← Джавами‘

Джавами‘ · id 7704

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (7 040 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

أسلوب النبي ﷺ في دعوة عمه أبي طالب إلى الإسلام وآية أخرى من كتاب الله تعالى في موضوع الدعوة إلى الله، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص:٥٦] هذه الآية التي درج بعض الناس على الاستشهاد بها إذا رآك تنصح إنساناً وتدعوه إلى الهدى؛ فسرعان ما يقول لك: دعه دعه؛ فإنك لا تهدي من أحببت، ولكن هذه الآية ليس المقصود بها إيقاف الدعاة عن العمل، أو أن يتحسر الدعاة ويقولون: لا فائدة، وإنما المقصود أن الله تعالى بيَّن فيها أن أحداً لا يملك أن يدخل الإسلام والإيمان في قلب شخص أبداً، ولكن الله هو الذي يهدي من يشاء، فيدخله في الإسلام بعنايته، فكأنه يقول لك: يا أيها الداعية! لا تغتر بعملك ولو أثمرت بعض مجهوداتك، ولا تظن أنك أنت الذي أدخلت الهداية إلى قلبه، ولا تغتر فإن الله هو الذي أدخل الهداية إلى قلبه. ثم فيها فائدة أخرى بخلاف تجنيب الداعية من الغرور، وهي تجنيب الداعية من اليأس والتوقف عن الدعوة بأن يقال له: لقد أديت ما عليك وأجرك قد ثبت، والرجل مصر على الباطل، ولا تستطيع أنت أن تهديه فانظر غيره، ولا تذهب نفسك عليه حسرات، ولا تأسفن عليه: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الكهف:٦] أي: مهلك نفسك أنهم لا يؤمنون، فهذه الآية نزلت تسلية وتسرية للنبي ﷺ لما ذهب إلى عمه أبي طالب يدعوه إلى الله تعالى، ولكن سبق القدر فيه، واختطفه من يده، واستمر على الكفر والعياذ بالله. والنبي ﷺ يقول: (يا عم! قل: لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله) فأبى أن يقول، فأنزل الله تعالى ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦] ومات أبو طالب الذي كان نصير الدعوة، والمدافع عن النبي ﷺ والمادح لأفكاره وآرائه ومعتقداته، وهو الذي كان ينصره ويحميه من أذى قريش، مات هذا الرجل في نهاية غير مرجوة أبداً، كان الرسول ﷺ يرجو له لقاء هذه المجهودات-وهو عمه وأقرب الناس إليه- في أن يهتدي، ولكن الله أراد أن يعلم رسوله والمؤمنين درساً عظيماً، في أن الإنسان مهما بذل الأسباب؛ فإن الله إذا لم يشأ فلا يحدث المأمول أبداً، كما بين الله تعالى أن ميزان العقيدة هو الميزان الأول، وأن النسب لا ينفع القريب قريبه فيه أبداً، فيجعل الله يوم القيامة أبا طالب في ضحضاح من نار يبلغ كعبيه يغلي منها دماغه، فليعلم الناس أن عليهم بذل الأسباب، والله يتكفل بالنتائج، والله معهم مقدر كل شيء، وأن الله إذا أراد هداية شخص فربما يهتدي بحلم من الأحلام أو مرض أو حادث، ولا يكون لأي داعية سبب في ذلك، وإذا أراد الله أن يضل شخصاً، واجتمع الناس كلهم على هدايته ما استطاعوا هدايته أبداً.

стр. 3572

مراتب الدعوة إلى الله ثم إن الله ذكر في كتابه مراتب الدعوة، فقال : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ [النحل:١٢٥] وهذا أمر يقتضي الوجوب: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] فمن الناس من هو جاهل يحتاج إلى تعليم، والحكمة: هي القرآن والسنة، فنعلمه ما يجهل، ونبين له حكم الله تعالى، ونبين له ما في القرآن والسنة، ومن الناس من ربما يكون عنده علم لكن فيه غفلة وقسوة قلب فيحتاج إلى تليين، والتليين يكون بالوعظ؛ ولذلك ينتقل الداعية إلى المرحلة الثانية وهي الموعظة الحسنة، فإن بعض الناس يحتاجون إلى موعظة للهداية، وبعضهم يحتاجون إلى تعليم للهداية، فهذه سبيل أخرى ذكرها الله تعالى آمراً نبيه ﷺ أن يعلم من يحتاج إلى تعليم، وأن يذكر من يحتاج إلى تذكير، وأن يجادل من عنده شبهة أو هوى بالتي هي أحسن. هذه المراتب العظيمة من تأملها وطبقها على الناس، عرف أن الله ذكر الدواء الناجع لكل نوع من أنواع المدعوين، النوع الذي يجهل ويقبل التعليم ولو عُلِّم لتبع، والنوع الذي عنده غفلة وتأخر فيدعى بالموعظة الحسنة، وهو الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب وهما من أعظم أنواع الوعظ، ثم هناك معاند جاحد يجادل بالتي هي أحسن؛ بالبرهان والحجة واللسان القويم، وربما يكون عند بعض الناس خلفيات ثقافية، أو معلومات مسبقة خاطئة، فيحتاجون إلى محاورة، ومجادلة لكشف زيف ما يعتقدونه، والرد على الشبهات التي يأتون بها. وقد حاور النبي ﷺ وفد نصارى نجران لما جاءوه، ونزلت سورة آل عمران محاورة ومجادلة لأهل الكتاب، ولوفدهم الذين جاءوا من نجران، وحاور النبي ﷺ عدي بن حاتم وقد كان من زعماء النصارى، فحاوره بما هو موجود عنده في الكتاب، وبما يعلمه من دينه، وحاوره بأشياء، وأوقفه على أمور عجيبة، وسأل عمران فقال: (كم إلهاً تعبد؟ قال: ستة في الأرض وواحد في السماء)، فسأله عن الإله الذي يعده للرغبة والرهبة، وعند نزول الملمات، وفي الأحوال الخطيرة وأي واحد هو من هذه الآلهة السبعة؟ فكانت نتيجة المحاورة أن قال: (إنه الذي في السماء) إذاً هو أولى بالعبادة. كما حاور ﵊ أشخاصاً كثيرين. ولم يتوانَ ﷺ في بذل أساليب الدعوة، سواء كان بالكلام، أو بالقدوة والفعال، كما ربط الأسير في المسجد ليسمع كلام الله وينظر أفعال المسلمين، وكيف يعيش المجتمع الإسلامي، وأرسل الرسائل إلى عظماء الأرض يدعوهم إلى الله. أيها المسلمون! حري بنا أن نتبع الأساليب الناجعة في الدعوة إلى الله، وألا نيأس من هداية الخلق، وأن نقوم بهذا الواجب الذي فرطنا فيه، فكم يوجد بيننا ممن لا يعلم شيئاً عن الإسلام؟! فتاة تقدم إليها أحد الخطاب، وهي ممن ينتسب إلى جمهور المسلمين، فحدثها عن الصلاة والحجاب؟ فقالت: أما الصلاة فلا أصلي، قال: لِمَ؟! قالت: لا أعرف كيفية الصلاة، قال: ما رأيت أناساً يصلون؟ قالت: نادراً، قال: ما تعلمت الصلاة في المدرسة؟ قالت: أدخلتني أمي مدرسة إنجليزية، فما علمونا الصلاة -وهي تعيش بين المسلمين- قال لها: المسألة بسيطة طهارة وصلاة، فقالت: الدنيا برد!! إذاً: ربما يوجد بين المسلمين من أبناء المسلمين من يجهل الدين بالكلية، ويوجد من ذهب إلى الكفار، ورجع وهو مغسول الدماغ، يستقبل صاحبه المبتعث في المطار، وقد كان يعرفه قبل الابتعاث إنساناًً مستقيماًَ أو مصلياً على الأقل، ولما رجع به من المطار بعد عناق واستقبال حار، كان وقت الصلاة قد حان؛ فأوقف السيارة بجانب أحد المساجد، وقال لصاحبه: ننزل، قال: ولِمَ؟ قال: لنصلي، قال: تغير علمك، لقد أصبحتُ نصرانياً، وأخرج الصليب من صدره فأراه إياه. إذاً يوجد -أيها الإخوة- مرتد يحتاج إلى دعوة، ويوجد من المسلمين جهلة بالإسلام، وخصوصاً العمالة الموجودة من بلادٍ إسلامية، ما علمناهم شيئاً أبداً، فانتهت عقودهم ومدة خدمتهم، ورجعوا إلى بلادهم ولم يستفيدوا شيئاً ألبتة، ويوجد كفار أصليون وغافلون من المسلمين يحتاجون إلى دعوة، وكل واحد من هؤلاء يحتاج إلى نوع خاص من الأساليب والوسائل. فهلاَّ تحركت الغيرة في قلوبنا، والقيام بالمسئولية، والخوف من السؤال يوم القيامة، والرغبة في الأجر، فإنك لا تدعو إلى خير إلاَّ وتؤجر عليه، وإذا عمل العامل بما نصحته فلك مثل أجره، ولئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من الدنيا وما عليها. نسأل الله تعالى أن يجعلنا بدينه مستمسكين، ولسبيله من السالكين، ولهذا الإسلام من الحاملين والدعاة المناصرين، ونسأله تعالى أن يحيينا على الإسلام، وأن يميتنا على الإيمان، وأن يتقبلنا في عباده الصالحين. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 3573

توجيهات قرآنية لعلاج الأمراض الاجتماعية الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، الملك الحق المبين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الحي القيوم، هو الأول فليس قبله شيء، وهو الآخر فليس بعده شيء، وهو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء، خلق فسوى، وقدر فهدى، ، وأشهد أن محمداً رسول الله، الداعي إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وذهب إلى الله وذمته بريئة من كل مسئولية، فقد أدى ما عليه وبقي ما علينا نحن، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الدعاة من بعده وفي حياته، وعلى التابعين بإحسان إلى يوم الدين. عباد الله! إن هذا القرآن الذي ذكرنا منه أمثلة في الدعوة إلى الله تعالى، وآيات في الحث عليها والترغيب؛ وبيان الوسائل والأساليب. إن في هذا القرآن عبراً، وأنا أذكر لكم أمثلةً قليلة مما يوجد في القرآن, وهو مجال التدبر والتفكر الذي طلبه الله منا.

стр. 3574

وقفات مع قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأحبار والرهبان) إن هذا القرآن يشتمل على توجيهات كثيرة جداً للدعاة وغير الدعاة، وفيه لطائف وحكم وأحكام، فتأمل مثلاً قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة:٣٤ - ٣٥]. إذاً: يحمى عليها بالمنافيخ وغيرها؛ مما يضاعف حرها، فإذا اشتد العذاب جاءت مرحلة الكي، فيكوى في جبهته وجنبه وظهره ويكون في هذه المواضع، لأنه كما قال العلماء: إذا جاءه الفقير السائل صعر بوجهه، ثم إذا أعاد السائل عليه ولاه جنبه، زيادة إعراض، فإذا ألح عليه، ولاه ظهره وأعرض، فلذلك جعل الكي في هذه المواضع الثلاثة: الوجه والجنب والظهر، الكي في هذه المواضع أشد على الإنسان من غيرها، والكي في الجنب والوجه والظهر هو الكي في الجهات الأربع: الأمام في الجبهة، والخلف في الظهر، واليمين والشمال في الجنبين، فجاءه الكي في المواضع التي هي فيها شدة، ثم التي حصل بها الاعراض، فجوزي على عمله، والجزاء من جنس العمل. تأمل قول الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ [مريم:٥٩]. قال الله: ﴿وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾، بمعنى أرادوها وصارت هي همهم، ولم يقل: إنهم تناولوا منها؛ لأن الشهوات منها ما يكون حلالاً، فتناول الشهوة الحلال مباح، لكن تأمل السر في قوله: ﴿اتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ صارت متبوعاً، وقائداً وهم منقادون، صارت مطاعة وهم مطيعون ﴿اتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ وكم الذين يتبعون الشهوات في زماننا، أناس كثر جداً، جعلوا الشهوات هي مقصودهم، والغربيون عندهم مبدأ اللذة هي الهدف الكلي؛ لذلك فسعيهم للذة المال، والمتعة، والجنس، وغير ذلك من أنواع اللذات إلا لذة الإيمان واليقين، وكثير من المسلمين يتبعون الشهوات؛ فيأخذ المال من حرام وحلال من أجل شهوة المال، ويرتكب أسباب العلاقة المحرمة بالجنس الآخر اتباعاً للشهوات؛ ولذلك كثير من الأوقات تذهب في المعاكسات الهاتفية، والمواعيد المحرمة، وارتكاب الفواحش، واتباع مطلق للشهوات. أيها المسلمون: هاتان آيتان تعرضان شيئاً من الأمراض الاجتماعية الموجودة، كالبخل والشح واتباع الشهوات، وهذان المرضان جديران بأن يدقق الدعاة إلى الله تعالى فيهما؛ لأنهما أعظم ما أصيب به المجتمع، وهذان المرضان -فعلاً- بحاجة إلى دراسة وتقويم، ثم بحاجة إلى علاج، ويحتاج الذين وقعوا فيهما أن يرجعوا إلى الله تعالى، فهذان مرضان في المدعوين يحتاج الدعاة إلى التأني والتأمل، ومعرفة السبيل الناجع في المداواة، ويبقى السبيل هو التعليم والوعظ والجدال بالتي هي أحسن. ولكن الاهتداء إلى موضع الخلل يحتاج إلى تدبر وتأمل؛ ولذلك بعض الناس ربما يدعو لكن لا يعرف أي شيء يقصد في دعوته، وما هو الهدف الذي يوجه إليه وسائل دعوته، نسأل الله تعالى أن يفقهنا في ديننا، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن يرزقنا الحكمة والخطاب الحسن، ونسأله أن يهدي ضال المسلمين. اللهم ردهم إلى الحق رداً جميلاً يا رب العالمين، اللهم افتح قلوبهم بنور من عندك، واسلك بهم سبيل النور، وأخرجهم من الظلمات إلى النور يا أرحم الراحمين، ويا رب العالمين. اللهم أقم علم الجهاد، واقمع أهل الزيغ والفساد والعناد، وانشر رحمتك على العباد، وارحمنا يوم المعاد، وارزقنا الثبات يوم التناد، اللهم إنا نسألك الرحمة والمغفرة لموتى المسلمين، اللهم ارحم موتانا، واشف مرضانا، اللهم إنا نسألك أن تثبتنا عند اللقاء، وأن تثبتنا على الصراط يا رب العالمين. اللهم آمنا في البلاد، اللهم آمنا في البلاد، اللهم آمنا في البلاد، وأصلح الأئمة ولاة العباد. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 3575

يا باغي الخير أقبل [١] أعمال الخير كثيرة، والجنة قريبة من المرء ما وفقه الله للعمل بمقتضى دخولها، ولكن المرء قد يغفل عن عمل صالح، أو قد يحتقر عملاً ما لعله ينجيه من النار بترجيح كفة الحسنات، وهنا طائفة من أعمال الخير فعلها يسير وأجرها عظيم، فاقرأ لتعمل عسى الله أن يوفقنا لفعلها.

