوى القرآن مشغلة إلا الحديث وإلا الفقه في الدين
وكذلك فإن تدبر القرآن الكريم مهم.
يزيدك وجهه حسناً إذا ما زدته نظراً
فعليك بالنظر في هذا القرآن الكريم، والقراءة للكتّاب الذين يأخذون من القرآن ويستشهدون بالقرآن كثيراً، مثل: كتابات ابن القيم ﵀، فإنك تُحس أن العبارات حية، كثير الاستشهاد بالآيات والأحاديث، هذا الإمام العالم الرباني الذي يربط الناس بالقرآن والسنة، وليس أن تقرأ كتاباً فيه عشر صفحات ليس فيها آية ولا حديث.
ورجل العقيدة يُقارع الكفار والمبتدعة والفجار بالقرآن الكريم وسنة الرسول ﷺ كما حدث لـ ابن عباس ﵁ مع الخوارج، فإنه أول ما أتاهم أثنى على عبادتهم وعلى حسناتهم، ثم استفرغ ما لديهم من الحجج حجة حجة، وبعد أن قال: أفرغتم، وتأكد أنه ما بقي لديهم شيء بدأ يجيب عليهم ويرد على كل شبهة بدليل؛ يأخذ شبهتهم ويردها بدليل آية بآية حديثاً بحديث، وسيرة بسيرة وهكذا، ولم يَسْتَسِر ولم ينفعل لما انتقدوا شخصيته، بعض الخوارج لما رأوا ابن عباس قالوا: لا تناظروه فإنه من قريش، الذين قال الله فيهم: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف:٥٨]، فلم يغضب ابن عباس ويتركهم ويذهب، وإنما تحمل حتى أبلغهم الحق كاملاً.
قال الشافعي ﵀: قال رجل من الخوارج لـ علي ﵁ وهو في الصلاة: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥] فقرأ علي: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ [الروم:٦٠].
وهذا الإمام أحمد ﵀ لما سأله المبتدع: ما تقول في القرآن؟ قال الإمام أحمد: ما تقول أنت في علم الله؟ فسكت المبتدع؛ لأنه يعلم ما وراء السؤال.
قال الإمام أحمد: فقال لي بعضهم: أليس الله تعالى يقول: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦] والقرآن شيء، قال الإمام أحمد: قال الله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف:٢٥] ألم تبق أشياء لم تدمر.
قال المبتدع: أليس قد قال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ [الزخرف:٣] أفيكون مجعولاً إلا مخلوقاً؟ فقال الإمام أحمد: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل:٥] أي: خلقهم؟! وأنت تعلم أن من معاني كلمة جعل: صَيَّرَ.
стр. 3044
إيقاف الناس عند حدهم
من سمات رجل العقيدة: أنه يُوقف الناس عند حدهم ويفاصلهم عندما يعصون رسول الله ﷺ ، عن سعيد بن جبير: (أن قريباً لـ عبد الله بن مغفل ﵁ خَذَفَ، فنهاه وقال: إن رسول الله ﷺ نهى عن الخذف -يضع الإنسان الحجر بين إصبعيه ويرمي به- وقال: إنها لا تصيد صيداً، ولا تنكأ عدوا؛ ولكنها تكسر السن وتفقأ العين قال: فعاد وأصر وخذف، فلما رآه قال: أحدثك أن رسول الله ﷺ نهى عنه ثم تخذف، لا أكلمك أبداً).
ورجل العقيدة صاحب عبادة، إيمانياته قوية، متصل بربه عزوجل، نأخذ مثالاً واحداً فقط: عثمان ﵁؛ لأن حياة عثمان ﵁ لا يُهتم بها كثيراً مثلما يُهتم بغيرها من الخلفاء، مع أنه رجل عظيم ﵀، قال عثمان ﵁: [لو طهُرت قلوبنا ما شبعنا من كلام ربنا، وإني لأكره أن يأتي عليَّ يومٌ لا أنظر فيه في المصحف، وما مات عثمان ﵁ حتى تخرق مصحفه من كثرة ما يدم النظر فيه].
وعن محمد بن سيرين قال: قال أنس: [قالت امرأة عثمان يوم الدار: اقتلوه أو دعوه فوالله لقد كان يحيي الليل بالقرآن].
