← Джавами‘

Джавами‘ · id 7704

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (7 040 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

الأعمال بالخواتيم العمل في الظاهر قد يكون بالنسبة إلينا عظيماً، لكن عند الله شيئاً آخر باعتبار النهاية، باعتبار الشيء الخفي الذي يكون في قلب صاحبه ونحن لا ندركه في الظاهر، والله يعلمه، روى البخاري رحمه الله تعالى (عن سهل بن سعد الساعدي ﵁، أن رسول الله ﷺ التقى هو والمشركون فاقتتلوا، فلما مال رسول الله ﷺ إلى عسكره، ومال الآخرون إلى عسكرهم، وفي أصحاب رسول الله ﷺ رجل لا يدع لهم شاذة ولا فاذة إلا أتبعها يضربها بسيفه فقال الناس: ما أجزى منا اليوم أحد كما أجزى فلان -ما أحد عمل مثل هذا الرجل منا معشر المسلمين- فقال رسول الله ﷺ : أما إنه من أهل النار). شيء عجيب! شخص يقاتل مع المسلمين ويبلي بلاء حسناً، وهو شجاع للغاية، ولا يدع للكفار شيئاً إلا ضربه، ومع ذلك النبي ﷺ يقول: (أما إنه من أهل النار فقال رجل من القوم: أنا صاحبه) أي: واحد من المسلمين تبرع أن يلازم هذا الرجل؛ ليعرف الحقيقة ويأتيهم بخبره- فخرج معه، كلما وقف وقف معه، وإذا أسرع أسرع معه، قال: (فجرح الرجل جرحاً شديداً، فاستعجل الموت، فوضع نصل سيفه بالأرض، وذبابه -أي: رأس السيف وطرفه الحاد- بين ثدييه، ثم تحامل على سيفه فقتل نفسه). ما هي النهاية؟ انتحار! فخرج الرجل هذا الملاصق المراقب إلى رسول الله ﷺ ، فقال: أشهد أنك رسول الله، قال: (وما ذاك؟) قال: الرجل الذي ذكرت آنفاً أنه من أهل النار، فأعظم الناس ذلك، فقلت: أنا لكم به، فخرجت في طلبه، ثم جرح جرحاً شديداً، فاستعجل الموت، فوضع نصل سيفه في الأرض وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل عليه فقتل نفسه، فقال رسول الله ﷺ عند ذلك: (إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس، وهو من أهل الجنة). وذلك لأن الأعمال بالخواتيم، فنحن قد نحكم على شخص بأنه من أهل الجنة ونظن ذلك، وعن آخر أنه من أهل النار، وننسى قضية الخاتمة، فلننتظر إذاً. ولذلك من القواعد عند أهل السنة والجماعة: ألا نحكم لمعين بجنة ولا بنار إلا من حكم عليه أو حكم له الشارع، وهذا الرجل الذي وردت قصته في هذا الحديث، الذي قتل نفسه وانتحر مثال على قضية الاعتبار بالخواتيم. مسألة الدنيا عندنا -أيها الإخوة- الدنيا عندنا هي الأموال والعمارات، والقصور والبساتين، والزروع والثمار، والذهب والفضة، والمراكب، وهي تعني عندنا أشياء عظيمة ولهذا تثقل في نفوسنا، وهذا معروف ومشاهد في الواقع، ولا يحتاج إلى شرح: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران:١٤]. لكن الميزان عند الله في هذا قوله ﵊: (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء) لو كانت تساوي عند الله شيئاً، ما أعطى الكافر منها شيئاً، قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح غريب من هذا الوجه. حديث صحيح رواه الترمذي رحمه الله تعالى وغيره، يبين لنا الميزان الحقيقي عند الله تعالى لهذه الدنيا، كل هذه الدنيا بما فيها من ألوان النعيم؛ من ناطحات سحابها إلى ما تحت التراب من المعادن والثمار لا تساوي عند الله جناح بعوضة، وعندنا كم تساوي؟! انظروا إلى الفرق بين الميزان الإلهي والميزان البشري. الغنى ما الغنى؟ الغنى: كثرة المال والمراكب والبيوت، هذا هو الغنى، الغنى: المادة، روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: (ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس) رواه البخاري ومسلم، ليس الغنى الزيادة في المادة، ولكن الغنى غنى النفس، لو جئت بأغنى أهل الأرض لو كان له واديان من ذهب فإنه يريد الثالث، ما شبع ولن يشبع أبداً. فهو ليس مطمئن النفس، والغني حقيقة هو المستغني عن الناس والذي لا يتطلع إلى شيء، والذي نفسه راضية مطمئنة: (ولكن الغنى غنى النفس) الذي لا يأسف على الدنيا إذا فاتت، ولا يفرح إذا جاءت، هذا هو الغني حقيقة، المتنعم بحياته، وصاحب راحة البال والمطمئن: (ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس). الناس إذا رأوا ما عند الأغنياء تطلعوا ومدوا أعينهم: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص:٧٩] ماذا قال الذين أوتوا العلم والذين يُعملون الميزان الإلهي، ولا ينخدعون بالمنظُور البشري؟ ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ * فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ [القصص:٨٠ - ٨١]. كان النبي ﷺ حريصاً أن يبين للناس أن قضية الكثرة ليست اعتباراً شرعياً، فكان يقول لهم: (الأكثرون هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال: هكذا وهكذا وهكذا) أي: الغني الذي ينفق ماله من اليمين والشمال في جميع الاتجاهات وجميع سبل الخير، وكلما عرضت فرصة أنفق، لا يبالي بما ينفق، وينفق بلا حساب، ولا تعلم يمينه ما تنفق شماله: (الأكثرون -أي: في الدنيا- هم الأقلون يوم القيامة).

стр. 3117

بين حقيقة الربح وصورته الربح في المنظور الدنيوي يعني أن تحصل الزيادة على رأس المال، وكلما كانت الزيادة أكثر كنت في المنظور البشري رابحاً أكثر، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٠٧] ولهذا سبب نزول، قال ابن عباس وأنس وسعيد بن المسيب وأبو عثمان النهدي وعكرمة وجماعة: [نزلت في صهيب بن سنان الرومي، وذلك أنه لما أسلم بـ مكة وأراد الهجرة منعه الناس أن يهاجر بماله، وإن أحب أن يتجرد منه ويهاجر فعل، فتخلص منهم وأعطاهم ماله، فأنزل الله فيه هذه الآية، وذهب إلى المدينة، فتلقاه عمر بن الخطاب وجماعة إلى طرف المدينة في الحرة، فقالوا: ربح البيع، فقال: وأنتم، فلا أخسر الله تجارتكم، وما ذاك؟ فأخبروه أن الله أنزل فيه هذه الآية]. وروى ابن مردويه كما ذكر ابن كثير رحمه الله تعالى عن أبي عثمان النهدي (عن صهيب قال: لما أردت الهجرة من مكة إلى النبي ﷺ ، قالت لي قريش: يا صهيب! قدمت إلينا ولا مال لك، وتخرج أنت ومالك؟!!) -مستحيل لا يمكن، جئتنا فقيراً صعلوكاً، فاشتغلت عندنا بـ مكة وحصلت أموالك، ثم تريد أن تخرج الآن إلى المدينة أنت ومالك، (والله لا يكون ذلك أبداً، فقال لهم: أرأيتم إن دفعت إليكم مالي، تخلون عني، قالوا: نعم) -إنهم أناس دنيويون يأخذون المال ويتركون الشخص- (فدفعت إليهم مالي، فخلوا عني، فخرجت حتى قدمت المدينة، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فقال: ربح صهيب ربح صهيب!) وفي رواية: (ربح البيع ربح البيع). ترك كل الممتلكات والأموال وما بقي له شيء، خرج بثيابه فهذا يعتبر عندنا خسراناً، ولكن النبي ﷺ يقول: (ربح البيع، ربح صهيب) والله ينزل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة:٢٠٧]. إذاً عند الشارع كونه يهاجر ويترك بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، وينصر دعوة النبي ﷺ ، ويذهب ليقيم في المدينة، ويتعلم العلم ويجاهد مع الصحابة، ولو خسر كل ماله، فإن ذلك هو الربح الحقيقي، فانظروا -رحمكم الله- إلى الفرق بين الميزان الإلهي والميزان البشري، ونحن يجب علينا أن نتحرر من هذه الموازين الأرضية، وأن نسلك سبيل الموازين الشرعية. لما استقرت هذه الحقيقة في نفوس الصحابة تصدقوا بأموالهم، فهل عرفتهم أحداً يذهب اليوم إلى رصيد ماله في البنك، وينظر ماذا في الرصيد، مائة ألف مثلاً يأخذ خمسين ألفاً ويتصدق بها (نصف المال)؟ لا نقول: مستحيل، لكن ليس أمراً معروفاً على الإطلاق. الصحابة لما استقرت في نفوسهم قضية الموازين الإلهية، والنظرة الشرعية إلى الأمور؛ أبو بكر تصدق بماله كله، وعمر تصدق بنصف ماله، وأبو طلحة كان أكثر الأنصار بـ المدينة مالاً من نخل، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد (موقع استراتيجي) وكان رسول الله ﷺ يدخلها، ويشرب من ماء فيها، وبها ثمار يانعة وماء طيب وموقع مهم، قال أنس: فلما أنزلت هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢] قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ ، فقال: (يا رسول الله! إن الله ﵎ يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢] وإن أحب أموالي إلي بيرحاء، -أنفس مال عندي- وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله). ذهب إلى العالم ليتصرف له بالمال، لأن العالم يعرف أكثر من الغني أي المجالات أكثر أجراً، فقال رسول الله ﷺ : (بخ، ذاك مال رابح، ذاك مال رابح!) رجل ذهب أنفس ما عنده من المال أين الربح؟! وهذه القصة في البخاري. وروى أحمد وهو حديث صحيح أن أبا الدحداح باع حائطه كله بنخلة، لأنه سمع أن الرسول ﷺ يقول لرجل: (أعطها إياه بنخلة في الجنة) أي: ليتيم كان ينازعه فيها. فقال النبي ﷺ لصاحب النخلة: (أعطه النخلة ولك نخلة في الجنة فرفض، فسمع أبو الدحداح فقال: أعطيك بستاني كله بهذه النخلة، فوافق -صفقة ممتازة ورابحة- فأعطاه وبادله، وجاء إلى النبي ﵊ قال: يا رسول الله! قد ابتعت النخلة بحائطي، قال: اجعلها له). إذاً: لا الثمن ولا السلعة، ما بقي عنده شيء، فقال ﵊: (كم من عذق رداح لـ أبي الدحداح في الجنة قالها مراراً) قال: فأتى امرأته فقال: (يا أم الدحداح! اخرجي من الحائط -من البستان- فإني قد بعته بنخلة في الجنة، فقالت: ربح البيع، أو كلمة تشبهها). إذاً الرجل والمرأة البيت المسلم تأسس على هذا الأساس، على أساس الأخذ بالميزان الشرعي، وبما عند الله لا بما عند الناس، فالمرأة قالت: صفقة رابحة، اعتبرتها رابحة ووافقت زوجها. أنت إذا ذبحت شاة وتصدقت بجزء منها وبقي لك جزء ما هو معيارك في النظر إلى الشيء الباقي والشيء الذاهب؟ الشيء الذي تصدقت به ذهب، والذي بقي هو ما عندك حقيقة، لكن عند الله تعالى المسألة تختلف، روى الترمذي عن عائشة: (أنهم ذبحوا شاة، فقال النبي ﷺ لـ عائشة: ما بقي منها؟ فقالت: ما بقي منها إلا كتفها -تصدقنا بكل الشاة المذبوحة ما أبقينا إلا الكتف، لأنها تعلم أن النبي ﷺ يحب الكتف- فقال ﵊ -العبارة العظيمة-: بقي كلها غير كتفها) وذلك لأن الكتف سيؤكل بعد قليل ويذهب، إذاً ما الذي بقي حقيقة؟ الذي تصدقوا به هو الذي بقي. إذاً: هو هذا المعيار الشرعي، قال ﵊ لأصحابه: (أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع فقال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار) عند الله هذا هو المفلس. نسأل الله أن يجعلنا بدينه فقهاء، وأن يجعلنا بأحكامه عالمين، وعلى سنة نبيه سائرين، وبحبله مستمسكين، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم؛ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 3118

