← Джавами‘

Джавами‘ · id 7704

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (7 040 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

عقيدة ابن المديني في القرآن أولاً: لا شك أن علي بن المديني ﵀ من أئمة أهل السنة، واعتقاده في سائر أبواب العقيدة هو اعتقاد أهل السنة والجماعة، وبطبيعة الحال، فإن الكلام في اعتقاده ﵀ في القرآن لا بد أن يكون جارياً على اعتقاد أهل السنة والجماعة في أن القرآن منزلٌ غير مخلوق، وهذا أمرٌ لا شك فيه، والنقولات عن هذا الإمام تثبت ذلك. فقد جاء عنه رحمه الله تعالى أنه قال في هذه المسألة: أن القرآن كلام الله منزلٌ غير مخلوق، ونقل العلماء ﵏ عنه عباراته التي تؤدي هذا المعنى. فيقول إبراهيم بن عثمان بن أبي شيبة: سمعت علي بن المديني على المنبر يقول: من زعم أن القرآن مخلوقٌ فهو كافر، ومن زعم أن الله لا يُرى فهو كافر، ومن زعم أن الله لم يكلم موسى على الحقيقة فهو كافر. وقال إبراهيم بن عثمان بن أبي شيبة أيضاً: سمعت علي بن المديني يقول قبل أن يموت بشهرين: القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال: إنه مخلوق فهو كافر. إذاً: اعتقاد الإمام علي بن المديني ﵀ في المسألة اعتقاد واضح لا لبس فيه من جهة ما يعتقده الرجل في هذه القضية، لكنه -ولا شك- بحسب الروايات التي جاءت لم يكن موقفه في القوة والصلابة مثل موقف الإمام أحمد ﵀، ولعل له عذراً في ذلك، فالرجل قد سُجِن وضُرِب. يقول علي بن الحسين بن الوليد: حين ودعت علي بن عبد الله بن جعفر -أي: ابن المديني - قال: بلغ أصحابنا عني أن القوم كُفَّار ضُلاَّل، ولم أجد بُدَّاً من متابعتهم؛ لأني جلست في بيت مظلم ثمانية أشهر، وفي رجلي قيد ثمانية أمنان حتى خفت على بصري. فإذاً: واضح أنه ﵀ قد أُكْرِه على قول الباطل، وهذا هو صريحٌ في قوله: ولم أجد بُدَّاً من متابعتهم. والإكراه واضح من قوله: "لأني جلست في بيت مظلم ثمانية أشهر، وفي رجلي قيد ثمانية أمنان حتى خفت على بصري". واعتقاده في المعتزلة الذين يقولون بخلق القرآن وحملوا الناس على ذلك، قال: بلغ أصحابنا -أي: أهل السنة وأهل الحديث- عني أن القوم كُفَّار ضُلاَّل، ولم أجد بُدَّاً من متابعتهم. ويقول ابن المديني ﵀ أيضاً: ما في قلبي مما قلتُ وأجبتُ إليه شيء -الذي قلتُ وأجبتُ إليه وأنا مُكرَه ليس اعتقاداً بقلبي- ولكني خفت أن أقتل، وتعلم ضعفي أني لو ضُربت سوطاً واحداً لَمُتُّ. وذكر رجلاً من الرواة وتكلم فيه مرة، فقال له العباس بن عبد العظيم العنبري: لا يقبلون منك، إنما يقبلون من أحمد بن حنبل -أنت بسبب موقفك، ما ثَبَتَّ، لا يأخذون بقولك في الرجال، بل يأخذون بقول أحمد قال: قوي أحمد على السوط وأنا لا أقوى. فيظهر من هذه النصوص أن الإمام علي بن المديني ﵀ كان نحيل الجسم، ضعيف التحمل، ليس معه من القوة الجسمية ما يعينه على تلقي الضرب وهو معذور، والله تعالى قد قال: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦] ولكن مع ذلك فإن ابن المديني ﵀ ظل يشعر بالندم على ما حصل منه تحت هذا الإكراه، وعدة روايات تُنْقَل عنه في تأسفه وتندمه، ونقلها العلماء.