وكان ﵁ لا يُوقظ أحداً من أهله إذا قام من الليل يُعينه على وضوئه إلا أن يجده يقظاناً، وكان كثير الصوم، وكان يُعاتب، فيقال له: لو أيقظت بعض الخدم يساعدوك في الوضوء في قيام الليل، فيقول: [لا.
الليل لهم يستريحون فيه].
وكان إذا اغتسل لا يرفع المئزر عنه، وهو في بيت مغلق عليه من شدة حيائه ﵁.
وتأمل في كلام ابن القيم ﵀ وهو يُعبر لك عن نفسية شيخ الإسلام ابن تيمية، وعن اتصال ذلك الرجل بالله عزوجل، قال ابن القيم ﵀: وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: إن في الدنيا جنةً من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة.
وقال لي مرةً: ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، أينما ذهبت فهي معي لا تفارقني، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة.
وكان يقول في محبسه في القلعة: لو بذلت لهم ملء هذه القلعة ذهباً ما عدل عندي شُكر هذه النعمة أو قال: ما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخير ونحو هذا.
وكان يقول في سجوده وهو محبوس: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
وقال لي مرة: المحبوس من حُبس قلبه عن ربه تعالى، والمأسور من أسره هواه.
ولما دخل إلى القلعة وصار إلى سورها نظر إليه، وقال: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد:١٣].
وعلم الله ما رأيت أحداً أطيب عيشاً منه قط، مع ما كان فيه من ضيق العيش، وخلاف الرفاهية والنعيم، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشاً، وأشرحهم صدراً، وأقواهم قلباً، وأسرهم نفساً، تلوح نظرة النعيم على وجهه.
стр. 3045
التوازن في التلقي
رجل العقيدة يُوازن في تلقيه وتربيته بين نواحي التربية المختلفة، فتربيته ليست علمية فقط، فإنها قد تقسي القلب، وليست إيمانية فقط فإنها قد تقود إلى جهل يُورد المهالك، وليست دعوية فقط، فكيف يدعو الناس ويهديهم من علمه وإيمانه ضعيف؟! إن جوانب تربيته لنفسه كاملة، وإنه يعلم أن التربية الإيمانية في غاية الأهمية، وأنه مهما بلغ من الشأن والعلو فإنه لا بد أن يهتم بقلبه، وهذا خلاف ما يعتقده بعض المتكبرين الذين يرون أن التربية الإيمانية مهمة للناشئة فقط، مع أنها مهمة للمتقدمين والمتأخرين، وأنه مهما قطع الإنسان مشواراً طويلاً في التربية، فإنه لا يزال يحتاج إلى تقوية قلبه.
ورجل العقيدة يُركز على بناء الأوساط الإيمانية التي من خلالها يتربى الناس، وعلى تنشئة القدوات التي من خلالها يتأثر الناس، وقته مملوء بطاعة الله عزوجل (من أصبح منكم اليوم صائماً؟ قال أبو بكر: أنا.
من عاد منكم اليوم مريضاً؟ قال أبو بكر: أنا.
من تبع منكم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا).
من ذا الذي يستطيع أن يجمع عيادة مريض وشهود جنازةٍ وصيام يومٍ في يوم واحد؟! أليس يدل ذلك على أن رجال العقيدة في ذلك الوقت كان يومهم مليئاً بأصنافٍ من الطاعات؟! لو قيل لـ حماد بن سلمة: إنك تموت غداً؟ ما قدر أن يزيد في العمل شيئاً؛ لأنه مُشَبّع بالأعمال الصالحة، لا يستطيع أن يزيد؛ لأنه عد نفسه أنه سيموت غداً.
стр. 3046
إنكار المنكر
رجل العقيدة يعمل على إنكار المنكر؛ وهذه نقطة مهمة جداً، وما وصل المسلمون إلى ما وصلوا إليه إلا بسبب قيام البعض بفعل المنكر، وقيام آخرين بالسكوت عنهم، وقيام فريق ثالث بإنكاره إنكاراً خاطئاً، فحدث الشر والفساد.