حقيقة الربا خسارة الحمد لله وحده، وأشهد أن لا إله إلا هو لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم، أنزل الميزان، وأنزل الكتاب ليحكُم الناس بالقسط، وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله: لازلنا نقول: إن معيار الكثرة والقلة يجب أن يضبط بميزان الشرع، يظن الناس أن الأكثرية على صواب، وبناءً على هذا قام مذهب الديمقراطية الأرضي، ولكن الله يقول: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦] ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣]. إذاً مبدأ الأكثرية لا يعني دائماً أن الحق معه، بل في الغالب أن الناس إذا تركوا إلى شهواتهم، فإن أكثرهم يختار الباطل، كما ذكر الله في كتابه، فليست الأكثرية دليلاً على الحق ولا على الصواب، لأن الناس في الغالب عبيد لأهوائهم وشهواتهم. مسألة الربا في المنظار الدنيوي زيادة وكثرة، وفي المنظار الشرعي قال ﵊: (الربا وإن كثر فإن عاقبته تصير إلى قل) حديث صحيح. أي بما يفتح على المرابي من المغارم والمهالك، وإن كان الربا زيادة في المال عاجلاً، فإنه يئول إلى نقص ومحق آجل. وروى هذا الحديث ابن ماجة بلفظ: (ما أحد أكثر من الربا، إلا كان عاقبة أمره إلى قلة) ينقص مال المرابي ويذهب ببركته. عندنا في الميزان الدنيوي وفي المنظور البشري المليون (٧٠%) فيها زيادة سبعين ألفاً، قلت لرجل: أين فلان؟ قال: مقيم في الخارج، أينفق عليه أبوك؟ قال: لا. قلت: من ينفق عليه؟ قال: عنده ملايين الريالات يضعها في الخارج في البنوك، ويعيش من فوائدها، ينقلها بين المصارف أيهم يعطيه أكثر، وهو مرتاح البال، المال مضمون والفوائد تأتي، ويعيش في الخارج، يضع (٧. ٠٠٠. ٠٠٠) ملايين مثلاً في البنك، يأتيه في السنة نصف مليون، ينفق في كل شهر (٤٠. ٠٠٠) ألف ريال ما يحتاج أكثر من هذا. ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة:٢٧٥] والنبي ﷺ بين عذابهم في البرزخ: (رجل يسبح في نهر الدم يأتيه شخص يلقمه حجراً، فيسبح ويعود ويلتقم الأحجار واحداً وراء واحد) وفي الآخرة يحارب الله تعالى ولا قدرة له بمحاربته، والله تعالى سيحربه ويغلبه وإلى جهنم وبئس المهاد، مع أنها في الدنيا وفي المنظور البشري زيادة مضمونة، ورأس المال مضمون وكل شيء مريح. مسألة العلم الشرعي، كلمة العلم عند الناس، إذا قلت: هذا قسم علمي، وهذه جامعة علمية، إلى أي شيء تنصرف أذهانهم؟ إلى العلم الدنيوي، أي: عالم ذرة، أو عالم فلك، أو عالم فيزياء، جامعة علمية، أي: هندسة أو طب، قسم علمي، أي: فيزياء وكيمياء ورياضيات، لكن هذه العلوم عند الله ظاهرية، قال الله: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧]. العلم الحقيقي إذاً هو العلم بالله وبالآخرة، وهذا الذي يُصلح السلوك، لكن علم الذرة والفلك لا يصلح السلوك، ولا يجعل صاحبه يعمل لليوم الآخر. هؤلاء المخترعون الغربيون كم منهم أسلم؟ قلة نادرة، الباقون اخترعوا وإلى جهنم وماتوا على الكفر، مع الأخذ ببقية الضوابط الشرعية من بلوغ الدعوة إلى آخره. إذاً العلم الحقيقي، والمستوى العالي من العلم، والعلم النفيس، هو العلم بالله وآياته وسنة نبيه واليوم الآخر، هذا هو العلم، الفقه في دين الله تعالى هو العلم، مع أنك لا ترى الناس عندهم هذا المفهوم بشكل واضح وصريح.

стр. 3119

من هو الرقوب الحقيقي ؟ مثال أخير: نختم به كلامنا والموضوع لازال، ولازال فيه أشياء: الذي فقد ولده في الميزان الدنيوي والبشري، ماذا يعتبر؟ حلت به كارثة أو مصيبة، لكن الذي فقد ولده عند الله شيء آخر، قال النبي ﷺ : (ما تعدون الرقوب فيكم؟ قلنا: الذي لا يولد له -الرقوب في اللغة: الرجل والمرأة الذي لم يعش لهما ولد، لأنه يرقب موته ويرصده خوفاً عليه- قال: ليس ذاك بالرقوب، ولكنه الرجل الذي لم يقدم من ولده شيئاً، قال: فما تعدون الصرعة فيكم؟ قلنا: الذي لا يصرعه الرجال، قال: ليس بذلك، ولكنه الذي يملك نفسه عند الغضب) رواه مسلم. نعود إلى قضية الرقوب، ولفظ أحمد: (شهد رجل النبي ﷺ وهو يخطب، فقال: تدرون ما الرقوب؟ قالوا: الذي لا ولد له، فقال: الرقوب كل الرقوب ثلاثاً، الذي له ولد فمات -الأب- ولم يقدم منهم شيئاً) هذا هو الرقوب. وعن بريدة بن الحصيب، قال: (كان رسول الله ﷺ يتعهد الأنصار ويعودهم ويسأل عنهم، فبلغه عن امرأة من الأنصار مات ابنها وليس لها غيره، وأنها جزعت عليه جزعاً شديداً، فأتاها النبي ﷺ ومعه أصحابه، فلما بلغ باب المرأة، قيل للمرأة: إن نبي الله ﷺ يريد أن يدخل يعزيها، فدخل رسول الله ﷺ ، فقال: أما إنه بلغني أنك جزعت على ابنك، فأمرها بتقوى الله وبالصبر، فقالت: يا رسول الله! ومالي لا أجزع، وإني امرأة رقوب لا ألد، ولم يكن لي غيره، فقال رسول الله ﷺ : الرقوب الذي يبقى ولدها، ثم قال: ما من امرئ أو امرأة مسلمة يموت لها ثلاثة أولاد يحتسبهم إلا أدخله الله بهم الجنة، فقال عمر وهو عن يمين النبي ﷺ : بأبي أنت وأمي واثنين، قال: واثنين) رواه الحاكم وهو صحيح الإسناد، وأخرجه البزار وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. فإذاً النبي ﵊ يريد أن ينقل مفهوم كلمة الرقوب إلى شيء آخر غير الذي في الأذهان، أن الذي قدم شيئاً من الولد واحتسبه عند الله تعالى هو الرابح، والذي لم يقدم شيئاً من الولد في حياته فيفوته ثواب الصبر والتسليم عند فقد الولد، فنحن لا نتمنى فقد الأولاد ولا ندعو الله بأخذهم أبداً، وقد نهينا عن ذلك، ولكن إذا حصل نصبر، وماذا تكون نظرتنا لمن مات أولاده؟ أنه كاسب رابح إذا صبر وسلم لقضاء الله. أحد الإخوان حصل له حادث، وضربت سيارته من الخلف، فمات أولاده الثلاثة في المقعد الخلفي في حادث واحد مريع، حتى نزلوا يجمعون الجثث، وهذا مخ الرأس، وهذه الأشلاء والجثث، مصيبة واقعة وكارثة كبيرة جداً، كل الذكور ماتوا في حادث واحد وضربة واحدة، بالنسبة لنا كارثة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لكن عند الله يقول النبي ﷺ : (ذراري المؤمنين عند إبراهيم وسارة يكفلانهما لآبائهما) يوم القيامة إبراهيم يرجع كل واحد مات وهو صغير لأبيه وأمه، كما جاء في الحديث الصحيح أو كما قال ﷺ . فكفالة إبراهيم وسارة -أو سارّة لأنها كانت تسر إبراهيم بجمالها من عظمه- أحسن من كفالتك. إذاً: القضية الفرق بين الميزان البشري وما عند الله، فلو أننا آمنا بهذه الأشياء ستتغير سلوكياتنا وأعمالنا وأحوالنا تغيراً جذرياً، وهذا هو المهم -أيها الإخوة- وهو الذي أردنا لفت النظر إليه. نسأل الله أن يجعلنا من أصحاب البصيرة، اللهم اجعلنا من أصحاب البصيرة يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك الأمن والأمان لنا ولجميع المسلمين، اللهم احفظنا واحفظ أموالنا وأهلينا من كل سوء يا رب العالمين!

стр. 3120

عبر وعظات من حياة الإمام الشافعي لوجود القدوة في المجتمع أهمية بالغة، ودراسة حياة العظماء تيسر للجيل الاقتداء بهم، وسلوك سبيلهم. وللإمام الشافعي شخصية فذة، يجد المطالع لحياته كثيراً من شمائله وخصاله الحسنة، وهذه المادة تسلط الضوء على ولادة الشافعي ونشأته، وطلبه للعلم ونبوغه، وأخلاقه وثناء العلماء عليه، وغير ذلك من الجوانب المتعلقة به.

стр. 3121

الشافعي وبعض ميزاته الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. إخواني: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأحييكم في هذه الليلة، وأسأل الله أن يعيننا على عبادته وذكره وشكره، وأن يعفو عنا فيما قصرنا وأذنبنا في حقه . الحمد لله الذي جعل نجوم السماء هداية للحيارى في البر والبحر من الظلماء، وجعل نجوم الأرض -وهم العلماء- هداية من ظلمات الجهل والعمى، وفضل بعضهم على بعض في الفهم والذكاء، كما فضَّل بعض النجوم على بعض في الزينة والضياء، والصلاة والسلام على محمد خاتم الأنبياء، وعلى آله وصحبه الأتقياء، صلاةً وسلاماً دائمين إلى يوم الدين. وبعد أيها الإخوة! فإن موضوعنا في هذه الليلة عن شيء من العبر والعظات من حياة الإمام محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله تعالى، ومن حق سلفنا علينا أن نتعرف على سيرهم، وأن نقف مع أحداث حياتهم، وخصوصاً إذا كنا نريد طلب العلم، فإن القراءة في حياة أهل العلم لاشك أنها من الأمور التي تكسب طالب العلم أدباً وفقهاً وخشوعاً وإعجاباً بهؤلاء، والخير في هذه الأمة لا ينقطع ولله الحمد، ولكنه كان كثيراً في أولها. إن هذه الأمة جعلت عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء وفتنة، والمطلوب منا هو الصبر على طريقة النبي ﷺ حتى نلقاه، والتفقه في هذا الدين؛ لأن التفقه في الدين من الواجبات. إن حياة هذا الإمام -رحمه الله تعالى- حياة حافلة، ولاشك أنه من المجددين، وهو من الأئمة الذين كانوا يهدون بأمر الله وصبروا على ذلك، ولاشك أنه كان للمتقين إماماً ولا يزال، وقد عدَّه كثير من أهل العلم من المجددين، ولاشك أنه أول من كتب في أصول الفقه في كتابه الرسالة، وكانت حياته -رحمه الله تعالى- مليئة بالعبر والعظات. وأما حياته، فإنه رحمه الله تعالى- كما هو معلوم لكثير من الإخوان- كان قد توفي في مصر، كما ذكر أهل العلم عنه في مسألة نسبه ومولده، فإنه قد ولد بـ غزة في سنة (١٥٠هـ) وحمل إلى مكة وهو ابن سنتين، وكان في أول عمره في عسقلان وبها ولد، وغزة وعسقلان شيء واحد، ولما بلغ سنتين حولته أمه إلى الحجاز، ودخلت به إلى قومها وهم من أهل اليمن؛ لأن أمه كانت أزدية من الأزد، فنزلت عندهم، فلما بلغ عشراً خافت على نسبه الشريف أن ينسى ويضيع، فحولته إلى مكة. وقد اتفق أهل العلم على أن الشافعي ﵀ ولد سنة (١٥٠هـ) وهي السنة التي توفي فيها الإمام أبو حنيفة النعمان رحمه الله تعالى، وقال الشافعي عن نفسه: قدمت مكة وأنا ابن عشر أو شبهها، فصرت إلى نسيب لي إلى آخر القصة.

