← Джавами‘

Джавами‘ · id 7704

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (7 040 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

الوقوع في المعاصي والتدرج فيها أيها الإخوة! من مظاهر ضعف الإيمان: أنه يؤدي إلى الوقوع في المعاصي والتدرج فيها من أسفل إلى أسفل سافلين، والوقوع في المنكرات بأنواعها، وهناك أناس كثيرون كانوا في يوم من الأيام من أقوياء الإيمان، فأصبحوا اليوم ينظرون إلى المحرمات: النساء الأجنبيات، ويشاركون في منكرات الأسواق وغيرها، وهذه المعاصي لها أضرار مدمرة ذكرها العلماء منهم: ابن القيم ﵀ في كتابه الداء والدواء، ولا بد من معرفة أن هذه الآثار والأضرار للمعاصي أشياء محسوسة، بل إن الرسول ﷺ أخبرنا بخبر عجيب يبين لنا وضوح هذه الآثار للمعاصي، فيقول ﵊ في الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي عن ابن عباس، قال ﵊: (نزل الحجر الأسود من الجنة) هذا الحجر الأسود الذي في الكعبة نزل من الجنة (وهو أشد بياضاً من اللبن، فسودته خطايا بني آدم) فلاحظ كيف أن هذه الخطايا آثارها مادية محسوسة، قلبت البياض سواداً، ويذكر أحد علماء المسلمين في القرن السابع الهجري أنه ذهب إلى الكعبة، فوجد الحجر الأسود وفيه نقطة بيضاء، وبعد ذلك بمدة ذهب فوجد النقطة قد اختفت تماماً.

стр. 3082

عدم التأثر بآيات القرآن ومن مظاهر ضعف الإيمان: عدم التأثر بآيات القرآن، ولا بوعده، ولا وعيده، ولا طلبه، ولا أمره، ولا نهيه، ولا في وصفه للقيامة، فهو يسمع القرآن كأي كلام آخر، لا يستطيع أن يتلوه إلا لدقائق معدودة، نفسه لا تتحمل كثرة تلاوة القرآن، وهذا مشاهد؛ فحينما يفتح أحدنا القرآن يحاول أن يقرأ، فلا يستطيع أن يواصل أكثر من دقائق معدودة، ثم يجد نفسه مضطراً لإغلاق المصحف وإعادته إلى مكانه.

стр. 3083

ضيق الصدر وانحباس الطبع كذلك من مظاهر ضعف الإيمان: ضيق الصدر، وانحباس الطبع حتى كأن على الإنسان ثقلاً كبيراً ينوء به ويلهث تعباً منه، فيصبح سريع التضجر والتأفف من أدنى شيء، ويشعر بالضيق من تصرفات الناس حوله بسبب ضعف الإيمان، وتنعدم السماحة في نفسه، والرسول ﷺ يصف الإيمان بقوله: (الإيمان الصبر والسماحة) فتزول السماحة من نفسه وتضعف نتيجةً لضعف الإيمان، ويعقبها هذا التأفف والتضجر وضيق الصدر، وعدم تحمل تصرفات الآخرين.

стр. 3084

الشعور بقسوة القلب ومن مظاهر ضعف الإيمان كذلك: الشعور بقسوة القلب، وخشونته، حتى يحس الإنسان أن قلبه قد انقلب حجراً صلداً لا يترشح منه شيء، ولا يتأثر بشيء، وهذا ليس مبالغاً؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة:٧٤].

стр. 3085

عدم إتقان العبادات ومن مظاهر ضعف الإيمان: عدم إتقان العبادات، وهذه تتمثل في شرود الذهن أثناء الصلاة، أو أثناء قراءة القرآن، أو أثناء الأذكار بعد الصلوات، أو دعاء الله ، فيحدث عدم التفكر في معاني الأذكار كثيراً فيقرأ الإنسان الأذكار كعملية دورية رتيبة يداوم عليها، لكنه لا يفكر في معاني الأذكار وهو يقرؤها، ولو اعتاد أن يدعو بدعاء معين في وقت معين، جاءت به السنة فإنه لا يفكر في معاني الدعاء.

стр. 3086

التكاسل في أعمال الطاعات والعبادات ومن مظاهر ضعف الإيمان: التكاسل في أعمال الطاعات والعبادات والتفريط فيها، وإذا أداها فهي حركات جوفاء لا معنى لها، والله وصف المنافقين، فقال: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء:١٤٢]، فالتكاسل والإهمال في السنن الرواتب والنوافل وقيام الليل، والأعمال الصالحة، مثل: التبكير إلى المسجد أحياناً يحصل فيه فتور وضعف.

стр. 3087

الغفلة عن الذكر والدعاء ومن مظاهر ضعف الإيمان: غفلةٌ عن الله في ذكره ودعائه ، فيثقل الذكر على الذاكر، وإذا رفع يديه بالدعاء، فسرعان ما يقبضهما ويمضي، والله وصف المنافقين، فقال: ﴿وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [النساء:١٤٢].

стр. 3088

عدم التأثر بالموت والتعلق بالدنيا ومن مظاهر ضعف الإيمان: أن صاحبه لا تؤثر فيه موعظة الموت، ولا رؤية الأموات، ولا الجنائز، وربما حمل الجنازة بنفسه وواراها التراب، ولكنه يسير بين القبور كما يسير بين الأحجار. ومن مظاهر ضعف الإيمان: التعلق بالدنيا والشغف بها، وتهيج شهوات الجسد المحرمة، والاسترواح إليها، ويتعلق القلب بالدنيا، لدرجة أن يحس صاحبه بالألم إذا فاته شيءٌ من حظوظ الدنيا؛ كالمال والجاه والمنصب والمسكن، ويعتبر نفسه مغبوناً سيئ الحظ؛ لأنه لم ينل ما نال غيره، ويحس بألم أكثر وانقباض إذا رأى أخاه المسلم قد نال بعض ما فاته هو من حظوظ الدنيا، وقد يحسده، ويتمنى زوال النعمة عن أخيه المسلم.

стр. 3089

عدم استشعار المسئولية في العمل لهذا الدين ومن مظاهر ضعف الإيمان: عدم استشعار المسئولية في العمل لهذا الدين، فصحابة الرسول ﷺ كانوا إذا دخلوا في الدين، استشعروا المسئولية فوراً، الطفيل بن عمرو ﵁ وأرضاه لم يكن بين إسلامه وبين ذهابه لدعوة قومه إلى الله زمن، بل بمجرد أن دخل في الدين أحس أن عليه مسئولية كبيرة، فطلب من الرسول ﷺ أن يرجع إلى قومه ليدعوهم إلى الإسلام، فما الذي دفعه إلى الدعوة إلى الله؟ الناس اليوم يجلسون فترات طويلة ما بين التزامهم بالدين حتى يصل إلى مرحلة يدعو فيها إلى الله، لا يتحرك مباشرة، والصحابة رضوان الله عليهم كانوا يتحركون مباشرة، حتى إرهاب الكفار ومفاصلتهم كان يتمثل مباشرة في نفس المسلم بعد إسلامه. ثمامة ﵁ وأرضاه رئيس ومقدم أهل اليمامة لما أسر وجيء به وربط في المسجد، وعرض الرسول ﷺ عليه الإسلام، ثم قذف الله النور في قلبه فأسلم، وكان يريد أن يعتمر في الجاهلية، فذهب إلى العمرة في الإسلام، قال للكفار: لا يصلكم حبة حنطة من اليمامة حتى يأذن فيها رسول الله ﷺ ، هذه قضايا مفاصلة الكفار، ومحاصرتهم اقتصادياً، وتقديم الفاعليات، والإمكانيات في سبيل الله، حصلت مباشرة؛ لأن الإيمان في قلب ثمامة استوجب هذا العمل، والمسلمين الآن لم يصلوا إلى مرحلة يتميزون فيها عن الكفار ويفاصلونهم إلا بعد فترة من دخوله في الدين.

стр. 3090

عدم الغضب لانتهاك محارم الله ومن مظاهر ضعف الإيمان: عدم الغضب إذا انتهكت محارم الله، مثل: قضية إنكار المنكر، والأمر بالمعروف ضعيفة جداً، والرسول ﷺ يصف هذا القلب المصاب بالضعف في قوله في الحديث الصحيح: (تعرض الفتن على القلوب عرض الحصير عوداً عوداً، فأي قلب أشربها، نكتت فيه نكتة سوداء) حتى يصل الأمر به إلى أن يصبح كما أخبر ﵊ في آخر الحديث: (مربداً كالكوز مجخياً) مقلوباً لا يعرف شيئاً من الإيمان (لا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه) فهو لا يعرف المعروف، ولا ينكر المنكر، ويقول ﵊ في الحديث الصحيح: (إذا عملت الخطيئة في الأرض، كان من شهدها فكرهها، كمن غاب عنها) كأنه ما حضرها؛ لأنه أنكرها (ومن غاب عنها فرضيها كمن شهدها) والذي يغيب عن المعصية التي تفعل في الأرض وهو يعلم عنها، فيرضاها، كان كأنه شهدها وأخذ الإثم في شهودها بغير إنكار؛ لأن القلب قد زالت منه حساسية إنكار المنكر، والصد عن سبيل المجرمين.

стр. 3091

الخطأ في النظر إلى الأمور ومن مظاهر ضعف الإيمان: النظر إلى الأمور من جهة هل فيها إثم أم لا؟ بعض الناس عندما يريد أن يعمل عملاً، يسأل هل هذا العمل فيه إثم، أم لا؟ ولا يسأل عن أعمال فيها أجر، أم لا؟! وهذه النفسية تؤدي إلى الوقوع في أشياء من الشبهات والمكروهات، أي أن: صاحب هذه النفسية لا يوجد عنده مانع أن يرتكب أمراً مكروهاً، أو يقع في أي شبهة ما دام أنها ليست محرمة. وهذه أسئلة واقعية جاءت من بعض الناس، يقول: ما حكم الشيء الفلاني؟ الجواب حرام لا يجوز، والدليل كذا، فيقول: حرام قليل، أو كثير؟ لأن ما عنده اهتمام بالابتعاد عن المنكر والسيئات ولو كانت سيئة واحدة، ولو كان العمل في أول مراتب الحرام، فهذه النفسية من أين أتت؟ من ضعف الإيمان، وينتج عن ذلك الجرأة على محارم الله، وعدم الشعور بأي حاجز بين الإنسان وبين المعصية، ولذلك يقول الرسول ﷺ عن أناس كما في الحديث الصحيح: (أنهم يأتون يوم القيامة بحسنات كأمثال الجبال، فيجعلها الله هباءً منثوراً)، يقول ﵊: (لأنهم كانوا إذا خلوا بمحارم الله، انتهكوها) بكل سهولة ينتهك المحرم، ليس هناك تردد بعض الناس يقع في المحرم، لكن يتردد قبلها كثيراً قبل أن يقع في المحرم، وبعض الناس يقع في المحرم بكل سهولة، مثل: شرب الماء! وكلا الشخصين على خطر، لكن أحدهما أخطر من الثاني، أي: كون الواحد يقع بعد تردد وتحرج هذا أهون قليلاً من الذي يقع في الحرام مباشرة بكل سهولة يأكل الحرام -يقع في الحرام- ينظر إلى الحرام، يستمع إلى الحرام دون أدنى تحرج، وهذه نوعية من الناس أيضاً نتيجة ضعف الإيمان يستسهل الذنوب، ولا يرى أنه عمل شيئاً منكراً، ولذلك يصف ابن مسعود ﵁ وأرضاه في صحيح البخاري حال المؤمن وحال المنافق، يقول: [المؤمن يرى ذنوبه كجبل يوشك أن يقع عليه، والمنافق يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه، فقال به هكذا، فطار] هذا الشعور نتيجة استسهال المحرمات، واستسهال الوقوع فيها.

