Полный текст (7 040 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.
стр. 3396
تمييع أحكام الفقه وأصول الإسلام
من التمييع كذلك: تمييع أحكام الفقه وأصول الإسلام التي جاءت بها الأحكام، فيقول أحدهم وهو محمد عبده في موضوع الوضوء بالكولونيا: ومن أين جاء أن ماء الزهر والورد لا يصح الوضوء به، وماء الكولونيا أحسن شيء للوضوء، فإنه يمنع آثار المرض، قاله في كتاب تاريخ الأستاذ الإمام، والذي يدافع فيه عن أحد كبار المنافقين في هذا العصر وهو جمال الدين الأفغاني، وقد ذهبا إلى الله، وليس عندنا علم هل تابا أم لا، فالله يتولاهما، ولا نحكم على مصيرهما في الدار الآخرة، أمرهما إلى الله.
لكن نحن نأخذ العبرة، ونريد أن نعرف ما هي الأساليب التي يمشي بها هؤلاء بين المسلمين، من الذي قال: إن الوضوء بالكولونيا لا يجزئ، فماء الكولونيا أحسن شيء للوضوء.
نقول: الذي قال هم أئمة الدين من فقهاء المسلمين سلفاً وخلفاً، أنه لا يجزئ الوضوء إلا بالماء؛ لأن النبي ﷺ حدد الطهارة بالماء، وفي حالة فقده يتيمم بالتراب، هذا الذي جاءت به الأحاديث، الماء طهور وبه يتوضأ ويرفع الحدث الأكبر والأصغر، وإذا عدم ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء:٤٣] ولم يقل: كولونيا ﴿مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء:٤٣].
والعاقل والبليغ والمثقف والعامي والفلاح والدكتور كلهم يعرفون معنى لفظة الماء: ((فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً)) وأي عاقل يفرق بين الماء والعصير، والماء والشاي، والماء والكولونيا، والماء والزعفران، وماء الورد وماء الزهر، كل ذلك بينه فرق بيّن.
стр. 3397
موقفهم من الربا
أما الموقف من حكم الربا، فماذا يقولون؟ يقول ذلك الرجل: والفقهاء مسئولون في التشديد على الأغنياء في الربا، فاضطروا الفقراء للاستدانة من الأجنبي، بأرباح فاحشة استنزفت الثروات، ويجّوز بعضهم كما جّوز ذلك جمال الدين الأفغاني الذي قال بجواز الربا المعقول الذي لا يثقل كاهل المديون، ولا يتجاوز في برهة من الزمن رأس المال.
فإذاً جرى على ذلك أذنابهم بعد ذلك بعشرات السنين، ووضحوا قولهم وأصلوه، وقالوا: الربا المعقول، يقول ربنا الذي نحن نؤمن بشرعه وقدره، وبما أراده واصطفاه لنا من الشريعة والدين، يقول في القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ [البقرة:٢٧] ما بقي ١⁄٢%، ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٨ - ٢٧٩] وأنت تقول: ربا معقول! ما هو الربا المعقول؟ الذي نعقله ما جاء في هذه الشريعة، وكل شيء يخالف الشريعة غير معقول وسخيف، وتافه وترهات وباطل، لا يوجد شيء اسمه ربا معقول، هناك في هذه الشريعة شيء قطعي وهو تحريم الربا.
стр. 3398
موقفهم من الحدود
ثم انصب كلامهم في تميع الحدود الشرعية بعد الأحكام الفقهية، على قضية حد الردة، وإبطال حد الردة، وأن الإنسان حر إذا غير دينه، يا أخي! إذا غير دينه هو حر، لماذا يقتل؟! كيف يكون حراً في اختياره، ولا حرج عليه ولا تبعة، ونبينا ﷺ الذي نؤمن به وبشرعه الذي جاء به من عند ربه يقول: (من بدل دينه فاقتلوه) من بدل دينه: أي: الإسلام، وليس من ترك النصرانية واليهودية إلى الإسلام، المقصود واضح من بدل دينه، أي: الشرع الحكيم الصحيح الإسلام والتوحيد (من بدل دينه فاقتلوه) نص في المسألة.
كيف يقال: إن عقوبة الإعدام لا تتناسب مع القرن العشرين، ونحن على مشارف القرن الواحد والعشرين، فيجب إلغاء عقوبة الإعدام.
ولذلك يدندنون في الفضائيات والبرامج التي تبث، في مسألة رجم الزاني المحصن أنها غير صحيحة، ويقولون: لم تُذكر في القرآن، سبحان الله! فقد ثبتت في السنة، ورجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده كما يقول عمر، وحتى لا يقول قائل، فقد قالها عمر ﵁ قبل أكثر من ألف وأربعمائة سنة قال: أن يأتي أناس يقولون: ما وجدناها في كتاب الله.
وجاءوا فعلاً في كثير من الأوقات، وفي هذا الوقت بالذات وقالوا: ما وجدناها في كتاب الله.
فقد رجم رسول الله ﷺ ماعز والغامدية، ورجمُت شراحة الهمدانية، ورجم عمر ﵁ وعلي، ورجم أبو بكر، ورجم الصحابة بعد النبي ﷺ ، دلالة على أن ذلك الحكم ليس منسوخاً ولا باطلاً.
الزاني المحصن الذي وطأ وذاق حلاوة الحلال في عقد صحيح إذا زنا وثبت عليه باعترافه أو بأربعة شهود؛ يرجم حداً من الله تعالى.
ثم يقولون: لا يناسب العصر الحاضر، لأنه ليس موجوداً في كتاب الله.
فإذا قلنا لهم: حد السرقة موجود في كتاب الله، قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة:٣٨] يقول قائلهم: إن الشريعة لا تريد أن يتحول المجتمع إلى أناس مشوهين، هذا مجلود، وهذا مقطوع اليد، وهذا مفقوء العين، وهذا مكسور السن بقضية القصاص، اسجنه وامش، أو أي عقوبة مالية، فنقول: هذا موجود في كتاب الله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨] موجود، قالوا: هذه همجية لا تصلح في هذا القرن.
وهكذا ترون أيها الإخوة! قضية صب الكلام على تمييع الحدود الشرعية التي أنزلها الله؛ من حد الردة وحد الزنا للمحصن، وحد السرقة، أنهم يريدون إبطال ذلك، وإقناع المسلمين أن ذلك كان في عهدٍ مضى ولا يناسب هذا الزمان.
هذه قليل جداً جداً مما يقولونه في بعض هذه المسائل، نسأل الله أن يجعلنا من المتمسكين بالحق والدين، ومن الحريصين على تنفيذ شرعه المبين، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 3399
إلغاء الحواجز الدينية بين المسلم والكافر
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي أنزل الكتاب، والحمد لله الذي نصر نبيه ﷺ والأصحاب، وهزم الأحزاب، والحمد لله مجري السحاب، أشهد أن لا إله إلا هو الملك العزيز الوهاب، وأشهد أن نبيه محمداً ﷺ سيد البشر وأولي الألباب، جاءنا بالحق والصواب، وأشهد أن من تبعه بإحسان إلى يوم الدين هم أولوا النهى والألباب، صلى الله عليه وعلى من تبعه.
عباد الله: من أخطر أنواع التمييع الذي يقوم به هؤلاء ممن يسمون بالعقلانيين وأصحاب الفكر المستنير -يسمون أنفسهم بالتنويريين- من أخطر ما يقومون به تمييع الحواجز الدينية بين المسلم والكافر، المسلم الذي يشهد أن لا إله إلا الله، والذي هو من خير أمة أُخرجت للناس، الموحد لربه، المطيع لنبيه الذي يعتمد الشرع، ويُوفي له، المسلم الذي لا يتحايل على الدين، المسلم الذي يطبق الإسلام، يريدون التمييع في الحد بينه وبين أرباب الديانات الأخرى من اليهود والنصارى وغيرهم من أنواع المشركين.
التمييع بين المسلم الحنيفي وبين اليهودي الذي هو من الأمة الغضبية، أهل الكذب والبهت، والغدر والمكر والحيل، وقتل الأنبياء، وأكل السحت والربا، أخبث الأمم طوية وأرداهم سجية، وأبعدهم من الرحمة، وأقربهم إلى النقمة، عاداتهم البغضاء، وديدنهم العداوة والشحناء، أهل السحر والكذب والحيل، هؤلاء الذين سبوا ربهم، فقالوا: تعب يوم السبت وارتاح، وقالوا: إنه بخيل: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة:٦٤] والذين عادوا نبينا ﷺ بعدما تبين لهم أنه نبي الله، وقامت الأدلة عندهم، وطابق الوصف المذكور في كتبهم، عادوه وناصبوه إلى أن دسوا له السم في الشاة.
