Полный текст (7 040 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.
стр. 3256
الهمة في الجهاد في سبيل الله
أما الجهاد في سبيل الله: فإن رسول الله ﵊ حكى لنا حال رجل مَثَّلهَ بألفاظ عجيبة تبين همة هذا الرجل العالية في الجهاد، قال النبي ﷺ : (من خير معاشر الناس رجل ممسك عنان فرسه في سبيل الله، يطير على متنه، كلما سمع هيعةً أو فزعةً طار عليه يبتغي القتل والموت مظانه).
هذا رجل على أهبة الاستعداد، دائماً مستعد ممسك بعنان فرسه، أي وقت سمع منادي الجهاد طار ولم يمش مشياً، بل طار على الفرس يبتغي مظان الموت، وأين يوجد القتل فيدخل في المعترك.
حديث صحيح رواه مسلم.
(وكان النبي ﷺ يقاتل ويحتمي به أصحابه).
وتمنى ألا يتخلف عن سرية قط، لكن لأجل بعض المصالح، ومع ذلك قاد عدداً كبيراً من الجيوش والسرايا، وأصحابه ساروا على منهاجه، وانظر إلى همة أنس بن النضر العالية في قتاله حتى ما بقي منه إلا ما عرفته أخته به وهي بنانه، سبعون موضعاً في جسمه ما بين ضربة بسيف وطعنة برمح، وحمزة في أحد قال الراوي: مثل الجمل الأورق يهد الناس بسيفه هداً ما يقوم له شيء، يقول: يا بن أم أنمار! يا مقطعة البظور! أتحاد الله ورسوله؟! فيضربه فكان كأمسٍ الذاهب.
ولعل من أعجب الأمثلة وأروع الأمثلة في تاريخنا الإسلامي لصاحب همة عالية في الجهاد، الرجل الذي مع شهرة اسمه لكن لا يعرف من أفعاله إلا القليل، إنه خالد بن الوليد ﵁؛ هذا الرجل عجيب فعلاً فيما قدم لهذا الدين في الجهاد والقتال، أسلم مع النبي ﷺ بعد حينٍ، ولكن سخر قوته ومواهبه لله ورسوله، وقاد جيشاً من المسلمين في فتح مكة، ولما مات النبي ﷺ بعدما أرسله وبعثه بعوثاً ارتدت العرب، وكانت مهمة عظيمة ملقاة على أبي بكر الصديق ﵁، فعرف كيف ينتقي سيفاً من سيوف الله، فوجهه إلى أشد الخصوم مسيلمة الكذاب وقاتلوا في ليالي اليمامة وأيامها مقاتلة شديدة حتى أظفرهم الله على المرتدين.
وبرغم قساوة وشراسة معارك الردة -التي مع الأسف ليست معروفة لكثير من الأجيال المسلمة التي ينبغي أن تدرس بعناية؛ لأن فيها أموراً كثيرة مما ينطبق في زماننا- لم يقعد خالد وإنما وجهه أبو بكر لغزو فارس، بادئاً بثغر أهل الهند والسند، وأرسل معه أناساً، فقام خالد ﵁ فقسم الجيش إلى ثلاث فرق، وأعدهم عند الحفير، وراسل هرمز يدعوه إلى الإسلام، أو الجزية، أو القتال، وجاء هرمز بجيشه، ونزل على الماء ونزل المسلمون على غير ماء، وكلموا خالداً فقال: حطوا أثقالكم، ثم جالدوهم على الماء، فلعمري ليصيرن الماء لأصبر الفريقين وأكرم الجندين، وربط الفرس بعضهم بالسلاسل، ودعا هرمز خالداً للمبارزة يريد الخديعة، حتى إنه جعل خطة بحيث إن هناك أناساً من الفرس ينقضون على خالد من الخلف أثناء المبارزة، ولكن القعقاع وهو قائد إسلامي آخر كان منتبهاً فحمل عليهم فقتل خالد هرمز، وانهزم الفرس وأرسلت الغنائم إلى أبي بكر.
ثم دخل في واقعة المذار وكان هرمز قد كتب لـ أردشير يستمده، فأمده بقائد منهم، فالتقى الجيشان مع فلول جيش هرمز في ذلك المكان، فنهض خالد لقتالهم على التعبئة، وخرج إليهم فاقتتل الجيشان وانهزم الفرس وكانت مقتلة عظيمة.
ثم وقعة الولجة التي أرسل فيها الفرس جيشاً كثيف العدد ونهض لهم خالد وخلفه من يحمي ظهره وقسم الجيش وأعد الكمائن واقتتل الجيشان واستعرت الحرب وصار الظفر للمسلمين وولى الفرس ومات قائدهم من العطش.
ثم انتقل إلى وقعة أليس -وهم جماعة من عرب الضاحية نصارى من بكر ووائل- الذين عبئوا أنفسهم للثأر وراسلوا الفرس فأمدوهم، وعلم خالد باجتماعهم فذهب إليهم وعاجلهم واقتتل الجيشان مقتلة عظيمة, ونذر خالد لئن أظفره الله بهم ليجرين نهرهم بدمائهم، وهزم الله الفرس وأسر المسلمون الكثير منهم، ثم قتلوهم حتى جرى النهر بدمهم، فسمي نهر الدم، وكان خالد يقول: ما لقيت من أهل فارس قوماً كأهل أليس، وقسم الغنائم وأرسل الخمس إلى الخليفة.
ثم واقعة أنغيسيا التي أكمل خالد بجنده إليها وقاتل أهلها وولوا تاركين كل شيء، ما إن اقترب خالد حتى هربوا وتركوا كل شيء غنيمة.
ثم توجه إلى الحيرة وخرج المرزبان بجنده وجعل خالد الجيش على سفنٍ في الفرات، ولكن الفرس عملوا مكيدة، بأن فجروا أنهاراً فرعية لتقف سفن المسلمين بأحمالهم، وفعلاً وقفت سفن المسلمين بأحمالها، لكن خالداً لم يكن ليحتار ويضطرب ولا يدري ماذا يفعل، وإنما انفلت بكتيبة من المسلمين وقاتل المرزبان على حين غفلة من جيشه حتى هزمهم وهم القائمون على الأنهار الفرعية، وأجرى الماء في الفرات فرجع الماء وحملت سفن المسلمين، ودخل الحيرة وفتحها وأعمل القتل فيها، وخير قساوستها فاختاروا الجزية، فأرسل إلى أبي بكر الصديق.
ثم انتقل إلى الأنباط، وهكذا من معركة إلى أخرى، ثم إلى عين التمر وهي واقعة عجيبة، ثم إلى دومة الجندل ثم إلى الخنافس والحصيب وهي وقعة أخرى.
ثم ينتقل خالد بن الوليد من مكان إلى مكان ومن واقعة إلى واقعة الفراض التي تحالف فيها الفرس والروم ونصارى العرب في جيش واحد ضد خالد بن الوليد وجيش المسلمين، وفتحها الله.
ثم معركة اليرموك المشهورة وأنتم تعلمون ما حصل فيها، وظهرت العبقرية العجيبة لـ خالد بن الوليد حينما أراد أن يفاجئ الروم من مكان لا يحسبون له حساباً، فاختار أن ينطلق من العراق إلى الشام عبر بادية الشام الصحراء -التي تقطع الآن بسيارات بعشرين ساعة مع الراحات- أتى خالد بدليل يدل الطريق، وأمر بحمل الماء وأمر بعشرين جزوراً سماناً عظاماً فأظمأها حتى اشتد عطشها ثم أوردها الماء، حتى رويت فقطع مشافرها وعكمها حتى لا تجتر، وكان كل يوم له منزل يعمد إلى أربع من الإبل فيقطع أسنمتها ويأخذ ما في كروشها ويسقيه الخيل حتى كان المنزل الأخير، فوفقهم الله حتى عبروا ذلك المكان، وفاجأ الروم من المكان الذي لا يحتسبونه.
ولما حوصرت دمشق من أبوابها المختلفة كانت الفرقة التي فيها خالد هي التي دخلت دمشق وهو الذي قال لهم: انتظرونا فإذا سمعتمونا كبرنا فاقتحموا، فصعد هو ومن معه على الأسوار ونزلوا على الروم الحراس وقتلوهم وفتحوا الأبواب وكبروا، فدخلت جيوش المسلمين إلى دمشق، وكان بعض أهلها قد صالحوا المسلمين في الجهة الأخرى، فبعض دمشق فتح عنوة وبعضها فتح صلحاً.
وهكذا يستمر خالد بن الوليد، وفي معركة من المعارك تواجه جيش خالد مع جيش عقة بن أبي عقة النصراني العربي الذي كان يجهز الجيش، فلمح خالد ثغرةً فترك جيشه وانطلق إلى القائد المشرك الكافر فأخذه واحتضنه ورجع به أسيراً فانهزم جيشه.
وفي معركة من المعارك حاصر المسلمون حصناً، فقال بعض المسلمين لـ خالد: إن هؤلاء إذا رأوا وجهك لا يخرجون خارج الحصن، مع أننا نريد أن يخرجوا لكي نقاتلهم، فخرج خالد نهاراً وهم يرونه مبتعداً، ثم دخل ليلاً في الجيش مرة أخرى، وفي الصباح خرجوا لأنهم علموا أن خالداً خرج، فخرجوا من الحصن ليقاتلوا فصبحهم خالد بوجهه فهزموا، رضي الله تعالى عنه.
ويستمر حتى يطيع أمر الخليفة عمر بن الخطاب ﵁ بعد حين برجوعه إلى المدينة، ويكون عنده حتى وافاه الأجل ﵁.
وفي إحدى الغزوات بعدما فتح مدينة أخذ فرساناً وذهب إلى الحج -قطع مسافة إلى عرفة - مباشرة فحج ورجع فلما رآه أصحابه حليق الرأس عرفوا أنه قد حج.
стр. 3257
الهمة في طلب العلم
وأخيراً من الهمم العالية في طلب العلم، وهي كثيرة جداً وننتقي بعض المقاطع: عن ابن عباس ﵁ قال: [لما توفي رسول الله ﷺ قلت لرجل من الأنصار: هلم نسأل أصحاب رسول الله ﷺ فإنهم اليوم كثير، قال: واعجباً لك يا بن عباس! أتظن أن الناس يحتاجون إليك وفيهم من أصحاب النبي ﷺ من ترى؟! فتركت ذلك وأقبلت على المسألة، فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتيه وهو نائم القيلولة، فأتوسد ردائي على بابه فتسفو الريح عليَّ التراب فيخرج فيراني فيقول: يا بن عم رسول الله ﷺ ! ألا أرسلت إليَّ فآتيك، فأقول: أنا أحق أن آتيك فأسألك، قال: فبقي الرجل حتى رآني وقد اجتمع الناس عليّ، فقال: هذا الفتى أعقل مني].
الهمة العالية تجعله يتوسد عند الباب في الظهيرة، هذا الرجل نائم وابن عباس عند الباب، والريح تأتي بالتراب ينتظر للمسألة العلمية.
وهذا عروة بن الزبير، فعن هشام عن أبيه أنه كان يقول لنا ونحن شباب: [مالكم لا تتعلمون؟ إن تكونوا صغاراً فيوشك أن تكونوا كباراً، وما خير الشيخ أن يكون شيخاً وهو جاهل، لقد رأيتني قبل موت عائشة بأربع حجج وأنا أقول: لو ماتت اليوم ما ندمت على حديث عندها إلا وقد وعيته، ولقد كان يبلغني عن الصحابي الحديث فآتيه وأجده قد قال، فأجلس على بابه ثم أسأله عنه].
وكان عامر بن قيس التميمي مقرئاً يقرئ الناس القرآن فيأتيه ناس فيقرئهم القرآن، ثم يقوم فيصلي إلى الظهر، ثم يصلي العصر، ثم يقرئ الناس إلى المغرب، ثم يصلي ما بين العشاءين فينصرف إلى منزله، ثم يأكل رغيفاً وينام نومة خفيفة ثم يقوم إلى صلاته، ثم يتسحر رغيفاً ويخرج.
قيام وصيام وقراءة قرآن من الصباح إلى الليل.
أما سعيد بن عبد العزيز التنوخي قال: كنت أجلس بالغدوات لـ ابن أبي مالك وأجالس بعد الظهر إسماعيل بن عبيد الله وبعد العصر مكحولاً.