стр. 3092

انفصام عرى الأخوة الإسلامية ومن مظاهر ضعف الإيمان وعواقبه: انفصام عرى الأخوة الإسلامية، يقول ﵊ في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري في الأدب المفرد عن أنس وهو في صحيح الجامع: (ما تواد اثنان في الله، فيفرق بينهما إلا بذنب يحدثه أحدهما) اثنان متآخيان في الله، بينهما رابطة إسلامية، انفصلت الرابطة، وكره كل واحد منهما الآخر، انفصلا عن بعضهما، فما هو السبب؟ يقول ﵊: (ما تواد اثنان في الله، فيفرق بينهما إلا بذنب يحدثه أحدهما) هناك ذنب حدث، ولذلك انفصلت عرى الأخوة، سواءً كان هذا خلافاً وغضباً شيطانياً، أو ذنباً آخر من المعاصي التي تفرق بين المسلمين، وهذه من شؤم المعصية، ومن شؤم ضعف الإيمان.

стр. 3093

كثرة الجدال والمراء المقسي للقلب كذلك من علامات ضعف الإيمان ومظاهره: كثرة الجدال والمراء المقسي للقلب، قال ﵊ في الحديث الصحيح: (ما ضل قومٌ بعد هدىً كانوا عليه إلا أوتوا الجدل) الجدال بغير دليل، ولا نظر صحيح، ولا أثر، فهذا الجدال يؤدي إلى الابتعاد عن الصراط المستقيم، والآن هناك أناس كثيرون يجادلون بالباطل ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [الحج:٨]، ويقول ﵊: (أنا زعيمٌ ببيتٍ في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً) حديثٌ حسن، وما دمت أنك قد أقمت عليه الحجة فيكفي.

стр. 3094

احتقار المعروف ومن علامات ضعف الإيمان: احتقار المعروف، فلو أرشدت أحد الناس إلى شيء من المعروف، قال: هذه ما فيها إلا شيء يسير من الحسنات، وهذا شيء بسيط أنا مستغنٍ عنه، أعطني أشياء كبيرة في الأجر، يقول ﵊: (اتق الله، ولا تحقرن من المعروف شيئاً، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي) لو أتى أحد يريد أن يستسقي من بئر وأنت قد رفعت دلوك، فلما وجدت هذا الشخص بيده الدلو، أفرغت دلوك في دلوه، ثم رفعت دلواً آخر لنفسك، فهذه العملية بسيطة، لكن لا تحتقرها، وأن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسطٌ ماذا تكلفك الابتسامة في وجه أخيك؟ لا شيء عمل سهل جداً، لا تحتقر هذا المعروف، لا تقل: هذه قضية ثانوية وجزئية، وما فيها إلا حسنات قليلة، لا؛ لأن هذا العمل البسيط قد يكون سبباً في مغفرة الذنوب كلها، يقول ﵊ في الحديث الصحيح الذي رواه مالك وأحمد والبخاري ومسلم وغيرهم عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه أن رسول الله ﷺ ، قال: (بينما رجلٌ يمشي في طريق، وجد غصن شوكٍ على الطريق، فأخره) أزاله جانباً حتى لا يؤذي المسلمين (فشكر الله له، فغفر له) بسبب إزالة غصن من الشوك عن طريق المسلمين. فإذاً من ضعف الإيمان أن تحتقر الحسنات البسيطة، لو رأيت سجادة المسجد وسخة، ولا تحتقر إزالتها، وفي إزالة أوساخ المسجد وردت الأحاديث الصحيحة؛ كحديث المرأة السوداء التي كانت تقم المسجد على عهد الرسول ﷺ ، فماتت في الليل، فدفنوها دون أن يؤذنوا رسول الله حتى لا يزعجوه، فلما أصبح ﵊ وافتقدها، قال: (أين هي؟ قالوا: ماتت ودفناها، قال: دلوني على قبرها) فذهب ﵊ إلى قبرها بنفسه وصلى عليها؛ لأنها كانت تقم المسجد. أي: تنظف المسجد.

стр. 3095

السرور والغبطة بما يصيب المسلمين ومن مظاهر ضعف الإيمان: السرور والغبطة بما يصيب إخوانه المسلمين من فشل، أو خسارة، أو مصيبة، أو زوال نعمة، فيشعر بالسرور أن النعمة عن فلان قد زالت، أو أن الشيء الذي كان فلان متميزاً به عني قد ذهب، وأن تجارته قد بارت، وأنه قد فقد وظيفته، أو قد أصابه عين، فذهب حسن صوته، فيشعر بسرور. وهذه نفسية سيئة تشعر بهذا نتيجة ضعف الإيمان.

стр. 3096

الفراغ والخوف عند نزول أي مصيبة ومن مظاهر ضعف الإيمان كذلك: الفزع والخوف عند نزول أي مصيبة، أو حدوث أي مشكلة، فتراه ترتعد فرائصه يرتجف يفقد اتزانه يتضايق جداً لا يستطيع التفكير يضطرب لنزول مشكلة؛ لأن القلب ضعيف، ولذلك تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى، فتجده لأدنى مشكلة محتاراً لا يستطيع مواجهة الواقع، فقد غلب على أمره، وركبته الهموم، ولم يجد مخرجاً؛ لأن إيمانه ضعيف، ولو كان إيمانه قوياً لكان ثابتاً، ولواجه المشكلة بقوة، مندفعاً في المواجهة من قوة إيمانه في قلبه.

стр. 3097

علامات أخرى لضعف الإيمان ومن علامات ضعف الإيمان: فشو الأمراض القلبية، مثل: حب الظهور، وإرادة أن تكون الكلمة له، وأن يأخذ الجميع بآرائه وأقواله. ومن علامات ضعف الإيمان: عدم الاكتراث لفوات مواسم الخيرات، يعني: لو جئت لأحد الناس، وقلت له: هل صمت أمس؟ لأن أمس كان يوم عرفة، أو عاشوراء، قال: والله نسيت ما تذكرت، والأمر عادي، خيرها في غيرها! فعدم الاكتراث لفوات مواسم الخيرات يدل على عدم اهتمام الشخص بتحصيل الخير والحسنات نتيجة ضعف الإيمان في نفسه. وكذلك من علامات ضعف الإيمان: أن يقول الإنسان ما لا يفعل، والله يقول: ﴿كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٣]. ومن علامات ضعف الإيمان: أن يأخذ كلام الإنسان وأسلوبه الطابع العقلاني البحت، ويفقد السمة الإيمانية حتى لا تكاد تجد في كلام هذا الشخص أثراً فيه نص من القرآن، أو السنة، ولا للتسليم بشرع الله، يعني: تجد كلاماً عقلانياً، وحججاً عقلية، ليس فيها قرآن ولا أحاديث، بل طبيعة الجدال والنقاش فقط، ولذلك الكلام غير مؤثر حتى لو أتى بأدلة كثيرة عقلية، لا يؤثر في نفوس الآخرين. ومن أعراضه: الشح والبخل. ومن مظاهر ضعف الإيمان: المغالاة في الاهتمام بالنفس؛ أكلاً ولبساً أناقة مسكناً مركباً، تجد الإنسان هذا ضعيف الإيمان يهتم بالكماليات جداً، يهتم بلباسه جداً، ويشتري أغلى الأقلام، ويهتم بسيارته جداً، في مسكنه يزوقه ويحسنه، وينفق الأموال والأوقات في هذه التحسينات، وليس لها ضرورة، وليست حتى مما يسهل الحياة العملية، وإنما مجرد إنفاق أموال تضيع في أشياء لا فائدة منها، ويقدم اهتمامه بنفسه على الآخرين، وينفق أمواله والمسلمون يحتاجون إليها حتى يقع في التنعم أي: الترفه الزائد عن الحد، ولذلك يقول الرسول ﷺ في الحديث الصحيح عن معاذ بن جبل ﵁ وأرضاه: (أن رسول الله ﷺ لما بعث به إلى اليمن، قال: إياك والتنعم، فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين). إذن! الإغراق في الأناقات، والإنفاق على النفس في الكماليات، والتزويق والتحسين، هذه الأمور دليل على أن الإنسان مستعد أن ينفق أموالاً وأوقاتاً غير مكترث لإنفاق هذه الأموال والأوقات في أشياء أهم منها.

стр. 3098

أسباب ضعف الإيمان نأتي الآن إلى القسم الأخير في حديثنا وهو (الأسباب) فقد ذكرنا بعض الأعراض والمظاهر لضعف الإيمان، ونريد أن نتكلم عن أسباب ضعف الإيمان، فما هي أسبابه؟