التمييع بين المسلم وبين النصراني الذي هو من الأمة المثلثة، أمة الضلال وعبّاد الصليب، الذين سبوا الله مسبة لم يسبها أحد، وقالوا كلاماً تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً.
قالوا: إن الله ثالث ثلاثة، وإن مريم صاحبته، والمسيح ابنه، وأنه نزل عن كرسي عظمته والتحم ببطن الصاحبة وجرى ما جرى، وأن هؤلاء عبّاد الصلبان وعبّاد الصور المنقوشة بالألوان في الحيطان، الذين يقولون في دعائهم: يا والدة الإله ارزقينا، واغفري لنا وارحمينا، دينهم شرب الخمور، وأكل الخنزير، وترك الختان، والتعبد بالنجاسات، واستحلال الخبائث، كيف يمكن أن تميع الحدود بين المسلم وبين مثل هؤلاء؟ واليهود والنصارى أهل الكتاب أحسن حالاً من الهندوس والبوذيين وبقية مشركي الأرض، فما بالك بالبقية أيضاً.
إن الدعوة إلى تمييع الحواجز الدينية بين هذه الديانات الثلاث، قد جرت على خطة مرسومة من هؤلاء باسم وحدة الأديان تارة، أو الملة الإبراهيمية تارة، أو وحدة الدين الإلهي وأرباب الكتب السماوية تارة أخرى، وكلمة العالمية ووحدة الأديان، يريدون صهر الأديان الثلاثة في بوتقة واحدة، كيف يجتمع الذي يقول: لا إله إلا الله، هو الله أحد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، مع من يقول: إن عيسى هو الله أو عيسى ابن الله، أو عزير ابن الله؟! كيف يجتمع قتلة الأنبياء، والذين مسخهم الله قردة وخنازير تحت مظلة واحدة مع من هم خير أمة أخرجت للناس؟! كيف يجتمعون؟! كيف يجتمع الذين قال الله عنهم: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣] مع من يقول: لا إله إلا الله لم يتخذ صاحبة ولا ولداً؟ كيف يجتمع هذا مع هذا في قضية الملة الإبراهيمية أو وحدة الأديان؟! إن الجمع بين هؤلاء ردة ظاهرة وكفر صريح ولاشك، ثم هؤلاء من جلدتنا وبألسنتنا يقولون: إن اجتماع هؤلاء من أجل أن يكون السلام عاماً في العالم هو هدفنا الذي نسعى إليه، وأن تزول العداوات بين أهل الأديان، فهل الإسلام جاء لإزالة العداوات بين أهل الأديان؟ هل جاء الإسلام ليعيش أهل الأديان كلهم متآلفين؟ سؤال خطير جداً أيها الإخوة! لأن عدداً من الناس يظن
الجواب
نعم، هل جاء الإسلام لكي يتصافى المسلمون، واليهود، والنصارى، والمجوس، والهندوس، والبوذيون، يتصافون ويكونون على قلب رجل واحد.
أم جاء الإسلام بقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال:٣٩] أليس الإسلام قد جاء لأجل هذا، إذا كنا نحن لا نستطيع أن نطبقه الآن، ولا نستطيع أن نجاهدهم؛ لأنه ليس عندنا قوة، فإن المبدأ يجب أن يبقى سليماً، وهي عداوتهم ما بقينا، وكرههم لأجل الله ما حيينا، أن نكرههم وأن نبغضهم، حتى لو لم نستطع أن نقاتلهم، يجب أن تكون العقيدة في هذه المسألة واضحة.
ثم انظر إلى ما يقوله صاحب كتاب: السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث، يقول: ولا ريب أن هؤلاء النصارى عرب أنقياء، والعربي الصحيح -وإن لم يكن مسلماً وضع هذه الجملة الاعتراضية في الاعتراض- وإن لم يكن مسلماً فله موقف كريم من إخوانه المسلمين.
سبحان الله! معروف أن النصارى العرب من ألعن أنواع النصارى، إن لم يكونوا هم ألعن أنواع النصارى على الإطلاق، وما ابتليت الأمة في هذا الزمان بمثلهم، والتاريخ معروف.
ثم كيف يقال: له موقف كريم من إخوته المسلمين؟! ما هي الأخوة أيها الإخوة؟! أي نوع من الأخوة هذه؟ كيف نشأت رابطة أخوة بيننا وبينهم؟ قال: وإن وقف -أي: هذا النصراني- إيمانه بالنبوة إلى عيسى بن مريم، فلن يبخس محمد بن عبد الله حقه.
قل لي: كيف لن يبخسه حقه إذا لم يؤمن به رسولاً خاتم الأنبياء؟! كيف لم يبخسه حقه إذا كان يقول: لا أؤمن بنوبته، أو يقول: نبي مثل غيره، لا ميزة لشريعته، ولا ينسخ نبوة من قبله، وليس دينه خاتم الأديان ولا نبوته خاتم النبوات، أليس هذا من البخس العظيم؟! أما قال النبي ﵊: (أنه لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار)؟ ثم يقول هذا: فلن يبخس محمد بن عبد الله حقه بوصفه سيد رجالات العروبة، ومؤسس نهضتها الكبرى.
هل النبي ﵊ بعث ليكون سيد العروبة أم سيد الناس والعالم؟ هل كانت المشكلة بين محمد ﵊ وكفار قريش العروبة؟! هل كانت القضية أنهم إذا اجتمعوا معه على العروبة انتهت القضية، أو كانت المشكلة والقضية هي: لا إله إلا الله التي رفضوا أن يقولوها؟ أليس هذا هو محور الصراع والحرب التي قامت بينه وبين قريش؛ العرب الأنقياء من جهة العروبة، الحرب قامت بينه وبينهم في بدر وأحد والخندق وفتح مكة وغيرها، قامت حرب أريقت فيها الدماء، أمن أجل أن يكون سيد العروبة؟ إذاً فلماذا امتدت فتوحاته إلى خارج الجزيرة؟ ولماذا ذهب إلى تبوك بلاد النصارى؟
стр. 3400
نشر الوعي بين المسلمين تجاه هذه القضايا
هذا التمييع أيها الإخوة! هذا الذي يقرأه كثير من الناس في الوسائل السيارة، ويسمعونه في هذه الوسائل المسموعة والمنظورة، هذا الكلام الذي نقوله هو ما يُدس للمسلمين، فهل نعقل ونميز؟ وهل نكون على مستوى الوعي؟ إن هذه مسألة خطيرة أيها الإخوة؛ لأن الله قال: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال:٤٢] فلا بد أن تكون هناك بينة؛ لتبين للناس ما نزّل إليهم، البينة والبيان، والله لا يرضى أن يختلط الحق بالباطل: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران:١٧٩] لا بد أن يميز الخبيث من الطيب، هذا التمييز الذي نريده أن يكون موجوداً في حس المسلم وعقله، وأن يكون عنده علم يدفع به الشُبهات، العلم يا إخوان هو الذي تعرف به، هل ما يعرض عليك حق أم باطل؟ نسأل الله أن يرزقنا الفقه في دينه، والتمسك بسنة نبيه محمد ﷺ ، اللهم اجعلنا من أهل الهدى والتقوى، ومن المتمسكين بالعروة الوثقى، اللهم أحينا مسلمين، وتوفنا مؤمنين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين، اللهم اجمع شملنا على التوحيد يا رب العالمين، اللهم ألف بين قلوبنا وأصلح ذات بيننا، وأخرجنا من الظلمات إلى النور، واهدنا سبل السلام، واجعلنا سلماً لأوليائك، حرباً على أعدائك، نحب بحبك من أحببت، ونبغض من أبغضت إنك سميع الدعاء.
اللهم إنا نسألك الأمن والإيمان في بلادنا وسائر بلاد المسلمين، ومن أراد بلدنا هذا بسوء؛ فاجعل كيده في نحره، ثَبِّتْ علينا الأمن والإيمان، إنك أنت سميع الدعاء يا رحمن.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 3401
مؤامرة تمييع الدين [٢]
ختم الله الأديان بالإسلام، وجعله صالحاً لكل زمان ومكان، وعليه فنحن في غنى عن غيره من الأفكار البشرية والأديان، ولا يجوز الخروج عن أحكامه مجاراة للحضارة، ولا تمييعها استجابة لضغط الواقع المتوهم.
стр. 3402
العصرانيون وانهزاميتهم
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: عباد الله: فقد تحدثنا في الخطبة الماضية عن ظاهرة تمييع الدين، التي يسعى إليها بعض المنتسبين إلى المسلمين، ويقودون فيها حرباً على التمسك بالدين، بكل صغيرة وكبيرة فيه، كما أمرنا الله تعالى بأن نستمسك بجميع العرى، وأن نأخذ بجميع الشرائع والأحكام، كما قال : ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨] أي: تمسكوا بجميع شعب الإسلام والإيمان، وهؤلاء يريدون أن يميعوا هذه الأحكام، وأن يحذفوا أشياء مما لا يروق لهم، وأن يجعلوا هذا الدين ثوباً فضفاضاً يفصّلونه كيف يشاءون، ويتسع عندهم لكل شيء يلبسونه به، سواء كان حقاً أم باطلاً.
