Полный текст (7 040 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.
стр. 3536
أهمية الجانب الأخلاقي في منهج السلف
وموضوع الأخلاق موضوع كبير يتعلق بمنهج أهل السنة والجماعة، وليس كما يتصور البعض أنه موضوع منفصل عن المنهج أو أنه شيء أدنى منزلة أو جانبا، ً كلا! بل هو من صلب المنهج.
ومما يؤيد أهمية الجانب الأخلاقي في منهج السلف: تضمين علمائهم هذه الجوانب فيما كتبوه من أصول أهل السنة والجماعة، كـ العقيدة الواسطية والطحاوية وغيرها، ومن أمثلة ذلك: قول الإمام الصابوني في تقريره لعقيدة السلف: ويتواصون بقيام الليل للصلاة بعد المنام، وبصلة الأرحام على اختلاف الحالات، وإفشاء السلام وإطعام الطعام، والرحمة على الفقراء والمساكين والأيتام، والاهتمام بأمور المسلمين، والتعفف في المأكل والمشرب والملبس والمنكح والمصرف، والسعي في الخيرات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمدار في فعل الخيرات أجمع، واتقاء عاقبة الطمع، ويتواصون بالحق والصبر.
وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في العقيدة الواسطية لما ذكر معتقد أهل السنة والجماعة قال: ثم هم مع هذه الأصول يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر على ما توجبه الشريعة، ويرون إقامة الحج والجهاد والجمع والأعياد مع الأمراء أبراراً كانوا أو فجاراً، ويحافظون على الجماعات، ويدينون بالنصيحة للأمة، ويعتقدون معنى قوله ﷺ : (المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً -وشبك بين أصابعه-) وقوله ﷺ : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) ويأمرون بالصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء، والرضى بِمُرِّ القضاء، ويدعون إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، ويعتقدون معنى قوله ﷺ : (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً) ويندبون إلى أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، ويأمرون ببر الوالدين، وصلة الأرحام، وحسن الجوار، والإحسان إلى اليتامى والمساكين وابن السبيل، والرفق بالمملوك، وينهون عن الفخر، والخيلاء، والبغي، والاستطالة على الخلق بحق أو بغير حق، ويأمرون بمعالي الأخلاق، وينهون عن سفاسفها.
إذاً: هذا هو المنهج الشامل للسلف الصالح ﵏ أهل السنة والجماعة بجانبيه العقدي والأخلاقي، وبقدر ما يحصل من النقص في أحدهما يكون النقص في الالتزام بهذا المنهج العظيم، ولذلك يمكن أن يوجد في الواقع طلبة علم جيدون من جهة العقيدة والتفسير ومصطلح الحديث وأصول الفقه واللغة العربية ونحو ذلك، لكنهم في جانب الأخلاق ليسوا بذاك، فلا شك أن في هؤلاء نقصاً بحسب ما نقص من أخلاقهم.
وموضوع الأخلاق موضوع خطير؛ لأنه يمكن أن يقدم بحسن الأخلاق منهج مسموم، كما يمكن أن يعرض الناس بسوء الخلق عن المنهج السليم.
стр. 3537
الخلق والدين
فإذاً -أيها الإخوة- لابد من التركيز على هذا الموضوع؛ لأنه -كما قلنا- من أهم عوامل النجاح؛ فإن كثيراً من الناس لا ينظرون إلى معتقدك ولا إلى عبادتك، وإنما ينظرون إلى خلقك أولاً، فإذا أعجبهم أخذوا عنك العقيدة والأخلاق والعبادة والعلم، وإذا لم يعجبهم تركوك وما أنت عليه من العلم، فإذاً لابد من الخلق، ويكفينا أن الله تعالى قال لنبيه ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] قال ابن عباس ومجاهد: لعلى دينٍ عظيم وهو دين الإسلام.
فالخلق أطلق على الدين كله، وهو ما كان يأمر به ﷺ من أمر الله وينهى عنه من نهي الله، والمعنى: إنك لعلى الخلق الذي آثرك الله به في القرآن.
ولذلك جاء في الصحيحين: أن سعد بن هشام سأل عائشة ﵂ عن خلق النبي ﷺ فقالت: [كان خلقه القرآن] فقال: لقد هممت أن أقوم ولا أسأل شيئاً.
أي: لقد كفتني هذه العبارة البليغة الموجزة، حتى هممت أن أقوم ولا أسألها شيئاً.
وأصول الأخلاق مجموعة في قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩] فليس هناك في القرآن أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية، فهي أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، فهذه الآية أرشدت النبي ﷺ أن يأخذ العفو من أخلاق الناس، ويقبل الاعتذار، ويعفو ويتساهل مع الناس، ويترك الاستقصاء والبحث والتفتيش عن أحوالهم، وكذلك يأخذ ما عفا من أموالهم وهو الفاضل، مثل قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة:٢١٩] قال الله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩] أي: إذا سفه عليك الجاهل فلا تخاطبه بالسفه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً﴾ [الفرقان:٦٣].
وقال أنس ﵁: [كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقاً وقال: ما مسست ديباجاً ولا حريراً ألين من كف رسول الله ﷺ ، ولا شممت رائحة قط أطيب من رائحة رسول الله ﷺ ، ولقد خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين فما قال لي قط: أفٍ، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلت كذا؟] متفق عليه.
والبر: حسن الخلق، كما قال النبي ﷺ ، وحسن الخلق هو الدين كله، وهو حقائق الإيمان وشرائع الإسلام، وفسر حسن الخلق بأنه البر؛ فدل على أن حسن الخلق طمأنينة النفس والقلب.
стр. 3538
منزلة حسن الخلق وجزاؤه في الآخرة
стр. 3539
ثقل الميزان والفوز بأعلى الجنان
وقد بلغ من منزلة حسن الخلق يوم القيامة أن يكون صاحبه من أثقل الناس وزناً، كما قال النبي ﷺ : (ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق) وهو أكثر ما يدخل الناس الجنة، كما قال ﵊ عندما سئل عن ذلك: (تقوى الله وحسن الخلق) وميزان الكمال عند المؤمنين بكمال أخلاقهم: (إن من أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً) حديث صحيح.
وهذا الأمر هو الذي يدرك به الإنسان درجات العبادة الكبار، كما قال ﵊: (إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم) رواه أبو داود، وهو حديث صحيح، وأبشر يا صاحب حسن الخلق ببيت في أعلى الجنة، فإنه ﵊ قال: (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً، وبيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه) رواه الطبراني وإسناده صحيح، فالبيت العلوي جزاءٌ لأعلى المقامات الثلاثة وهي حسن الخلق.
وصاحب الخلق الحسن أقرب الناس مجلساً من النبي ﵊ يوم القيامة، كما قال النبي ﷺ : (إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً) رواه الترمذي، وهو حديث صحيح.
فهذا الخلق الحسن أثقل شيء في ميزان العبد؛ لأن الأعمال توزن يوم القيامة وزناً حقيقياً ترجح الكفة بها، وأثقل شيء في الميزان الخلق الحسن، وهي وصيته ﷺ للمؤمن في معاملة الناس حين قال: (وخالق الناس بخلق حسن).
стр. 3540
من حَسُن خلقه بلغ درجة الصائم والقائم
وكذلك فإن حسن الخلق يدرك به صاحبه -كما قلنا- درجة القائم بالليل الظامئ بالهواجر وهو النهار الحار، والله تعالى يحب مكارم الأخلاق ويكره سفسافها، وسفسافها: هو حقيرها ورديئها.
وكذلك فإن أعظم نعم الله على العبد حسن الخلق، كما قال ﷺ : (إن الناس لم يعطوا شيئاً خيراً من خلق حسن) وكذلك فإن بعثته ﵊ إنما هي لإتمام صالح الأخلاق، كما ذكر ﷺ ، وهي وصيته للصحابي لما قال له: (عليك بحسن الخلق) وهي الميزان الذي تقاس به الخيرية، كما في قوله ﷺ : (خياركم أحاسنكم أخلاقاً) ومن كان سهلاً هيناً ليناً حرَّمه الله على النار، وهذا دليل على أن من أسباب الوقاية من النار حسن الخلق.
стр. 3541
كيفية علاج ما اعوجّ من الأخلاق
والنبي ﷺ كان يتلافى المعوج من أخلاق الناس بكرمه، كما روى البخاري ﵀ عن عبد الله بن أبي مليكة: (أن النبي ﷺ أهديت إليه أقبية من ديباج مزررة بالذهب، فقسمها في ناس من أصحابه وعزل منها قباءً لـ مخرمة بن نوفل، فجاء ومعه المسور بن مخرمة، فقام على الباب فقال: ادعه لي، فسمع النبي ﷺ صوته فأخذ قباءً منها كان عليه، فتلقاه به واستقبله بأزراره فقال: يا أبا المسور! خبأت هذا لك، يا أبا المسور!) وكان أبو المسور في خلقة شدة، فكان ﵊ يتلافى بحسن خلقه شدة أخلاق الناس، والأخلاق الحسنة تغطي على الأخلاق الرديئة، ولذلك وجه النبي ﷺ الأزواج إلى النظر إلى الناحية الإيجابية من أخلاق الزوجات فقال ﷺ : (لا يفرك -يعني: لا يكره- مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي منها آخر) رواه مسلم.
ومن أسباب تجاوز الله عن العبد يوم القيامة حسن الخلق، فإن حذيفة ﵁ قال: (أُتي الله بعبدٍ من عباده آتاه الله مالاً فقال: ماذا عملت في الدنيا قال: يا رب آتيتني مالاً فكنت أتجاوز على الموسر وأنظر المعسر، فقال الله: أنا أحق بذا منك، تجاوزوا عن عبدي) فقال عقبة بن عامر الجهني وأبو مسعود الأنصاري: هكذا سمعناه من فيّ رسول الله ﷺ .
رواه مسلم.
وحسن الخلق هو الذي لفت إليه النبي ﷺ إذا تقدم إليك من يخطب ابنتك فقال: (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه) وفي رواية: (خلقهُ ودينه) فهذا هو الشيء الذي ينظر منه إلى الخاطب.
وحكمة الله البالغة اقتضت أن يجعل في البشر أخلاقاً عالية، وكذلك أخلاقاً سافلة، وعند المقارنة يظهر حسن هذا وقبح ذاك؛ لأن الضد يظهر حسنه الضد، وبضدها تعرف الأشياء، فلولا الظلام ما عرفت فضيلة النور، ولولا أنواع البلايا ما عرفت قيمة العافية، ولولا خلق الشياطين والهوى والنفس الأمارة بالسوء لما حصلت عبودية الصبر والمجاهدة وترتب الأجر والجنة عليهما.
إذاً: عندنا محاسن الأخلاق ومساوئ الأخلاق، فإذا قلت: محاسن الأخلاق مثل: الصدق، والأمانة، والوفاء، والإيثار، والكرم، والعفة، وكظم الغيظ، والتواضع، والإخلاص، والعدل، وغير ذلك؛ فإنك إذا قارنتها بغيرها تتبين جمال هذه الأخلاق، وضدها مثل: الكذب، والنفاق، والغدر، والخيانة، والبخل، والرياء، والكبر، والعجب، والمفاخرة، والحسد، والطمع، والحقد، والظلم، وغير ذلك من الأخلاق.
وكما أن حسن الخلق منجاة ونجاح، فسوء الخلق ضياع ودمار، ولا بد إذاً من الالتزام والتمسك بهذه الأخلاق الحسنة.
стр. 3542
اعتناء أهل العلم وكلامهم في الأخلاق
وقد اعتنى العلماء رحمهم الله تعالى بجمع محاسن الأخلاق ومساوئ الأخلاق، وأفردوها بالمصنفات، وألف في ذلك ابن أبي الدنيا والخرائطي رحمهما الله، وكذلك عدد من العلماء.
وكما كنا قد ذكرنا سابقاً في موضوع الآداب الشرعية شيئاً من المنظومات التي نظمها بعض أهل العلم في الآداب، فإننا سنذكر -إن شاء الله- في هذا الدرس شيئاً من المنظومات التي نظمها أهل العلم في الأخلاق.
