← Джавами‘

Джавами‘ · id 7704

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (7 040 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

من أبرز العلماء المتأخرين الذين فقدتهم الأمة أيها المسلمون: ألا تلاحظون كيف يموت العلماء تترا ويذهبون، فذهب الإمام العالم الشيخ: عبد العزيز بن باز بعدما ذهب الشيخ: ابن غصون، وكذلك الأديب الواعظ الشيخ: علي الطنطاوي، ومن المشتغلين بالفقه الشيخ: مصطفى الزرقاء، ثم القاضي العالم: عطية سالم، والشيخ: مناع القطان من المؤلفين في علوم القرآن، ذهبوا في أشهر وجيزة جداً، وهكذا تتابع المصائب بموت أهل العلم. نسأل الله أن يجعلنا ممن أخلصوا له. ليس الخوف على من مات محسناً، إنما الخوف على الحي والله، أما المحسن فنرجو له عند ربه الكرامة، ولكن الخوف علينا ونحن لا ندري على أي شيء نموت، وعلى أي شيء تقبض أرواحنا، وهل سنتمكن من الشهادة أم لا، الخوف على الحي، والعبرة من ذهاب العلماء بأن يتحمس طلاب العلم للازديادة منه، فإنه لا بد من تعويض النقص الذي حصل في الأمة، ونسأل الله أن يخلف بخير. أيها الإخوة: إن من مات سواء كان عالماً معلماً، وداعيةً فقيهاً، وواعظاً مؤدباً، فنرجو له عند الله الحسنى، وأن يجزل له المثوبة والأجر. اللهم ارفع درجاتهم في جنات النعيم، واخلفهم في الغابرين.

стр. 3432

ماذا قالوا عند الموت؟! [٢] تحدث الشيخ في هذه المحاضرة عن الأسباب التي تؤدي إلى سوء الخاتمة، كما تعرض لذكر عدة صور ممن ختم لهم بخاتمة سيئة، فذكر قصة محبي الدنيا وقصص بعض الظلمة عند الموت، وكذلك قصص محبي الغناء ومحبي جلساء السوء.

стр. 3433

وقفات مع سوء الخاتمة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. عباد الله: أيها الإخوة! تحدثنا في الخطبة الماضية عن أقوال الصالحين عند الموت وبعض العبارات والأعمال التي قاموا بها عندما حضرتهم المنية وأقبلوا على الله، ومسلسل المنون يتتابع، ونذكر في هذه الخطبة الجانب المقابل في سوء الخاتمة وأقوال بعض من ختم فيه بالسوء عندما حضرتهم الوفاة. اعلموا -رحمكم الله- أن الصالحين يتخوفون من سوء الخاتمة، ويخشون أن يبدو لهم عند الموت ما لم يكونوا يحتسبون، وأنهم يوقنون أن الأعمال بالخواتيم، وأن العبد يبعث على ما مات عليه كما أخبر النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم.

стр. 3434

الإصرار على الكبائر سبب في سوء الخاتمة والخاتمة السيئة لا تكون لمن استقام ظاهره وصلح باطنه، وإنما تكون لمن كان له فساد في العقل وإصرار على الكبائر، وإقدام على العظائم، فربما غلب ذلك عليه حتى ينزل به الموت، فيختم لهؤلاء بخاتمة سيئة، وقد تبدو تلك الخاتمة من بعض من حضرهم الموت، ولهذا أسباب، فمن ذلك: فساد الاعتقاد؛ وهو أخطرها على الإطلاق، فيتكشف في حال السكرات بطلان ما اعتقده، ولهذا يقول تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧] ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [الكهف:١٠٥ - ١٠٤]. فخاتمة السوء تكون بسبب دسيسة باطن للعبد ربما لا يطلع عليها الناس، فتظهر عند وفاته، يظهر المخبوء، قال عبد العزيز بن أبي رواد ﵀: حضرت رجلاً عند الموت يلقن لا إله إلا الله، فقال في آخر ما قال: هو كافرٌ بها، ومات على ذلك، قال: فسألت عنه، فإذا هو مدمن خمر، فكان عبد العزيز يقول: اتقوا الذنوب فإنها هي التي أوقعته. إن الإصرار على المعاصي وهو سببٌ ثانٍ لسوء الخاتمة يجعل إلفها في قلب صاحبها، وإذا كان ميله إليها أكثر، حضرته عند الوفاة ربما فغلبت عليه فهلك، فهذه شهوة المعصية تصير حجاباً بين صاحبها وبين ربه، وتكون سبباً في شقائه في آخر عمره، ويعرف ذلك بمثال: وهو أن الإنسان لا شك أنه يرى في منامه من الأحوال التي ألفها طول عمره، حتى أن الذي قضى عمره في العلم يرى من الأحوال المتعلقة بالعلم والعلماء، والذي قضى عمره في الخياطة يرى من الأحوال المتعلقة بالخياطة، والذي اشتغل بالتجارة إدمانه عليها يومياً، وانشغاله بها يجعله يراها في نومه، وقد أخبر النبي ﷺ عن نوعٍ من أنواع الرؤى، أي: (رؤى الشيء يهمّ الرجل في نهاره، فيراه في نومه) والموت وإن كان فوق النوم، لكن سكراته وما يتقدمه من الغشيان قريب من النوم، فطول الإلف بالمعاصي يقتضي تذكرها عند الموت، وعودها في القلب، فإذا قبضت روح العاصي في تلك الحال، يختم له بالسوء حتى قال مجاهد ﵀: [ما من ميت يموت إلا مثل له جلساؤه الذين كان يجالسهم] فهذه خطورة اعتياد المعصية والإدمان عليها، وضعف الإيمان الذي يجعل الإنسان واقعاً في المعاصي.

стр. 3435

سوء الخاتمة على قسمين وسوء الخاتمة على رتبتين: إما أن يغلب على القلب عند سكرات الموت وظهور أهواله شكٌ، أو جحودٌ، فتقبض الروح على تلك الحال، فتكون حجاباً بينه وبين الله أبداً، وذلك يقتضي العذاب المخلد. والرتبة الثانية: أن يغلب على القلب عند الموت حب أمر من الأمور التي كان يقارفها صاحبها وهو حي، فتظهر عند وفاته، فربما تكون سبباً في عذابه، قال ابن كثير ﵀: والمقصود أن الذنوب والمعاصي والشهوات تخذل صاحبها عند الموت مع خذلان الشيطان له، فيجتمع له الخذلان مع ضعف الإيمان، فيقع في سوء الخاتمة، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً﴾ [الفرقان:٢٩].

стр. 3436

أمثلة من سوء الخاتمة وسوء الخاتمة لا يقع فيها من صلح ظاهره وباطنه مع الله، وصدق في أقواله وأعماله، فهذا لم يسمع به، وإنما يقع سوء الخاتمة لمن فسد باطنه اعتقاداً، وظاهره عملاً، ولمن له جرأة على الكبائر، وإقدام على الجرائم، وقد يظهر من المحتضر ما يدل على سوء خاتمته مثل: النكول عن نطق الشهادتين ورفض ذلك، والتحدث بالسيئات والمحرمات، وإظهار التعلق بها.