стр. 3099

طول الأمد والوقت يقول الله في القرآن: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦]. إذاً طول الأمد والوقت. أحد الناس ابتعد عن الأجواء الإيمانية فترة طويلة فكان هذا مدعاة لضعف الإيمان في نفسه، فمثلاً -أيها الإخوة-: أحد الناس ابتعد عن إخوانه في الله فترة طويلة لسفر أو لوظيفة أو لأي شيء، صار عنده انشغال، فابتعد عن إخوانه، والأخوة كما يقول الحسن البصري: [إخواننا أغلى عندنا من أهلينا، فأهلونا يذكروننا بالدنيا، وإخواننا يذكرونا بالآخرة]. عندما يبتعد الإنسان عن إخوانه، فإنه يفقد الجو الإيماني الذي كان يتنعم في ظلاله، ويستمد منه قوة قلبه، والمؤمن قليلٌ بنفسه كثيرٌ بإخوانه، والجو الذي يعيش فيه الأخ بين إخوانه في الله جو مهم جداً، فعندما يبتعد الإنسان عنه لفترة ويطول عليه الأمد يقسو قلبه. الابتعاد عن القدوة، مثلاً: إنسان يتعرض لنفحات تربوية من أخ له في الله هو أعلى منه علماً وإيماناً، فيتربى تحت يديه، فإذا ابتعد عن هذا القدوة فترة من الزمن يقسو قلبه. إذاً الابتعاد عن أهل التقوى، وعن القدوات الصالحة، والانشغال عنهم لسفر، أو وظيفة، أو أي شيء يسبب ضعف الإيمان. صحابة الرسول ﷺ لما توفي ﵊، واروه من هنا، وقالوا: فأنكرنا قلوبنا، يعني: بعدما واروا جثمان الرسول ﷺ ، قالوا: أنكرنا قلوبنا، أحسوا بوحشة في قلوبهم؛ لأن المصدر -المعلم المربي- مات ﵊، وكما ورد في وصفهم في بعض الآثار: فكانوا كالغنم في الليلة الشاتية المطيرة، كذلك الصحابة -رضوان الله عليهم- أحسوا في وحشة في قلوبهم، مع أنهم من المحافظين على إيمانهم، أحسوا بوحشة مع أن فيهم: أبا بكر الصديق، وعمر وعثمان وعلي وقدوات كثيرة من الصحابة، لكنهم أحسوا بوحشة؛ لأن قلوبهم حساسة جداً. الآن بعض الناس يبتعد عن إخوانه في الله، ويبتعد عن الأجواء الإيمانية، يحس بوحشة، لكن لا يتدارك الأمر، حتى تصير الوحشة شيئاً طبيعياً، ثم تحدث نفرة في قلبه من تلك الأجواء الإيمانية، يقسو القلب، ويضعف الإيمان فعلاً. الابتعاد عن طلب العلم الشرعي، والاتصال لكتب السلف الإيمانية: كتب تحريك القلوب، فهناك أنواع من الكتب تحس وأنت تقرأ فيها بأنها تحرك قلبك بأنها تستثير الإيمان الكامن بأنها تحرك الدوافع الإيمانية في القلب. من أفضل الأمثلة على هذه الكتب: كتب ابن القيم ﵀، تجد أنه يتطرق بشكل أو بآخر، ويعرض القضية بأسلوب إيماني. بعض كتب الفقه فيها نوع من الجمود الإيماني في عرض الأحكام، بعض العلماء يتميزون بأسلوب إيماني حتى في عرض الأحكام، فكيف بالأشياء الأخرى؟! لذلك الانقطاع عن هذه الكتب، والإغراق في قراءة الكتب الفكرية فقط، أو كتب الأحكام المجردة عن الإيمانيات فقط، أو كتب اللغة والأصول -مثلاً- فقط من الأشياء التي تورث قسوة القلب أحياناً؛ لأنه انشغل بقرائتها عن قراءة الكتب الإيمانية الأخرى. نحن لا نذم الناس الذين يطلعون في اللغة والنحو والأصول وغيرها، لا. لكننا ننبه إلى أولئك الناس الذين أعرضوا عن كتب التفسير والحديث مثلاً، فلا تكاد تجده يقرأ في التفسير، ولا في الحديث، مع أن التفسير وأحاديث الصحيحين وغيرها من أهم الأشياء التي تصل القلب بالله . يا أخي! عندما تقرأ في الصحيحين -مثلاً- تحسن بأنك تعيش في أجواء العصر الأول، تحس كأنك تعيش مع الرسول ﷺ ومع الصحابة، تتعرض لنفحات إيمانية، هذه سيرتهم وطريقتهم، هذه الأحداث التي جرت في عصرهم، تحس أنك تعيش فيها، تحس أنك فرد منهم. فالوصية -أيها الإخوة- بقراءة كتب الأحاديث كتب السيرة، ومن الذين يتعرضون لهذا بشدة الذين يقرءون ويدرسون دراسات لا علاقة لها بالإسلام، مثل: الذين يدرسون الكتب التجارية، وفيها كلام عن الربا والبنوك، أو كتب علم الاجتماع والفلسفة، وككتب علم النفس البعيدة عن الإسلام التي فيها نظريات كثيرة تقسي القلب وكلام يقسي القلب، وأحياناً يأتي لك بأمثلة فلان وفلانة، وسكرتيرة وكذا وكذا، هذا لا بد أن ينتبه له. الذين يدرسون في تخصصات الجامعات غير الشرعية، نعم هي تفيد المسلمين، لا نقول: لا تدرس، لكن انتبه وأنت تدرس في هذه الأشياء، فكثرة القراءة فيها تقسي القلب، لذلك الواحد لو أنه يذاكر للامتحان، ويقرأ في هذه الكتب، لا بد أن يتبع ذلك قراءة قرآن، أو قراءة في كتب أحاديث الرسول ﷺ وغيرها، حتى يطري تلك القسوة التي عرضت له نتيجة القراءة في هذه الكتب، طبعاً قراءة القصص الخيالية، وقراءة قصص الحب والغرام، والمجلات، بعض الناس يغرقون في قراءة المجلات والجرائد، ويتتبع الأخبار من هنا وهناك، ومحطات تلفزيون، ويقول: أريد وعياً، لكن في حقيقة الأمر يقسو قلبه نتيجة لقراءة الأخبار، وقراءة هذه الأشياء، لأن بعض الجرائد والمجلات والأخبار ليس فيها شيء يربطك بالله، كلها أشياء تقسي القلب، ليس هناك شيء تجد فيه رقة لقلبك، ولذلك إذا داومت على سماع هذه الأشياء، وقراءتها أورثتك قسوة القلب فعلاً.

стр. 3100

وجود المسلم في وسط يعج بالمعاصي ومن الأسباب المهمة في ضعف الإيمان: وجود الإنسان المسلم ولو كانت خامته طيبة في وسط يعج بالمعاصي، وسط يذكر بالدنيا، أحاديث دنيوية، مثل: عموم المجالس والمكاتب وبيوت الناس اليوم، أحاديث التجارة الوظيفة الأموال الاستثمارات الفرص التجارية بيوت فيها اختلاط تعج بالمنكرات تسمع الأغاني تشاهد المتبرجات أفلام ملهيات حكايات، ومجالس فيها قصص العيش في وسط هذه الأجواء يقسي القلب. بعض الناس لا يملكون شيئاً، فهذا حال أبيه وأمه، وحال إخوانه، وأخواته، وحال أخواله وأعمامه وزواره، فهو لا يملك أن يغير شيئاً أحياناً، ولا يستطيع أن يقول: أنا سأخرج من البيت وأسكن في الشارع، أو أجلس عند صديقي أثقل عليه، لكن هناك إجراءات لا بد من اتخاذها، والقصد أن هذا سبب من أسباب ضعف الإيمان، ولا شك. بعض الناس أذهانهم مملوءة بهذه القصص التي تقسي القلب والأحاديث، وأذكر مثالاً حصل لي مرة من المرات، كنت ذاهباً مع صاحب سيارة أجرة من مكة إلى جدة في الليل، وفي الليل ينتهز الواحد الفرصة للكلام مع السائق، فقلت له: أنا أخبرك بقصة، وأنت تخبرني بقصة حتى نصل وحتى لا ننام في الطريق، فأخبرته بقصة في صحيح البخاري، وجاء دوره ليقص عليَّ قصة، فأتى الرجل بقصة طويلة، ملخصها أن رجلاً شجاعاً في قبيلة ذهب في الحج، ورأى امرأة وأعجب بها، وكانت ساكنة في اليمن، ثم ذهب إلى اليمن، وتحايل في الدخول إلى بيتها، واتضح أنها زوجة أمير في اليمن، ثم عاش معها شهراً داخل القصر في غياب زوجها، وعاشرها بالحرام، ثم هرب بها، وقتل زوجها. أشياء كلها بالحرام والزنا والقتل، وفي الأخير قتل، ثم لما علمت بمقتله ماتت بسبب الأشواق التي كانت بينهم، فاستمعت إلى القصة حتى أكمل الرجل، وكان هذا الرجل يتجنب الأشياء الفاحشة، أي: تفاصيل الأشياء، لكن هذا الشيء هو الذي في ذهنه، ويتكلم في القصة وهو معجب بها، وعنده قصص كثيرة مثلها، ويقول: نحن أهل البادية هذه قصصنا وحكاياتنا، وما نمضي به الوقت من هذا القبيل، وهذا مشكلة. طبعاً هناك أناس مثل سائقي الشاحنات هؤلاء يقطعون على الطريق أوقات طويلة جداً، يظل عشر ساعات وعشرين ساعة وأكثر أيامهم على الطريق، هؤلاء يمضون أوقاتهم في أي شيء؟ وطبعاً هناك سائق ومساعد السائق يمضون أوقاتهم في أشعار فارغة، وقصص كقصص الحب والغرام، أو أشرطة أغاني، والمشكلة أنه طول الوقت في السيارة يمشي ويسمع هذه الأشياء، لذلك لا بد من إيجاد حلول، وتقديم أشياء لهؤلاء الناس لعلهم ينتفعون بها، وهذا قطاع ربما الآن مهمل في الدعوة إلى الله، قطاع سائقي الشاحنات، ليس هناك من ينتبه لهم إلى الدعوة إلى الله، وإعطاءهم الأشياء النافعة والمفيدة.

стр. 3101

الإغراق في الانشغال بالدنيا كذلك من أسباب ضعف الإيمان: الإغراق في الانشغال بالدنيا حتى ينشغل القلب، نحن لا نقول: لا تشتغل في الدنيا ولا تعمل، ولا تتكسب، ولا تتوظف، لا. لكن لدرجة أن ينشغل القلب ويصبح عبداً لهذه الأشياء , فإن الرسول ﷺ قال: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم) سماه عبد الدينار وعبد الدرهم، ولذلك يقول ﵊: (إنما يكفي أحدكم ما كان في الدنيا مثل زاد الراكب) أي: الشيء اليسير الذي يبلغه إلى المقصود، طبعاً سواءً كان كثيراً، أو قليلاً في الحجم، كأن يسدد ديونه، فربما يحتاج أشياء كثيرة يتكسب. ومن الأسباب الأخرى: الانشغال بالمال، وبالزوجة، وبالأموال، والله يقول: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال:٢٨]، وقال: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران:١٤] زين للناس، فيتعلقون بها، ويقول ﵊: (إن في مال الرجل فتنة، وفي زوجته فتنة، وولده) طبعاً هذه ليست دعوة إلى ترك تربية الزوجة والأولاد، لا. هذا من الخير ومن الشيء المطلوب شرعاً، لكن الانسياق وراء الزوجة في المحرمات، والانسياق وراء الأولاد في الشغل عن طاعة الله، والرسول ﷺ ، قال: (الولد مجبنة) إذا جاء المرء يجاهد في سبيل الله قال: ولدي. (مبخلة) إذا جاء ينفق في سبيل الله، قال: ولدي أحق. (محزنة) يركبه الهم والغم إذا أصابه مرض أو غيره؛ فينشغل عن أشياء كثيرة. فإذاً ليس المقصود ترك التربية، وإنما المقصود الانشغال معهم بالمحرمات، والزوجة منعطف خطير في حياة زوجها أحياناً، والزوج كذلك منعطفٌ خطير في حياة زوجته الملتزمة بدين الله، وقال ﵊ في الحديث الصحيح: (إن لكل أمةٍ فتنة، وإن فتنة أمتي المال) في صحيح الجامع.

стр. 3102

الإفراط في كثير من الأمور ومن أسباب قسوة القلب: الإفراط في الأكل والنوم والسهر والكلام والخلطة، وكل واحدة تحتاج إلى شرح، لكنا الآن في مجال التذكير. الإفراط في الأكل يقسي القلب، والإفراط في النوم يقسي القلب، والإفراط في السهر يقسي القلب، والإفراط في الكلام يقسي القلب. والإفراط في مخالطة الناس تقسي القلب، تجد الواحد لا يتفرغ ليحاسب نفسه قليلاً. كثرة الضحك تقسي القلب، يقول ﵊ في الحديث الصحيح: (وأقِل الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب) والفراغ الذي لا يملأ بطاعة الله حتى لو جلس الإنسان فقط في هواجس بينه وبين نفسه يتخيل أشياء؛ يقسي القلب، فأسباب ضعف الإيمان كثيرة هذا ما نقتصر على ذكره منها في هذا الدرس، وسيكون إن شاء الله موعدنا معكم في الدرس القادم؛ لنتكلم عن موضوع بعنوان "كيف نجدد الإيمان في قلوبنا" وسنتطرق في الدرس القادم بإذن الله إلى علاج هذه المشكلة، لأن ما من إنسان إلا ويعاني من ضعف في قلبه، فسنتكلم إن شاء الله عن حلول وعلاجات لهذه المشكلة. نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن يسمعون القول فيتبعون أحسنه، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم على النبي الأمي محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 3103

عبر بين موازين الله وموازين البشر [١] التقوى هي ميزان الشرع الذي به يزن البشر، أما موازين البشر فغير كاملة لنقصانهم، وضيق نظرتهم، وفي هذه الخطبة يوضح الشيخ ذلك بأمثلة من الواقع وأدلة من الشرع، فاقرأ تستفد.