стр. 3543
لامية ابن الوردي
فمن أعظم المنظومات التي نظمت في الأخلاق اللامية المسماة: لامية ابن الوردي، نريد أن نلقي الضوء على شيء من أبيات هذه اللامية؛ حتى يتبين لنا مدى اعتناء العلماء ﵏ بجمع هذه الأخلاق، قال ابن الوردي رحمه الله تعالى:
اعتزل ذكر الأغاني والغزل وقل الفصل وجانب من هزل
ودع الذكرى لأيام الصبا فلأيام الصبا نجمٌ أفل
إن أهنا عيشة قضيتها ذهبت لذاتها والإثم حل
واترك الغادة لا تحفل بها تمس في عز وترفع وتجل
وانه عن آلة لهو أطربت وعن الأمرد مرتج الكفل
وافتكر في منتهى حسن الذي أنت تهواه تجد أمراً جلل
واهجر الخمرة إن كنت فتى كيف يسعى في جنون من عقل
واتق الله فتقوى الله ما جاورت قلب امرئ إلا وصل
ليس من يقطع طرقاً بطلاً إنما من يتقي الله البطل
صدق الشرع ولا تركن إلى رجل يرصد في الليل زحل
حارت الأفكار في قدرة من قد هدانا سبلنا
أي بني اسمع وصايا جمعت حكماً خصت بها خير الملل
اطلب العلم ولا تكسل فما أبعد الخير على أهل الكسل
واحتفل للفقه في الدين ولا تشتغل عنه بمال وخول
واهجر النوم وحصله فمن يعرف المطلوب يحقر ما بذل
لا تقل قد ذهبت أربابه كل من سار على الدرب وصل
في ازدياد العلم إرغام العدا وجمال العلم إصلاح العمل
جمل المنطق بالنحو فمن يحرم الإعراب بالنطق اختبل
مات أهل الفضل لم يبق سوى مكرف أو من على الأصل اتكل
أنا لا أختار تقبيل يدٍ قطعها أجمل من تلك القبل
إن جزتني عن مديحي صرت في رقها أولا فيكفيني الخجل
ملك كسرى تغني عنه كسرةٌ وعن البحر اجتزاء بالوشل
أعذب الألفاظ قولي لك خذ وَأَمرُّ اللفظ نطقي بلعل
اعتبر نحن قسمنا بينهم تلقه حقاً وبالحق نزل
ليس ما يحوي الفتى من عزمه لا ولا ما فات يوماً بالكسل
اطرح الدنيا فمن عاداتها تخفض العالي وتعلي من سفل
عيشة الراغب في تحصيلها عيشة الجاهد فيها أو أقل
كم جهول وهو مسرٍ مكثر وعليم مات منها بالعلل
كم شجاع لم ينل فيها المنى وجبان نال غايات الأمل
أيُ كف لم تَفد مما تُفد فرماها الله منه بالشلل
لا تقل أصلي وفصلي أبداً إنما أصل الفتى ما قد حصل
قد يسود المرء من غير أبٍ وبحسن السبك قد ينفى الزغل
وكذا الورد من الشوك وما يطلع النرجس إلا من بصل
قيمة الإنسان ما يحسنه أكثر الإنسان منه أو أقل
اكتم الأمرين فقراً وغنى واكسب الفلس وحاسب من بطل
وادَّرع جداً وكداً واجتنب صحبة الحمقى وأرباب الخلل
بين تبذير وبخل رتبةٌ وكلا هذين إن دام قتل
لا تخض في سب سادات مضوا إنهم ليسوا بأهل للزلل
وتغافل عن أمور إنه لم يفز بالحمد إلا من غفل
ليس يخلو المرء من ضدٍ وإن حاول العزلة في رأس جبل
مِل عن النمام وازجره فما بلغ المكروه إلا من نقل
دار جار السَّوء بالصبر وإن لم تجد صبراً فما أحلى النُقل
جانب السلطان واحذر بطشه لا تعاند من إذا قال فعل
لا تل الحكم وإن هم سألوا رغبة فيك وخالف من عذل
إن نصف الناس أعداء لمن ولي الأحكام هذا إن عدل
فهو كالمحبوس عن لذاته وكلا كفيه في الحشر تغل
إن للنقص والاستثقال في لفظة القاضي لوعظاً ومثل
لا تواز لذة الحكم بما ذاقه الشخص إذا الشخص انعزل
فالولايات وإن طابت لمن ذاقها فالسم في ذاك العسل
نَصَبُ المنصب أوهى جلدي وعنائي من مداراة السِفل
قصِّر الآمال في الدنيا تفز فدليل العقل تقصير الأمل
غِب وزر غِباً تزد حباً فمن أكثر الترداد أقصاه الملل
خذ بحد السيف واترك غمده واعتبر فضل الفتى دون الحُلل
لا يضر الفضلَ إقلالٌ كما لا يضر الشمس إطباق الطفل
حبك الأوطان عجز ظاهرٌ فاغترب تلقَ عن الأهل بدل
فبمكث الماء يبقى آسناً وسُرى البدر به البدر اكتمل
لا يغرنك لين من فتى إن للحيات ليناً يعتزل
أنا مثل الماء سهل سائغٌ ومتى سخن آذى وقتل
أنا كالخيزور صعب كسره وهو لينٌ كيفما شئت انفتل
غير أني في زمان من يكن فيه ذا مال هو المولى الأجل
واجب عند الورى إكرامه وقليل المال فيهم يستقل
كل أهل العصر غمرٌ وأنا منهم فاترك تفاصيل الجمل
стр. 3544
نونية أبي الفتح البستي
ومن المنظومات الرائعة في الأخلاق: القصيدة النونية العظيمة، التي نظمها الشاعر بعنوان: الحِكَم، وهو أبو الفتح البستي رحمه الله تعالى، يقول في مطلعها:
زيادة المرء في دنياه نقصان وربحه غير محض الخير خسرانُ
وكل وجدان حظ لا ثبات له فإن معناه في التحقيق فقدانُ
يا عامراً لخراب الدهر مجتهداً بالله هل لخراب العمر عمرانُ
ويا حريصاً على الأموال تجمعها أنسيت أن سرور المال أحزانُ
زع الفؤاد عن الدنيا وزينتها فصفوها كدرٌ والوصل هجرانُ
وأرع سمعك أمثالاً أفصلها كما يفصل ياقوت ومرجانُ
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم فطالما استعبد الإنسان إحسانُ
يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته أتطلب الربح فيما فيه خسرانُ
أقبل على النفس واستكمل فضائلها فأنت بالنفس لا بالجسم إنسانُ
وإن أساء مسيٌ فليكن لك في عروض زلته صفحٌ وغفرانُ
وكن على الدهر معواناً لذي أمل يرجو نداك فإن الحر معوانُ
من يتقِ الله يحمد في عواقبه ويكفه شر من عزوا ومن هانوا
من كان للخير مناعاً فليس له على الحقيقة إخوان وأخدانُ
من جاد بالمال مالَ الناسُ قاطبةً إليه والمال للإنسان فتانُ
من سالم الناس يسلم من غوائلهم وعاش وهو قرير العين جذلانُ
من عاشر الناس لاقى منهم نصباً لأن سوسهم بغي وعدوانُ
ومن يفتش عن الإخوان يَقْلَهم فجل إخوان هذا العصر خوانُ
من يزرع الشر يحصد في عواقبه ندامةً ولحصد الزرع إبانُ
من استنام إلى الأشرار نام وفي قميصه منهم صلٌ وثعبانُ
كن ريق البشر إن الحر همته صحيفةٌ وعليها البشر عنوانُ
ورافق الرفق في كل الأمور فلم يندم رفيق ولم يذممه إنسانُ
ولا يغرنك حظ جره خرقٌ فالخرق هدم ورفق المرء بنيانُ
أحسن إذا كان إمكان ومقدرةٌ فلن يدوم على الإحسان إمكانُ
فالروض يزدان بالأنوار فاغمة والحر بالعدل والإحسان يزدانُ
صن حر وجهك لا تهتك غلالته فكل حر لحر الوجه صوانُ
فإن لقيت عدواً فالقه أبداً والوجه بالبشر والإشراق غضانُ
لا تودع السر وشاءً يبوح به فما رعى غنماً في الدّوِّ سرحانُ
لا تحسب الناس طبعاً واحداً فلهم غرائز لست تحصيهن ألوانُ
لا تخدشن بمطل الوجه عارفةٍ فالبر يخدشه مطل وليانُ
لا تستشر غير ندبٍ حازمٍ يقظ قد استوى فيه إسرارٌ وإعلانُ
فللتدابير فرسان إذا ركضوا فيها أبروا كما للحرب فرسانُ
وللأمور مواقيت مقدرةٌ وكل أمرٍ له حد وميزانُ
فلا تكن عجلاً في الأمر تطلبه فليس يحمد قبل النضج بحرانُ
كفى من العيش ما قد سد من عوزٍ ففيه للحر إن حققت غنيانُ
وذو القناعة راضٍ من معيشته وصاحب الحرص إن أثرى فغضبانُ
إذا جفاك خليلٌ كنت تألفه فاطلب سواه فكل الناس إخوانُ
وإن نبت بك أوطان نشأت بها فارحل فكل بلاد الله أوطانُ
كل الذنوب فإن الله يغفرها إن شيع المرء إخلاص وإيمانُ
وكل كسر فإن الدِّين يجبره وما لكسر قناة الدين جبرانُ
خذها سوائر أمثالٍ مهذبةٍ فيها لمن يبتغي التبيان تبيانُ
ما ضر حسانها والطبع صائغها إن لم يصغها قريع الشعر حسَّانُ
стр. 3545
كلام ابن القيم في تهذيب الأخلاق
وكما قلنا؛ فإن العلماء ﵏ اهتموا بقضية جمع محاسن الأخلاق، وكذلك اهتموا بجمع مساوئ الأخلاق للتحذير منها، واهتموا كذلك بالكلام عن حقيقة الخلق وكيف تعالج الأخلاق الرديئة، وكيف يتخلص الإنسان من الأخلاق الرديئة، وهناك كلام نفيس ذكره أهل العلم في هذه المسألة.
يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في مسألة التخلص من الأخلاق الرديئة: اعلم أن أصعب ما على الطبيعة الإنسانية تغيير الأخلاق التي طبعت النفوس عليها، وأصحاب الرياضات الصعبة والمجاهدات الشاقة إنما عملوا عليها ولم يظفر أكثرهم بتبديلها ثم قال: ونقدم مثلاً: نهر جارٍ في صببه ومنحدره، ومنتهٍ إلى تغريق أرض وعمران ودور، وأصحابه يعلمون أنه لا ينتهي هذا النهر حتى يخرب دورهم ويتلف أراضيهم، فانقسموا ثلاث فرق: فرقةٌ صرفت قواها وقوى أعمالها إلى سَكْره وحبسه وإيقافه، وقالوا: أحسن شيء أن نقفل النهر ونغلقه من أساسه، فلم تصنع هذه الفرقة كبير أمرٍ، فإنه يوشك أن يجتمع ثم يحمل على السكر الذي وضعوه للإغلاق، فيكون إفساده وتخريبه أعظم.
والفرقة الثانية: رأت هذه الحالة وعلمت أنه لا يغني عنها شيئاً، فقالت: لا خلاص من محذوره إلا من قطعه من أصل الينبوع، فرامت قطعه من أصله، فتعذر ذلك غاية التعذر، وأبت الطبيعة النهرية عليهم ذلك أشد الإباء، فهم دائماً في قطع الينبوع، وكلما سدوه من موضع نبع من موضع، فاشتغل هؤلاء بشأن هذا النهر عن الزرع والعمارة وغرس الأشجار، فإذاً لا الإغلاق نفع ولا سده من أصله نفع.
فجاءت فرقةٌ ثالثة خالفت رأي الفريقين، وعلموا أنهم قد ضاع عليهم كثير من مصالحهم؛ فأخذوا في صرف ذلك النهر عن مجراه المنتهي إلى العمران، فصرفوه إلى موضع ينتفعون بوصوله إليه ولا يتضررون، فصرفوه إلى أرض قابلةٍ للنبات وسقوها به.
فإذا تبين هذا المثل؛ فالله سبحانه قد اقتضت حكمته أن ركَّب الإنسان على طبيعةٍ محمولة على قوتين: غضبية وشهوانية، وهاتان القوتان هما الحاملتان لأخلاق الناس وصفاتها.
وعلاجها: إما بتر الخلق من أصله وهذا غير ممكن، والحل هو تحويل هذا الخلق السيئ إلى مجرى خير، فلو كان عند الإنسان حسد -مثلاً- فليصرفه في المنافسة على الخير (لا حسد إلا في اثنتين) صاحب القرآن وصاحب المال الذي ينفقه في الخير ويهلكه في الخير، ويحرص على التنافس مع أهل الخير كما قال الله: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦] ولو كان الإنسان فيه خيلاء فليختل على العدو في المعركة؛ لأن هذا النوع من الخيلاء مسموح به، وأيضاً لو أن إنساناً يعاني من الكذب، فإنه يصرفه إلى الكذب على العدو، والكذب للإصلاح بين المتخاصمين، وكذلك ما يكون بين الزوجين، كأن يقول: ما ذقت ألذ من هذا الطبخ! وهو قد ذاق ألذ منه، فإن هذا مسموح به بين الزوجين.
فإذاً: الإنسان الذي يريد سد النهر فإن الطبيعة النهرية تأبى ذلك، فأفضل حل هو أن يغير مجرى الخلق من الاتجاه السيئ إلى الاتجاه الحسن، وأن يروض نفسه، ولاشك أن الجبلة قابلة للتغيير، ولا يمكن أن نقول: إن الإنسان لا يمكنه التغيير، بل إنه يمكنه ذلك قطعاً، والدليل على ذلك: أن النبي ﷺ قال: (إنما العلم بالتعلم وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتصبر يصبره الله) فمعلوم أن الحلم والصبر من الأخلاق، فلم يقل: إذا لم يكن عندك حلم فلن تكون حليماً أبداً، وإذا لم يكن عندك صبر فلن تصبر أبداً، وإنما قال: (والحلم بالتحلم) أي: إذا تكلفت الحلم حتى تتعود عليه صار ذلك طبيعةً لك وسجية، وكذلك الصبر إذا تصبرت فستصبح صبوراً.
стр. 3546
رءوس الأخلاق الحسنة
ولنعلم -أيها الإخوة- أن حسن الخلق يقوم على أربعة أركان، أو رءوس الأخلاق أربعة: الصبر، والعفة، والشجاعة، والعدل.
فالصبر يحمل على الاحتمال وكظم الغيظ وكف الأذى، والعفة تجنب الإنسان الرذائل والقبائح، والشجاعة تحمل على عزة النفس وإيثار معالي الأخلاق، والعدل الذي يحمل على الاعتدال والتوسط.
هذه الأخلاق الفاضلة الأربعة هي رءوس الأخلاق، كما أن الأخلاق السافلة مبناها على أربعة أخلاق: الجهل، والظلم، والشهوة، والغضب.
فالجهل يري الإنسان الحسن قبيحاً، والظلم يحمله على وضع الشيء في غير موضعه، والشهوة تحمله على الحرص والشح والبخل والرذائل والفواحش والدناءات، والغضب يولد الكبر والحقد والحسد والعدوان والسفه، ولذلك لابد من مراقبة هذه الأخلاق الدنيئة؛ حتى يتخلص الإنسان منها ولا يقع فيها؛ لأننا إذا عرفنا الأصل عرفنا كيف نتعامل.