وأما القعنبي فقال أبو حاتم: ثقة حجة لم أر أخشع منه؛ كان إذا مر بمجلس القوم قالوا: لا إله إلا الله، ذكروا الله ، سألناه أن يقرأ علينا الموطأ، فقال: تعالوا بالغداة، فقلنا: لنا مجلس عند الحجاج بن منهال، قال: فإذا فرغتم منه؟ قلنا: فنأتي حينئذٍ مسلم بن إبراهيم، قال: فإذا فرغتم؟ قلنا: نأتي أبا حذيفة النهدي، قال: فبعد العصر؟ قلنا: نأتي عارماً أبا النعمان، قال: فبعد المغرب؟ فكان يأتينا بالليل، فيخرج علينا وعليه كبلٌ ما تحته شيء في الصيف، فكان يقرأ علينا في الحر الشديد حينئذٍ.
هذا يدل على أن أبا حاتم وأقرانه كانوا يطلبون العلم ويجلسون المجالس المتواصلة في ذلك.
وحدث بعض أهل العلم وهو ابن حبان عن بعض العلماء - ابن حبان يحدث عن نفسه- قال: لعلنا قد كتبنا عن أكثر من ألفي شيخ، قال الذهبي: كذا فلتكن الهمم، هذا مع ما كان عليه من الفقه والعربية والفضائل الباهرة وكثرة التصانيف ﵀.
وقال محمد بن علي السلمي: قمت ليلة سحراً لآخذ النوبة على ابن الأخرم فوجدته قد سبقني ثلاثون قارئاً ولم تدركني النوبة إلى العصر.
وابن الأخرم كان له حلقة عظيمة بجامع دمشق يقرءون عليه من بعد الفجر إلى الظهر.
والطبري قال لأصحابه: هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا، قالوا: كم قدره؟ قال: نحو ثلاثين ألف ورقة، فقالوا: هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه، قال: إنا لله! قد ماتت الهمم.
فاختصر ذلك في قرابة ثلاثة آلاف ورقة.
وأما السمعاني ﵀ فإنه طوف البلاد وأخذ عن مشايخ لا يعدون، وذهب إلى أبي ورد وإسفرائين والأنبار وبخارى وبسطام والبصرة وبلخ وترمذ وجورجان وحماه وحمص وحلب وخسرو وجرج والري وسرخس وسمرقند وهمذان وهرات والحرمين والكوفة وواسط والموصل ونهاوند والمدائن ولم تكن هناك طائرات ولا سيارات ولا قطارات، وإنما المشي على الأرجل والدواب حتى دخل بيت المقدس والخليل وهما بأيدي الفرنج، حيث استخدم الحيلة وخاطر ودخل رغم أنها تحت احتلال النصارى.
السلفي الذي ذهب يطلب العلم وله أقل من عشرين سنة، ونسخ من الأجزاء ما لا يحصى، وكان ينسخ الجزء الضخم في ليلة، وبقي في الرحلة ثمانية عشر عاماً.
وأبو طاهر قال: بلت الدم في طلب الحديث مرتين؛ مرة بـ بغداد وأخرى بـ مكة، وقال: كنت أمشي حافياً في الحر فلحقني ذلك، وكنت أحمل كتبي على ظهري، وما سألت في الطلب أحداً -يعني: ما سأل أحداً مالاً- قيل: أنه كان يمشي في اليوم والليلة عشرين فرسخاً؛ والفرسخ تقريباً خمسه كيلو مترات.
وروي عن سليم الرازي قال: كان أبو حامد الإسفراييني في أول أمره يحرس في درب -لكن له همة عالية ولو كان يحرس في درب- وكان يطالع على زيت الحرس -يقرأ على مشاعل الحرس- وأفتى وهو ابن سبع عشرة سنة.
عطاء بن أبي رباح كان فراشه المسجد عشرين سنة.
الزهري جلس يتذاكر الحديث من بعد العشاء حتى أصبح، وعدد من السلف فعلوا ذلك.
الإمام مالك قَلَّ أن يصلي الصبح بوضوء جديد وإنما كان يصلي بوضوء العشاء تسعاً وأربعين سنة.
وكيع بن الجراح والإمام أحمد تذاكرا الحديث من العشاء إلى آخر الليل.
كان أسد بن الفرات يجلس عند محمد بن حسن الشيباني يتلقى منه الحديث، وكان ينثر في وجهه الماء -ينضح- لكي يصحو ويبقى منتبهاً في الدرس.
أحمد بن حنبل كان يذهب من قبل الفجر إلى مجلس الشيخ ليتبوأ مكانه، وكان يقول: من المحبرة إلى المقبرة.
كان البخاري يستيقظ عشرين مرة في الليل ليسجل ما يخطر له، يشعل السراج في كل مرة ويطفئه.
هذه هي الهمم العالية، هذا الحفظ، والعلم، والرحلة، والتأليف والتصنيف، وهذه المجالس، وهذا الحرص على الحضور.
هذه -أيها الإخوة- نماذج مما كان عليه سلفنا ﵏ في طلب العلم والهمم العالية فيه.
فنسأل الله أن يلهمنا رشدنا، وأن يقينا شر أنفسنا، وأن يقوي إراداتنا في طاعته، وأن يجعلنا من أصحاب الهمم العالية في سبيله مجاهدين وعلماء عاملين، والله تعالى أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 3258
كيف نتعامل مع أخطاء الناس ؟
إن الله خلق البشر وجعل من طبيعتهم الخطأ، وجعل من مهمتنا نحن المسلمين أن نعلم الناس ونبين لهم الخطأ من الصواب، وقد رغبنا الله في أكثر من موضع في كتابه وسنة نبيه ﷺ في تعليم الناس الخير، وفي هذا الدرس يتعرض الشيخ لبعض الأساليب في تصحيح الخطأ والتعامل مع المخطئين.
стр. 3259
الخطأ من طبيعة البشر
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها؛ وكل محدثةٍ بدعة؛ وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.
إخواني: سوف نتحدث عن موضوعٍ لا بد منه للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وهو موضوعٌ نافعٌ للدعاة إلى الله تعالى، ومهمٌ لكل من تحت يديه رعية من أبٍ، أو مدرسٍ، أو مديرٍ وما شابه ذلك.
إن الله خلقنا خطائين، فمن طبيعة البشر أنهم يخطئون (وخير الخطائين التوابون) وإن الله جعل من مهماتنا نحن المسلمين أن نُعلِّم الناس، ورغبنا في ذلك، وقال نبيه ﷺ : (إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرضين حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير) والناس يخطئون، وتعليم المخطئين من وظيفة الأنبياء، والقرآن كان يتنزل بتصحيح الأخطاء، حتى مما وقع من النبي ﷺ في مثل قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ [عبس:١]، ومما وقع من الصحابة في مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الممتحنة:١]، ولما خاض بعض الناس في الإفك متجرئين على أعراض إخوانهم المسلمين، قال الله : ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ * وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ * يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [النور:١٤ - ١٧].
والنبي ﷺ سار على نورٍ من ربه، ينكر المنكر ويصحح الخطأ، وقد سبق الحديث عن جزءٍ من هذا الموضوع، سوف نتكلم عن شيء منه -إن شاء الله- في هذه الخطبة؛ لنتعرف على المزيد مما كان النبي ﷺ يفعله مع المخطئ، ليكون في ذلك درساً وعبرةً لنا في التعامل مع المخطئين، إذ لا بد من وجودهم في المجتمع.
стр. 3260
كيفية التعامل مع المخطئين
.
стр. 3261
أولاً: إظهار الرحمة
إن من الأمور المهمة أيها الإخوة: إظهار الرحمة للمخطئ، كما جاء عن ابن عباس: (أن رجلاً أتى النبي ﷺ قد ظاهر من امرأته فوقع عليها، فقال: يا رسول الله! إني قد ظاهرت من زوجتي، فوقعت عليها قبل أن أكفر) والله أمر بالكفارة قبل الوطء للمظاهر الذي يقول لزوجته: أنت عليَّ كظهر أمي، أو مثل أمي ونحو ذلك، فلا بد إذا أراد العودة إلى الزوجة لإتيانها أن يُكفِّر قبل إتيانها، والظهار خلقٌ ذميمٌ من أخلاق أهل الجاهلية، قال له النبي ﷺ : (وما حملك على ذلك يرحمك الله؟ قال: رأيت خلخالها في ضوء القمر، قال: فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله به) رواه الترمذي، وهو حديث حسن صحيح.
وجاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: (يا رسول الله! هلكت، قال: ما لك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله ﷺ : هل تجد رقبةً تعتقها؟ قال: لا.
قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا.
قال: فهل تجد إطعام ستين مسكيناً؟ قال: لا.
قال: فمكث النبي ﷺ ، فبينا نحن على ذلك أُتي النبي ﷺ بعرقٍ -أي: زنبيل- فيه تمرٌ، قال: أين السائل؟ فقال: أنا.
قال: خذ هذا فتصدق به -هذا من رحمته وإعانته- فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله؟! فوالله ما بين لابتيها أهل بيتٍ أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: أطعمه أهلك) إن هذا المستفتي لم يكن هازلاً، ولا مستخفاً بالأمر، بل إن تأنيبه وشعوره بخطئه واضحٌ من قوله: (هلكت) ولذلك استحق الرحمة.
وجاء في رواية أحمد مزيد توضيحٍ لحاله، فعن أبي هريرة ﵁: (أن أعرابياً جاء يلطم وجهه وينتف شعره، ويقول: ما أراني إلا قد هلكت، فقال له الرسول ﷺ : وما أهلكك؟ قال: أصبت أهلي في رمضان) وفي الحديث أنه ذكر الكفارة له، وأعطاه إياها في آخر الحديث.
стр. 3262
ثانياً: المطالبة بالكف عن الخطأ
كذلك فإن من الأمور التي نتعامل بها مع المخطئ: أن نطالبه بالكف عن الخطأ فوراً وعدم الاستمرار فيه، والنبي ﷺ كان إذا سمع أو رأى خطأً طلب من المخطئ الكف عن الخطأ فوراً، فعن عمر ﵁ أنه قال مرةً والنبي ﷺ يسمع: (لا وأبي -حلف بأبيه وكان ذلك من حلف أهل الجاهلية- فقال رسول الله ﷺ : مه -أي: اكفف اسكت عن هذه الكلمة- إنه من حلف بشيء دون الله فقد أشرك) رواه الإمام أحمد، وإسناده صحيح.
وعن عبد الله بن بشر، قال: (جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة)، وما أكثر ما يفعلونه في المساجد في خطب الجمعة! يأتي متأخراً ويريد أن يشق الصفوف (جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة، والنبي ﷺ يخطب، فقال له النبي ﷺ : اجلس، فقد آذيت) آذيت الناس آذيت عباد الله آذيت المصلين آذيت المبكرين إلى الصلاة.
ولما تجشأ رجلٌ عند النبي ﷺ ، قال ﵊: (كف عنا جشاءك، فإن أكثرهم شبعاً في الدنيا، أطولهم جوعاً يوم القيامة) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب من هذا الوجه.
إذاً عندما أساء الأدب بحضرة الناس، أمره ﵊ أن يكف عن هذا الفعل المشين.
стр. 3263
ثالثاً: الإرشاد إلى تصحيح الخطأ
كذلك لا بد أن نرشد المخطئ إلى تصحيح خطئه، كمحاولة لفت نظره إلى خطئه ليقوم بتصحيحه؛ كما روى أبو سعيد الخدري ﵁، وكان مع رسول الله ﷺ ، قال: (دخل رسول الله ﷺ فرأى رجلاً جالساً وسط المسجد، مشبكاً بين أصابعه يحدث نفسه، فأومأ إليه النبي ﷺ -أي: لينزع أصابعه- فلم يفطن، قال: فالتفت إلى أبي سعيد، فقال: إذا صلى أحدكم، فلا يشبكن بين أصابعه، فإن التشبيك من الشيطان، فإن أحدكم لا يزال في صلاةٍ ما دام في المسجد حتى يخرج منه) رواه أحمد، وقال الهيثمي: إسناده حسن، فإذا خرجت من بيتك عامداً إلى المسجد، وجلست في المسجد تنتظر الصلاة، فلا تشبكن في هذه الفترة.
وكذلك طالب النبي ﷺ المسيء صلاته أن يعيد الصلاة؛ لأنه لم يأت بها على الوجه الشرعي.
إذاً من الحكمة في التعليم: طلب إعادة الفعل من المخطئ؛ لعله ينتبه إلى خطئه، فيصححه بنفسه، وإذا لم ينتبه وجب البيان والتفصيل، ووجب التوضيح عند ذلك.
وكذلك فإنه ﵊ (لما رأى رجلاً توضأ، فترك موضع ظفرٍ على قدمه لم يمسه الماء، قال له ﵊: ارجع فأحسن وضوءك، فرجع ثم صلى).