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يبدأ بالأهم فالأقل أهمية في الإنكار، ويُقدم الأمر بفعل الواجبات على النهي عن المحرمات إذا استوى الواجب والمحرم، وإلا فإنه يبدأ بالأعلى رتبة، والأكثر خطراً، والأعلى شراً وأشد انتشاراً بين الناس، وهو كذلك يتدرج في الإنكار يداً ولساناً، وإنكاره بقلبه لا يفارق جميع الحالات.
يجب على الإنسان أن يفارق المجلس إن لم يستطع الإنكار، ولا يأمر بمعروف إذا علم أنه سيؤدي إلى منكر أكبر منه، ولا يأمر بمعروف إذا كان سيؤدي إلى فوات معروف أكبر منه، ولا ينهى عن منكر إذا كان سيؤدي إلى منكر أكبر منه، ولا ينهى عن منكر إذا كان سيؤدي إلى فوات معروف أكبر منه، وتفصيل هذه الحالات وغيرها في محاضرة بعنوان: (ضوابط في إنكار المنكر).
وهو صاحب هيبة بين أهل المنكر، ولو رأوه لهابوه، عن سعيد بن جبير قال: مرَّ ابن عمر ﵁ بفتيان من قريش قد نصبوا طيراً وهم يرمونه بالنبل، وقد جعلوا لصاحب الطير كل خاطئة من نبلهم، فلما رأوا ابن عمر تفرقوا، فقال ابن عمر: (من فعل هذا؟ إن رسول الله ﷺ لعن من اتخذ شيئاً فيه الروح غرضه).
ورجل العقيدة يهتم بإنكار المنكر حتى آخر لحظة من حياته، ألم تر أن عمر ﵁ نهى ذلك الشاب المسبل عن الإسبال وهو على فراش الموت، فقال: [يا بن أخي! ارفع ثوبك؛ فإنه أتقى لربك وأنقى لثوبك].
وأوصى أبو موسى ﵁ حين حضره الموت، فقال: [إذا انطلقتم بجنازتي فأسرعوا بي المشي، ولا تجعلون على لحدي شيئاً يحول بيني وبين التراب، ولا تجعلون على قبري بناءً، وأشهدكم أني بريءٌ من كل حالقة، أو سالقة، أو خارقة، قالوا: سمعت فيها شيئاً؟ قال: نعم.
من رسول الله ﷺ ].
ورجل العقيدة يُضحي بنفسه في سبيل الدين؛ لأن هذا الدين لا يقوم بغير تضحيات، وبعض القاعدين الكسالى، يظنون أن الدين سيقوم بمجرد التعلم النظري لهذا الدين، حتى لو لم يؤدوا إليه أي خدمة أو لم يضحوا في سبيل الدين بأي شيء؛ وهذا خطأ.
стр. 3047
الدعوة إلى عقيدة أهل السنة والجماعة
أريد أن أنبه -أيها الإخوة- بهذه المناسبة على مسألة مهمة: بعض الإخوان الصالحين الطيبين الذين يعتقدون عقيدة أهل السنة والجماعة، ويدينون الله بها يظنون أن مجرد الاعتقاد بعقيدة أهل السنة كافٍ في نُصرة الإسلام؛ لأن الله سينصر الطائفة المنصورة وينجيها، ولكن مجرد الاعتقاد بعقيدة أهل السنة والجماعة من غير محاولة لنشر العقيدة ومقارعة أهل البدع والإجرام بها، والتضحية في سبيل الله بالنفس والمال والوقت والجهد لن يؤد إلى النصر؛ لأن لله سنناً في الكون لا تتخلف، ورسول الله ﷺ طريقته معروفة: آمن واعتقد، وعلَّم أصحابه العقيدة، ثم دعا إليها، وجاهد في سبيلها، وصبر في سبيل ذلك، وظل يبحث عن مواطن جديدة للدعوة، وأخرج أصحاباً له إلى الحبشة وخرج هو إلى الطائف، ثم ذهب إلى المدينة وفُتحت المدينة بالقرآن ولم تُفتح بالسيف.
والقرآن مليء بالآيات الدالة على العمل، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة:٢٥].
إذاً: فمجرد الاعتقاد لا يكفي، وإنما يجب العمل.
عن أبي برزة ﵁: (أن النبي ﷺ : كان في مغزىً له، فأفاء الله عليه -غَنِمْ- فقال لأصحابه: هل تفقدون من أحد؟ قالوا: نعم.