стр. 3576

طائفة من الأعمال الصالحة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. إخواني! تكلمنا في الخطبتين الماضيتين عن منكراتٍ تهاون بها الناس، وعن الوعيد الذي توعد الله به من فعل تلك المنكرات، ومن باب المقابلة وإكمال الصورة؛ فإننا نذكر في هذه الخطبة طائفة من الأعمال الخيرة التي يثيب الله عليها فاعلها أجراً عظيماً؛ لنعلم سعة رحمة الله من جهة، ومعنى اسمه (الكريم) من جهة، ومعنى أنه ذو الفضل العظيم من جهة أخرى، ليزداد الذين آمنوا خيراً؛ لأن العمل الصالح داخل في الإيمان، ولكي تصعد همم الذين يُريدون وجه الله والدار الآخرة، فينشطون للأعمال الصالحة من جهة أخرى. إن أبواب الخير رحمةٌ من الله يفتحها لعباده، فالعاقل من اغتنم الفرصة وولج هذه الأبواب، والمحروم الغافل المسكين من فاتت عليه أعمال الخير فلم يعملها. ونحن نعلم -أيها الإخوة- أن كثيراً من المسلمين في قلوبهم خير، وأنه مهما طغى على هذا الخير من الذنوب فإنه يوماً من الأيام قد تستيقظ حاسة الخير النائمة في نفسه؛ فيلجأ إلى الله بهذه الأعمال.

стр. 3577

حضور حلق الذكر وإليكم طائفة منها على سبيل المثال لا الحصر: قال ﷺ في الحديث الصحيح: (ما اجتمع قوم على ذكر فتفرقوا عنه إلا قيل لهم: قوموا مغفوراً لكم) وقال ﷺ : (ما جلس قومٌ يذكرون الله تعالى؛ فيقومون حتى يُقال لهم: قوموا قد غفر الله لكم ذنوبكم، وبُدِّلت سيئاتكم حسنات)، وقال ﷺ في الحديث الصحيح أيضاً: (لأن أقعد مع قومٍ يذكرون الله تعالى من صلاة الغداة حتى تطلع الشمس؛ أحب إليّ من أن أعتق أربع رقاب من ولد إسماعيل، ولأن أقعد مع قومٍ يذكرون الله من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس أحب إلي من أن أعتق أربعةً) حديث حسن. والأحاديث في فضل حلق الذكر: من الملائكة الموكلين بالبحث عنها وحضورها، ومن نزول السكينة على أهلها، وغشيان الرحمة لهم، وإحاطتهم بالملائكة ما يدفع المسلم للبحث عنها والتماسها، فاحرصوا عليها في المساجد والبيوت وفي جميع الأماكن التي يمكنكم فيها عقد حلق الذكر وغشيانها، حولوا ولائمكم ومناسباتكم إلى حلق للذكر، ولتكن هذه الاجتماعات معمورةً بطاعة الله، وبالمتكلمين في أمره ونهيه، الذين ينصحون الناس ويعظونهم. والعجيب بعد سياق هذه الأحاديث، أن نجد بعض الإخوان يُهملون حلق الذكر، فيعرف أنه يُوجد في المساجد -مثلاً- حلقٌ فيتكاسل عنها، أو تكون له حلقةٌ هو فيعتذر عنها بشتى الأعذار الواهية، وهو يعلم أن جلوسه فيها خيرٌ له بكثير من كثير من الأعمال التي يتعذر بعدم حضور حِلق الذكر من أجلها. ولذلك كان لابد للمسلم أن يُحاسب نفسه قبل أن يُحاسبه غيره، ويعلم بأن غشيانه لحلق الذكر مما يقوي الإيمان ويستفيد ويتعلم العلم النافع، ويسبب مغفرة الذنوب. إن هذه الأسباب وغيرها كفيلة بأن تدفعه للحضور وعدم التخلف، خصوصاً وأن الكسل يدب إلى الكثيرين من طيلة الجلوس فيها، ويفضلون أنواعاً من اللهو عليها، أو أن الشيطان يشغلهم بالمفضول عن الفاضل في حضور حلق الذكر، وهذا أمر نسمع الشكوى منه من بعض القائمين عليها في بعض الأحيان، سماعاً يجعلنا نُذكِّر وننصح إخواننا في الله ألا يتكاسلوا عن ذلك.

стр. 3578

الذكر بعد الوضوء وفي جهة أخرى يقول ﷺ : (من توضأ فقال بعد فراغه من وضوئه: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، كُتِبَ في رق ثم جعل في طابعٍ -خُتم هذا المظروف بطابع- فلم يكسر إلى يوم القيامة، ليجزي الله به قائل هذه الكلمات أجراً عظيماً) حديث صحيح. كم هي سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، بعد الوضوء؟ وهذا الحديث هو نفسه دعاء كفارة المجلس. وفي الوضوء أذكار أخرى معلومة منها: (اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين) (أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) وتقول معه هذا الدعاء فإنه يكون محفوظاً لك عند الله مطبوعاً عليه مختوماً لا يكسر الختم إلى يوم القيامة.

стр. 3579

مطلق الذكر وقال ﷺ : (ما من راكب يخلو في مسيره بالله وذكره إلا كان ردفه ملك، ولا يخلو بشعر ونحوه إلا كان ردفه شيطان) حديث حسن، فهذا الحديث يدفعنا في مشاويرنا وسفراتنا وقطعنا للطرق، ونحن نسير راجلين أو بسياراتنا -مثلاً- إلى أن نقطع ذلك الوقت بذكر الله، كعموم التسبيح، والتحميد، والتهليل، والدعاء، وأذكار الصباح والمساء، وقراءة القرآن فوق ذلك، فهذا من ذكر الله الذي لو واظب عليه المسلم وهو يقود سيارته في سفر أو حضر فإن له عند الله أجراً عظيماً، وقد كان ﷺ يذكر الله على كل أحيانه. واعلموا بأن هذا الذكر في هذا الطريق يُصحح النية، ويردع الإنسان عن جر قدميه إلى أماكن المحرمات وغشيانها. إذ كيف تقول: "سبحان الله"، أو "لا إله إلا الله" أو "أستغفر الله" وأنت تمشي إلى عملٍ محرم، زد على ذلك أن وصل القلب بالله في الجلوس في المسجد وخارج المسجد وفي السفرات يدل على حياة ذلك القلب وقرب صاحبه من ربه. وقال ﷺ في الحديث الحسن: (لو جمع القرآن في إهاب ما أحرقه الله بالنار) وهذا حديث في فضل حفظ القرآن وجمعه في الصدر: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٩] فمن فضائل حفظ القرآن هذا الحديث: (لو جمع القرآن في إهاب ما أحرقه الله بالنار) فقد شبَّه جسد الحافظ بهذا الجلد لا تمسه النار ولا تقربه، وفي الحديث الآخر: (يجيء القرآن يوم القيامة فيقولك يا رب! حَلَّه -لصاحب القرآن- فيلبس تاج الكرامة، ثم يقول: يا رب! زده، فيلبس حلة الكرامة، ثم يقول: يا رب! ارض عنه فيرضى عنه، فيقول: اقرأ وارق ويُزاد له بكل آية حسنة) فكم هي عدد الآيات التي حفظها أو قرأها ليزداد بها يوم القيامة بكل ذلك حسنات. (لا أقول (ألم) حرف ولكن ألفٌ حرف، ولامٌ حرف، وميمٌ حرف) فإذا تأملت -مثلاً- أن عدد حروف القرآن ما يقارب ثلاثمائة ألف حرف، فكم يكون لك من الأجر لو ختمته مرةً واحدة؟ وكم يكون لك من الأجر لو ختمته في كل شهر مرة مثلاً؟ ورسول الله ﷺ قد أمرنا بقراءة القرآن في أحاديث جاء في كل منها فترة مختلفة، فمرةً يقول: (اقرأ القرآن في سبع)، ومرةً يقول: (في عشر)، ومرةً يقول: (في عشرين) ومرةً يقول: (في شهرٍ)، ومرةً يقول: (في أربعين يوماً) وذلك لأن الناس طاقات، وليست أوضاعهم متشابهة أو متساوية، فمنهم من عنده من التفرغ ما يستطيع به أن يختمه في أسبوع، ومنهم من لا يستطيع أن يختمه إلا في كل أربعين يوماً.

стр. 3580

التبكير للجمعة وقال ﵊ موضحاً باباً عظيماً من أبواب الأجر: (من غسّل -يوم الجمعة- واغتسل، ثم بكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنى من الإمام واستمع وأنصت ولم يلغ كان له بكل خطوةٍ يخطوها من بيته إلى المسجد عمل سنةٍ أجر صيامها وقيامها) حديث صحيح رواه الإمام أحمد والأربعة. فإذا علمت بأن الله واسع المغفرة واسع العطاء واسع الأجر فما الذي يجعلك تتخلف عن الدخول في هذه الأبواب العظيمة من أبواب الأجر؟ إن الناس يتفاوتون في أجرهم في حضور الجمعة بحسب تبكيرهم وتنظفهم، ودنوهم من الإمام، وإنصاتهم ومشيهم، فليس الماشي كالراكب ولكل منهما أجر، وليس المبكر في الساعة الأولى كمن جاء في الساعة الخامسة، ولكلٍ أجر.

стр. 3581

إدراك تكبيرة الإحرام وقال ﷺ في الحديث الحسن الذي رواه الترمذي عن أنس مرفوعاً: (من صلَّى لله أربعين يوماً في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتبت له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق) صلى أربعين يوماً في جماعة متصلة يدرك تكبيرة الإحرام مع الإمام، ويحصل الأجر في هذا الحديث لمن كان قائماً في الصف عند تكبير الإمام تكبيرة الإحرام.

стр. 3582

الجهاد في سبيل الله وقال ﷺ : (ثلاثةٌ يُحبهم الله: الرجل يلقى العدو في فئةٍ فينصب لهم نحره -أي: مقبلاً غير مدبر- حتى يقتل أو يفتح لأصحابه، والقوم يسافرون فيطول سراهم -مشيهم في الليل- حتى يُحبوا أن يمسوا الأرض من التعب، فينزلون فيتنحى أحدهم -لا ينام- فيُصلي حتى يوقظهم لرحيلهم، والرجل يكون له الجار فيصبر على أذاه حتى يفرق بينهما موت أو ظعن) بأن يرتجل هذا عن الآخر. فتأمل الآن في أحوال هؤلاء الأصناف، فالله يُعطي الناس بحسب أعمالهم وما في قلوبهم من الإيمان، إذ أن الرجلين يتساويان في صورة العمل، ولكن يكون أحدهما أعظم أجراً من الآخر وذلك بسبب ما قام في قلبه من الإيمان. هذا رجل يمشي مع إخوانه في السفر، فلما طال السفر وتعبوا نزلوا، وبدلاً من أن ينام من التعب آثر الله فجاهد نفسه، فقام يُصلي حتى أيقظهم، عملٌ عظيم في الليل وأصحابه نيام وهو لا يراه أحد إلا الله . وأيضاً جار صبر على أذى جاره، وما أكثر أذية الجيران لجيرانهم في هذه الأيام! برفع الأصوات، وطرق الأبواب، والفوضى والإزعاج، ورمي القاذورات، وفتح النوافذ من بعضهم للإشراف على عورات الجار الآخر أمورٌ كثيرة، فمن صبر حتى فرَّق الله بينه وبين جاره المؤذي بموت أو ظعن فإنه ممن يحبهم الله. وقال ﷺ في بيان فضل المجاهد: (لقيام رجلٍ في الصف في سبيل الله ساعةً أفضل من عبادة ستين سنة) رواه البيهقي وغيره، وهو حديث صحيح. وقال ﵊: (موقف ساعةٍ في سبيل الله خيرٌ من قيام ليلة القدر عند الحجر الأسود) رواه ابن حبان وغيره عن أبي هريرة مرفوعاً وهو حديث صحيح. وقال ﷺ : (حُرِّم على عينين أن تنالهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس الإسلام وأهله من أهل الكفر) حديث حسن. نسأل الله أن يرزقنا وإياكم قيام هذه الساعة في ذلك الموقف في جهادٍ تحت راية الإسلام لإعلاء كلمة الله. اللهم لا تحرمنا هذا الأجر برحمتك يا أرحم الراحمين، وإنني لأظن أن من باتت عينه تحرس الإسلام من الدس، والافتراءات، والبدع، والشبهات التي يذيعها ويسطرها أهل الكفر والنفاق، فيقوم فيصدع ويرد عليها، ويحذِّر الناس منها، أن ذلك ليدخل في هذا الحديث: (وعينٌ باتت تحرس الإسلام وأهله من أهل الكفر).