ولما جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فدخل عليه مقتحماً ولم يسلم ولم يستأذن، قال له النبي ﷺ : (ارجع فقل: السلام عليكم، أأدخل؟) يعلمه الإتيان بالفعل على وجهه الشرعي، ثم إنه إذا كان في الإمكان استدراك الخطأ، فلا بد من ذلك؛ فعن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: (لا يخلون رجلٌ بامرأة إلا مع ذي محرم، فقام رجلٌ؛ فقال: يا رسول الله! امرأتي خرجت حاجةً وأنا اكتتبت في غزوة كذا وكذا، قال: ارجع فحج مع امرأتك) هذا الحديث رواه البخاري، وهو ردٌ على من قال: إنه يجوز للمرأة أن تسافر مع جماعة؛ لأن امرأة هذا الرجل لما خرجت حاجة، وبالتأكيد أنها لم تخرج لوحدها، بل خرجت مع جماعة الحجاج، والنبي ﵊ نبه إلى أنه لا بد من وجود المحرم، ولذلك الرجل كان مسجلاً اسمه في المجاهدين، فقام ليستوضح الحكم، قال: أرسلتها للحج وأنا ذاهبٌ للجهاد، قال: (ارجع فحج مع امرأتك).
стр. 3264
رابعاً: مطالبة المخطئ إدراك ما أفسده
كذلك فإننا نطالب المخطئ بإصلاح ما أفسده لتدارك آثار خطئه، كما: (أن رجلاً أتى النبي ﷺ ، فقال: إني جئت أبايعك على الهجرة، ولقد تركت أبوي يبكيان -يبكيان من ألم فراق الولد- فقال ﵊: ارجع إليهما، فأضحكهما كما أبكيتهما) ارجع وأصلح الخطأ، رواه النسائي وهو حديث صحيح، وكل الكفارات التي جاءت في الشريعة إنما هي لإصلاح آثار أخطاء يقع فيها هذا المخطئ المستوجب للكفارة.
стр. 3265
خامساً: العدل والإنصاف في الحكم على الخطأ
ثم إنه ينبغي على الداعية إلى الله، الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر إذا أصلح خطئاً في قولٍ أو فعلٍ في بقيته صحة، ألَّا يسارع إلى تخطئة كل القول وكل الفعل من باب العدل والإنصاف، وإنما ينكر موضع الخطأ فقط، ليكون موضوعياً عادلاً في إنكاره، ولذلك عندما جاء النبي ﷺ فدخل بيتاً وفيه جويريات -أي: بنات صغيراتٌ- ينشدن ويقلن أبياتاً في رثاء من قتل من المسلمين يوم بدر، إذ قالت إحداهن: وفينا نبيٌ يعلم ما في غدِ، فقال: (دعي هذه، وقولي بالذي كنت تقولين) رواه البخاري (دعي هذه) لا يعلم الغيب إلا الله، لا النبي ولا غيره (وقولي بالذي كنت تقولين) فأقرها على ما كانت تقول، وأنكر عيها موضع الخطأ فقط.
إن هذا الفعل يجعل المدعو يتقبل من الداعية؛ لأنه يراه منصفاً، لم يخطئه في كل شيء، وإنما يخطئه في موضع الخطأ فقط.
стр. 3266
سادساً: تقديم البديل
ثم إنه لا بد للدعاة إلى الله الآمرين الناهين أن يقدموا البديل الصحيح للناس ما دام ذلك ممكناً، فإن مجرد أن تقول: هذا حرام هذا خطأ، دون أن تبين البديل نقصٌ في الدعوة، ونقصٌ في الإنكار، وقد كان النبي ﷺ يفعل ذلك، فلما سمع بعض الناس يقولون في التشهد في الصلاة: السلام على الله من عباده، السلام على فلان وفلان، وفي رواية: السلام على جبريل، السلام على ميكائيل، قال النبي ﷺ : (لا تقولوا: السلام على الله، فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنكم إذا قلتم، أصاب كل عبدٍ صالح في السماء والأرض) فلا حاجة لئن تخص جبريل وميكائيل، فبمجرد أن تقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، تصيب بسلامك ذلك جبريل وميكائيل، وسائر الملائكة، وكل عبد صالح في السماء والأرض.
ولما جاء بلال إلى النبي ﷺ بتمرٍ برني -تمر جيدٍ- قال: (من أين هذا؟ قال بلال: كان عندنا تمرٌ رديٌ، فبعت منه صاعين بصاعٍ) هذا ربا؛ لأن النبي ﷺ أمر أن يباع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والتمر بالتمر، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والملح بالملح إلخ، مثلاً بمثلٍ، فمن زاد او استزاد فقد أربا، فلما أخبره بلال أنه باع صاعين بصاع، قال: لنطعم النبي ﷺ ، ما قصدت إلا الخير، بعت صاعين من تمرٍ رديٍ بصاعٍ من تمرٍ جيدٍ، فقال ﵊: (أوه عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري -هذا البديل- فبع التمر ببيعٍ آخر، ثم اشتره).
وكذلك إذا أراد إنسانٌ أن يستبدل ذهب زوجته، بعض الناس يعطي الذهب القديم، ويأخذ الذهب الجديد، ويدفع الفارق، (أوه) كلمة توجع (عين الربا لا تفعل) ولكن بع الذهب القديم واقبض النقود، ثم اشتر ذهباً جديداً من عنده، أو من عند غيره بنفس المال الذي معك، أو بأكثر، أو بأقل وهكذا يكون البيع الشرعي، وهناك فرق.
بعض الناس يقولون: هذا إجراء لا معنى له؟! لا.
بل له معاني، ولذلك إذا أردت أن تفعله، واختلف السعر عليك، فجربه وسترى ماذا سيقول البائع؟ أما إذا كان المبيع من غير الأصناف الربوية، كسيارة بسيارة مع دفع الفارق، وأرض بأرض مع دفع الفارق، فلا بأس بذلك، لأن الأراضي والسيارات ليست من الأصناف التي يجري فيها الربا، ولا يشترط فيها المماثلة ولا التقابض في مجلس العقد.
إن الإنكار دون تعليم البديل وتقديمه عيبٌ لا بد من تلافيه ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً.
стр. 3267
سابعاً: تجنيب المخطئ معونة الشيطان
كذلك فإننا لا بد أن نجنب المخطئ معونة الشيطان، فلا نعين الشيطان عليه، ولذلك لا ندعو عليه، وإنما ندعو له: (فلما جيء إلى النبي ﷺ برجل قد شرب الخمر، أمر به فجلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه -وفي رواية قال له رجل: أخزاه الله- فقال ﵊: لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم) إذا لعنته ودعوت عليه بالخزي، ماذا فعلت؟ أعنت الشيطان عليه، وفي رواية: قال: (لا تقولوا هكذا، لا تعينوا عليه الشيطان) وإنما ندعو له بالهداية، نقول: اللهم اهده مثلاً، وهكذا يكون الأمر عندما نجد مخطئاً مذنباً، فإننا ندعو له، اللهم إلا إذا كان مخطئاً معانداً مجافياً للحق، مصراً بعد البيان، فإن النبي ﷺ دعا على هذا المخطئ المعاند، كما جاء في صحيح مسلم في رجل أكل عند النبي ﷺ بشماله، فقال: (كل بيمينك.
قال: لا أستطيع -يستطيع لكن تكبراً- فقال: لا استطعت -دعا عليه بأن لا يستطيع- قال: فما رفعها إلى فيه)، وفي رواية: (فما وصلت يمينه إلى فمه بعد) أي: أصيبت يمينه بالشلل، فما استطاع أن يرفعها مطلقاً بعد ذلك، هذا المخطئ المعاند يدعى عليه بما يكف شره، ويعلمه درساً، ولعل تلك الآية التي رآها تكون سبباً في عودته إلى الحق وتوبته واستغفاره.
стр. 3268
ثامناً: بيان الخطأ المشترك
كذلك فإننا نواجه في الحياة أناساً يخطئون على أناس، يظلمونهم فلا بد أن يكون هناك موقفٌ جيدٌ من مثل هذا، وخصوصاً عندما يكون الخطأ مشتركاً، فلا بد أن نبين لهذا ولهذا، ولذلك روى عبد الله بن أبي أوفى، قال: شكا عبد الرحمن بن عوف خالد بن الوليد إلى رسول الله ﷺ ، فقال النبي ﷺ : (يا خالد! لا تؤذ رجلاً من أهل بدر، فلو أنفقت مثل أحدٍ ذهباً، لم تدرك عملهم، فقال خالد ﵁: يقعون عليَّ، فأرد عليهم، فقال: لا تؤذوا خالداً، فإنه سيف من سيوف الله صبه الله على الكفار) رواه الطبراني، وقال الهيثمي: رجاله ثقات.
إذاً يبين حق هذا، ثم يبين حق الآخر، وعندما يخطئ إنسان على أخيه المسلم، فإننا نسعى إلى معاتبته وبيان حقوق الأخوة، ونعاتبه على خطئه.
عن أبي الطفيل عامر بن واثلة: (أن رجلاً مرَّ على قومه، فسلم عليهم، فردوا ﵇، فلما جاوزهم، قال رجل منهم: والله إني لأبغض هذا في الله، فقال أهل المجلس: بئس والله ما قلته، أما والله لننبأنه، قم يا فلان -لرجل منهم- فاخبره، فأدركه رسولهم، فأخبرهم بما قال، فانصرف الرجل الذي قيل فيه ما قيل، حتى أتى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! مررت بمجلسٍ من المسلمين فيهم فلان، فسلمت عليهم، فردوا السلام، فلما جاوزتهم، أدركني رجلٌ منهم، فأخبرني أن فلاناً قال: والله إني لأبغض هذا الرجل في الله، فادعه فسله علام يبغضني؟ فدعاه رسول الله ﷺ ، فسأله عما أخبره الرجل، فاعترف بذلك، وقال: قد قلت ذلك يا رسول الله، فقال له رسول الله ﷺ : فلم تبغضه؟ قال: أنا جاره وأنا به خابر، والله ما رأيته يصلي صلاةً قط إلا هذه الصلاة المكتوبة التي يصليها البر والفاجر، فقال الرجل: سله يا رسول الله! هل رآني قط أخرتها عن وقتها، أو أسأت الوضوء لها، أو أسأت الركوع والسجود فيها، فسأله رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: لا.
ما رأيته ينقص منها شيء، ثم قال: والله ما رأيته يصوم قط إلا هذا الشهر الذي يصومه البر والفاجر، فقال: يا رسول الله! هل رآني قط أفطرت فيه، أو انتقصت من حقه شيئاً؟ فسأله رسول الله ﷺ ، فقال: لا.
ثم قال: والله ما رأيته يعطي سائلاً قط، ولا رأيته ينفق من ماله شيء في سبيل الله بخير إلا هذه الصدقة، -أي: الزكاة- التي يؤديها البر والفاجر، قال: فسله يا رسول الله! هل كتمت من الزكاة شيئاً قط، أو ماكست فيها طالبها؟ قال: فسأله رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: لا.
فقال له رسول الله ﷺ : قم إن أدري لعله خيرٌ منك).
إذاً: إصلاح ذات البين ومعاتبة المخطئ على أخيه، ومناقشة ذلك لمعرفة السبب في البغض، ونحن كثيراً ما نخطئ على إخواننا، ونخطئ على الخدم المسلمين عندنا، ونغتابهم كثيراً وكثيراً، والقضية خطيرة، فإن رجلاً كان يخدم أبا بكر وعمر في السفر، فناما فاستيقظا ولم يهيئ لهما طعاماً، فقال أحدهما لصاحبه: (إن هذا لنئوم -فقط هذه العبارة، فأيقظاه، فقالا: ائت رسول الله ﷺ ، فقال له: إن أبا بكر وعمر يقرئانك السلام، وهما يستأدمانك -يطلبان الإدام- فقال ﵊ لهذا الخادم: أقرئهما السلام، وأخبرهما أنهما قد ائتدما، ففزعا، فجاءا إلى النبي ﷺ ، فقالا: يا رسول الله! بعثنا إليك نستأدمك، فقلت: قد ائتدما، فبأي شيء ائتدمنا؟ قال: بلحم أخيكما، والذي نفسي بيده إني لأرى لحمه بين أنيابكما، قالا: فاستغفر لنا: قال: هو فليستغفر لكما) وهذا حديث صحيح.
كم نغتاب الخدم؟ كم نغتاب الذين نتعامل معهم؟ ماذا قال هذان الشيخان الكريمان؟ قالا: إن هذا لنئوم -كثير النوم- واعتبرها ﵊ غيبة، وطلب منهما أن يذهبا إليه ليستغفر لهما.