فلان وفلان وفلان، ثم قال: هل تفقدون من أحد؟ قالوا: لا.
قال: لكني أفقد جليبيباً فاطلبوه، فطُلب في القتلى، فوجدوه إلى جنب سبعة قتلهم ثم قتلوه، فأتى النبي ﷺ فوقف عليه، فقال: قتل سبعة ثم قتلوه، هذا مني وأنا منه، هذا مني وأنا منه، قالها مرتين أو ثلاثاً، ثم قال بذراعيه هكذا فبسطهما، قال: فوضعه على ساعديه ليس له سرير إلا ذراعي أو ساعدي النبي ﷺ ، قال: فحفر له ووضعه في قبره ولم يذكر غسله).
حديث صحيح.
جليبيب قتل سبعة في سبيل ماذا؟ ثم قتل في سبيل ماذا؟ عن خباب بن الأرت ﵁ قال: [هاجرنا مع رسول الله ﷺ في سبيل الله نبتغي وجه الله فوجب أجرنا على الله، فمنا من مضى ولم يأحذ من أجره شيئاً، منهم: مصعب بن عمير].
مصعب بن عمير ماذا حصل له؟ مصعب بن عمير أسلم مع الرسول ﷺ في مكة، وجاهد والديه، وجاهد المجتمع، وأوذي في سبيل الله وناله من الأذى شيئاً كثيراً، ثم يُهاجر مصعب إلى المدينة بسبب اختيار الرسول ﷺ له، وذلك لميزات في شخصيته، فكان سفره من أقوى الأسباب التي أدت إلى انتشار الإسلام في المدينة، وقد أسلم على يديه سادات الأنصار، ثم يخرج في معركة بدر ويقاتل، ويخرج في معركة أحد ويحمل اللواء، فيُقتل ﵁.
ماذا جاءه من نعيم الدنيا؟ لما مات ياسر وقتلت زوجته أم عمار ماذا نالت من الدنيا؟ ماذا نالت من المغانم؟ لا شيء، مات هؤلاء في مقتبل الأمر مات هؤلاء والمسلمون في مرحلة استضعاف، ضحوا ولم يروا نتائج التضحية، بعض المسلمين يستعجلون يريدون أن يروا نتائج العمل في أقرب وقت.
يا أخي! ربما لا ترى النتيجة إلا بعد أجيال وربما لا تراها أنت أصلاً، ربما لا يراها إلا حفيدك أو حفيد حفيدك، وماذا يُضِيرك لو تعمل للإسلام؟ ولو رأى غيرك النتيجة؛ لأنك لست مكلفاً إلا بالعمل (قتل مصعب يوم أحد فلم يُوجد له شيء إلا نمرة، فكنا إذا وضعناها على رأسه خرجت رجلاه، وإذا وضعناها على رجليه خرج رأسه، فقال رسول الله ﷺ : ضعوها على رأسه واجعلوا على رجليه الإذخر، ومنا من أينعت ثمرته فهو يهدبها).
لكن الصحابة حتى بعد أن فُتح عليهم وجاءتهم الأموال، يجلس الواحد منهم يحاسب نفسه ويبكي ويقوم ويترك طعام الإفطار، يقول: ومنا من أينعت ثمرته، هو الآن يتنعم، يحاسب نفسه فيبكي ويقوم ويترك طعام الإفطار.
стр. 3048
التضحية في سبيل هذه العقيدة
رجل العقيدة إذا عمل في سبيل نصرة الدين وضحى بنفسه لا يريد بذلك متاعاً دنيوياً، ويُصّر على ألا يأخذ متاعاً دنيوياً، عن شداد بن الهاد قال: (أن رجلاً من الأعراب جاء إلى النبي ﷺ فآمن به واتبعه، ثم قال: أهاجر معك، فأوصى به النبي ﷺ بعض أصحابه ليعينوه ويكفلوه ويربوه ويعلموه -أعرابي- فلما كانت غزوة خيبر غنم النبي ﷺ فيها شيئاً فقسمه، وقسم له -لهذا الأعرابي، ولم يكن موجوداً وقت القسمة؛ لأنه كان يرعى ظهور المسلمين- فأعطى الرسول ﷺ نصيب الأعرابي لأصحابه، فلما جاءهم دفعوه إليه، فقال: ما هذا المال؟ فقالوا: قَسَمَ لك النبي ﷺ فأخذه فجاء به إلى النبي ﷺ ، فقال: ما هذا؟ فقال: قسمته لك، قال: ما على هذا تبعتك؟ ولكن تبعتك على أن أُرمى هاهنا -وأشار إلى حلقه بسهم- فأموت فأدخل الجنة، فقال الرسول ﷺ : إن تصدق الله يصدقك، فلبثوا قليلاً ثم نهضوا في قتال العدو، فأُتي به النبي ﷺ وهو محمول وقد أصابه سهم حيث أشار -بعد المعركة- فقال النبي ﷺ : أهو هو؟ قالوا: نعم.