стр. 3583

الصدقة بالطيب وقال ﷺ مبيناً شيئاً من الأجر في باب الصدقة: (ما تصدق أحد بصدقة من طيبٍ -لا من حرام ولا من مال شبهة ولا رشوة ولا رباً، ولا من إيجارات المحلات التي تفتح أبوابها في أعمال المعاصي- إلا أخذها الرحمن بيمينه، وإن كانت تمرةً فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل، كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله) ويمين الله لو وضعت السماوات والأرض فيها ما خَرَّجَت شيئاً ولا ظهر منها شيء، يطوي الله السماوات والأرض بيمينه: كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ، ويمين الله عظيمة، وكلتا يديه يمين، سواء في القوة أو العطاء أو الخير. يكرم الله هذا المتصدق ولو بتمرة؛ لأنه أنفق مخلصاً من مالٍ طيب، وتأمل في هذا الحديث: (سبق درهم مائة ألف درهم) عجباً كيف يسبق درهم واحد مائة ألف درهم؟!! يقول ﷺ موضحاً ذلك: (رجل له درهمان، فأخذ أحدهما فتصدق به -أي: تصدق بنصف ماله- ورجل له مال كثير فأخذ من عُرْضِه مائة ألف فتصدق بها) فالأعظم هو الأول الذي أنفق أقل؟! لأنه أنفق نصف ماله، وهذا الغني الذي له الآلاف المؤلفة أخذ من عرضها مائة ألف فتصدق، وما ضرته شيئاً، لكنَّ الأول تصدق بنصف ماله: فإذا تأمل العبد هذه الأعمال، وكم فيها من الأجر فلا يحتقر منها شيئاً: (اتقوا النار ولو بشق تمرة). نسأل الله أن يعظم أجورنا وأجوركم، وأن يرشدنا وإياكم لولوج أبواب الخيرات، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 3584

إماطة الأذى عن الطريق الحمد الله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له الحي القيوم الرحمن الرحيم الكريم المتفضل على عباده بأنواع الإحسان، ومنها: مضاعفة الحسنات ورفع الدرجات. يقول ﷺ في الحديث الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه: (لقد رأيت رجلاً يتقلب في الجنة في شجرةٍ قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي الناس) بم تقلب في الجنة؟! بأذىً أماطه عن الطريق، وله -أيضاً- في صحيحه من حديث أبي هريرة مرفوعاً: (مر رجلٌ بغصن شجرةٍ على ظهر الطريق فقال في نفسه: والله لأنحيَّن هذا عن المسلمين حتى لا يؤذيهم، فأُدخل الجنة) وقال ﷺ : (من رفع حجراً عن الطريق كتبت له حسنة، ومن كانت له حسنة دخل الجنة) حسنة متقبلة عند الله يدخل بها الجنة، فرفع حجرٍ من الطريق أو إزالة غصن من الشارع لا يأخذ منك شيئاً، لكنَّ الباعث على هذا العمل من صدق الإيمان؛ لا رياء ولا سمعة يجعل الله فيه أجراً عظيماً، أعمال بسيطة لكن أجرها عند الله كبير. إن المشكلة -أيها الاخوة- أن كثيراً من المسلمين يعلمون أبواب الأجر والحسنات وهي كثيرة جداً، ومع ذلك يقفلونها ويدخلون أبواب السيئات.

стр. 3585

فضيلة قتل الوزغ يقول ﷺ : (من قتل وزغاً من أول ضربة كُتِبَ له مائة حسنة، وإن قتلها في الضربة الثانية فله كذا وكذا حسنة، وإن قتلها في الضربة الثالثة فله كذا وكذا حسنة) أي: أقلُّ، رواه الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود والترمذي، وابن ماجة، عن أبي هريرة مرفوعاً، وأسباب قتل الوزغ هي: السبب الأول: أن الدواب كلها كانت تنفخ النار عن إبراهيم لتطفئها إلا الوزغ فإنه كان ينفخ النار على أبينا إبراهيم، فلذلك وبعد موته بآلاف السنين نحن نقتل الوزغ مشاركةً شعورية منا لأبينا إبراهيم في محنته تلك، فإن قلت: ما بال هذا الوزغ من ذلك الوزغ؟ فأقول: السبب الثاني: أنه قد صح عنه ﵊ أنه قال فيما رواه النسائي: (الوزغ فويسق، والفويسقات يُقتلن في الحِل والحرم) والفويسقات مثل: الحدأ، والكلب العقور، والحية، والعقرب، والفأر، وكل ضار مؤذٍ يقتل، ومن بينها الوزغ، فإذا قتلت الوزغ بضربة فلك مائة حسنة.

стр. 3586

عدم تحريز الزرع لئلا تأكل منه الطيور وقال ﷺ : (ما من مسلمٍ يزرع زرعاً أو يغرس غرساً فيأكل منه طيرٌ أو إنسانُ أو بهيمةُ إلا كانت له به صدقة) متفق عليه. ما من مسلم يغرس غرساً إلا كان ما أكل منه صدقة، وما سرق منه صدقة، وما أكل السبع فهو له صدقة، وما أكلت الطيور فهو له صدقة، ولا يرزؤه أحدٌ -أي: ما ينقص منه أحد بأخذ- إلا كان له صدقة، كثير من الناس يزرعون ويُشجِّرون؛ لكن من ذا الذي ينوي بزرعه الأجر إذا أكل منه إنسان أو طائر أو بهيمة.

стр. 3587

فضيلة الإقراض وإنظار المعسر وقال ﷺ : (ما من مسلم يقرض مسلماً قرضاً مرتين إلا كان كصدقتها مرة) وقال ﷺ : (من أنظر معسراً أو وضع عنه أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله) وقال: (من أنظر معسراً فله بكل يوم مثله صدقة قبل أن يحل الدين، فإذا حلَّ الدين فأنظره فله فيه بكل يوم مثلاه صدقة). فإذا أقرضت مسلماً قرضاً فلك وقت حلول الدين أجر نصف الصدقة بهذا المال، فإذا جاء الدين وأنظرته فكأنك تأخذ أجر هذا المال كله صدقة، فإذا جاء موعد الإنظار ولم يفِ وأعسر فأنظرته فلك في كل يوم مثلاه صدقة. وقد كان بعض الصالحين يُخصص مبلغاً من ماله فقط ليسلفه، استثمار بمجرد الإقراض ليحصل له نصف أجر الصدقة، وإذا أنظرته للمرة الأولى صدقة كاملة وللمرة الثانية يكون الأجر مثليه. لعل هذه الأحاديث تُحرِّك في نفوس الناس احتساب الأجر في المعسرين، وإذا استطردنا الكلام على أبواب الخير لو جدناها كثيرة لكن من المشمر! والله المستعان. اللهم إنَّا نسألك حب الخيرات، وإطعام المساكين، ورفع الدرجات. اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا. اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا. اللهم واجعل فيما أعطيتنا عوناً لنا على طاعتك، اللهم اجعل فيما أنزلت علينا من المطر رحمة من عندك، اللهم اجعله غيثاً مغيثاً، هنيئاً مريئاً، سحَّاً عاماً، غدقاً طبقاً، نافعاً غير ضار. اللهم سقيا رحمةٍ لا سقيا عذاب ولا بلاء ولا هدم ولا غرق، اللهم أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم واجعلنا لنعمائك من الشاكرين، وعند البلاء من الصابرين، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 3588

الإمام علي بن المديني [٢،١] بحر من بحور العلم! بدأ يطلب العلم على يد والده، ثم رحل إلى المدن العراقية وتنقل فيها طلباً للعلم، ثم رحل إلى اليمن وإلى غيرها من الأمصار، فيا ترى! من هو هذا الإمام؟ وما هي أخلاقه؟ ومن هم شيوخه وتلامذته؟ ومن قرناؤه؟ هذا الإمام الجهبذ ما موقفه في فتنة خلق القرآن؟ وهل صحيح ذلك الكلام الذي يحكى عنه بأنه وقف مع ابن أبي دؤاد ضد الإمام أحمد؟ كل هذا ستعرفه في هذا الدرس، وستعرف الكثير الكثير عن هذا الإمام الفذ.

стр. 3589

نبذة عن الزمن الذي عاصره ابن المديني الحمد لله رب العالمين، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، حمداً يوافي نعمه، ويكافئ مزيده. والصلاة والسلام على النبي المصطفى الأمين، خير خلق الله وخاتم رسله أجمعين، وعلى آله وصحبه الذين ساروا على هديه واقتفوا سنته ومنهجه القويم، ومن تبعهم بإحسانٍ وتأسى بهم إلى يوم الدين. أيها الإخوة: لقد منَّ الله على المؤمنين بأن أنزل فيهم كتابه وحَفِظَه، فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]. وكان من توابع هذه المكرمة الإلهية: حفظ السنة لأجل حفظ الكتاب؛ لأن الله جعلها تبياناً، فقال : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل:٤٤]. وكان ما حرم رسول الله ﷺ كما حرم الله، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]. فكانت سنة النبي ﷺ في غاية الأهمية؛ لأن فهمها فهمٌ لكتاب الله، وكان الاعتناء بصحتها من العبادات العظيمة؛ لأنه لا يمكن التوصل إلى معرفة الوحي الصحيح الذي نعرف به معاني الكتاب وما أنزل إلينا ربنا من الأحكام الشرعية إلا عن طريق الدليل الصحيح؛ ولذلك توجهت وانصرفت جهود أئمة الإسلام لحفظ السنة وتنقيتها وتمييز صحيحها عن سقيمها وضبطها، وصار الأمر كما روى مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه، عن محمد بن سيرين، قال: [لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة، قالوا: سموا لنا رجالكم، فيُنْظَر إلى أهل السنة، فيؤخذ حديثهم، ويُنْظَر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم] وصار عندنا هذا العلم -علم الجرح والتعديل-الذي ليس عند أي أمة أخرى من الأمم على الإطلاق. ومن العلماء الذين قيضهم الله لتمييز الحديث الصحيح من السقيم: القسم الأول: مَن تكلم في أكثر الرواة: مثل: ابن معين، وأبي حاتم الرازي. القسم الثاني: من تكلم في كثير من الرواة: كـ مالك وشعبة. القسم الثالث: من تكلم في الرجل بعد الرجل: كـ ابن عيينة، والشافعي رحمهما الله تعالى. ومن العلماء الأعلام الذين حفل بهم تاريخ السنة في هذه الأمة، ومن الذين كان لهم إسهامات ضخمة في هذا العلم -وهو الذي سنتحدث عن سيرته إن شاء الله في هذه الليلة- الإمام علي بن المديني رحمه الله تعالى. ويكفينا أنه شيخ البخاري، وأنه الذي قال البخاري فيه: "ما استصغرت نفسي عند أحدٍ إلا عند علي بن المديني ". فمتى عاش هذا الإمام؟ وما هي الظروف التي رافقت حياته، والأحوال التي كانت موجودة في ذلك الوقت؟ هذا قبل أن ندخل في سيرته الذاتية، وجهوده في طلب العلم، ونشر السنة، وتمييز الحديث. أما العصر الذي عاش فيه علي بن المديني رحمه الله تعالى: فإنه وُلِد ﵀ وقد مضى على خلافة المهدي العباسي أكثر من سنتين؛ لأن ولادته ﵀ كانت سنة (١٦١هـ). وتوفي الإمام ابن المديني وقد مضى من خلافة المتوكل قرابة سنتين؛ لأن وفاته ﵀ كانت سنة (٢٣٤هـ). فيكون ابن المديني ﵀ قد عاش (٧٣) سنة، وعاصر خلالها من خلفاء بني العباس ما بين المهدي والمتوكل، فيكون قد عاصر: - المهدي. - والهادي. - والرشيد. - والأمين. - والمأمون. - والمعتصم. - والواثق. وعاصر جزءاً من خلافة المتوكل في آخر عمره.

стр. 3590

استقرار الدولة الإسلامية في زمن ابن المديني لا شك أن هذه الفترة كانت فترة استقرار في الدولة الإسلامية في ذلك الوقت، ووصلت إلى أوج قوتها وعظمتها، حتى قال ابن طبا طبا ﵀: "واعلم -عَلِمْتَ الخيرَ- أن هذه الدولة -العباسية- من كبار الدول، ساست العالَمَ سياسةً ممزوجةً بالدين والمُلك، فكان أخيار الناس وصلحاؤهم يطيعونها تديناً، والباقون يطيعونها رهبةً أو رغبةً، ثم مكثت فيهم الخلافة والمُلك حدود ستمائة سنة". وكانت هذه الدولة -ولا شك- في أولها وفي قوتها غُرَّةً في جبين الدهر، وتاجاً على مفرق العصر، كما ذكر ذلك المؤرخون. وبطبيعة الحال كان المجتمع الإسلامي في ذلك الوقت مجتمعاً قوياً، وكانت فيه الأموال كثيرة، وظهرت طبقات من الأغنياء، وظهرت مظاهر الترف والبذخ والتفنن في العُمْران وغير ذلك. وكان من أشهر خلفاء هذه الفترة: هارون الرشيد ﵀، الذي امتدت رقعة المملكة في عصره إلى معظم الدنيا، ولَمْ يَجتمع على باب خليفة من الشعراء، والأمراء، والعلماء، والفقهاء، والقرَّاء، والقضاة، والكتَّاب، ما اجتمع على باب الرشيد ﵀. وكذلك انتشر في ذلك العهد القُصَّاص الذين كانوا يتكسبون بإيراد القصص والأساطير على الناس مما لا يكون له صحة غالباً، فحصل من علماء أهل السنة تبيان حال هؤلاء القُصَّاص، وقال ابن المديني ﵀: أكذب الناس ثلاثة: - القُصَّاص. - والسُّؤَّال -أي: الذين يسألون. - والوجوه -أي الوجهاء- قلت: فما بال الوجوه؟ قال: يكذبون في مجالسهم، ولا يُرَدُّ عليهم. فهذا شيء مما كان في عصره.