стр. 3403
ضغط الواقع هل هو مصدر من مصادر التشريع ؟
إن مما دفع إلى اتخاذ هذا التمييع -أيها الإخوة- قضية خطيرة نادراً ما ينجو منها الواحد منا، ألا وهي الانهزامية وضغط الواقع على الإنسان المسلم، وعندما نظر بعض هؤلاء إلى الواقع وما فيه، وتسلط الكفار على المسلمين وهيمنتهم وسيادتهم في العالم بزعمهم، فإنهم تحت هذا الضغط صاروا يقدمون التنازل تلو التنازل، والفتاوى الشاذة باسم الواقع وظروفه، ويفصلون من الإسلام فستاناً يناسب الذوق الغربي.
وكأن الواقع صار عندهم مصدراً من المصادر التشريعية، فكأنهم قالوا: مصادر التشريع القرآن والسنة والقياس والإجماع والواقع، ولا تخلو هذه الانهزامية من نظرة انبهار للغرب ولما عندهم، ولا تخلو هذه الانهزامية وهذا المنهج في التمييع، من التأثر بقادة الانحلال الفكري في المسلمين.
стр. 3404
من أقوال الانهزاميين في التأثر بالغرب
إنه تأثر بمنهج المنحرفين أمثال: سلامة موسى وطه حسين، حيث يقول الأول: كلما ازددت خبرة وتجربة توضحت أمامي أنه يجب علينا أن نخرج من آسيا، وأن نلتحق بـ أوروبا، فإني كلما زادت معرفتي بالشرق زادت كراهيتي له، وشعوري بأنه غريب عني، وكلما زادت معرفتي بـ أوروبا، زاد حبي لها وتعلقي بها، وشعوري بأنها مني وأنا منها، هذا هو مذهبي الذي أعمل له طول حياتي سراً وجهراً، فأنا كافرٌ بالشرق مؤمن بالغرب.
ثم يقول: الرابطة الشرقية سخافة، فما لنا ولهذه الرابطة الشرقية، وأي مصلحة تربطنا بأهل جاوه، وماذا ننتفع بهم؟ وماذا ينتفعون بنا؟ إننا في حاجة إلى رابطة غربية، ثم يقول: وما الفائدة من تأليف رابطة مع الهندي أو الجاوي؟ فما هو المقصود -أيها الإخوة- بهذه العبارات؟ قطع الصلات بين المسلمين، وتدمير القاعدة الإسلامية في أن المؤمنين إخوة، وإن الإسلام يوحد بين الأجناس على هدي الدين، فإذا أسلموا صاروا سواء، أليس هذا مما نعرفه قطعاً من دين الإسلام؟ أيها الإخوة: إن هؤلاء يريدون أن يجعلوا نسباً بين المسلم والكافر، ويقطعوا نسب المسلم بأخيه المسلم، هذه الحقيقة، لأجل الهزيمة التي يحسون بها، يريدون الانبتات والانقطاع عن الإسلام وأهله، والارتباط بالغرب وأهله.
ويقول طه حسين في السبيل للخروج من الهزيمة التي نعيشها، يقول: السبيل إلى ذلك واحدة، وهي: أن نسير سير الأوربيين ونسلك طريقهم، لنكون لهم أنداداً، ولنكون لهم شركاء في الحضارة خيرها وشرها، حلوها ومرها، ما يحب منها وما يُعاب.
إذاً لابد أن نسير سير الغربيين ونأخذ بكل شيء، بما يُحب وما يُعاب، هذه هي الفلسفة التي يقولون بها، فتأثر بها هؤلاء حتى جعل واحد منهم -أيها الإخوة- قاعدة أصولية عجيبة يقول فيها: شرع المتقدمين علينا حضارياً شرع لنا، عند المسلمين قاعدة يناقشها علماء الأصول، هل شرع من قبلنا شرع لنا أم لا؟ هل شرع موسى أو شرع عيسى شرع لنا أم لا؟ وقالوا: بأن شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يرد له ناسخ في شرعنا، أو لم يتعارض مع شرعنا، قال به بعض علماء الأصول؛ لأن النبي ﷺ قيل له في القرآن: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه﴾ [الأنعام:٩٠] فقالوا: شرع من قبلنا من الأنبياء إذا لم ينسخ في شرعنا، ولم يتعارض معه شرع لنا.
فماذا قال هذا الأصولي الحديث؟ شرع المتقدمين علينا حضارياً شرع لنا، إذاً شرع الكفار هو شرع لنا، أرأيتم خطورة هذه العبارة أيها الإخوة! وما يدندن حوله هؤلاء؟! أن تصير طريقة الكفار هي طريقتنا، وأن نهتدي بهديهم، ونسير على منوالهم، والنبي ﷺ قال: (لتتبعن سنن من كان قبلكم، حذو القذة بالقذة) حذرنا من ذلك وقال: حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، وهذا عين ما قاله طه حسين، حلوها ومرها، ما يُحب وما يُعاب، أن نسير على طريقتهم، والنبي ﷺ حذر وقال: (حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه).
إن الله تعالى قد حذر نبيه ﷺ من التأثر بضغوط الكفار: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً﴾ [الإسراء:٧٣].
كادوا أن يفتنوك لتفتري علينا غيره تحت ضغطهم وضغط واقعهم، ولكن الله ثبته: ((وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً)) [الإسراء:٧٤] ثم قال تعالى: ﴿إِذاً لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء:٧٥] لجاءك العذاب مضاعفاً.
стр. 3405
الجهاد وإقامة الحدود همجية عند العصرانيين
أيها الإخوة: طريقة الدين واضحة متميزة، ليس لنا نسب مع أولئك القوم، بل إن الله لا يرضى لعباده الكفر، بل إن الله أمرنا بمقاتلتهم عند القدرة والاستطاعة ولابد من ذلك، ثم قام هؤلاء يجارون الغربيين، انظر في الأطروحات التي تسمعها صباح مساء؛ ما هي السيرة عند هؤلاء المستنيرين -العقلانيين- بزعمهم، وليس لهم من العقل نصيب؛ لأن العقل الصحيح الصريح لا يعارض ما جاء عن الله ورسوله، لكن عقول مريضة، ثم ينتسبون إلى العقل بزعمهم.
هزيمة تلو هزيمة، تراجعات تحت ضغوط الكفار، لما اعترض الغربيون على أحكام الجهاد، ماذا قال هؤلاء المنهزمون: مالنا وللجهاد يا سادة؛ نعوذ بالله من الهمجية، ولما اعترض الغربيون على الرق، قال هؤلاء: إنما هو حرام عندنا أصلاً، فيحرمون ما أحل الله، والله حكيم حيث سنه وشرعه، ولا يستطيع أحد أن يلغي شرع الله تعالى.
стр. 3406
موقف العصرانيين من تعدد الزوجات
ولما أطال هؤلاء الغربيون وأذنابهم لسان القدح في تعدد الزوجات، جاء هؤلاء المنهزمون ينسخون بضلالهم وجهلهم آيات القرآن ويحرفون الكلم عن مواضعه.
ويقولون: لا تعدد في الدين، وإنه لا يمكن العدل، وإذاً لا يجوز التعدد، وخلطوا الأمور: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورُ﴾ [التوبة:٤٨] خلطوها ببعضها، لا يمكن العدل في المحبة القلبية، لكن يمكن العدل في المبيت والنفقة، وليس الإنسان المسلم مطالباً بأن يعدل في المحبة القلبية، والنبي ﵊ كان يحب عائشة أكثر من بقية نسائه، ومع ذلك تزوج أكثر من واحدة، ولم يكن ظالماً ﵊ إطلاقاً.
إذاً لن تعدلوا في المحبة القلبية، ولكن إذا عدلتم في المبيت والنفقة، فتزوجوا مثنى وثلاث ورباع، ولمَّا قال الغربيون: لابد من مساواة الرجل بالمرأة في جميع نواحي الحياة، وافقهم هؤلاء المنهزمون، وقالوا: هذا هو الذي ينادي به ديننا ويدعو إليه، ولذلك رفضوا مبدأ أن تكون المرأة غير متولية للولايات العامة؛ كما قال بذلك أهل الإسلام استناداً على حديث النبي ﷺ : (لن يفلح قومٌ ولوا أمرهم امرأة).