стр. 3607

افتراءات على ابن المديني في قضية خلق القرآن لكن الذي حصل أنه قد افتُريَت عليه أخبار. فمن القصص التي افتريت عليه: قيل: إنه دخل عليه أحد تلاميذه يوماً، فرآه واجماً مغموماً، فقال: ما شأنك؟ قال: رؤيا رأيتها؟ قال: قلت: وما هي؟ قال: رأيت كأني أخطب على منبر داوُد ﵇. قال: فقلت: خيراً، رأيتَ أنك تخطب على منبر نبي. قال: لو رأيت كأني أخطب على منبر أيوب، كان خيراً لي؛ لأن أيوب بلي في بدنه وداوُد فتن في دينه، وأخشى أن أفتتن في ديني، فكان منه ما كان. قال الخطيب البغدادي: أي: أنه أجاب لَمَّا امتُحِن إلى القول بخلق القرآن. ولكن هذه الرواية يقول أهل العلم في رجالها: إن العنبري هذا ناقل القصة وكنيته: أبو عبد الله غلام خليل ضعيفٌ بالاتفاق. قال الذهبي بعد حكاية القصة: غلام خليل غير ثقة. وقال فيه أبو داود: أخشى أن يكون دجال بغداد. وقال الدارقطني: متروك. وقال فيه مرة أخرى: يضع الحديث. إذاً: هذه حكاية مُطَّرَحة باطلة لا يُعَوَّل عليها. ثم قد افتُرِيَت عليه قصة أخرى أيضاً: فجاء عن الحسين بن فهم عن أبيه: قال ابن أبي دؤاد للمعتصم: يا أمير المؤمنين! هذا -أي: أحمد بن حنبل - يزعم أن الله تعالى يُرى في الآخرة، والعين لا تقع إلا على محدود, والله تعالى لا يُحَدُّ. فقال له المعتصم: ما عندك في هذا؟ فقال الإمام أحمد: يا أمير المؤمنين! عندي ما قاله رسول الله ﷺ . يقول ابن أبي دؤاد -ما عنده إلا عقليات، العين لا تقع إلا على محدود، والله لا يُحد! وهذا حتى في العقليات باطل. فالآن نحن إذا نظرنا إلى السماء، نراها لكننا لا نحيط بها، هل يمكن أن يقول أحد: لا نراها، لأننا لا نحس بها؟ لا. هل هناك منافاة بين الإحاطة والرؤيا؟ لا. يمكن أن ترى الشيء وأنت لا تحيط به، فـ ابن أبي دؤاد ما عنده إلا عقليات فاسدة- يقول: إن هذا -أي: الإمام أحمد - إن الله تعالى يُرى في الآخرة، والعين لا تقع إلا على محدود, والله تعالى لا يُحد. فقال المعتصم للإمام أحمد: ما عندك في هذا؟ قال: يا أمير المؤمنين! عندي ما قاله رسول الله ﷺ . قال: وما قاله رسول الله ﷺ ؟ قال: حدثني محمد بن جعفر غندر، حدثنا شعبة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله البجلي، قال: (كنا مع النبي ﷺ في ليلة أربع عشرة من الشهر، فنظر إلى البدر، فقال: أما إنكم سترون ربكم كما ترون هذا البدر، لا تُضامُون في رؤيته) فأتى الإمام أحمد بالدليل الصريح على هذا. ما أتينا بعدُ إلى موضع الشاهد من القصة المفتراة. فقال المعتصم لـ أحمد بن أبي دؤاد: ما عندك في هذا؟ قال: انظر في إسناد هذا الحديث، يقول: لا بد أن نراجع الإسناد. ماذا فعل ابن أبي دؤاد -حسب القصة هذه-؟! وجَّه إلى علي بن المديني، وهو في بغداد مُمَلَّق -أي: فقير لا يقدر على درهم- فأحضره، فلما كلمه حتى أعطاه عشرة آلاف درهم، وقال: هذه من أمير المؤمنين وأن تُدْفَع إليه أرزاقه المقطوعة سابقاً رزق سنتين. ثم قال له: يا أبا حسن - ابن أبي دؤاد يقول لـ علي بن المديني، الخبير بـ العلل - يا أبا حسن! حديث جرير بن عبد الله في الرؤية ما هو؟ قال: صحيح. قال: فهل عندك فيه شيء؟ قال: يعفيني القاضي من هذا. قال: يا أبا حسن! هذه حاجة الدهر. ثم أمر له بثيابٍ وطيب ومركب بسرجه ولجامه، ولم يزل حتى قال له: في هذا الإسناد مَن لا يعوَّل عليه ولا على ما يرويه، وهو: قيس بن أبي حازم، إنما كان أعرابياً بوَّالاً على عَقِبَيه. فقبَّل ابن أبي دؤاد ابن المديني واعتنقه. فلما كان الغد وحضروا، قال ابن أبي دؤاد: يا أمير المؤمنين! -يحتج في الرؤية بحديث جرير - وإنما رواه عنه قيس بن أبي حازم وهو أعرابي بوَّال على عَقِبَيه. هذه القصة التي ذُكِرَ بعد ذلك في تكملة القصة أن الإمام أحمد قال: هذا مما عمله ابن المديني، هذه القصة باطلة النسبةِ إلى ابن المديني وكَذِبٌ عليه وافتراء. يقول الخطيب البغدادي في القصة السابقة من الخبراء بثبوت القصص، ولذلك لما أظهر اليهود في حياة الخطيب البغدادي خطاباً أو رسالة، قالوا: هذه من محمد بن عبد الله -النبي ﷺ يضع عنا الجزية، وجاءوا إلى الخليفة، قالوا: لا تأخذ منا الجزية، أن الجزية موضوعة عنا وهذا إثبات ذلك، نبيكم أعطانا صكاً بوضع الجزية، فعرضه الخليفة على العلماء، فوصل إلى الخطيب، فقال: مزور. قال: وما دليلك؟ قال: فيه شهادة معاوية بن أبي سفيان، وإنما أسلم في الفتح، والصك هذا من أيام خيبر، وفيه شهادة سعد بن معاذ، وقد مات في الخندق قبل خيبر. فـ الخطيب ﵀ كان ذكياً وخبيراً بموضوع القصص. قال الخطيب البغدادي في هذه القصة: أما ما حُكِي عن علي بن المديني في هذا الخبر أن قيس بن أبي حازم لا يُعْمَل على ما يرويه لكونه أعرابياً بوَّالاً على عَقِبَيه، فهو باطلٌ، وقد نزه الله علياً -أي: ابن المديني - عن قول ذلك؛ لأن أهل الأثر -وفيهم علي - مجمعون على الاحتجاج برواية قيس بن أبي حازم وتصحيحها؛ إذ كان من كبراء تابعي أهل الكوفة، وليس في التابعين من أدرك العشرة المقدمين -أي: العشرة المبشرين بالجنة- وروى عنهم غير قيسٍ، مع روايته عن خلق من الصحابة سوى العشرة، ولم يَحْكِ أحدٌ ممن ساق خبر محنة أبي عبد الله أحمد بن حنبل أنه نوظر في حديث الرؤية. يقول الخطيب البغدادي: فإن كان هذا الخبر المحكي عن ابن فهم -الراوي للقصة- محفوظاً فأحسب أن ابن أبي دؤاد تكلم في قيس بن أبي حازم بما ذكر في الحديث، وعزا ذلك إلى ابن المديني، أي: ألصقها بـ ابن المديني وابن المديني منها بريء، والله أعلم. واستبعد أيضاً تاج الدين السبكي هذه القصة، فقال: وما حُكِي من أنه علل حديث الرؤيا بسؤال القاضي أحمد بن أبي دؤاد له، وقال: هذه حاجة الدهر، وأن علياً قال: فيه من لا يعوَّل عليه وهو قيس بن أبي حازم، إنما كان أعرابياً بوَّالاً على عَقِبَيه، وأن ابن أبي دؤاد قال لـ أحمد كذا والرد عليه، وأن ابن حنبل قال: علمتُ هذا من عمل ابن المديني، فهو أثرٌ لا يصح. فالمهم: أن العلماء بيَّنوا براءة علي بن المديني من هذه الفرية، وأن علي بن المديني أورع وأعظم وأرفع من أن يطعن في راوٍ متفق على أنه ثقة من أجل بغلة بسرجها ولجامها وبعض النقود، لا يمكن، فـ ابن المديني أورع من أن يفعل هذا. ومما يدل على ذلك أيضاً: أن ابن المديني له كتاب اسمه العلل، عندما جاء على ذكر قيس بن أبي حازم، توسع ابن المديني في الكلام عنه جدِّاً أكثر من أي شخص آخر في الكتاب، وأن الرجل ثقة، مما دفع بعض الباحثين إلى أن يقول: لعل ابن المديني سمع بالفرية التي ألصقت به، فلما ألف كتاب العلل، أشبع قيس بن أبي حازم توثيقاً له ليدافع عن نفسه ضد الفرية التي ألصقت به. فخلاصة القول: أن ابن المديني ﵀ كان صحيح العقيدة في القرآن، صحيح أنه لم يثبت مثل الإمام أحمد، هذا بلا شك، أما أنه افترى وأعطى أدلة للقوم يتقوون بها فهذا كذب وافتراء، وقد تبرأ من القوم بعد ذلك، وقال: إنهم كفار، وأعلن عقيدته صريحة بعد ذلك، وبيَّن عُذْرَه، وأنه ضعيف لا يقوى على الضرب، وأن هناك فرق بينه وبين أحمد بن حنبل ﵀، وأظهر ندمه على كلامه مع أنه مكره عليه، وكان يبجل أحمد جداً لموقفه، ولذلك لما ورد عليه رسالة من أحمد بن حنبل في تلك الأيام ونظر إليها جعل يقول علي بن المديني: يأتي بأبي تركةُ الأنبياء. وقبَّله ووضعه بين عينيه. فقال له رجلٌ من جلسائه: يا أبا الحسن! ما نشبه أحمد بن حنبل في زماننا إلا بـ سعيد بن جبير في زمانه، فقال علي بن المديني: لا. بل أحمد في زماننا أفضل من سعيد بن جبير في زمانه؛ لأن سعيداً كان له نظراء في زمانه، وأما أحمد فلا يُعرف له نظيرٌ في شرقها ولا في غربها. الذهبي ﵀ في ترجمة علي بن المديني: "مناقب هذا الإمام جمة لولا ما كدَّرها بتعلقه بشيء من مسألة القرآن، إلا أنه تنصل وندم وكفَّر من يقول بخلق القرآن، فالله يرحمه ويغفر له". إذاً: هذا موقف الإمام علي بن المديني ﵀، وكان يدعم