стр. 3437

فرعون وسوء خاتمته وإن من أمثلة سوء الخاتمة التي ذكرت لنا في القرآن العظيم ما حصل عند هلاك الطاغية فرعون، لما قاده الله بقدرته مع جنوده الكفرة لاتباع موسى وقومه، فدخلوا وراءهم في البحر بعدما هاب فرعون الدخول وهم بالرجوع، ولكن هيهات ولات حين مناص، نفذ القدر، واستجيبت الدعوة، ولم يملك من نفسه إلا الدخول، فتجلد لأمرائه، وأظهر الشدة والجرأة، وقال: ليس بنو إسرائيل بأحق بالبحر منا، فاقتحموا كلهم عن آخرهم، فلما توسطوا في البحر وتكاملوا فيه، أمر الله القدير البحر أن يرتطم عليهم، فلم ينج منهم أحد، فجعلت الأمواج ترفعهم وتخفضهم وتراكمت فوق فرعون، وغشيته سكرات الموت، فقال وهو على تلك الحال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٩٠] فآمن حيث لا ينفعه الإيمان، ولهذا قال الله: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:٩١] ولما شك بعض بني إسرائيل في موته، أمر الله البحر أن يلقيه جسداً سوياً بلا روح: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾ [يونس:٩٠] إذا نزل الموت، لا تفيد التوبة، إذا غرغر العبد أغلق باب التوبة: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ [يونس:٩٠ - ٩٢] وجعل جبريل ﵇ يدس من زبد البحر في فم فرعون مخافة أن تدركه رحمة الله تعالى، فلم يتمكن من الشهادة قبل نزول الموت، ولم يعرف التوحيد ويقر به، ويظهر ذلك عليه إلا بعد نزول الموت، فلم ينفعه ذلك.

стр. 3438

سوء خاتمة عضد الدولة وقد حدثتنا كتب التاريخ الإسلامية عن نماذج من الطواغيت، وماذا فعل الله بهم بعد تجبرهم، ومن ذلك الذي كان يسمى بـ عضد الدولة، ذكر ابن كثير ﵀ قصته في البداية والنهاية: خرج مرة إلى بستان له، فقال: أود لو جاء المطر، فنزل المطر -والله يمهل، وكانت فتنة لهذا الرجل- فنزل المطر، فأنشأ يقول: ليس شرب الراح إلا في المطر وغناءٌ من جوار في السحر غانيات سالبات للنهى ناعماتٌ في تضاعيف الوتر غناء ووتر وأوتار وأغاني. راقصات زاهرت مجلٌ رافلات في أفانين الحبر مطربات غنجاتٌ لحنٌ رافضات الهم آمال الفكر مبرزات الكأس من مطلعها مسقيات الخمر من فاق البشر عضد الدولة وابن ركنها مالك الأملاك غلاب القدر سهل الله إليه نصرهم في ملوك الأرض ما دام القمر وأراه الخير في أولاده ولباس الملك فيهم بل غرر قال ابن كثير ﵀: قبحه الله وقبح شعره وقبح أولاده، فإنه اجترأ في أبياته هذه، فلم يفلح بعدها، فيقال: إن بدأ أخذه كان حين قوله: غلاب القدر، أخذه الله فأهلكه، فتمثل عند موته بأبيات، وانظروا الفرق بين هذه الأبيات والتي قبلها، وفيها كلمة الرمق وهو التراب العالق في الماء: تمتع من الدنيا فإنك لا تبقى وخذ صفوها ما إن صفت ودع الرمقا ولا تأمنن الدهر إني أمنته فلم يبقِ لي حالاً ولم يرع لي حقا قتلت صناديد الرجال فلم أدع عدواً ولم أمهل على ظنه خلقا وأخليت دور الملك من كل بازلٍ وشتتهم غرباً ومزقتهم شرقا فلما بلغت النجم عزاً ورفعةً ودانت رقاب الخلق أجمع لي رقاً رماني الردى سهماً فأخمد جمرتي فهاأنا ذا في حفرتي عاجلاً ملقى فأفسدت دنياي وديني سفاهةً فمن ذا الذي مني بمصرعه أشقى فيا ليت شعري بعد موتي ما أرى إلى رحمة الله أم ناره ألقى فهكذا حصل من هذا الذي قال عن نفسه: مالك الأملاك غلاب القدر، قال: فهاأنا ذا في حفرتي عاجلاً ملقى، وجعل يكرر هذه الأبيات، ثم جعل يكرر قوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٨ - ٢٩] ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٨ - ٢٩] حتى مات. وهكذا كان لأصحاب السلطان وقفات عند الموت كما حصل لبعض الخلفاء لما احتضر، سمع غسالاً يغسل الثياب، فقال: ما هذا؟ قالوا: غسال، قال: يا ليتني كنت غسالا ً أكسب ما أعيش به يوماً بيوم ولم ألِ الخلافة، ثم قال: لعمري لقد عمرت في الملك برهةً ودانت لي الدنيا بوقع البواسلِ وأعطيت حمر المال والحكم والنهى ولي سلمت كل الملوك الجبابرِ فأضحى الذي قد كان مما يسرني كحل مضى في مزمنات الغوابرِ فيا ليتني لم أعنِ بالملك ليلةً ولم أسع في لذات عيش النواظرِ وقيل لبعض هؤلاء من أصحاب السلطان في مرض الموت: كيف تجدك؟ قال: أجدني كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام:٩٤].

стр. 3439

عبد الملك بن مروان وخاتمته قال سعيد بن عبد العزيز: لما احتضر عبد الملك، أمر بفتح أبواب قصره، فلما فتحت، سمع قصاراً بالوادي، فقال: ما هذا؟ قالوا: قصار! فقال: يا ليتني كنت قصاراً أعيش من عمل يدي، فلما بلغ سعيد بن المسيب قوله، قال: [الحمد لله الذي جعلهم عند موتهم يفرون إلينا، ولا نفر إليهم] ولما حضره الموت، جعل يندم ويندب، ويضرب بيده على رأسه ويقول: وددت أني اكتسبت قوتي يوماً بيوم، واشتغلت بعبادة ربي وطاعته، ولما حضرته الوفاة، دعا بنيه فوصاهم ثم قال: الحمد لله الذي لا يسأل أحداً من خلقه صغيراً أو كبيراً، ويروى أنه قال: ارفعوني، فرفعوه حتى شم الهواء، ثم قال: يا دنيا ما أطيبك! إن طويلك لقصير، وإن كثيرك لحقير، وإن كنا بك لفي غرور، ذكر القصة ابن كثير ﵀ في كتابه البداية. أينما بنوا من القصور خلوها والتحقوا بالقبور أينما غرسوا من الزرع تركوه وولوا حيث لا رجع ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾ [سبأ:٥٤]. ولما حضرت أحد السلاطين الوفاة، جعل يقول: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام:٤٤] وجعل يقول: لو علمت أن عمري قصير ما فعلت، وجعل يقول: ذهبت الحيل، فلا حيلة.