ولذلك لا تتولى المرأة ولاية عامة في المجتمع الإسلامي، لا خلافة ولا وزارة ولا قضاء؛ لأنها لا يمكن أن تقوم بحجابها المفروض عليها، وتحريم الخلوة المفروض، والحيض والنفاس الذي هو من طبيعتها، وضعف عقلها مقابل قوة عاطفتها، لا يمكن أن تقوم بولاية عامة.
ولو وُجد لذلك حالات شاذة، فإن الدين لا يُبنى على الشواذ، وليست الحالات الشاذة قاعدة أصلاً، ولما قام هؤلاء بالهجوم على الحدود الشرعية، وقالوا: إنها همجية في رجم الزاني المحصن، وقطع يد السارق ونحو ذلك، قام هؤلاء يوافقون الغرب ويقولون: لا رجم في الإسلام، ويقولون: إن إنزال الحد لا يتفق مع روح القرآن، وإن تحويل المجتمع إلى مجموعة من المشوهين لا تريده الشريعة.
وهذا في الحقيقة استهزاء بحدود الله تعالى، ولذلك فإن هؤلاء أذناب الغرب المنهزمين من أبنائنا، يقولون: بعدم معاقبة المرتد، وينكرون حد الردة، وينكرون رجم الزاني المحصن، وليس على شارب الخمر حد معين عندهم، ويجوز للمرأة المسلمة أن تتزوج باليهودي والنصراني؛ لأن هناك ضغطاً من الخارج، يقول: لماذا تفرقون؟ لماذا ليس عندكم مساواة؟ أين العدل؟ لماذا لا تتزوج المسلمة يهودياً أو نصرانياً؟ فلتتزوج، فقال هؤلاء بجواز الزواج وقرروه، والله تعالى قال في كتابه العزيز: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة:١٠] ﴿وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة:٢٢١] لا تزوج ابنتك ولا أختك إلى مشرك: (وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا) فقال هؤلاء: بلى يجوز أن تنكح.
عاندوا الشريعة، وخرجوا عن أحكام الدين، وكذبوا بشرع الله تعالى، وعاندوا أحكامه، كل ذلك تحت مطرقة الضغط، وتحت الضغوط تأتي الانهزامية، وتقدم التراجعات، ويقال: الإسلام دين سماحة، وليس دين جهاد ولا دين حدود، تُنسف الأشياء هكذا، يريدون إلغاءها بجرة قلم، إنه انهزام أمام الكفرة.
أين عزة المسلم الذي يفتخر بشريعته؟ أين العزة المسلم الذي يرى أن هذه القوانين الغربية تتهاوى وتسقط وتثبت فشلها يوماً بعد يوم؟! إن الشريعة -أيها الإخوة- مفخرة للمسلمين، ولا يمكن إنقاذ العالم من الظلم إلا بتطبيق الشريعة الإسلامية.
стр. 3407
انحراف الفهم عند الانهزاميين
إن تهمة الجمود قد ألصقها هؤلاء بفقهاء المسلمين والسلف الصالح، قالوا: هؤلاء -أي السلف الصالح - نصيون حرفيون، انظر للسب للسلف، يقولون: السلف نصيون حرفيون، وأهل نصوص، وجامدون، ونحن نريد أن نحرر هذا الجمود، وأن نطلق الحرية للاجتهاد، ومناسبة الواقع.
ولذلك قال واحد منهم: ضعوا من المواد ما يبدو لكم أنه يوافق الزمان والمكان -أي: العصر الحاضر- وأنا لا يعوزني بعد ذلك أن آتيكم بنص من المذاهب يطابق ما وضعتم.
стр. 3408
رأي الانهزاميين تجاه الفنون
فإذاً تحت الضغط يحدث التراجع، ولما عاب بعضهم على الإسلام أنه يعادي ما يسمونه بالفنون الجميلة، كالموسيقى، ونحت التماثيل، والتصاوير، والرقص، وغير ذلك، قام هؤلاء المنهزمون منا يقولون: كلا، بل إن الإسلام يحتضن هذه الفنون ويشجع عليها، ويحضُ عليها، وأنه يقر الرقص والموسيقى والتصوير والغناء ونحت التماثيل، من الذي سماها فنون جميلة؟ أليس أولئك الكفرة؟ أليست عندنا فنون قبيحة؟ أليس النبي ﷺ قال: (كل مصور في النار) أليس يقال لمن صنع تمثالاً من ذوات الأرواح يضاهئون خلق الله، يقال لهم يوم القيامة: أحيوا ما خلقتكم؟ أليس النبي ﷺ قد أخبر أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلبٌ ولا صورة من صور ذات الأرواح؟ لا يجوز إلا ما اتخذ للحاجة كالإثباتات، وتتبع المجرمين، وغير ذلك من الحاجات والضرورات، وأما التزيين فلا يجوز بذلك أبداً، وكذلك رقص النساء أمام الرجال ومخاصرتهم، وكذلك الموسيقى التي حرمها الإسلام، لما تسبب من الإدمان والصد عن ذكر الله، لا تجتمع الألحان مع قراءة القرآن في جوف عبد ولا يمكن.
стр. 3409
أولويات الدعوة لا تجيز تحليل ما حرم الله
أيها الإخوة: إن هذه الانهزاميات تدلنا بوضوح على مقدار ما وصل إليه القوم من الانحراف، مما يُوجب على أبناء المسلمين أن يكونوا في غاية الوعي لمثل هذه الدسائس، وقال بعضهم يوصي الدعاة إلى الله وصية عجيبة للغاية، صاحب كتاب السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث: وأوصي الدعاة الذين يذهبون إلى كوريا ألا يفتوا بتحريم لحم الكلاب، فالقوم يأكلونه، وليس لدينا نص يفيد الحرمة، ولا نريد أن نضع عوائق أمام كلمة التوحيد، سبحان الله! ليس لدينا نص يفيد الحرمة، أولئك يأكلون الميتة أليس كذلك؟ ويأكلون الخنزير أليس كذلك؟ إذاً لا نفتي بتحريم الخنزير حتى لا نضع عائقاً أمام كلمة التوحيد: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة:٣] والنبي ﷺ قطع بتحريم ذوات الأنياب وذوات المخالب، والكلب من أي قسم؟ ما بال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً.
فرق أن يؤجل الداعية الإخبار بالحكم، ويبدأ بالأساسيات والأمور العقدية، لكن أن يفتي بإباحة لحم الكلاب طمأنة لأولئك القوم لأنهم يستلذون به ويحبونه.
وعجباً أيها الإخوة! نحن لو دعونا بوذياً يأكل الكلاب فلن نبدأ معه بتحريم لحم الكلاب، بل نبدأ معه بلا إله إلا الله، نبدأ معه بكلمة التوحيد والدعوة إلى الإسلام، عندنا ستة في أركان الإيمان ندعوه إليها، وخمسة في أركان الإسلام ندعو إليها، وبعد ذلك إذا استقر دينه وإيمانه أخبرناه بتحريم الميتة والخنزير والخمر ولحم الكلب وغيرها، أما أن نفتيه بإباحة ذلك إن ذلك ضلال مبين، إن ذلك تحريف للكلم عن مواضعه.
стр. 3410
ولاية المرأة بين الشرع والانهزامية
ويقول هذا المنهزم أيضاً: إننا لسنا مكلفين بنقل تقاليد عبس وذبيان إلى أمريكا وأستراليا، إننا مكلفون بنقل الإسلام فحسب، وإذا ارتضوا أن تكون المرأة حاكمة أو قاضية أو وزيرة فلهم ما شاءوا، إذا كانوا كفاراً فليس دون الكفر شيء، فليفعلوا ما شاءوا، كما قال الله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت:٤٠] مهدداً ومتوعداً، لكن أن نقول: اطمئنوا يا دعاة مساواة المرأة بالرجل، فإنه يجوز في شرعنا أن تتولى المرأة الولاية العامة، ونخالف النص الصحيح الذي رواه البخاري عن ابن عمر عن النبي ﷺ : (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) أن نخالف ذلك، وما جرى عليه عمل الخلفاء الأربعة، ومن بعدهم من أئمة المسلمين وعلمائهم من عدم الجواز ونقول: يجوز ذلك؛ انهزاماً أمام الكفرة، فلماذا أيها الإخوة؟ من أجل عيون الكفرة نتنازل عن شرعنا، أيهما أغلى عندنا شريعتنا أم الكفرة؟ هذه هي القضية الخطيرة، أيهما تقدم؟ ما هي الأولويات لديك؟ لماذا هذا التمييع؟ أمن أجل عيون الكفرة نميع ديننا؟ وقال واحد من القوم: لولا حكاية القرآن آيات الله التي أيد بها موسى وعيسى ﵉، لكان إقبال أحرار الإفرنج عليه -أي: على الإسلام- أكثر، واهتدائهم به أسرع وأعم، ماذا يقصد؟ المعجزات النبوية عصا موسى، وما قيض الله لعيسى من المعجزات في شفاء المريض، وإحياء الميت بإذن الله إلى آخره، قال: هذه عوائق لو لم تكن موجودة في القرآن كان إسلام الكفار أسرع، سبحان الله! من أجل حفنة من هؤلاء الإفرنج تصل الانهزامية بنا إلى حد أن نتمنى أن الله لم يذكرها في القرآن، القضية خطيرة جداً!