стр. 3104

مقارنة بين ميزان الشرع وميزان البشر إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: إخواني الأحبة! إن من الأمور التي ينبغي أن نتفكر فيها جيداً ونمعن النظر، ونأخذ العبر، الفروق بين موازين الله وموازين البشر، ذلك أننا في كثير من الأحيان، نحكم على الأشخاص والأحوال من منظار الدنيا، ونقوم الناس والمواقف من المناظير الدنيوية التي ننظر إلى هؤلاء الأشخاص والأحوال من خلالها، بينما يكون الأمر عند الله تعالى مختلفاً تمام الاختلاف. ومن هنا كان لابد لنا أن نعدل النظرة، وأن نقوم الميزان، حتى ننظر إلى الأمور من خلال منظار الشرع، لا من خلال منظار الهوى والعادات والتقاليد، وما استحدثه الناس من أنواع الموازين الدنيوية. وسنتحدث -إن شاء الله- عن بعض الأحوال والمواقف، وأنواع الناس الذين يُنظر إليهم من خلال ميزان الدنيا، ونقارن ذلك بما عند الله تعالى.

стр. 3105

العاهات البدنية ومنظار الشرع إليها أيها الإخوة: ما هو رأينا في رجل مشوه الخلقة، ربما يكون دقيق الساقين، أو أسود البشرة، أو أعور أفحج، أو أنه مشلول، أو مجدوع الأنف والأطراف ونحو ذلك؟! كثير من الناس ينظر إليه بازدراء؛ لأن خلقته مشوهة، ينظرون إليه من منظار النقص، ولكن المسألة ليست بالشكل ولا بالصورة، وإنما هي بالتقوى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]. وكان النبي ﷺ حريصاً على إيضاح هذا المفهوم، فروى الإمام أحمد ﵀ في الحديث الحسن عن ابن مسعود: (أنه كان يجتني سواكاً من الأراك، وكان دقيق الساقين، فجعلت الريح تكفؤه، فضحك القوم منه، فقال رسول الله ﷺ : مم تضحكون؟! قالوا: يا نبي الله! من دقة ساقيه، فقال: والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد) ساقا ابن مسعود الدقيقتان النحيلتان أثقل عند الله في الميزان من جبل أحد. وفي رواية لـ أحمد أيضاً، عن أم موسى قالت: (سمعت علياً ﵁ يقول: أمر النبي ﷺ ابن مسعود، أن يصعد شجرة فيأتيه منها بشيء، فنظر أصحابه إلى ساق عبد الله بن مسعود حين صعد الشجرة، فضحكوا من حمشوة ساقيه -أي: دقة أقدامه وصغرها- فقال رسول الله ﷺ : مِمَّ تضحكون؟ لرجل عبد الله أثقل في الميزان يوم القيامة من أحد). وكان أصحاب النبي ﷺ يعرفون له هذا الفضل، فقال حذيفة ﵁: [إن أشبه الناس هدياً ودلاً برسول الله ﷺ من حين يخرج من بيته حتى يرجع -فلا أدري ما يصنع في أهله- كـ عبد الله بن مسعود، والله لقد علم المحفوظون من أصحاب محمد ﷺ أن عبد الله من أقربهم عند الله وسيلة يوم القيامة]. وكان النبي ﷺ يلفت نظر الناس إلى هذا الأمر، وأن القضية ليست بجمال الصورة، وإنما هو بالإيمان الذي وقر في القلب، فروى أحمد ﵀ في الحديث الصحيح عن أنس: (أن رجلاً من أهل البادية كان اسمه زاهراً، كان يهدي للنبي ﷺ الهدية من البادية، فيجهزه رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج، فقال النبي ﷺ : إن زاهراً باديتنا، ونحن حاضروه). قال في مرقاة المصابيح في شرح الحديث: أي نستفيد منه ما يستفيد الرجل من باديته من أنواع النباتات، يجلب إلينا أشياء لا تكون إلا في البادية ليست عندنا، ونحن نعد له ما يحتاج إليه من البلد. (وكان النبي ﷺ يحبه وكان رجلاً دميماً، قبيح المنظر والخلقة ليس فيه جمال، فأتاه النبي ﷺ يوماً، وهو يبيع متاعه فاحتضنه من خلفه وهو لا يبصره، فقال الرجل: أرسلني من هذا؟ فالتفت فعرف النبي ﷺ ، فجعل لا يألو ما ألصق ظهره بصدر النبي ﷺ حين عرفه، وجعل النبي ﷺ يقول -ممازحاً لـ زاهر -: من يشتري العبد؟! فقال: يا رسول الله! إذاً والله تجدني كاسداً -من يرغب فيّ؟ ومن يطمع في شكلي؟ - فقال النبي ﷺ : لكنك عند الله لست بكاسد) أو قال: (لكنك عند الله غالٍ) فتأمل كيف لفت النظر إلى هذا الشيء.

стр. 3106

ذم الشرع للسمن وفي المقابل نجد أن الرجل العظيم السمين، كما قال النبي ﷺ : (إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة) هذه رواية البخاري، وفي رواية لـ ابن مردويه: (الطويل العظيم الأكول الشروب) عند الناس الطويل العظيم، خلقة محترمة, خلقة جيدة، وشيء يُتطلع إليه، مثل المنافقين: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ [المنافقون:٤]. (إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة) هذا في ميزان الرب، عندنا نعجب بالصورة والخلقة، والعضلات المفتولة، والجسم الفارع الطول: (إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، وقال: اقرءوا: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾ [الكهف:١٠٥]). وهذا لأنه رجل فاجرٌ أو كافرٌ لا يزن عند الله جناح بعوضة، ولا يعني ذلك التعميم، فقد كان من الصحابة الأجلاء من هو طويل مربوع، وكان في الكفار من هو دقيق نحيل. ولكن المقصود لفت النظر إلى عدم التعلق بجمال الصورة، وأن نُقوم الناس أو نُعجب بهم، أو نحبهم بناءً على جمال صورتهم، فإن الجمال لا يغني عنهم من الله شيئاً، وربما يكون من أجمل الناس وهو عند الله من أحقر خلقه، وربما يكون الرجل أكثر الناس تشويهاً، وهو من أعظم الناس عند الله يوم القيامة. وقد كان عطاء بن أبي رباح رحمه الله تعالى مفتي مكة وقاضيها؛ عبداً أسود، مجدوع الأنف، أعور، مشوه الخلقة، رأسه داخل في جسده، -لا يكاد يوجد له رقبة- ومع ذلك كان مقدم الناس، لا يفتي في الحج إلا عطاء، ولا يجسر في الحج أن يفتي أحد إلا عطاء، قاضي مكة بأسرها، يأتي إليه الناس، حتى الخليفة قال لولديه: يا بني! اطلبوا العلم، فإنني لا أنسى ذُلنا بين يدي هذا العبد الأسود. لأن المجتمع كان ينظر إلى الناس من خلال العلم والإيمان، ومن خلال العقيدة، لا من خلال الشكل والصورة كما يفعله كثير من الناس، فإذا أراد مثلاً أن يتزوج نظروا إلى صورته وشكله قبل دينه وخلقه، لا مانع من الاهتمام بالصورة والشكل، لكن المشكلة في تقديم ذلك على الدين والخلق، والإيمان والتقوى، والعلم والفضل. لما استقر هذا المفهوم في أذهان الصحابة ﵃، بان ذلك من خلال كلامهم، فلما قام عتبة بن غزوان الصحابي الجليل ﵁ يخطب في الناس بعد ما فتحوا البلاد بعد النبي ﵊، وحمد الله وأثنى عليه، ماذا قال في كلمته؟ قال: [ولقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله ﷺ مالنا طعام إلا ورق الشجر، حتى قرحت أشداقنا، فالتقطت بردة، فشققتها بيني وبين سعد بن مالك، فاتزرت بنصفها واتزر سعد بنصفها، فما أصبح اليوم منا أحد، إلا أصبح أميراً على مِصر من الأمصار] لأن الخلفاء الراشدين كانوا يولون الصحابة على الأمصار، يكونون أمراء وقضاة وأئمة، الأمير والقاضي والإمام واحد، والمفتي لهم والمعلم وناقل الأحاديث والمربي واحد. قال: [فما أصبح اليوم منا أحد إلا أصبح أميراً على مصر من الأمصار، وإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيماً- نتيجة هذه المنزلة وهذه الإمرة- وعند الله صغيراً، وإنها لم تكن نبوة قط إلا تناسخت حتى يكون آخر عاقبتها ملكاً، فستخبرون وتجربون الأمراء بعدنا] رواه مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه. إذاً: ما هو الميزان عند الله؟ ما هو الميزان الذي يجب علينا أن ننظر إلى الناس من خلاله؟ إنه حديث النبي ﷺ : (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) -هذا هو الميزان- رواه مسلم ﵀ وغيره.