стр. 3608

نفي تهمة رمي ابن المديني بالتشيع ابن المديني ﵀ له موقف آخر في مسألة إظهار بعض الأشياء في بعض الأماكن لمصلحة معينة، فقد قال يحيى بن معين: كان علي بن المديني إذا قدم علينا أظهر السنة، وإذا ورد إلى البصرة أظهر التشيع. فهذه العبارة يجب معرفة معناها، وقد شرحها الذهبي حيث قال: كان يظهر ذلك بـ البصرة ليؤلفهم على حب علي ﵁، فإنهم عثمانية. أي: أهل البصرة كان فيهم بغضٌ لـ علي ﵁ تعصباً لـ عثمان. لما كان علي بن المديني يدخل البصرة يظهر التشيع، ما معنى التشيع؟ أي: نصرة علي، وإظهار فضله، وذكر مناقبه؛ لمعالجة انحراف أهل البصرة في كره علي والتعصب لـ عثمان، وقد كانت مدينة الكوفة معروفة بتشيعها، فكان ابن المديني إذا دخل الكوفة، لا يظهر التشيع؛ لأن أهلها لا يحتاجون إلى إظهار التشيع؛ لأنهم متعصبون لـ علي. إذاً: ما حصل منه ﵀ من التَّقِيَّة في مسألة خلق القرآن كان اضطراراً، وكما قال بعض المؤرخين وهو الصحيح: "أنه إنما أجاب خشية السيف".

стр. 3609

الرد على القول بأن الإمام أحمد لم يرو عن ابن المديني بعد المحنة وهناك -أيضاً- مطعن يطعنون في علي بن المديني ﵀، ينبغي الدفاع فيه عنه: يقولون: إن أحمد ﵀ ما روى عنه شيئاً بعد المحنة. فالجواب عن هذه القضية: أن المحنة رُفِعَت في أيام الخليفة المتوكل سنة: (٢٣٤ هـ)، وفيها توفي علي بن المديني، فكيف سيحمل أحمد عنه بعد المحنة وهو أصلاً توفي في هذه السنة؟! لكن لا يمنع أن أحمد ﵀ من أجل تعزيز موقف أهل السنة قد أفتى أو تكلم بعدم الرواية عمن أجاب في المحنة من باب تعزيز الموقف، ولكي يحمل الرواة والمحدثين والفقهاء والعلماء ويلقنهم درساً في القضية، ولكن أحمد ﵀ زميل علي بن المديني، وروى عنه، وكونه لم يرو عنه بعد المحنة؛ لأن علي بن المديني مات بعد ارتفاع المحنة مباشرةً، وستأتي أخبار بين أحمد بن حنبل ﵀ وعلي بن المديني بمشيئة الله تعالى. ودافع الذهبي ﵀ عن علي بن المديني دفاعاً قوياً لَمَّا أورد العقيلي في كتابه الضعفاء اسم علي بن المديني، وقال العقيلي: "جنح إلى ابن أبي دؤاد والجهمية -كذا يقول- وحديثه مستقيمٌ إن شاء الله". لا شك أن التعليق بالمشيئة يضعف العملية، ولذلك يقولون: (لا بأس به) أقوى مِن (لا بأس به إن شاء الله)، و (ثقة) أقوى مِن (ثقة إن شاء الله)، و (صدوق) أقوى مِن (صدوق إن شاء الله)؛ لأن تعليق الصيغة بالمشيئة يضعفها. فالآن العقيلي يزعم في كتابه الضعفاء أن علي بن المديني ضعيف. كتاب الضعفاء جَمَع فيه أسماء الضعفاء، فيأتي ويضع اسم علي بن المديني فيه؟! يقول الذهبي: وقد بدت منه هفوةٌ -أي: من علي بن المديني ﵀ ثم تاب منها، وهذا أبو عبد الله البخاري قد شحن صحيحه بحديث علي بن المديني، ولو تركت حديث علي، وصاحبه محمد، وشيخه عبد الرزاق، وعثمان بن أبي شيبة، وإبراهيم بن سعد، وعفان، وأبان العطار، وإسرائيل، وأزهر السمان، وبهز بن أسد، وثابت البناني، وجرير بن عبد الحميد لغلقنا الباب، وانقطع الخطاب، ولماتت الآثار، واستولت الزنادقة، ولخرج الدجال، أما لك عقلٌ يا عقيلي؟! - الذهبي يقول مناقشاً إيراد علي بن المديني في كتاب الضعفاء - يقول: أفما لك عقلٌ يا عقيلي؟! أتدري فيمن تتكلم؟ وإنما تبعناك في ذكر هذا النمط لنذب عنهم، ولنزيف ما قيل فيهم، كأنك لا تدري أن كل واحد من هؤلاء أوثق منك بطبقات، بل وأوثق من ثقات كثيرين لم توردهم في كتابك، فهذا مما لا يَغتاب فيه محدِّث، وأنا أشتهي أن تعرفني من هو الثقة الثبت الذي ما غلط، ولا انفرد لما لا يُتابَع عليه؟! ثم شرح الذهبي قضية انفراد الثقة، وقال ملخص الكلام: "الثقة إذا انفرد بما ليس عند غيره، هذا دليل على سعة علمه، وأنه سمع أشياء ما سمعوها، أما الصدوق الذي لا يصل إلى مرتبة الثقة إذا انفرد بما انفرد به غيره، كان ذلك شذوذاً". وهو يعبر عنه بالإنكار ﵀. ثم قال الذهبي: "فَزِنِ الأشياء بالعدل والورع، وأما علي بن المديني فإليه المنتهى في معرفة علل الحديث النبوي مع كمال المعرفة بنقد الرجال، وسعة الحفظ والتبحر في هذا الشأن، بل لعله فردُ زمانه في معناه، وقد أدرك حماد بن زيد، وصنَّف التصانيف وهو تلميذ يحيى بن سعيد القطان ". هذا قد ذكره الذهبي ﵀ في كتابه الميزان. إذاً: هذه خلاصة قضية علاقة علي بن المديني بموضوع محنة خلق القرآن، والجواب عن ذلك. ومن الذين أجابوا تُقْيَةً: يحيى بن معين. وأناس آخرين. أما الذي برز في المسألة فهو الإمام أحمد ﵀. والذين لم يجيبوا قلة يسيرة جداً، بعضهم مات في الحبس، وبعضهم مات تحت العذاب، وما بقي إلا أحمد ﵀، والبَقِيَّة كلهم كانوا قد أجابوا تُقْيَةً، أو أنهم تواروا واختفوا، وأما الذي ثبت وظهر فهو: الإمام أحمد ﵀، ولعل بعضهم قد اكتفى بموقف الإمام أحمد أنه قام بالحق وأعلنه والناس ينظرون إليه، فقالوا: لعله يسعنا نحن أن ننسحب ما دام أن واحداً هناك قام بالمهمة، ومع ذلك لا يُبَرَّءون، بل أخطئوا والله يغفر لهم.