نسأل الله أن يجعلنا هداةً مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، وأن يغفر لنا ذنوبنا أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 3269
تاسعاً: إظهار الضرر من الخطأ
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وعلى من تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
إخواني: إن مما ينبغي علينا أن نبين للناس مضرة الخطأ إذا نصحناهم، والنبي ﷺ لما رأى تفرق بعض أصحابه لما نزلوا منزلاً، قال: (إن تفرقكم في هذه الشعاب والأودية إنما ذلكم من الشيطان) فلم ينزلوا بعد ذلك منزلاً إلا انضم بعضهم إلى بعض، حتى يقال: لو بسط عليهم ثوبٌ لعمهم، وذلك حتى لا ينزل بهم خوف من المشركين، أو يستدرج العدو بعضهم، ولا يكون في هذا التفرق إغراءٌ للعدو بهم، وانظروا إلى النبي ﷺ لما رأى الصف في الصلاة غير مستوٍ، قال ﵊: (لتسوون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم، فتقع بينكم العداوة والبغضاء) فينبغي إذاً أن نحرص على تسوية الصفوف، وأن نتراص كما تتراص الملائكة عند ربها، وأن يكون المنكب بالمنكب ليس هناك فرجات، دون إغلاظٍ على جارك في الصف من اليمين والشمال، فهذه المسألة مما وقع فيها الإفراط والتفريط، فبعض الناس يلتصق بصاحبه التصاقاً مؤذياً له، ويحشر نفسه في فرجةٍ ضيقةٍ في الصف، مؤذياً عباد الله، وهذا لا يجوز له أن يدخل فيها إذا كان ذلك يؤذي المصلين، ولا تتهيأ الفرصة، ولا يتحمل الوضع أن يدخل في هذه الفرجة، وبعض الناس يترك الفراغات، ولا يحب أحداً أن يلتصق به أبداً، ولا بد أن يبين للناس أن هذا لا يرضاه الله، والنبي ﵊ قال: (إني لأرى الشياطين تدخل من خلل الصف) الفراغات التي في الصف.
وقد يبتلى الإنسان برجلٍ في المسجد بلغ من الكبر عتياً، سيء الخلق جداً، فيأتي بحركات غريبة، قد يدفع هذا، أو يتكلم عليه بعد الصلاة بألفاظ نابية مع أن هذا مصلح يريد سد الفرجة، فيعامل بالحسنى، كبير السن الذي تغير خلقه لا بد أن نتحمله.
قيل لأحدهم: يا فلان! لماذا تنفر؟ لماذا تريد أن يكون بينك وبين الذي بجانبك شبرٌ؟ إن الشياطين تدخل من خلل الصف، قال: الشياطين أرحم منكم، ثم قال: الشيطان مات في فتح مكة، فإذا وجد هناك مثل هذا المسكين الذي يعتقد أن الشيطان مات في فتح مكة، وأن الشياطين أرحم من المؤمنين، فلا بد أن يكون هناك شيء من الرحمة واللين بمثل هذا الرجل، يعلم على قدر الاستطاعة، وإذا فقدنا الأمل في تعليمه، راعينا المفاسد حتى لا تتطور الأمور إلى الأسوأ، وكان النبي ﷺ أحياناً يظهر على وجهه الغضب إذا رأى خطأً، كما خرج على أصحابه وهم يختصمون في القدر، فكأنما تفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب؛ لأن القدر لا يجوز المماراة فيه.
وكذلك لما رأى في يد عمر بن الخطاب صحفاً من صحف أهل الكتاب، غضب ﵊، وقال: (أمتهوكون فيها يـ ابن الخطاب، والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل، فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حياً ما وسعه إلا أن يتبعني) حديثٌ صحيحٌ بطرقه، وله طرق كثيرة.
أيها الإخوة: إن تصحيح الأخطاء مسئولية عظيمة، ووراثة نبوية، وإن في هذه المناسبات المختلفة التي قيلت فيها وفعلت أساليب مختلفة من النبي ﵊ تدلنا على أنه لا بد أن ننتقي الوسيلة المناسبة في كل مناسبة لإصلاح الخطأ فيها، ومن قاس النظير بالنظير والشبيه بالشبيه ممن عنده فقهٌ ووفقه الله اقتبس من أساليب النبي ﷺ ما يعينه في دعوته إلى الله.
نسأل الله تعالى أن يرحمنا برحمته، وأن يتوب علينا أجمعين، اللهم اعف عنا يا عفو، واغفر لنا يا غفور، وتب علينا يا تواب، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، اللهم آمنا في الأوطان والدور، وأرشد الأئمة وولاة الأمور، واغفر لنا يا عزيز يا غفور.
стр. 3270
كيف تكون عبدا شكورا ؟
الله يوفق عباده للخير، ويثني عليهم في الملأ الأعلى، ويجازي الكافر في الدنيا على فعله الخير ويخرج من أدخله النار بأدنى مثقال ذرة من إيمان، وهذا من شكر الله لعباده ولكن كيف يشكر العباد ربهم؟ وكيف يكونون من عباد الله الشاكرين؟ وما هي معاني الشكر؟ وما الفرق بين الشكر والحمد؟ ومن أبرز من تكلم في هذا الموضوع؟ أسئلة جاءت إجاباتها في ثنايا هذه المادة.
وفي الأخير يجب أن يعلم أن الشكر نصف الدين، وأنه الغاية من خلق الخلائق.
стр. 3271
معاني شكر العبد لربه
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فأحمد الله حمد الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبيه ﷺ سيد المرسلين، وقائد الغر المحجلين، وشفيعنا يوم الدين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
إخواني: إن الاهتمام بالقلوب أمر مطلوب، كيف لا والقلب هو الملك الذي يملك الأعضاء، فبه تسير وبه تأتمر، والقلب له أعمال كثيرة، وتقوم به عبادات عظيمة، والمؤمن الذي يريد أن يسير إلى الله ينبغي أن يعتني بقلبه لكي يكون سيره حسناً.
ودرسنا في هذه الليلة: (كيف تكون عبداً شكوراً؟) كيف نكون جميعاً من عباد الله الشاكرين؟ ما هي الوسائل التي بها نكون شاكرين لله ؟ أما الشكر فإنه في اللغة: ظهور أثر الغذاء في أبدان الحيوان، كما تقول العرب: شكرت الدابة إذا: سمنت وظهر عليها أثر العلف، وقد جاء في صحيح مسلم في حديث يأجوج ومأجوج أن النبي ﷺ قال: (حتى إن الدواب لتشكر من لحومهم).
فالله تعالى يرسل عليهم ديداناً تقتلهم -يأجوج ومأجوج- وأن الدواب تأكل لحومهم حتى تسمن سمناً عظيماً، والشكر: هو الثناء على المحسن بما أعطاك وأولاك، فتقول: شكرته وشكرت له، والثاني أفصح، وقال الله : ﴿لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً﴾ [الإنسان:٩].
والشكران ضد الكفران، والشكور من الدواب: ما يكفيه العلف القليل، ويقال: اشتكرت السماء إذا اشتد مطرها، واشتكر الضرع إذا امتلأ لبناً، فهذه معاني الشكر، وهي تدل على النماء والزيادة.
وشكر العبد لربه له عدة من المعاني: فعرفه بعض الناس: بأنه الاعتراف للمنعم بالنعمة على وجه الخضوع.
وقال بعضهم: هو الثناء على المحسن بذكر إحسانه.
وقال بعضهم: الشكر استفراغ الطاقة في الطاعة.
وقيل: الشاكر: الذي يشكر على الموجود، والشكور: الذي يشكر على المفقود.
وقيل: الشاكر: الذي يشكر على النفع، والشكور: الذي يشكر على المنع.
وقيل في الفرق بين الشاكر والشكور: أن الشاكر: الذي يشكر على العطاء، والشكور: الذي يشكر على البلاء.
والشكر من العبد لربه يدور على ثلاثة أشياء: أولاً: اعتراف العبد بنعمة الله عليه.
ثانياً: الثناء عليه بهذه النعم.
ثالثاً: الاستعانة بهذه النعم على مرضاة الله، فمدار شكر العبد لربه على هذه الثلاثة: الاعتراف، والثناء، والعمل بها في طاعته .
والشكر أيضاً: خشوع الشاكر للمشكور مع حبه له، واعترافه بنعمته، والثناء عليه بها، وألا يستعمل هذه النعم فيما يسخط الله، وإنما يستعملها فيما يرضي الله .
والشكر يتعلق بالقلب واللسان والجوارح، ومن الأدلة على تعلق الشكر بالقلب الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (ليتخذ أحدكم قلباً شاكراً، ولساناً ذاكراً، وزوجة مؤمنة تعينه على أمر الآخرة).
فالشكر إذاً: هو الاعتراف بإنعام الله سبحانه عليك على وجه الخضوع له والذل والمحبة.
فمن لم يعرف النعمة بل كان جاهلاً بها لم يشكرها، وكثير من الناس لا يعرفون نعم الله عليهم، ومن عرف النعمة ولم يعرف المنعم فكيف يشكره؟!! ومن عرف النعمة والمنعم لكن جحدها كما يجحد المنكر لنعمة المنعم عليه فقد كفرها، ومن عرف النعمة والمنعم وأقر بها ولم يجحدها لكن ما خضع قلبه، ولا أحب المنعم، ولا رضي بالله المنعم فلا يعتبر شاكراً للنعمة، ومن عرف النعمة وعرف المنعم وخضع للمنعم، وأحبه ورضي به، واستعمل النعمة في محابه وطاعته فهذا هو الشاكر حقاً وهذا هو التعريف لشكر الله .
стр. 3272
الفرق بين الحمد والشكر
وقد يقول بعض الناس: ما هو الفرق بين الحمد والشكر؟!
الجواب
إن الشكر يتعلق بالقلب واللسان والجوارح، تشكر الله بقلبك ولسانك وجوارحك، أما الحمد فإنه يتعلق بالقلب واللسان، فلا يقال: حمد الله بيده مثلاً، أو برجليه، أو بأي شيء من الجسد، إلا اللسان مع القلب فالحمد بهما، والشكر يكون بالقلب واللسان والجوارح، فللقلب معرفة الله المنعم وحبه، وللسان الثناء عليه وحمده ، والجوارح استعمال هذه النعم فيما يرضي الرب ، فالشكر أعم من هذه، لكن الشكر يكون على النعم، والحمد يكون على النعم وعلى غيرها، فمثلاً: الله يحمد على أسمائه وصفاته وأفعاله ونعمه، لكنه يشكر على نعمه، فلا يقال: إنه يشكر على أسمائه وصفاته وإنما يحمد على أسمائه وصفاته، ومن هذه الجهة فالحمد أعم، فهذا هو الفرق بين الحمد والشكر.
стр. 3273
أنواع شكر الله لعباده
وأما الله فإن من أسمائه الشكور، وقد سمى نفسه شاكراً كذلك، فقال الله : ﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً﴾ [النساء:١٤٧]، وقال: ﴿وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ [التغابن:١٧].
فالله من أسمائه الشكور فهو يشكر عباده، فكيف يشكر عباده ؟!
стр. 3274
توفيقهم للخير
إنه يشكرهم بأن يوفقهم للخير، ثم يعطيهم ويثيبهم على العمل به، والله يشكر القليل من العمل ويعطي عليه ثواباً جزيلاً أكثر من العمل، والحسنة بعشر أمثالها وهكذا، فالله شكور حليم.
стр. 3275
ثناؤه عليهم في الملأ الأعلى
ويشكر عبده بأن يثني عليه في الملأ الأعلى، ويذكره عند الملائكة، ويجعل ذكره بين العباد في الأرض حسناً؛ كل هذا من شكر الله للعبد، فإذا ترك العبد شيئاً لله أعطاه الله أفضل منه، وإذا بذل العبد شيئاً لله رده الله عليه أضعافاً مضاعفة، ولما عقر نبي الله سليمان الخيل غضباً لله لما أشغلته الخيل عن ذكره، عوضه الله بالريح؛ على متن الريح يكون سفره، وتحمل جنوده من الجن والإنس والطير، ولما ترك الصحابة ديارهم وخرجوا من الديار في مرضاة الله عوضهم الله ملك الدنيا، وفتح عليهم ملك فارس والروم، ولما تحمل يوسف الصديق ضيق السجن شكر الله له ذلك ومكن له في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء، ولما بذل الشهداء دماءهم وأموالهم في سبيل الله حتى مزق الأعداء أجسادهم شكر الله ذلك لهم، وجعل أرواحهم في حواصل طير خضر تسرح في الجنة، وترد أنهارها، وتأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش.
стр. 3276
مجازاة الكافر عاجلاً على ما يفعل من الخير والمعروف
فالله شكور، ومن شكره سبحانه أنه يجازي العدو على ما يفعل من الخير والمعروف، فلو أن كافراً عمل في الدنيا حسنات؛ فكفل يتيماً، أو أغاث ملهوفاً فالله لا يضيع عمل الكافر فيجزيه بها في الدنيا من الصحة والغنى والأولاد ونحو ذلك من متاع الدنيا، حتى عمل الكافر من أعمال الخير لا يضيعها له، بل إنه يثيبه عليها في الدنيا، وقد جاء في الحديث الصحيح ما يثبت أن الله يشكر، فقد قال ﷺ : (نزع رجلٌ لم يعمل خيراً قط غصن شوك عن الطريق -إما أنه كان في شجرة مقطعة فألقاه، وإما أنه كان موضوعاً فأماطه- فشكر الله له بها فأدخله الجنة).