стр. 3122

الشافعي قرشي مطلبي لاشك أن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى من جهة النسب، كان عربياً قرشياً، ولاشك أن هذه ميزة، وهو يلتقي مع النبي ﷺ في عبد مناف، فإن اسم الشافعي هو: محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف بن قصي إلى آخر النسب المعروف، فهو يجتمع مع الرسول ﷺ في عبد مناف. إذاً: الشافعي قرشي، وهو ينسب إلى جده شافع بن السائب، وهو لاشك أنه مطلبي، وبما أنه قرشي فنحن نعلم ميزة قريش التي أخبر النبي ﷺ (أن الله قد اصطفاهم من قبائل العرب) ونحن نعلم أن الرسول ﷺ قال أيضاً: (تعلموا من قريش ولا تعلموها، وقدموا قريشاً ولا تؤخروها، فإن للقرشي قوة الرجلين من غير قريش) أي: في الرأي، وهذا من الأشياء التي تدل على نباهة هذا الإمام القرشي الشافعي، وأن عقله كان فيه من الكمال أمر عظيم؛ لأن النبي ﷺ قال: (تعلموا من قريش ولا تعلموها). ولأن القرشي فيه من رجاحة العقل أكثر من غيره ولذلك كان الأئمة من قريش، فالشرط في الخليفة شرعاً أن يكون قرشياً، وقال النبي ﷺ : (قدموا قريشاً ولا تؤخروها، وتعلموا من قريش ولا تعلموها، ولولا أن تبطر قريش لأخبرتها مال لخيارها عند الله تعالى) وقد رواه الطبراني ﵀، وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع، وقال النبي ﷺ أيضاً: (من أهان قريشاً، أهانه الله). وقريش أول الناس من العرب موتاً، وأسرعهم فناءً وزوالاً، فـ الشافعي ﵀ إذاً هو إمام قرشي، وأمه من الأزد، والأزد من اليمن وهم أصل العرب، ولاشك أن أهل اليمن كثير منهم قد أقام في بلاد الشام وفي أرض فلسطين وغيرها. ومن طريف ما يحكى عن أم الشافعي من الحذاقة: أنها شهدت عند قاضي مكة هي وامرأة أخرى، فأراد القاضي أن يفرق بين المرأتين ليختبر صدق كل واحدة -يفرق بينهما فيسمع من هذه على حدة ومن الأخرى على حدة- فقالت له أم الشافعي: ليس لك ذلك؛ لأن الله يقول: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة:٢٨٢] إذاً لا يكون لك أن تفرق بيننا، قال ابن حجر ﵀: "وهذا فرع غريب واستنباط قوي". وبالنسبة لكنيته فإن الشافعي رحمه الله تعالى يكنى بـ أبي عبد الله، وقد تزوج، وله أولاد، واستدل عدد من أهل العلم بقوله ﷺ : (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها) بأن الشافعي هو المجدد في المائة الثانية، وعمر بن عبد العزيز هو المجدد في رأس المائة الأولى. والبحث في موضوع التجديد طويل، والتجديد الصحيح أنه يتجزأ، فمن الناس من يبعثهم الله ليجددوا للأمة في الحديث، ومنهم من يجدد في الفقه، ومنهم من يجدد في أصوله، ومنهم من يجدد في الجهاد وهكذا، وقد تجتمع نواحي التجديد كلها في شخص واحد كما حصل في عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه. ومن الرؤى التي رؤيت ما جاء عن ابن عبد الحكم، وهو من مشاهير تلاميذه، قال: لما حملت أم الشافعي رأت كأن المشتري خرج منها حتى انقض بـ مصر، ثم وقع في كل بلد منه شظية، وهذا فيه إشارة إلى انتشار علم الشافعي رحمه الله تعالى في أرجاء المعمورة، وأن علمه سيدخل البلدان.

стр. 3123

ولادة الشافعي في عسقلان وتربيته في الصحراء وولادته بـ عسقلان أيضاً ميزة؛ لأنها من الأرض المقدسة التي بارك الله فيها، وذكرنا أنه حمل إلى مكة وهو ابن سنتين، وتوفي بـ مصر سنة (٢٠٤هـ) وهو ابن (٥٤) سنة في آخر يوم من شهر رجب سنة (٢٠٤هـ). وكان من أمر الشافعي رحمه الله تعالى في بداية أمره أنه دخل في الصحراء وجلس إلى العرب يستمع منهم ومن أخبارهم، حتى بلغ عشرين سنة، وهذا كان من الأسباب التي جعلت لغته قوية جداً، وحفظ من الشواهد المهمة في تفسير النصوص ومعرفة التنزيل شيئاً كثيراً، حتى أنه كان يحفظ نحواً من عشرين ألفاً من الشواهد، ولاشك أن هذا قد ساعده كثيراً في مسألة فهم الكتاب والسنة. ولاشك أن طفولة الشخص من الأشياء التي تؤدي إلى نبوغه وبراعته، فنحن نأخذ من هنا درساً وفائدة، وهي أن الإنسان المسلم إذا أراد أن يعد ولده لأن يكون طالب علم، فلابد أن يعتني بنشأته، وأن يبذل من الأسباب ما يجعل هذا الولد من المتفوقين في هذا الجانب، ولاشك فإن طلب العلم الشرعي من أعظم الأمور. وكان الشافعي رحمه الله تعالى قد رزق فطنة كبيرة، وقد رزق أيضاً ذكاءً وحفظاً، حتى أنه قال عن نفسه: كنت أنا في الكُتاب أسمع المعلم يلقن الصبي الآية فأحفظها، ولقد كنت أسمع وهم يكتبون، فما أن يفرغ المعلم من الإملاء عليهم إلا وقد حفظت جميع ما أملى، فقال لي ذات يوم: ما يحل لي أن آخذ منك شيئاً- لا أخذ منك أجرة، وأنت بهذا النبوغ والحفظ- ثم لما خرجت من الكُتاب كنت أتلقط الخزف -وهو الآجر؛ الطين المشوي الذي يشوى لكي يكون صلباً- والدفوف وكرب النخل -أصول السعف الغلاظ من النخل -وأكتاف الجمال- وهي: العظام العريضة خلف المنكب وكانت تستعمل للكتابة- أكتب فيها الحديث، وأجيء إلى الدواوين فأستوهب منها الظهور -وهي الأوراق- وأكتب فيها، حتى كانت لأمي حباب فملأتها أكتافاً -والحباب: الجرار جمع جرة، كان عندها جرار فملأها من هذه الأشياء المكتوبة- ثم إني خرجت عن مكة، فلزمت هذيلاً في البادية أتعلم كلامها وآخذ طبعها، وكانت أفصح العرب، فبقيت فيهم سبع عشرة سنة، مع السنتين التي قضاها في مكة قارب العشرين، فرجع إلى مكة وقد حفظ شيئاً عظيماً.

стр. 3124

تحول الإمام الشافعي من الشعر إلى الفقه كان اهتمام الشافعي في بداية أمره بالأشعار، وهذا نجده موجوداً عند بعض الشباب، أنهم يستغلون حافظتهم في حفظ الأشعار، ويكون لهم اتجاهات أدبية، ولكن قد يقدر الله شيئاً يجعل اتجاه الشخص يتغير، وقد حدث للشافعي ﵀ في هذه الفترة من حياته قصة كانت عبارة عن كلمة غيرت اتجاه هذا الرجل. كان السبب في اتجاه الشافعي من الشعر والأدب إلى الفقه أنه كان ذات مرة يسير على دابة، فتمثل ببيتٍ من الشعر، فقال له كاتب كان لوالد مصعب بن عبد الله الزبيري: مثلك يذهب بمروءته في هذا! أين أنت من الفقه؟ -قال له: إن هذا يذهب بمروءتك، تعلم الفقه -فهزته هذه الكلمات- وبعدها قصد الشافعي ﵀ مسلم بن خالد الزنجي مفتي مكة فلازمه، ثم قدم المدينة على الإمام مالك رحمه الله تعالى، ودرس الموطأ عنده. إذاً توفيق الله يكون من الأشياء التي تؤدي بطالب العلم إلى الاتجاه في طلب العلم، وقد يكون له اتجاهات أخرى. بعض الناس لهم اشتغال بعلوم دنيوية، أو بأدب وشعر، أو بتجارة وأمور من الوظائف ونحوها، فيقدر الله حادثة تجعل الشخص يتجه إلى الاهتمام بطلب العلم، ولذلك لابد أن يطلب الإنسان من الله التوفيق دائماً.