стр. 3591

الحركة العلمية في زمن ابن المديني أما بالنسبة للحركة العلمية، فلا شك أنها كانت حركة علمية قوية جداً في ذلك الوقت، وصارت بغداد حاضرة العالم الإسلامي، يأتي إليها طلاب العلم من كل صوب وحدب، ويقصدونها لينهلوا منها، وكان منهم بطبيعة الحال: علي بن المديني ﵀ الذي قدم بغداد، ونَبَغ في المدن الإسلامية في ذلك الوقت من المحدِّثين عدد من أهل العلم: فمن الذين نبغوا في البصرة؟ يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وكلاهما قد توفي في سنة (١٩٨هـ) وأخذ عنهما ابن المديني ﵀ وتخرج. وكذلك نبغ فيها أيضاً: إسماعيل بن عُلَيَّة، وعفان بن مسلم، وأبو الوليد الطيالسي. وفي غيرها من أمصار المسلمين كان هناك أئمة أعلام، لكن لماذا ركزنا على البصرة؟ لأن ابن المديني ﵀ نشأ فيها. وكان هارون الرشيد ﵀ معروفاً بالتواضع لأهل العلم، حتى أن أبا معاوية الضرير محمد بن خازن يقول: أكلتُ عنده -عند الرشيد - يوماً ثم قمت لأغسل يديَّ، فصب الماء عليَّ وأنا لا أرى، ثم قال -أي: الخليفة-: يا أبا معاوية! أتدري من يصب عليك الماء؟ قلت: لا. قال: يصب عليك أمير المؤمنين. قال أبو معاوية: فدعوت له. فقال هارون: إنما أردت تعظيم العلم. وبعد هارون الرشيد اشتهر من الخلفاء: المأمون، وقد وصفه ابن كثير ﵀ في البداية والنهاية بقوله: "كانت له بصيرة بعلوم متعددة؛ فقهاً وطباً وشعراً وفرائض وكلاماً ونحواً وغريبَ حديثٍ وعلمَ النجوم". ولكن الرجل اغتالته عقول المعتزلة في مسألة خلق القرآن، وحصل أيضاً أن المأمون قد شجع حركة الترجمة في ذلك العصر من لغة اليونان وغيرها من اللغات. ولما اتسعت الفتوحات أرسل المأمون من يشتري المصنفات والخزائن -خزائن الكتب من المدن المختلفة- وفرَّغ من يترجمها، وأُودعت في بيتٍ يسمى: "بيت الحكمة" وكان قد أسسه هارون الرشيد، فعمد المأمون على تزويده بشتى الكتب، حتى أصبح بيت الحكمة من أكبر خزائن الكتب في العصر العباسي، لكن هذه الترجمة لم تمر دون ضريبة، فقد دخل عن طريق هذه الترجمة ما دخل من الانحرافات على الجسم الإسلامي أو المجتمع الإسلامي، وهذا هو عصر علي بن المديني ﵀.

стр. 3592

نسب علي بن المديني بالنسبة لنسبه ﵀ فهو: علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح السندي -مولاهم- البصري، المعروف بـ ابن المديني. ونسبة علي بن المديني إلى السندي نسبة ولاء، ليس من القوم، وإنما هو مولاهم. وأما لقب المديني بفتح الميم وكسر الدال، فإنها نسبة إلى المدينة، والقياس بالنسبة إلى المدينة أن يقال: مدني، المدني، ولكن هذه الكلمة جرت على غير القياس. وقال ياقوت الحموي: "المشهور عندنا أن النسبة إلى مدينة الرسول ﷺ : مدني -مطلقاً- وإلى غيرها من المدن مديني، للفرق لا لعلة أخرى". وهذا رأي من الآراء. قال: وربما رده بعضهم إلى الأصل، فنسب إلى مدينة الرسول أيضاً: مديني، قال: وعلى هذه الصيغة يُنسب أبو الحسن علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح السندي والمعروف بـ ابن المديني، كان أصله من المدينة ونزل البصرة. أما كنيته ﵀ فهي: أبو الحسن، كما قال ذلك معاصره محمد بن سعد رحمه الله تعالى، ولعله لم يكن له ولد يسمى بالحسن، لكن قد يكون كني بكنية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، حيث أن اسمه يوافق اسمه، فأخذ الكنية من ذلك. أصل الإمام علي بن المديني من المدينة المنورة، ولكنه بصري الدار، ولد بـ البصرة في خلافة المهدي العباسي في سنة (١٦١هـ) كما تقدم. ومن الذي ارتحل من المدينة إلى البصرة؟ هل هو أبوه أو جده؟ في هذه المسألة خلاف. ووالد ابن المديني يروي عن عبد الله بن دينار وطبقة من علماء المدينة. كان والد الإمام علي بن المديني من العلماء، وهو: عبد الله بن جعفر بن نجيح السندي، ويكنى: بـ أبي جعفر، روى عن عدد من العلماء، مثل: إبراهيم بن مُجَمِّع، وثور بن زيد الديلي، وجعفر بن محمد الصادق، وزيد بن أسلم، وسعيد بن جبير وغيرهم كثير من العلماء العشرات الذين ذُكروا في ترجمته فيمن روى عنهم. قال الخطيب البغدادي ﵀: "وأبوه - أبو علي بن المديني - محدثٌ مشهور، روى عن غير واحد من مشيخة أنس بن مالك رحمه الله تعالى". إذاً: أبوه محدثٌ مشهور، كما قال الحافظ ابن تغري بردي ﵀. ولعله قد أصابه تغير في آخر عمره، ولذلك قال ابن حجر ﵀ في التقريب في ترجمته: "ضعيف، تغيَّر حفظه بآخر عمره"، فهذا سبب ضعفه، أما هو من حيث الأصل، فهو محدثٌ مشهورٌ. كانت أم ابن المديني جدها جمهان وهو من المحدثين، وكانت عاقلة لبيبة، ويدل على ذلك أن علي بن المديني -ولدها- لما غاب في إحدى السفرات وترك أمه بـ البصرة فترة طويلة، فعندما رجع إلى البصرة، فرحت به وقرت عينها برجوعه بعدما اكتسب علماً، فقالت له كما ينقل هو عنها: غبتُ عن البصرة في مخرجي إلى اليمن -وكان مخرجه قرابة ثلاث سنوات- وأمي حية، قال: فلما قدمت عليها، جعلت تقول: يا بني! فلانٌ لك صديق، وفلانٌ لك عدو. فقلت لها: من أين علمتِ يا أُمَّة؟ قالت: كان فلانٌ وفلانٌ -وذكرت فيهم: يحيى بن سعيد - يأتون مسلِّمين فيعزونني ويقولون: اصبري، فلو قدم عليك -أي: ولدك- سرك الله بما ترينه، فعلمتُ أن هؤلاء محبوك وأصدقاؤك، وفلانٌ وفلانٌ إذا جاءوا قالوا لي: اكتبي إليه وضيقي عليه وحرجي عليه ليقدم عليكِ إلخ الكلام. فكانت تستدل على الصداقة والعداوة من حرصهم على مصلحته، فالذين يتظاهرون بالحرص عليها، ويقولون: ضيقي عليه حرجي عليه، بيني له أنك غضبانة عليه إذا لم يرجع في الحال، فعلمت أن هؤلاء لا يتكلمون في مصلحته. فكانت تعرف أصدقاءه من أعدائه من هذه القرينة، ولذلك يُسجل لها موقف عظيم في أنها لم تضجر لغياب ولدها الطويل ما دام ذلك في مصلحة الولد، وأنه قد ذهب في تحصيل العلم.

стр. 3593

أولاد ابن المديني أما ما كان لـ علي بن المديني ﵀ من الأولاد، فقد ذُكِر أن له ولدان، هما: محمد، وعبد الله، وقد رويا عن أبيهما، وكان يصطحب معه أولاده إلى مجالس المحدثين، وقد ورد في ذلك قصة وقعت لـ محمد بن علي بن المديني حيث يخبرنا عنه ابنه جعفر، فيقول: سمعت أبي يقول: خرج أبي إلى أحمد بن حنبل يعوده وأنا معه، قال: فدخل عليه وعنده يحيى بن معين وذكر جماعة من المحدثين، قال: فدخل أبو عبيد القاسم بن سلاَّم، فقال له يحيى بن معين: اقرأ علينا كتابك الذي عملته للمأمون - غريب الحديث، وهو من الكتب المشهورة في تبيان معاني الكلمات الغريبة أو الصعبة في الأحاديث- فأخذه أبو عبيد فجعل يقرأ ويبدأ بالأسانيد ويدع تفسير الغريب. قال: فقال له أبي -أي: علي ﵀: يا أبا عبيد! دعنا من الأسانيد نحن أحذق بها منك. فقال يحيى بن معين لـ علي بن المديني: دعه يقرأ على الوجه، فإن ابنك محمداً معك، أي: إذا كنت حاذقاً بهذا العلم، فإن ولدك يحتاجه. إذاً: الشاهد: أنه كان ﵀ يعتني بأخذ أولاده إلى مجالس الحديث. وهذه فائدة مهمة بالنسبة لطلبة العلم ألا يحرموا أولادهم العلم وخاصة إذا بلغوا سناً يميزون به ويستفيدون من الحضور، فعليهم أن يأخذوا أولادهم إلى مجالس العلم، وبعض الطلبة ينسى أخذ أولاده إلى حلق العلم، حتى قال بعض المحدثين -وربما صدق في ذلك- أربعة لا فائدة منهم: فذكر: - حارس الدرب، ومنادي القاضي، ورجل يكتب في بلده ولا يرحل في طلب العلم، وابن المحدث؛ لأن أغلبهم يشتغل عن أولاده، فلا يهتم بتربيتهم ألبتة. وأرَّخ البخاري ﵀ لوفاة شيخه علي بن المديني في يوم الإثنين، ليومين بقيا من ذي القعدة، سنة: (٢٣٤هـ)، فهذه سنة وفاة علي رحمه الله تعالى.

стр. 3594

معالي الأخلاق عند ابن المديني أمابالنسبة لسيرة هذا الإمام وأخلاقه، فإنه ﵀ كان صاحب ورعٍ ونزاهةٍ. قال ابن حبان في الحديث عن الأئمة النقاد في الحديث: "مِن أورعهم في الدين، وأكثرهم تفتيشاً عن المتروكين، وألزمهم بهذه الصناعة على دائم الأوقات: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني رحمة الله تعالى عليهم أجمعين"، فعدَّ علي بن المديني منهم.

стр. 3595

أبو نعيم وتزكيته لابن المديني والقصة المشهورة في خروج بعض المحدثين إلى أبي نعيم الفضل بن دكين، وهذه القصة أخرجها الخطيب ﵀ بسنده إلى أبي العباس بن عقدة يقول: خرج أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن المديني إلى الكوفة إلى أبي نعيم، فدلس يحيى بن معين أربعة أحاديث على أبي نعيم، فلما فرغوا، رفس أبو نعيم يحيى بن معين حتى قلبه، ثم قال: أما أحمد فيمنعه ورعه من هذا، وأما هذا -أي: علي بن المديني - فتحنيثه -أي: عبادته وتقواه- يمنعه من ذلك, وأما أنت فهذا من عملك. قال يحيى: "فكانت تلك الرفسة أحب إليَّ من كل شيء". وقد وردت القصة بسياق آخر مختلف: أن يحيى بن معين وأحمد بن حنبل ومعهما ثالثٌ صغيرٌ في السن ذهبوا إلى أبي نعيم الفضل بن دكين، فقال يحيى لـ أحمد: أريد أن أختبر الرجل. قال: لا حاجة إلى ذلك، فقال: لا بد من اختباره، فأخذ من أحاديث أبي نعيم عشرة أحاديث كلها من رواية أبي نعيم الفضل بن دكين وجعل على رأسها واحداً ليس من حديثه وهكذا جعل على كل عشرة أحاديث حديثاً ليس من حديث أبي نعيم، ثم جاء إليهم فجلسوا، وكان على دكة له -مكان مرتفع -مسطبة- جلسوا عليها- فبدأ يحيى بن معين بسرد الأحاديث، على طريقة الطلاب والشيوخ، يقول: حدثكم فلان عن فلان عن فلان، قال رسول الله ﷺ . حدثكم فلان عن فلان، والشيخ يوافق، وبهذا يكون مجلس الحديث والطالب يحدث عن الشيخ بعد ذلك بهذا المجلس، ولما سرد عليه مجموعة من الأحاديث -في كل ذلك وأبو نعيم يهز برأسه موافقاً- فلما بلغ الحديث الذي ليس من حديثه، توقف أبو نعيم وقال: اضرب عليه، فهذا ليس من حديثي، ثم سرد الأحاديث التي بعدها، وكل ذلك يوافق عليه حتى وصل إلى حديث، فقال: اضرب عليه فهذا ليس من حديثي، فلما تكررت، فطن لها أبو نعيم -فطن أن القضية قضية اختبار- فقال: أما هذا -أي: أحمد بن حنبل - فأورع من أن يفعل ذلك، وأما هذا فأقل من أن يفعل ذلك، وإنه من عملك يا كذا، وأخرج رجله فرفسه فوقع من على الدكة، فلما رجعوا قال أحمد: ألم أقل لك؟ -أي: أن الرجل ثقة- فقال يحيى ﵀: لرَفْسَتُه أحب إليَّ من كذا وكذا. في هذه الرواية أن علي بن المديني اصطحبهم، وأن أبا نعيم الفضل بن دكين شهد له بأن تحنثه -أي: تقواه وعبادته- يمنعه من أن يفعل هذا. وكان علي بن المديني ﵀ حريصاً على طاعة الله وأداء واجباته، فجاءت قصة: قال أحمد بن حنبل: حضرت عند إبراهيم بن أبي الليث، وحضر علي بن المديني، وعباس العنبري، وجماعة كثيرة، فنودي لصلاة الظهر، فقال علي بن المديني: نخرج إلى المسجد، أو نصلي هاهنا؟ إلى آخر القصة. فكان الذي اقترح أو الذي ابتدأ باقتراح الخروج إلى المسجد هو علي بن المديني ﵀، ولعله جاء بالكلام على طريقة سؤال؛ لأنه يرى أن هناك في المجلس من هو أكثر منه علماً. وكان رفيقاً حميماً للإمام أحمد رحمه الله تعالى، وكان صديقاً أيضاً للعالم الرباني محمد بن إدريس الشافعي ﵀، ولذلك يقول عن صداقته للشافعي: كان الشافعي لي صديقاً، وكان سبب معرفتي إياه عند ابن عيينة، وكان ابن عيينة يجله ويعظِّمه - ابن عيينة شيخٌ للشافعي، وشيخٌ أيضاً لـ علي بن المديني، وتعرَّف علي بن المديني على الشافعي عند ابن عيينة - وهكذا لا زال الأخيار يتعرف بعضهم على بعض عند الأخيار، وكانت مجالس العلماء وسيلة للتعارف بين طلبة العلم، ويستفيدون أشخاصاً أجلاء من خلال هذه الحِلَق والتلاقي، وهذا هو الوضع الطبيعي للوضع المتوقع لهذه الحِلَق التي هي حِلَق ذكر الله؛ لأنها تضم الأخيار والطيبين والعلماء، ومنها تنطلق وتعقد أواصر التعارف. وهذه أيضاً فائدة من الفوائد التي ينبغي التوقف عندها.