стр. 3411
موقف الانهزاميين من الأفكار والأنظمة الغربية
ولما قام هؤلاء الغربيون يتباهون بما لديهم من الأنظمة كـ الديمقراطية والاشتراكية، قام هؤلاء المنهزمون يقولون: عندنا في الإسلام نفس الشيء، الديمقراطية هي الشورى، سبحان الله! مولود مشوه ولد من رحم الغرب الكافر (الديمقراطية أو الاشتراكية) يساوي ما أنزله الله الحكيم العليم الخبير من فوق سبع سماوات؛ في هذا القرآن الحكيم الكريم المجيد على النبي محمد ﷺ ، هذا يساوي هذا، وتطبيقهم هو هذا، عجباً كيف تستوي هذه الأمور؟ أين الشورى التي فيها أهل الحل والعقد والعلم والعقل من تلك الديمقراطية التي ينتخب فيها الخمار والسكير والحشاش والزاني والمعتوه والبليد والسفيه؟ أصوات متساوية مع العاقل والعالم عندهم؛ فأي عقل لديهم في هذا؟ ثم أي عقل لدى هؤلاء الذين يقولون: إن الإسلام أخوة في الدين واشتراكية في الدنيا، ويقولون: اشتراكية الإسلام.
وقال بعضهم في كتابه يدافع عن الإسلام بزعمه: إن أبا ذر كان اشتراكياً، وإنه استقى نزعته الاشتراكية عن الرسول ﷺ ، وهذا هو الافتراء والله، وهكذا يريدون أن يقولوا: إن المبادئ الغربية موجودة في الإسلام، نعم إن الإسلام قد أقر ما كان في الجاهلية من الخير، كحِلف الفضول لما كان متضمناً من رفع الظلم عن المظلوم، فأقرها النبي ﵊، وأخبر بعد البعثة أنه سُر بحضوره، لكن أن نأخذ كل ما فصله القوم وما انتقوه وما اختاروه، ونقول: موجود عندنا لنطمئن الغربيين سبحانك هذا بهتان عظيم! وبالجملة أيها الإخوة! يتصف هؤلاء بصفات واضحة، وقد ذكر الله لنا صفات المنافقين في القرآن لنحذرهم، ونحن لا بد أن نذكر صفات هؤلاء لنحذرهم ومنها: تقديس العقل، وتقديم العقل على النقل، الطعن في السلف الصالح أنهم حرفيون ونصيون ولا يراعون الواقع، التأثر بالضغوط والانهزامية، واللين مع أعداء الله، والشدة على أولياء الله، التعالم، تفسير القرآن بما يخدم أهواءهم، رد ما شاءوا من الأحاديث النبوية، ضرب العقل بالنقل، تتبع زلات العلماء وسقطاتهم، تمجيد الفرق الضالة، هدم الحواجز بين المسلمين ومن خالفهم، التلاعب بالمصطلحات، والكذب والتحايل، والتعجل في إصدار الأحكام والفتوى بغير علم، هذه سماتهم.
نسأل الله أن يعز دينه، وأن يعلي كلمة الدين، وأن ينصر من نصر الدين، وأن يخذل من خذل المسلمين، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 3412
من الأحكام التي تتعلق بالحج والأضحية
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
عباد الله! إن موسم الحج قد اقترب، ويجب على كل مسلم قادر بالغ قد استوفى الشروط أن يحج بيت الله الحرام: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٧] وقال النبي ﷺ : (عجلوا الخروج إلى مكة فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له من مرض أو حاجة) ولا يجب على الإنسان المسلم أن يستدين للحج، بل من تمكن منه حج، ومن لم يتمكن أجَّل حتى يستطيع، وكذلك كل معذور من مريض وامرأة مرضعٍ أو حاملٍ وغيرها من أهل الأعذار؛ لهم أن يؤجلوا ذلك حتى يزول العذر.
وإذا حج الإنسان على نفقته أو على نفقة غيره، فإن حجه مجزئ ولا حرج عليه، ومن وجب عليه الحج وأمكنه أن يفعله لابد أن يبادر إليه فوراً ولا يجوز التأخير، وبعض الناس يتوهمون أنه إذا حج ولم يُضحّ عنه فإن حجه ناقص، وهذا لا صحة له، وبعضهم يربط بين الحج وقضاء صيام رمضان، وهذا الربط غير صحيح أيضاً، وإذا كان الإنسان مطالباً بدينٍ قدم قضاء الدين على الحج، ولا حرج عليه في ذلك، فإذا سمح له صاحب الحق وأجله وأخره لما بعد الحج، فعل ذلك وكتب الدين في وصية وذهب للحج.
وأما أهل البلدان من غير الحجاج، فإنهم سيشاركون الحجاج في بعض الأحكام أجراً لهم ومواساة لهم في أحكام الحج، فقد قال النبي ﷺ : (من كان له ذبح يذبحه، فإذا أهل هلال ذي الحجة، فلا يأخذن من شعره ولا من أظفاره شيئاً حتى يضحي).
إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره ولا من بشره شيئاً، فهذا يدل على النهي، وظاهره التحريم عن أخذ شيء من الشعر والأظفار والبشرة لكل من أراد الأضحية، ابتداء من أول ليلة الواحد من ذي الحجة، فإذا عرفنا دخول ذي الحجة فمن تلك الليلة، يمتنع المسلم عن هذه الأشياء، إذا كان عنده أضحية أو نواها.
وكذلك فإن أهل الإنسان من الزوجة والأولاد لا يجب عليهم الالتزام بهذا الحكم، وإنما الذي يلتزم هو الذي بذل الثمن، وهو الذي نوى وأراد الأضحية، سواء يذبحها بنفسه أو بتوكيل غيره، وتوكيله لغيره لا يخرجه عن هذا الحكم، وعلى أية حال فإن الأضحية صحيحة ولو خالف، ولكن المخالفة فيها إثم يجب على المسلم أن يتورع عنه، وكل من عرضت له حاجة في أخذ شيء من الظفر كما لو انكسر، أو احتاج لحلاقة شعرٍ لجرح أو غيره فلا بأس به، ولما كان المضحي مشابهاً للمحرم بفعل بعض أحكام النُسك وهو الذبح، فالهدي للحاج، والأضحية للمسلم في البلد، شاركه في بعض أحكام محظورات الإحرام.
وأما بالنسبة لهذه الأضاحي، فإن استسمانها واستحسانها من شعائر الدين، وسنأتي على ذلك في الخطبة القادمة بإذن الله تعالى أو التي بعدها في هذه المسألة.
وأما شهر ذي القعدة فإذا لم نعلم انقضاؤه بدخول ذي الحجة أكملناه ثلاثين يوماً، وامتنعنا بعده لمن أراد أن يُضحي، وكذلك فإن الذين يشتركون في أضحية عن ميتهم مثلاً، يلزمهم ذلك الحكم، والمضحي يجوز له الطيب والجماع ولبُس المخيط وغير ذلك، وإنما الذي يحظر عليه الأخذ من الشعر والأظفار والبشرة فقط، ولعلها تكون فرصة لاتباع السنة وللمداومة عليها في إطلاق اللحية وغيرها.
أيها الإخوة: إن الحاج ليس عليه أضحية، وإنما عليه الهدي إذا كان متمتعاً أو قارناً، وبناءً عليه فإن الحاج إذا كان له هدي وليس له أضحية فإنه لا يلزمه هذا الحكم من أول ذي الحجة، بل إنه يمتنع عن الأخذ من الشعر والأظفار وغيرها إذا أهل بالإحرام.
وأما من ترك أضحية في البلد، وأراد أن يذهب للحج ويُهدي هناك، فيلزمه ذلك الحكم من أول الشهر حينئذٍ.
نسأل الله أن يرزقنا فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين إنه سميع مجيب قريب.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وانصر من نصر الدين، اللهم انصر المجاهدين في سبيلك يا رب العالمين، اللهم ارفع الظلم عن المستضعفين من المسلمين، اللهم إنا نسألك العون لهم يا أرحم الراحمين، اللهم إنا نسألك الأمن في البلاد والنجاة يوم المعاد، اللهم ثبتنا على الإيمان، ومن أراد بلدنا هذا بسوء فاجعل كيده في نحره، اللهم إنا نسألك أن تغفر لنا ذنوبنا، وتكفر عنا سيئاتنا، اللهم أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 3413
ماذا قالوا عند الموت؟! [١]
في هذا الدرس سنجد صوراً لكثير من العلماء الذين فازوا بحسن الخاتمة، منهم من جيل الصحابة مثل أبي هريرة، وسلمان ومعاذ وحذيفة، ومن التابعين: عمرو بن شرحبيل، والعمري، وأبو بكر بن عياش وغيرهم.