стр. 3125

رحلة الشافعي إلى مالك في المدينة ولما قصد الشافعي ﵀ مالكاً في المدينة، أخذ كتاباً معه من والي مكة إلى والي المدينة توصية، وجاء والي المدينة معه إلى مالك وهو متهيب، وهو يقول له: مالنا ولـ مالك، الشافعي يريد من الوالي أن يذهب معه إلى مالك ليكون هذا من نوع التوصية، فلما قصدوا مالكاً، تقدم رجلٌ فقرع الباب، فخرجت جارية سوداء، فقال لها الوالي: قولي لمولاك إني بالباب، قال: فدخلت فأبطأت ثم خرجت، فقالت: إن مولاي يقرئك السلام، ويقول: إن كانت مسألة فارفعها في رقعة يخرج إليك الجواب- هذا من عزة العلماء في ذلك الزمان- وإن كان للحديث- إن جئت لتسمع الحديث- فقد عرفت يوم المجلس فانصرف. " اليوم المخصص للحديث أنت تعرفه. فقال لها: قولي له: إن معي كتاب والي مكة إليه في حاجة مهمة، قال: فدخلت وخرجت وفي يدها كرسي، فوضعته، ثم إذا أنا بـ مالك قد خرج وعليه المهابة والوقار، وهو شيخ طويل مسنون اللحية -أي: طويل اللحية- فجلس وهو متطلس -لابس الطيلسان: كساء مدور لا أسفل له- فرفع إليه الوالي كتاباً، فبلغ إلى هذا: إن هذا رجلٌ من أمره وحاله، فتُحدثه وتفعل وتصنع، توصية للشافعي مكتوبة، فرمى مالك الكتاب من يده، ثم قال: سبحان الله! أو صار علم رسول الله ﷺ يؤخذ بالوسائل؟! -أي: الوساطات- قال: فرأيت الوالي وقد تهيبه أن يكلمه، فتقدمت إليه وقلت: أصلحك الله، إني رجل مطلبي، ومن حالي وقصتي، وأخبره، فلما سمع كلامي نظر إليّ ساعة، وكان عند مالك فراسة، فقال لي: ما اسمك؟ قلت: محمد، قال لي: يا محمد! اتق الله واجتنب المعاصي، فإنه سيكون لك شأن من الشأن، هذه من فراسة مالك رحمه الله تعالى، وفي رواية أنه قال له: إن الله قد ألقى على قلبك نوراً فلا تطفئه بالمعاصي. وطلب الشافعي من مالك أن يقرأ عليه، قال له: لابد لك من مقرئ، لا تقرأ مباشرة على الشيخ، تقرأ على تلميذ الشيخ الذي ضبط كتاب الشيخ، فقال الشافعي -التمس من مالك - قال: اسمع مني ولو صفحة، فإن أعجبتك أواصل، وإلا فلا، فأمره أن يقرأ، قال: فبدأت أقرأ كتاب مالك رحمة الله عليه، فكلما تهيبت مالكاً وأردت أن أقطع القراءة وأقف، أعجبه حسن قراءتي وإعرابي، فيقول: يا فتى! زد، حتى قرأته في أيام يسيره، ثم أقمت بـ المدينة حتى توفي مالك بن أنس. ثم ذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى إلى اليمن. إذاً: جلس الإمام الشافعي إلى الإمام مالك، وسمع منه الموطأ، وهذا فيه فائدة وهي: ١ - الحرص على التلقي من الأكابر، طلب ما أمكن من أهل العلم الكبار، فإن لم يكن، فطلبة العلم الآخذين عن العلماء، وهذا أمر مهم جداً. ٢ - عدم إذلال العلم، وإنما يعز: ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ولكن للأسف! فإن كثيراً من حملته لا يقدرون العلم حق قدره، فيضعونه عند الأسافل، ويكونون مطية لغيرهم من الفسقة والفجرة. ٣ - أن من الأمور المهمة لطالب العلم الاعتناء بالإعراب، فإنه إذا قرأ على الشيخ ونحوه، وكان يلحن في قراءته، يرفع المنصوب، ويخفض المرفوع ونحو ذلك، كان ذلك منفراً للشيخ، حتى لا يريد أن يسمع منه شيئاً. ثم انظروا -أيها الإخوة- إلى قدر الله الذي جعل الإمام الشافعي ينصرف من الشعر إلى الفقه، من جراء تلك الكلمة التي سمعها، فرضي من دينه ودنياه أن يكون معلماً، وأن تكون القضية قضية شعر، فوقر في قلبه ذلك الكلام، فالإنسان إذا وجد من يعظه ويوجهه فعليه أن يتوجه، ولاشك أن من صفات المسلم أن يقبل النصيحة.

стр. 3126

تصدر الإمام الشافعي للفتيا كان الإمام الشافعي رحمه الله تعالى منذ صغره معروفاً بالنباهة، حتى قال مالك: "ما يأتيني قرشي أفهم من هذا الفتى". وكان مسلم بن خالد الزنجي يقول للشافعي: "أفتي يا أبا عبد الله، فقد آن لك والله أن تفتي"، وهو ابن خمس عشرة سنة، وكان قد لقي مالكاً وعمره ثلاث عشرة سنة. وقال إبراهيم بن محمد بن عباس: كنت في مجلس ابن عيينة والشافعي حاضر، فحدث ابن عيينة عن الزهري بحديث صفية والرجلين، وفيه: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم) فقال ابن عيينة للشافعي: ما فقه هذا الحديث يا أبا عبد الله؟ وكان إذا جاءه شيء من التفسير أو الفتوى يسأل عنها التفت إلى الشافعي، فقال: سلوا هذا. وقد أثنى العلماء عليه ثناءً عظيماً، وأثنى عليه من الأئمة الكبار يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، حتى قال يحيى بن سعيد القطان: "إني لأدعو الله للشافعي في كل صلاة، لما فتح الله عليه في العلم ووفقه للسداد فيه".

стр. 3127

سبب تأليف الشافعي لكتاب الرسالة وأما بالنسبة لـ عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله تعالى فإنه قد كتب إلى الشافعي وهو شاب أن يصنع له كتاباً في معاني القرآن يجمع فيه قبول الأخبار، وحجية الإجماع، وبيان الناسخ من المنسوخ في القرآن والسنة، فكانت رسالة عبد الرحمن بن مهدي للشافعي هي السبب في تأليف الشافعي كتاب الرسالة المعروف والمشهور، وهو أول كتاب في أصول الفقه. ويعتبر الشافعي ﵀ هو أول من كتب في هذا العلم، فكان جواب الشافعي لـ عبد الرحمن بن مهدي هو كتاب الرسالة المجلد المعروف المطبوع الموجود، فلما وصل الكتاب إلى عبد الرحمن بن مهدي -وكان من كبار الأئمة- قال: "ما أصلي صلاة إلا وأنا أدعو للشافعي فيها". وقال: "لما نظرت الرسالة للشافعي أذهلتني؛ لأنني رأيت كلام رجل عاقل فصيح ناصح، فإني لأكثر الدعاء له".

стр. 3128

مكانة الشافعي عند أهل البدع أيضاً كان المبتدعة يهابون الإمام الشافعي ويعرفون مكانته، فهذا بشر المريسي -وكان في بداية أمره على السنة ثم انحرف، نسأل الله الهداية والثبات- وكان بشر يرافق الشافعي، كان زميلاً له وكان يعرفه، ولكنه انحرف وصار من أهل البدعة، ولذلك لما جاء بشر المريسي وكان عنده أشياء من علم الكلام، قال بعضهم: كنا لا نقدر على مناظرته، فقدم الشافعي فأعطانا كتاب الشاهد واليمين، الحكم والقضاء بالشاهد ويمينه، فدرسته في ليلتين، ثم تقدمت إلى حلقة بشر، فناظرته فيه فقطعته- أي: أسكته وأفحمته- فقال بشر: "ليس هذا من كيسك، هذا من كلام رجل رأيته بـ مكة، معه نصف عقل أهل الدنيا"، يقصد الشافعي.

стр. 3129

وصف بعض العلماء للشافعي

стр. 3130

وصف يحيى بن أكثم للشافعي وصفه يحيى بن أكثم فقال: كنا معاً عند محمد بن الحسن في المناظرة، فكان الشافعي رجلاً قرشي العقل والفهم والذهن، صافي العقل والفهم والدماغ، سريع الإصابة، ولو كان أمعن في الحديث لاستغنت به أمة محمد ﷺ عن غيره من العلماء، ومعروف أن الشافعي ﵀ لم يكن من المكثرين في جمع الحديث، وإن كان جمع في أشياء وله المسند، ولكنه لم يكن مثل الإمام أحمد ﵀ الذي كان من المكثرين من جمع الحديث.

стр. 3131

وصف أحمد بن حنبل للشافعي قال أحمد ﵀ يصف الشافعي: قدم الشافعي فوضعنا على المحجة البيضاء. يقول عبد الله بن أحمد: جاء الشافعي إلى أبي زائراً وهو عليل يعوده - الشافعي يعود أحمد مع أن أحمد من تلاميذ الشافعي، لكن الشافعي ﵀ كان يعود تلاميذه- فوثب أبي إليه، فقبل ما بين عينيه، وأجلسه في مكانه وجلس بين يديه، مع أن أحمد كان مريضاً، فلما قام ليركب، راح أبي فأخذ بركابه ومشى معه. وكان أحمد ﵀ حريصاً على مجلس الشافعي كثيراً، وعلى الجلوس إليه، وكان ربما يفوت مجالس علماء ومحدثين كبار كـ ابن عيينة من أجل أن يجلس عند الشافعي، حتى قال بعض أهل العلم: حججت مع أحمد بن حنبل فنزلت في مكان واحد معه، فخرج باكراً وخرجت بعده، فدرت المسجد فلم أجده في مجلس ابن عيينة ولا غيره، حتى وجدته جالساً مع أعرابي، فقلت: يا أبا عبد الله! تركت ابن عيينة وجئت إلى هذا؟ فقال لي: اسكت، إنك إن فاتك حديث بعلو وجدته بنزول، لو فاتك ابن عيينة -تأخذ حديث ابن عيينة من تلاميذ ابن عيينة - وإن فاتك عقل هذا -أي: الشافعي - أخافك ألا تجده، ما رأيت أحداً أفقه في كتاب الله من هذا الفتى، قلت: من هذا؟ قال: محمد بن إدريس الشافعي. وقال أحمد ﵀: كان الفقه قفلاً على أهله، حتى فتحه الله بـ الشافعي، وقال أحمد أيضاً: ما أحدٌ مس محبرة ولا قلماً إلا وللشافعي في عنقه منة، وقال أحمد أيضاً: لولا الشافعي ما عرفنا فقه الحديث، فـ الشافعي له فضل على أهل الحديث بتبيان معاني الحديث، والناسخ والمنسوخ، والجمع بين الأحاديث المتعارضة، وكان بعض العلماء مثل يحيى بن معين يستغربون من إقبال أحمد على الشافعي، حتى أن يحيى بن معين -مرةً- بلغه أن الإمام أحمد مشى مع بغلة الشافعي فأرسل إليه يعاتبه، فأرسل أحمد رداً يقول لـ يحيى: لو مشيت من الجانب الآخر كان أنفع لك. أي: لو مشيت أنت من الجانب الآخر من البغلة كان أنفع لك. فـ الشافعي ﵀ رزق منهجاً سليماً، وفكراً ثاقباً، وحصافة وفطنة، وكانت أصوله في غاية الجودة، فسهَّل على أهل الحديث كثيراً فهم الأحاديث، صحيح أنه ما كان واسعاً جداً في طلب الحديث وجمعه، ولكن إذا بلغه يعرف وجهه، وكثيراً ما كان يقول: إذا صح الحديث هذا فأنا أمشي عليه؛ لأنه لم يكن يعرف صحته في بعض الأحيان، ولكن من تجرده وإنصافه- كما سيأتي- أنه كان يتبع الحديث.

стр. 3132

وصف الربيع بن سليمان للشافعي قال الربيع بن سليمان: "لو وزن عقل الشافعي بنصف عقل أهل الأرض لرجحهم، ولو كان من بني إسرائيل لاحتاجوا إليه". وكان الشافعي ﵀ سبباً في توجيه بعض طلبة العلم المشتغلين بعلم الكلام إلى اتباع السنة، منهم الأئمة الكبار، مثل: أبي ثور رحمه الله تعالى، والحسين بن علي الكرابيسي، أبو ثور من كبار الفقهاء، وكذلك الحسين بن علي الكرابيسي كان أول ما اشتغل هؤلاء بعلم الكلام، وكانوا ينبزون بأهل الحديث. ولما جاء الشافعي إلى العراق، قال أبو ثور للحسين بن علي الكرابيسي -وكانا من أهل الرأي، وربما تهكما بأهل الحديث، واعتبرا أن الرأي الذي عندهما هو القوي، وهو العلم- قال أبو ثور للكرابيسي: ورد رجلٌ من أهل الحديث يتفقه، فقم بنا نسخر منه -لأنهم يقولون: هؤلاء حملة آثار لا يفهمون شيئاً، فقط يحملون النصوص لكن لا يفهمونها- فذهبنا إليه، فسأله الحسين عن مسألة، فلم يزل يقل: قال الله، قال رسول الله، حتى أظلم عليهم البيت، فتركا ما كانا عليه واتبعاه. تركا قضية الرأي واشتغلا بالنصوص والآثار، فكان له فضل على مثل هؤلاء. وكان بليغاً جداً في المناظرة، حتى قال بعضهم: لو أن الشافعي ناظر على هذا العمود الذي من حجارة بأنه من ذهب لأقنعه بأنه من ذهب، وستأتي بعض قصص مناظراته.