стр. 3596

تأثر ابن المديني بأخلاق مشايخه كان علي بن المديني ﵀ حريصاً على حضور مجالس العبادة والذكر بصحبة الصالحين، يقول ابن المديني ﵀: كنا عند يحيى بن سعيد القطان، فلما خرج من المسجد خرجنا معه - القطان هذا من كبار العلماء- فلما صار بباب داره وقف ووقفنا معه، فانتهى إليه الروبي -ولعل هذه صفة، أو اسم لشخص كان قارئاً يجيد قراءة القرآن- فقال يحيى لما رآه: ادخلوا، فدخلنا -رأى هؤلاء الجماعة وفيهم قارئ حسن الصوت، أدخلهم جميعاً لعله يكون مجلساً إيمانياً، جلسوا في المجلس- فقال للروبي: اقرأ، فلما أخذ في القراءة، قال علي المديني: فنظرت إلى يحيى قد تغير وجهه انفعالاً وتأثراً بالقراءة حتى بلغ: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الدخان:٤٠] غُشِي عليه -أي: على يحيى ﵀ وكان هناك باب قريب منه، فانقلب عليه، فأصاب فقار ظهره وسال الدم، فصرخت النساء، وخرجنا فوقفنا بالباب حتى أفاق بعد كذا وكذا -خرجوا لأجل تمكين النساء من الدخول للمعالجة المعاينة، وهذا من الأدب، قال: فوقفنا بالباب حتى أفاق بعد كذا وكذا، ثم دخلنا عليه فإذا هو نائم على فراشه وهو يقول: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الدخان:٤٠]-يكرر الآية التي سمعها من القارئ- فما زالت فيه تلك القرحة حتى مات ﵀، وقد ذكر هذه القصة الذهبي في سير أعلام النبلاء. إذاً: علي بن المديني ﵀ ممن عايش أولئك الأئمة، وهم أناس يخافون الله، يبكي الواحد منهم عند سماعه لكتاب الله تعالى حتى يُغشَى عليه، ولذلك يكتسبون مع العلم الخشوع، لم تكن المسألة فقط مجرد فوائد علمية، أو مجرد معلومات، إنما أشياء مع الخشوع، والأدب، والإيمان، والتقوى، والزهد وهكذا يتعلمون العلم والأدب العلم والإيمان جميعاً، وهذه هي الطريقة الصحيحة في التعليم، وليست إلقاء المعلومات. وكثيرٌ من المَجالس التي تَحصل ربما يكون قصارى ما فيها إلقاء معلومات، أما أن يتأثروا من بعض الحاضرين أو من الشيخ فهذا قليل مع الأسف! ولذلك فإن صحبة العلماء العاملين الصالحين هي المكسب الحقيقي وهي الفائدة. وكان علي بن المديني ﵀ يتتبع شيوخه في جانب العبادة، فقال ابنٌ لـ يحيى بن سعيد: إن أباه كان يختم القرآن في كل يوم. قال علي: فتفقدته وأنا معه في البستان، فختمه في ذلك الوقت، فكان يتتبع شيخه ليتأسى به، ونحن نعرف أن القرآن لا يفقه في أقل من ثلاثة أيام؛ ولكن لأسباب ذكرها العلماء، وقد كان بعض السلف يختمون في كل يوم. وكذلك من الأشياء التي تأثر بها علي بن المديني ﵀، من القصص التي حصلت له ونقشت في قلبه أشياء: قال محمد بن نصر: سمعت علي بن المديني يقول: إني أزور امرأة عبد الرحمن بن مهدي بعد موته - عبد الرحمن بن مهدي من كبار العلماء، وهذا وفاء لـ عبد الرحمن كان يزور أهله- فرأيت سواداً في قبلة البيت، فقلت: ما هذا؟ فقالت: هذه موضع استراحة عبد الرحمن، كان يصلي بالليل، فإذا غلبه النوم وضع جبهته على هذا الموضع، أي: اتكأ عليه حتى لا يستغرق، فإذا غلبه النوم، وضع جبهته على هذا الموضع.

стр. 3597

تواضع علي بن المديني وكذلك فإن علياً ﵀ كان من المتواضعين، ومما يدل على تواضعه وحسن خلقه الآتي: كان ابن المديني رفيقاً وصديقاً وقريناً لـ أحمد بن حنبل، لكنه كان يقول: قال لي سيدي أحمد بن حنبل: لا تحدث إلا من كتاب. وقال مرة: نهاني سيدي أحمد بن حنبل أن أحدث إلا من كتاب. وقال فيه: لنا فيه أسوة حسنة. - وكان ﵀ لا يتردد في الاستفادة ممن هو أصغر منه في السن، وكان يقول: إن العلم ليس بالسن. - قال محمد بن يونس القديمي البصري وهو أحد تلاميذ ابن المديني: "قال لي ابن المديني: عندك ما ليس عندي"، وهذا من التواضع، فلو حصل لبعض الناس ربما تظاهر أمام التلميذ أنه يعرف المعلومة منذ زمن بعيد، أما أن يقول: إنني استفدتها منك، أو عندك ما ليس عندي، فهذا بعيد عمن لم يكن من أهل التواضع، فكان ابن المديني يقول لتلميذه محمد بن يونس القديمي: عندك ما ليس عندي. وكان إذا مُدِحَ يأبى ذلك ويحول الكلام، فعندما ذكر له قول محمد بن إسماعيل البخاري: ما تصاغرتُ نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني، قال: ذروا قوله، هو ما رأى مثل نفسه. خطر في ذهن أحمد بن حنبل أن يسافر مع علي بن المديني إلى مكة، ولكن خوفه على ذهاب تلك الأخوة والمحبة ترك السفر معه، حيث قال أحمد بن حنبل: إني لأشتهي أن أصحبك إلى مكة، وما يمنعني إلا خوف أن أمَلَّك أو تَمَلَّني. قال علي بن المديني: فلما ودعته، قلت: أوصني. قال أحمد بن حنبل: اجعل التقوى زادك، وانصب الآخرة أمامك. فالعادة أن الأدنى يطلب الوصية من الأعلى. علي بن المديني ﵀ كان قريناً لـ أحمد وصديقاً له ولم يكن تلميذاً، ومع ذلك يقول لـ أحمد ﵀: أوصني، وهذا من تواضعه رحمه الله تعالى. وفيه من الفائدة: أنه أحياناً ربما ترك الأخ مخالطة أخيه الطويلة خشية حدوث الملل من الصحبة، حفاظاً على المودة، أو دواماً وإبقاءً للعلاقة بحيث لا تفتر، أي: ترك الخلطة الزائدة إبقاءً لدرجة الأخوة ألَّا تنزل أو تهبط.

стр. 3598

حرص ابن المديني على مصلحة إخوانه وكذلك فإن علي بن المديني ﵀ كان حريصاً على أهل الحديث، ناصحاً لهم، وإذا وجد فائدة لأحدهم ذكرها له، فقال سعيد بن سعد البخاري نزيل الري: سمعت مسلم بن إبراهيم يقول: كانت الكتب التي عند أبي داود لـ عمرو بن مرزوق، وقال: عمرو رجل كثير الغزو -يغزو في البحر- فكانت الكتب عند أبي داود إلى أن مات أبو داود، فلما مات أبو داود حولها عمرو بن مرزوق. قال سعيد: فقال لي علي بن المديني: اختلف إلى مسلم بن إبراهيم، ودع عمرو بن مرزوق. قال: فأتيت مسلماً في يوم مجلس عمرو بن مرزوق، فقال لي: اليوم مجلس عمرو بن مرزوق كيف جئتني؟ فقلت: إن علي بن المديني أمرني أن آتيك. فكان علي بن المديني ﵀ ينصح الشخص بمن يفيده أكثر، فربما يكون هذا الشخص ليس متقناً في الحديث، أو ليس له ذاك الباع، أو كان مشتغلاً بالغزو، فلن يحصل له كثير تفنن، أو إتقان، أو غيره أعلم منه! بل كان يقول للطالب: اترك هذا وائت هذا؛ من أجل فائدته، فأمر علي بن المديني سعيد بن سعد البخاري بالاختلاف إلى مسلم بن إبراهيم، وترك الأخذ عن عمرو بن مرزوق؛ لأن مسلم بن إبراهيم إمام ثقة، وأما عمرو بن مرزوق فكان متكلَّماً فيه عند ابن المديني، ولم يكن بثقة في علم الحديث؛ لكنه من جهة أخرى كان مجاهداً كبيراً. وهكذا دأب الإنسان الحريص على مصلحة إخوانه أنه يخبرهم بالفائدة، يقول: هذا الشيخ أحسن وأفيد لك، هذا أغزر علماً، الزم فلاناً، دع هذا واذهب إلى الآخر، لا لهوى شخصي، وإنما حرصاً على مصلحة أخيه، أو على مصلحة الطالب. ومن باب عدم الحسد -أيضاً- على الإنسان أن يدل غيره على الخير، وعلى المكان الأكثر فائدة، وعلى الشيخ الأكثر علماً، هذا من دأب أهل العلم.

стр. 3599

ابن المديني وتوقيره لأهل العلم كان علي بن المديني ﵀ موقراً لأهل العلم، فجاء عن إسحاق بن إبراهيم بن أبي حبيب، قال: كنت أرى يحيى القطان يصلي العصر، ثم يستند إلى أصل منارة مسجده، فيقف بين يديه علي بن المديني، وابن الشاذكوني، وعمرو بن علي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين وغيرهم، يسألونه عن الحديث وهم قيام على أرجلهم إلى أن تحين صلاة المغرب، لا يقول لواحد منهم: اجلس، ولا يجلسون هيبةً وإعظاماً. هذا من تبجيله مع قرنائه لأهل العلم. وذكر الخطيب أيضاً، عن فتح بن نوح النيسابوري، قال: أتيت علي بن المديني، فرأيت محمد بن إسماعيل جالساً عن يمينه، وكان إذا حدث ابن المديني التفت إلى البخاري كأنه يهابه، مع أن البخاري تلميذ عند علي بن المديني؛ لكن علي بن المديني كان يلتفت إلى البخاري في كل معلومة أو كلام أو حديث؛ هيبةً له، وكأنه ينظر هل يوافق عليه محمد بن إسماعيل أو عنده اعتراض؟ وكذلك نظرة احترام وهيبة إلى محمد بن إسماعيل مع أنه كان تلميذاً عند علي بن المديني ﵀.

стр. 3600

مباسطة ابن المديني وحسن خلقه وكان رحمه الله تعالى أيضاً صاحب خلق حسن وصاحب مباسطة: فمن المباسطات التي حصلت له مع بعض أصحابه قال جعفر بن محمد الصائغ: اجتمع علي بن المديني، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن حنبل، وعفان بن مسلم. فقال عفان مباسطاً لهم: ثلاثةٌ يضعَّفون في ثلاثة طبعاً بعض الرواة ثقة، لكنه ضعيف في شيخ معين، فمثلاً: هشيم ثقة، لكنه يضعَّف في الزهري، لماذا؟ لأنه دخل عليه في مجلس قصير، فسمع منه عشرين حديثاً، فلم يحفظها هشيم، بل كتبها كتابة، فلما خرج هشيم من عند الزهري، فُقِدَت الورقة، فصار هشيم يحدِّث مما علِق في ذهنه من حديث الزهري، فاختلط عليه حديث الزهري، فـ هشيم يضعَّف في الزهري، لكنه في غير الزهري ثقة، فهناك رواة ثقات في كل شيخ إلا في شيخ معين يكون عليهم ملاحظة، أو ضعف لسبب من الأسباب، فهؤلاء: ابن أبي شيبة، وعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل، وعفان بن مسلم كلهم ثقات، ولا يوجد ضعف في أحدٍ منهم أبداً. فيقول عفان بن مسلم مباسطاً لهم: ثلاثة يُضعَّفون في ثلاثة: - علي بن المديني في حماد بن زيد. - وأحمد بن حنبل في إبراهيم بن سعد. - وأبو بكر بن أبي شيبة في شريك. قال علي بن المديني، ورابعٌ معهم. قال: ومن ذلك؟ قال: عفان في شعبة. وقال عبد الله بن علي بن المديني: حدثني أبي، قال: جعل إنسان يحدث عن ابن المبارك عن الواقدي. فقال: صرنا إلى بحر الواقدي، أي: دخلنا في بحر الواقدي والواقدي معروف بضعفه.