كما تعرض الشيخ لذكر بعض العلماء المعاصرين الذين فجعت الأمة بوفاتهم.
стр. 3414
معنى: (نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا)
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد:٤١].
قال المفسرون في هذه الآية أقوالاً: الأول: أنه ما يفتح الله على نبيه من الأرض، والمعنى: أولم ير كفار مكة أنا نفتح لمحمدٍ ﷺ الأرض بعد الأرض من حولهم.
والثاني: أنها القرية، أو البلدة تخرب حتى تبقى الأبيات في ناحيتها، والناحية الأخرى خراب، فيرون قراهم وبلداتهم تخرب أطرافها.
الثالث: نقص البركة، ونقص أهل القرية، ونقص الأنفس والثمرات.
والرابع: ذهاب فقهاء الأرض وأخيارها.
стр. 3415
نقصان أطراف الأرض هو موت العلماء
والخامس: موت أهلها، وقد أخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة ونعيم بن حماد والحاكم وصححه عن ابن عباس ﵁ في قوله: (ننقصها من أطرافها) قال: [موت علمائها وفقهائها، وذهاب خيار أهلها].
وروى الحاكم عن ابن عباس ﵄ في قوله : ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد:٤١] قال: [موت علمائها وفقهائها] هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، قال عكرمة: [لو كانت الأرض تنقص، لم تجد مكاناً تقعد فيه، ولكن هو الموت] وقال مجاهد: هو موت العلماء.
رواه عبد الرزاق عن الثوري عن منصور عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد:٤١] قال: موت علمائها وفقهائها، وفي هذا المعنى:
الأرض تحيا إذا ما عاش عالمها متى يمت عالمٌ منها يمت طرفُ
كالأرض تحيا إذا ما الغيث حل بها وإن أبى عاد في أكنافها التلفُ
قال ابن كثير ﵀: والقول الأول أولى، وهو ظهور الإسلام على الشرك قرية بعد قرية كقوله: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى﴾ [الأحقاف:٢٧] وقال القرطبي ﵀ في تفسيره عن عطاء بن أبي رباح في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد:٤١] قال: ذهاب فقهائها وخيار أهلها، قال أبو عمر ابن عبد البر: قول عطاء في تأويل الآية حسنٌ جداً تلقاه أهل العلم بالقبول، قال القرطبي: ومعروفٌ في اللغة أن الطرف الكريم من كل شيء: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد:٤١] موت الفقهاء والأخيار.
стр. 3416
علماء الصحابة عند الموت
سمعنا وسمعتم -أيها الإخوة- عن تتابع فقد عدد من أهل العلم في الشهور الأخيرة، فأصاب أرضنا نقصٌ من أطرافها، وقد مرت على المسلمين ظروف مشابهة، فسمى المؤرخون المسلمون عام أربعٍ وتسعين للهجرة بسنة الفقهاء لكثرة من مات فيها من العلماء والفقهاء ومنهم: علي بن الحسين بن زين العابدين، ثم عروة بن الزبير، ثم سعيد بن المسيب، وأبو بكر عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وسيعد بن جبير، وغيرهم ماتوا في سنة أربعٍ وتسعين فتعالوا نتذاكر حال العلماء عند الموت ليكون في ذلك موعظة وعبرة، ما هي كلماتهم في لحظاتهم الأخيرة عندما حضرتهم المنية.
стр. 3417
أبو هريرة عند موته
لما حضرت أبا هريرة ﵁ المنية بكى، فقيل: ما يبكيك؟ قال: [على قلة الزاد وشدة المفازة، وأنا على عقبة هبوط إما إلى الجنة أو إلى النار، فما أدري إلى أيهما أصير، وقال: اللهم إني أحبَّ لقاءك، فأحب لقائي].
стр. 3418
معاذ بن جبل لما حضرته الوفاة
ولما حضر معاذ بن جبل الموت، قال: [انظروا هل أصبحنا، قيل: لم نصبح، ثم أتي، فقال: قد أصبحت، فقال: أعوذ بالله من ليلة صباحها إلى النار، مرحباً بالموت مرحباً، زائر مغيب، وحبيب جاء على فاقة، اللهم إني قد كنت أخافك، فأنا اليوم أرجوك، اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لجري الأنهار، ولا لغرس الأشجار، ولكن لظمأ الهواجر، ومكابدة الساعات، -أي: في قيام الليل- ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر] وجلس عند تلميذ له يقال له يزيد بن عميرة السكسكي، فحدث عنه أن معاذاً لما حضرته الوفاة، قعد يزيد على رأسه يبكي، فنظر إليه معاذ، فقال: [ما يبكيك؟ فقال له يزيد: أما والله لا أبكي لدنيا كنت أصيبها منك، ولكني أبكي لما فاتني من العلم، فقال له معاذ: إن العلم كما هو لم يذهب، فاطلب العلم من بعدي عند أربعة: عند عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن سلام، وعويمر أبي الدرداء، وسلمان الفارسي] وقبض معاذ ولحق يزيد بـ الكوفة، فأتى مجلس عبد الله بن مسعود، فلقيه، فقال له ابن مسعود: [إن معاذ بن جبل كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ].
стр. 3419
قول أبي ذر عند الموت
وأما أبو ذر ﵁ لما اعتزل في الربذة، وحضرته الوفاة، أوصى امرأته وغلامه، فقال: (إذا مت، فاغسلاني وكفناني، وضعاني على الطريق، فأول ركبٍ يمرون بكم، فقولا: هذا أبا ذر فلما مات، فعلا به ذلك، فاطلع ركبٌ فما علموا به حتى كادت ركائبهم تطأ السرير، فإذا عبد الله بن مسعود في رهط من أهل الكوفة، فقال: ما هذا؟ قيل: جنازة أبي ذر، فاستهل ابن مسعود يبكي، وقال: صدق رسول الله ﷺ يرحم الله أبا ذر يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده، فنزل فوليه بنفسه حتى أجله، -أي: في الأرض-).
стр. 3420
حذيفة بن اليمان عند الموت
وأما حذيفة ﵁، فقد سئل أبو مسعود الأنصاري: [ماذا قال حذيفة عند موته؟ قال: لما كان عند السحر، قال: أعوذ بالله من صباح إلى النار ثلاث مرات، ثم قال: اشتروا لي ثوبين أبيضين، فإنهما لن يتركا عليَّ إلا قليلاً حتى أبدل بهما خيراً منهما، أو أسلبهما سلباً قبيحاً].
стр. 3421
سلمان الفارسي عند وفاته
ولما حضر سلمان الفارسي الوفاة، جعل يبكي، فقيل له: (ما يبكيك؟ ألست فارقت رسول الله ﷺ وهو عنك راضٍ؟ فقال: والله! ما بي جزع من الموت، ولكن رسول الله ﷺ عهد إلينا عهداً يكن متاع أحدكم من الدنيا كزاد الراكب، وهذه الأسودة حولي) كأنه يقول هذا الأثاث والمتاع حولي لم أمتثل للعهد، قال: [فلما مات، نظروا في بيته، فلم يروا في بيته إلا إكافاً ووطاءً ومتاعاً قُوِّم بنحو عشرين درهماً] كل ما يملكه بعشرين درهماً، فانظروا يا عباد الله! كم عندنا من الأثاث في بيتنا، وروى ابن سعد في الطبقات من طرق عدة عن الشعبي، قال: [لما حضرت سلمان الوفاة، قال لصاحبة منزله وهي زوجته: هلمي خبيَّتي الذي استخبأت فيه، قالت: فجئته بصرة مسك، فقال: ائتيني بقدح فيه ماءٌ فنثر المسك فيه، ثم ماسه بيده، ثم قال: انضحيه حولي، فإنه يحضرني خلقٌ من خلق الله يجدون الريح ولا يأكلون الطعام، ثم اجفئي عليَّ الباب وانزلي قالت: ففعلت، وجلست هنيهةً، فسمعت هسهسةً، قالت: ثم صعدت، فإذا هو قد مات].