стр. 3133

وصف يونس بن عبد الأعلى للشافعي ومن الأمور المهمة التي حصلت للشافعي الجمع بين الفقه والحديث، وكان عذب المنطق جداً، حتى قال يونس بن عبد الأعلى: كانت ألفاظ الشافعي كأنها سكر، وقال: كنا إذا قعدنا حوله لا ندري كيف يتكلم، كأنه سحرٌ، وكان اطلاعه في الأنساب واسعاً جداً، حتى أن ابن هشام النحوي صاحب المغازي جاء فجلس إلى الشافعي، فذاكره أنساب الرجال، هذا يذكر نسب رجل، وهذا يذكر آخراً، فقال له الشافعي بعد أن تذاكرا: دع عنك أنساب الرجال فإنها لا تذهب عني وعنك، وخذ بنا في أنساب النساء، قال: ندخل في أنساب النساء، فلانة بنت من؟ قال: فلما أخذ فيها قعد هشام، أي: بقي هشام ساكتاً والشافعي مستمر في سرد أنساب النساء.

стр. 3134

وعظ الشافعي وعبادته كان ﵀ أيضاً واعظاً جيداً، وهذه من الأمور المهمة لطالب العلم، أن يكون بالإضافة لاشتغاله بالعلم مجيداً للوعظ؛ لأن الناس قد لا تتحرك قلوبهم بالمسائل العلمية، فلابد أن تُحرَّك بالوعظ، فقال بحر بن نصير: كنا إذا أردنا أن نبكي قلنا: اذهبوا إلى هذا المطلبي نقرأ القرآن، فإذا أتيناه استفتح القرآن، فتساقط الناس بين يديه، يكثر عجيجهم بالبكاء من حسن صوته، فإذا رآهم كذلك أمسك عن القراءة، وهذه كانت طريقة السلف حتى لا يصاب بالعجب، الواحد منهم إذا أجاد في الشيء، فرأى إعجاب الناس توقف وأمسك عنه. وكان عابداً، وكان يختم القرآن ختمات كثيرة، وكان يقسم الليل ثلاثة أقسام: الثلث الأول للاشتغال بالعلم، والثلث الثاني للصلاة، والثلث الثالث للنوم، ويقوم إلى صلاة الفجر نشيطاً. ومسألة أن يكون طالب العلم مشتغلاً بالعبادة مسألة مهمة جداً، وهذا درس عظيم وفائدة بليغة، فإن بعض الناس إذا اشتغلوا بطلب العلم نسوا العبادة، فصارت عبادتهم عادية جداً، كعبادة العوام أو أقل، بل إن بعض العوام في العبادة أحسن من بعض الذين يشتغلون بالقراءة أو تحصيل العلم، وهذا راجع إلى خلل في المنهج، ولذلك لابد أن يكون طالب العلم له حظ كبير من العبادة. والشافعي ﵀ وفقه الله لأمورٍ كثيرة، حتى قال بعض أهل العلم: اجتمع للشافعي من الفضائل ما لم يجتمع لغيره، فأول ذلك: ١ - شرف نسبه، وأنه من رهط النبي ﷺ . ٢ - صحة دينه وسلامة معتقده من الأهواء، وسخاوة نفسه. ٣ - معرفته بصحيح الحديث من سقيمه، وبالناسخ والمنسوخ. ٤ - حفظه لكتاب الله تعالى ولأخبار النبي ﷺ ، ومعرفته لسيرة النبي ﷺ والخلفاء، وتأليف الكتب. ٥ - وأنه اتفق له من الأصحاب ما لم يحصل لغيره.

стр. 3135

بعض تلاميذ الشافعي من فضل الرجل أن يكون تلاميذه أجلاء، فإذا كان تلاميذه أجلاء دل ذلك على جلالته، فمن هم تلاميذ الشافعي؟ ١ - أحمد بن حنبل ﵀. ٢ - سليمان بن داود الهاشمي. قال الإمام أحمد فيه: "يصلح للخلافة"، أي: في العلم والتقوى والورع والنسب يصلح للخلافة. ٣ - الحميدي. ٤ - الكرابيسي. ٥ - البويطي. ٦ - حرملة. ٧ - ابن عبد الحكم وكان من مشاهير تلاميذه، فيوفق الله بإخلاص صاحب العلم بتلاميذ أقوياء يحفظون علمه وينشرونه، فيزداد أجره.

стр. 3136

موسوعية الشافعي في جميع الفنون والشافعي ﵀ -وهذه فائدة لطالب العلم مهمة- لم يكن مقتصراً على فن واحد من فنون العلم، وإنما كان متوسعاً في جميع الفنون، ولذلك كان يجلس في حلقته إذا صلى الصبح، فيجيء أهل القرآن فيسألونه، فإذا طلعت الشمس قاموا، وجاء أهل الحديث فيسألونه عن معانيه وتفسيره، فإذا ارتفعت الشمس قاموا، واستوت الحلقة للمناظرة والمذاكرة، فإذا ارتفع النهار تفرقوا، وجاء أهل العربية والعروض والشعر والنحو، حتى ينتصف النهار فيذهب إلى منزله. قارنوا -الآن- بين طريقة السلف في طلب العلم، وبين الطريقة الحديثة التي تجعل الواحد يتخصص في فرع دقيق ولا يدري عن الأشياء الأخرى، فترى الواحد يتخصص في (الطب) مثلاً، ثم إنه لا يدري عن بقية العلوم حتى الدنيوية، وأكثرها عيباً أن يكون جاهلاً بالأمور الشرعية، وإذا تخصص تخصصاً دقيقاً في شيء نسي الأشياء الأخرى، فالطريقة الحديثة في التخصص من سلبياتها أنها تمنع الشخص عن الإسهام والقراءة في المجالات الأخرى، ويقول: هذا تخصصي ليس لي علاقة بغيره، الهمم ضعفت؛ ولذلك صار الاتجاه العام أن يكون الإنسان موسوعياً في الطلب صعباً، إلا على من وفقه الله ، فقد تجد الشخص مبرزاً في الحديث لكنه جاهل في التفسير والفقه، وقد تجد آخر عنده علم بالفقه ومتوسع فيه، ولكن عنده جهل عجيب بالحديث، وقد يستشهد بالأحاديث الضعيفة والموضوعة. لكن طريقة السلف في طلب العلم كانت طريقة موسوعية، فلم يكن عندهم تخصص ينسيهم بقية مجالات العلم وفروعه، حتى أن بعض أهل العلم كانوا يرون بعض اللغويين في مجلس الشافعي، يقولون لهم: أنتم لستم بطلبة علم ولا بأهل علم فلماذا تأتون؟ يقولون: نتعلم منه اللغة؛ لأن الشافعي ﵀ كان يجلس المجالس الطويلة جداً، لا يسمع منه لحن واحد أو خطأ.

стр. 3137

شغف الشافعي بطلب العلم كذلك من الأمور المهمة أن يكون عند طالب العلم شغف بطلب العلم، إذا لم يكن عنده شغف بالطلب فلن يحصِّل، والشغف هو الذي يجعل الإنسان منهمكاً بالشيء ومشتغلاً به. قال الشافعي عن نفسه: أسمع بالحرف مما لم أسمعه -أي: تعلمت فائدة جديدة أو شيئاً جديداً ما هو وقع الفائدة عليك إذا سمعت شيئاً جديداً، وتعلمت مسألة ما كنت تعلمها من قبل؟ كيف تشتاق لهذه الفائدة؟ - قال الشافعي: فتود أعضائي -اليد والرجل وغيرها- أن لها أسماعاً تتنعم به مثلما تنعمت به الأذنان، فقيل له: كيف حرصك عليه؟ قال: حرص الجموع المنوع. مثل الذي يهتم بالمال يجمع ويمنع، إذا دخل الشيء لا يخرج ودائماً يدخل، لا يذهب منه شيء، فكان الشافعي في العلم جموعاً منوعاً، يجمع ولا يخرج منه شيئاً، بمعنى: لا ينساه ويذهب عنه. فقيل له: كيف طلبك للعلم؟ قال: كطلب المرأة المضلة ولدها ليس لها غيره. أي: كيف تبحث عنه؟

стр. 3138

الشافعي وانقياده لنصوص الكتاب والسنة هل كان الشافعي ﵀ متعالياً؟ هل العلم الكثير الذي جمعه أدى به إلى الكبر كما يحدث عند البعض إذا اجتمع له شيء من أطراف العلم، أحس بأنه قد وصل، ويتعالى على الناس ويريد أن ينسب إليه العلم، ويقال: هذا كلام فلان، أما الشافعي ﵀، فإنه سُمع وهو مريض، وقد ذكر ما جمع من الكتب، فقال: وددت لو أن الخلق تعلموه ولا ينسب إليّ منه شيء، وقال: وددت أن كل علم أعلمه يعلمه الناس أؤجر عليه ولا يحمدونني. لم يكن علمه الواسع سبباً في غروره بمؤلفاته وكتبه؛ بل كان يقول: لقد ألفت هذه الكتب، ولم آلو فيها، أي: اعتنيت واجتهدت، ولابد أن يوجد فيها الخطأ؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢] يقول: لابد أن هناك أخطاء، فما وجدتم في كتبي هذه مما يخالف الكتاب والسنة، فقد رجعت عنه. وقال: إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول ﷺ فقولوا بها ودعوا ما قلته. وكان يقول: كل ما قلت فكان عن رسول الله ﷺ خلاف قولي مما يصح، فحديث رسول الله ﷺ أولى. انظروا الآن -أيها الإخوة- إلى متعصبة المذاهب، يقول أحدهم للآخر: إلى أين؟ قال: أسافر. قال: ما هو مذهبك؟ قال: أبي حنفي وأمي شافعية، قال: سلم لي على أمك فقط، أصبح تعصب الناس للمذاهب شيئاً عجيباً، أين كلام الشافعي ﵀ ومبادئه ومنهجه من المتعصبة الذين كانوا يقولون: نزوج فلاناً؛ لأنه على مذهبنا ولا نزوج فلاناً؟ لا يمكن أن تكون ابنتنا من مذهبنا تحت رجل آخر مذهبه مختلف، لا يمكن أن نعطي حنفية لشافعي، لكن العكس، يقولون: يمكن تنزيلاً لهم منزلة أهل الكتاب، نأخذ من نسائهم؟ لكن لا نعطيهم من نسائنا، أين هذا التعصب من كلام الأئمة الذين كانوا يربطون الناس بالكتاب والسنة؟ وهذه من الفوائد العظيمة: أن طالب العلم يربط الناس بالكتاب والسنة، لا بقول فلان وعلان، وإنما بالأدلة الشرعية. يقول: إذا وجدتم سنة صحيحة فاتبعوها ولا تلتفتوا إلى قول أحد. وكان يقول: كل مسألة تكلمت فيها، وصح الخبر فيها عن رسول الله ﷺ عند أهل النقل بخلاف ما قلت، فأنا راجع عنها في حياتي وبعد موتي. وسأل رجل الشافعي عن مسألة فأفتاه، وقال الشافعي: قال النبي ﷺ كذا وكذا، فقال الرجل: أتقول بهذا؟ قال: يا هذا! أرأيت في وسطي زناراً -والزنار كان من لباس أهل الذمة، مشروط عليهم لبس الزنار، ولا يلبسوا عمائم المسلمين- أرأيتني خارجاً من كنيسة؟ أقول: قال النبي ﷺ ، وتقول لي: أتقول بهذا؟ أي: واعجباً لك! هل أسأل أنا آخذ بالحديث أو لا، الحديث حجة بنفسه. وكان يقول: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني، إذا رويت عن النبي ﷺ حديثاً ولم أقل به. وكان يقول هذا الإمام المطلبي: إذا صح الحديث فهو مذهبي. وكان يقول: إذا صح الحديث فقل لي أذهب إليه. يقول الشافعي لـ أحمد؛ لأن الشافعي يعرف أن أحمد أكثر اشتغالاً منه بجمع الحديث: "إذا صح الحديث فقل لي أذهب إليه حجازياً كان أو عراقياً أو شامياً أو مصرياً؛ لأن الصحابة تفرقوا في الأمصار، فصار بعضهم في العراق، وبعضهم في الشام، وبعضهم في مصر، وبعضهم في اليمن، وبعضهم في الحجاز، وصارت الأحاديث موجودة. يقول لـ أحمد: الحديث عن رسول الله ﷺ أخبرني عنه وأنا أتبعه، أياً كان مصدره، سواءً مصدره الصحابة الذين في الحجاز، أو الشام، أو غيرهم. وكان رحمه الله تعالى يعلق القول في كثير من الأحيان على ثبوت الحديث، فكان يقول مثلاً: إن صح الحديث في الغسل من غسل الميت قلت به. وكان يقول: إن صح حديث ضباعة في الاشتراط في الحج، قلت به، ضباعة ﵂ خافت أن تحتبس، فاستأذنت النبي ﷺ أن تشترط، فأذن لها النبي ﷺ بالاشتراط، أي: إذا وصل الإنسان إلى الميقات ينوي الإحرام، ويقول: فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، وإذا حبسه الحابس هذا، فإنه يجوز له أن يحل دون أن يكون عليه دم، ولا يلزمه شيء، فكان الشافعي ﵀ لم يثبت عنده حديث ضباعة هذا، ولكن لإنصافه قال: إن صح حديث ضباعة في الاشتراط قلت به. حتى أن بعض العلماء ألف كتاباً سماه: المنحة فيما علق الشافعي القول فيه على الصحة، والمؤلف هو ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى. كان الشافعي يوصي بالحديث وبأصحاب الحديث، يقول: "عليكم بأصحاب الحديث، فإنهم أكثر صواباً من غيرهم".