стр. 3440

سوء الخاتمة لأهل البدع والكفر وأما أهل البدعة، فإنه يحضرهم من السوء عند موتهم ما الله به عليم، وهذه قصة فيها عبرة لأحد هؤلاء الذي كان يسمى إسماعيل بن محمد بن أبي يزيد أبو هاشم الحميري الملقب بالسيد، كان من الشعراء المشهورين , ولكنه كان باطنياً خبيثاً، ومبتدعاً غثيثاً من أهل الرفض والكفر المحض، وكان ممن يشرب الخمر، ويقول بالرجعة -أي: بعد الموت سيكون رجوع إلى الدنيا، ثم موت ورجوع ثم موت ورجوع- وهكذا يعتقد هؤلاء، قال يوماً لرجلٍ من أهل السنة: أقرضني ديناراً ولك عندي مائة دينار إذا رجعنا إلى الدنيا، فقال له الرجل: إني أخشى أن تعود كلباً أو خنزيراً فيذهب ديناري، وكان قبَّحه الله يسب الصحابة في شعره، قال الأصمعي: ولولا ذلك ما قدمت عليه أحداً في طبقته، ولما حضرته الوفاة، اسود وجهه عند الموت، وأصابه كربٌ شديدٌ جداً، ولما مات، لم يدفنوه لسبه الصحابة ﵃، وهكذا يكون أهل الكفر وأهل البدعة عند الموت في أشنع موقف وأسوئه. نسأل الله السلامة والعافية، اللهم ثبتنا عند الممات، اللهم اجعل ميتتنا على الإيمان يا رحمن. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 3441

قصص مختصرة في سوء الخاتمة الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الحي الذي لا يموت، الحمد لله مالك الملك، الحمد لله ذي الجلال والإكرام، أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، هو الأول فليس قبله شيء، وهو الآخر فليس بعده شيء، وهو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء، ملك الخلق وخلقهم، مالك الملك، كل ملك زائل إلا ملكه ، وأشهد أن محمداً رسول الله الرحمة المهداة، البشير والنذير، والسراج المنير، صلى الله عليه وعلى آله وصبحه أجمعين.

стр. 3442

قصص بعض الظلمة ومحبي الدنيا عند الموت أيها الإخوة: لقد كان للظلمة مع الموت موعد، والله يمهل ولا يهمل، ولما قتل الحجاج سعيد بن جبير دعا عليه، فلم يلبث بعده إلا نحواً من أربعين يوماً، فكان إذا نام يراه في منامه آخذاً بمجامع ثوبه، يقول: يا عدو الله! لم قتلتني؟ فيقول: ما لي ولـ سعيد بن جبير؟ ما لي ولـ سعيد بن جبير؟ وهكذا أخبر بعض من حضر أنهم سمعوه يقول: ما لي ولـ سعيد بن جبير؟ عند وفاته، قبحه الله. وأما أصحاب الدنيا المنشغلون بالأموال، فإن للموت معهم موعداً أيضاً، فإن كانوا قد اشتغلوا بالمال عن عبادة الله، وألهتهم الدنيا عن طاعته، فإن سوء الخاتمة نذير شديد، قال ثابت البناني ﵀: كان رجلاً عاملاً للعمال، فجمع ماله، فجعله في سارية، فلما حضرته الوفاة، أمر به، فنثر بين يديه، فجعل يقول: يا ليتها كانت بعراً، يا ليتها كانت بعراً، يا ليتها كانت بعراً، وقيل لأحد المحتضرين: قل لا إله إلا الله، فجعل يقول: الدار الفلانية أصلحوا فيها كذا، والجنان الفلاني اعملوا فيها كذا. وذكر ابن القيم ﵀ عن أحد التجار أن أحد قرابته احتضر وهو عنده، فجعلوا يلقنونه لا إله إلا الله وهو يقول: هذه القطعة رخيصة، هذا مشترى جيد، حتى قضى نحبه. وسمع بعض المحتضرين عند احتضاره يلطم على وجهه ويقول: ﴿يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٦] قال أحدهم عند احتضاره: سخرت بي الدنيا حتى ذهبت أيامي.

стр. 3443

قصص محبي الغناء وجلساء السوء عند الموت قيل لأحد الناس عند موته: قل لا إله إلا الله، فقال: آهٍ آهٍ! لا أستطيع أن أقولها، وكان رجلٌ يجالس شراب الخمر، فلما حضرته الوفاة، جاءه إنسان يلقنه الشهادة، فقال له: اشرب واسقني، ثم مات. وذكر ابن القيم ﵀ أن رجلاً حضرته الوفاة، فقيل له: قل لا إله إلا الله، فجعل يهذي بالغناء، وقيل لأحد المحتضرين: قل لا إله إلا الله، فقال: وما يغني عني وما أعرف أني صليت لله صلاة، ولم يقلها. صحب رجل الأخيار فترة من الزمن، فصلح أمره، وظهر ذلك في مظهره وثوبه ولحيته، ولكن في يوم من الأيام صحب الأشرار لينفثوا سمومهم في عقله وقلبه، وليدعوه إلى كل شر ورذيلة، وليغرسوا في قلبه بغض الصالحين ومجالسهم، وأخرجوه معهم إلى رحلة برية، وفي أثناء الطريق انقلبت بهم السيارة وماتوا جميعاً، وحضر الناس ليشاهدوا الحادث، وإذا بهم يعرفون هذا الرجل بعد موته قد حلق لحيته التي أطلقها مدة من الزمن، وأسبل ثوبه الذي قصره فترة من الوقت، ووجدوا بجواره كأس الخمر بعد معاقرته لها، لقد مات وهو مخمور بها، ولقي الله وهو سكران. كم من دمعة قطرت على هذه الخاتمة السيئة؟ فهل من قلوب واعية وآذان صاغية؟ يقول أحد الأشخاص: في أثناء عملنا توقفت أنا وزميلي على جانب الطريق نتجاذب أطراف الحديث، وفجأة سمعنا صوت ارتطام قوي فأدرنا أبصارنا، فإذا بها سيارة مرتطمة بأخرى كانت قادمةً من الاتجاه المقابل، هببنا مسرعين إلى مكان الحادث لإنقاذ المصابين، حادث لا يكاد يوصف، شخصان في السيارة في حالة خطيرة، أخرجناهما من السيارة ووضعناهما ممدودين، أسرعنا لإخراج صاحب السيارة الثانية الذي وجدناه قد فارق الحياة، عدنا إلى الشخصين، فإذا هما في حال الاحتضار، هبَّ زميلي يلقنهم الشهادة، قولوا: لا إله إلا الله، لكن ألسنتهما ارتفعت بالغناء يرددان أغنية كانا يستمعان إليها قبل الحادث، أرهبني الموقف وهالني الأمر، وكان زميلي على عكسي يعرف أحوال الموتى، وأخذ يعيد عليهما الشهادة، فما استطاعا نطقها، بل أخذا يغنيان، ومن حضر من الناس يسمعهما ليشهدا عليهما يوم الفضائح، واستمرا على ذلك حتى ماتا، وما استطاعا أن ينطقا بلا إله إلا الله. قصص سوء الخاتمة لأهل الغناء كثيرة حتى أن بعضهم عند الغرغرة ربما لعن الدين وتبرأ من الصلاة.