حديث حسن.
وجاء في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (بينا رجل يمشي فاشتد عليه العطش فنزل بئراً فشرب منها، ثم خرج فإذا هو بكلبٍ يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال: لقد بلغ بهذا مثل ما بلغ بي، فملأ خفه ثم أمسكه بفيه، ثم رقى فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له، فقالوا: يا رسول الله! وإن لنا في البهائم لأجراً، قال: في كل كبد رطبة أجر).
والله يشكر عبده ويعطيه الأضعاف المضاعفة فهو المحسن إلى العبيد، والله قال: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً﴾ [النساء:١٤٧].
تأمل يا أيها المسلم! كيف أن شكر الله أنه يأبى أن يعذب عباده بغير جرم، ويأبى أن يجعل سعيهم باطلاً، قال الله : ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً﴾ [الإنسان:٢٢] فشكرهم على سعيهم، ولم يضع سعيهم، وجازاهم الجنة، وأعطاهم من أصناف الثواب ما أعطاهم .
стр. 3277
إخراج الله لمن دخل النار وفي قلبه أدنى مثقال ذرة من خير
ومن شكر الله للعبيد: أنه يخرج العبد من النار بأدنى مثقال ذرة من خير، ولا يضيع عليه هذا القدر، فلو تعذب العبد في النار ما تعذب وكان مؤمناً من أهل التوحيد ليس بكافر فإن الله يخرجه يوماً من الدهر من النار فيدخله الجنة، ولو كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، والله شكر لمؤمن آل فرعون مقامه، الذي قام لله فجاهد وقال كلمة الحق عند سلطان جائر؛ فأثنى الله عليه بالقرآن ونوه بذكره بين عباده، وكذلك المسلم الذي أعان الثلاثة الأنبياء من أصحاب القرية لما جاءوا أصحاب القرية في سورة يس، فالله ذكره وشكر له مقامه، وشكر له دعوته في سبيله فجعل له من الثواب الجزيل على ذلك الموقف ما لا يعلمه إلا هو سبحانه، فهو الشكور على الحقيقة، وهو المتصف بصفة الشكر ، والله يرغب من عباده أن يتصفوا بموجب الصفات الحسنة التي وصف نفسه بها، والله جميل يحب الجمال، عليم يحب العلماء، رحيم يحب الراحمين، محسن يحب المحسنين، شكور يحب الشاكرين، صبور يحب الصابرين، جواد يحب أهل الجود، ستير يحب أهل الستر، عفو يحب العفو، وتر يحب الوتر، وكذلك فهو سبحانه يكره البخل، والظلم، والجهل، وقسوة القلب، والجبن، واللؤم، وهو يحب من عباده أن يتصفوا بالصفات الحميدة الحسنة.
стр. 3278
الشكر نصف الدين وهو المراد من خلق العباد
أما الشكر فإنه نصف الإيمان، ونصفه الثاني هو الصبر، والله جمع بينهما في كتابه، فقال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم:٥].
فالصبر والشكر هما الإيمان، تأمل قوله ﷺ : (عجبت للمسلم إذا أصابته مصيبة احتسب وصبر، وإذا أصابه خير حمد الله وشكر، إن المسلم يؤجر في كل شيء حتى في اللقمة يرفعها إلى فيه).
وهذا هو مقتضى الحديث الصحيح الآخر: (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير؛ وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكانت خيراً له).
فالإيمان إذاً نصفه صبر ونصفه شكر، فكيف يكون ذلك؟ إن الصبر عن المعاصي، وعما يغضب الله، وكف النفس عن ذلك هذا نصف الدين، والشكر وهو القيام بفعل المأمورات وهو نصفه الآخر، وهل الدين إلا أمر ونهي! وبلغ من منزلة الشكر، ومن عظمة هذه العبادة الجليلة أن الله جعل المراد من خلق الخلق أن يشكروه، فقال الله : ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة:١٥٢] فجعل ذكره وشكره هما الوسيلة والعون على الوصول إلى رضاه ، وقسم الناس إلى شكور وكفور، وأبغض الأشياء إليه سبحانه أهل الكفر، وأحب الأشياء إليه سبحانه الشكر وأهله، قال الله تعالى عن الإنسان: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان:٣]، وقال نبي الله سليمان: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل:٤٠]، وقد تعهد الله ووعد بالسيادة لمن شكر، فقال الله : ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧]، والله يقابل بين الشكر والكفر في أكثر من موضع، فيقول: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤]، والله علق كثيراً من الجزاء على مشيئته، فقال مثلاً: ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ﴾ [التوبة:٢٨]، وقال: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ [الأنعام:٤١]، وفي الرزق قال: ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢١٢]، وفي المغفرة قال: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران:١٢٩]، وقال في التوبة: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ [التوبة:٢٧].
أما جزاء الشكر فقد أطلقه إطلاقاً ولم يعلقه بمشيئته، فقال : ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٥]، وقال: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤]، لذلك لما عرف عدو الله إبليس قيمة وعظم الشكر تعهد أن يعمل ليحرف البشرية فيجعلهم غير شاكرين، فقال الله عن إبليس: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٧] ولذلك وصف الله سبحانه عباده الصالحين الشاكرين بأنهم الأقلون، وقال الله : ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣]، [ولذلك ذكر أن عمر سمع رجلاً يقول: اللهم اجعلني من الأقلين، فقال: ما هذا؟ فقال: يا أمير المؤمنين! قال الله : ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود:٤٠]، وقال الله : ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣]، وقال الله : ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص:٢٤].
فقال عمر: صدقت].
وقد مدح الله سبحانه أبا البشرية الثاني -وهو نوح- بأنه شكور، فقال: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً﴾ [الإسراء:٣].
والدليل على أنه أبوهم الثاني قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات:٧٧]، بعدما أغرق قوم نوح جعل ذرية نوح هم الباقين، فهو أبو البشرية الثاني.
وأمر موسى بأن يكون من الشاكرين، فقال: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٤٤].
وأول وصية وصى الله بها الإنسان، قال: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان:١٤].
ولذلك لما جاء لقمان يوصي ابنه قال له: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [لقمان:١٢] الحكمة التي آتاها الله للقمان أن يشكر الله، فعلم لقمان ولده من هذه الحكمة.
والله يرضى إذا شكره العباد، فقال: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر:٧].
ومدح إبراهيم الخليل؛ لأنه شكر نعم الله، فقال الله : ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً﴾ [النحل:١٢٠] أمة جماعة في واحد، أمة يأتم به: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * ﴿شَاكِراً لَأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل:١٢٠ - ١٢١].
فالشكر كما ذكرنا قبل قليل هو الغاية من خلق العباد، قال الله : ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل:٧٨].
فلأي شيء خلقكم؟ ولأي شيء أخرجكم من بطون أمهاتكم؟: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل:٧٨].
ونبينا ﷺ سيد الشاكرين وإمامهم ﷺ ، إنه ﵊ كان يعبد ربه لكي يكون شكوراً لربه، ولذلك جاء في صحيح البخاري عن المغيرة قال: (قام النبي ﷺ حتى تورمت قدماه، فقيل له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: أفلا أكون عبداً شكوراً) شكوراً لهذه النعمة، وهي أنه غفر لي ما تقدم من ذنبي، وجاء مثله أيضاً في صحيح البخاري عن عائشة: (أن النبي ﷺ كان يقوم الليل حتى تتفطر -تتورم وتتشقق- قدماه، فقالت عائشة: لم تصنع هذا يا رسول الله! وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أحب أن أكون عبداً شكوراً.
فلما كثر لحمه ﷺ صلى جالساً، فإذا أراد أن يركع قام فقرأ ثم ركع).
ولكن كيف نكون من عباد الله الشاكرين؟ كيف نصل إلى منزلة العبد الشكور؟
стр. 3279
كيفية الوصول إلى منزلة العبد الشكور
نصل إلى منزلة العبد الشكور بأمور:
стр. 3280
العبادة
منها: هذه العبادة التي دلنا عليها ﷺ .
стр. 3281
الدعاء
وكذلك: الدعاء.
وهذه الوسيلة الثانية.
أيها الإخوة: إن من وسائل الوصول إلى منزلة العبد الشكور: الدعاء، ولذلك كان ﵊ يقول: (رب أعني ولا تعن علي، وانصرني ولا تنصر علي، وامكر لي ولا تمكر علي، واهدني ويسر هداي إلي، وانصرني على من بغى علي، اللهم اجعلني لك شاكراً -وفي رواية: شكاراً- لك ذاكراً، لك راهباً، لك مطواعاً، إليك مخبتاً، إليك أواهاً منيباً، رب تقبل توبتي، واغسل حوبتي، وأجب دعوتي، وثبت حجتي، واهدِ قلبي، وسدد لساني، واسلل سخيمة قلبي) حديث صحيح.
وعلم معاذاً دعاءً عظيماً، فقال: (يا معاذ! والله إني لأحبك، أوصيك يا معاذ! لا تدع في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك).
فالوصول إلى منزلة العبد الشكور لا بد فيها من الاستعانة بالله والدعاء والالتجاء، وإلا فهي منزلة صعبة، وسليمان قال: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ الآية﴾ [النمل:١٩] فبدون المعونة من الله لا يمكن أن يصل الإنسان إلى منزلة العبد الشكور.
ومن الأمور التي ينبغي معرفتها: أن الشكر يحفظ النعم، قال الله : ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧] فهو ليس فقط يحفظ النعمة وإنما يزيدها، ولذلك كانوا يسمون الشكر: الحافظ، يعني: الحافظ للنعم الموجودة والجالب للنعم المفقودة.
وقال عمر بن عبد العزيز: [قيدوا نعم الله بشكر الله].
وقال أيضاً: [الشكر قيد النعم].
وقال مطرف بن عبد الله: [لأن أعافى فأشكر أحب إلي من أن أبتلى فأصبر].
ومن الأشياء التي يبلغ بها العبد درجة الشكور: أن يحدث بنعم الله عليه، قال الله : ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:١١].
وتحديث العبد بنعمة الله عليه له عدة معانٍ: منها: أن يرى أثر النعمة عليك، كما جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال لرجل من الصحابة: (إذا أنعم الله على عبدٍ نعمة فإنه يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، كلوا واشربوا وتصدقوا في غير مخيلة ولا سرف، فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده).
وجاء رجل إلى النبي ﷺ وهو قشف الهيئة، فقال له النبي ﷺ : (هل لك من مال؟ قال: نعم، قال: من أي المال؟ قال: من كل المال؛ قد آتاني الله من الإبل والخيل، والرقيق والغنم، قال: فإذا آتاك الله مالاً فليُر عليك).
وقد جاء في الحديث الصحيح قوله ﵊: (إذا آتاك الله مالاً فلير أثر نعمة الله عليك وكرامته).
وقال في الحديث الصحيح الآخر: (إن الله تعالى إذا أنعم على عبد نعمة يحب أن يرى أثر النعمة عليه من غير سرف ولا مخيلة) لا اختيال ولا إسراف، أظِهر النعمة ولا تكتمها، لكن من غير إسراف ولا اختيال، لا تظهرها إلا بهذين الشرطين، (إن الله إذا أنعم على عبدٍ نعمة يحب أن يرى أثر نعمته على عبده).
ولذلك قال بعض السلف: [لا تضركم دنياً شكرتموها].
فلو أظهرت النعمة وأنت شاكر لها فإنها لا تضرك بإذن الله.
وقد ذم الله الكنود من العباد فقال: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً * فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحاً * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً * فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً * إِنَّ الْإنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات:١ - ٦].