стр. 3139

عقيدة الشافعي وموقفه من أهل الكلام وكان حسن المعتقد، سواءً كان في الإيمان أو في الأسماء والصفات أو في القضاء والقدر، كان يقول: (الإيمان قول وعمل يزيد وينقص)، وكان شديداً على أهل البدعة، بعض الناس -الآن- يطلبون الفقه، لكن ليس عندهم مواقف مفاصلة لأهل البدعة، قال الشافعي في حكمه في أهل الكلام: "أن يضربوا بالجريد والنعال، ويحملوا على الإبل، ويطاف بهم في العشائر والقبائل، وينادى عليهم هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام".

стр. 3140

الشافعي وبعض مناظراته وأخلاقه فيها وبالنسبة للأخلاق: فإن الشافعي ﵀ كانت أخلاقه عالية جداً، وقال عنه ولده: ما سمعت أبي يناظر أحداً قط فيرفع صوته، وكان من خلقه أنه يحب أن تكون الغلبة لخصمه، وكان يقول: "ما عرضت الحجة على أحد فقبلها إلا عظم في عيني، ولا عرضتها على أحد فردها إلا سقط من عيني". ويقول: "ما ناظرت أحداً قط على الغلبة -ما دخلت في مناظرة مع أحد لكي أتغلب عليه- وإنما لكي يتبين الحق". وكان يقول: "ما ناظرت أحداً فأحببت أن يخطئ". وهذه مرتبة لا يصل إليها الإنسان بالسهولة مطلقاً. وقال: "ما ناظرت أحداً قط إلا على النصيحة". كثير من الشباب -الآن- الذين يدخلون في نقاشات فقهية، يكون قصد الواحد منهم أن يتغلب على الآخر، وأن يظهر خطأ الآخر، وأن يظهر صوابه وفضله، فأين هؤلاء من أخلاق الشافعي ﵀؟ يجب علينا أننا إذا دخلنا في مناقشات علمية أن يكون قصد الواحد منا ظهور الحق، ولا فرق أن يكون ظهر الحق منه أو من الآخر، هذا ما ينبغي أن تكون عليه أخلاق طلبة العلم، يقول الشافعي ﵀: "ما ناظرت أحداً قط إلا أحببت أن يوفق ويسدد، وما ناظرت أحداً إلا ولم أبالِ بيَّن الله الحق على لساني أو لسانه.

стр. 3141

مناظرته مع من يقول بعدم جواز الدعاء في الصلاة بغير القرآن كان الشافعي ﵀ كان له مناظرات، فكان من مناظراته لمن كان يمنع الدعاء بشيء من خارج القرآن في الصلاة، كان بعض أهل العلم يرون أن الدعاء في الصلاة لابد أن يكون من القرآن: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١] وأنك إذا دعوت بشيء من خارج القرآن لا يجوز لك ذلك، فناظر الشافعي واحداً من هؤلاء، وقال له: ماذا تقول في الصلاة بغير ما في القرآن؟ قال: تفسد صلاته، وإن دعا بما في القرآن لا تفسد. قال: فقلت له: أرأيت إن قال: أطعمنا بقلاً وقثاءً وفوماً وعدساً وبصلاً، ما هو الحكم؟ قال: تفسد صلاته، قال: أنت تقول بفسادها، وأنت تقول: يجوز أن تدعو بما في القرآن، قال الآخر: فماذا تقول أنت؟ قال الشافعي: ما يجوز أن يدعو به المرء في غير الصلاة جاز أن يدعو به في الصلاة؛ لأن المخاطب في ذلك ليست إلى الآدميين- المصلي إذا دعا لا يتكلم مع الآدميين وإنما يدعو ربه- وإنما الخبر أنه لا يصلح في الصلاة شيء من كلام الناس، هذا الذي يفسدها؛ أن يكلم الناس بعضهم بعضاً، وقد دعا النبي ﷺ لقوم وسماهم بأسمائهم. النبي ﷺ قنت ودعا على أناس وسماهم بأسمائهم، وعلى عصية ورعل وذكوان، ودعا وقال: اللهم أنجي الوليد بن الوليد وغيره ممن دعا لهم النبي ﷺ ، فسماهم بأسمائهم، ونسبهم إلى قبائلهم. وهذا كله يدل على أن المحرم من الكلام إنما هو كلام الناس بعضهم بعضاً في حوائجهم، فأما ما دعا به المرء ربه ﵎ وسأله إياه، فهذا لا أعلم من أصحاب رسول الله ﷺ من اختلف فيه. والصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (وأما السجود فاجتهدوا فيه من الدعاء، فإنه قمن- أي: حري- أن يستجاب لكم) ولم يخص النبي ﷺ دعاء دون دعاء، وكلما كان يجوز أن يسأل الرجل ربه في غير الصلاة، فهو جائز في الصلاة.

стр. 3142

مناظرة الشافعي مع الرشيد وكذلك من الأشياء التي حصلت له رحمه الله تعالى، لما دخل هو ورجل آخر على الرشيد، فلما استويا بين يديه، قال: يا أبا عبد الله! تسأل أو أسأل؟ قال: قلت: ذاك إليك، قال: فأخبرني عن صلاة الخوف أواجبة هي؟ قلت: نعم. قال ولم؟ فقلت: لقول الله : ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء:١٠٢] فلتقم: هذا فعل أمر، فدل على أنها واجبة. قال: وما تنكر من قائل قال لك: إنما أمر الله تعالى نبيه ﷺ وهو فيهم، فلما زال عنهم النبي ﷺ زالت تلك الصلاة: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ قال: فقلت: وكذلك قال الله لنبيه ﷺ : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣] فلما أن زال عنهم النبي ﷺ زالت عنهم الصدقة؟ - لما ذهب النبي ﷺ تذهب الزكاة- فقال: لا. قلت: وما الفرق بينهما، والنبي ﷺ هو المأمور بهما جميعاً؟ قال: فسكت. أي: الرشيد.

стр. 3143

مناظرة بين الشافعي وإسحاق بن راهويه حصلت مناظرة بين الإمام الشافعي ﵀ وإسحاق بن راهويه والإمام أحمد موجود يسمع في مسجد الخيف بـ منى، مناظرة مشهورة جداً، وذلك أن الموضوع الذي أثير هو: ما حكم شراء بيوت مكة وبيعها وإجارتها؟ فكانت فتوى الشافعي الجواز، إسحاق بن راهويه يسأله، الشافعي يفتي بالجواز، فقلت: إي يرحمك الله، وجعلت أذكر له الحديث عن عائشة وعبد الرحمن وعمر وأصحاب الرسول ﷺ ومن كري بيوت مكة، وهو ساكت يسمع وأنا أسرد عليه، فلما فرغت سكت ساعة، وقال: يرحمك الله -الآن إسحاق يحتج بكلام بعض الصحابة على عدم جواز ذلك في مكة وهذه مسألة خلافية عند أهل العلم على أية حال- فقال الشافعي: يرحمك الله، أما علمت أن النبي ﷺ قال: (هل ترك لنا عقيل من رباع أو دار)؟ لأنه تصرف فيها قبل فتح مكة وباعها- قال: فوالله ما فهمت عنه ما أراد بها، قال إسحاق: أتأذن لي في الكلام؟ فقال: نعم. فقلت: حدثنا يزيد بن هارون، عن هشام، عن الحسن أنه لم يكن يرى ذلك، وأخبرنا أبو نعيم، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم أنه لم يكن يرى ذلك. فقال الشافعي ﵀: أقول لك: قال رسول الله ﷺ ، وأنت تقول: عطاء وطاوس وإبراهيم والحسن، هل لأحد مع رسول الله ﷺ حجة؟ ثم قال الشافعي مناظراً إسحاق: يقول الله : ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ [الحشر:٨] المهاجرون من أين أخرجوا؟ من مكة، نسب الدار إلى المالكين أو إلى غير المالكين؟ قال إسحاق: إلى المالكين، قال الشافعي: فقوله أصدق الأقاويل، وقد قال رسول الله ﷺ : (من دخل دار أبي سفيان فهو آمن) فنسب رسول الله ﷺ الدار إلى مالك أم إلى غير مالك؟ قال إسحاق: نسبها إلى مالكها. فقال الشافعي: وقد اشترى عمر بن الخطاب دار الحجامين فأسكنها، وأيضاً عمر بن الخطاب اشترى دار صفوان ليجعلها سجناً بـ مكة فكونه اشترى دار صفوان فهذا يعني أن شراء بيوت مكة جائز، وذكر له جماعة من أصحاب النبي ﷺ اشتروا دوراً في مكة وجماعة باعوها. فقال إسحاق: يقول الله : ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ أي: أنهم كلهم لهم حق العاكف والباد، فقال الشافعي: اقرأ أول الآية: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج:٢٥] قال الشافعي: والعكوف يكون في المسجد، ألا ترى إلى قوله: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴾ [البقرة:١٢٥]؟ والعاكفون يكونون في المساجد، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧]؟ فدل ذلك أن قوله : ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ في المسجد خاص، فأما من ملك شيئاً فله أن يكري وأن يبيع. هذه المسألة اختلف فيها أهل العلم، فبعضهم رأى جواز بيع بيوت مكة وشرائها وإجارتها، وبعضهم رأى منع ذلك كله، وتوسط الإمام أحمد فقال بجواز شراء وبيع البيوت في مكة، وعدم جواز الإجارة. والمسألة من المسائل التي فيها مبررات من قال بالمنع، مثل: إن مكة يفد إليها الناس من جميع الأنحاء، فالأصل أن الذي يسبق إلى مكان هو أحق به، لا نجيز التملك فيها؛ لأننا إذا أجزنا التملك ضيق الناس على الحجاج والعمار، فإذاً الذي يسبق إلى مكان هو أحق به، وليس هناك أجرة ولا تأجير، فإذا انتهت حاجته من مكة ذهب، وجاء غيره فخلفه فيه، وبالنسبة لـ منى ليس هناك خلاف، منى مناخ من سبق، فـ منى الذي يأتي أولاً يأخذ المكان لا شك في ذلك، لكنهم اختلفوا في مكة، هل يجوز البيع والشراء والتأجير فيها أم لا؟ هذه مسألة طويلة، وذكر ابن كثير ﵀ في كتابه في ترجمة الشافعي توسط أحمد ﵀ بين الشافعي وإسحاق. وأيضاً مما يدل على فقهه ﵀، ما قال له عبد الله بن محمد بن هارون الفريالي، قال: وقفت بـ مكة على حلقة عظيمة وفيها رجل، فسألت عنه، فقيل: هذا محمد بن إدريس الشافعي، فسمعته يقول: سلوني عما شئتم، أخبركم بآية من كتاب الله، وسنةٍ من رسول الله ﷺ ، وقول صحابي، فقلت في نفسي: إن هذا الرجل جريء، ثم قلت له: ما تقول في المحرم يقتل الزنبور؟ -الزنبور الذي يلسع، من أين تأتي للزنبور بآية وحديث؟ - فقال الشافعي رحمه الله تعالى: قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧] وحدثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي، عن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ : (اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر) وحدثنا سفيان بن عيينة عن مسعر عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب أن عمر ﵁ [أمر المحرم بقتل الزنبور]. فأولاً أتى بالآية ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾. ما هو الذي أتى من الرسول؟ (اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر) وعمر أمر بقتل الزنبور، فهكذا أجاب رحمه الله تعالى.