стр. 3444

شاب توفاه الله وهو يقرأ القرآن يقول أحدهم في المقابل: حضرت إنساناً يحتضر في حادث سيارة، وحملناه معنا، وقمنا بالاتصال بالمستشفى، وجدناه شاباً في مقتبل العمر صاحب دين وتقوى، يبدو ذلك من مظهره، وقمنا بإسعافه وحملناه، وإذا بنا نسمعه يهمهم ولا نفقه ما يقول، أرخينا مسامعنا، فوجدناه يقرأ القرآن بصوت ندي كأنه ليس مصاباً، واستمر في قراءته، ثم رفع إصبعه السبابة يتشهد، وسكت الصوت بعد ذلك ليختمها بكلمة التوحيد، واتصل أحد الموظفين في المستشفى بمنزل المتوفى وكان المتحدث أخوه، قال عنه: إنه يذهب كل يوم اثنين لزيارة جدته وهي وحيدة في القرية، وكان يتفقد الأرامل والأيتام والمساكين، كانت القرية تعرفه، فهو يحضر لهم الكتب النافعة، والأشرطة الدينية، وكان يذهب وسيارته مملوءة بالأرز والسكر لتوزيعها على المحتاجين، وحتى حلوى الأطفال لم يكن ينساها، كان يرد على من يثنيه عن فعل الخير، ويقول: إنني أستفيد من طول الطريق بحفظ القرآن ومراجعته وسماع الأشرطة والمحاضرات، وهكذا كانت هذه الخاتمة الحسنة.

стр. 3445

خاتمة جونير جون أيها الناس: إن في الواقع لعبراً والله، وإننا حين نسمع الأخبار لا بد أن نربط بين الأحداث وبين ما جاء في القرآن والسنة، وأن نعتبر بما ورد، وهذا الهالك جونير جون كندي قامت أمريكا من أجل رجل فاجر خبيث رووا مغامراته في الفسق والفجور حتى بعد موته؛ مع كبار المومسات والمغنيات الفاجرات، والممثلات الساقطات، والعارضات السافلات، ماذا كانت نهايته؟ كيف سقطت طائرته تهوي؟ لقد خر هذا المشرك بالله من السماء، فتخطفه السمك وهوت به طائرته في البحر العميق في مكان سحيق، أخرجوه فأحرقوه، أليس خذلاناً، أنفقوا من أجل البحث عنه أموالاً طائلةً، ثم أخرجوه وأحرقوه، وفي البحر ذروه والله قادر على جمعه، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى:٢٩] أنفقوا عليه لإخراجه وإحراقه، الحمد لله الذي جعل في الإسلام تكريماً للمسلم في دفنه، وجعل الأرض كفاتاً على ظهرها نعيش، وفي باطنها المستودع والبيت، وإلى الله المرجع والمصير، والعبرة بالنهاية، والأعمال بالخواتيم. اللهم اجعل خير أعمالنا خواتمها، وأحسن أعمالنا آخرها يا رب العالمين، اللهم أحينا مسلمين، وأمتنا مؤمنين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين، اللهم أحينا بالتقوى، وارزقنا التمسك بالعروة الوثقى. اللهم أحي قلوبنا بذكرك، اللهم أحي قلوبنا بذكرك، اللهم لا تجعلنا من الغافلين، اللهم ردنا إلى الحق رداً جميلاً، وارزقنا فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين، إذا أردت بعبادك فتنة، فاقبضنا إليك غير مفتونين، اللهم آمنا في ديارنا وأوطاننا، واجعل بلدنا هذا بلداً آمنا مطمئناً وسائر بلاد المسلمين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 3446

ماذا نستفيد من الجيل الفريد الصحابة هم الجيل الفريد الذي لم يأت مثله قبله، ولن يأتي مثله بعده، ومجالات الاستفادة منهم كثيرة جداً، وقد قام الشيخ بذكر مقدمة عن هذا الجيل، فتحدث عن تعريف الصحابة، ووضح عدد الرواة والمفتين من الصحابة، بالإضافة إلى نبذة عن فضلهم في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ ، كما بين عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة وأقوال العلماء فيهم ﵃. أما بالنسبة للمجالات التي يتم الاستفادة فيها من هذا الجيل فهي كثيرة جداً.

стр. 3447

مقدمة عن الصحابة رضوان الله عليهم الحمد لله معز من أطاعه، ومذل من عصاه، أشهد أن لا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وسبحان الله والحمد لله، وصلى الله وسلم على الرحمة المهداة، والسراج المنير، والبشير والنذير؛ محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه. إخواني في الله: هذه تحيةٌ في هذه الليلة في هذا البيت من بيوت الله، نسأل الله أن يشملنا برحمته، وأن ينزل علينا سكينةً من عنده، وأن يجعل ملائكته تغشانا، وأن يجعل دار الخلد مثوانا إنه سميعٌ مجيبٌ. أيها الإخوة: عنوان هذا الدرس" ماذا نستفيد من الجيل الفريد؟ " والمقصود بالجيل الفريد هم: صحابة الرسول ﷺ . والله تعالى لما جعل النبي محمداً ﵊ أفضل الأنبياء، جعل حواريه أفضل الصحابة، وأفضل الحواريين من بين صحابة الأنبياء جميعاً. فاختارهم لصحبة نبيه ﷺ ، وحمل دينه وشرعه، والجهاد مع رسوله، فنشروا الإسلام في الآفاق. هذا الجيل الفريد، وقلت (الفريد)؛ لأنه لن يتكرر في البشرية مثله على الإطلاق، ولم يأتِ قبله مثله، ولم يأتِ بعده مثله أبداً. إنه جيلٌ فريدٌ اصطفاهم الله تعالى، وهذه معلوماتٌ عن الصحابة في سطور قبل أن نشرع في تبيان العنوان والشروع في المقصود.

стр. 3448

تعريف الصحابي الصحابي: من صحب النبي ﷺ ، أو رآه ولو ساعةً من نهار، فهو من أصحاب النبي ﷺ . قال علي بن المديني: الصحابي من لقي النبي ﷺ مؤمناً به ومات على الإسلام، فيدخل في ذلك من لقيه ممن طالت مجالسته له أو قصرت، ومن روى عنه أو لم يروِ، ومن غزا معه أو لم يغزُ، ومن رآه رؤيةً ولو لم يجالسه، ومن لم يره لعارض العمى وكان مؤمناً به، يدخل فيها كل مكلفٍ من الجن والإنس، ويدخل فيه من ارتد وعاد إلى الإسلام قبل أن يموت سواء اجتمع به ﷺ مرةً أخرى، أم لم يجتمع، وهذا هو الصحيح المعتمد عند الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني ﵀. قبض رسول الله ﷺ عن مائة وأربعة عشر ألفاً من الصحابة، وجملة الصحابة يبلغون مائة وعشرين ألفاً. قال ذلك: أبو زرعة الرازي. مات في المدينة من الصحابة نحو عشرة آلاف، وباقيهم تفرق في البلدان. نقل ذلك عن مالك بن أنس الأصبحي. نزل في الكوفة من الصحابة ألفٌ وخمسون منهم أربعة وعشرون بدريون، وقدم حمص من الصحابة خمسمائة رجل. وهذا القول لـ قتادة بن دعامة السدوسي.