стр. 3610

فقه الإمام علي بن المديني كان الإمام علي بن المديني ﵀ ليس محدثاً فقط -مع أنه من كبار رواة الحديث- ولا نقاداً للعلل فقط، وإنما كان فقيهاً أيضاً: كان النبي ﷺ يفتي بالوحي، والصحابة الكرام كانوا يفتون بأقواله ﵊، وإذا لم يجدوا نصاً في الكتاب وولا في السنة اجتهدوا آراءهم، والتابعون ساروا على منوال الصحابة، يعرضون الأمور على الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة، فإذا لم يجدوا اجتهدوا من عندهم. وفي عصر الأئمة المجتهدين: أبي حنيفة، ومالك، وأحمد، والشافعي، والأوزاعي، والثوري، تكونت المذاهب الفقهية، فكان بـ المدينة مدرسة، وبـ العراق مدرسة فقهية أخرى، وبـ الشام مدرسة كذلك، وكل واحدة من هذه المدارس كان لها مميزاتها وملامحها. أما بالنسبة لـ علي بن المديني ﵀ فلا شك أنه كان من العلماء الذين جمعوا في الحديث بين الدراية والرواية، أي: من ناحية الصحة والعلل، ومن جهة المعنى والفهم والفقه، ولذلك عندما تكلم بعض العلماء الذين يعرفون الحديث رواية ودراية، ذكروا علي بن المديني من رءوس هؤلاء، فهذا الحاكم النيسابوري في كتابه معرفة علوم الحديث، قال: "فأما فقهاء الإسلام أصحاب القياس والرأي والاستنباط والجدل والنظر، فمعروفون في كل عصر وفي كل بلد، ونحن ذاكرون بمشيئة الله في هذا الموضع فقه الحديث عن أهله ليُسْتَدل بذلك على أن أهل هذه الصنعة مَن تبحَّر فيها لا يجهل فقه الحديث، إذ هو نوعٌ من أنواع هذا العلم". ثم ذكر بعض أئمة الحديث المشهورين بالرواية والدراية، يروون الأحاديث ويفقهون معانيها ليسوا فقط نَقَلَةً، قال: منهم: - محمد بن مسلم الزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، وسفيان بن عيينة، وابن المبارك، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، رحمهم الله تعالى جميعاً، فذكر علياً منهم. قال الذهبي في كتابه تذكرة الحفَّاظ: لا تنظر إلى هؤلاء الحُفَّاظ النظر الشزر، ولا ترمقنهم بعين النقص، ولا تعتقد فيهم أنهم من جنس محدثي زماننا! حاشا وكلا، فما فيمن سميتُ أحداً -ولله الحمد- إلا وهو بصيرٌ بالدين، عالم بسبيل النجاة، وليس في كبار محدثي زماننا أحدٌ يبلغ رتبة أولئك في المعرفة -لأن الذهبي متأخر، في القرن الثامن- فإني أحسبك لفرط هواك تقول بلسان الحال إن أعوزك المقال: مَن أحمد؟! ومَن ابن المديني؟! وأي شيء أبو زرعة، وأبو داود؟! هؤلاء محدثون، ولا يدرون ما الفقه وما أصوله، ولا يفقهون الرأي ولا علم لهم بالبيان والمعاني والدقائق، ولا هم من فقهاء الملة -هذه كانت دعوى، ربما قالها بعضهم في عصر الذهبي، فقال الذهبي راداً على من يقول ذلك الكلام: فاسكت بحلمٍ، أو