стр. 3144

تأديب الشافعي لطلابه وكذلك فإن من الأشياء التي كان الشافعي ﵀ متحلياً بها ومجيداً لها: تأديب الطلاب، فمن الأشياء التي ورد فيها تأديب لطلابه أشياء كثيرة.

стр. 3145

تأديب الشافعي لطالب في نفسه وسوسة في أمر التوحيد كان أحد طلاب الشافعي قد وجد في نفسه أشياء من الوسوسة المتعلقة بأمرٍ من أمور التوحيد، مثل ما يجد بعض الناس أشياء يلقيها الشيطان عن الله أو عن ذات الله من الشكوك والأوهام والوساوس ونحو ذلك، فقال أحد تلاميذه: صرت إليه في مسجد مصر، وقد هجس في ضميري مسألة في التوحيد، فأخبره عن هذا الشيء الذي في نفسه، فغضب الشافعي ﵀، وقال: أتدري أين أنت؟ قلت: نعم. قال: هذا الموضع الذي أغرق الله فيه فرعون -أي: في بلاد مصر - أبلغك أن رسول الله ﷺ أمر بالسؤال عن ذلك؟ هذه بعض الأشياء التي بعض الناس يتناقش فيها في أمور تتعلق بالتوحيد مما ليس عندنا دليل عليه، أمور من أمور الغيب، لأن قضايا الغيب يجب أن نمسك فيها، حتى أن الشافعي ﵀ من الحكم التي قالها: "إن للعقل حداً ينتهي إليه". أبلغك أن رسول الله ﷺ أمر بالسؤال عن ذلك؟ قلت: لا. قال: هل تكلم فيه أحد من الصحابة؟ قلت: لا. قال: تدري كم نجماً في السماء؟ قلت: لا. قال: فكوكب منها تعرف جنسه طلوعه أفوله مم خلق؟ قلت: لا. قال: فشيء تراه بعينك من الخلق لست تعرفه تتكلم في علم خالقه! أي: الآن بعض المخلوقات العقل عاجز عن إدراكها، تتكلم في أمور تتعلق بالخالق مما لم يأت في الكتاب والسنة، ثم سألني عن مسألة في الوضوء، فأخطأت فيها، ففرعها على أربعة أوجه، فلم أصب في شيء منها، فقال لي: شيء تحتاج إليه في اليوم خمس مرات، تدع علمه، وتتكلف علم الخالق، إذا هجس في ضميرك ذلك فارجع إلى الله، وإلى قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الآية)) [البقرة:١٦٣ - ١٦٤].

стр. 3146

تأديب الشافعي لطلابه بآداب المناظرة ومن تأديب الشافعي لطلابه: أنه كان إذا ناظره إنسان في مسألة وتعداها إلى غيرها ولم يفرغ من المسألة الأولى، قال له: ننتهي من هذه المسألة ثم ننتقل إلى ما تريد، دعنا ننتهي من المسألة الأولى، ثم ندخل في الثانية؛ لأن هذا من الآداب، تجد بعض الناس إذا ناقشوا تنقلوا في المسائل من هذه إلى هذه، لم يفرغ من الأولى حتى يدخل في الثانية والثالثة والرابعة، ويخلط الأمور، وتتعقد النقاشات، ولا ينتهي الناس إلى نتيجة، بسبب أنهم يفتحون أكثر من موضوع في نفس الوقت، ولا ينتهون لا من هذا ولا من هذا ولا من هذا، فكان الشافعي ﵀ إذا ناظرة إنسان في مسألة وتعداها إلى غيرها قبل أن تنتهي، قال: نفرغ من هذه المسألة ثم نصير إلى ما تريد، فإذا أكثر علي وأصر وألح الدخول في مسألة جديدة ولم تنته الأولى، قال: مثلك مثل معلم كان بـ المدينة يعلم الصبيان القرآن من كراس، فأملى على صبي بسؤال نعجتك، يريد أن يملي عليه الآية التي فيها قول الله : ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ﴾ [ص:٢٤] فقال بسؤال ولم يدرِ ما بعده، المعلم في غفلة، فأراد أن يملي عليه بسؤال نعجتك، فقرأ الكلمة الأولى ولم يدرِ بالثانية، فمر رجل فقام إليه، فقال: أصلحك الله، بسؤال نعجتك أو بعجتك؟ -هو لا يدري نعجتك أو بعجتك- فقال له رجل: يا أبا عبد الله! أفرغ من سؤال ثم سل عما بعده، إنما هو -ويحك- بسؤال نعجتك. وكذلك من الأشياء التي حصلت للشافعي رحمه الله تعالى أنه كان يوصي طلابه بالفقه، ويقول لـ يونس بن عبد الأعلى: يا أبا موسى! عليك بالفقه فإنه كالتفاح الشامي يحمل من عامه. بعض النباتات إذا زرعت -الآن- لا تثمر إلا بعد أعوام، قال: عليك بالفقه فإنه كالتفاح الشامي يحمل من عامه، أي: أنه من النباتات التي ثمرتها عجلة تخرج بسرعة وهكذا الفقه، وكان يقول: "طلب العلم أفضل من صلاة النافلة".

стр. 3147

الشافعي وتأديبه لأبي ثور وكذلك فإنه -رحمه الله تعالى- كان من تأديبه لطلابه ما حصل ذات مرة أنه دخل بغداد، فنزل في مكان فانصب الناس إليه، فاستووا في مجالسهم، حتى جاء أبو ثور بمسألة -قبل أن يرحب بالشيخ ويعطيه قدره ويؤنسه بالكلام، مباشرة دخل في السؤال، فهذا ليس فيه الأدب المطلوب مع العالم، مجرد أن ينزل يبادر بسؤال قبل شيء من الاستئناس معه والانبساط وشيء من السؤال عن الحال أو المودة- فلما بادره بالسؤال، قال: يا أبا ثور! (الإيناس قبل الإسناس) -الإسناس ليست شركة الـ ( D-H-L) هذه- فلم يدرِ ما قلت له، فقال: ما هو يا أبا عبد الله؟! فقلت: الإيناس مسح الناقة بيدك حول ضرعها، والإسناس حلب ضرعها بيدك، قبل أن تحلب الناقة تمسح على الضرع وتؤنس الناقة ثم تحلب، فكأنه يقول: قبل أن تسأل العالم وتستخرج منه؛ آنسه أولاً ثم اسأله (الإيناس قبل الإسناس) وهذا من علمه ﵀ باللغة. وكان من تأديبه للناس أيضاً ما حصل مرة، قال محمد بن عبد الله بن الحكم: دخل رجل من الحرس يوماً على الشافعي وأنا آكل معه خبزاً فدخل وجلس يأكل معنا- بدون استئذان- فلما فرغ، قال الحارس: يا أبا عبد الله! ما تقول في طعام الفجاءة؟ - يسأل الشيخ الآن عن حكم إذا دخل على أناس أن يأكل معهم بدون استئذان- فقال الشافعي سراً: هلاّ كان هذا منه قبل الأكل.

стр. 3148

ملاطفة الشافعي لأصحابه وحسن خلقه معهم ومن ملاطفته لأصحابه وحسن خلقه وإحسان الظن بهم، قال ربيع بين سليمان: دخلت يوماً على الشافعي، فقلت: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت ضعيفاً، فقلت: قوى الله ضعفك، فقال لي: يا ربيع! أجاب الله قلبك ولا أجاب لفظك -أي: أجاب الله نيتك، لكن لا أسأله أين يجيب ما تلفظت به- إن قوى ضعفي علي قتلني -إن قوى الضعف صار الضعف قوياً- ولكن قل: قواك الله على ضعفك، فقال الربيع: والله ما أردت إلا خيراً، قال الشافعي: أجل والله يا بني! لو تشتمني صراحاً لعلمت أنك لم ترد، أي: أعلم أن نيتك طيبة، لكنه قصد أن يعلم رحمه الله تعالى. وكذلك فإنه ﵀ كان ذكياً فطناً، وكان ذكاؤه ينعكس على فقهه وفتاويه. سئل الشافعي في رجل قال لامرأته وفي فيها تمرة: إن أكلتيها فأنتِ طالق، وإن طرحتيها فأنتِ طالق؟ يقول: ربما هذا إنسان يريد أن يطلق زوجته بأسلوب ابتكاري، ويمكن أنه ضاق بها ذرعاً وانتهز فرصة أنها وضعت التمرة في فمها، فسئل الشافعي ﵀ عن هذا ماذا يفعل؟ فأجاب مباشرة، تأكل نصفها إذا طرحت النصف الآخر؛ لأنه إذا أكلت نصفها ما أكلتها، وتطرح النصف الثاني فما تكون قد طرحتها. وكذلك فإنه من حسن خلقه -أيضاً- ما روى المزني، قال: كنت عند الشافعي يوماً ودخل عليه جار له خياط، فأمره الشافعي بإصلاح أزراره فأصلحها، فأعطاه الشافعي ديناراً ذهباً، فنظر إليه الخياط وضحك، فقال له الشافعي: خذه، فلو أحضرنا أكثر منه ما رضينا لك به، فقال له: إنما دخلت عليك لأسلِّم عليك، لم أدخل لأعمل عملاً، قال الشافعي: فأنت إذاً ضيف زائر، وليس من المروءة استخدام بالضيف الزائر، فإذاً لابد من إعطائك الأجرة.