стр. 3547
اكتساب الأخلاق الحسنة
ولنعلم -أيها الإخوة- أن هذه الأخلاق التي سنتحدث عنها -إن شاء الله- بالتفصيل يمكن أن تكتسب، وليست أموراً غير قابله للاكتساب، لكن منها ما هو جبلي ومنها ما هو كسبي، فالجبلي: أن الله جبل عليه من شاء من خلقه، كما قال النبي ﷺ للصحابي: (إن فيك لخلقين يحبهما الله: الحلم والأناة) والنبي ﷺ كان يسأل الله أن يكسبه الأخلاق الحسنة كما كان يقول في دعاء الاستفتاح: (اللهم اهدني إلى أحسن الأخلاق لا يهدني لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت).
وكذلك فإن المجاهدة من الأمور التي تعين الإنسان على اكتساب الأخلاق الحسنة، وكذلك فإننا نتوقع أن التدرج سيكون نافعاً في عملية تغيير الأخلاق؛ لأن من الصعب على الإنسان أن يقفز قفزة واحدة من خلق سيء إلى خلق حسن.
وكذلك من الأمور المهمة -وهذه النقطة تعيننا في مسألة ترك المثاليات-: أن بعض الناس يظن أنه يمكنه بسهولة أن يكتسب الخلق، والحقيقة أن القضية تحتاج إلى مجاهدة، والمجاهدة تبنى على المحاسبة، ويحتاج الإنسان إلى إخوان يوجهونه ويبينون له، وإلاّ فكيف سيكتشف عيب نفسه إذا لم يكن حوله من يقول له: فيك خلق سيء ويحتاج إلى تقويم، فأمر حسن أن يكون حول الإنسان من يرشده وينصحه.
وكذلك من الأمور المهمة في اكتساب الأخلاق الحسنة: أن يتطلع الإنسان إلى المعالي ويرفع نفسه إليها؛ لأن الله يحب معالي الأخلاق، ويكره سفسافها.
كذلك الإبدال: فإن الإنسان إذا استقام فإن البخل يتحول إلى كرم، والدياثة تتحول إلى غيرة، والكبر يتحول إلى تواضع، والوقاحة تتحول إلى حياء، وهذا مجرب عند بعض الذين يهديهم الله ، فتتغير أخلاقهم فعلاً، فالهداية منبع التغير في الأخلاق.
ثم إن قراءة سير الصالحين من الأنبياء والعلماء الذين هم القدوة الحسنة خير معين على اكتساب الأخلاق الحسنة، فهذا الإمام أبو إسحاق الشيرازي ﵀ يقول عنه الذهبي: الشيخ الإمام القدوة المجتهد، شيخ الإسلام أبو إسحاق الشيرازي، قال السمعاني: هو إمام الشافعية ومدرس النظامية وشيخ العصر، جاءته الدنيا صاغرة فأباها، واقتصر على خشونة العيش أيام حياته، كان زاهداً ورعاً متواضعاً طريفاً كريماً جواداً، طلق الوجه، دائم البشر، مليح المحاورة، وهذا الذي أكسبه محبة الناس وإقبال الطلاب عليه، ومن أمثلة ما حدث له مع بعضهم: قال خطيب الموصل: حدثني أبي قال: توجهت من الموصل سنة أربعمائة وتسعة وخمسين إلى أبي إسحاق، فلما حضرت عنده رحب بي وقال: من أين أنت؟ فقلت: من الموصل.
قال: مرحباً! أنت بلديي -أي: أنه هو وإياه من بلد واحد- قلت: يا سيدنا! أنت من فيروز آباد فكيف تقول لي: أنت بلديي؟! فقال: أما جمعتنا سفينة نوح؟! فشاهدت من حسن أخلاقه ولطافته وزهده ما حبب إلي لزومه، فصحبته إلى أن مات.
إذاً: مصاحبة أصحاب الأخلاق الحسنة يحمل الإنسان فعلاً على أن يتخلق بهذه الأخلاق الحسنة.
وقراءة كتب الترغيب والترهيب لبعض الأحاديث والآيات والنصوص ترغب في أخلاق حسنة، وبعضها ترهب من أخلاق سيئة، مثلاً قول النبي ﷺ : (من كظم غيظاً ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رضىً يوم القيامة) فمثل هذه النصوص تأمُّلها مهم جداً في اكتساب الأخلاق الحسنة، ولاشك أن مشوار التربية الذي يقطعه الإنسان في عمره في النتيجة النهائية هو الذي يصوغ أخلاقهم، والذي يجعلها تتحول إلى الأخلاق الحسنة.
كانت هذه مقدمة عن الأخلاق، وتعريف الأخلاق وأهميتها.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 3548
وتلك الأيام نداولها بين الناس [١]
معرفة صفات الله من الأمور التي تصحح تصورات المسلمين، ومن ثمَّ أعمالهم، فالله مسيطر على الكون، وتداول الدول من سننه التي لا تتبدل.
وفي هذه المادة بيان لتداول الدول، وتدليل على ذلك، وبيان للفتوحات العظيمة في آخر خلافة إسلامية (الدولة العثمانية) مع ذكر بعض أضرار الهزيمة النفسية التي يعيشها المسلمون اليوم.
стр. 3549
أهمية معرفة صفات الله
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أيها الإخوة! سبق وأن ذكرنا في مرةٍ ماضية ما لتوحيد الأسماء والصفات من أهمية بالغة في حياة المسلم الذي يريد أن يسير إلى ربه ، سيراً حثيثاً مطرداً على ضوء من الكتاب والسنة، توحيد الأسماء والصفات أيها الإخوة أحد أنواع التوحيد الثلاثة التي ذكرها علماء الإسلام، وقسموها ليتضح المعنى ويتضح المقصود من أسماء الله وصفاته التي طالما جهلها المسلمون في كثير من الأزمان.
واعلموا يا إخواني بأن معرفة صفات الله من الأمور التي تصحح تصورات المسلمين ومن ثم أعمالهم، فمثلاً إذا نظرنا اليوم في حال المسلمين والهزائم المتكررة التي يعيشونها، والتقهقر الذي وصلوا إليه، واستعداء الشرق والغرب عليهم من كل جانب وتسلط الكفار على رقاب المسلمين حتى لم يعد لهم حول ولا قوة ولا طول، ولا تحكم في الأمور، ولا قيادة يسيرون خلفها كما كانت الخلافة الإسلامية في العصور الماضية، وهذا الظلام الحالك الذي يلف بلاد المسلمين يسبب نوعاً من اليأس والقنوط، ولا تلبث حركة تقوم في بلاد المسلمين إلا وتنطفئ، ولا جهد إلا وينتهي بالفشل، وفي وسط هذه الهزيمة النفسية قبل الهزيمة العسكرية التي يعيشها المسلمون تظهر الحاجة ملحةً لفهم صفات الله وأسمائه، لأن فهم هذه الصفات أيها الإخوة يزيل هذه الظلمة الحالكة ويبرر ما وصل إليه المسلمون، ومعرفة أقدار الله الكونية والشرعية، ومعرفة سنن الله التي يسير بها الكون والتي لا تتخلف، أيضاً من الأمور المساعدة على فهم حال المسلمين.
أيها الإخوة: هذا الفشل وهذه الهزيمة التي يعيشها المسلمون في أصقاع الأرض، لابد من التدبر في سببها، ولابد من تفكير في صنع الله الذي قدر هذه الأمور، وكانت بإرادته ، معرفة الأسماء والصفات من الأمور التي تساعد على تكوين الموازين الصحيحة، التي بواسطتها يستطيع المسلم أن يوجد له مواقف ثابتة من الأحداث الجارية في هذا العالم، فمثلاً من صفات الله : أنه يدبر الأمر، فيقول الله تعالى في محكم تنزيله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة:٥] فهو يدبر الأمور ويصرفها كما يشاء بقدر منه لحكم يعلمها ، تسير أمور العالم كله وفق إرادته لا تحيد يمنة ولا يسرة عما قدره الله وكتبه في اللوح المحفوظ، فإذاً ليس في هذا العالم وما يحدث فيه من خير أو شر، من نصر للمسلمين أو هزيمة، من رفعة لهم أو ضعةٍ عليهم، إلا وهي حادثة بتقدير الله .
стр. 3550
من هو المسيطر الحقيقي على كل الأمور ؟
ومن صفات الله : أنه كل يوم في شأن من الشئون، قال : ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩] كل يوم هو في شأن، وكما قال المفسرون ﵏: من شأنه أن يغفر ذنباً ويفرج كرباً، ويرفع قوماً ويضع آخرين ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩] يرفع أقواماً ويضع آخرين.
إذاً -أيها الإخوة- من هو مالك الملك الحقيقي؟ من هو الذي يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء؟ من الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء؟ إنه الله .
معرفة هذه الصفات لله من الأمور المهمة التي تجعل المسلم يعرف من هو المسيطر الحقيقي على أزِّمة الأمور ومجريات الأوضاع في العالم، إن هذه الحقيقة أيها الإخوة قد غابت عن أذهان المسلمين، أو عن أذهان كثير منهم إلا من رحم الله تعالى، فكثير من المسلمين اليوم يشعرون من خلال قراءتهم وسماعهم لإخبار العالم وما يدور فيه أن المسيطر على مجريات أمور العالم وعلى حروبه، والمسير للأحداث الجارية أناس من الشرق أو الغرب، يشعر المسلم وهو يسمع أخبار القوى في العالم، ومَن الذين عندهم الصواريخ والطائرات والقنابل بأنواعها، يشعر بأنهم هم المسيطرون على الأمور، وهم الذين يسيرون دفة العالم، يغيب عن باله في هذا الخضم الهائج من التصارعات الدولية على شئون العالم أن هناك غير البشر من يسير الأمور، ولكن الحقيقة أيها الإخوة أن الآيات تثبت لنا بشكل لا يدع مجالاً للشك مطلقاً أن الله وحده هو الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء، يصرف الأمور كيف يشاء ، فقد يرفع الله أقواماً من الكفار ويكتب الهزيمة على المسلمين، هذا شيء من تقدير الله .
стр. 3551
تبدل الأحوال من سنن الله
وقد جرت أقدار الله في عالم المسلمين أن تكون لهم الكرة مرة وعليهم مرة، يقول الله في شأن الآيات النازلة في غزوة أحد ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩ - ١٤٠] إذاً: من الذي يجعل النصر اليوم والغلبة في هذا اليوم لقوم من الأقوام؟ ومن الذي يجعل النصر والغلبة لقوم آخرين في يوم تالٍ أو أسبوع تالٍ أو شهر تالٍ أو سنة قادمة؟ إنه الله .
يا إخواني! يجب أن لا تغيب عن أذهاننا هذه الحقيقة في أي حال من الأحوال، وإذا أردت أن تعرف وتتصور أكثر، فتأمل وتذكر خارطة العالم ودويلات العالم في العصور السابقة، هل بقيت الخارطة لم تتغير؟ هل بقيت الدول كما هي منذ أن خلق الله العالم إلى الآن ما تغيرت؟ هل بقيت الغلبة لقوم معينين تناسلوها جيلا عن جيل يغلبون غيرهم حتى الآن؟! كلا -أيها الإخوة- إن أحوال العالم تتغير يوماً بعد يوم وشهراً بعد شهر، وسنةً بعد سنة، وعقداً بعد عقد، وقرناً بعد قرن من الزمان، والله بحكمته وعلمه وقدرته وإرادته هو الذي يغير هذه الأمور ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠] نزلت هذه الآية في معركة أحد، وكان المسلمون قد انتصروا قبلها في غزوة بدر انتصاراً مبيناً، فرقاناً بين الحق والباطل، وبعد ذلك في معركة أحد انهزم المسلمون وقتل منهم سبعون من خيارهم، وحصلت هزيمة عظيمة، وشج رسول الله ﷺ ونزلت منه الدماء، ودفع المسلمون ثمن الهزيمة باهظاً من الأرواح والمعنويات التي فقدوها في تلك الغزوة، وأطلع النفاق رأسه واشتد النفاق بعد معركة أحد بالذات ما لم يشتد قبل ذلك، ومن هم أولئك المسلمون؟ إنهم الصفوة المختارة التي قادها أعظم نبي ظهر في البشرية على الإطلاق وهو رسول الله ﷺ ، السبب طبعاً ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران:١٥٢] الفشل، والتنازع، والمعصية، وحب الدنيا، أربعة أسباب رئيسية ذكرتها الآية، أسباب لهزيمة المسلمين في معركة أحد، قبل فترة كانوا منتصرين، وبعد فترة أصبحوا منهزمين، وبعدها انتصروا في الأحزاب، وبعدها جاءت حنين، فانهزموا في البداية وانتصروا بعدها، ثم توالت انتصارات المسلمين تفتح بلاد العالم شرقاً وغرباً.
стр. 3552
معاناة المسلمين من الغزو التتري
ثم حصلت نكسات أخرى، فمن هذه النكسات التي حصلت مثلاً: ما حصل للمسلمين عندما غزا التتر الكفرة بلاد العالم، فاجتاحوها من الشرق إلى الغرب، قال ابن الأثير ﵀ وهو يروي حوادث التتر: هذا فصل يتضمن ذكر الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى التي عمت الخلائق وخصت المسلمين، فلو قال قائل: إن العالم منذ خلق الله آدم وإلى الآن لم يبتل بمثلها لكان صادقاً، ولعل الخلائق من هول الأشياء التي عرفها هذا المؤرخ المسلم ابن الأثير ﵀, يقول معبراً: ولعل الخلائق لا يرون مثل هذه الحادثة إلى أن ينقرض العالم وتفنى الأجيال إلا يأجوج ومأجوج، ما هي هذه الحادثة؟ ما هي أطراف ما حصل؟ يقول ابن كثير ﵀ في حوادث سنة (٦٥٦هـ) يقول عن التتر: قتلوا الرجال والنساء والأطفال، وشقوا بطون الحوامل وقتلوا الأجنة داخل بطون أمهاتها، وفي بغداد لما اجتاحها التتر وكانت حاضرة العالم الإسلامي ومقر الخلافة الإسلامية، كان الجماعة من الناس يجتمعون إلى الخانات ويغلقون عليهم الأبواب، فيفتحها التتر بالنار ثم يدخلون عليهم، فيهرب المسلمون إلى أعالي الأمكنة فيقتلونهم بالأسطح حتى تجري الميازيب من الدماء في الأزقة، ميازيب البيوت التي تكون في أعالي البيوت، والتي إذا نزل المطر تدفق منها الماء إلى الأسفل، فبدلاً من ماء المطر جرت دماء المسلمين، ووضع السيف في بغداد أربعين يوماً، فتراوحت التقديرات في قتلى المسلمين خلال هذه الأربعين بين مليون نفس من المسلمين إلى مليونين في تلك الأربعين يوماً فقط، والقتل كان في الطرقات، والقتلى كأنهم التلال؛ تلال من القتلى، وأنتنت الجيف وتغير الهواء، فحصل بسبب ذلك وباءٌ شديد حتى تعدى وسرى في الهواء إلى بلاد الشام، فمات خلق كثير، فاجتمع على الناس الغلاء والوباء والفناء والطعن والطاعون، ولما رحل التتر عن بغداد، خرج من كان تحت الأرض -تحت الأرض من الناس المختبئين- الذين اختفوا داخل الأقبية وحتى وفي المقابر خرجوا كأنهم الموتى إذا نبشوا من قبورهم، وقد أنكر بعضهم بعضاً، فلا يعرف الوالد ولده ولا الأخ أخاه.