стр. 3449

عدد الرواة من الصحابة الرواة عن النبي ﷺ ألفٌ وخمسمائة. هذا قول الحافظ الذهبي. والذين روى عنهم الإمام أحمد مع كثرة روايته واطلاعه واتساع رحلته وإمامته من الصحابة تسعمائةٍ وسبعة وثلاثون نفساً، ووضع في الكتب الستة من الزيادات على ذلك ما يقارب من ثلاثمائة صحابي أيضاً. الحافظ إسماعيل أبي الفداء ابن كثير رحمه الله تعالى.

стр. 3450

الصحابة في الفتوى أكثر الصحابة فتوى مطلقاً سبعة: عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وعائشة رضوان الله عليهم. ورد ذلك عن ابن حزم، وقال: يمكن أن يجمع من فتيا كل واحد من هؤلاء مجلدٌ ضخم، ويليهم عشرون في الفتوى هم: أبو بكر، وعثمان، وأبو موسى، ومعاذ، وسعد بن أبي وقاص، وأبو هريرة، وأنس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وسلمان، وجابر، وأبو سعيد، وطلحة، والزبير، وأم سلمة، يمكن جمع من فتيا كل واحدٍ منهم جزءاً صغيراً. قال: وفي الصحابة نحو من مائة وعشرين نفساً مقلون في الفتيا جداً، لا يروى عن الواحد منهم إلا المسألة والمسألتان والثلاث، يمكن أن يجمع من فتوى جميعهم جزءٌ صغيرٌ بعد البحث؛ كـ أبي بن كعب، وأبي الدرداء، وأبي طلحة، والمقداد، وغيرهم.

стр. 3451

فضل الصحابة في الكتاب والسنة ما هو فضلهم في الكتاب والسنة، حتى نعرف قيمة الصحابة؟

стр. 3452

فضل الصحابة في القرآن قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٢] تتكلم هذه الآية عن قسمين. من هم؟ إنهم المهاجرون والأنصار الموصوفون في الآية الأولى من هذه الآيات في الصفات الثلاث وهي: الإيمان، والهجرة، والجهاد: هم المهاجرون الأولون الذين تركوا ديارهم وأموالهم وأولادهم إيثاراً لله ولرسوله من أجل إعلاء كلمة الله، وإظهار دين الإسلام على سائر الأديان. والموصوفون في الآية نفسها بالإيواء والنصرة هم الأنصار الذين هم الأوس والخزرج، فإنهم آووا الرسول ﷺ وأصحابه المهاجرين في منازلهم، ونصروا نبي الله ﷺ بمقاتلة أعداء الدين، ثم بين الله تعالى الولاء والتلاحم الثابت بين المهاجرين والأنصار بقوله: ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٢] في النصرة والمساعدة، وهذا مما يؤكد قطع الموالاة بينهم وبين الكفار، وقال عن أصحاب نبيه ﷺ : ﴿﵃﴾ [التوبة:١٠٠] رغماً عن أنوف الحاقدين: ﴿وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١٠٠] فهذه الآية اشتملت على أبلغ الثناء من الله رب العالمين على السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، حيث أخبر الله تعالى أنه رضي عنهم، ويكفيهم فخراً وأجراً أن الله رضي عنهم. وقال : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ [النور:٥٥] وهذه تشمل الإيمان، والعمل الصالح، والخلافة، وإقامة الدعوة؛ والإيمان والعمل الصالح في الآية يشمل الخلافة وإقامة الدعوة، ويقول ابن تيمية ﵀: ومن المعلوم أن هذه النعوت منطبقة على الصحابة في زمن أبي بكر وعمر وعثمان، فإنه إذ ذاك حصل الاستخلاف، وتمكن الدين بعد الخوف، لما قهروا فارس والروم، وفتحوا الشام والعراق ومصر وخراسان وأفريقيا إلى آخر كلامه ﵀. وصفهم الله بوصفٍ جميلٍ في آخر سورة الفتح، فقال : ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩] فقوله: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩] هي التي استدل بها الإمام مالك ﵀ على أن الذين يبغضون الصحابة لا حظ لهم في الفيء، وأن من أبغضهم كافر، ومن غاظه الصحابة فهو كافر: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩]. هذه الصورة العظيمة التي تبين العلاقة بينهم: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ ُ) [الفتح:٢٩] وتبين عبادتهم، والعلاقة، والتربية، وكيف نشئوا نشأةً قويةً، وأنهم باستمرار الزمن زادت عبادتهم وأعمالهم مثل: النبتة الصغيرة مع الزمن وتعاهدها بالسقيا تصبح شجرة كبيرة متجذرة في الأرض، وافرة الظلال، كثيرة الأغصان، متشابكة الجذوع: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ [الفتح:٢٩] وكل واحد يهديه الله إلى الدين، فيتعاهد نفسه بالإيمان، والعمل الصالح، ومجالس الذكر، وأصحاب الخير؛ فإن إيمانه يزداد ويقوى حتى يصبح شجرة قوية، ومرور الوقت في صالحه، وعمره خيرٌ له.