قال: صدق الله فصدقه، ثم كفنه النبي ﷺ في جبته، ثم قدمه فصلى عليه، فكان فيما ظهر من صلاته: اللهم هذا عبدك، خرج مهاجراً في سبيلك، فقتل شهيداً وأنا شهيدٌ على ذلك) والأحاديث الماضية صحيحة.
стр. 3049
معرفة الواقع
ومن سمات رجل العقيدة كذلك: أنه يعي الواقع جيداً، ويُلم به، وأنه رجل يعيش عصره لا يعيش متقوقعاً لا يعلم ماذا يحدث في بلاد المسلمين، وما هي التيارات التي تخترق مجتمعات المسلمين؟ إن لديه إلماماً بالتيارات التي تواجه المسلمين بأخطارها، مثل: التيارات الإلحادية الصريحة كـ الشيوعية والقومية وغيرها، وكذلك تيارات الباطنيين كـ القاديانية والبهائية وغيرها، وتيارات القوميين والعلمانيين الذين قال بعض قادتهم:
سلام على كفر يوحد بيننا وأهلاً وسهلاً بعده بجهنم
هؤلاء الذين لا يرفض بعضهم الإسلام صراحة، ولكنهم يجعلونه ضمن دوائر خاصة يجعلونه جزءاً من التراث بحيث يشمل كل الفلسفات والأفكار والتقاليد والنظم مما قبل الإسلام أو بعده، سواء كان موافقاً للإسلام أو مخالفاً له، يريدون أن يحصروا الدين في الشعائر التعبدية والأحوال الشخصية، والتزام الفرد بالأخلاق والآداب فقط.
وكذلك يدركون تيارات التبشير النصراني، وعبادة الفرد من دون الله، ويدركون جيداً تيارات أهل البدع من أهل الاعتزال والكلام، وأخطر من يواجه المسلمين في هذا العصر من أهل البدع من جهة العقيدة غير النصارى والعلمانيين والناس الذين ذكرناهم فيما سبق، الصوفية بفرقها، والأشاعرة من ناحية الامتداد والتمركز، وذلك من خلال جامعاتهم في العالم الإسلامي، ودروس مشايخهم وطبع كتبهم وتقريرها وتوفيرها والترابط بين مذاهبهم.
ورجل العقيدة علمه بالواقع يُؤدي إلى عِظم شعوره بالمسئولية تجاه الواقع.
ما فائدة المعرفة بالواقع؟ إنه يؤدي إلى الشعور بالمسئولية للتغيير، ويعلم بأن هناك أكثر من ألفي مليون من البشر يعبدون آلهة وثنية من دون الله، ويعلم بأن هناك أكثر من ستمائة مليون إنسان في الهند يُقدسون البقر، ويقولون: نموت فداءً للبقر، ويعلم بـ الشيوعية وأهدافها وأحزابها ودولها وهيئاتها التي تعمل ليكون العالم كله شيوعياً، ويعلمون عن اليهود وعقائدهم الذين أخبر القرآن عنهم أنهم سبوا الله، فقالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة:٦٤].
وهم الذين قالوا: إن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استراح يوم السبت.
وهم الذين يقولون: إذا احتدم الخلاف بين الله والحاخاميين فإن الحق مع الحاخاميين.
وهم الذين يقولون: إن الأديان بغير اليهود كلاب، يحل غشهم والمنافقة معهم عند اللزوم.