قال بعض المفسرين: الكنود: الذي لا يشكر نعم الله، وقال الحسن ﵀ عن الكنود: [الذي يعد المصائب وينسى النعم] إذا جلست معه قال لك: صار لي مصيبة كذا وكذا وكذا، ولا يحدث ولا يذكر شيئاً من نعم الله، كاتم لنعم الله، لا يحدث إلا بالمصائب والمعايب، ولا يقول: إن الله أعطاني كذا وأعطاني كذا، ومَنَّ علي بكذا، وآتاني كذا، كما جاء في وصف النساء التي جاء من أسباب دخولهن النار قوله ﷺ : (لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئاً، قالت: ما رأيت منك خيراً قط) فلماذا دخلت النار؟ بترك شكر نعمة الزوج، فشكر نعمة الله أولى وأحق، فهذه التي تدخل النار بسبب كفران نعمة الزوج، فلأن يدخل العبد النار بكفران نعمة الله أولى، هذه المرأة من أسباب دخولها النار كفران نعمة الزوج؛ لأنها تنسى كل حسناته، وتقول: ما رأيت منك خيراً قط، ولا تذكر له إلا عيوبه، فالعبد إذا كتم نعم الله ولم يذكر إلا المصائب فهو أحرى بأن يدخل النار من المرأة التي تكفر نعمة زوجها؛ لأن الله هو المنعم الحقيقي، ولذلك جاء في الحديث: (التحدث بالنعمة شكر وتركها كفر).
ورأى بكر بن عبد الله المزني حمالاً عليه حمله وهو يقول: الحمد لله أستغفر الله، الحمد لله أستغفر الله، الحمد لله أستغفر الله، وهكذا، قال: فانتظرته حتى وضع ما على ظهره، وقلت له: أما تحسن غير هذا؟ -غير الحمد لله أستغفر الله- قال: بلى.
أحسن خيراً كثيراً أقرأ كتاب الله، غير أن العبد بين نعمة وذم، فأحمد الله على نعمه وأستغفره لذنوبي، فقال بكر: الحمال أفقه مني.
ولما قرأ النبي ﷺ على الجن سورة الرحمن وقرأها على الصحابة، فسكت الصحابة، فقال ﵊: (قرأتها على الجن ليلة الجن فكانوا أحسن رداً منكم، كنت كلما أتيت على قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:١٣] قالوا: لا بشيء من نعمك ربنا نكذب فَلَكَ الحمد).
فقهاء الجن قالوا: لا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد، يذكر لهم في سورة الرحمن كل شيء؛ أنه خلقهم، وأنزل لهم الميزان، وجعل لهم الأنهار والبحار، وجعل لهم السفن، وجعل لهم أشياء كثيرة جداً، وبعد ذكر كل نعمة يقول: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:١٣].
والنعم كثيرة جداً، وشكرها ينساه كثير من الناس، وبعض المغفلين من الصوفية عندهم مبادئ عجيبة في هذا، حيث قال أحدهم: أنا لا آكل الخبيص؛ والخبيص: نوع من أنواع الحلوى، فقيل له: لماذا؟ قال: إني لا أقوم بشكره، فقال الحسن: "هذا أحمق، وهل يقوم بشكر الماء البارد؟! " ولذلك جاء في الحديث الصحيح: (إن أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة من النعيم أن يقال له: ألم نصح لك جسمك، ونروك من الماء البارد؟!) رواه الترمذي والحاكم عن أبي هريرة مرفوعاً، وهو حديث صحيح.
حتى الماء البارد الذي نشربه نعمة سنسأل عنها يوم القيامة، فكيف ننجو من تبعة السؤال؟ بأن نشكر نعم الله كلها ظاهراً وباطناً.
وكان أبو المغيرة -رجل من السلف - إذا قيل له: كيف أصبحت يا أبا محمد؟ قال: "أصبحنا مغرقين في النعم، عاجزين عن الشكر، تحبب إلينا ربنا وهو غني عنا، ونتمقت إليه ونحن إليه محتاجون " هو أحسن إلينا وهو غني عنا، ونحن نعصيه ونحن محتاجون إليه!.
وقال يونس بن عبيد: قال رجل لـ أبي تميمة: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت بين نعمتين لا أدري أيتهما أفضل: ذنوب سترها الله علي فلا يستطيع أن يعيرني بها أحد، ومودة قذفها الله في قلوب العباد لا يبلغه عملي -أنا دون ذلك-.
(ودعا رجل من الأنصار من أهل قباء النبي ﷺ ، قال بعض الصحابة: فانطلقنا معه، فلما طعم وغسل يديه قال: الحمد لله الذي يُطعِم ولا يُطعَم، منَّ علينا فهدانا، وأطعمنا وسقانا، وكل بلاءٍ حسنٍ أبلانا، الحمد لله غير مودع، ولا مكافأ، ولا مكفور، ولا مستغنىً عنه، الحمد لله الذي أطعم من الطعام، وسقى من الشراب، وكسا من الثياب، وهدى من الضلالة، وبصر من العمى، وفضل على كثير من خلقه تفضيلاً، الحمد لله رب العالمين) حسنه بعض أهل العلم.
هذه قضية مهمة؛ وهي قضية شكر النعم والتحدث بها دائماً، قال بعض الناس: نحن إذا تحدثنا بالنعم أصابنا الحسد والعين، فماذا نفعل؟ نقول: أولاً: إذا كان الذي أمامك معروف بالحسد فهذا لا يعني أنك تقول النعم التي جاءتك، وتستجلب حسده وإصابته لك بالعين؛ هذا إذا كان حسوداً، أما في الأحوال العادية الطبيعية فأنت تذكر نعم الله عليك.
ثانياً: إن الحسود والعائن إذا رآك تحمد الله على النعم العامة، تقول: الحمد لله على ما أنعم به عليَّ من جميع النعم؛ فإن هذا الشيء العام لا يستجلب العين والحسد.
ثالثاً: هناك أدعية تقي من العين والحسد؛ كقراءة المعوذات بعد الصلوات، وقبل النوم، وفي الصباح والمساء.
وكذلك فإن هناك بعض الأمور، مثل أن تكتم: (استعينوا على إنجاح حوائجكم بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود) فيجب ألا نخلط بين شكر الله وحمده على النعم، وبين ذكر بعض الأشياء التي تستجلب الحسد عند العائنين أو الحساد إذا كانوا موجودين، فهل يلزم أن نشكر أمام الناس؟ أم أنه يمكن أن يكون الشكر سراً بينك وبين الله، لا يوجد حاسد ولا عائن؟ يمكن أن يكون بينك وبين الله، فإذا خلوت بنفسك فاحمد الله على نعمه، ولا يشترط أن تأتي بين الناس فتقول: عندي كذا مال، وعندي كذا شركة، وعندي كذا وكذا وفي المجلس من الحساد، لكن بين إخوانك وأصحابك فأنت تذكر نعم الله عليك، ثم إن هناك من النعم كما قلنا ما يستجلب الحسد في العادة والعين، فالله لما قال لنبيه: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى﴾ [الضحى:٦ - ٨] قال له في آخر السورة: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ ف
стр. 3282
معرفة أن الموفِّق للشكر هو الله
ومن أعظم الأشياء التي يكون بها العبد عبداً شكوراً: أن يراعي هذا المشهد كلما حمد الله وشكره، فالحمد والشكر نعمة من الله تستحق وتستوجب شكراً آخر وحمداً آخر، قال الشاعر:
إذا كان شكري نعمة الله نعمة عليَّ له في مثلها يجب الشكر
فكيف وقوع الشكر إلا بفضله وإن طالت الأيام واتصل العمر
إذا مس بالسراء عمَّ سرورها وإن مس بالضراء أعقبها الأجر
وما منهما إلا له فيه منةٌ تضيق بها الأوهام والبر والبحر
ودخل رجل على عمر ﵁ فسلم فرد ﵇، فقال عمر للرجل: [كيف أنت؟ قال الرجل: أحمد إليك الله، قال: هذا أردتُ منك].
وعن ابن عمر قال: [لعلنا نلتقي في اليوم مراراً يسأل بعضنا عن بعض] ولم يرد بذلك إلا ليحمد الله ، أقول: كيف حالك؟ فتقول: الحمد لله، وتقول لي: كيف حالك؟ فأقول: الحمد لله، فيكون غرض السؤال أن كل واحد منا يستجلب لنفسه أو يدفع الآخر لحمد الله .
هناك بعض الناس عنده قناعة فعلاً فيحمد الله ، لو سألته: كيف الأحوال؟ قال: الحمد لله، لو كان خيراً قال: الحمد لله، ولو كان شراً قال: الحمد لله على كل حال، فهو دائماً يحمد الله، وبعض الناس إذا سألته كيف حالك؟ قال: بِشَرٍّ، ومصائب، وأمراض، وصار لي كذا، وصار لي كذا، ويعدد لك المصائب، ولا يذكر ولا شيء من نعم الله عليه؛ هذه النفسيات المشئومة المتشائمة!! هذه كيف تكون من الشاكرين؟! لا يمكن أن تكون من الشاكرين ولا أن تعد منهم.
ونذكر قصة زوجة إسماعيل التي أمره أبوه إبراهيم بطلاقها، لما جاء إبراهيم لدار ولده إسماعيل طرق الباب فخرجت له زوجة ابنه، قال: كيف عيشكم؟ قالت: نحن بشر، ونحن في ضيق، ونحن بكذا، والمرأة الثانية حمدت الله قال: أين إسماعيل؟ قالت: خرج يصيد لنا.
فإذاً: لما يُسأل الإنسان حتى لو كان مريضاً: كيف حالك؟ عليه أن يقول: الحمد لله، يحمد الله أن المرض ما كان أشد من هذا.
قال ابن عيينة: "ما أنعم الله على العباد نعمة أفضل من أن عرفهم لا إله إلا الله، وقال: وإن لا إله إلا الله في الآخرة كالماء في الدنيا".
وقال مجاهد في قول الله تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان:٢٠] قال: "لا إله إلا الله".
وقال بعض السلف في خطبة العيد: أصبحتم زهراً وأصبح الناس غبراً؛ أصبح الناس ينسجون وأنتم تلبسون، وأصبح الناس يعطون وأنتم تأخذون -أهل الذمة والكفار يرهبون المسلمين، ويعطون الجزية، والخراج- وأصبح الناس ينتجون وأنتم تركبون، وأصبح الناس يزرعون وأنتم تأكلون، فبكى وأبكاهم.
وقال عبد الله بن قرف الأزدي على المنبر يوم الأضحى ورأى على الناس ألوان الثياب الجميلة: يا لها من نعمة ما أشبعها، ومن كرامة ما أظهرها، ما زال عن قوم أشد من نعمة لا يستطيعون ردها، وإنما تثبت النعمة بشكر الله المنعم، فإذا شكرنا ثبتت النعمة.
وجاء رجل إلى يونس بن عبيد يشكو ضيق حاله، فقال له يونس: أَيَسُرُّكَ ببصرك هذا مائة ألف درهم؟ -هل يسرك أنك تفقد بصرك وتعطى مائة ألف درهم؟ - قال: لا.
قال: فبيديك مائة ألف؟ قال: لا.
قال: فبرجليك مائة ألف؟ قال: لا.
ثم ذكر له نعماً كثيرة، ثم قال له في النهاية: أرى عندك مئين الألوف وأنت تشكو الحاجة.
روي أن ملكاً من الملوك كان به داء لا يستطيع به أن يشرب الماء إلا بشق النفس، فكان إذا رأى عبداً من عبيده يشرب الماء يتجرعه تجرعاً -بسرعة- تحسر في نفسه.
وبعض الناس يبتليهم الله بأشياء، تمد أمامهم أنواع المطعومات فيقول أحدهم لك: لا آكل إلا هذا لأن هذا يأتيني بالسكر وهذا بأنواع الآفات التي تصيبه، وهذا ممنوع منه، وهذا محروم منه، وهكذا، فالإنسان أحياناً من ضيق العيش وقلة المال يحزن ويسخط، لكن لو فكر كما قال أبو الدرداء: [الصحة الملك].
فتأمل الناس بالمستشفيات وغيرهم من أصحاب البلاء وأنواع الأمراض -ونحن في عافية- فترى أن نعمة الله عظيمة، فلذلك ينبغي دائماً حمد الله وأن يجعل الحمد كله لله.
قال جعفر بن محمد: فقد أبي بغلة له، فقال: "إن ردها الله عليَّ لأحمدنه بمحامد يرضاها، فما لبث أن أوتي بسرجها ولجامها، فركبها، فلما استوى عليها وضم إليه ثيابه رفع رأسه إلى السماء، فقال: الحمد لله، ولم يزد على ذلك، فقيل له: أنت قلت كذا وكذا، قال: هل تركتُ وأبقيتُ شيئاً، جعلت الحمد كله لله: الحمد لله".
стр. 3283
نسبة النعمة إلى المنعم
ومن الأشياء التي توصل العبد إلى أن يكون عبداً شكوراً: نسبة النعمة إلى المنعم، لأن كثيراً من الناس إذا سئل عن هذا، قال: هذا باجتهادي، فإذا سئل عن ماله؟ قال: هذا بذكائي، وإذا سئل عن براعته؟ قال: هذا بحذقي، هذا بتجربتي، هذا بخبرتي، ولا ينسب النعمة إلى الله، فإذا أردنا أن نكون من عباده الشاكرين يجب أن ننسب النعمة إلى الله، ونرد الأمر كله إليه.