وعن الشعبي، قال: [أصاب سلمان صرة مسكٍ يوم فتحت جلولاء، فاستودعها امرأته، فلما حضرته الوفاة، قال: هاتي هذه المسكة فمرسها في ماء، ثم قال: انضحيها حولي، فإنه يأتي زوارٌ الآن قالت: ففعلت، فلم يمكث بعد ذلك إلا قليلاً حتى قبض] وقال الشعبي أيضاً: [حدثني الجزل عن امرأة سلمان بقيرة أنه لما حضرته الوفاة، دعاني وهو في عليّة له -تقول زوجته: لها أربعة أبواب- فقال: افتحي هذه الأبواب يا بقيرة، فإن لي اليوم زواراً لا أدري من أي هذه الأبواب يدخلون عليَّ، ثم دعا بمسك، فقال: أديثيه في تنور ففعلت، ثم قال: انضحيه حول فراشي، ثم انزلي، فامكثي فسوف تطلعين فتريني على فراشي، فاطلعت فإذا هو قد أخذت روحه، فكأنما هو نائم في فراشه].
стр. 3422
خالد بن الوليد عند سكرات الموت
أما خالد بن الوليد ﵁، فإنه لما حضرته الوفاة قال: [ما كان في الأرض من ليلة أحب إليَّ من ليلة شديدة الجليد في سرية من المهاجرين أصبح بهم العدو، فعليكم بالجهاد] هو الذي احتبس دروعه وأعتده في سبيل الله، وقال: [لقد اندق في يوم مؤتة تسعة أسياف في يدي، فما صبرت معي إلا صفيحة يمانية] وهو صاحب الكرامات لما تحداه الروم بشرب سم ساعة، أخذه متوكلاً على الله يرجو مصلحة هدايتهم، فسمى وشرب، فلم يضره رواه أبو يعلى.
وكذلك روى ابن أبي الدنيا بإسناد صحيح، قال: [أتى خالد بن الوليد رجلٌ معه زق خمرٍ، فقال خالد: اللهم اجعله عسلاً، فصار عسلاً].
стр. 3423
واثلة بن الأسقع
وأما واثلة بن الأسقع الصحابي ﵁، فقد دخل الأوزاعي على خصلة بنته فقال لها: [أي شيء سمعت من أبيك؟ فقالت: لما حضرته الوفاة أخذ بيدي، وقال: يا بنية! اصبري حتى عد أصابعي الخمس اصبري اصبري اصبري اصبري اصبري، ثم أخذ بيدي الأخرى، وقال: يا بنية! وأوصاها بالصبر].
стр. 3424
عبد الله بن عائذ
وقال عبد الله بن عائذ التمالي صحابي رسول الله ﷺ لما حضرته الوفاة، قال له خصيف بن الحارث: [إن استطعت أن تلقانا، فتخبرنا ما لقيتم من الموت، فمكث فترة لا يراه، ثم لقيه في منامه، فقال له: ألا تخبرنا؟ فقال: نجونا ولم نكد ننجو بعد المشيبات، فوجدنا رباً خير ربٍ، غفر الذنوب، وتجاوز عن السيئة إلا ما كان من الأحراض، قال: وما الأحراض؟ قال: الذين يشار إليهم بالأصابع] فهذه موعظة للذين يحبون الظهور والرئاسة، وأن يشار إليهم بالأصابع، والقصة رواها ابن سعد في الطبقات.
стр. 3425
عبد الله بن عمر عند سكرات الموت
وأما عبد الله بن عمر الصحابي لما حضرته الوفاة، قال: [انظروا فلاناً -لرجل من قريش- فإني كنت قلت له في ابنتي قولاً كشبه العدة -أي: يشبه أني وعدته بتزويجه ابنتي- وما أحب أن ألقى الله بثلث النفاق -لأن آية النافق ثلاث: إذا وعد أخلف- وأشهدكم أني قد زوجته] ذكر القصة الذهبي في تذكرة الحفاظ.
ولما ثقل معاوية ﵁، جعل يضع خداً على الأرض، ثم يقلب وجهه ويضع الخد الآخر، ويبكي ويقول: [اللهم إنك قلت في كتابك: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] فاجعلني فيمن تشاء أن تغفر له، ثم قال: اللهم أقل العثرة، واعف عن الزلة، وتجاوز بحلمك عن جهل ولم يرج غيرك، فإنك واسع المغفرة، ليس لذي خطيئة من خطيئته مهرب إلا إليك].
стр. 3426
علماء التابعين عند الموت
وأما عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر الملقب بالعمري قال عند موته: [بنعمة ربي أحدث لو أن الدنيا تحت قدمي، ما يمنعي من أخذها إلا أن أزيل قدمي ما أزلتها، معي سبعة دراهم من لحاء شجرة فتلته بيدي] فهذه ثروته من الدنيا كلها، هذه السبعة الدراهم من عمل يده.
ويونس بن عبيد الذي شهد له أنه كان يطلب العلم لوجه الله ما حضره حقٌ من حقوق الله إلا وهو متهيئ له، لما حضرته الوفاة بكى، فقيل: ما يبكيك؟ قال: قدماي لم تغبرا في سبيل الله ، نظر إلى قدميه عند موته وبكى، وسئل عن سبب البكاء، فتحسر أنه لم يمشِ في الجهاد، ولم تغبر قدماه في سبيل الله .
وعمرو بن شرحبيل ﵀ حين حضرته الوفاة، قال: [إني ليسيرٌ للموت الآن، وما بي إلا هول المطلع.
ما أدع مالاً، وما أدع عليَّ من دين، وما أدع من عيال يهموني من بعدي، فإذا أنا مت، فلا تنعوني إلى أحد، وأسرعوا المشي، ولا ترفعوا جدثي، -أي: قبري- فإني رأيت المهاجرين يكرهون ذلك].
ولما حضر الموت إبراهيم بن يزيد النخعي قال وهو يبكي وسئل عن ما يبكيه فقال: [انتظار ملك الموت ما أدري يبشرني بجنة أو بنار؟].
ولما حضر إبراهيم بن هانئ الموت، قال لابنه إسحاق: [أنا عطشان، فجاءه بماء، فقال: غابت الشمس؟ قال: لا.
فرده، ثم قال: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٦١] ثم خرجت روحه ﵀] فختم يومه بصوم، جاءه الموت وهو صائم ولم يشرب وهو عطشان، هذا كان حالهم رحمة الله عليهم.
اللهم اجعلهم من ورثة جنة النعيم، وألحقنا بهم يا رب العالمين، اللهم تب علينا إنك أنت الغفور الرحيم، اللهم أحينا مؤمنين، وتوفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 3427
أقوال عند الموت تدل على حسن الخاتمة
الحمد لله الذي خلق الموت والحياة ليبلونا أينا أحسن عملاً، أشهد أن لا إله إلا الله الحي الذي لا يموت والجن والإنس يموتون، وأشهد أن محمداً رسول الله الرحمة المهداة البشير والنذير والسراج المنير صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
عباد الله: هؤلاء أسلافنا وعلماؤنا الصالحون لما حضرتهم الوفاة، ما هي أقوالهم التي تدل على صدقهم وحبهم لربهم وعملهم للصالحات؟
стр. 3428
قول أبي بكر بن عياش وغيره من التابعين
هذا أبو بكر بن عياش رحمه الله تعالى بكى ولده حين حضرته الوفاة، فقال أبو بكر بن عياش لولده: ما يبكيك؟ أترى الله يضيع لأبيك أربعين سنة يختم فيها القرآن كل ليلة؟ وهو الذي قال لولده عند موته: يا ولدي! لا تعص الله في هذه الحجرة، فإني ختمت القرآن فيها ثمانية عشر ألف ختمة.
وقال أحمد بن حفص: دخلت على أبي الحسن إسماعيل والد أبي عبد الله عند موته، فقال: لا أعلم من مالي درهماً من حرام، ولا درهماً من شبهة، قال أحمد: فتصاغرت إليَّ نفسي عند ذلك، قال أبو عبد الله: أصدق ما يكون الرجل عند الموت.
وقال عطاء بن السائب: ذهبنا نرجي أبا عبد الرحمن السلمي عند موته -أي: نذكره برجاء الله، فقال: إني لأرجو ربي وقد صمت له ثمانين رمضاناً.
وقال أبو عمر ابن حمدان الإمام المحدث الزاهد وقد عمر تسعين سنة، وتوفي وزوجته حبلى وله بنت، فقالت له زوجته عند وفاته: قد قربت ولادتي، فقال: سلمته إلى الله، قد جاءوا ببراءتي من السماء، وتشهد ومات في ذلك الوقت، روى القصة الذهبي ﵀ في سير أعلام النبلاء.