ويعلم رجل العقيدة بمؤامرات اليهود في العالم، وكيف تنطلق أنشطتهم من البنوك والمصارف والاحتكار والمسارح والسينما والمطابع، ودور النشر التي تُصدر كتبهم وصحفهم ومجلاتهم، ويعلم بأن الغرب مشتغل بعبادة المال وتجارة الرقيق الأبيض والمخدرات والتمييز العنصري، وأن الغرب تنتشر فيه تيارات الهيدية والسادية واللواط وعبادة الشيطان، وأن أولئك الكفار لا يعلمون شيئاً اسمه الخوف من الله، وأن الحضارة الغربية والتقدم العلمي ما هو إلا من قول الله عزوجل: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧] وصدق من قال: لقد تعلم الإنسان كيف يطير في الهواء ولكنه لا يدري كيف يمشي على الأرض.
ورجل العقيدة: يعلم بوعيه أن هناك مؤامرات تُدبر في بلاد المسلمين ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، ويعلم مثالاً جيداً من سيرة رسول الله ﷺ في أولئك المنافقين الذين بنوا مسجداً ليكون ظاهر الأمر أمام المسلمين أنه شيء طيب، ولكنه في الحقيقة يخفي وراءه عذاباً ونكالاً ومؤامرة على المسلمين.
ولذلك يقول الله : ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادَاً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ * أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:١٠٧ - ١١٠].
ولذلك أمر الرسول ﷺ بهدمه وحرقه مع أنه مسجد حتى قال بعض السلف: "فهو الآن مزبلة"؛ لأن هذه المؤامرات وهذه الدسائس لا تنطلي على الرسول ﷺ وأصحابه، وليس كل شيء ظاهره الطيبة أنه خير للمسلمين، بل إنه قد يكون وراءه شر مستطير، والمسلم ينفذ بعين بصيرته ما وراء تلك الجدران فيعلم ماذا يدور؟ وماذا يخبأ للمسلمين؟ وقازان الذي انتحل شخصية رجل الدين، وجاء معه بإمام وقاضٍ ومؤذن، لم ينطل أمره على شيخ الإسلام ابن تيمية لأنه وعى الأمر على حقيقته، وفتوى شيخ الإسلام في قتال التتر معروفة، وفي العصر الحديث جاء نابليون إلى مصر، فلبس الجبة، وحضر مجالس العلماء، وصلى في الأزهر، وأفطروا على مائدته، وانطلى أمره على كثير من المسلمين.
стр. 3050
تقدير الأمور ومعرفة أنها مسئولية
ورجل العقيدة يُقدر الأمور ويُقدر أنها مسئولية، ويعرف ثِقل التبعات، ويقف عندما يحس بأن المسألة تحتاج للاستعداد، عن أنس ﵁ قال: (أن رسول الله ﷺ أخذ سيفاً يوم أحد فقال: من يأخذ مني هذا؟ فبسطوا أيديهم وكل إنسان منهم يقول: أنا أنا، قال: فمن يأخذه بحقه؟ فأحجم القوم، فقال سماك بن خرش أبو دجانة: أنا آخذه بحقه، قال: فأخذه ففلق به هام المشركين) رواه مسلم.
وفي المواقف الصعبة يظهر دور رجل العقيدة في تثبيت الناس، ويظهر دور تلك الشخصيات العظيمة في إشاعة أجواء الإيمان والطمأنينة في جنبات تلك النفوس المزلزلة، وهذا أبو بكر الصديق ﵁ صار ملجأ الناس لما تزلزلوا عند موت رسول الله ﷺ ، وكشفت تلك الحادثة عن قدرة الرجل وإيمانه وعلمه، قام بدور لم يقم به بقية الصحابة، فتشهد أبو بكر فمال إليه الناس وتركوا عمر، فقال: [أما بعد من كان منكم يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، قال الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤]، قال: والله لكأن الناس لم يكونوا يعلمون أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها منه الناس، فما أسمع بشراً من الناس إلا يتلوها] في طرق المدينة وهم خارجون كأنهم لم يشعروا أن الآية نزلت إلا في ذلك الوقت، مع أنها نزلت من قبل، وهكذا كان دور الإمام أحمد ﵀ في تثبيت الناس يوم المحنة.
следующие страницы →