стр. 3107

مقارنة بين منظار الشرع والبشر إلى الفقر ما هو رأينا؟ وماذا نقول؟ وما هي وجهة نظرنا، إذا رأينا شخصاً فقيراً عليه أسمال بالية، وثيابه رثة، وهيئته محقورة، وهو ضعيف، وليس له منزلة، ولا أحد يعطيه وجهاً كما يقول العامة، ما هو رأينا فيه؟ ما هي نظرتنا له؟ روى البخاري ﵀ عن حارثة بن وهب الخزاعي، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف) الناس يتضعفونه لضعفه، كل يظلمه ويحقره ولا يبالي به ولا يعطيه وزناً ولا قيمة، هؤلاء أهل الجنة: (ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره) من عظمه عند الله ومنزلته ومكانته، لو قال: أقسمت عليك يا رب أن تفعل كذا، لبر الله بقسمه وفعل. (ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتل -أي: جافٍ شديد الخصومة بالباطل- جواظ) أي: فظ غليظ متكبر في مشيته، ومستكبر كما دلت عليه الصفتان السابقتان. وفي رواية أحمد: (ألا أخبركم بأهل النار وأهل الجنة؟ أما أهل الجنة فكل ضعيف متضعف أشعث ذي طمرين -ثوبين باليين- لو أقسم على الله لأبره، وأما أهل النار فكل جعضري -وهو الغليظ المتكبر- جواظ -المختال في مشيته وقيل: كثير اللحم- جمّاع -يجمع الأموال- منّاع -يمنع حق الله فيها- ذي تبع -أي: له أتباع وعشيرة ويتبعه كثير من الناس) هذه صفة من صفات أهل النار. وفي رواية ابن ماجة عن معاذ، قال رسول الله ﷺ : (ألا أخبرك عن ملوك الجنة؟ قلت: بلى، قال: رجل ضعيف مستضعف ذو طمرين، لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبره). وكان النبي ﷺ حريصاً على تجلية هذا الموقف لأصحابه، فقد روى البخاري ﵀ عن سهل بن سعد الساعدي أنه قال: (مر رجل على رسول الله ﷺ فقال النبي ﵊ لرجل عنده جالس: ما رأيك في هذا؟) والنبي ﵊ يُوحى إليه، فكان يعلم حال هذا الرجل أنه منافق أو كافر أو فاجر، فقال: (ما رأيك في هذا؟ فقال: رجل من أشراف الناس، هذا والله حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع إن يُشفع -إذا توسط لأحد أن يقبل كلامه قال: فسكت رسول الله ﷺ ، ثم مر رجل آخر، فقال له رسول الله ﷺ ما رأيك في هذا؟ قال: يا رسول الله! هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حري إن خطب ألا ينكح وإن شفع ألا يشفع، وإن قال ألا يسمع لقوله، فقال رسول الله ﷺ : هذا خير من ملء الأرض مثل هذا) أي: الذي ولى أولاً. وفي رواية ابن ماجة: (مر على رسول الله ﷺ رجلٌ، فقال النبي ﷺ : ما تقولون في هذا الرجل؟ قالوا: رأينا في هذا نقوله: هذا من أشرف الناس، هذا حري إن خطب أن يُخطب، وإن شفع أن يُشفع، وإن قال إن يُسمع لقوله، فسكت النبي ﷺ ، ومر رجلٌ آخر فقال النبي ﷺ : ما تقولون في هذا؟ قالوا: نقول: والله يا رسول الله! هذا من فقراء المسلمين، هذا حري إن خطب لم ينكح، وإن شفع لا يشفع، وإن قال لا يسمع لقوله، فقال النبي ﷺ : لهذا خير من ملء الأرض من مثل هذا). ونحن ننظر إلى الناس غالباً من مناظير دنيوية، نقول: هذا رجل صاحب منصب، هذا رجل غني، هذا رجل قوي، هذا رجل جميل الخلقة، هذا ذو مرة، وهو عند الله قد يكون من أحقر الناس، وإذا نظرنا إلى شخص فقير ضعيف لا مكانة له ولا وظيفة، أو كما يقول العامة: لا وجه ولا جاه، ماذا نعتقد فيه؟ وبأي عين ننظر إليه؟ وكيف نعامله، ونستقبله في مجالسنا؟ وكيف نسلم عليه، وكيف نكلمه؟ بناءً على موازيننا نتعامل، فهذا العظيم الغني صاحب المنصب، نقوم له، ونجله، ونرحب به، ونسمع كلامه، ونلبي طلبه، وهذا الضعيف المستضعف الفقير، إذا دخل المجلس لا أحد يلتفت إليه، ولا يأبه به، ولو طلب طلباً قاطعنا كلامه، ولا نلبيه، وربما طردناه، لماذا؟ لأن نظرتنا دنيوية أيها الإخوة! نظرتنا ليست بميزان الشرع. هذا الذي نريد أن نعدله، النبي ﵊ كان حريصاً أن يربي هذا المفهوم في نفوس أصحابه، فقد روى أحمد، قال الهيثمي بأسانيد ورجالها رجال الصحيح: عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : (يا أبا ذر! ارفع بصرك فانظر أرفع رجل تراه في المسجد -أعلى رجل منزلة- قال: فنظرت -استعرضت الناس في المسجد- فإذا رجل جالس عليه حلة -أي: ثوب من قطعتين نفيس -فقلت: هذا أرفع رجل، فقال: يا أبا ذر! ارفع بصرك فانظر أوضع رجل تراه في المسجد، فنظرت، فإذا رجل ضعيف عليه أخلاق -أي ثياب قديمة بالية- قال: فقلت: هذا، فقال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده، لهذا أفضل عند الله يوم القيامة من قراب الأرض - أي: ملئها وقدرها- مثل هذا).

стр. 3108

الفصاحة والعي بين ميزان الشرع وميزان البشر الفصاحة عندنا ماذا تعني؟ القدرة على الكلام والخطاب، والمحاماة والمرافعة، وتصدر المجالس، وفي الوقت نفسه يعني عندنا العيّ: عدم القدرة على التعبير عما في النفس، والضعف في المنطق، وعدم البلاغة، قال النبي ﷺ : (إن الله يبغض البليغ من الرجال، الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة) التخلل في الكلام: أي التشدق وتفخيم اللسان به، كما تأكل البقرة وتخرج لسانها، هذا يتشدق بالكلام مخرجاً لسانه يميناً وشمالاً، رافعاً له، كما تتخلل البقرة، قال أبو عيسى -أي: الترمذي - هذا حديث حسن غريب. وفي رواية أبي داود: (إن الله يبغض البليغ من الرجال، الذي يتخلل بلسانه تخلل البقرة بلسانها) قال في الشرح: أي المبالغ في الحديث استهزاءً بالناس، يتخلل في الكلام، أي: يفخم ويتشدق في قوله كما تلف البقرة لسانها على الكلأ، وفي صفات المنافقين: ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون:٤] من حلاوته والطلاوة التي عليه والفصاحة التي هم عليها: (وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ) من حلاوة منطقهم، وجودته وجماله، وفصاحتهم، لكن إذا كان الفصيح منافقاً، فأي شيء تنفعه فصاحته؟ وماذا ينبغي أن تكون نظرتنا إليه؟ وفي الوقت نفسه جاء في الحديث: (العيّ من الإيمان) العي هو: عدم القدرة على توضيح المقصود، وعدم البلاغة، والضعف في المنطق، وطبعاً هذه ليست قواعد، فقد كان من الصحابة فصحاء، ومن الكفار من يكون عيياً، لكن المقصود ألا نقيس الناس على الفصاحة والعي، فنقول صاحب المنطق البليغ المتشدق: هذا مؤمن، هذا إنسان عظيم، هذا إنسان له منزلة، وإذا جاء واحد لا يعرف أن يتكلم بكلمتين يضعهما فوق بعضهما احتقرناه لضعف لسانه ومنطقه.

стр. 3109

المرض في الشرع ليس شراً محضاً المرض ماذا يعني بالنسبة إلينا؟ المرض شر، ونحن نكره المرض، ولا غرابة في ذلك، لكن ينبغي أن ننظر إلى المسألة بالمنظار الشرعي، وأن المرض فيه إيجابيات وفيه خير، فالخطأ في نظرتنا إلى المرض أن ننظر إليه أنه شر كله. دخل النبي ﷺ على أم المسيب أو أم السائب، فقال: (مالك يا أم السائب أو يا أم المسيب تزفزفين -أي: تضطربين وترتجفين- قالت: الحمى لا بارك الله فيها، فقال: لا تسبي الحمى، فإنها تذهب خطايا بني آدم، كما يذهب الكير خبث الحديد) إذاً لها فائدة، تُكفر السيئات، وورد أنها من فيح جهنم. ولذلك قال: (أمرنا أن نبردها بالماء) وورد في بعض الأحاديث: [أن بعض الصحابة لما علموا أنها لو مكثت عندهم كفرت خطيئتهم اختاروا مكثها] لا تظن أن الذي لا يمرض -قوي الجسم الصحيح - أنها علامة خير، بل ربما لا تكون كذلك، روى أحمد ﵀ عن أبي هريرة قال: (دخل أعرابي على رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : هل أخذتك أم ملدم قط، قال: وما أم ملدم؟ قال: حرٌ يكون بين الجلد واللحم، قال: ما وجدت هذا قط، قال: فهل أخذك هذا الصداع قط، قال: وما هذا الصداع؟ قال: عرق يضرب على الإنسان في رأسه، قال: ما وجدت هذا قط، فلما ولى، قال ﵊: من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا). وفي رواية لـ أحمد: (مر برسول الله ﷺ أعرابي أعجبه صحته وجَلَدُه، قال: فدعاه رسول الله ﷺ ، فقال: متى أحسست أم ملدم؟ قال: وأي شيء أم ملدم؟ قال: الحمى، قال: وأي شيء الحمى؟ قال: سخنة تكون بين الجلد والعظام، قال: ما لي بذلك عهد، قال: فمتى أحسست بالصداع؟ قال: وأي شيء الصداع؟ قال: ضربان يكون في الصدعين والرأس، قال: ما لي بذلك عهد؟ فلما ولى الأعرابي، قال: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إليه). لعل الرواية التالية توضحه: (دخل رجل على النبي ﷺ ، فقال: متى عهدك بأم ملدم، وهو حر بين الجلد واللحم؟ قال: إن ذلك لوجع ما أصابني قط، قال رسول الله ﷺ : مثل المؤمن مثل الخامة تحمر مرة وتصفر أخرى) أي: المؤمن مثل النبات اللين الطري يحمر ويصفر، كناية عن الصحة والمرض، المؤمن تأتيه أمراض، حمى، وصداع: (والكافر مثل الأرز، قوي يكون انجعافه مرة واحدة). مرة أخرى هذه من العلامات، لكنها ليست قاعدة مطردة في كل من يصيبه حمى أنه مؤمن، وفي كل من لا يصيبه أنه كافر، لكن النبي ﵊ يلفت النظر إلى هذه القضية، لا تظنوا -يا أيها الناس- إذا رأيتم شخصاً فأعجبتكم صحته وجلده أنه مؤمن، والذي لا عهد له بالأمراض معناها أن الله لا يبتليه، ولا يريد أن يكفر عنه، والذي لا يريد الله أن يكفر عنه فما هي نهايته؟ يكون انجعافه مرة واحدة، المؤمن مبتلى مثل الشجرة الطرية والنبت اللين؛ تفيؤها الريح مرة يمنة ومرة يسرة، حتى يلقى الله وليس عليه خطيئة. نسأل الله أن يجعلنا بمنظار الشرع ناظرين، وبقواعده عاملين، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 3110

النظر بمنظار الشرع واجب يقي المرء الحيف الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الأمين بعثه رحمة للعالمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه وذريته والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. عباد الله! لا نتمنى المرض ولا الفقر، ونسأل الله العافية والغنى عن الناس، لكن لو أصابنا شيء من ذلك هل هو دليل على أن الله يكرهنا ويبغضنا؟ لا. بل هو دليل على: (إذا أحب الله عبداً ابتلاه). إذاً ننظر بمنظار الشرع، والفقر مع أنه مكروه لنا، لكن فيه إيجابيات عظيمة إذا حصل، ونحن لا نتمناه، ففي الترمذي وهو حديث صحيح عن فضالة بن عبيد أن رسول الله ﷺ (كان إذا صلى بالناس يخر رجال من قامتهم في الصلاة من الخصاصة -من الجوع والفقر يُغشى على الواحد ويسقط في الصف وهو أثناء الصلاة- وهم أهل الصفة ﵃؛ حتى يقول الأعراب الذين لا فقه لهم: هؤلاء مجانين، فإذا صلى رسول الله ﷺ انصرف إليهم مواسياً -على هذا الوضع كان المجتمع وكان هناك جوع عظيم، لكن صبروا ﵃ وحصلّوا- انصرف إليهم فقال: لو تعلمون مالكم عند الله لأحببتم أن تزدادوا فاقة وحاجة). ريح فم الصائم عندنا مكروهة، ننفر منها ولاشك في ذلك، لكن عند الله ماذا تعني؟ وما منزلته؟ وما قيمتها؟ قال ﵊: (والذي نفسي بيده، لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك) نتيجة تغير رائحة الفم بخلو الجوف من الطعام تخرج الرائحة الكريهة، لكن هذه الرائحة الكريهة عندنا، هي عند الله أطيب من ريح المسك، فهذا يفيدنا لو رأيناها أو شممناها وأحسسنا بها؛ ألا نحتقر ذلك، لأنها عند الله أطيب من ريح المسك. الرجل المقام عليه الحد كثير من الناس ينظر إليه باحتقار واشمئزاز؛ لأنه فعل هذه الجريمة، لكن هو إذا تاب وأقيم عليه الحد، فله عند الله شأن عظيم، لكن ربما بعض الناس يشمئز من هذا المحدود الذي أقيم عليه الحد، ولذلك لما رُجم ماعز كان ممن رماه خالد بلحي جمل فتنضح الدم على وجه خالد فسبه، فقال النبي ﵊: (مه يا خالد -نهره- لقد تاب توبة لو وزعت على أهل المدينة لوسعتهم) توبة عظيمة، فنظرتنا إلى التائب المحدود يجب أن تكون من خلال الشريعة. وفي رواية لـ أبي داود وأحمد حسنها بعض أهل العلم، (قال خالد بن اللجلاج: إن أباه حدثه قال: بينما نحن في السوق، إذ مرت امرأة تحمل صبياً، فثار الناس وثُرت معهم، فانتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو يقول: من أبو هذا؟ -هذه المرأة متهمة بالفاحشة، وقد ولدت من الفاحشة، في التحقيق النبي ﵊ يسأل: من أبو هذا؟ - فسكتت، فقال شاب: بحذائها يا رسول الله! إنها حديثة السن، حديثة عهد بجزية، وليس عندها فقه وربما لا تستطيع الكلام، وإنها لم تخبرك، وأنا أبوه يا رسول الله، فالتفت إلى من عنده كأنه يسألهم عنه، فقالوا: ما علمنا إلا خيراً عن هذا الشاب، فقال له رسول الله ﷺ : أحصنت؟ -سبق لك الزواج- قال: نعم، فأمر برجمه) مادام أنه اعترف فأمر برجمه: (فذهبنا فحفرنا له حتى أمكنا ورميناه بالحجارة حتى هدأ -مات- ثم رجعنا إلى مجالسنا، فبينما نحن كذلك، إذ أنا بشيخ يسأل عن الفتى، أين الفتى؟ فقمنا إليه، فأخذنا بتلابيبه فجئنا به إلى رسول الله ﷺ ، فقلنا: يا رسول الله! إن هذا جاء يسأل عن الخبيث؟ فقال: مه! كفوا -كلمة سيئة أن تصفوه بالخبيث!! - لهو أطيب عند الله ريحاً من المسك) تاب وكُفر عن ذنبه في الدنيا بإقامة الحد، قال: (فذهبنا فأعناه على غسله وحنوطه وتكفينه، وحفرنا له) ولا أدري أذكر الصلاة أم لا، ولكن يصلى على الذي يقام عليه الحد. هذا إذاً بالنسبة لهذا التائب، بعض الناس يشمئز من المحدود الذي أقيم عليه الحد، وربما يصفه بالخبيث. اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من أوليائك وحزبك المفلحين، اللهم اجعلنا في بلادنا آمنين مطمئنين، وانصر المجاهدين يا رب العالمين، اللهم اجعلنا من أوليائك ولا تجعلنا من أعدائك، اللهم اجعلنا فيمن أحببتهم ولا تجعلنا فيمن أبغضتهم يا سميع الدعاء. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 3111