قال محمد بن المنكدر لـ أبي حازم: يا أبا حازم! ما أكثر من يلقاني فيدعو لي بالخير، ما أعرفهم، وما صنعت إليهم خيراً قط، قال أبو حازم: لا تظن أن ذلك من قبلك ولكن انظر إلى الذي من قبله جاءت النعمة هذه -أن وضع لك المحبة في قلوب الناس- فاشكره، ثم قرأ عليه قول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾ [مريم:٩٦].
ومن هذا القبيل ما يقع إذا نزل المطر، قالوا: هذا بسبب النوء الفلاني، هذا بسبب النجم الفلاني، هذا بسبب الفصل الفلاني، فلم يذكروا الله، ولم ينسبوها إلى الله، والرسول ﷺ يقول في الحديث الصحيح: (ألم تروا ما قال ربكم؟ قال: ما أنعمت على عبادي من نعمةٍ إلا أصبح فريق منهم بها كافرين، يقولون: الكواكب وبالكواكب).
رواه أحمد ومسلم وغيرهما.
فإذاً من الأشياء التي توصلنا لأن نكون عباداً شاكرين أن ننسب النعمة إلى المنعم، فإذا جاء ذكرها قلنا: هذه من الله، قال الله : ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣].
وحمد الله على النعم له فضلٌ عظيم، وتأمل معي هذه الأحاديث: (ما أنعم الله على عبد نعمة فحمد الله عليها إلا كان ذلك الحمد أفضل من تلك النعمة) (ما أنعم الله على عبد من نعمة -زوجة، ولد، مال- فحمد الله عليها إلا كان ذلك الحمد أفضل من النعمة) حديث حسن.
وفي لفظ آخر: (ما أنعم الله تعالى على عبد نعمة فقال: الحمد لله إلا كان الذي أعطي أفضل مما أخذ).
ونعمة الله من الأموال والجاه الولد والزوجة والمناصب ونحو ذلك كلها نعم تستوجب الشكر والحمد.
وبعض الناس يقولون: نحن محرومون من النعم، مثلاً: شخص ليس عنده وظيفة جيدة، ليس عنده دخل جيد، محروم من أشياء من الدنيا، هل يحمد الله على هذا؟
الجواب
نعم.
يحمد الله على هذا.
قال بعض السلف: لنعم الله علينا فيما زوى عنا من الدنيا أفضل من نعمه علينا فيما بسط لنا منها.
أي: كوننا حرمنا من النعم؛ من التوسعات الدنيوية، هذه بحد ذاتها نعمة، وذلك أن الله لم يرض لنبيه الدنيا، كان يتكئ على رمل، سريره من الرمل، ما رضي من عمر لما ذكر له كسرى وقيصر وما هم فيه من النعيم، ورسول الله ﷺ على الرمل وقد تأثر جنبه، قال: (ألا ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟!).
فقال هذا الرجل من السلف: الأشياء التي حرمنا منها من الدنيا هذه نعمة لأن الله لم يرض لنبيه الدنيا، فأن أكون فيما رضي الله لنبيه- من قلة ذات اليد، وضيق العيش، وقلة المال- أحب إلي من أن أكون فيما كره له.
وقال ابن أبي الدنيا: بلغني عن بعض العلماء أنه قال: ينبغي للعالم أن يحمد الله على ما زوى عنه من شهوات الدنيا، كما يحمده على ما أعطاه، وأين يقع ما أعطاه الله والحساب يأتي عليه إلى ما عافاه الله ولم يبتله، يعني: لو أن الله أعطانا أموالاً كثيرة فإنه سيحاسبنا عليها، ويصبح حسابنا عسيراً، لأن الأموال كثيرة فننشغل بها عن طلب العلم وعن العبادة، نجمع الأموال ونحزن إذا نقصت، هذا الحرمان لبعض الأشياء من الدنيا هو بحد ذاته نعمة؛ لأنه ربما لو أعطانا إياها لانشغلنا عن عبادته وذكره، وانشغلنا عن طلب العلم، والدعوة إلى سبيله .
وجلس ابن عيينة مرة مع سفيان يتذاكران نعم الله عليهما من الليل إلى الصباح، كل واحد يقول: أنعم الله علينا بكذا، وأنعم الله علينا بكذا، وأنعم الله علينا بكذا، وهكذا.
ولذلك فنحن دائماً ينبغي أن نتحدث بالنعم ونكرر ذكرها، ونشكر الله عليها، والأشياء التي حرمنا منها نشكر الله أن كان هذا قدرنا، ونسأل الله المزيد من فضله، ونسأل الله العفو والعافية الدائمة، ونحذر أشد الحذر من أن نكون من الذين استدرجهم الله، فإن الله قال: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:١٨٢] ومعناها: أنه كلما أحدثوا ذنباً أحدث لهم نعمة، وهذا هو الاستدراج، فيستدرجهم من حيث لا يعلمون، فيظنون أنهم على خير وعلى طريق سوي وهكذا.
стр. 3284
شكر الله على النعم بالنعم نفسها
وكذلك من الأسباب التي توصل العبد إلى مرتبة العبد الشكور: أن يشكر الله بالنعم التي أعطاه الله إياها، أعطاك مالاً فاشكره بالمال، وتصدق منه، أعطاك جوارح فاشكره بالجوارح، قال رجل لـ أبي حازم: ما شكر العينين يا أبا حازم؟ قال: "إن رأيت بهما خيراً أعلنته، وإن رأيت بهما شراً سترته، قال: فما شكر الأذنين؟ قال: إن سمعت بهما خيراً وعيته، وإن سمعت بهما شراً دفعته، قال: فما شكر اليدين؟ قال: لا تأخذ بهما ما ليس لهما، ولا تمنع حقاً لله هو فيهما، قال: فما شكر البطن؟ قال: أن يكون أسفله طعاماً وأعلاه علماً، قال: فما شكر الفرج؟ قال: قال الله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون:٥ - ٧] ".
فبعض الناس يتصور أن الشكر فقط في اللسان، أن يقول: الحمد لله الحمد لله وينسى أن الأعضاء عليها واجبات من الشكر؛ لأننا ذكرنا في أول الحديث أن الشكر يكون بالقلب واللسان والجوارح، فبعض الناس يتصور أن الشكر فقط أن يقول: الحمد لله بلسانه، ثم لا يشكر الله بيديه، ولا بعينيه، ولا بأذنيه، ولا برجليه، فيمشي إلى الطاعات، إلى حلق العلم، يغيث ذا الحاجة الملهوف.
стр. 3285
سجود العبد لله شكراً عند تجدد النعمة
ومن الأسباب التي توصل العبد إلى منزلة العبد الشكور: أن يسجد العبد لله شكراً عند تجدد النعم، فقد جاء في الحديث الصحيح: (أنه ﷺ كان إذا جاءه أمر يسره خر لله ساجداً شكراً له .
إذاً هناك شيء مهم جداً في الموضوع ألا وهو سجود الشكر، فهو عبادة عظيمة تشترك فيها الأعضاء السبعة، ولما جاء إلى أبي بكر خبر قتل مسيلمة سجد لله شكراً، ولما عرف علي ﵁ أن ذا الثدية في جيش الخوارج قد وُجد مقتولاً دلالة على أن هؤلاء هم فعلاً الخوارج الذين أمر النبي ﷺ بقتالهم سجد لله شكراً.
وكذلك فإن سجود الشكر فيه تعبير عن حمد العبد لربه، فلو قال واحد: نحن دائماً نعيش في نعم؛ نحن لنا أعين وأبصار وآذان وأيدٍ وأرجل، نحن نتنفس، نحن لنا أصوات، وهناك من عنده سرطان في الحنجرة، هذا حباله الصوتية مشلولة، ونحن نتكلم، وهناك أناس لا يتكلمون، نحن نرفع أيدينا وهناك أناس لا يرفعون أيديهم، نحن نحرك الأصابع وهناك أناس أصابهم حادث فصاروا غير قادرين على تحريك بعض الأصابع؛ هذه كلها نعم، فهل يشرع أن نسجد دائماً؟
الجواب
لا.
لماذا؟ لأننا نتبع السنة؛ فالسنة السجود عند حدوث النعمة، تَجدد نِعمةٍ هذه التي نسجد لها لله، هذه هي السنة، فإن قال قائل: لماذا يشرع السجود عند النعمة المتجددة ولا يشرع السجود عند النعمة المستدامة؟ الجواب: لأن النعمة المتجددة تذكر بالنعمة المستدامة.
ثانياً: أن النعمة المتجددة تستدعي عبادة متجددة فلذلك كان سجود الشكر.
ثالثاً: إن وقوع النعمة وحدوثها يسبب للشخص نوعاً من فرح النفس وانبساطها فيجر إلى الأشرَ والبطر، افرض أن إنساناً جاءك، قال: لقد ربحتَ مائة ألف، ماذا يحصل في النفس؟ يحصل الفرح والانبساط، وهو ربما يجر إلى الأشر والبطر، فيأتي سجود الشكر لكي يطامن هذه النفس، ويظهر الذل والخضوع لرب العالمين، لأن السجود عبودية وذل وخضوع، فإذا جاءك خبر: ولد لك ولد فسجدت لله انقلب الأشر والبطر الذي يمكن أن يحدث إلى ذل وخضوع وعبودية، وهنا تظهر فائدة من فوائد سجود الشكر.
وأهل الجهل والبطر إذا جاءهم نعمة يصيحون صياحاً من الفرح، وكذلك فإنهم يقعون في أنواع من المعاصي، لكن المسلم إذا تجددت له نعمة سجد شاكراً لله رب العالمين، والإنسان المسلم لو وقعت به مصيبة فإن تذكره أن هذه المصيبة -وهذه نقطة ذكرناها قبل قليل- هي أخف من الأعظم منها يدفعه إلى حمد الله وشكره، حتى المريض والمبتلى، ولذلك دخل أحد السلف على مريض يعوده فإذا هو يئن، فقال له: اذكر المطروحين على الطريق، اذكر الذين لا مأوى لهم، ولا لهم من يخدمهم، وهكذا.
وقال عبد العزيز بن أبي رواد: رأيت في يد محمد بن واسع قرحة فكأنه رأى ما شق عليَّ منها - محمد بن واسع صاحب القرحة رأى أني تأثرت من منظر القرحة- فقال لي: أتدري ماذا لله عليَّ من هذه القرحة من نعمة؟ قال: لم يجعلها في حدقتي وعيني، ولم يجعلها في طرف لساني -أهون أنها صارت في يدي-.
ولذلك لا يوجد صاحب مصيبة تفكر في مصيبته إلا وجد أن فيها نوعاً من النعمة؛ أن الله ما قدر عليه مصيبة أكبر منها؛ فيحمد المؤمن الله على كل حال وعند تجدد الأحوال؛ ولذلك كان من الأدعية التي يقولها المسافر كما ورد في الحديث الصحيح: (سمع سامع بحمد الله ونعمه وحسن بلائه علينا، اللهم صاحبنا وأفضل علينا، عائذاً بالله من النار) هذا كان من قوله ﷺ في السفر، إذا أصبح يقول: (سمع سامع بحمد الله ونعمه وحسن بلائه علينا، اللهم صاحبنا) يعني: كن صاحباً لنا في السفر، وحامياً، وحافظاً: (اللهم صاحبنا وأفضل علينا -يعني: زدنا من فضلك أقول هذا حال كوني- عائذاً بالله من النار).
وكذلك قال بعض السلف: يا بن آدم! إن أردت أن تعرف قدر نعم الله عليك فأغمض عينيك لترى كيف يكون وضع الأعمى.
ونعم الله لا تعد ولا تحصى، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [النحل:١٨] ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان:٢٠] فقال السلف: النعم الظاهرة: الإسلام، والنعم الباطنة: أنه سترنا على المعاصي.
فنقارف المعاصي والله يسترنا وهذه من النعم.
وكان بعض السلف يقول: أنا الصغير الذي ربيتَه فلك الحمد، وأنا الضعيف الذي قويتَه فلك الحمد، وأنا الفقير الذي أغنيته فلك الحمد، وأنا الصعلوك الذي مولته فلك الحمد، وأنا العزب الذي زوجته فلك الحمد، وأنا الساغب الذي أشبعته فلك الحمد، وأنا العاري الذي كسوته فلك الحمد، وأنا المسافر الذي صاحبته فلك الحمد، وأنا الغائب الذي رددته فلك الحمد، وأنا الراجل الذي حملته -جعلت له دابة تحمله- فلك الحمد، وأنا المريض الذي شفيته فلك الحمد، وأنا الداعي الذي أجبته فلك الحمد، ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً.