انطق بعلمٍ، فالعلم النافع هو ما جاء عن أمثال هؤلاء؛ ولكن نسبتك إلى أئمة الفقه كنسبة محدثي عصرنا إلى أئمة الحديث، فلا نحن، ولا أنت، وإنما يَعْرِف الفضل لأهل الفضل ذوو الفضل. وإذا كان الرجل الذي هو علي بن المديني ﵀، قد اطلع على فقه أبي حنيفة ومالك، وروى عنه وسمع روايات كثيرة عن مالك في الفقه، وكان صديقاً للشافعي، ومبجِّلاً لـ أحمد وصاحباً له، وتتلمذ على يحيى بن سعيد القطان، ووكيع بن الجراح، وعبد الرحمن بن مهدي، فكيف لا يكون رجلاً فقيهاً؟! ومن الأدلة على فقهه: أن كل أصحاب مذهبٍ حاولوا أن يدَّعوه إليه. فهذا العبَّادي الشافعي في طبقات الشافعية ذكر علي بن المديني في الطبقة الأولى من طبقات الشافعية. وكذلك الشيرازي قال: " علي بن المديني صاحبنا، وهو شافعي". وقال أبو يعلى الفراء الحنبلي: علي بن المديني حنبلي، صاحبنا، وهو ما وضعه في كتاب طبقات الحنابلة. وكذلك محمد بن محمد المخلوف المالكي اعتبر علي بن المديني في الطبقة السادسة من المالكية، قال: صاحبنا. إذاً الرجل كان فقيهاً، وحتى أن كل واحد من أصحاب المذاهب الذين ذكروا طبقات المذاهب يدَّعون أن علي بن المديني منهم، ويريدون أن يلصقوه بهم. والحقيقة: أن الرجل فيما يظهر كان مجتهداً، ليس متقيداً بمذهب معين، عنده أحاديث وأدلة كثيرة جداً، حافظ للقرآن، وعنده فهم كبير، ولا يحتاج إلى تقليد والحمد لله؛ ولذلك كان إماماً مجتهداً.

стр. 3611

ابن المديني كان مجتهداً لا مقلداً نُقِلَت عن ابن المديني أقوال يعرف من خلالها أنه كان غير متمسك بمذهب معين، ولا يتبع شيخاً أو إماماً معيناً.

стр. 3612

قول ابن المديني في مسألة السترة فمثلاً: حديث الخط في السترة، إذا لم يجد الإنسان عصا ولا شيئاً يغرسه، يخط خطاً، وقد ذهب علي بن المديني إلى الاحتجاج بحديث أبي هريرة أن النبي ﵊ قال: (إذا صلى أحدكم، فليجعل تلقاء وجهه شيئاً، فإن لم يجد فلينصب عصاهً، فإن لم يكن معه عصاًَ فليخط خطاً ولا يضره من مرَّ بين يديه) أي: إذا ما وجدت شيئاً تضعه، فخط خطاً، هذا الحديث مختلف في صحته. لكن أحمد بن حنبل يقول: حديث صحيح، وكذا علي بن المديني -كما يقول ابن عبد البر - يصحح الحديث ويحتج به. والأحناف يقولون: لا بد من شيء يغرز، أما الخط فإنه لا يرى من بُعد ولا يغني، مع أن ابن همام الحنفي خالف مذهبه ﵀ في هذه المسألة، وقال: السنة أولى بالاتباع. والمالكية قالوا ببطلان الخط وعدم ثبوته. والشافعي رأى في مذهبه الجديد عدم الأخذ بالخط، وذهب إلى تضعيف الحديث. فـ ابن المديني يرى بأن حديث الخط ثابت، ولذلك أخذ به ولم يتابع الشافعي، ولا مالكاً، ولا أبا حنيفة بل وافق قوله في هذه المسألة قول أحمد.