عبر بين موازين الله وموازين البشر [٢] إن الله تعالى حكم عدل، عزيز عليم، فخير الموازين ميزانه، وهو قد جعل البشر ناقصين وابتلاهم في الدنيا بعد أن بيّن لهم الصراط المستقيم، ولكن لا يزال منهم ظالم لنفسه إلا من عصمه الله، واقرأ هذه المادة تجد مصداق ذلك.

стр. 3112

أمثلة تساعد على تيقن أفضلية ميزان الشرع إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أيها الإخوة: لازال حديثنا متصلاً عن (عبر في موازين الله وموازين البشر) وقد سبق الكلام عن أمور ينظر لها الناس بمنظار، وهي عند الله شيء آخر، وكانت العبرة المستخلصة، أنه ينبغي علينا أن ننظر بمنظار الشارع، أن ننظر إلى الأمور كما هي عند الله تعالى، وأن نقيس الأمور بمقياس الشرع، ونزنها بميزانه لا بميزان الدنيا وميزان الناس، ولنضرب أمثلة أخرى، نستعيد فيها هذا التصور، ونربي أنفسنا بها على التطلع إلى الأمور وتحليلها وتقويمها بحسب ما هي عند الله لا بحسب ما هي عند الناس.

стр. 3113

الهزيمة في أحد وحادثة الإفك لقد كانت وقعة أحد هزيمة عظيمة، وألماً وجرحاً دامياً، ومرارة تجرع غصتها المسلمون في سبعين قتيلاً من خيارهم، علماء وقادة وشجعان فقدهم المسلمون، وحصل من وراء ذلك أرامل وأيتام صاروا عبئاً إضافياً على المسلمين؛ لفقد الكاسب والمعيل، هذه مات زوجها، وهذه مات أبوها، وهذه مات أخوها، وهذه مات أبوها وزوجها وأخوها. ولكن كان ذلك عند الله بميزان آخر، قال الله : ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٠ - ١٤١] ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران:١٧٩] ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران:١٥٤] ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٦ - ١٦٧]. إذاً: الله أراد من وراء هذه الهزيمة أموراً، أراد كشف المؤمنين وتبيان حالهم، وإظهار أمرهم في الواقع ليطابق الواقع علم الله الأزلي بشأنهم، وأراد الله كشف أستار المنافقين وتعرية موقفهم، وإظهارهم للمؤمنين ليحذروهم، وأراد الله أن يميز الخبيث من الطيب، فالله لا يرضى بأن يكون الأمر مختلطاً، وتتلبس الأمور، يريد اللهُ أن يهلك من هلك عن بينه، وأن يحيا من حيَّ عن بينه. يريد الله تمييز الصفوف، يريد الله كشف الحقائق وإظهار البواطن، فأظهر المؤمنين الصادقين الثابتين المطيعين، وأظهر المنافقين المنسحبين، وكذلك أراد الله بهذه المعركة أن يتخذ شهداء لم يكونوا ليصلوا إلى مرتبة الشهادة بغير هزيمة أحد، هذا العدد الكم الكبير سبعون قتيلاً من المسلمين، شهداء عند الله، أراد الله حكماً، أراد الله أموراً مع أن الهزيمة بالنسبة للمسلمين في الظاهر شر كبير. حادثة الإفك اعتبرها الناس شراً؛ لأن فيها إيذاءً للنبي ﷺ ، وبلبلة عظيمة حصلت في المجتمع المسلم، قال الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْأِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور:١١] فيها تمحيص وثبات المؤمنين، وكف ألسنتهم، وفيها انزلاق ألسنة المنافقين ومن ضعفت نفسه، وتعليمه درساً عظيماً لئلا يتابعهم فيما يُستقبل، ورفع منزلة النبي ﷺ ، وذكر عائشة وتبرئتها في القرآن، وأمور أخرى عظيمة كانت في تلك الواقعة.

стр. 3114

فضل الشهداء ومنزلة الفقراء الشهداء بالنسبة إلينا ما هم؟ إنهم أموات، ماتوا وذهبوا، وفارقت أرواحهم أجسادهم، لكن يقول الله : ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:١٥٤] الشهداء عند الله أحياء، وعندنا أموات: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٦٩ - ١٧١]. انظروا إذاً -أيها الإخوة- للاختلاف بين ميزان الله وميزان البشر، الشهداء أحياء عند الله، وعندنا أموات، نحزن لفراقهم، وهم عند الله تعالى أحياء فرحون جداً بما وجدوا من كرم الله تعالى، وهم يفضلون ما عند الله على ما عندنا بالتأكيد، لكننا نحن نحزن لأجلهم، ولفراقهم. من الموازين التي يظهر فيها الاختلاف أيضاً، ميزان العطية والمنحة، والحرمان والقلة، قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْأِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر:١٥ - ١٦] قدر عليه رزقه: أي: ضيق. ماذا قال الله عن هذا الميزان البشري الدنيوي؟ قال: ﴿كَلَّا﴾ [الفجر:١٧] أي: ليس الأمر كذلك، لأنه إذا أعطى عبداً وأكرمه ونعمه فإن ذلك لا يقتضي أنه راض عن هذا العبد، بل إنه يعطي الكفار والفساق والفجرة والعصاة أعطيات عظيمة، لماذا؟ هم عند الناس: رب أكرمن، يقولون: الله أكرمهم، ولكن عند الله استدراج: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً﴾ [آل عمران:١٧٨]. لا حظ الفرق يا أخي! لاحظ الفرق لتعتبر، فالمسألة تحتاج إلى نظر وفقه، عند الناس يقولون: هذا أكرمه الله ونعمه بهذه الملايين، وهذه النعم، لكن يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً﴾ [آل عمران:١٧٨] هل هذه كرامة ونعمة؟ لا. بل هذه نقمة وشر، واستدراج، إذا رأيت العبد مقيماً على معصية الله والله يعطيه، فاعلم أنما هو استدراج، وفي المقابل إذا حُرم شخص من نعمة مال ومن دنيا، فإن هذا ليس دليلاً على أن الله يريد أن يهينه، كما يظنه بعض الناس بميزانهم الدنيوي البشري، كما قال تعالى عنهم: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا﴾ [الفجر:١٦ - ١٧] لأن الله إذا أحب عبداً ابتلاه، والقلة له خير من الكثرة، والكثرة يشتغل بها عن الطاعة وعن دينه فيهلك.

стр. 3115

الأنساب وأشرفها في الإسلام مسألة الأنساب ودرجات القبائل، ماذا تعني عند الناس؟ وماذا تعني عند الله؟ روى البخاري رحمه الله تعالى عن أبي هريرة ﵁، قال: (سئل رسول الله ﷺ أي الناس أكرم؟) -كانت قضية القبلية والنعرات والتفاخر بالأنساب مسألة لها ثِقَلٌ كبير ووزن عظيم عند العرب، (قالوا: أي الناس أكرم؟ قال: أكرمهم عند الله أتقاهم) فأجابهم بميزان الشرع، (قالوا: ليس عن هذا نسألك) يريدون شيئاً معيناً، الأنساب والقبائل، أي: أيُّ القبائل أعظم والأنساب أعظم وأعلى؟ قال: (فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله) يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل ﵇. (قالوا: ليس عن هذا نسألك؟ قال: فعن معادن العرب تسألوني؟ قالوا: نعم، قال: فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا) إذاً الذي هو شريف في الجاهلية، إذا أسلم وتفقه -شرطان- إذا أسلم وتفقه فهم خياركم في الإسلام. وروى أحمد ﵀ حديثاً حول هذا المعنى، عن عمر بن عبسة السلمي، قال: (كان رسول الله ﷺ يعرض يوماً خيلاً، وعنده عيينة بن حصن بن بدر الفزاري، فقال له رسول الله ﷺ : أنا أفرس بالخيل منك، فقال عيينة وكان من أهل نجد: وأنا أفرس بالرجال منك، فقال له النبي ﷺ : وكيف ذاك؟ -هذا رجل من الأعراب جاء حديث عهد بإسلام- قال هذا الأعرابي: خير الرجال رجال يحملون سيوفهم على عواتقهم، جاعلين رماحهم على مناسد خيولهم -لاحظ الوصف- لابسوا البرود -البرد الكساء المخطط- من أهل نجد، فقال رسول الله ﷺ : كذبت) لأن قبائل الحجاز مع النبي ﷺ أسلموا قبل غيرهم، فأراد النبي ﷺ أن ينبه إلى هذا المعنى فقال: (كذبت، بل خير الرجال رجال أهل اليمن، والإيمان يمان إلى لخم وجذامة وعاملة، ومأكولُ حمير خير من آكلها، وحضرموت خير من بني الحارث، وقبيلة خير من قبيلة، وقبيلة شر من قبيلة، والله ما أبالي أن يهلك الحارثان كلاهما، لعن الله الملوك الأربعة جمداء ومخوساء ومشرخاء وأبضعة وأختهم العمردة -وكانوا كفرة- ثم قال: أمرني ربي أن ألعن قريشاً مرتين فلعنتهم -مثلما دعا عليهم بالقحط والسنين، والدعاء عليهم من اللعنة- وأمرني أن أصلي عليهم فصليت عليهم مرتين، ثم قال: عصية عصت الله ورسوله، غير قيس وجعدة، ثم قال: لأسلم وغفار ومزينة وأخلاطهم من جهينة خير من بني أسد وتميم وغطفان وهوازن عند الله يوم القيامة) إلى آخر الحديث. قال الهيثمي ﵀: رواه أحمد متصلاً ومرسلاً، ورواه الطبراني ورجال الجميع ثقات. أراد النبي ﵊ أن يبين لهذا الرجل الأعرابي، أن خير القبائل الذين سبقوا إلى الإسلام، هؤلاء خير القبائل في ذلك الوقت -وقت النبوة- من الذي سبق إلى الإسلام؟ مزينة وبعض جهينة، مزينة: قبائل أسلم وأهل اليمن الذين جاءوا مسرعين يريدون العلم، الذي رفضه غيرهم من كبار القبائل؛ هؤلاء أفضل، لماذا؟ في التصنيف القبلي عند بعض أهل الجزيرة هم أدنى، لكن عند الله وعند النبي ﷺ بين له أنهم خير من كثير من القبائل، لأنهم أسلموا قبل غيرهم. وكذلك من بني تميم من هو أشد هذه الأمة على الدجال كما أخبر النبي ﷺ : (سيكونون في آخر الزمان خير الناس؛ لأنهم أشد الناس على الدجال) ولما تابعوا دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وغيرهم من أهل نجد كانوا خيراً من غيرهم من المشركين، وغيرهم من الذين رفضوا الدعوة في وقتهم، إذاً -أيها الإخوة- معيار القبائل والأنساب الذين سبقوا إلى الدين وآمنوا به، هذا هو المعيار.