стр. 3453

وصف الصحابة في السنة النبوية قال أبو موسى رضي الله تعالى عنه: (صلينا المغرب مع رسول الله ﷺ ، ثم قلنا: لو جلسنا حتى نصلي معه العشاء) -مثلما أنتم الآن جالسون أيها الإخوة، فلا تنسوا النية بانتظار الصلاة القادمة؛ لأن من قعد ينتظر الصلاة، فهو في صلاة- فالصحابة صلوا مع النبي ﵊ صلاة المغرب- (ثم قلنا: لو جلسنا حتى نصلي معه العشاء، قال: فجلسنا، فخرج علينا، فقال: ما زلتم هاهنا -من المغرب- قلنا: يا رسول الله! صلينا معك المغرب، ثم قلنا: نجلس حتى نصلي معك العشاء، قال: أحسنتم -أو أصبتم- فرفع رأسه إلى السماء، وكان كثيراً ما يرفع رأسه إلى السماء، فقال: النجوم أمنةٌ للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنةٌ لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنةٌ لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون) رواه مسلم. قال النووي ﵀: معنى الحديث: أن النجوم ما دامت باقية في السماء، فالسماء باقية، فإذا انكدرت النجوم وتناثرت يوم القيامة وهنت السماء، فانفطرت وانشقت وذهبت، وقوله ﷺ : (وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون) أي: من الفتن والحروب، وارتداد الأعراب، واختلاف القلوب ونحو ذلك، وقوله ﵊: (وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون) معناه: ما يوعدون من ظهور البدع والحوادث في الدين والفتن، وطلوع قرن الشيطان، وظهور الروم، وانتهاك المدينة ومكة وغير ذلك، وهذه كلها من معجزاته ﷺ . فإذاً: الآن انظروا ماذا حصل من النقص لما ذهب الصحابة، والأمة في نقصٍ بعد ذهابهم ولا تزال يزداد نقصها. هؤلاء الصحابة هم الأمة الوسط: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ [البقرة:١٤٣] وهم على رأس الشهود الذين يشهدون لكل نبي على أمته، هل جاءكم نذير؟ يقولون: لا. ما جاءنا النذير: (يقال للنبي: هل بلغت؟ فيقول: نعم. فيقال: من شهودك؟ -يا نوح من شهودك؟! يا شعيب من شهودك؟! يا إبراهيم! يا عيسى! يا موسى؟! فيقول: محمدٌ وأمته، فيجاء بكم فتشهدون، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة:١٤٣]) اعدلوا لتكونوا شهداء على الناس والحديث في صحيح البخاري. كل الصحابة عدول وأثبات: ولذلك ما بحث أهل الجرح والتعديل في حال الصحابة، ولا يوجد في كتب الجرح والتعديل الصحابي هذا ثقة، وهذا ثقةٌ ثبتٌ، أو هذا صدوق، أو هذا لا بأس به، أو هذا ضعيف، فكلهم ثقات لا مجال للبحث فيهم في مسألة الجرح والتعديل، لأن الله عدلهم، وما دام الله عدلهم، فمن بعد ذلك يبحث في تعديلهم؟! المسألة منتهية، لكن النظر فيمن بعدهم، فالذين مات النبي ﵊ وهم باقون على العهد وماتوا على العهد هؤلاء كلهم أخيار. ولذلك لما جاء في الحديث أن عائد بن عمر وكان من أصحاب النبي ﷺ دخل على عبيد الله بن زياد الأمير، فقال: (أي بني -ينصحه- إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن شر الرعاء الحطمة. فإياك أن تكون منهم) -تقسوا على الرعية، وتشتد على الرعية، وتحطم الرعية، وتكلف الرعية ما لا يطيقون، إياك أن تكون من الرعاء هؤلاء الحطمة الذين يحطمون الرعية- (فقال له: اجلس، فإنما أنت من نخالة أصحاب محمد ﷺ ، فقال الصحابي: وهل كانت لهم نخالة، إنما كانت النخالة بعدهم وفي غيرهم) كلهم أخيار لا يوجد فيهم نخالة، فالنخالة بعدهم، والحديث في الصحيح.

стр. 3454

العلماء الجهابذة وعقيدتهم في الصحابة ماذا قال العلماء في شأن الصحابة؟ نحن نعلم أن الكلام في الصحابة حدث، وأن الطعون عليهم من أعداء الله قام سوقها، وأن التشكيك فيهم قد حصل، فنحن نحتاج إلى أن نقاوم بكلام مضاد نثبت به فضلهم ومكانتهم في الدين.

стр. 3455

الحسن البصري يصف الصحابة قال الحسن البصري ﵀ وقد سأله بعض الناس: [أخبرنا عن صفة أصحاب رسول الله ﷺ ؟ فبكى ثم قال: ظهرت منهم علامات الخير في السيماء والسمت والهدي والصدق، وخشونة ملابسهم بالاقتصاد، وممشاهم بالتواضع، ومنطقهم بالعمل، ومطعمهم ومشربهم بالطيب من الرزق، وخضوعهم بالطاعة لربهم تعالى، واستقادتهم للحق فيما أحبوا وكرهوا، وعطاؤهم الحق من أنفسهم، ظمئت هواجرهم، ونحلت أجسامهم، واستخفوا بسخط المخلوقين في رضا الخالق، لم يفرطوا في غضب، ولم يحيفوا، ولم يجاوزوا حكم الله تعالى في القرآن، شغلوا الألسن بالذكر، بذلوا دماءهم حين استنصرهم، وبذلوا أموالهم حين استقرضهم، ولم يمنعهم خوفهم من المخلوقين، حسنت أخلاقهم، وهانت مئونتهم، وكفاهم اليسير من دنياهم إلى آخرتهم].

стр. 3456

أيوب السختياني وعقيدته في الصحابة وقال أيوب السختياني ﵀: من أحب أبا بكر فقد أقام الدين، ومن أحب عمر فقد أوضح السبيل، ومن أحب عثمان فقد استنار بنور الله، ومن أحب علياً فقد استمسك بالعروة الوثقى، ومن قال الحسنى في أصحاب رسول الله ﷺ فقد برئ من النفاق.

стр. 3457

قول الطحاوي في الصحابة وقال الطحاوي ﵀ في عقيدته المشهورة: ونحب أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا نفرط في حب أحدٍ منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دينٌ وإيمانٌ وإحسانٌ، وبغضهم كفرٌ ونفاقٌ وطغيانٌ. أما شارح الطحاوية فقد قال: فمن أضل ممن يكون في قلبه غلٌ على خيار المؤمنين وسادات أولياء الله تعالى بعد النبيين، بل قد فَضَلهم اليهود والنصارى بخصلة -الذي يسب الصحابة كان اليهود والنصارى أفضل منهم بخصلة- قيل لليهود: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب موسى. وقيل للنصارى: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب عيسى. وقيل لأهل الرفض: من شر أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب محمد ﷺ ، ولم يستثنوا منهم إلا القليل.

стр. 3458

قول الإمام أحمد بن حنبل في الصحابة وقال الإمام أحمد ﵀: ومن السنة الواضحة الثابتة البينة المعروفة ذكر محاسن أصحاب رسول الله ﷺ أجمعين، والكف عن ذكر ما شجر بينهم، فمن سب أصحاب رسول الله ﷺ ، أو أحداً منهم، أو تنقصهم، أو طعن فيهم، أو عرض بعيبهم، أو عاب أحداً منهم، فهو مبتدعٌ خبيثٌ مخالفٌ لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً، بل حبهم سنة، والدعاء لهم قربة، والاقتداء بهم وسيلة، والأخذ بآثارهم فضيلة، وخير هذه الأمة بعد النبي ﷺ أبو بكر، وعمر بعد أبي بكر، وعثمان بعد عمر، وعلي بعد عثمان، وهم خلفاء راشدون مهديون، لا يجوز لأحد أن يذكر شيئاً من مساويهم، ولا يطعن على أحد منهم بعيب ولا نقص، ومن فعل ذلك فقد وجب على السلطان تأديبه وعقوبته، وليس له أن يعفو عنه، بل يعاقبه ويستتيبه، فإن تاب قبل منه، وإن ثبت أعاد عليه العقوبة وخلده في الحبس حتى يموت أو يرجع، وما صح فيما جرى بينهم من خلاف، فهم فيه مجتهدون، إما مصيبون ولهم أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، وإما مخطئون ولهم أجر الاجتهاد وخطؤهم مغفور، لكن ما أكثر صوابهم بالنسبة لصواب غيرهم، وما أقل خطأهم إذا نسب إلى أخطاء غيرهم، ولهم من الله المغفرة والرضوان ﵃.

стр. 3459

قول أبي زرعة في الصحابة قال أبو زرعة الرازي: إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ ، فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول ﷺ عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله ﷺ ، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة.