стр. 3613

قول ابن المديني في مسألة مس الذكر ومسألة مس الذكر ينقض الوضوء أم لا؟ هذه المسألة من المسائل الخلافية الكبيرة في الفقه الإسلامي، ولكل من الفريقين أدلة، فذهب بعضهم إلى حديث بسرة، وذهب بعضهم إلى حديث قيس بن طلق، وقالوا: هذا لا يُتَوَضَّأ منه لحديث: (إنما هو بضعة منك)، وأولئك قالوا: (من مس ذكره فليتوضأ) حديثان كل واحد يُفْهَم منهم شيء مخالف للآخر. حصل نقاش ظريف ولطيف ونادر بين علي بن المديني ويحيى بن معين بحضور أحمد بن حنبل، فيقول الحافظ رجاء بن مرجى: اجتمعنا في مسجد الخيف أنا، وأحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، فتناظروا في مس الذكر، قال يحيى بن معين: يُتَوَضَّأ منه، أي: من مس الذكر. وتقلد علي بن المديني قول الكوفيين، وقال به. وقول الكوفيين أنه لا يتوضأ من مس الذكر. واحتج ابن معين بحديث بسرة بنت صفوان الذي هو: (من مس ذكره، فليتوضأ). واحتج علي بن المديني بحديث قيس بن طلق، الذي هو: (إنما هو بضعةٌ منك) أي: هو جزء من جسدك، فلماذا تتوضأ؟ وقال علي بن المديني لـ يحيى -في المناظرة-: كيف تتقلد إسناد بسرة، ومروان بن الحكم أرسل شرطياً حتى رد جوابها إليه، أي: الناقل بين بسرة وبين مروان شرطي، فكيف تقبل هذا السند؟ فقال يحيى بن معين -رداً على هذا الإيراد-: ثم لم يُقْنِع ذلك عروة حتى أتى بسرة -أي: بنفسه عروة بن الزبير ثقة لا شك- حتى أتى بسرة وسألها وشافهته بالحديث، فإذا لم يقنعوا بطريق الشرطي، فهذا طريق عروة عن بسرة. ثم انتقل يحيى بن معين إلى الهجوم -الآن- فقال: ولقد أكثر الناس في قيس بن طلق، وأنه لا يُحتج بحديثه، أي: وأما أنت يا علي بن المديني! حديثك -حديث قيس بن طلق - هو الذي فيه المشكلة. قال أحمد بن حنبل ﵀ متدخلاً في النقاش: كلا الأمرين على ما قلتما -أي: كل واحد منكما له حظ من النظر والدليل، كأنه قال أي: كلاكما مصيب، كلاكما كلامه وقوله له دليل، فقال يحيى بن معين -متابعاً للنقاش، ناصراً قوله في أن من مس ذكره فليتوضأ- قال يحيى: عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر: [يُتَوَضَّأ من مس الذكر] الآن انتقل، قرأ الأحاديث المرفوعة، وانتقل إلى قول الصحابة. فقال علي بن المديني: كان ابن مسعود يقول: [لا يُتَوَضَّأ منه، وإنما هو بضعةٌ من جسدك] أي: أن ابن مسعود أفقه من ابن عمر وأعلم، أنت تقول عن ابن عمر، وهذا ابن مسعود يقول: إنه لا يُتَوَضَّأ. فقال يحيى: هذا عَن مَن؟ أي: حديث ابن مسعود مَن الذي رواه؟ فقال: عن سفيان، عن أبي قيس، عن هزيل، عن عبد الله بن مسعود، وإذا اجتمع ابن مسعود وابن عمر واختلفا، فإن ابن مسعود أولى أن يُتَبَّع؛ لأنه أكبر وأفقه. هنا تدخل أحمد بن حنبل فقال: نعم. ولكن أبا قيس الأودي لا يُحْتَجُّ بحديثه؛ لأن أبا قيس الأودي في إسناد الحديث الذي أورده ابن المديني، عن ابن مسعود، كأنه يقول: يا علي بن المديني! إسنادك الذي سقته عن ابن مسعود فيه أبو قيس الأودي لا يُحْتَجُّ بحديثه. فقال علي: حدثنا أبو نعيم، حدثنا مسعر، عن عمير بن سعيد، عن عمار، قال: [لا أبالي مسسته، أو أنفي] أي: أنا عندي هذا والأنف سواء، فأتى له بإسناد آخر، ابن المديني دائرة معلوماته واسعة، فقال: طعنتَ في إسناد ابن مسعود من جهة أبي قيس الأودي! خذ هذا شيء عن عمار. فتدخل يحيى بن معين، قال: بين عمير بن سعيد وعمار بن ياسر مفازة -كأنه قال: فيه انقطاع بين عمير بن سعيد -الذي ذكرته الآن في السند- وبين عمار بن ياسر. فتدخل أحمد، وقال: عمار وابن عمر استويا، فمن شاء أخذ بهذا، ومن شاء أخذ بهذا، فـ أحمد بن حنبل ﵀ أنهى النقاش على أن كلا القولين لكل واحد من الفريقين أن يأخذ بما رآه، فلا هذا ولا ذاك ولا هذا القول باطل، المسألة خلافية قوية، وكلٌ قول له أدلة. وقد ذهب شيخ الإسلام ﵀ وغيره من أهل العلم إلى التوسط بين القولين، فقال: إن مسه بشهوة أعاد الوضوء، وإن مسه بغير شهوة لا يعيد الوضوء؛ لأن حديث: (إنما هو بضعةٌ منك) يدل على ذلك -أي: أنه هو والأنف سواء، هذا يدل في حالة إذا مسه بغير شهوة، متى يكون الذكر وأي جزء من جسد الإنسان سواء في المس؟ إذا كان هناك شهوة؛ لأنه لا يحس بشهوة إذا مس أنفه، أو يده، أو رجله، فإذا مس بشهوة أعاد الوضوء، وإذا مسه بغير شهوة فلا يعيد الوضوء، ولعل هذا القول أرجح الأقوال وأعدلها، والله أعلم. لكن هذه مناظرة من المناظرات التي تثبت كيف كان العلماء يتناقشون، وهي من النوادر التي ينبغي النظر فيها، وما خسروا بعضاً من أجل نقاش، ولا صار بينهم منازعة ومقاطعة من أجل النقاش، كل إنسان يورد الإيرادات وبالأدب. فالمهم أن علي بن المديني ﵀ لم يكن متقيداً بمذهب معين من المذاهب المعروفة، وإنما يأخذ بما ترجح لديه وما أداه إليه اجتهاده بناءً على الدليل الصحيح. وقال علي بن المديني: "إن الذي يُفتي في كل ما يُسأل عنه لأحمق"، أي: هناك أشياء تخفى.