стр. 3116

الأعمال بالخواتيم العمل في الظاهر قد يكون بالنسبة إلينا عظيماً، لكن عند الله شيئاً آخر باعتبار النهاية، باعتبار الشيء الخفي الذي يكون في قلب صاحبه ونحن لا ندركه في الظاهر، والله يعلمه، روى البخاري رحمه الله تعالى (عن سهل بن سعد الساعدي ﵁، أن رسول الله ﷺ التقى هو والمشركون فاقتتلوا، فلما مال رسول الله ﷺ إلى عسكره، ومال الآخرون إلى عسكرهم، وفي أصحاب رسول الله ﷺ رجل لا يدع لهم شاذة ولا فاذة إلا أتبعها يضربها بسيفه فقال الناس: ما أجزى منا اليوم أحد كما أجزى فلان -ما أحد عمل مثل هذا الرجل منا معشر المسلمين- فقال رسول الله ﷺ : أما إنه من أهل النار). شيء عجيب! شخص يقاتل مع المسلمين ويبلي بلاء حسناً، وهو شجاع للغاية، ولا يدع للكفار شيئاً إلا ضربه، ومع ذلك النبي ﷺ يقول: (أما إنه من أهل النار فقال رجل من القوم: أنا صاحبه) أي: واحد من المسلمين تبرع أن يلازم هذا الرجل؛ ليعرف الحقيقة ويأتيهم بخبره- فخرج معه، كلما وقف وقف معه، وإذا أسرع أسرع معه، قال: (فجرح الرجل جرحاً شديداً، فاستعجل الموت، فوضع نصل سيفه بالأرض، وذبابه -أي: رأس السيف وطرفه الحاد- بين ثدييه، ثم تحامل على سيفه فقتل نفسه). ما هي النهاية؟ انتحار! فخرج الرجل هذا الملاصق المراقب إلى رسول الله ﷺ ، فقال: أشهد أنك رسول الله، قال: (وما ذاك؟) قال: الرجل الذي ذكرت آنفاً أنه من أهل النار، فأعظم الناس ذلك، فقلت: أنا لكم به، فخرجت في طلبه، ثم جرح جرحاً شديداً، فاستعجل الموت، فوضع نصل سيفه في الأرض وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل عليه فقتل نفسه، فقال رسول الله ﷺ عند ذلك: (إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس، وهو من أهل الجنة). وذلك لأن الأعمال بالخواتيم، فنحن قد نحكم على شخص بأنه من أهل الجنة ونظن ذلك، وعن آخر أنه من أهل النار، وننسى قضية الخاتمة، فلننتظر إذاً. ولذلك من القواعد عند أهل السنة والجماعة: ألا نحكم لمعين بجنة ولا بنار إلا من حكم عليه أو حكم له الشارع، وهذا الرجل الذي وردت قصته في هذا الحديث، الذي قتل نفسه وانتحر مثال على قضية الاعتبار بالخواتيم. مسألة الدنيا عندنا -أيها الإخوة- الدنيا عندنا هي الأموال والعمارات، والقصور والبساتين، والزروع والثمار، والذهب والفضة، والمراكب، وهي تعني عندنا أشياء عظيمة ولهذا تثقل في نفوسنا، وهذا معروف ومشاهد في الواقع، ولا يحتاج إلى شرح: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران:١٤]. لكن الميزان عند الله في هذا قوله ﵊: (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء) لو كانت تساوي عند الله شيئاً، ما أعطى الكافر منها شيئاً، قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح غريب من هذا الوجه. حديث صحيح رواه الترمذي رحمه الله تعالى وغيره، يبين لنا الميزان الحقيقي عند الله تعالى لهذه الدنيا، كل هذه الدنيا بما فيها من ألوان النعيم؛ من ناطحات سحابها إلى ما تحت التراب من المعادن والثمار لا تساوي عند الله جناح بعوضة، وعندنا كم تساوي؟! انظروا إلى الفرق بين الميزان الإلهي والميزان البشري. الغنى ما الغنى؟ الغنى: كثرة المال والمراكب والبيوت، هذا هو الغنى، الغنى: المادة، روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: (ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس) رواه البخاري ومسلم، ليس الغنى الزيادة في المادة، ولكن الغنى غنى النفس، لو جئت بأغنى أهل الأرض لو كان له واديان من ذهب فإنه يريد الثالث، ما شبع ولن يشبع أبداً. فهو ليس مطمئن النفس، والغني حقيقة هو المستغني عن الناس والذي لا يتطلع إلى شيء، والذي نفسه راضية مطمئنة: (ولكن الغنى غنى النفس) الذي لا يأسف على الدنيا إذا فاتت، ولا يفرح إذا جاءت، هذا هو الغني حقيقة، المتنعم بحياته، وصاحب راحة البال والمطمئن: (ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس). الناس إذا رأوا ما عند الأغنياء تطلعوا ومدوا أعينهم: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص:٧٩] ماذا قال الذين أوتوا العلم والذين يُعملون الميزان الإلهي، ولا ينخدعون بالمنظُور البشري؟ ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ * فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ [القصص:٨٠ - ٨١]. كان النبي ﷺ حريصاً أن يبين للناس أن قضية الكثرة ليست اعتباراً شرعياً، فكان يقول لهم: (الأكثرون هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال: هكذا وهكذا وهكذا) أي: الغني الذي ينفق ماله من اليمين والشمال في جميع الاتجاهات وجميع سبل الخير، وكلما عرضت فرصة أنفق، لا يبالي بما ينفق، وينفق بلا حساب، ولا تعلم يمينه ما تنفق شماله: (الأكثرون -أي: في الدنيا- هم الأقلون يوم القيامة).

стр. 3117

بين حقيقة الربح وصورته الربح في المنظور الدنيوي يعني أن تحصل الزيادة على رأس المال، وكلما كانت الزيادة أكثر كنت في المنظور البشري رابحاً أكثر، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٠٧] ولهذا سبب نزول، قال ابن عباس وأنس وسعيد بن المسيب وأبو عثمان النهدي وعكرمة وجماعة: [نزلت في صهيب بن سنان الرومي، وذلك أنه لما أسلم بـ مكة وأراد الهجرة منعه الناس أن يهاجر بماله، وإن أحب أن يتجرد منه ويهاجر فعل، فتخلص منهم وأعطاهم ماله، فأنزل الله فيه هذه الآية، وذهب إلى المدينة، فتلقاه عمر بن الخطاب وجماعة إلى طرف المدينة في الحرة، فقالوا: ربح البيع، فقال: وأنتم، فلا أخسر الله تجارتكم، وما ذاك؟ فأخبروه أن الله أنزل فيه هذه الآية]. وروى ابن مردويه كما ذكر ابن كثير رحمه الله تعالى عن أبي عثمان النهدي (عن صهيب قال: لما أردت الهجرة من مكة إلى النبي ﷺ ، قالت لي قريش: يا صهيب! قدمت إلينا ولا مال لك، وتخرج أنت ومالك؟!!) -مستحيل لا يمكن، جئتنا فقيراً صعلوكاً، فاشتغلت عندنا بـ مكة وحصلت أموالك، ثم تريد أن تخرج الآن إلى المدينة أنت ومالك، (والله لا يكون ذلك أبداً، فقال لهم: أرأيتم إن دفعت إليكم مالي، تخلون عني، قالوا: نعم) -إنهم أناس دنيويون يأخذون المال ويتركون الشخص- (فدفعت إليهم مالي، فخلوا عني، فخرجت حتى قدمت المدينة، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فقال: ربح صهيب ربح صهيب!) وفي رواية: (ربح البيع ربح البيع). ترك كل الممتلكات والأموال وما بقي له شيء، خرج بثيابه فهذا يعتبر عندنا خسراناً، ولكن النبي ﷺ يقول: (ربح البيع، ربح صهيب) والله ينزل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة:٢٠٧]. إذاً عند الشارع كونه يهاجر ويترك بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، وينصر دعوة النبي ﷺ ، ويذهب ليقيم في المدينة، ويتعلم العلم ويجاهد مع الصحابة، ولو خسر كل ماله، فإن ذلك هو الربح الحقيقي، فانظروا -رحمكم الله- إلى الفرق بين الميزان الإلهي والميزان البشري، ونحن يجب علينا أن نتحرر من هذه الموازين الأرضية، وأن نسلك سبيل الموازين الشرعية. لما استقرت هذه الحقيقة في نفوس الصحابة تصدقوا بأموالهم، فهل عرفتهم أحداً يذهب اليوم إلى رصيد ماله في البنك، وينظر ماذا في الرصيد، مائة ألف مثلاً يأخذ خمسين ألفاً ويتصدق بها (نصف المال)؟ لا نقول: مستحيل، لكن ليس أمراً معروفاً على الإطلاق. الصحابة لما استقرت في نفوسهم قضية الموازين الإلهية، والنظرة الشرعية إلى الأمور؛ أبو بكر تصدق بماله كله، وعمر تصدق بنصف ماله، وأبو طلحة كان أكثر الأنصار بـ المدينة مالاً من نخل، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد (موقع استراتيجي) وكان رسول الله ﷺ يدخلها، ويشرب من ماء فيها، وبها ثمار يانعة وماء طيب وموقع مهم، قال أنس: فلما أنزلت هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢] قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ ، فقال: (يا رسول الله! إن الله ﵎ يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢] وإن أحب أموالي إلي بيرحاء، -أنفس مال عندي- وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله). ذهب إلى العالم ليتصرف له بالمال، لأن العالم يعرف أكثر من الغني أي المجالات أكثر أجراً، فقال رسول الله ﷺ : (بخ، ذاك مال رابح، ذاك مال رابح!) رجل ذهب أنفس ما عنده من المال أين الربح؟! وهذه القصة في البخاري. وروى أحمد وهو حديث صحيح أن أبا الدحداح باع حائطه كله بنخلة، لأنه سمع أن الرسول ﷺ يقول لرجل: (أعطها إياه بنخلة في الجنة) أي: ليتيم كان ينازعه فيها. فقال النبي ﷺ لصاحب النخلة: (أعطه النخلة ولك نخلة في الجنة فرفض، فسمع أبو الدحداح فقال: أعطيك بستاني كله بهذه النخلة، فوافق -صفقة ممتازة ورابحة- فأعطاه وبادله، وجاء إلى النبي ﵊ قال: يا رسول الله! قد ابتعت النخلة بحائطي، قال: اجعلها له). إذاً: لا الثمن ولا السلعة، ما بقي عنده شيء، فقال ﵊: (كم من عذق رداح لـ أبي الدحداح في الجنة قالها مراراً) قال: فأتى امرأته فقال: (يا أم الدحداح! اخرجي من الحائط -من البستان- فإني قد بعته بنخلة في الجنة، فقالت: ربح البيع، أو كلمة تشبهها). إذاً الرجل والمرأة البيت المسلم تأسس على هذا الأساس، على أساس الأخذ بالميزان الشرعي، وبما عند الله لا بما عند الناس، فالمرأة قالت: صفقة رابحة، اعتبرتها رابحة ووافقت زوجها. أنت إذا ذبحت شاة وتصدقت بجزء منها وبقي لك جزء ما هو معيارك في النظر إلى الشيء الباقي والشيء الذاهب؟ الشيء الذي تصدقت به ذهب، والذي بقي هو ما عندك حقيقة، لكن عند الله تعالى المسألة تختلف، روى الترمذي عن عائشة: (أنهم ذبحوا شاة، فقال النبي ﷺ لـ عائشة: ما بقي منها؟ فقالت: ما بقي منها إلا كتفها -تصدقنا بكل الشاة المذبوحة ما أبقينا إلا الكتف، لأنها تعلم أن النبي ﷺ يحب الكتف- فقال ﵊ -العبارة العظيمة-: بقي كلها غير كتفها) وذلك لأن الكتف سيؤكل بعد قليل ويذهب، إذاً ما الذي بقي حقيقة؟ الذي تصدقوا به هو الذي بقي. إذاً: هو هذا المعيار الشرعي، قال ﵊ لأصحابه: (أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع فقال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار) عند الله هذا هو المفلس. نسأل الله أن يجعلنا بدينه فقهاء، وأن يجعلنا بأحكامه عالمين، وعلى سنة نبيه سائرين، وبحبله مستمسكين، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم؛ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 3118