وحقوق الله على عباده كثيرة جداً، وكلما زاد فقه العبد زاد شكره لله، وزاد استشعاره بتقصير نفسه، يتفكر في النعم فيجدها كثيرة، ويتفكر في عمله فيجد نفسه مقصراً جداً فيزداد طاعة لرب العالمين.
ومن أنواع شكر النعم ما ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى، قال: إن لله حقوقاً على العباد ينبغي القيام بشكره، فمنها: الأمر والنهي، والحلال والحرام.
فإذاأمر العبد بشيء فعليه أن يتبعه، وإذا نهاه عن شيء فعليه أن يجتنبه.
وبعض الناس يشكر الله باللسان فقط وينسى الجهاد، يقول ابن القيم: أما الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة لله ولرسوله ولعباده، ونصرة الله ورسوله ودينه وكتابه؛ فهذه الواجبات لا تخطر ببالهم -يعني: ببال المقصرين- فضلاً عن أن يريدوا فعلها، وقلَّ أن ترى منهم من يَحْمَرُّ وجهه ويمعره لله إذا انتهكت حرماته، ويبذل عرضه في نصرة دينه.
أي: أن بعض الناس يظنون فقط أننا نجتنب المحرمات؛ لا نزني، لا نسكر، لا نغتاب، لا نسرق، لا نقتل، لكن هؤلاء لا يحسبون حساب أن الله أمرهم بالجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، مع أن هذه الأشياء من أعظم الأمور المطلوبة من العبد.
стр. 3286
دعاء العبد بالمأثور عند رؤية مبتلى
كذلك من الأمور التي تدل على أن العبد عبد شكور: أنه إذا رأى مبتلى أن يحمد الله على العافية من هذا البلاء، قال ﷺ : (إذا رأى أحدكم مبتلىً فليقل: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به وفضلني عليك وعلى كثير ممن خلق تفضيلاً) وهذا الكلام يقوله سراً لا يجهر به حتى لا يؤذي الشخص إلا إذا كان بلاء الشخص فسقاً في دينه، فقال النووي ﵀: يجهر به؛ لعله يرتدع، أما إذا كان إنساناً مشلولاً أعمى كسيحاً به عاهة فليعمل بالحديث.
(إذا رأى أحدكم مبتلىً فليقل: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به وفضلني عليك وعلى كثير من عباده تفضيلاً) كان هذا الكلام شكر تلك النعمة التي أعطاك الله إياه وحرمها الرجل المبتلى، وهذا من وسائل شكر النعمة.
وكذلك من الوسائل التي يصل بها العبد إلى مرتبة العبد الشكور: العبادة؛ إذا نجاك الله من مكروه، أو دفع عنك شراً، وشاهِدنا على هذا حديث ابن عباس في البخاري: (أن النبي ﷺ لما قدم المدينة وجدهم يصومون يوماً -وهو يوم عاشوراء- فسألهم: فقالوا: هذا يوم عظيم نجى فيه الله موسى وأغرق آل فرعون فصام موسى شكراً لله، فقال: أنا أولى بموسى منهم فصامه وأمر بصيامه).
فإذا حدث لك أن نجاك الله من سوء ودفع عنك مكروباً، فمن شكر النعمة أن تعبده بصيامٍ، أو صلاة أو صدقة مقابل هذا الإنجاء الذي حصل.
стр. 3287
نظر العبد إلى من دونه في أمور الدنيا
من الأشياء التي يكون بها العبد عبداً شكوراً: أن ينظر إلى من دونه في الدنيا ولا ينظر إلى من فوقه فيها، قال ﷺ : (انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم).
أنت عندك بيت ضيق؛ حجرتان وصالة صغيرة ومطبخ صغير تأمل في حال الناس الذين أصاب بيوتهم زلزال فصاروا دون بيت بالكلية وأصبحوا في الشارع، كيف تجد نفسك؟ أنت عندك راتب يكفيك إلى آخر الشهر لا تستطيع أن توفر منه شيئاً، عليك أن تفكر في أهل المجاعة الذين ليس عندهم شيء أبداً فهم يموتون من الجوع.
يقولون: خرج أبٌ وزوجته وأولاده الستة من قرية في الصومال إلى قرية أخرى فوصل الأب وحده ومات الباقون في الطريق، كيف يكون إذاً؟ يا إخوة! نحن إذا رأينا الأحداث وسمعنا الأخبار ينبغي أن يتولد عندنا حمد لله، هذه نعم ليست سهلة.
стр. 3288
اعتناء العبد بالنعمة وحفاظه عليها
كذلك من كون العبد عبداً شكوراً: أن يعتني بالنعمة ويحافظ عليها، خصوصاً الأشياء التي فيها رفعة للدين، كما قال ﵊: (من أحسن الرمي ثم تركه فقد ترك نعمة من النعم) حديث صحيح، وفي رواية: (من ترك الرمي بعدما علمه رغبة عنه فإنها نعمة كَفَرَهَا).
فالذي يتعلم الرمي وهذا شيء يعين على الجهاد، وتعلم الرمي نعمة، إذا كان ترك التعلم والتدرب بين الآونة والأخرى رغبة عن هذا الشيء وليس بسبب ظروف قاهرة وإنما رغبة عن هذا الشيء فهي نعمة كفرها.
ومن الأمور المهمة جداً: عدم معصية الله عند حدوث النعمة، لأن كثيراً من الناس إذا جاءتهم النعمة عصوا الله، بعض الناس إذ جاءه نعمة صفق وصاح، وشعر بالنشوة والخيلاء، مع أنه من المفروض أن يتواضع ويسجد، ينزل إلى الأرض لله رب العالمين، قال ﷺ : (صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة: مزمارٌ عند نعمة، ورنة عند مصيبة) والرنة: صياح النائحة، وهذا الحديث حسن، وهذا من أدلة تحريم المعازف الذي يقول: ما حكم المزمار؟ المزمار حرام هذا منه، فيقول: (صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة: مزمار عند نعمة) شخص أنعم الله عليه بالزواج ويسره له؛ وجد مهراً، ورضي أهل الزوجة، وعمل زفافاً، بعد ذلك في هذا الزفاف بدلاً من أن يشكر نعمة الله ويحمده ويطيعه يأتي بفرقة موسيقية!! يأتي براقصات!! يأتي بمغنين!! يفجرون إلى الفجر ويضيعون الصلاة!! ويضيع العرس بلعب الورق، ويبذرون الأموال، ويلقون بالطعام في المزبلة، أهذا شكر نعمة أم كفر نعمة؟!! فما أكثر الكافرين بنعم الله في هذه الأيام!!!
стр. 3289
شكر الناس على إحسانهم
ومن الأشياء التي يكون بها العبد عبداً شكوراً: أن يشكر الناس على إحسانهم إليه، وشكر الناس على إحسانهم إليك من شكر الله، ومن وسائل شكر الله أن تشكر الناس المحسنين إليك، قال ﷺ : (من لا يشكر الناس لا يشكر الله)، وفي لفظ آخر صحيح أيضاً: (أشكر الناس لله أشكرهم للناس).
وقال ﵊: (من أعطي شيئاً فوجد عنده ما يقابل -الإحسان بالإحسان- فليجز به، ومن لم يجد فليثنِ به؛ فإن أثنى به فقد شكره، وإن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط فهو كلابس ثوبي زور).
ما معنى: (لا يشكر الله من لا يشكر الناس)؟ يعني: أن الله لا يقبل شكراً لعبدٍ على إحسانه إليه إذا كان العبد لا يشكر الناس بل يكفر إحسانهم إليه؛ لأن كلا الأمرين متصل بالآخر.
وقال بعض العلماء في شرح الحديث: (لا يشكر الله من لا يشكر الناس): أن مَنْ عادته وطبعه كفران إحسان الناس إليه، فإن من عادته وطبعه كفران نعمة الله عليه؛ وهذا مبني على رفع اسم الجلالة أو نصبه (لا يشكر اللهَ من لا يشكر الناس)، أو (لا يشكر اللهَُ من لا يشكر الناس)؟ كلاهما صحيح.
فأشكر الناس لله أشكرهم للناس، ولذلك جاء في الحديث: (من صنع إليه معروفٌ فقال لفاعله: جزاك الله خيراً فقد أبلغ في الثناء).
فإذا أحسن إلينا الخلق نشكرهم، وشكرنا لهم هو من شكرنا لله وداخل فيه، ولذلك قيل لـ سعيد بن جبير: "المجوسي يوليني خيراً أشكره؟ قال: نعم".
ولو كان كافراً، لكن لا يعني هذا أن تدعو له بالرحمة والمغفرة فإنه لا يغفر لهم ما داموا على الشرك، لكن تقول على الأقل: شكراً وإذا كان مسلماً تقول: جزاك الله خيراً، وإذا كان عندك ما تجزيه به فأعطه، مثلما أحسن إليك أحسن إليه، وإذا لم يكن عند شيء فأقل شيء أن تقول له: جزاك الله خيراً، وبعض الناس كما قلنا نفوسهم سيئة؛ فلا يشكرون الله ولا يشكرون الخلق، وبعض الناس يشكرون الخلق ولا يشكرون الله، والمسلم يشكر الله ثم يشكر الناس على إحسانهم إليه، لا تنس شكر الناس، كن صاحب فضل، عليك أن تشكره فإن شكرك له من شكرك لله: (لا يشكر الله من لا يشكر الناس) فتذكر هذا الحديث جيداً.
ومما يدل على فضل هذا: أن المهاجرين قالوا: (يا رسول الله! ذهبت الأنصار بالأجر كله، قال: لا.
ما دعوتم الله لهم وأثنيتم عليهم).
فإذا دعوتم الله لهم وأثنيتم عليهم فإنكم قد لحقتم بهم.
فهذه أيها الإخوة! عدد من الوسائل التي يكون بها العبد عبداً شكوراً.
ومقام الشكر مقام عظيم ينبغي دائماً أن نتذكره وأن نعيه جيداً، وأن يكون لسان الإنسان لاهجاً بذكر الله، وحمده، والثناء عليه بالقلب واللسان والجوارح.
стр. 3290
أبرز من تكلم في الشكر
ومن أبرز من تكلم في هذا الموضوع ابن القيم ﵀ في كتابه: عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين، وهو كتاب مهم في الموضوع، وابن أبي الدنيا له كتاب في الشكر مستقل، وابن القيم أخذ أكثر كلام ابن أبي الدنيا فأودعه في كتابه مع حذف الأسانيد، وتكلم ابن القيم ﵀ في مدارج السالكين عن مقام الشكر، وفي الفوائد له كلام، وفي طريق الهجرتين، وابن مفلح له كلام في الآداب الشرعية، وصاحب غذاء الألباب بشرح منظومة ابن عبد القوي، فالعلماء اعتنوا بهذه القضية وقد تتبعت عدد الألفاظ التي ورد فيها ذكر الشكر في القرآن فبلغت (واحداً وسبعين) موضعاً دلالة على أن قضية شكر الله من العبادات العظيمة التي لا يصح التفريط فيها.
فنسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الذاكرين الله كثيراً والشاكرين له سبحانه شكراً كثيراً، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد.
стр. 3291
الأسئلة
وفيما يلي سنجيب عن بعض الأسئلة الواردة في اللقاء الماضي.
стр. 3292
حكم اللعب بالجوكر
السؤال
والدي يتزاور مع كبار في السن مثله، ولكنه يلعب معهم (الجوكر) وعندما أخبرته أن هذا لا يجوز وأن فيه مضيعة للوقت، قال: نحن لا نغتاب أحداً، ولا نتكلم في أحد، ونؤدي الصلاة، فما رأيكم في ذلك؟
الجواب
إن هذا كله لا ينفي أن يكون هذا الفعل فعلاً محرماً، وقد نص أهل العلم في فتاويهم على تحريم اللعب بالورقة.
стр. 3293
حكم زيارة أهل البدع
السؤال
لي زميل ليس من أهل السنة يدعوني لزيارته، فهل أزوره؟
الجواب
لا.
زيارته فيها خطورة فابتعد عنه، وقد نهى السلف عن زيارة أهل البدع.
стр. 3294
حكم إفراد الإخوان في الله بزيارة مع وجود إخوان النسب بجوارهم وعدم زيارتهم
السؤال
لي بعض الإخوان من النسب وإخوان في الله بمدينة أبها، وأجد إخواني من النسب كل سنة مرة وأريد أن أزور إخواني في الله زيارة خاصة، فماذا أعقد النية؟
الجواب
إنك تزورهم لله وفي الله وتستحضر حالة الرجل الذي زار إخواناً له في الله.
стр. 3295
حكم الإعلام قبل الزيارة
السؤال
هل يجب في الزيارة إعلام الشخص مسبقاً بالهاتف؟
الجواب
هذا أحسن لكي يأخذ الأهبة والاستعداد.
следующие страницы →