стр. 3601

وقفة مع فتنة خلق القرآن حصلت في عهد علي بن المديني ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل وغيرهم الفتنة المشهورة في قضية خلق القرآن، وهذه الفتنة لا بد أن نقول: لقد كان لها أثر على أهل العلم عموماً. وفتنة خلق القرآن ظهرت من قول المعتزلة الذين ظهروا في ذلك الوقت، لأن الفِرَق كانت قد خرجت؛ كـ الخوارج، والجبرية، والقدرية، والمرجئة، والجهمية، والمعتزلة، ومنهم خرجت قضية خلق القرآن. وكانت فتنة هوجاء من أعظم الفتن التي عصفت بالأمة الإسلامية. ولا خلاف بين الأمة أن أول من قال بخلق القرآن هو الجعد بن درهم، الذي قتله خالد بن عبد الله القسري في سنة: (١٢٤هـ). وحمل لواء فتنة القول بخلق القرآن بعد الجعد بن درهم الجهم بن صفوان المقتول سنة: (١٢٨ هـ)، قُتِل بـ مرو في خلافة هشام بن عبد الملك. وفي أوائل القرن الثالث الهجري أظهر هذه البدعة السيئة بشر المريسي، المتوفى سنة: (٢١٨ هـ).

стр. 3602

أحمد بن أبي دؤاد ودوره في نشر الفتنة بعد بشر المريسي أخذ الفتنة أحمد بن أبي دؤاد الذي نشأ وتضلَّع في علم الكلام، وكان فصيحاً معظماً عند المأمون، يصغي إلى كلامه ويأخذ برأيه، فهنا بدأت المرحلة الخطيرة في قضية خلق القرآن، لأن أول ما نشأت هذه الفتنة كانت فكرة مرذولة قال بها قلة، وكانت محارَبة، محدودة، مُسَيْطَر عليها، لكنها عندما وصلت إلى أحمد بن أبي دؤاد الذي كان له حِظْوَة عند الخليفة المأمون صاحب القوة والسلطة، وكان يسمع من ابن أبي دؤاد ولا يسمع فيه، زين له القول بخلق القرآن وحسنها عنده، حتى اعتنقها المأمون وصارت عنده حقاً مبيناً، وكان ذلك في سنة: (٢١٨ هـ) وحمل الناس على ذلك وأكرههم، وبدأت المحنة. إذاً: بدأت بتسلل الفكرة الخبيثة عن طريق هذا الرجل الذي كان له حِظْوَة عند السلطان، فأقنعه بها، واعتقد أنها حق مبين، وبدأت المحنة بأن كتب المأمون إلى نائبه على بغداد إسحاق بن إبراهيم الخزاعي في امتحان العلماء، قال له: اجمع القضاة والمحدثين والفقهاء وامتحنهم بخلق القرآن، واسأل كل واحدٍ في المجلس العام: هل القرآن مخلوق أم لا؟ قال الذهبي ﵀: وفيها -في سنة: (٢١٨ هـ) - امتحن المأمون العلماء بخلق القرآن وكتب في ذلك إلى نائبه بـ بغداد، وبالغ في ذلك، وقام في هذه البدعة قيام معتقد بها، فأجاب أكثر العلماء على سبيل الإكراه وتوقفت طائفة، ثم أجابوا وناظروا، فلم يلتفت إلى قولهم، وعظمت المصيبة بذلك، وهدد على ذلك بالقتل. وكان أول من امتحن في فتنة خلق القرآن هو الإمام عفان بن مسلم صاحب الطرفة التي ذكرناها قبل قليل، وكان يعارض هذه الفكرة ويأبى الرضوخ لها- يقول الذهبي ﵀: فلما دعي عفان للمحنة وحضر، وعرض عليه القول بخلق القرآن، امتنع أن يجيب، فقيل له: يُحْبِس عطاءك -أي: يُمْنَع الراتب- وكان يُعْطَى في كل شهر ألف درهم. فقال: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات:٢٢]. فلما رجع إلى داره بعد هذه المواجهة، عذله نساؤه ومن في داره -لاموه، من أين نأكل؟ وأذهبْتَ العطاء؟ وأذهبت المال؟ - وكان يوجد في داره نحواً من أربعين إنساناً -متكفل بأربعين شخصاًَ، الموقف ليس سهلاً- فدق عليه داقٌ الباب، فدخل عليه رجل ومعه كيس فيه ألف درهم، فقال: يا أبا عثمان! ثبتك الله كما ثبتَّ الدين، وهذا لك في كل شهر. وكتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم أيضاً في امتحان سبعة أنفس -الخبث الآن يأتي من ابن أبي دؤاد بانتقاء الأشخاص، واختيار المشاهير من العلماء والفقهاء منهم: - محمد بن سعد، ويحيى بن معين، وأبو خيثمة زهير بن حرب، وأحمد بن إبراهيم الدورقي. فامتحنهم بخلق القرآن، ففي البداية ما أجابوه فأمر بترحيلهم إلى بغداد، ولكنهم في الطريق أجابوا، فردهم من الرقة إلى بغداد، وأجابوه تُقْيَةً -استعملوا التورية كما كان يقول بعضهم: أشهد أنه مخلوق -ويقصد إصبعه- أو يقول: أشهد أن التوراة والإنجيل والزبور والفرقان وصحف إبراهيم أنها مخلوقة -يقصد أصابعه الخمس- المهم: صارت أفكار العلماء تدور في قضية التورية في هذا الظرف الشديد. ثم كتب المأمون بعد امتحان هؤلاء السبعة، طلب منه أن يحضر الفقهاء ومشايخ الحديث ويخبرهم بما أجاب به هؤلاء السبعة -يقول: انظر يحيى بن معين، ومحمد بن سعد، وأبا خيثمة، وأحمد بن إبراهيم الدورقي، قد وافقوا على القول بخلق القرآن، كل هذا من الخبيث ابن أبي دؤاد صاحب الأفكار التي يمليها على المأمون لكي يزلزل بها أهل السنة ويفرق بها الجمع؛ لأن الجمع على أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق- فكتب المأمون إلى نائبه بأن يحذر الفقهاء ومشايخ الحديث، ويخبرهم بما جاء به هؤلاء السبعة، ففعل ذلك، فأجابه طائفة وامتنع آخرون، وكان يحيى بن معين وغيره يقولون: أجبنا خوفاً من السيف: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦] المسألة وصلت إلى القتل.

стр. 3603

ثبات أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح أمام فتنة خلق القرآن ثم كتب المأمون كتاباً آخراً من جنس الأول إلى نائبه، وأمر بإحضار من امتنع، فأُحْضِر جماعة أولهم أحمد بن حنبل، وبشر بن الوليد الكندي وغيرهما، وعرض عليهما كتاب المأمون، فلم يجيبا، فوجه بجوابات من المأمون، فكانوا في البداية لا يجيبون، بل يسكتون. فورد كتاب المأمون بامتحانهم واحداً واحداً، فامتحنهم واحداً واحداً، فأجابوا كلهم إلا أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح وكان شاباً، فوجههما إلى طََرْسُوْس -أو طََرَسُوْس، كلاهما صحيح، وجهان لاسم هذه المدينة- فلما صاروا إلى الرقة، بلغتهم وفاة المأمون، فحملا في سفينة، فلما وصلا إلى عانات -وهي مدينة في وسط الفرات - توفي محمد بن نوح -طبعاً بوفاة المأمون لم تنته القضية؛ لأن المأمون أوصى المعتصم بأن يحمل الراية من بعده- وكان الإمام أحمد يدعو الله تعالى ألَّا يريه وجه المأمون، فاستجاب دعاءه، فتوفي المأمون قبل أن يصل إليه الإمام أحمد، ولما توفي المأمون، رُدَّ أحمد من الطريق- وتوفي محمد بن نوح، فأُطْلِق قيده -لأنه مات في القيد- وصلى عليه الإمام أحمد ﵀. ومما يروى عن الإمام أحمد قوله: ما رأيت أحداً على حداثة سنه وقلة علمه أقوم بأمر الله من محمد بن نوح، وإني لأرجو أن يكون الله قد ختم له بخير. فالذين صبروا على المحنة أربعة أشخاص، كلهم من مرو كما قال أبو العباس بن سعيد المروزي وهم: ١ - أحمد بن حنبل. ٢ - أحمد بن نصر الخزاعي. ٣ - محمد بن نوح. ٤ - نعيم بن حماد. وذكر ممن لم يجب أيضاً أبا نعيم الفضل بن دكين، وعفان بن مسلم، وأبا يعقوب يوسف بن يحيى البويطي -تلميذ الشافعي وصاحبه- وإسماعيل بن أبي أويس، وأبا مصعب المدني، ويحيى الحِمَّاني. ونقل عن البويطي قولته المشهورة: "فوالله لأموتن في حديدي هذا حتى يأتي من بعدي قومٌ يعلمون أنه قد مات في هذا الشأن قوم في حديدهم، ولئن أدخلت عليه لأصْدُقَنَّهم عليه" أي: على الخليفة الواثق. ويؤخذ أبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر الدمشقي، شيخ أهل الشام ومحدثهم، مكبلاً بالحديد فيمتحن ويصر على الرفض بخلق القرآن، ويهدَّد بالقتل، ثم يستجيب تحت التهديد بالسيف، ومع ذلك يعاد بأغلاله إلى بغداد، ويموت في سجنها. ومات المأمون، وأوصى إلى المعتصم من بعده بامتحان الناس بخلق القرآن، فقام بتعذيب العلماء والمحدثين الذين لم يقولوا بخلق القرآن، ومكث أحمد في السجن منذ أُخِذ وحُمِل وضُرِب إلى أن خُلِّي عنه (٢٨) شهراً. ويقال: إن المعتصم رقَّ في أمر الإمام أحمد لما رأى ثباته وتصميمه وصلابته؛ ولكن ابن أبي دؤاد قال له: إن تركته، قيل: إنك تركت مذهب المأمون وسخطت قوله، فهاجه ذلك على ضربه أي: على ضرب الإمام أحمد ﵀. وبعد المعتصم خلفه الواثق وورث الدعوة إلى هذه البدعة، وامتحن الناس، لكنه لم يتعرض لـ أحمد، إما لأنه خاف من أن يتألب عليه العامة، أو لما علم من صبره، وأنه لا فائدة من تعذيبه، ولكن قال لـ أحمد: لا تشاكلني بأرض -أي: لا أريد أن أرى وجهك في مملكتي، فاختفى أحمد رحمه الله تعالى بقية حياة الواثق، وبعد أن مات الواثق ظهر أحمد إلى العلن مرةً أخرى. وفي عهد الواثق توسعت دائرة الفتنة، وشملت كافة الأمصار، وكان الفقهاء يُساقون إلى بغداد ليمتحنوا في هذه المسألة ويُفَتَّش عنهم وعن نواياهم وعن قلوبهم، ولم يبق فقيه ولا محدث ولا مؤذن ولا معلِّم حتى أُخِذ بالمحنة، فهرب كثير من الناس، وملئت السجون ممن أنكر المحنة، ومُنِع الفقهاء من الجلوس في المساجد، واستمر الحال في أيام الواثق.

стр. 3604

بداية ارتفاع محنة خلق القرآن ورد كتاب المتوكل برفع المحنة بعد الواثق، وكان من الأسباب التي أدت إلى رفع المحنة مناظرة جرت بين يدَي الواثق، فمنها رأى الواثق ترك الامتحان، لكنه كان لا يزال على القول بخلق القرآن، لكن ترك امتحان الناس بسبب حادثة حصلت، قيل: إنه جيء له بشيخ مقيد، فأذِن الواثق لـ أحمد بن أبي دؤاد بمناظرة هذا الشيخ، فقال أحمد بن أبي دؤاد: يا شيخ! ما تقول في القرآن؟ قال الشيخ: لم تنصفنِ، ولِّنِي السؤال -لماذا أنت تبدأ بالسؤال؟ أنا أبدأ بالسؤال. قال: سَل. فقال له الشيخ: ما تقول في القرآن؟ قال: مخلوق. قال: هذا شيء علمه النبي ﷺ ، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي أم لم يعلموه؟ فقال: شيء لم يعلموه. فقال: سبحان الله! شيء لم يعلمه النبي ﷺ ، ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي، وعلمتَه أنت؟! قال: فخجل، وقال: أقِلْني، أي: أعطني فرصة أسحب جوابي. فأعاد عليه السؤال، قال: ما تقول في خلق القرآن؟ قال: مخلوق. قال: أهذا شيء علمه النبي ﷺ والخلفاء الراشدون من بعده، أم لم يعلموه؟ قال: علِموه ولم يدعوا الناس إليه. لأن هذه ورطة، لأنه لو قال: ما علِموه، معناها: أن هذا صار أعلم من النبي ﵊؟! وإذا قال: علِموه، سيكون السؤال الذي بعده: حسناً: هل دعوا الناس إليه، وامتحنوا الناس عليه؟ فيكون الجواب لا. فلذلك ابن أبي دؤاد جاء بالجواب في فقرتين، فقال: علِموه ولم يدعوا الناس إليه. فقال: أفلا وسعك ما وسعهم؟ جميلٌ! علموه؟! حسناً! لكن ألا يسعك ما وسعهم؟! إذا هم تركوا امتحان الناس عليه، أما تفعل مثلهم تترك امتحان الناس عليه؟! ثم قام الواثق، فدخل المجلس -مجلس الخلوة- واستلقى على قفاه، وهو يقول: هذا شيء لم يعلمه النبي ﷺ ، ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي، علمتَه أنت! سبحان الله! ويكرر ما قاله الشيخ المقيد، ثم أمر برفع القيود عنه وإعطائه أربعمائة دينار، وأذن له في الرجوع، وسقط من عينيه ابن أبي دؤاد، ولم يمتحن بعد ذلك أحداً في هذه القضية. كانت هذه المناظرة هي بداية انفكاك المحنة. ثم جاء بعد الواثق المتوكل، والمتوكل رجع إلى قول أهل السنة، وأظهر قول أهل السنة أن القرآن منزل غير مخلوق، وكُشفت الغمة عن الناس، وأظهر برفع الإمام أحمد ﵀، ورجع كل شيء إلى ما كان عليه، فحمد الناس المتوكل ﵀ لذلك الفعل. والكلام سيكون هو موقف ابن المديني في هذه المحنة، والاعتذار عنه بما حصل.