وساق ابن كثير في حوادث سنة (٧١٧ هـ) قال: لحق ستون فارساً من التتر قافلةً فيها أكثر من ألف من المسلمين، فمالوا عليهم فقتلوهم عن آخرهم، فقتل من تجار المسلمين في تلك القافلة ستمائة، ومن عامتهم ثلاثمائة، ولم يبق منهم سوى الصبيان وعددهم سبعون صبياً، فقال هؤلاء التتر: من يقتل هؤلاء؟ فقال واحد منهم: أنا بشرط أن تعطوني مالاً زائداً من الغنيمة، فقتلهم كلهم عن آخرهم سبعين صبياً وطفلاً، وردمت بهم خمس من الصهاريج الضخمة حتى امتلأت ﵏، ولم يسلم من الجميع إلا رجل واحد عاش ليروي هول المذبحة.
стр. 3553
انتصار الروم السريع بعد هزيمتهم الفادحة
أيها الإخوة: رفع الدول وخفض الدول ونصر الناس وهزيمة الناس بيد الله فقط، لا يملكها أحد من الشرق أو الغرب ((وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ)) [آل عمران:١٤٠] وأحياناً تكون الفترة بين نصر دولة وهزيمتها صغيرة جداً لدرجة أنه قد يعيشها فرد واحد، وإليكم مثالاً على ذلك: يقول الله في محكم تنزيله في مطلع سورة الروم: (الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:١ - ٦] ذكر المفسرون ﵏ في شأن هذه الآية أن المسلمين لما كانوا مستضعفين في مكة قبل الهجرة كان الفرس قد تغلبوا على الروم وقتلوا منهم خلقاً عظيماً، وقد استبشر الكفار في مكة من عبدة الأصنام بهزيمة الروم الذين كانوا أصحاب كتاب (كانوا نصارى) استبشروا بغلبة فارس عليهم، لأن الفرس كانوا عباد أوثان، وكان المسلمون يتمنون أن ينتصر الروم، لا لأنهم على حق، ولكن لأنهم أقرب إلى المسلمين من المجوس الوثنين، فقال الله : ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم:٢ - ٣] وهم من بعد هزيمتهم سيغلبون في بضع سنين لا تتجاوز التسع كما هو معروف من تعريف البِضع في لغة العرب، تسع سنين تقوم الدولة مرة أخرى وقد انهزمت هزيمة كبيرة جداً إلى أقصاها، فتتغلب على من هزمها في تسع سنين، فتحدى المسلمون والكفار بعضهم بعضاً، وحدث أن تطاول الكفار على المسلمين في شأن هذه الآية، فقالوا للمسلمين: إن قرآنكم كذب وكيف يصدق إنسان أن الفرس الذين غلبوا هذه الغلبة العظيمة في بضع سنين سيغلبون، ولم تمض بضع سنين حتى غلبت الروم الفرس غلبة منكرة، وهزموهم هزيمةً عظيمة، بعد تسع سنوات وصدق الله العظيم في هذه الآية.
وقد روى ابن أبي حاتم عن العلاء بن الزبير عن أبيه قال: رأيت غلبة فارس الروم، ثم رأيت غلبة الروم فارس، ثم رأيت غلبة المسلمين فارس والروم في خمسة عشر عاماً، لأنه لما غلبت الروم فارس من الذي تغلب عليهم كلهم؟ المسلمون الذين فتحوا بلاد فارس والروم، انظروا -أيها الإخوة- تمعنوا في أحداث التاريخ كيف تنتصر دولة ثم تنهزم من الدولة التي هزمتها ثم يأتي أقوام آخرون ويهزمون الدولتين بقدر الله ، كيف تتغير خريطة العالم في زمن وجيز جداً؟ من الذي يصرف الأمور؟! ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران:٢٦] اليوم تؤتيه الناس الفلانيين ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران:٢٦] وتنزع من أناس آخرين ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران:٢٦] فيغلبون ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران:٢٦] فينهزمون ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران:٢٦] ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠] وتلك الأيام نداولها يوماً لهؤلاء ويوما لهؤلاء على قدرٍ من الله ، وهذه الهزائم والانتصارات سواءً كانت في المسلمين أو في الكفار يقول الله تعالى في شأنها: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم:٤] من قبل الهزيمة والانتصار ومن بعد الهزيمة والانتصار الأمر لله .
نسأل الله أن يبصرنا وإياكم في دينه، وأن يرزقنا وإياكم التدبر في كتابه ومعرفة أحكامه وسننه، وأن يرسخنا على الإيمان وطريقه وصلى الله على نبينا محمد.
стр. 3554
ارتباط صفات الله بواقع الناس اليوم
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب الأولين والآخرين، يعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيرا، أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده.
أيها الإخوة: هذه القضية التي تكلمنا عنها الآن نعود فنربط بين صفات الله أنه يدبر الأمر، وأنه يداول الأيام بين الناس، وأنه يؤتي الملك من يشاء، وينزعه ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، وأن له الأمر من قبل ومن بعد، هذه الحقائق القرآنية لها التصاق وثيق بأحوال المسلمين اليوم، والسبب الذي من أجله نتحدث عن هذه القضايا: أن هذه الهزائم التي يعيشها المسلمون اليوم تسبب إحباطاً في نفوسهم ويأساً من نصر الله تعالى، فيقول المسلمون اليوم: كيف يمكن أن ننتصر؟ كيف يمكن أن ننتصر وحالنا من التشتت والانقسام ما هو معروف وواضح؟! كيف يمكن أن ننتصر والشرق والغرب من الشيوعيين والرأسماليين ومن بينهما من الطبقات الكافرة يملكون من القوى والأسلحة والعتاد العسكري والعدة ما يفوق المسلمين بأضعاف كثيرة؟ بل لا يمكن أن يقارن على المستوى المادي العسكري بين قوة المسلمين وبين قوة الكفار.
كيف يمكن أن ننتصر وكل يوم تتجدد المذابح، وتتجدد الهزائم المتوالية، وتحتل أراضٍ جديدة من أراضي المسلمين، والنكسات في داخل بلاد المسلمين وخارجها حاصلة، ودائرة التخطيط على المسلمين قائمة على قدم وساق؟
стр. 3555
أضرار الهزيمة النفسية التي يعيشها المسلمون اليوم
إذاً: هذه الهزيمة النفسية التي يعيشها المسلمون اليوم تسبب أنواعاً كثيرةً من الأضرار منها: أولاً: أنها تفقد المسلم القدرة على إيجاد التصورات الصحيحة التي يستطيع أن يسير بها في حياته.
ثانياً: أنها تفقد المسلم القدرة على التفكير السليم، لأن من يعيش في أجواء الهزيمة -هذه نقطة مهمة أيها الإخوة- الذي يعيش في أجواء الهزيمة يفقد القدرة على الابتكار، وعلى العطاء، وعلى الإنتاج، وهذا من أسباب تخلف المسلمين اليوم، واستيرادهم لأتفه المنتجات من بلاد الكفرة، القدرة على الإنتاج بجميع أنواعه حتى في المجالات الشرعية، لذلك قل علماء المسلمين، وقل الإنتاج الحقيقي الذي له ثقل في مجال العلوم الشرعية كثيراً، وقل الدعاة والمصلحون، وانحصر الإسلام في نفوس الناس، وتشوهت الفكرة الإسلامية والعقيدة الإسلامية في نفوس كثير من المسلمين، فلم يعرفوا من القرآن إلا رسمه وكيفية كتابته، هذا إن قرءوه قراءة صحيحة، وجهلوا معانيه وما انطوى عليه من الحكم والأحكام.
стр. 3556
حال المسلمين أثناء الخلافة العثمانية
إذاً: هذه الهزيمة النفسية تسبب هذه الأضرار، كيف نعالج هذه الهزيمة النفسية؟ كيف نقنع الناس اليوم بأن الشرق أو الغرب لا يملك شيئاً؟ كيف نقنعهم بأن الله لو أراد شيئاً هيأ أسبابه؟ وأن الله لو أراد شيئاً فلا بد أن يكون؟ لو أراد الله أن ينتصر المسلمون غداً على الكفرة في الشرق والغرب ويعم الإسلام الأرض، لكان ذلك لأن الله أراده، إذاً -أيها الإخوة- نحن نفقد معاني أسماء الله وصفاته التي تهيئ لنا الأجواء النفسية المطمئنة التي نستطيع من خلالها أن نتحرك وأن ننتج، هذه الهزائم التي يعيشها المسلمون اليوم، هل فكرت يا أخي كيف كان المسلمون إلى عهدٍ قريب قبل بضع مئات من السنين فقط؟ إليك هذه التواريخ والأحداث التي جرت فيها: في عهد آخر خلافة قامت للمسلمين الخلافة العثمانية في عام (١٦٨٣م) -يعني قبل أقل من أربعمائة سنة- فتحت جيوش المسلمين بولندا والنمسا، التي هي الآن من معاقل الكفرة ودول الكفر، قبل أربعمائة سنة تقريباً كانت جيوش الخلافة العثمانية قد دخلت داخل بولندا والنمسا وأصبحت على أسوار فيينّا عاصمة النمسا ورفع الأذان هناك.
وكان الاتحاد السوفيتي -بلاد الروس الآن- كلها تحت سيطرة الدولة العثمانية والخلافة الإسلامية، بلاد القوقاز وما وراءها وبلاد تركستان التي هي من دولة روسيا الآن كلها كانت تبعاً للخلافة العثمانية وكانت بلاد المسلمين.
إلى عام (١٦٤٤م) كان المغول المسلمون يحكمون الصين، انتهى حكم المسلمين للصين عام (١٦٤٤م) قبل بضع من السنين فقط، ربما بعض المسلمين الآن لا يعرف أصلاً أن المسلمين قد حكموا الصين في يوم من الأيام، ولا يتصور أن الصين التي تدين اليوم بالشيوعية والإلحاد آلاف الملايين من الناس الذين فيها أو مئات الملايين كانوا يوماً من الأيام يحكمون من المسلمين.
عام (١٥٢٦م) فتح المسلمون العثمانيون المجر وهنغاريا.
وفي عام (١٥٣٧م) فتح المسلمون أجزاء من إيطاليا ودخلوا مدينة أترانتو الإيطالية، كانت الخلافة الإسلامية العثمانية موجودة هناك.
ووصلت جيوش المسلمين في عهد الخلافة العثمانية في عام (١٥٤٣م) إلى فرنسا واحتلوا مدينة نيس وطولون في فرنسا ودخلوها وأقاموا فيها مسجداً ورفع شعار لا إله إلا الله في قلب فرنسا.
وأسبانيا التي بقيت قروناً من الزمان في أيدي المسلمين، وهذه شبه القارة الهندية استكمل المسلمون السيطرة عليها؛ بلاد عباد البقر والهندوس الآن كانت في يوم من الأيام في عام (١٥٨٦م) تحكم بالإسلام.
стр. 3557
هل هناك نصر بعد هذه الهزيمة المعاصرة ؟
إذاً: أيها الإخوة! هذه الأحداث وهذه الأشياء التي حدثت في الماضي تنبئ عن أنه بمقدور الإسلام أن ينتشر، وبمقدور المسلمين بإذن الله أن يستولوا على ما شاءوا بإذن الله إذا توافرت عندهم شروط النصر، لقد حدث للمسلمين نصر وهزيمة، ونصر وهزيمة، ونصر وهزيمة، كما مر معنا قبل قليل بدر نصر وأحد هزيمة، ثم نصر متوالٍ، ثم جاء التتار فانهزم المسلمون هزيمة شديدة، ثم ظهر صلاح الدين الأيوبي وحرر أراضي المسلمين من النصارى، ثم حصلت هزائم أخرى متوالية، ثم ظهرت الخلافة العثمانية، ثم نحن نعيش الآن في عصر الهزيمة.
إذاً: يمكن أن يحدث بعد هذه الهزيمة نصر بإذن الله ، ولله الأمر من قبل ومن بعد، أعداء الإسلام يخططون ويدبرون ولا شك في هذا، وعندهم جيوش جرارة لاشك في هذا، وكل يوم تحصل هزائم وانتصارات، لكن من الذي يدبر حقيقة؟ من الذي وراء الأحداث كلها؟ من الذي فوق كل شيء ذاتاً وصفات، وله علو الذات والصفات والقهر والغلبة؟ إنه الله ، كل الأشياء التي تحدث الآن في العالم ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم:٤] كلمات تحتوي كل شيء يدور، كل الأشياء التي تدور (لِلَّهِ الْأَمْرُ) -أيها الإخوة- احفظوا هذه الكلمات ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم:٤] من قبل حدوث الأحداث ومن بعد حدوث الأحداث، الأمور بيد الله ، الله يؤتي من يشاء ويمنع من يشاء، هذا مفهوم مهم جداً أن يكون مرتكزاً في نفوسنا، وإلا فليس هناك أمل أن تتحسن الأحوال مطلقاً.
اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، اللهم وارزقنا معرفتك ومعرفة أسمائك وصفاتك وعبادتك بها يا رب العالمين! اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه، اللهم واجعلنا من الذاكرين لك كثيراً، ومن الشاكرين لك نعمك وإحسانك يا رب العالمين! اللهم واجعلنا من جندك وأوليائك وأتباع نبيك محمد ﷺ ، اللهم وارزقنا النصر في العقيدة، اللهم وارزقنا النصر في القوة على أعدائك يا رب العلمين! اللهم أقم علم الجهاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، والبدعة والعناد، اللهم وانشر دين المسلمين في أصقاع الأرض يا رب العالمين! اللهم وهيئ لهذه الأمة أمر رشد تُعز فيه أهل طاعتك، وتُذل فيه أهل معصيتك، اللهم واجعل يوم النصر قريباً يا رب العالمين! وصلوا على نبيكم محمد ﷺ الذي أمركم ربكم بالصلاة عليه، وأجزل العطاء: عشر صلوات لمن صلى عليه مرةً واحدة، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد.
يا إخواني! إن المسلم وإن كان يعيش الآن في هزيمة، فإنه كما يقول صاحب الظلال رحمة الله تعالى عليه: فإنه ينظر إلى غالبه من علٍ، وإن كنا مغلوبين فإنا ننظر إلى أعدائنا من فوقهم، كيف؟ الله في الآية التي قرأناها في انهزام المسلمين في أحد قال قبلها مباشرةً: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا﴾ [آل عمران:١٣٩] نحن مغلوبون؟! نعم.
نحن قد أُهِنَّا؟! نعم.
قد علا الكفار علينا؟! نعم.
يقول الله تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩] لا تهنوا: لا تشعر بالمهانة ولا بالذلة يا أخي المسلم، بل اشعر بالعلو على الكفرة، انظر إلى من غلبك من الأعلى، لماذا؟! لأنك تستعلي عليهم بعقيدتك، العقيدة أغلى شيء تستعلي على الكفرة بالعقيدة، حتى يأتي يومٌ ينصر الله فيه الإسلام، فنحن والحمد لله عندنا هذه العقيدة الصافية النقية التي هي مصدر العز والاستعلاء في الأرض، التي إذا عملنا لها كما أراد الله، فلابد أن ننتصر: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج:٤٠].
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 3558
وتلك الأيام نداولها بين الناس [٢]
المستقبل للإسلام بلا شك، رغم محاولات أعدائه لإطفاء نوره، وفي ذلك نصوص من القرآن والسنة تستمد منها هذه الخطبة معظم مادتها، بالإضافة إلى الحديث في نزول المسيح ﵇، مع توضيح للخلافة الراشدة في آخر الزمان.
ومن الحقائق التي لا خلاف فيها أن هذه المبشرات بالفجر الإسلامي القريب لا تعني مطلقاً ترك العمل الإسلامي.
стр. 3559
الوعد الإلهي بنصر الإسلام
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
إخواني: تكلمنا في الخطبة الماضية عن مفهوم من المفاهيم الإسلامية المهمة التي يجب أن تترسخ في ذهن كل إنسان مسلم يعيش في هذا العصر الذي عمت فيه الفتن واختلط فيه الأمر، وأصبح المسلمون في ذلة وقلة وهوان مستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها، وذلك المفهوم الذي تكلمنا فيه هو قول الله : ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠] وأن لله الأمر من قبل ومن بعد، وأن الله تعالى يأذن بنصر هذا الدين فينتصر، ثم يأذن بغلبة الكفار فيغلبون، وهكذا يداول الله الأيام بين الناس، وهذه النقط مهمة أيها الإخوة حتى لا يستشري اليأس في نفوس المخلصين، وحتى يحس المسلم بنور الله والأمل في الله تعالى، وحتى لا ييأس من روح الله، ونحن نختم هذا الموضوع في هذه الخطبة بعرضه من جهة أخرى حتى تكتمل الصورة شيئاً ما، وحتى يكتمل الإحساس من المسلمين بأن نصر الله قادم وأن المستقبل للإسلام.
أيها الإخوة: إن المستقبل للإسلام شيءٌ لاشك فيه بنصوص القرآن وأحاديث رسول الله ﷺ ، إنها نصوصٌ وأحاديثٌ عظيمة ينبغي للمسلم أن يقف أمام عظمتها متأملاً متفحصاً مدققاً، مشرباً في قلبه تلك المعاني القرآنية والنبوية التي تتدفق من خلالها الآمال والتطلعات نحو مستقبل إسلامي مشرق بإذن الله.
أيها الإخوة: إن لله تعالى ديناً لابد أن ينصره، وإن الله ما أرسل رسوله ولا أنزل هذا الدين إلا ليعلو في الأرض، فقال : ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة:٣٣] لماذا أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة:٣٣] ليظهر دين الإسلام على سائر الملل والنحل والأديان، وحتى يستعلي الإسلام على سائر الفرق الضالة والمذاهب الهدامة التي وضعها البشر ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة:٣٣] وهذه الكلمة (الدين): اسم جنس يشمل سائر الأديان التي حرفها البشر ووضعوها من عند أنفسهم ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٣].
стр. 3560
محاولات أعداء الله لإطفاء نوره
إن المشركين أيها الإخوة في كل وقت وفي كل عصر ومصر يعملون ليلاً ونهاراً، لكي يقوضوا صرح الإسلام، ولكي يضعوا من عظمة هذا الدين، ولكي يدحروا المسلمين ويردوهم على أعقابهم، يعملون بالليل والنهار، إنهم ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله ﴿يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال:٣٦] ثم تكون هذه الأموال التي ينفقونها من أجل صد المسلمين عن الإسلام وبذر بذور النفاق في أراضي المسلمين، ستكون عليهم حسرةً ثم يغلبون، هكذا قال الله تعالى في القرآن.
إنهم أيها الإخوة ليلاً ونهاراً يفكرون بأشد ما أوتوا من قوة وتفكير، وينفقون ما استطاعوا من الأموال، ليصدوا الناس عن دين الله، إنهم يفعلون هذا وينشئون مساجد الضرار في العالم الإسلامي، التي تلفت أنظار المسلمين عن مساجد الله الحقيقية التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، حتى تتطلع تلك الأنظار من قبل أولئك الضعفة من المسلمين إلى تلك المنشئات التي تصرف الناس عن دين الله، وتوهمهم بأن هذا هو الدين وليس لها علاقة بالدين مطلقا، مجرد مسميات خالية من المضامين الحقيقية، مجرد أسماء خالية مما تعنيه حقيقةً.
أيها الإخوة! إن هؤلاء هم الذين قال الله فيهم: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة:٣٢] وقال الله في آية الصف: ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف:٨] عجباً لهذه الآية التي تصور حمق أولئك الناس وغفلتهم الذين يريدون أن يطفئوا نور الله الذي أنزله من السماء، بتلك الأفواه البشرية العفنة التي لا تملك مطلقاً أن تحجب الحقيقة عن ناظري كل مسلم متجرد؛ يسير في طريق الإسلام على هدىً من ربه ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [الصف:٨] ويعملون من أجل ذلك ليلاً ونهاراً، وتنجح مخططاتهم في أوقات كثيرة وأماكن كثيرة، حتى يظن المسلم الذي دخله اليأس أنه لا يمكن أن تقوم للإسلام قائمة مطلقاً، وأن نور الله قد حجب، وأن المسلمين لم تعد لهم شوكة ولا منعة، وأنه ليس هناك أحد ينصر هذا الدين.
ولكن -أيها الإخوة- إذا تفحصنا وتأملنا في النصوص نجد بأن الله لابد أن يظهر نوره، ليس الظهور الذي حصل في فترة الخلفاء الراشدين، وإنما ظهورٌ سيكون بعد هذا الوقت الذي نحن فيه الآن، كما سيأتيكم من خلال تلك النصوص التي نطق بها الذي لا ينطق عن الهوى.
стр. 3561
مدلولات بداءة الإسلام غريباً
أيها الإخوة: يقول رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح: (إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء) إن الإسلام بدأ غريباً، الذي يريد أن يعرف كيف يمكن أن يظهر الإسلام على الأرض كلها وليس هناك إلا حفنة قليلة من المسلمين هي الملتزمة بشرع الله فقط، الذين يقولون: إن المسلمين اليوم ألف مليون، يكذبون على أنفسهم وعلى الناس كلهم، إننا نعرف أيها الإخوة أن كثيراً من المسلمين هم في الحقيقة مشركون من عبدة القبور، أو مرتدون عن الإسلام لا يؤدون الصلاة بالكلية مثلاً، أو يسخرون بدين الله ويشتمون ويستهزئون، فهم كفرة بالله العظيم، أو يتبعون مذاهب فكريه كافرة ضالة كـ الشيوعية والبعثية ونحوها تخرج الإنسان عن ملة الإسلام، ملايين تتبع قادة الضلال وتجري وراءهم، هؤلاء لا يمكن أن يكونوا مسلمين.
إذاً: أيها الإخوة، المسلمون الحقيقيون هم قلة، لا يمكن أن يبلغوا هذا العدد الذي يدخل فيه من يعدهم به كثيراً من الطوائف الضالة وأصحاب البدع الكافرة التي لا تمت إلى الإسلام بصلة، الذي يريد أن يتصور كيف يمكن لحفنة قليلة من البشر أن تنشئ المد الإسلامي من جديد، وأن تعلي كلمة الله كما كانت قبل ذلك، بل وأكثر منه الأرض، يتصور تلك الحقيقة العظيمة التي كانت في يوم من الأيام: (بدأ الإسلام غريبا).
يا إخواني: عندما بعث رسول الله ﷺ كم كان عدد المسلمين في الأرض؟ كم عدد الذين يحملون الفكرة الإسلامية الصحيحة ويطبقونها في واقعهم ويجاهدون في سبيلها؟ إنه رجل واحد فقط، رجل واحد فقط في تلك الأرض المظلمة بظلمات الجاهلية التي تغط في الشرك وأوحال الجاهلية، إنه رسول الله ﷺ ، لا يوجد غيره على الدين الصحيح.
بعث رسول الله ﷺ وهو واحد، فكيف أصبح الأمر بعد بعثته بنحو اثنتين وعشرين سنة فقط؟ بعد اثنتين وعشرين سنة فقط من بعثة الرسول ﷺ وهو رجل واحد، تقول الروايات بأنه حج مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع أربعة وعشرون ألفاً ومائة ألف صحابي.
وبعد وفاة الرسول ﷺ امتد المد الإسلامي ليكتسح أراضي كثيرة ويدخل ملايين في دين الله ، من الذي نشر الدين؟ رجل واحد فقط، واحد انبثقت عنه تلك الملايين التي دخلت في دين الله بفضل الله ، ثم التمسك بدينه والجهاد في سبيله حق الجهاد.
إذاً لا نستغرب أن يكون هناك اليوم آلاف من المسلمين الحقيقيين، سينبثق عنهم ويبزغ فجر الإسلام من جديد، كما بدأ أول مرة (إن الإسلام بدأ غريباً) غريب في الأرض، من الذي يحمله؟ واحد فقط، بدأ غريباً، ثم انتشر بعد ذلك (وسيعود غريباً كما بدأ) يقول الرسول ﷺ ، ونحن ولا شك أيها الإخوة في هذا الزمان في عصر غربة الإسلام، عصر غربة الإسلام، وبما أنه سيعود غريباً كما بدأ، كيف بدأ؟ بدأ بالقلة، ثم انتشر، فإذا كان سيعود غريباً كما بدأ، فسيرجع قليلاً أيضاً، ثم ينتشر بعد قلته وضعفه كما حصل في المرة الأولى.
إذاً هذا الحديث الذي يفهم منه كثير من المتثبطون أن الإسلام سيندحر وأن الإسلام سيزول، هو في الحقيقة فهم خاطئ، لأن هذه الغربة التي نحن فيها الآن سيعبقها بإذن الله مد إسلامي يكتسح الأرض كلها.
стр. 3562
مبشرات بالنصر اللامحدود للإسلام
ويقول رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد عن أبي مرفوعاً قال ﵇: (بشر هذه الأمة بالسناء -وهو العلو والارتفاع- والدين والرفعة والنصر والتمكين في الأرض) هذه الأشياء التي يبشر بها الرسول ﷺ لابد أن تحصل لأنه لا ينطق عن الهوى، وكما تحقق ما قاله في الماضي من أشياء كثيرة، فلابد أن يتحقق ما يخبر عنه ﵇ في المستقبل كما أخبر عنه ﵇ عندما بعث.
ويقول ﵊ في الحديث الصحيح الذي رواه الطبراني عن أبي أمامة قال: قال ﵇: (والذي نفسي بيده لا تذهب الأيام والليالي حتى يبلغ هذا الدين مبلغ هذا النجم) حتى يبلغ هذا الدين مبلغ هذا النجم، يفسر هذا الحديث الحديث الصحيح الآخر الذي رواه الإمام أحمد ومسلم عن ثوبان ﵁ أنه ﵇ قال: (إن الله زوى لي الأرض) يعني: جمع الأرض وضمها، فرآها الرسول ﷺ ؛ معجزة من عند الله (إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها) وإن ملك أمة الرسول ﷺ سيبلغ ما جمع له منه، ما الذي جمع له منها؟ جمعت له كلها، فرآها ﵇ شرقيها وغربيها، وملك هذه الأمة سيبلغ الشرق والغرب، أي: سيعم الإسلام الأرض كلها، هل سبق أن حصل في التاريخ الماضي أن عم الإسلام الأرض كلها فما بقي كافر واحد ولا دولة كافرة على وجه الأرض؟ حتى في عصر الخلفاء الراشدين ومن بعدهم، وحتى في عصر الدولة العثمانية، هل حصل أن الإسلام اكتسح الأرض كلها لم يبق كيان كافر واحد على وجه الأرض؟ الجواب أيها الإخوة: لا، لم يحصل هذا في الماضي، ما حصل مع انتشار الإسلام في الماضي، بل كان لا يزال هناك كيانات كافرة موجودةٌ على الأرض.