стр. 3429
قصة لأبي إسحاق الحربي
وأبو إسحاق الحربي تلميذ أحمد من أئمة الفقه والحديث الذي كان يقول: من لم يجر مع القدر لم يتهن بعيشه، الذي لا يستسلم للقضاء والقدر لا يتهنى بعيشه، قال: قد كانت بي شقيقة -صداع الرأس- منذ أربعين سنة ما أخبرت بها أحداً، ولي عشرين سنة أبصر بفرد عين -بعين واحدة- ما أخبرت بها أحداً، مكث نيفاً وسبعين سنة من عمره لا يسأل أهله غداءً ولا عشاءً، إن جاءه شيء أكله، وإلا طوى وبقي إلى الليلة القابلة، دخل عليه بعض أصحابه عند موته، فقامت ابنته تشكو إليه ما هم فيه من الجهد، وأنه لا طعام لهم إلا الخبز اليابس والملح، وربما عدموا الملح في بعض الأحيان، فقال لها إبراهيم: يا بنية! تخافين الفقر؟ انظري إلى تلك الزاوية فيها اثني عشر ألف جزء قد كتبتها وكان من المحدثين، ففي كل يوم تبيعي منها جزءاً بدرهم، فمن عنده اثني عشر ألف درهم، فليس بفقير، ولما حضر بعض العباد الوفاة وكان قد أوصى بعض أصحابه أن يوضئه، فأخذ هذا الذي حضر، فلم يستطع الكلام، فشرع الموضئ يوضئه، فلما بلغ موضع اللحية نسي أن يخللها، فأخذ بيده فأدخلها في لحيته، أخذ بيد مغسله فأدخلها في لحيته، ثم قبض، قال بعضهم: فهذا الذي لم ينس آداب الشريعة حتى عند الموت.
стр. 3430
الجنيد والكاساني عند الوفاة
ولما حضرت الجنيد الوفاة، جعل يصلي ويتلو القرآن، فقيل له: لو رفقت بنفسك في مثل هذه الحال، فقال: لا أحد أحوج إلى ذلك مني الآن، وهذا أوان طي صحيفتي، أبادر طيِّ الصحيفة قبل أن تطوى.
وأما الكاساني ﵀، فإنه لما حضرته الوفاة شرع في قراءة سورة إبراهيم حتى إذا انتهى إلى قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧] خرجت روحه عندما فرغ من قوله تعالى: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧].
محمد بن إسماعيل النساج قصته في البداية والنهاية لـ ابن كثير، لما حضرته الوفاة نظر إلى زاوية البيت، فقال: قف رحمك الله، فإنك عبدٌ مأمورٌ، وأنا عبدٌ مأمورٌ، وما أمرت به لا يفوت، وما أمرت به يفوت، ثم قام وتوضأ وصلى، وتمدد ومات رحمه الله تعالى.
стр. 3431
من أبرز العلماء المتأخرين الذين فقدتهم الأمة
أيها المسلمون: ألا تلاحظون كيف يموت العلماء تترا ويذهبون، فذهب الإمام العالم الشيخ: عبد العزيز بن باز بعدما ذهب الشيخ: ابن غصون، وكذلك الأديب الواعظ الشيخ: علي الطنطاوي، ومن المشتغلين بالفقه الشيخ: مصطفى الزرقاء، ثم القاضي العالم: عطية سالم، والشيخ: مناع القطان من المؤلفين في علوم القرآن، ذهبوا في أشهر وجيزة جداً، وهكذا تتابع المصائب بموت أهل العلم.
نسأل الله أن يجعلنا ممن أخلصوا له.
ليس الخوف على من مات محسناً، إنما الخوف على الحي والله، أما المحسن فنرجو له عند ربه الكرامة، ولكن الخوف علينا ونحن لا ندري على أي شيء نموت، وعلى أي شيء تقبض أرواحنا، وهل سنتمكن من الشهادة أم لا، الخوف على الحي، والعبرة من ذهاب العلماء بأن يتحمس طلاب العلم للازديادة منه، فإنه لا بد من تعويض النقص الذي حصل في الأمة، ونسأل الله أن يخلف بخير.
أيها الإخوة: إن من مات سواء كان عالماً معلماً، وداعيةً فقيهاً، وواعظاً مؤدباً، فنرجو له عند الله الحسنى، وأن يجزل له المثوبة والأجر.
اللهم ارفع درجاتهم في جنات النعيم، واخلفهم في الغابرين.
стр. 3432
ماذا قالوا عند الموت؟! [٢]
تحدث الشيخ في هذه المحاضرة عن الأسباب التي تؤدي إلى سوء الخاتمة، كما تعرض لذكر عدة صور ممن ختم لهم بخاتمة سيئة، فذكر قصة محبي الدنيا وقصص بعض الظلمة عند الموت، وكذلك قصص محبي الغناء ومحبي جلساء السوء.
стр. 3433
وقفات مع سوء الخاتمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
عباد الله: أيها الإخوة! تحدثنا في الخطبة الماضية عن أقوال الصالحين عند الموت وبعض العبارات والأعمال التي قاموا بها عندما حضرتهم المنية وأقبلوا على الله، ومسلسل المنون يتتابع، ونذكر في هذه الخطبة الجانب المقابل في سوء الخاتمة وأقوال بعض من ختم فيه بالسوء عندما حضرتهم الوفاة.
اعلموا -رحمكم الله- أن الصالحين يتخوفون من سوء الخاتمة، ويخشون أن يبدو لهم عند الموت ما لم يكونوا يحتسبون، وأنهم يوقنون أن الأعمال بالخواتيم، وأن العبد يبعث على ما مات عليه كما أخبر النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم.
стр. 3434
الإصرار على الكبائر سبب في سوء الخاتمة
والخاتمة السيئة لا تكون لمن استقام ظاهره وصلح باطنه، وإنما تكون لمن كان له فساد في العقل وإصرار على الكبائر، وإقدام على العظائم، فربما غلب ذلك عليه حتى ينزل به الموت، فيختم لهؤلاء بخاتمة سيئة، وقد تبدو تلك الخاتمة من بعض من حضرهم الموت، ولهذا أسباب، فمن ذلك: فساد الاعتقاد؛ وهو أخطرها على الإطلاق، فيتكشف في حال السكرات بطلان ما اعتقده، ولهذا يقول تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧] ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [الكهف:١٠٥ - ١٠٤].
فخاتمة السوء تكون بسبب دسيسة باطن للعبد ربما لا يطلع عليها الناس، فتظهر عند وفاته، يظهر المخبوء، قال عبد العزيز بن أبي رواد ﵀: حضرت رجلاً عند الموت يلقن لا إله إلا الله، فقال في آخر ما قال: هو كافرٌ بها، ومات على ذلك، قال: فسألت عنه، فإذا هو مدمن خمر، فكان عبد العزيز يقول: اتقوا الذنوب فإنها هي التي أوقعته.
إن الإصرار على المعاصي وهو سببٌ ثانٍ لسوء الخاتمة يجعل إلفها في قلب صاحبها، وإذا كان ميله إليها أكثر، حضرته عند الوفاة ربما فغلبت عليه فهلك، فهذه شهوة المعصية تصير حجاباً بين صاحبها وبين ربه، وتكون سبباً في شقائه في آخر عمره، ويعرف ذلك بمثال: وهو أن الإنسان لا شك أنه يرى في منامه من الأحوال التي ألفها طول عمره، حتى أن الذي قضى عمره في العلم يرى من الأحوال المتعلقة بالعلم والعلماء، والذي قضى عمره في الخياطة يرى من الأحوال المتعلقة بالخياطة، والذي اشتغل بالتجارة إدمانه عليها يومياً، وانشغاله بها يجعله يراها في نومه، وقد أخبر النبي ﷺ عن نوعٍ من أنواع الرؤى، أي: (رؤى الشيء يهمّ الرجل في نهاره، فيراه في نومه) والموت وإن كان فوق النوم، لكن سكراته وما يتقدمه من الغشيان قريب من النوم، فطول الإلف بالمعاصي يقتضي تذكرها عند الموت، وعودها في القلب، فإذا قبضت روح العاصي في تلك الحال، يختم له بالسوء حتى قال مجاهد ﵀: [ما من ميت يموت إلا مثل له جلساؤه الذين كان يجالسهم] فهذه خطورة اعتياد المعصية والإدمان عليها، وضعف الإيمان الذي يجعل الإنسان واقعاً في المعاصي.
стр. 3435
سوء الخاتمة على قسمين
وسوء الخاتمة على رتبتين: إما أن يغلب على القلب عند سكرات الموت وظهور أهواله شكٌ، أو جحودٌ، فتقبض الروح على تلك الحال، فتكون حجاباً بينه وبين الله أبداً، وذلك يقتضي العذاب المخلد.
والرتبة الثانية: أن يغلب على القلب عند الموت حب أمر من الأمور التي كان يقارفها صاحبها وهو حي، فتظهر عند وفاته، فربما تكون سبباً في عذابه، قال ابن كثير ﵀: والمقصود أن الذنوب والمعاصي والشهوات تخذل صاحبها عند الموت مع خذلان الشيطان له، فيجتمع له الخذلان مع ضعف الإيمان، فيقع في سوء الخاتمة، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً﴾ [الفرقان:٢٩].
следующие страницы →