стр. 3149

فراسة الإمام الشافعي كان ﵀ صاحب فراسة، إذا ظن شيئاً يكون على ظنه، قال الحميدي: خرجت أنا والشافعي من مكة، فلقينا رجلاً بـ الأبطح، فقلت للشافعي: أزكن ما الرجل؟ -أي: خمن ما عمل هذا الرجل؟ - فقال الشافعي عندما نظر إلى الرجل: نجار أو خياط، قال: فلحقته فسألته عن مهنته، فقال: كنت نجاراً، وأنا الآن أشتغل بالخياطة. وكذلك وردت قصة أخرى حملها ابن حجر ﵀، والقصتان على التعدد؛ لأن هذه شبيهة بتلك، عن محمد بن الحسن والشافعي أنهما كانا قاعدين بفناء الكعبة، فمر رجل فقال أحدهما لصاحبه: تعال حتى نزكن على هذا الرجل الآتي أي حرفة معه، فقال أحدهما: خياط، وقال الآخر: نجار، فبعثنا إليه فسألاه، فقال: كنت خياطاً وأنا اليوم نجار، فتحمل على أنها قصة أخرى. وكذلك قال الربيع: مر أخي في صحن الجامع، فدعاني الشافعي، فقال: يا ربيع! هذا المار الذي يمشي أخوك؟ قلت: نعم. ولم يكن رآه قبل ذلك. وقال المزني: كنت مع الشافعي في الجامع، إذ دخل رجل يدور على النيام الذين ينامون في المسجد، فقال الشافعي للربيع: قم فقل له: ذهب لك عبد أسود مصاب بإحدى عينيه؟ قال الربيع: فقمت إليه فقلت له، فقال: نعم. فقلت: تعال، فجاء إلى الشافعي، فقال: أين عبدي؟ فقال الشافعي: تجده في الحبس، فذهب الرجل فوجده في الحبس. قال المزني: فقلت للشافعي: أخبرنا فقد حيرتنا، قال: نعم. رأيت رجلاً دخل من باب المسجد يدور بين النيام، فقلت: يطلب هارباً، ورأيته يجيء إلى السود دون البيض، فقلت: هرب له عبد أسود، ورأيته يجيء ليرى العين اليسرى، فقلت: مصاب بإحدى عينيه، قلنا: فما يدريك أنه في الحبس، فقال: هذا هو الغالب، أي: أنهم إذا جاعوا سرقوا، وإذا شبعوا أفسدوا، فتأولت أنه قد فعل شيئاً في ذلك، مادام أنه هارب يبحث عن شيء، فقد سرق وأنه في السجن.

стр. 3150

اهتمام الشافعي بالواقع كان الشافعي مشهوراً بالطب وحريصاً عليه، وله قولة عظيمة جداً تبين بعد نظر الرجل في الواقع، كان الشافعي ﵁ يتلهف فيما ضيع المسلمون من الطب، ويقول: "ضيعوا ثلث العلم ووكلوه إلى اليهود والنصارى". لم يكن الشافعي ﵀ يعجبه أبداً أن يكون اليهود والنصارى متفوقين في الطب؛ لأن مجال الطب مجال مهم جداً، وكان اليهود والنصارى بارعين فيه، والمسلمون عندهم شيء من القصور فيه، فكان الشافعي ﵀ متحسساً جداً من هذه النقطة، وهذا يدل على أنه يدرك خطورة أن يكون بعض غير المسلمين عندهم احتكار أو شبه تفوق في هذا الجانب بحيث يحتاج إليهم المسلمون، ولاشك أن مهنة الطب فيها اطلاع على الأسرار، ولذلك قال الشافعي: "ضيعوا ثلث العلم ووكلوه إلى اليهود والنصارى" وله أقوال في الطب لعلنا نأتي على بعضها.

стр. 3151

كرم الشافعي وعزة نفسه كان للشافعي ﵀ كرم وعزة نفس، ما كان يأخذ من الناس ويسأل، أفلست ثلاث مرات، فكنت أبيع قليلي وكثيري، حتى حلي ابنتي وزوجتي، ولم أستدن قط، ما مد يده إلى الناس ولا طلب شيئاً، وقال الربيع: رأيت الشافعي ركب حماراً، فمر على سوق الحذائين، فسقط سوطه من يده، فوثب غلام من الحذائين فمسح السوط بكمه وناوله إياه، فقال الشافعي لغلامه: ادفع تلك الدنانير التي معك لهذا الفتى، قال: لا أدري إن كانت تسعة أو سبعة، أي: أنه حتى لو أن واحداً ناوله شيئاً لابد أن يكافئه، حتى لا يكون لأحد عليه منّة. ومن مهارات الشافعي ﵀: إحسان الرمي، قال: كان همتي في شيئين: العلم والرمي، فنلت من الرمي حتى كنت أصيب من عشرة عشرة، ومر برجل يرمي، فقال له: أحسنت، وبرك عليه -دعا له بالبركة- ثم قال لغلامه: ما معك؟ قال: ثلاثة دنانير، قال: أعطها إياه، لهذا الرامي تشجيعاً على الرمي. كان الشافعي كريماً ينفق أمواله، فمرة قدم من اليمن ومعه عشرون ألف دينار إلى مكة، فضربت له خيمة خارج مكة، فما دخل مكة حتى كان قد فرق كل الدنانير على من حضره وعلى أصحابه، وعندما يكون العالم وطالب العلم عنده سخاوة نفس، وعنده كرم يحبه الناس ويحترمونه، وهذه من الأشياء المهمة، ليست القضية قضية علم، وإنما لابد أن يكون مع العلم أخلاق.

стр. 3152

حسن الاستماع والتثبت في السؤال والجواب عند الشافعي تميزت شخصية الشافعي ﵀ بأشياء مهمة لطالب العلم، كما قال محمد بن الحسن: إن كان أحد يخالفنا فيثبت خلافه علينا فـ الشافعي، فقيل له: فلِمَ؟ قال: لبيانه وتثبته في السؤال والجواب والاستماع، وهذه خصلات تفوت كثيراً من الطلاب، قد لا يحسنون الاستماع ولا الجواب، ولا يفهمون السؤال، ولا يتثبتون في النقل، فتحدث لأجل ذلك طامات. وكان للشافعي ﵀ أقوال من الحكم المأثورة، فمن الأقوال التي تنسب إليه: ١ - يقول: "ليس العاقل الذي يميز بين الشر والخير فيختار الخير، لا. إنما العاقل الذي يقع بين الشرين فيختار أيسرهما. فمعرفة أدنى المفسدتين هي فعلاً الدليل على قوة العقل. ٢ - وقال محمد بن عبد الله بن الحكم: رآني الشافعي، وأنا أستمد من دواة على اليسار، الدواة على اليسار المحبرة، فقال لي: أشعرت أنه يقال: إن من الحماقة أن يضع الرجل دواته على يساره. ٣ - وكان يقول: لا ينبغي لأحد أن يسكن بلدة ليس فيها عالم ولا طبيب. ٤ - وقال: عجبت لمن يحتجم ثم يأكل من ساعته، كيف يعيش؟! أي: أنه لا ينصح بالأكل بعد الحجامة. ٥ - وقال أيضاً في الأشياء التي فيها دواء: العنب ولبن اللقاح وقصب السكر. ٦ - وكان يقول: عجباً لمن تعشى البيض المسلوق ثم نام كيف لا يموت؟! ففعلاً فإن من النصيحة ألا يتعشى أحد على البيض المسلوق.

стр. 3153

بعض أبيات الشافعي الشعرية وأما بالنسبة لأشعاره، فقد كان للشافعي رحمه الله تعالى أشعار كثيرة وكثيرة جداً، وله ديوان عظيم، وأشعاره في غاية الجمال والجودة، فمن أشعاره: إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما تخفي عنه يغيب غفلنا لعمر الله حتى تداركت علينا ذنوب بعدهن ذنوب فيا ليت أن الله يغفر ما مضى ويأذن في توباتنا فنتوب ومن أشعاره أيضاً: لا خير في حشو الكلا م إذا اهتديت إلى عيونه والصمت أجمل للفتى من منطق في غير حلمه وعلى الفتى لطباعه سمـ ـة تلوح على جبينه ومما قاله أيضاً رحمه الله تعالى: المرء إن عاقلاً ورعاً يشغله عن عيوبه الورع كما العليل السقيم يشغله عن وجع الناس كلهم وجع وقال: ومنزلة السفيه من الفقيه كمنزلة الفقيه من السفيه فهذا زاهد في قرب هذا وهذا فيه أزهد منه فيه إذا غلب الشقاء على سفيه تنطع في مخالفة الفقيه وهو الذي قال: شكوت إلى وكيعٍ سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي وأخبرني بأن العلم نورٌ ونور الله لا يهدى لعاصي وهو القائل أيضاً: تعصي الإله وأنت تزعم حبه هذا محال في القياس بديع لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع في كل يوم يبتديك بنعمة منه وأنت لشكر ذاك مضيع وهو الذي قال: نعيب زماننا والعيب فينا وليس لزماننا عيب سوانا ونهجو ذا الزمان بغير ذنبٍ ولو نطق الزمان لنا هجانا وليس الذئب يأكل لحم ذئبٍ ويأكل بعضنا بعضاً عيانا وهو الذي قال: إن لله عباداً فطنا طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا ونظروا فيها فلما علموا أنها ليست لحي وطنا جعلوها لجة واتخذوا صالح الأعمال فيها سفنا وهو الذي قال: دع الأيام تفعل ما تشاء وطب نفساً إذا حكم القضاء ولا تجزع لحادثة الليالي فما لحوادث الدنيا بقاء وكن رجلاً على الأهوال جلداً وشيمتك السماحة والوفاء ورزقك ليس ينقصه التأني وليس يزيد في الرزق العناء وقال: وأرض الله واسعة ولكن إذا نزل القضاء ضاق الفضاء

стр. 3154

صفات الشافعي الخلقية وموته وكان الشافعي ﵀ من جهة صفة خلقته طويلاً سائل الخدين، قليل لحمة الوجه، طويل العنق، أسمر، خفيف العارضين -جانبتي اللحية- يخضب لحيته بالحناء، حسن الصوت والسمت، مهيباً فصيحاً، وكان طويل أرنبة الأنف، وكان مفلج الأسنان -أي: بين كل سن وسن فرجة- وكان رقيق البشرة، واضح الشبهة، معتدل القامة، لونه يميل إلى السمرة. ولما مات الشافعي ﵀ نعاه كثيرٌ من أهل العلم، وفقدت الأمة بوفاته علماً رائعاً، ولكن نعيمه المدون والمنقول من طريق تلاميذه الذين وفقهم الله له لاشك أنه من الأشياء الكثيرة التي نحسب أن الرجل قد كسب بها طرقاً للخير توصل الثواب إليه وهو في قبره. فنسأل الله أن يرحمه، وأن يجزيه خير الجزاء، عما قدم للإسلام وأهل الإسلام، ونسأله أن ينفعنا بعلمه وما ترك وخلف. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 3155

عوائق في طريق الالتزام [١، ٢] العوائق التي تعيق كثيراً من الناس عن الالتزام بالإسلام كثيرة جداً، ويمكن تقسيمها إلى قسمين هما: عائق الشبهات وعائق الشهوات. وفي طيّات هذه المادة تجد الشيخ قد شرح هذه العوائق بالتفصيل، مبيناً أثرها، مع بعض الردود والمناقشات لمن وقع في شراك تلك العوائق.
следующие страницы →