إذاً: بما أن الرسول ﷺ أخبر أن الإسلام سيعم الأرض كلها شرقها وغربها، فلا بد أن يحصل، فإذا ما حصل في الماضي، فإذاً ما هي النتيجة؟ لابد أن يحصل في المستقبل (وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها) يوضح هذه الأحاديث حديث ثالث، يقول رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه ابن حبان وغيره: (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار) أي: كل الأرض (ليبلغن هذا الأمر -الإسلام- ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر) لا بيت حجر وعمارات شاهقة ولا بيت وبر للبدو في الصحراء، لا يترك أي بيت من أي نوع كان (إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز به الله الإسلام، وذلاً يذل به الكفر).
إذاً: سيأتي اليوم الذي يدخل الإسلام فيه كل البيوت على وجه الأرض، ولا يبقى بيت واحد إلا ودخله الإسلام.
стр. 3563
مبشرات ببلوغ الإسلام أماكن لم يبلغها بعد
وهذه بشارات أخرى توضح ما سبق أن ذكرناه آنفاً، في الحديث الصحيح يقول عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁: بينما نحن عند رسول الله ﷺ نكتب ما يقول من الأحاديث، إذ سئل رسول الله ﷺ : أي المدينتين تفتح أولاً قسطنطينية أو رومية؟ يعني: هل القسطنطينية تفتح أولاً أم روما؟ فقال رسول الله ﷺ : (مدينة هرقل تفتح أولاً) التي هي القسطنطينية، وقد فتحت القسطنطينية في عهد السلطان العثماني محمد الفاتح، لكن هل فتحت روما عاصمة النصارى؟ هل فتحت روما معقل الكفرة؟ لا.
لم تفتح روما حتى الآن، ولكن الرسول ﷺ يخبر بأنها ستفتح ويخبر أن القسطنطينية ستفتح قبل روما.
إذاً: لابد أن تفتح روما كما أخبر الرسول ﷺ لابد أن يحصل هذا أيها الإخوة، المشكلة أنه لا يوجد إيمان عند الكثيرين لكي يوقنوا بما أخبر به ﵇، لا يوجد تصديق عند الكثيرين من المسلمين حتى يؤكدوا لأنفسهم أن ما أخبر الرسول ﷺ حق لا بد أن يقع.
ويقول ﵊ في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن أبي هريرة يقول ﵇: (سمعتم بمدينة جانب منها في البر وجانب في البحر؟ قالوا: نعم يا رسول الله سمعنا بها، قال: لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفاً من بني إسحاق والمحفوظ من بني إسماعيل) يعني: من مسلمي العرب سبعون ألفاً سيغزون تلك المدينة التي نصفها في البر ونصفها في البحر (فإذا جاءوها فنزلوا عند تلك المدينة- وهي محصنة بالكفار- فلم يقاتلوا بسلاح ولم يرموا بسهم) قالوا: مجرد ما فعل هؤلاء المسلمون من صدق إيمانهم وتأييد الله لهم (قالوا: لا إله إلا الله والله أكبر، فيسقط أحد جانبيها الذي في البحر- يسقط بيد المسلمين- ثم يقول الثانية: لا إله إلا الله والله أكبر، فيسقط جانبها الآخر- الذي في البر- ثم يقول الثالثة: لا إله إلا الله والله أكبر، فيفرج لهم فيدخلونها فيغنمون) حديث صحيح.
إذاً: سيأتي اليوم الذي يؤيد الله المسلمين بمجرد الذكر (لا إله إلا الله والله أكبر) تسقط معاقل الكفرة، بمجرد الذكر بدون قتال، يلقي الله الرعب على الأعداء فينصر المسلمين، فتسقط أراضي الكفرة ومدنهم بغير قتال.
стр. 3564
حديث في نزول المسيح ﵇
وأيضاً -أيها الإخوة- نعلم بأن عيسى ﵊ سينزل من السماء، عيسى ﵊ سينزل من السماء، ويحكم الأرض بشريعة الرسول ﷺ ، حتى الآن عيسى ﵇ لم يقبض الله روحه، وإنما رفعه حياً إلى السماء، وسينزله مرةً أخرى في آخر الزمان كما وردت بذلك الأحاديث التي بلغت مبلغ التواتر، يعني: رواها جماعة عن جماعة في عصورٍ مختلفة حتى دونت في كتب الحديث، أحاديث متواترة رويت في نزول عيسى ﵇، فمن هذه الأحاديث، يقول ﷺ في شأن المسلمين لما ينزل عيسى ﵇: (وإمامهم يومئذ رجل صالح -إمام المسلمين يومئذ رجل صالح- فبينما إمامهم قد تقدم يصلي بهم الصبح، إذ نزل عليهم عيسى ابن مريم، فرجع ذلك الإمام إلى الخلف ليتقدم عيسى -لأن عيسى نبي- فيضع عيسى يده بين كتفيه ويدفعه إلى الأمام، ويقول له: تقدم فصل، فإنها لك أقيمت) تصوروا أيها الإخوة كرامة الله لهذه الأمة أن يجعل واحداً منهم إماماً يأتم به عيسى ﵇، كرامة الله لهذه الأمة: (فإنها لك أقيمت، فيصلي بهم أمامهم، فإذا انصرف قال عيسى: افتحوا الباب -لأن المسلمين في ذلك الوقت يكونون على مشارف أبواب تجمع اليهود في فلسطين - فيفتحون ووراءه الدجال معه سبعون ألف يهودي، فإذا نظر إليه الدجال -إلى عيسى- ذاب كما يذوب الملح في الماء وينطلق هارباً، فيدركه عيسى ﵇ عند باب لد -المدينة المعروفة الآن مدينة لد في فلسطين - بباب لد الشرقي فيقتله، ويريهم عيسى أثر الدم على حِربةٍ في يده، دلالةً على أنه قتله قبل أن يتلاشى، فيهزم الله اليهود، فلا يبقى شيء مما خلقه الله يتواقى به يهودي -يعني: يستتر- إلا أنطق الله ذلك الشيء؛ لا حجر ولا شجر ولا حائط ولا دابة إلا الغرقدة، فإنها من شجرهم) نوع من الشجر لا ينطق بما وراءه؛ لأنه من شجر اليهود، ولذلك أيها الإخوة جاءت الأخبار بأنهم يكثرون من زراعتها الآن في أرض فلسطين، يعرفون عن الإسلام أكثر مما يعرفه بعض المسلمين: (إلا قال هذا الشيء: يا عبد الله! هذا يهودي ورائي تعال فاقتله، فيكون عيسى ابن مريم في أمتي حكماً عدلاً وإماماً مقسطاً، يدق الصليب ويذبح الخنزير ويضع الجزية -لا تطبق الجزية لماذا لا تطبق الجزية؟ لأنه لا يكون هناك يهود أو نصارى تؤخذ منهم الجزية، كلهم يدخلون في الإسلام- ويترك الصدقة فلا يسعى على شاة ولا بعير، وترفع الشحناء والتباغض وتنزع حمة كل ذات حمة -يعني: كل حيوان فيه سم ينزع هذا السم منه- حتى يدخل الوليد يده في الحية فلا تضره، وتضر الوليدة الأسد فلا يضرها) وفي رواية صحيحة (ويطأ الرجل على الحية فلا تضره، ويكون الذئب في الغنم كأنه كلبها الذي يحرسها، وتملأ الأرض من السلم -السلام- والإسلام كما يملأ الإناء من الماء، وتكون الكلمة واحدة، فلا يعبد إلا الله، وتضع الحرب أوزارها، وتكون الأرض كفاتور الفضة -يعني: مثل الخوان عليه أصناف المطعومات والمشروبات- وتنبت الأرض نباتها بعهد آدم حتى يجتمع النفر على القطف من العنب -على العنقود من العنب- فيشبعهم، ويجتمع النفر على الرمانة فتشبعهم ويستظلون بقشرتها) كبر الرمانة من البركة التي حصلت في الأرض بتطبيق شرع الله.
أيها الإخوة: لو طبق شرع الله في الأرض كاملاً يمكن للناس أن يشبعوا برمانة واحدة ويستظلون بقشرتها كما سيحدث (ويكون الفرس بالدريهمات) بالدراهم البسيطة يشترى الفرس، حديث صحيح رواه ابن ماجة وابن خزيمة.
стр. 3565
بركة آخر الزمان والخلافة الراشدة فيه
وفي حديث آخر صحيح (يؤذن للسماء فتمطر، ويؤذن للأرض بالنبات حتى لو بذرت حبك على الصفا لنبت) لو وضعت الحب (البذر) على الصخر لنبت.
إذاً تكون هناك بركة عظيمة، وقد يتساءل متسائل، فيقول: هل هذا النصر بالضروري أن يحدث في عهد عيسى أم يمكن أن يحدث قبل ذلك؟ الجواب أيها الإخوة: يمكن أن يحدث قبل ذلك، يمكن أن تحدث انتصارات كثيرة قبل ذلك، خصوصاً أن الرسول ﷺ أخبر في الحديث الصحيح، قال: (لا يزال هذا الدين قائماً حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة تجتمع عليهم الأمة كلهم من قريش، ثم يكون الهرج بعد ذلك) كم مضى من الخلفاء؟ لم يمض هذا العدد، مضى أقل من اثنى عشر.
إذاًَ: البقية ستأتي وستظهر لا محالة وستقوم الخلافة الإسلامية في الأرض، مصداقاً لقول الرسول ﷺ في الحديث الصحيح: (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون -بعد النبوة- خلافة على منهاج النبوة -الخلافة الراشدة- فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عاضاً، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعه ما شاء الله أن يرفعه، ثم تكون ملكاً جبرياً، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعه إذا ما شاء الله أن يرفعه، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت).
إذاً: هذه الخلافة لابد أن تأتي، ولابد للنصر أن يأتي بإذن الله أيها الإخوة، لكن النصر لا يأتي هكذا، لا ينام المسلمون اليوم يقومون غداً صباحاً فيرون خليفة المسلمين قد ظهر والإسلام قد انتشر في الأرض، لا.
نسأل الله أن يبصرنا بدينه وأن يرزقنا الإخلاص والاستقامة وصلى الله على نبينا محمد وعلى آل نبينا محمد.
стр. 3566
المبشرات لا تعني ترك العمل للدين
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي المؤمنين، وأشهد أن محمداً رسول الله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة.
أيها الإخوة: كلامنا في الخطبة الماضية وفي هذه الخطبة كان القصد منه إحياء النفوس بهذه المبشرات الإسلامية التي نطق بها رسول الله ﷺ ، وهذه الآيات في القرآن العظيم، هذه التي تبعث الأمل ثانيةً في تلك النفوس التي ملئت يأساً وحسرةً حتى كادت أن تخمد جذوة الإسلام في نفوس المسلمين، الغرض من هذا الكلام بعث الأمل في تلك النفوس اليائسة، التي يئست مع مشاهدة الواقع الحاضر، ومع المعيشة في الواقع الحاضر أن يرجع الإسلام ثانيةً، هذا هو القصد، لكن قد يؤدي هذا الكلام إلى محذورٍ آخر، وهو أن يتواكل كثير من المسلمين ويعتمدون على النصر الذي سيأتي من عند الله، والخلافة التي ستكون، فيتركون العمل للإسلام، ويقول كثير من أولئك الذين ما فقهوا الدين، يقولون: ما دام الله سينصر الدين فلماذا نعمل نحن؟! بما أن الله سينصر الدين بالتأكيد إذاً لا داعي للعمل! نجري وراء الدنيا والشهوات والأهواء وللبيت رب يحميه.
كلا أيها الإخوة ما كان هذا أبداً فهماً صحيحاً للإسلام في الماضي، وليس فهماً صحيحاً مطلقاً لدين الله ، لأن الله يقول: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:١٠٥] وقل اعملوا في سبيل الله، اعملوا من أجل رفع راية الإسلام، اعملوا من أجل إعزاز دين الله، اعملوا من أجل نشر منهج الله في الأرض، اعملوا من أجل الدعوة إلى الله، اعملوا من أجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا﴾ [التوبة:١٠٥] أمر عام يشمل جميع أنواع العمل الصالح ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ [التوبة:١٠٥] ما قال الله للمسلمين ناموا وأنا أنصر الدين، لا.
وهذا الفهم أيها الإخوة هو الذي فهمه صحابة الرسول ﷺ ، الذين يقول شاعرهم يوم الخندق وهم يرون الرسول ﷺ يعمل:
لئن قعدنا والنبي يعمل لذاك منا العمل المضلل
لئن قعدنا والنبي يعمل، فهذا عمل ضال لا يمكن أن يكون، فقاموا مع الرسول ﷺ يعملون ويحفرون بأصابعهم الخندق، يعملون عملاً من أجل إيجاد وسيلة لصد المشركين، وبالإضافة إلى ذلك أيها الإخوة قد يتصور البعض بأن عملنا للإسلام بدافع أننا إذا لم نعمل يفوتنا الأجر، يعني: إذا لم نعمل فات علينا أجر عظيم ولذلك نعمل، هذا صحيح، لكن ليس هذا فقط كل شيء، إننا نعمل للإسلام أيها الإخوة؛ لأن الواجب علينا أن نعمل، ولأننا إذا لم نعمل أثمنا كلنا، ولأن الله يقول: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨] إذا نبذنا العمل ونمنا وجلسنا نجري الآن وراء الدنيا والماديات والشهوات ونشبع رغبات نفوسنا، ماذا سيحدث؟ الله لابد أن ينصر الدين، والله لا ينصر الدين بملائكة ينزلون من السماء يقيمون حكم الله في الأرض، لا، الله ينصر الدين بأسباب، ينصر الدين بأناس ينصرون هذا الدين، يبعثهم الله من المجددين والعلماء والمجاهدين أفراد الطائفة المنصورة.