стр. 3605

موقف ابن المديني من فتنة خلق القرآن طالت هذه المحنة أعداداً غفيرةً من العلماء، وكان منهم: علي بن المديني رحمه الله تعالى. فما هو موقفه في هذه المحنة؟ وما قيل عنه؟ وما هو اعتقاده في هذه المسألة؟ هذه قضية جديرة بالبحث. لا بد أن نعلم أن علي بن المديني ﵀ لم يكن موقفه في هذه المحنة مثل موقف الإمام أحمد ﵀، فإن موقف الإمام أحمد ﵀ فاق كل المواقف، وكان هو رجل الموقف بلا شك، ولكن الإمام علي بن المديني ﵀ قد افتُريت عليه افتراءات في هذا المقام، فلا بد من بيان موقف الإمام علي بن المديني ﵀ في هذه القضية.

стр. 3606

عقيدة ابن المديني في القرآن أولاً: لا شك أن علي بن المديني ﵀ من أئمة أهل السنة، واعتقاده في سائر أبواب العقيدة هو اعتقاد أهل السنة والجماعة، وبطبيعة الحال، فإن الكلام في اعتقاده ﵀ في القرآن لا بد أن يكون جارياً على اعتقاد أهل السنة والجماعة في أن القرآن منزلٌ غير مخلوق، وهذا أمرٌ لا شك فيه، والنقولات عن هذا الإمام تثبت ذلك. فقد جاء عنه رحمه الله تعالى أنه قال في هذه المسألة: أن القرآن كلام الله منزلٌ غير مخلوق، ونقل العلماء ﵏ عنه عباراته التي تؤدي هذا المعنى. فيقول إبراهيم بن عثمان بن أبي شيبة: سمعت علي بن المديني على المنبر يقول: من زعم أن القرآن مخلوقٌ فهو كافر، ومن زعم أن الله لا يُرى فهو كافر، ومن زعم أن الله لم يكلم موسى على الحقيقة فهو كافر. وقال إبراهيم بن عثمان بن أبي شيبة أيضاً: سمعت علي بن المديني يقول قبل أن يموت بشهرين: القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال: إنه مخلوق فهو كافر. إذاً: اعتقاد الإمام علي بن المديني ﵀ في المسألة اعتقاد واضح لا لبس فيه من جهة ما يعتقده الرجل في هذه القضية، لكنه -ولا شك- بحسب الروايات التي جاءت لم يكن موقفه في القوة والصلابة مثل موقف الإمام أحمد ﵀، ولعل له عذراً في ذلك، فالرجل قد سُجِن وضُرِب. يقول علي بن الحسين بن الوليد: حين ودعت علي بن عبد الله بن جعفر -أي: ابن المديني - قال: بلغ أصحابنا عني أن القوم كُفَّار ضُلاَّل، ولم أجد بُدَّاً من متابعتهم؛ لأني جلست في بيت مظلم ثمانية أشهر، وفي رجلي قيد ثمانية أمنان حتى خفت على بصري. فإذاً: واضح أنه ﵀ قد أُكْرِه على قول الباطل، وهذا هو صريحٌ في قوله: ولم أجد بُدَّاً من متابعتهم. والإكراه واضح من قوله: "لأني جلست في بيت مظلم ثمانية أشهر، وفي رجلي قيد ثمانية أمنان حتى خفت على بصري". واعتقاده في المعتزلة الذين يقولون بخلق القرآن وحملوا الناس على ذلك، قال: بلغ أصحابنا -أي: أهل السنة وأهل الحديث- عني أن القوم كُفَّار ضُلاَّل، ولم أجد بُدَّاً من متابعتهم. ويقول ابن المديني ﵀ أيضاً: ما في قلبي مما قلتُ وأجبتُ إليه شيء -الذي قلتُ وأجبتُ إليه وأنا مُكرَه ليس اعتقاداً بقلبي- ولكني خفت أن أقتل، وتعلم ضعفي أني لو ضُربت سوطاً واحداً لَمُتُّ. وذكر رجلاً من الرواة وتكلم فيه مرة، فقال له العباس بن عبد العظيم العنبري: لا يقبلون منك، إنما يقبلون من أحمد بن حنبل -أنت بسبب موقفك، ما ثَبَتَّ، لا يأخذون بقولك في الرجال، بل يأخذون بقول أحمد قال: قوي أحمد على السوط وأنا لا أقوى. فيظهر من هذه النصوص أن الإمام علي بن المديني ﵀ كان نحيل الجسم، ضعيف التحمل، ليس معه من القوة الجسمية ما يعينه على تلقي الضرب وهو معذور، والله تعالى قد قال: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦] ولكن مع ذلك فإن ابن المديني ﵀ ظل يشعر بالندم على ما حصل منه تحت هذا الإكراه، وعدة روايات تُنْقَل عنه في تأسفه وتندمه، ونقلها العلماء.

стр. 3607

افتراءات على ابن المديني في قضية خلق القرآن لكن الذي حصل أنه قد افتُريَت عليه أخبار. فمن القصص التي افتريت عليه: قيل: إنه دخل عليه أحد تلاميذه يوماً، فرآه واجماً مغموماً، فقال: ما شأنك؟ قال: رؤيا رأيتها؟ قال: قلت: وما هي؟ قال: رأيت كأني أخطب على منبر داوُد ﵇. قال: فقلت: خيراً، رأيتَ أنك تخطب على منبر نبي. قال: لو رأيت كأني أخطب على منبر أيوب، كان خيراً لي؛ لأن أيوب بلي في بدنه وداوُد فتن في دينه، وأخشى أن أفتتن في ديني، فكان منه ما كان. قال الخطيب البغدادي: أي: أنه أجاب لَمَّا امتُحِن إلى القول بخلق القرآن. ولكن هذه الرواية يقول أهل العلم في رجالها: إن العنبري هذا ناقل القصة وكنيته: أبو عبد الله غلام خليل ضعيفٌ بالاتفاق. قال الذهبي بعد حكاية القصة: غلام خليل غير ثقة. وقال فيه أبو داود: أخشى أن يكون دجال بغداد. وقال الدارقطني: متروك. وقال فيه مرة أخرى: يضع الحديث. إذاً: هذه حكاية مُطَّرَحة باطلة لا يُعَوَّل عليها. ثم قد افتُرِيَت عليه قصة أخرى أيضاً: فجاء عن الحسين بن فهم عن أبيه: قال ابن أبي دؤاد للمعتصم: يا أمير المؤمنين! هذا -أي: أحمد بن حنبل - يزعم أن الله تعالى يُرى في الآخرة، والعين لا تقع إلا على محدود, والله تعالى لا يُحَدُّ. فقال له المعتصم: ما عندك في هذا؟ فقال الإمام أحمد: يا أمير المؤمنين! عندي ما قاله رسول الله ﷺ . يقول ابن أبي دؤاد -ما عنده إلا عقليات، العين لا تقع إلا على محدود، والله لا يُحد! وهذا حتى في العقليات باطل. فالآن نحن إذا نظرنا إلى السماء، نراها لكننا لا نحيط بها، هل يمكن أن يقول أحد: لا نراها، لأننا لا نحس بها؟ لا. هل هناك منافاة بين الإحاطة والرؤيا؟ لا. يمكن أن ترى الشيء وأنت لا تحيط به، فـ ابن أبي دؤاد ما عنده إلا عقليات فاسدة- يقول: إن هذا -أي: الإمام أحمد - إن الله تعالى يُرى في الآخرة، والعين لا تقع إلا على محدود, والله تعالى لا يُحد. فقال المعتصم للإمام أحمد: ما عندك في هذا؟ قال: يا أمير المؤمنين! عندي ما قاله رسول الله ﷺ . قال: وما قاله رسول الله ﷺ ؟ قال: حدثني محمد بن جعفر غندر، حدثنا شعبة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله البجلي، قال: (كنا مع النبي ﷺ في ليلة أربع عشرة من الشهر، فنظر إلى البدر، فقال: أما إنكم سترون ربكم كما ترون هذا البدر، لا تُضامُون في رؤيته) فأتى الإمام أحمد بالدليل الصريح على هذا. ما أتينا بعدُ إلى موضع الشاهد من القصة المفتراة. فقال المعتصم لـ أحمد بن أبي دؤاد: ما عندك في هذا؟ قال: انظر في إسناد هذا الحديث، يقول: لا بد أن نراجع الإسناد. ماذا فعل ابن أبي دؤاد -حسب القصة هذه-؟! وجَّه إلى علي بن المديني، وهو في بغداد مُمَلَّق -أي: فقير لا يقدر على درهم- فأحضره، فلما كلمه حتى أعطاه عشرة آلاف درهم، وقال: هذه من أمير المؤمنين وأن تُدْفَع إليه أرزاقه المقطوعة سابقاً رزق سنتين. ثم قال له: يا أبا حسن - ابن أبي دؤاد يقول لـ علي بن المديني، الخبير بـ العلل - يا أبا حسن! حديث جرير بن عبد الله في الرؤية ما هو؟ قال: صحيح. قال: فهل عندك فيه شيء؟ قال: يعفيني القاضي من هذا. قال: يا أبا حسن! هذه حاجة الدهر. ثم أمر له بثيابٍ وطيب ومركب بسرجه ولجامه، ولم يزل حتى قال له: في هذا الإسناد مَن لا يعوَّل عليه ولا على ما يرويه، وهو: قيس بن أبي حازم، إنما كان أعرابياً بوَّالاً على عَقِبَيه. فقبَّل ابن أبي دؤاد ابن المديني واعتنقه. فلما كان الغد وحضروا، قال ابن أبي دؤاد: يا أمير المؤمنين! -يحتج في الرؤية بحديث جرير - وإنما رواه عنه قيس بن أبي حازم وهو أعرابي بوَّال على عَقِبَيه. هذه القصة التي ذُكِرَ بعد ذلك في تكملة القصة أن الإمام أحمد قال: هذا مما عمله ابن المديني، هذه القصة باطلة النسبةِ إلى ابن المديني وكَذِبٌ عليه وافتراء. يقول الخطيب البغدادي في القصة السابقة من الخبراء بثبوت القصص، ولذلك لما أظهر اليهود في حياة الخطيب البغدادي خطاباً أو رسالة، قالوا: هذه من محمد بن عبد الله -النبي ﷺ يضع عنا الجزية، وجاءوا إلى الخليفة، قالوا: لا تأخذ منا الجزية، أن الجزية موضوعة عنا وهذا إثبات ذلك، نبيكم أعطانا صكاً بوضع الجزية، فعرضه الخليفة على العلماء، فوصل إلى الخطيب، فقال: مزور. قال: وما دليلك؟ قال: فيه شهادة معاوية بن أبي سفيان، وإنما أسلم في الفتح، والصك هذا من أيام خيبر، وفيه شهادة سعد بن معاذ، وقد مات في الخندق قبل خيبر. فـ الخطيب ﵀ كان ذكياً وخبيراً بموضوع القصص. قال الخطيب البغدادي في هذه القصة: أما ما حُكِي عن علي بن المديني في هذا الخبر أن قيس بن أبي حازم لا يُعْمَل على ما يرويه لكونه أعرابياً بوَّالاً على عَقِبَيه، فهو باطلٌ، وقد نزه الله علياً -أي: ابن المديني - عن قول ذلك؛ لأن أهل الأثر -وفيهم علي - مجمعون على الاحتجاج برواية قيس بن أبي حازم وتصحيحها؛ إذ كان من كبراء تابعي أهل الكوفة، وليس في التابعين من أدرك العشرة المقدمين -أي: العشرة المبشرين بالجنة- وروى عنهم غير قيسٍ، مع روايته عن خلق من الصحابة سوى العشرة، ولم يَحْكِ أحدٌ ممن ساق خبر محنة أبي عبد الله أحمد بن حنبل أنه نوظر في حديث الرؤية. يقول الخطيب البغدادي: فإن كان هذا الخبر المحكي عن ابن فهم -الراوي للقصة- محفوظاً فأحسب أن ابن أبي دؤاد تكلم في قيس بن أبي حازم بما ذكر في الحديث، وعزا ذلك إلى ابن المديني، أي: ألصقها بـ ابن المديني وابن المديني منها بريء، والله أعلم. واستبعد أيضاً تاج الدين السبكي هذه القصة، فقال: وما حُكِي من أنه علل حديث الرؤيا بسؤال القاضي أحمد بن أبي دؤاد له، وقال: هذه حاجة الدهر، وأن علياً قال: فيه من لا يعوَّل عليه وهو قيس بن أبي حازم، إنما كان أعرابياً بوَّالاً على عَقِبَيه، وأن ابن أبي دؤاد قال لـ أحمد كذا والرد عليه، وأن ابن حنبل قال: علمتُ هذا من عمل ابن المديني، فهو أثرٌ لا يصح. فالمهم: أن العلماء بيَّنوا براءة علي بن المديني من هذه الفرية، وأن علي بن المديني أورع وأعظم وأرفع من أن يطعن في راوٍ متفق على أنه ثقة من أجل بغلة بسرجها ولجامها وبعض النقود، لا يمكن، فـ ابن المديني أورع من أن يفعل هذا. ومما يدل على ذلك أيضاً: أن ابن المديني له كتاب اسمه العلل، عندما جاء على ذكر قيس بن أبي حازم، توسع ابن المديني في الكلام عنه جدِّاً أكثر من أي شخص آخر في الكتاب، وأن الرجل ثقة، مما دفع بعض الباحثين إلى أن يقول: لعل ابن المديني سمع بالفرية التي ألصقت به، فلما ألف كتاب العلل، أشبع قيس بن أبي حازم توثيقاً له ليدافع عن نفسه ضد الفرية التي ألصقت به. فخلاصة القول: أن ابن المديني ﵀ كان صحيح العقيدة في القرآن، صحيح أنه لم يثبت مثل الإمام أحمد، هذا بلا شك، أما أنه افترى وأعطى أدلة للقوم يتقوون بها فهذا كذب وافتراء، وقد تبرأ من القوم بعد ذلك، وقال: إنهم كفار، وأعلن عقيدته صريحة بعد ذلك، وبيَّن عُذْرَه، وأنه ضعيف لا يقوى على الضرب، وأن هناك فرق بينه وبين أحمد بن حنبل ﵀، وأظهر ندمه على كلامه مع أنه مكره عليه، وكان يبجل أحمد جداً لموقفه، ولذلك لما ورد عليه رسالة من أحمد بن حنبل في تلك الأيام ونظر إليها جعل يقول علي بن المديني: يأتي بأبي تركةُ الأنبياء. وقبَّله ووضعه بين عينيه. فقال له رجلٌ من جلسائه: يا أبا الحسن! ما نشبه أحمد بن حنبل في زماننا إلا بـ سعيد بن جبير في زمانه، فقال علي بن المديني: لا. بل أحمد في زماننا أفضل من سعيد بن جبير في زمانه؛ لأن سعيداً كان له نظراء في زمانه، وأما أحمد فلا يُعرف له نظيرٌ في شرقها ولا في غربها. الذهبي ﵀ في ترجمة علي بن المديني: "مناقب هذا الإمام جمة لولا ما كدَّرها بتعلقه بشيء من مسألة القرآن، إلا أنه تنصل وندم وكفَّر من يقول بخلق القرآن، فالله يرحمه ويغفر له". إذاً: هذا موقف الإمام علي بن المديني ﵀، وكان يدعم