стр. 3460

ابن القيم ووصفه للصحابة وقال ابن القيم ﵀ في وصفهم: أفقه الأمة، وأبرها وأعمقهم علماً، وأقلهم تكلفاً، وأصحهم قصوداً، وأكملهم فطرةً، وأتمهم إدراكاً، وأصفاهم أذهاناً، الذين شاهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل، وفهموا مقاصد الرسول، وإن أحداً ممن بعدهم لا يساويهم في رأيهم، وكيف يساويهم؟ وقد كان أحدهم يرى الرأي فينزل القرآن بموافقته؟ عمر وافق ربه في مواضع، وأبو أيوب الأنصاري ذكر كلمة فنزلت كما هي في القرآن. قال عمر: [عسى ربه يبدله خيراً منكن] فنزل قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ﴾ [التحريم:٥] فنزلت بنصها في القرآن. وأبو أيوب قال: [سبحانك هذا بهتان عظيم] فنزلت كما هي في القرآن، وقد كان أحدهم يرى الرأي، فينزل القرآن بموافقته، وحقيقٌ لمن كانت آراؤهم بهذه المنزلة أن يكون رأيهم لنا خيراً من رأينا لأنفسنا. اهـ

стр. 3461

الصحابة وسبب قوة إيمانهم من أسباب عظم إيمان الصحابة: أنهم رأوا المعجزات، فهم عايشوا نزول الوحي، فتحدث القضية هنا وينزل الوحي هنا مباشرة وبالتفاصيل، بل إن واحداً من الصحابة اشتهى أن ينظر إلى النبي ﵊ عند نزول الوحي، فسأل عمر، فلما نزل الوحي، دعاه عمر، وقال له: تعال، وكشف الغطاء، فإذا بالنبي ﷺ له غطيط كغطيط البَكر -أي: صوت مثل صوت الإبل، مثل: صوت النائم- تعلوه الرحضاء، يحمر وجهه ﷺ ، ويعرق حتى في الشتاء، أراه صفة النبي ﵊ عند نزول الوحي. وكادت فخذ بعضهم أن ترض، كان الصحابي يحس بثقل الوحي، كانت فخذ الصحابي تحت فخذ النبي ﵊، وينزل الوحي والوحي ثقيل، وتكاد فخذ الصحابي أن ترض. سمعوا خبر الجن بالبشارة به قبل بعثته، وأهل الكتاب، وسمعوا كلام الذئب عنه، وعاينوا نزول الوحي عليه، ورأوا خاتم النبوة بين كتفيه، وأخبرهم بأمور من الغيب، فرأوا تحققها عياناً، ورأوا استجابة دعائه، وشموا رائحة الطيب من عرقه، وعاينوا مس يده الشريفة ليناً وبرودةً، وشربوا من مكان شربته في الإناء شراباً أحلى من العسل، وأطيب من المسك، وشاهدوا تكثير الطعام، وسمعوا تسبيحه وهو يأكله بين يديه، ورأوا الماء ينبع من بين كفيه، وحنين الجذع إليه، والتئام الشجر عليه، وشكوى البعير دامعةً عينه إليه، وتسابق نوق الهدي إليه للنحر، وإخبار الذراع بما فيه من السم، كل هذا رأوه، فلماذا لا يكون إيمانهم في المرتبة العالية؟ ولماذا لا يكون فضلهم في المنزلة العليا والعظمى؟ ولماذا لا يكون قولهم حجة من الحجج الظاهرة؟ وتكون استنباطاتهم آية من آيات الله الباهرة؟ فهم كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس: (ولو أن أحداً أنفق مثل أحدٍ ذهباً، ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه).

стр. 3462

الصحابة فتحت لهم الأمصار فتحت لأجلهم البلدان، وسلم أهل الأمصار مفاتيح أمصارهم إليهم بفضلهم وإيمانهم، وقد قال النبي ﷺ : (يأتي زمانٌ يغزو فئام من الناس، فيقال: فيكم من صحب النبي ﷺ ؟ فيقال: نعم. فيفتح عليه، ثم يأتي زمانٌ، فيقال: فيكم من صحب أصحاب النبي ﷺ ؟ فيقال: نعم، فيفتح، ثم يأتي زمانٌ، فيقال: فيكم من صحب صاحب أصحاب النبي ﷺ ؟ فيقال: نعم. فيفتح) رواه البخاري. ولذلك قال ﵊: (لا تزالون بخيرٍ ما دام فيكم من رآني وصاحبني، والله لا تزالون بخيرٍ مادام فيكم من رأى من رآني وصاحبني) أخرجه ابن أبي شيبة وحسنه في الفتح، هذا معنى حديث: (خير الناس قرني الحديث). فتحت الأمصار، وكانت تسلم إليهم؛ لأنهم صحابة، بعض الأمصار سلمت إليهم بالمفتاح؛ لأنهم صحابة، مكانتهم عند الله عظيمة جماعات وفرادى، وقد عرفنا بعض ما نزل في القرآن بشأنهم.

стр. 3463

فضائل لبعض الصحابة دون غيرهم وأما عن أفرادهم، فنأخذ مثالين من فضلهم عند الله.

стр. 3464

منزلة عبد الله بن حرام قال طلحة بن خراش: سمعت جابر بن عبد الله يقول: (لقيني رسول الله ﷺ ، فقال لي: يا جابر! ما لي أراك منكسراً؟ قلت: يا رسول الله! استشهد أبي، قتل يوم أحد وترك عيالاً وديناً، قال: أفلا أبشرك بما لقي الله به أباك؟ قال: قلت: بلى يا رسول الله. قال: ما كلم الله أحداً قط إلا من وراء حجاب، وأحيا أباك فكلمه كفاحاً، فقال: يا عبدي! تمنَّ عليَّ أعطك، قال: يا رب! تحييني فأقتل فيك ثانية، فقال : إنه قد سبق مني أنهم إليها لا يرجعون، وأنزلت هذه الآية: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ [آل عمران:١٦٩ - ١٧١]) فهذا والد جابر أحياه الله، وقام أمام الله وكلمه كفاحاً، وقال: يا عبدي! تمنَّ عليَّ أعطك. كرامة، والحديث رواه الترمذي وحسنه وهو في صحيح البخاري.

стр. 3465

أبي بن كعب سيد القراء مثال آخر: عن أنس بن مالك ﵁ وأرضاه، قال: قال النبي ﷺ لـ أبي -لاحظوا يا إخوة، وفكروا بالحديث- (إن الله أمرني أن أقرأ عليك) والنبي ﵊ يقول عن أبي: (أقرؤهم أبي) (إن الله أمرني أن أقرأ عليك: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البينة:١] قال أبي: وسماني؟ قال: نعم. فبكى ﵁. وفي رواية قال النبي ﷺ لـ أبي بن كعب: (إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن، قال: آلله سماني لك؟ قال: نعم. قال: وقد ذكرت عند رب العالمين؟ قال: نعم. فذرفت عيناه) قوله: سماني، يعني: هل نص عليَّ باسمي، أو قال: اقرأ على واحد من أصحابك فاخترتني أنا، قال: الله سماك، الله قال: أبي، فبكى فرحاً وسروراً وخشوعاً وخوفاً من التقصير في شكر تلك النعمة، والحديث في الصحيح وهؤلاء الصحابة نماذج.