إذاً: أيها الإخوة لله سنن في الأرض تعمل، لابد أن تعمل هذه السنن ومن سننه أن يجعل النصر لعباده، وأن يجعل قيام الإسلام على أيدي مسلمين مخلصين ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] الذي يرتد عن الدين ويترك العمل ما الذي سيحدث؟ سيأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه؛ أجيال أخرى تنشأ ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤].
إذاً أيها الإخوة! إذا ما عملنا نحن الآن: أولاً: يفوتنا الأجر.
ثانياً: علينا الإثم.
ثالثاً: سيأتي الله بقوم من بعدنا يعملون فينصر الله بهم الدين، فلماذا نتخاذل ونقعد وننتظر أن ينتصر الإسلام ونحن مكتوفو الأيدي؟ لا أيها الإخوة! يجب أن نكون من أفراد الطائفة المنصورة التي أخبر الرسول ﷺ عن وجودها إلى قيام الساعة، ما هي الطائفة المنصورة؟ هذا حديث أدرجت فيه الصفات من الأحاديث التي وردت، يقول الرسول ﷺ : (لا تزال طائفةٌ من أمتي ظاهرين على الحق) مهما كان الأمر، ومهما ضعف الإسلام، ومهما تقهقر المسلمون ومهما طم العدو وعلا على بلاد المسلمين (لا تزال طائفةٌ من أمتي ظاهرين على الحق) وفي رواية: (قائمةٌ بأمر الله) وفي رواية: (قوامة على أمر الله) وفي رواية: (منصورين) وفي رواية: (لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم) وفي رواية: (يقاتلون على الحق ظاهرين حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال).
هذه الطائفة المنصورة موجودة في الأرض وهذه صفاتها على الحق، منصورة بالحجة قبل أن تكون منصورة بالسيف، تعرف العقيدة وتعرف التوحيد، مستقيمة على أمر الله، لا يضرها من خذلها ولا من خالفها من الشرق والغرب.
يجب أن نكون من أفراد هذه الطائفة المنصورة التي أخبر عنها الرسول ﷺ حتى يقيم الله الإسلام، سواء رأيناه بأعيننا أو تأخر بعد موتنا، فلا يهم، المهم أن ننقذ أنفسنا من النار، هذا هو المهم أيها الإخوة، أن ننقذ أنفسنا من النار، سواءً رأينا النتيجة أو لم نرها، وعدم رؤية النتيجة ليس باعثاً على اليأس، لأن المسألة إذا لم تتحقق في هذا الجيل، فستتحقق في الأجيال القادمة بإذن الله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٤٠].
اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك، اللهم واجعلنا من جندك وأعوانك قائمين على الحق، عاملين بالحق ومجاهدين من أجل الحق، اللهم واجعلنا من أتباع رسولك ﷺ ، وارزقنا الإخلاص والاستقامة في الأقوال والأعمال، اللهم واجعلنا من أفراد الطائفة المنصورة من أهل السنة والجماعة الذين ينصرون الحق وبه يعدلون، اللهم طهر أعمالنا من الرياء، وألسنتنا من الكذب، وقلوبنا من النفاق، اللهم واجعل بيوتنا بيوتاً إسلامية، اللهم وارزقنا وأنت خير الرازقين، وعافنا في أنفسنا وفي أبداننا وفي أموالنا وفي أولادنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا يا أرحم الراحمين! إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون.
стр. 3567
وصايا من الله للدعاة
لقد وصى الله تعالى الناس عموماً والدعاة خصوصاً بواجب الدعوة إليه، وحثهم على استشعار المسئولية ببذل وسعهم في إيجاد الأساليب الناجحة للدعوة، ودلهم على اتباع أساليب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في ذلك، سواءً كان بالكلام أو بالقدوة والفعال.
стр. 3568
توجيهات للدعاة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
الجواب
=٦٠٠٠٣٩٤> يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
الجواب
=٦٠٠٠٤٩٣> يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
الجواب
=٦٠٠٣٦٠٢> يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
عباد الله! لقد أُنزل علينا القرآن الكريم لنتدبر ما فيه ونعمل بمقتضاه، وقد جاءت فيه توجيهات كثيرة في شتى فروع الحياة وأوديتها، وجاءت فيه مواعظ من ربنا لجلاء صدأ قلوبنا، وحمل نفوسنا على السير في الصراط المستقيم، وعدم الإعوجاج، ومن هذه التوجيهات: التوجيهات للدعاة إلى الله تعالى، والتوجيه للناس للقيام بواجب الدعوة إلى الله، وكلنا يجب أن نكون دعاة إلى الله.
عباد الله: لقد فرطنا في هذا الواجب الشرعي واجب الدعوة إلى الله تعالى، وركنت نفوسنا إلى الدنيا، واشتغلنا بالملذات واتباع الشهوات، وكان الإعراض من الكثيرين عن العمل بالإسلام؛ فضلاً عن الدعوة إليه، والكل واجبات سنسأل عنها يوم القيامة: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ﴾ [الزخرف:٤٤] فتعالوا بنا نستعرض شيئاً مما ذكره ربنا عن الدعوة إلى الله، والأمر بها، وأساليبها، وكيفية القيام بها، وتحمل المسئولية واستشعار الواجب في هذا الموضوع الجليل، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف:١٦٤].
الاستقامة نصابها العلم والبصيرة، وزكاتها الدعوة والموعظة، والله أوجب علينا بقوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل عمران:١٠٤] أي: لتكونوا أنتم أمة، صفتها: أنهم يدعون إلى الخير، وعلى فرض أن هذا أمرٌ لبعض الأمة بالدعوة؛ فإنه واجب وفرض على الكفاية لا يسقط إلا في حال تحقق الكفاية، فهل تحققت الكفاية في عصرنا؟! وهل وجد من الدعاة من يغطي الحال؟! كلا.
أيها المسلمون! لقد صار واجباً علينا جميعاً أن نكون دعاة إلى الله تعالى، وينبغي أن يتحمل المسلم ما يلاقي في سبيل تبليغ دعوة ربه، وأن يكون الدعاة إلى الله عدتهم الصبر، وعتادهم اليقين بنصر الله وبلوغ أمره (وليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار).
الداعي إلى الله تعالى يحزن ويتحسر لمرأى جموع البشر تتخبط في دياجير الظلام؛ فيبادر ليجعل نفسه فتيلاً مشتعلاً في هذا الليل البهيم، والظلمة المدلهمة؛ راجياً الأجر من الله تعالى أولاً، وتنبيهاً للسائرين وإيقاظاً للنائمين ثانياً، ولذلك لما قال بعض بني إسرائيل للدعاة إلى الله منهم: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً﴾ [الأعراف:١٦٤] أي: لا فائدة من دعوتهم لأنهم مصرون على الباطل والإثم، فلم تشتغلون بدعوتهم؟ فكان جواب الدعاة إلى الله: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف:١٦٤] أي: إقامة الحجة والقيام بالأمر وتنفيذ التكليف، ثم: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف:١٦٤] أي: لعلهم يهتدون، وحتى لا يفقد الداعية بصيص الأمل، ولا يفقد احتمال الهداية، ولا يفقد أن يوجد من المدعوين من يقبل الدعوة ولو بعد حين، وكلمةٌ على كلمة وبعد كلمة يحصل الأثر بإذن الله، والداعية في عمله لا يتفضل على الناس؛ بل يقوم بواجبه مشفقاً عليهم: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف:١٦٤].
أيها المسلمون! إن الدعوة إلى الله تحتاج إلى رجال يتسللون إلى قلوب الناس، ويأسرونهم بحسن سمتهم وخلقهم، ويعرفونهم بالله، ويذكرونهم بأيام الله، ويعينونهم على أنفسهم وعلى الشيطان.
إن تسهيل طريق الخير أمام الناس، وإزالة العوائق الموهومة، وتأليف قلوبهم، وإشعارهم بمحبة الخير لهم، وأن الداعي بعيد في دعوته لهم عن المصالح الشخصية أمرٌ مهم جداً، قال الله : ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:١٠٩] وعليه أن يفعل الأسباب المفضية والمؤدية إلى هداية الناس، ودلالتهم، ويقوم بالواجب بغير يأس ولا قنوط، فقد قام نوح بواجب الدعوة ألف سنةٍ إلا خمسين عاماً، وما آمن معه إلا قليل، لكن ذلك لم يثنه عن الدعوة إلى الله تعالى.
أيها المسلمون: إننا شهداء الله في الأرض، يجب أن نقوم بالحق، وقد قال الله تعالى -أيضاً- مبيناً المسئولية التي ينبغي على الدعاة إلى الله أن يقوموا بها، ولا يجعلوا لها فضول الأوقات، وإنما تكون لها الأوقات كلها، قال الله تعالى: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم:١٢] أي: أن أخذ الكتاب يحتاج إلى مسئولية وشدة عزيمة وقوة شكيمة, ولا يطيق ذلك إلا من اختاره الله تعالى لأداء هذه المهمة.
أيها المسلمون: إن كثيراً من الناس لا يأخذون الكتاب أصلاً، وأعداد يأخذون بعض ما في الكتاب ويكفرون ببعض، وبعضهم يأخذه على ضعفٍ وتراخٍ، والله يقول: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف:١٧١] فالمسألة تحتاج إلى تصميم وعزيمة، والمسالة تحتاج إلى حسن توجه وإلى نيةٍ خالصة حتى تحصل النتيجة.
стр. 3569
مع أساليب الدعوة إلى الله عند الأنبياء
عباد الله: إن ربنا تعالى ذكر لنا أساليب متنوعة في دعوة الأقرباء والبعداء، ودعوة الأقوام عموماً، ولنأخذ أمثلة على دعوة الأقرباء:
стр. 3570
أسلوب إبراهيم ﵇ في دعوة أبيه إلى التوحيد
يقول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً﴾ [مريم:-٤٥].
تأمل يا عبد الله! كيف ترقى وتوخى إبراهيم ﵇ مسالك الدعوة والحكمة فيها والرفق واللين، والبعد عن التفضل والمنة والازدراء والتحقير والشدة والغلظة، وإنما عمد إلى التملق والتزلف؛ لكي يحاول التسلل إلى قلب خاوٍ، إنه قلب أبيه المشرك، قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- معلقاً على هذه الآيات العظيمة: ابتدأ إبراهيم خطابه بذكر أبوته -أبوة أبيه- الدالة على توقيره -بدون كلمة توقير تستهل بها الخطاب أو كلمة احترام تنشئ بها الكلام وتستهله قد لا يفتح لك مطلقاً- ولم يسمه باسمه، ولم يقل: يا آزر، وإنما قال: يا أبتِ، ثم أخرج الكلام مخرج السؤال، فقال: ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً﴾ [مريم:٤٢] ولم يعمد إلى أسلوب الأمر المباشر والنهي المباشر، فيقول مثلاً: لا تعبد الشيطان، أو لا تعبد ما لا يسمع، وإنما قال: ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً﴾ [مريم:٤٢]، ثم قال: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ [مريم:٤٣] فلم يقل له: إنك جاهل لا علم عندك؛ بل عدل عن هذه العبارة إلى ألطف عبارة تدل على المعنى، فقال: ﴿جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ [مريم:٤٣] ثم قال: ﴿فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً﴾ [مريم:٤٣] مثلما قال موسى لفرعون: ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ﴾ [النازعات:١٩]، قال إبراهيم ﵇: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً﴾ [مريم:٤٥] فنسب الخوف إلى نفسه دون أبيه مثلما يفعل الشفيق الخائف على من يشفق عليه، وقال: "يمسك" والمس ألطف من غيره، ولم يقل: ينزل بك، أو يخسف بك، وإنما قال: يمسك، ثم نكَّر العذاب، فقال: ﴿عَذَابٌ﴾ ولم يقل: العذاب، ثم ذكر ﴿الرَّحْمَنِ﴾ ولم يقل الجبار ولا القهار تأليفاً له، واستجلاباً للإيمان بهذا الرحمن، واستشعاراً لرحمته، فأي خطاب ألين وألطف من هذا.
ومع ذلك كله كان الرد قاسياً شديداً: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً﴾ [مريم:٤٦] ومع ذلك يجيء جواب إبراهيم جواباً تلين له الحجارة؛ لأنه لم يكن يدعو لحظ نفسه حتى يثور، ولم يكن يدعو لأجل أن يقابل بالإيجاب؛ ولذلك لم يثأر ولم ينتقم؛ بل قال: ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً﴾ [مريم:٤٧].
стр. 3571
أسلوب النبي ﷺ في دعوة عمه أبي طالب إلى الإسلام
وآية أخرى من كتاب الله تعالى في موضوع الدعوة إلى الله، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص:٥٦] هذه الآية التي درج بعض الناس على الاستشهاد بها إذا رآك تنصح إنساناً وتدعوه إلى الهدى؛ فسرعان ما يقول لك: دعه دعه؛ فإنك لا تهدي من أحببت، ولكن هذه الآية ليس المقصود بها إيقاف الدعاة عن العمل، أو أن يتحسر الدعاة ويقولون: لا فائدة، وإنما المقصود أن الله تعالى بيَّن فيها أن أحداً لا يملك أن يدخل الإسلام والإيمان في قلب شخص أبداً، ولكن الله هو الذي يهدي من يشاء، فيدخله في الإسلام بعنايته، فكأنه يقول لك: يا أيها الداعية! لا تغتر بعملك ولو أثمرت بعض مجهوداتك، ولا تظن أنك أنت الذي أدخلت الهداية إلى قلبه، ولا تغتر فإن الله هو الذي أدخل الهداية إلى قلبه.