حقيقة الربا خسارة الحمد لله وحده، وأشهد أن لا إله إلا هو لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم، أنزل الميزان، وأنزل الكتاب ليحكُم الناس بالقسط، وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله: لازلنا نقول: إن معيار الكثرة والقلة يجب أن يضبط بميزان الشرع، يظن الناس أن الأكثرية على صواب، وبناءً على هذا قام مذهب الديمقراطية الأرضي، ولكن الله يقول: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦] ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣]. إذاً مبدأ الأكثرية لا يعني دائماً أن الحق معه، بل في الغالب أن الناس إذا تركوا إلى شهواتهم، فإن أكثرهم يختار الباطل، كما ذكر الله في كتابه، فليست الأكثرية دليلاً على الحق ولا على الصواب، لأن الناس في الغالب عبيد لأهوائهم وشهواتهم. مسألة الربا في المنظار الدنيوي زيادة وكثرة، وفي المنظار الشرعي قال ﵊: (الربا وإن كثر فإن عاقبته تصير إلى قل) حديث صحيح. أي بما يفتح على المرابي من المغارم والمهالك، وإن كان الربا زيادة في المال عاجلاً، فإنه يئول إلى نقص ومحق آجل. وروى هذا الحديث ابن ماجة بلفظ: (ما أحد أكثر من الربا، إلا كان عاقبة أمره إلى قلة) ينقص مال المرابي ويذهب ببركته. عندنا في الميزان الدنيوي وفي المنظور البشري المليون (٧٠%) فيها زيادة سبعين ألفاً، قلت لرجل: أين فلان؟ قال: مقيم في الخارج، أينفق عليه أبوك؟ قال: لا. قلت: من ينفق عليه؟ قال: عنده ملايين الريالات يضعها في الخارج في البنوك، ويعيش من فوائدها، ينقلها بين المصارف أيهم يعطيه أكثر، وهو مرتاح البال، المال مضمون والفوائد تأتي، ويعيش في الخارج، يضع (٧. ٠٠٠. ٠٠٠) ملايين مثلاً في البنك، يأتيه في السنة نصف مليون، ينفق في كل شهر (٤٠. ٠٠٠) ألف ريال ما يحتاج أكثر من هذا. ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة:٢٧٥] والنبي ﷺ بين عذابهم في البرزخ: (رجل يسبح في نهر الدم يأتيه شخص يلقمه حجراً، فيسبح ويعود ويلتقم الأحجار واحداً وراء واحد) وفي الآخرة يحارب الله تعالى ولا قدرة له بمحاربته، والله تعالى سيحربه ويغلبه وإلى جهنم وبئس المهاد، مع أنها في الدنيا وفي المنظور البشري زيادة مضمونة، ورأس المال مضمون وكل شيء مريح. مسألة العلم الشرعي، كلمة العلم عند الناس، إذا قلت: هذا قسم علمي، وهذه جامعة علمية، إلى أي شيء تنصرف أذهانهم؟ إلى العلم الدنيوي، أي: عالم ذرة، أو عالم فلك، أو عالم فيزياء، جامعة علمية، أي: هندسة أو طب، قسم علمي، أي: فيزياء وكيمياء ورياضيات، لكن هذه العلوم عند الله ظاهرية، قال الله: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧]. العلم الحقيقي إذاً هو العلم بالله وبالآخرة، وهذا الذي يُصلح السلوك، لكن علم الذرة والفلك لا يصلح السلوك، ولا يجعل صاحبه يعمل لليوم الآخر. هؤلاء المخترعون الغربيون كم منهم أسلم؟ قلة نادرة، الباقون اخترعوا وإلى جهنم وماتوا على الكفر، مع الأخذ ببقية الضوابط الشرعية من بلوغ الدعوة إلى آخره. إذاً العلم الحقيقي، والمستوى العالي من العلم، والعلم النفيس، هو العلم بالله وآياته وسنة نبيه واليوم الآخر، هذا هو العلم، الفقه في دين الله تعالى هو العلم، مع أنك لا ترى الناس عندهم هذا المفهوم بشكل واضح وصريح.

стр. 3119

من هو الرقوب الحقيقي ؟ مثال أخير: نختم به كلامنا والموضوع لازال، ولازال فيه أشياء: الذي فقد ولده في الميزان الدنيوي والبشري، ماذا يعتبر؟ حلت به كارثة أو مصيبة، لكن الذي فقد ولده عند الله شيء آخر، قال النبي ﷺ : (ما تعدون الرقوب فيكم؟ قلنا: الذي لا يولد له -الرقوب في اللغة: الرجل والمرأة الذي لم يعش لهما ولد، لأنه يرقب موته ويرصده خوفاً عليه- قال: ليس ذاك بالرقوب، ولكنه الرجل الذي لم يقدم من ولده شيئاً، قال: فما تعدون الصرعة فيكم؟ قلنا: الذي لا يصرعه الرجال، قال: ليس بذلك، ولكنه الذي يملك نفسه عند الغضب) رواه مسلم. نعود إلى قضية الرقوب، ولفظ أحمد: (شهد رجل النبي ﷺ وهو يخطب، فقال: تدرون ما الرقوب؟ قالوا: الذي لا ولد له، فقال: الرقوب كل الرقوب ثلاثاً، الذي له ولد فمات -الأب- ولم يقدم منهم شيئاً) هذا هو الرقوب. وعن بريدة بن الحصيب، قال: (كان رسول الله ﷺ يتعهد الأنصار ويعودهم ويسأل عنهم، فبلغه عن امرأة من الأنصار مات ابنها وليس لها غيره، وأنها جزعت عليه جزعاً شديداً، فأتاها النبي ﷺ ومعه أصحابه، فلما بلغ باب المرأة، قيل للمرأة: إن نبي الله ﷺ يريد أن يدخل يعزيها، فدخل رسول الله ﷺ ، فقال: أما إنه بلغني أنك جزعت على ابنك، فأمرها بتقوى الله وبالصبر، فقالت: يا رسول الله! ومالي لا أجزع، وإني امرأة رقوب لا ألد، ولم يكن لي غيره، فقال رسول الله ﷺ : الرقوب الذي يبقى ولدها، ثم قال: ما من امرئ أو امرأة مسلمة يموت لها ثلاثة أولاد يحتسبهم إلا أدخله الله بهم الجنة، فقال عمر وهو عن يمين النبي ﷺ : بأبي أنت وأمي واثنين، قال: واثنين) رواه الحاكم وهو صحيح الإسناد، وأخرجه البزار وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. فإذاً النبي ﵊ يريد أن ينقل مفهوم كلمة الرقوب إلى شيء آخر غير الذي في الأذهان، أن الذي قدم شيئاً من الولد واحتسبه عند الله تعالى هو الرابح، والذي لم يقدم شيئاً من الولد في حياته فيفوته ثواب الصبر والتسليم عند فقد الولد، فنحن لا نتمنى فقد الأولاد ولا ندعو الله بأخذهم أبداً، وقد نهينا عن ذلك، ولكن إذا حصل نصبر، وماذا تكون نظرتنا لمن مات أولاده؟ أنه كاسب رابح إذا صبر وسلم لقضاء الله. أحد الإخوان حصل له حادث، وضربت سيارته من الخلف، فمات أولاده الثلاثة في المقعد الخلفي في حادث واحد مريع، حتى نزلوا يجمعون الجثث، وهذا مخ الرأس، وهذه الأشلاء والجثث، مصيبة واقعة وكارثة كبيرة جداً، كل الذكور ماتوا في حادث واحد وضربة واحدة، بالنسبة لنا كارثة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لكن عند الله يقول النبي ﷺ : (ذراري المؤمنين عند إبراهيم وسارة يكفلانهما لآبائهما) يوم القيامة إبراهيم يرجع كل واحد مات وهو صغير لأبيه وأمه، كما جاء في الحديث الصحيح أو كما قال ﷺ . فكفالة إبراهيم وسارة -أو سارّة لأنها كانت تسر إبراهيم بجمالها من عظمه- أحسن من كفالتك. إذاً: القضية الفرق بين الميزان البشري وما عند الله، فلو أننا آمنا بهذه الأشياء ستتغير سلوكياتنا وأعمالنا وأحوالنا تغيراً جذرياً، وهذا هو المهم -أيها الإخوة- وهو الذي أردنا لفت النظر إليه. نسأل الله أن يجعلنا من أصحاب البصيرة، اللهم اجعلنا من أصحاب البصيرة يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك الأمن والأمان لنا ولجميع المسلمين، اللهم احفظنا واحفظ أموالنا وأهلينا من كل سوء يا رب العالمين!

стр. 3120

عبر وعظات من حياة الإمام الشافعي لوجود القدوة في المجتمع أهمية بالغة، ودراسة حياة العظماء تيسر للجيل الاقتداء بهم، وسلوك سبيلهم. وللإمام الشافعي شخصية فذة، يجد المطالع لحياته كثيراً من شمائله وخصاله الحسنة، وهذه المادة تسلط الضوء على ولادة الشافعي ونشأته، وطلبه للعلم ونبوغه، وأخلاقه وثناء العلماء عليه، وغير ذلك من الجوانب المتعلقة به.
следующие страницы →