стр. 3466

الصحابة والخلافة ومن جوانب العظمة أن النبي ﵊ توفي عن عدد من الصحابة كلهم يصلح للخلافة، فالرسول ﷺ ربى أعداداً من الصحابة كل واحد يصلح أن يكون خليفة، تخرج من مدرسته ﷺ ذهب نقي، كُمَّل في أنفسهم، ويكمل بعضهم بعضاً، وتخصصوا في الجوانب، وهذا نستفيد منه في الواقع. عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : (أرحم أمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياءً عثمان، وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ألا وإن لكل أمة أميناً، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح) رواه الترمذي وقال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقال: (ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء أصدق من أبي ذر) رواه الترمذي وقال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ وهو في صحيح الجامع. وعن علقمة، قال: [قدمت الشام فصليت ركعتين، ثم قلت: اللهم يسر لي جليساً صالحاً، فأتيت قوماً، فجلست إليهم، فإذا شيخٌ قد جاء حتى جلس إلى جنبي، قلت: من هذا؟ فقالوا: أبو الدرداء، فقلت: إني دعوت الله أن ييسر لي جليساً صالحاً، فيسرك لي، قال: ممن أنت؟ قلت: من أهل الكوفة. قال: أوليس عندكم ابن أم عبد صاحب النعلين -لأنه كان يحمل نعلي النبي ﷺ ويتعاهد ذلك باستمرار- والوساد؟] وذكر ابن حجر في الشرح، فقال: وورد برواية: (السواد) وهي أوجه، والسواد يعني: السرب، ميزة لـ ابن مسعود، ولذلك قال ﵊ له: (إذنك عليَّ أن ترفع الحجاب وأن تسمع سوادي) ارفعه في أي وقت شئت، ميزة لـ ابن مسعود. [أوليس عندكم ابن أم عبد صاحب النعلين والسواد والمطهرة؟ وفيكم الذي أجاره الله من الشيطان على لسان نبيه ﷺ ] من المقصود بالذي أجاره الله من الشيطان؟ الحديث في الصحيح من أحاديث الصحيح في صحيح البخاري، أبو الدرداء يسأل الرجل الذي جاء من الكوفة، يقول: أتأتي تطلب العلم وعندك ابن مسعود وعندك فلان وفلان؟ قال: [وفيكم الذي أجاره الله من الشيطان على لسان النبي ﷺ ] من هو؟ الصحابي هو: عمار بن ياسر ﵁ وأرضاه: [أوليس فيكم صاحب سر النبي ﷺ الذي لا يعلمه أحدٌ غيره؟] من هو؟ إنه حذيفة ﵁ وأرضاه، والمقصود بالسر أسماء المنافقين.

стр. 3467

حرص التابعين على الاستفادة من الصحابة فالتابعون لما رأوا الصحابة بهذه المنزلة، أقبلوا عليهم، واتجهت النفوس إليهم، واحترموهم، وصانوهم، وحرصوا على لقياهم، والأخذ عنهم، وسؤالهم واستفتائهم، فجمعوا علمهم وبلغوه لمن بعدهم.

стр. 3468

يزيد بن حيان يذهب إلى زيد بن أرقم وهذه نماذج: عن يزيد بن حيان قال: [انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمرو بن مسلم إلى زيد بن أرقم، فلما جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيت -يا زيد - خيراً كثيراً، رأيت رسول الله ﷺ ، وسمعت حديثه وغزوت معه، وصليت خلفه، لقد لقيت -يا زيد - خيراً كثيراً، حدثنا -يا زيد - ما سمعت من رسول الله ﷺ ؟ فقال: يا بن أخي! والله لقد كبرت سني، وقدم عهدي، ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله ﷺ ، فما حدثتكم فاقبلوا، وما نافى فلا تكلفونيه. ثم ذكر حديثاً] وهذا في صحيح مسلم، فكان التابعون يقولون للصحابة: رأيتم خيراً كثيراً، وأدركتم خيراً كثيراً، حدثونا وأعطونا أخباراً من التي رأيتموها.

стр. 3469

عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت ورؤية أبي اليسر وعن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، قال: [خرجت أنا وأبي نطلب العلم في هذا الحي من الأنصار قبل أن يهلكوا -يريدون اللحاق بمن يمكن من الصحابة قبل أن يموت الصحابة- فكان أول من لقينا أبا اليسر صاحب رسول الله ﷺ -ثم سألوه وحدثهم، وحتى السؤال فيه أدب- فقال له أبي: يا عمي! -يقول للصحابي- إني أرى في وجهك سكعةً من غضب، قال: أجل، ثم قص عليه القصة] الحديث رواه مسلم. وعن جبير بن نصير قال: [جلسنا إلى المقداد بن الأسود يوماً، فمر به رجل، فقال: طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول الله ﷺ ، والله لوددنا أنا رأينا ما رأيت وشهدنا ما شهدت] رواه البخاري في الأدب المفرد، وهو في صحيح الأدب المفرد.

стр. 3470

معاوية بن قرة ولقاؤه بمعقل المزني لقاء التابعين بالصحابة لم يكن لقاء تضييع أوقات، معاذ الله! بل كان لقاء انتفاع واستفادة، ولقاء أخذٍ وتربية، وانظروا إلى هذه القصة: عن معاوية بن قرة، قال: [كنت مع معقل المزني -صحابي ومعاوية بن قرة تابعي- يقول: ألازمه وأستفيد منه -ينظر إلى حركاته وتصرفاته، يقتبس منه- فأماط أذىً عن الطريق، وبعد برهة قال التابعي: فرأيت شيئاً فبادرته وأمطته عن الطريق، فقال الصحابي للتابعي: ما حملك على ما صنعت يا بن أخي؟ قال: رأيتك تصنع شيئاً فصنعت] هنا التلقي والتربية بالقدوة، وهذه اسمها: التربية بالقدوة، التابعي رأى الصحابي يفعل شيئاً، ففعل مثله وسأله الصحابي ثم علمه، [فقال: أحسنت يا بن أخي، سمعت النبي ﷺ يقول: (من أماط أذىً عن طريق المسلمين، كتبت له حسنة، ومن تقبلت له حسنة، دخل الجنة)] رواه البخاري في الأدب المفرد وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة. فإذاً: الناحية التربوية هنا يا أيها الإخوة! أن التشبه والاقتداء يسري في الأجيال، ولذلك لما ترى علم ابن مسعود مثلاً انتقل إلى من؟ فمن؟ فمن؟ وعلم ابن عباس انتقل مِن مَن؟ إلى من؟ فمن؟ وهكذا، ثم الانتقال ما كان انتقال روايات فقط، بل كان انتقال تأثر بالشخصية، ولذلك قال قبيصة: (كان ابن مسعود أشبه الناس برسول الله ﷺ يعني: في هديه وسمته. وكان علقمة يشبه ابن مسعود، ويشبه بـ علقمة إبراهيم، وبـ إبراهيم منصور، وبـ منصور سفيان، وبـ سفيان وكيع، في التلقي عبر الأجيال؛ وكيع يأخذ عن سفيان، وسفيان أخذ عن منصور، ومنصور عن إبراهيم، وإبراهيم عن علقمة، وعلقمة صاحب ابن مسعود.
следующие страницы →