ثم فيها فائدة أخرى بخلاف تجنيب الداعية من الغرور، وهي تجنيب الداعية من اليأس والتوقف عن الدعوة بأن يقال له: لقد أديت ما عليك وأجرك قد ثبت، والرجل مصر على الباطل، ولا تستطيع أنت أن تهديه فانظر غيره، ولا تذهب نفسك عليه حسرات، ولا تأسفن عليه: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الكهف:٦] أي: مهلك نفسك أنهم لا يؤمنون، فهذه الآية نزلت تسلية وتسرية للنبي ﷺ لما ذهب إلى عمه أبي طالب يدعوه إلى الله تعالى، ولكن سبق القدر فيه، واختطفه من يده، واستمر على الكفر والعياذ بالله.
والنبي ﷺ يقول: (يا عم! قل: لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله) فأبى أن يقول، فأنزل الله تعالى ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦] ومات أبو طالب الذي كان نصير الدعوة، والمدافع عن النبي ﷺ والمادح لأفكاره وآرائه ومعتقداته، وهو الذي كان ينصره ويحميه من أذى قريش، مات هذا الرجل في نهاية غير مرجوة أبداً، كان الرسول ﷺ يرجو له لقاء هذه المجهودات-وهو عمه وأقرب الناس إليه- في أن يهتدي، ولكن الله أراد أن يعلم رسوله والمؤمنين درساً عظيماً، في أن الإنسان مهما بذل الأسباب؛ فإن الله إذا لم يشأ فلا يحدث المأمول أبداً، كما بين الله تعالى أن ميزان العقيدة هو الميزان الأول، وأن النسب لا ينفع القريب قريبه فيه أبداً، فيجعل الله يوم القيامة أبا طالب في ضحضاح من نار يبلغ كعبيه يغلي منها دماغه، فليعلم الناس أن عليهم بذل الأسباب، والله يتكفل بالنتائج، والله معهم مقدر كل شيء، وأن الله إذا أراد هداية شخص فربما يهتدي بحلم من الأحلام أو مرض أو حادث، ولا يكون لأي داعية سبب في ذلك، وإذا أراد الله أن يضل شخصاً، واجتمع الناس كلهم على هدايته ما استطاعوا هدايته أبداً.
стр. 3572
مراتب الدعوة إلى الله
ثم إن الله ذكر في كتابه مراتب الدعوة، فقال : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ [النحل:١٢٥] وهذا أمر يقتضي الوجوب: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] فمن الناس من هو جاهل يحتاج إلى تعليم، والحكمة: هي القرآن والسنة، فنعلمه ما يجهل، ونبين له حكم الله تعالى، ونبين له ما في القرآن والسنة، ومن الناس من ربما يكون عنده علم لكن فيه غفلة وقسوة قلب فيحتاج إلى تليين، والتليين يكون بالوعظ؛ ولذلك ينتقل الداعية إلى المرحلة الثانية وهي الموعظة الحسنة، فإن بعض الناس يحتاجون إلى موعظة للهداية، وبعضهم يحتاجون إلى تعليم للهداية، فهذه سبيل أخرى ذكرها الله تعالى آمراً نبيه ﷺ أن يعلم من يحتاج إلى تعليم، وأن يذكر من يحتاج إلى تذكير، وأن يجادل من عنده شبهة أو هوى بالتي هي أحسن.
هذه المراتب العظيمة من تأملها وطبقها على الناس، عرف أن الله ذكر الدواء الناجع لكل نوع من أنواع المدعوين، النوع الذي يجهل ويقبل التعليم ولو عُلِّم لتبع، والنوع الذي عنده غفلة وتأخر فيدعى بالموعظة الحسنة، وهو الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب وهما من أعظم أنواع الوعظ، ثم هناك معاند جاحد يجادل بالتي هي أحسن؛ بالبرهان والحجة واللسان القويم، وربما يكون عند بعض الناس خلفيات ثقافية، أو معلومات مسبقة خاطئة، فيحتاجون إلى محاورة، ومجادلة لكشف زيف ما يعتقدونه، والرد على الشبهات التي يأتون بها.
وقد حاور النبي ﷺ وفد نصارى نجران لما جاءوه، ونزلت سورة آل عمران محاورة ومجادلة لأهل الكتاب، ولوفدهم الذين جاءوا من نجران، وحاور النبي ﷺ عدي بن حاتم وقد كان من زعماء النصارى، فحاوره بما هو موجود عنده في الكتاب، وبما يعلمه من دينه، وحاوره بأشياء، وأوقفه على أمور عجيبة، وسأل عمران فقال: (كم إلهاً تعبد؟ قال: ستة في الأرض وواحد في السماء)، فسأله عن الإله الذي يعده للرغبة والرهبة، وعند نزول الملمات، وفي الأحوال الخطيرة وأي واحد هو من هذه الآلهة السبعة؟ فكانت نتيجة المحاورة أن قال: (إنه الذي في السماء) إذاً هو أولى بالعبادة.
كما حاور ﵊ أشخاصاً كثيرين.
ولم يتوانَ ﷺ في بذل أساليب الدعوة، سواء كان بالكلام، أو بالقدوة والفعال، كما ربط الأسير في المسجد ليسمع كلام الله وينظر أفعال المسلمين، وكيف يعيش المجتمع الإسلامي، وأرسل الرسائل إلى عظماء الأرض يدعوهم إلى الله.
أيها المسلمون! حري بنا أن نتبع الأساليب الناجعة في الدعوة إلى الله، وألا نيأس من هداية الخلق، وأن نقوم بهذا الواجب الذي فرطنا فيه، فكم يوجد بيننا ممن لا يعلم شيئاً عن الإسلام؟! فتاة تقدم إليها أحد الخطاب، وهي ممن ينتسب إلى جمهور المسلمين، فحدثها عن الصلاة والحجاب؟ فقالت: أما الصلاة فلا أصلي، قال: لِمَ؟! قالت: لا أعرف كيفية الصلاة، قال: ما رأيت أناساً يصلون؟ قالت: نادراً، قال: ما تعلمت الصلاة في المدرسة؟ قالت: أدخلتني أمي مدرسة إنجليزية، فما علمونا الصلاة -وهي تعيش بين المسلمين- قال لها: المسألة بسيطة طهارة وصلاة، فقالت: الدنيا برد!! إذاً: ربما يوجد بين المسلمين من أبناء المسلمين من يجهل الدين بالكلية، ويوجد من ذهب إلى الكفار، ورجع وهو مغسول الدماغ، يستقبل صاحبه المبتعث في المطار، وقد كان يعرفه قبل الابتعاث إنساناًً مستقيماًَ أو مصلياً على الأقل، ولما رجع به من المطار بعد عناق واستقبال حار، كان وقت الصلاة قد حان؛ فأوقف السيارة بجانب أحد المساجد، وقال لصاحبه: ننزل، قال: ولِمَ؟ قال: لنصلي، قال: تغير علمك، لقد أصبحتُ نصرانياً، وأخرج الصليب من صدره فأراه إياه.
إذاً يوجد -أيها الإخوة- مرتد يحتاج إلى دعوة، ويوجد من المسلمين جهلة بالإسلام، وخصوصاً العمالة الموجودة من بلادٍ إسلامية، ما علمناهم شيئاً أبداً، فانتهت عقودهم ومدة خدمتهم، ورجعوا إلى بلادهم ولم يستفيدوا شيئاً ألبتة، ويوجد كفار أصليون وغافلون من المسلمين يحتاجون إلى دعوة، وكل واحد من هؤلاء يحتاج إلى نوع خاص من الأساليب والوسائل.
فهلاَّ تحركت الغيرة في قلوبنا، والقيام بالمسئولية، والخوف من السؤال يوم القيامة، والرغبة في الأجر، فإنك لا تدعو إلى خير إلاَّ وتؤجر عليه، وإذا عمل العامل بما نصحته فلك مثل أجره، ولئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من الدنيا وما عليها.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا بدينه مستمسكين، ولسبيله من السالكين، ولهذا الإسلام من الحاملين والدعاة المناصرين، ونسأله تعالى أن يحيينا على الإسلام، وأن يميتنا على الإيمان، وأن يتقبلنا في عباده الصالحين.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 3573
توجيهات قرآنية لعلاج الأمراض الاجتماعية
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، الملك الحق المبين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الحي القيوم، هو الأول فليس قبله شيء، وهو الآخر فليس بعده شيء، وهو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء، خلق فسوى، وقدر فهدى، ، وأشهد أن محمداً رسول الله، الداعي إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وذهب إلى الله وذمته بريئة من كل مسئولية، فقد أدى ما عليه وبقي ما علينا نحن، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الدعاة من بعده وفي حياته، وعلى التابعين بإحسان إلى يوم الدين.
عباد الله! إن هذا القرآن الذي ذكرنا منه أمثلة في الدعوة إلى الله تعالى، وآيات في الحث عليها والترغيب؛ وبيان الوسائل والأساليب.
إن في هذا القرآن عبراً، وأنا أذكر لكم أمثلةً قليلة مما يوجد في القرآن, وهو مجال التدبر والتفكر الذي طلبه الله منا.
стр. 3574
وقفات مع قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأحبار والرهبان)
إن هذا القرآن يشتمل على توجيهات كثيرة جداً للدعاة وغير الدعاة، وفيه لطائف وحكم وأحكام، فتأمل مثلاً قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة:٣٤ - ٣٥].
إذاً: يحمى عليها بالمنافيخ وغيرها؛ مما يضاعف حرها، فإذا اشتد العذاب جاءت مرحلة الكي، فيكوى في جبهته وجنبه وظهره ويكون في هذه المواضع، لأنه كما قال العلماء: إذا جاءه الفقير السائل صعر بوجهه، ثم إذا أعاد السائل عليه ولاه جنبه، زيادة إعراض، فإذا ألح عليه، ولاه ظهره وأعرض، فلذلك جعل الكي في هذه المواضع الثلاثة: الوجه والجنب والظهر، الكي في هذه المواضع أشد على الإنسان من غيرها، والكي في الجنب والوجه والظهر هو الكي في الجهات الأربع: الأمام في الجبهة، والخلف في الظهر، واليمين والشمال في الجنبين، فجاءه الكي في المواضع التي هي فيها شدة، ثم التي حصل بها الاعراض، فجوزي على عمله، والجزاء من جنس العمل.
تأمل قول الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ [مريم:٥٩].
قال الله: ﴿وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾، بمعنى أرادوها وصارت هي همهم، ولم يقل: إنهم تناولوا منها؛ لأن الشهوات منها ما يكون حلالاً، فتناول الشهوة الحلال مباح، لكن تأمل السر في قوله: ﴿اتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ صارت متبوعاً، وقائداً وهم منقادون، صارت مطاعة وهم مطيعون ﴿اتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ وكم الذين يتبعون الشهوات في زماننا، أناس كثر جداً، جعلوا الشهوات هي مقصودهم، والغربيون عندهم مبدأ اللذة هي الهدف الكلي؛ لذلك فسعيهم للذة المال، والمتعة، والجنس، وغير ذلك من أنواع اللذات إلا لذة الإيمان واليقين، وكثير من المسلمين يتبعون الشهوات؛ فيأخذ المال من حرام وحلال من أجل شهوة المال، ويرتكب أسباب العلاقة المحرمة بالجنس الآخر اتباعاً للشهوات؛ ولذلك كثير من الأوقات تذهب في المعاكسات الهاتفية، والمواعيد المحرمة، وارتكاب الفواحش، واتباع مطلق للشهوات.
أيها المسلمون: هاتان آيتان تعرضان شيئاً من الأمراض الاجتماعية الموجودة، كالبخل والشح واتباع الشهوات، وهذان المرضان جديران بأن يدقق الدعاة إلى الله تعالى فيهما؛ لأنهما أعظم ما أصيب به المجتمع، وهذان المرضان -فعلاً- بحاجة إلى دراسة وتقويم، ثم بحاجة إلى علاج، ويحتاج الذين وقعوا فيهما أن يرجعوا إلى الله تعالى، فهذان مرضان في المدعوين يحتاج الدعاة إلى التأني والتأمل، ومعرفة السبيل الناجع في المداواة، ويبقى السبيل هو التعليم والوعظ والجدال بالتي هي أحسن.
ولكن الاهتداء إلى موضع الخلل يحتاج إلى تدبر وتأمل؛ ولذلك بعض الناس ربما يدعو لكن لا يعرف أي شيء يقصد في دعوته، وما هو الهدف الذي يوجه إليه وسائل دعوته، نسأل الله تعالى أن يفقهنا في ديننا، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن يرزقنا الحكمة والخطاب الحسن، ونسأله أن يهدي ضال المسلمين.
اللهم ردهم إلى الحق رداً جميلاً يا رب العالمين، اللهم افتح قلوبهم بنور من عندك، واسلك بهم سبيل النور، وأخرجهم من الظلمات إلى النور يا أرحم الراحمين، ويا رب العالمين.
اللهم أقم علم الجهاد، واقمع أهل الزيغ والفساد والعناد، وانشر رحمتك على العباد، وارحمنا يوم المعاد، وارزقنا الثبات يوم التناد، اللهم إنا نسألك الرحمة والمغفرة لموتى المسلمين، اللهم ارحم موتانا، واشف مرضانا، اللهم إنا نسألك أن تثبتنا عند اللقاء، وأن تثبتنا على الصراط يا رب العالمين.
اللهم آمنا في البلاد، اللهم آمنا في البلاد، اللهم آمنا في البلاد، وأصلح الأئمة ولاة العباد.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 3575
يا باغي الخير أقبل [١]
أعمال الخير كثيرة، والجنة قريبة من المرء ما وفقه الله للعمل بمقتضى دخولها، ولكن المرء قد يغفل عن عمل صالح، أو قد يحتقر عملاً ما لعله ينجيه من النار بترجيح كفة الحسنات، وهنا طائفة من أعمال الخير فعلها يسير وأجرها عظيم، فاقرأ لتعمل عسى الله أن يوفقنا لفعلها.
следующие страницы →