стр. 3608

نفي تهمة رمي ابن المديني بالتشيع ابن المديني ﵀ له موقف آخر في مسألة إظهار بعض الأشياء في بعض الأماكن لمصلحة معينة، فقد قال يحيى بن معين: كان علي بن المديني إذا قدم علينا أظهر السنة، وإذا ورد إلى البصرة أظهر التشيع. فهذه العبارة يجب معرفة معناها، وقد شرحها الذهبي حيث قال: كان يظهر ذلك بـ البصرة ليؤلفهم على حب علي ﵁، فإنهم عثمانية. أي: أهل البصرة كان فيهم بغضٌ لـ علي ﵁ تعصباً لـ عثمان. لما كان علي بن المديني يدخل البصرة يظهر التشيع، ما معنى التشيع؟ أي: نصرة علي، وإظهار فضله، وذكر مناقبه؛ لمعالجة انحراف أهل البصرة في كره علي والتعصب لـ عثمان، وقد كانت مدينة الكوفة معروفة بتشيعها، فكان ابن المديني إذا دخل الكوفة، لا يظهر التشيع؛ لأن أهلها لا يحتاجون إلى إظهار التشيع؛ لأنهم متعصبون لـ علي. إذاً: ما حصل منه ﵀ من التَّقِيَّة في مسألة خلق القرآن كان اضطراراً، وكما قال بعض المؤرخين وهو الصحيح: "أنه إنما أجاب خشية السيف".

стр. 3609

الرد على القول بأن الإمام أحمد لم يرو عن ابن المديني بعد المحنة وهناك -أيضاً- مطعن يطعنون في علي بن المديني ﵀، ينبغي الدفاع فيه عنه: يقولون: إن أحمد ﵀ ما روى عنه شيئاً بعد المحنة. فالجواب عن هذه القضية: أن المحنة رُفِعَت في أيام الخليفة المتوكل سنة: (٢٣٤ هـ)، وفيها توفي علي بن المديني، فكيف سيحمل أحمد عنه بعد المحنة وهو أصلاً توفي في هذه السنة؟! لكن لا يمنع أن أحمد ﵀ من أجل تعزيز موقف أهل السنة قد أفتى أو تكلم بعدم الرواية عمن أجاب في المحنة من باب تعزيز الموقف، ولكي يحمل الرواة والمحدثين والفقهاء والعلماء ويلقنهم درساً في القضية، ولكن أحمد ﵀ زميل علي بن المديني، وروى عنه، وكونه لم يرو عنه بعد المحنة؛ لأن علي بن المديني مات بعد ارتفاع المحنة مباشرةً، وستأتي أخبار بين أحمد بن حنبل ﵀ وعلي بن المديني بمشيئة الله تعالى. ودافع الذهبي ﵀ عن علي بن المديني دفاعاً قوياً لَمَّا أورد العقيلي في كتابه الضعفاء اسم علي بن المديني، وقال العقيلي: "جنح إلى ابن أبي دؤاد والجهمية -كذا يقول- وحديثه مستقيمٌ إن شاء الله". لا شك أن التعليق بالمشيئة يضعف العملية، ولذلك يقولون: (لا بأس به) أقوى مِن (لا بأس به إن شاء الله)، و (ثقة) أقوى مِن (ثقة إن شاء الله)، و (صدوق) أقوى مِن (صدوق إن شاء الله)؛ لأن تعليق الصيغة بالمشيئة يضعفها. فالآن العقيلي يزعم في كتابه الضعفاء أن علي بن المديني ضعيف. كتاب الضعفاء جَمَع فيه أسماء الضعفاء، فيأتي ويضع اسم علي بن المديني فيه؟! يقول الذهبي: وقد بدت منه هفوةٌ -أي: من علي بن المديني ﵀ ثم تاب منها، وهذا أبو عبد الله البخاري قد شحن صحيحه بحديث علي بن المديني، ولو تركت حديث علي، وصاحبه محمد، وشيخه عبد الرزاق، وعثمان بن أبي شيبة، وإبراهيم بن سعد، وعفان، وأبان العطار، وإسرائيل، وأزهر السمان، وبهز بن أسد، وثابت البناني، وجرير بن عبد الحميد لغلقنا الباب، وانقطع الخطاب، ولماتت الآثار، واستولت الزنادقة، ولخرج الدجال، أما لك عقلٌ يا عقيلي؟! - الذهبي يقول مناقشاً إيراد علي بن المديني في كتاب الضعفاء - يقول: أفما لك عقلٌ يا عقيلي؟! أتدري فيمن تتكلم؟ وإنما تبعناك في ذكر هذا النمط لنذب عنهم، ولنزيف ما قيل فيهم، كأنك لا تدري أن كل واحد من هؤلاء أوثق منك بطبقات، بل وأوثق من ثقات كثيرين لم توردهم في كتابك، فهذا مما لا يَغتاب فيه محدِّث، وأنا أشتهي أن تعرفني من هو الثقة الثبت الذي ما غلط، ولا انفرد لما لا يُتابَع عليه؟! ثم شرح الذهبي قضية انفراد الثقة، وقال ملخص الكلام: "الثقة إذا انفرد بما ليس عند غيره، هذا دليل على سعة علمه، وأنه سمع أشياء ما سمعوها، أما الصدوق الذي لا يصل إلى مرتبة الثقة إذا انفرد بما انفرد به غيره، كان ذلك شذوذاً". وهو يعبر عنه بالإنكار ﵀. ثم قال الذهبي: "فَزِنِ الأشياء بالعدل والورع، وأما علي بن المديني فإليه المنتهى في معرفة علل الحديث النبوي مع كمال المعرفة بنقد الرجال، وسعة الحفظ والتبحر في هذا الشأن، بل لعله فردُ زمانه في معناه، وقد أدرك حماد بن زيد، وصنَّف التصانيف وهو تلميذ يحيى بن سعيد القطان ". هذا قد ذكره الذهبي ﵀ في كتابه الميزان. إذاً: هذه خلاصة قضية علاقة علي بن المديني بموضوع محنة خلق القرآن، والجواب عن ذلك. ومن الذين أجابوا تُقْيَةً: يحيى بن معين. وأناس آخرين. أما الذي برز في المسألة فهو الإمام أحمد ﵀. والذين لم يجيبوا قلة يسيرة جداً، بعضهم مات في الحبس، وبعضهم مات تحت العذاب، وما بقي إلا أحمد ﵀، والبَقِيَّة كلهم كانوا قد أجابوا تُقْيَةً، أو أنهم تواروا واختفوا، وأما الذي ثبت وظهر فهو: الإمام أحمد ﵀، ولعل بعضهم قد اكتفى بموقف الإمام أحمد أنه قام بالحق وأعلنه والناس ينظرون إليه، فقالوا: لعله يسعنا نحن أن ننسحب ما دام أن واحداً هناك قام بالمهمة، ومع ذلك لا يُبَرَّءون، بل أخطئوا والله يغفر لهم.

стр. 3610

فقه الإمام علي بن المديني كان الإمام علي بن المديني ﵀ ليس محدثاً فقط -مع أنه من كبار رواة الحديث- ولا نقاداً للعلل فقط، وإنما كان فقيهاً أيضاً: كان النبي ﷺ يفتي بالوحي، والصحابة الكرام كانوا يفتون بأقواله ﵊، وإذا لم يجدوا نصاً في الكتاب وولا في السنة اجتهدوا آراءهم، والتابعون ساروا على منوال الصحابة، يعرضون الأمور على الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة، فإذا لم يجدوا اجتهدوا من عندهم. وفي عصر الأئمة المجتهدين: أبي حنيفة، ومالك، وأحمد، والشافعي، والأوزاعي، والثوري، تكونت المذاهب الفقهية، فكان بـ المدينة مدرسة، وبـ العراق مدرسة فقهية أخرى، وبـ الشام مدرسة كذلك، وكل واحدة من هذه المدارس كان لها مميزاتها وملامحها. أما بالنسبة لـ علي بن المديني ﵀ فلا شك أنه كان من العلماء الذين جمعوا في الحديث بين الدراية والرواية، أي: من ناحية الصحة والعلل، ومن جهة المعنى والفهم والفقه، ولذلك عندما تكلم بعض العلماء الذين يعرفون الحديث رواية ودراية، ذكروا علي بن المديني من رءوس هؤلاء، فهذا الحاكم النيسابوري في كتابه معرفة علوم الحديث، قال: "فأما فقهاء الإسلام أصحاب القياس والرأي والاستنباط والجدل والنظر، فمعروفون في كل عصر وفي كل بلد، ونحن ذاكرون بمشيئة الله في هذا الموضع فقه الحديث عن أهله ليُسْتَدل بذلك على أن أهل هذه الصنعة مَن تبحَّر فيها لا يجهل فقه الحديث، إذ هو نوعٌ من أنواع هذا العلم". ثم ذكر بعض أئمة الحديث المشهورين بالرواية والدراية، يروون الأحاديث ويفقهون معانيها ليسوا فقط نَقَلَةً، قال: منهم: - محمد بن مسلم الزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، وسفيان بن عيينة، وابن المبارك، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، رحمهم الله تعالى جميعاً، فذكر علياً منهم. قال الذهبي في كتابه تذكرة الحفَّاظ: لا تنظر إلى هؤلاء الحُفَّاظ النظر الشزر، ولا ترمقنهم بعين النقص، ولا تعتقد فيهم أنهم من جنس محدثي زماننا! حاشا وكلا، فما فيمن سميتُ أحداً -ولله الحمد- إلا وهو بصيرٌ بالدين، عالم بسبيل النجاة، وليس في كبار محدثي زماننا أحدٌ يبلغ رتبة أولئك في المعرفة -لأن الذهبي متأخر، في القرن الثامن- فإني أحسبك لفرط هواك تقول بلسان الحال إن أعوزك المقال: مَن أحمد؟! ومَن ابن المديني؟! وأي شيء أبو زرعة، وأبو داود؟! هؤلاء محدثون، ولا يدرون ما الفقه وما أصوله، ولا يفقهون الرأي ولا علم لهم بالبيان والمعاني والدقائق، ولا هم من فقهاء الملة -هذه كانت دعوى، ربما قالها بعضهم في عصر الذهبي، فقال الذهبي راداً على من يقول ذلك الكلام: فاسكت بحلمٍ، أو انطق بعلمٍ، فالعلم النافع هو ما جاء عن أمثال هؤلاء؛ ولكن نسبتك إلى أئمة الفقه كنسبة محدثي عصرنا إلى أئمة الحديث، فلا نحن، ولا أنت، وإنما يَعْرِف الفضل لأهل الفضل ذوو الفضل. وإذا كان الرجل الذي هو علي بن المديني ﵀، قد اطلع على فقه أبي حنيفة ومالك، وروى عنه وسمع روايات كثيرة عن مالك في الفقه، وكان صديقاً للشافعي، ومبجِّلاً لـ أحمد وصاحباً له، وتتلمذ على يحيى بن سعيد القطان، ووكيع بن الجراح، وعبد الرحمن بن مهدي، فكيف لا يكون رجلاً فقيهاً؟! ومن الأدلة على فقهه: أن كل أصحاب مذهبٍ حاولوا أن يدَّعوه إليه. فهذا العبَّادي الشافعي في طبقات الشافعية ذكر علي بن المديني في الطبقة الأولى من طبقات الشافعية. وكذلك الشيرازي قال: " علي بن المديني صاحبنا، وهو شافعي". وقال أبو يعلى الفراء الحنبلي: علي بن المديني حنبلي، صاحبنا، وهو ما وضعه في كتاب طبقات الحنابلة. وكذلك محمد بن محمد المخلوف المالكي اعتبر علي بن المديني في الطبقة السادسة من المالكية، قال: صاحبنا. إذاً الرجل كان فقيهاً، وحتى أن كل واحد من أصحاب المذاهب الذين ذكروا طبقات المذاهب يدَّعون أن علي بن المديني منهم، ويريدون أن يلصقوه بهم. والحقيقة: أن الرجل فيما يظهر كان مجتهداً، ليس متقيداً بمذهب معين، عنده أحاديث وأدلة كثيرة جداً، حافظ للقرآن، وعنده فهم كبير، ولا يحتاج إلى تقليد والحمد لله؛ ولذلك كان إماماً مجتهداً.
следующие страницы →