стр. 3614

بداية نشأة ابن المديني العلمية بالنسبة لمسيرة الإمام علي بن المديني ﵀ العلمية، فقد سبق أن ذكرنا أنه بدأ منذ الصغر بطلب العلم، وحفظ القرآن، وانتقل في صباه إلى علم الحديث وتقييده، انضم في مجالس العلماء. وكانت بداية علي بن المديني في العلم مبكرة للغاية.

стр. 3615

تقييد ابن المديني للحديث وعلومه قال ابن المديني عن بداية تقييده للحديث وعلومه: مرَّ بنا الجمَّاز ونحن في مجلس للحديث، فقال: يا صبيان -كان علي بن المديني يلعب مع الصبيان في صغره -أنتم لا تحسنون أن تكتبوا الحديث، كيف تكتبون أُسَيْداً وأَسِيْداً وأُسَيِّداً؟ -هذه كلها من أسماء الرواة، أَسِيْد، وأُسَيْد، وأُسَيِّد، كيف تكتبون هذا وهذا وهذا؟ قال ابن المديني: فكان ذلك أول ما عرفت التقييد وأخذت فيه، لَفَتَت نظره هذه الملاحظة، وبدأ يهتم بالتقييد والشكل والتفريق في نطق الكلمات المتماثلة كتابةً، والمختلفة لفظاً ونطقاً، فبدأ تمييزه منذ صغره في قضية الدقة. فالرجل منذ الصبا كان مهتماً بدقائق الأشياء، وهذا كان له شأن عظيم في المستقبل. وهنا يجب أن نلتفت إلى هذه القضية، وهي: أن إلقاء الملاحظة على الصغير مع بساطتها، أو عدم الاهتمام بها قد تكون لها آثاراً كبيرة عليه في المستقبل، فربما يندفع الإنسان لحفظ القرآن، أو طلب العلم الشرعي، أو إلى شيء من الخير بفعل ملاحظة، وأحياناً تكون بدون قصد، يبديها أحد الأشخاص له، لكنها تقر في نفس الصبي وترسخ فيه، ويكون لها أبعاداً في نفسه، فتنفتح له بها آفاق ومجالات. إذاً: يجب عدم التواني في توجيه الصغار، وكذلك ألَّا يستحقر الإنسان الملاحظة أو التنبيه؛ لأنه قد يكون هذا هو الدافع لأن يكون هذا الولد من العلماء في المستقبل. وكذلك قد يكون تنبيهاً على جانب مُهْمَل في حياته، فيبدأ بالاهتمام به. وكذلك كان ابن المديني ﵀ له تمييز وذكاء مبكر، فقال إبراهيم بن عثمان بن أبي شيبة: سمعت علي بن المديني يقول: جلست إلى عبد الله بن خراش وأنا حدث، فسمعته يقول: حدثنا العوام، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن علي، أن النبي ﷺ نصب المنجنيق على أهل الطائف، فعلمتُ أنه كذاب -هذا وهو حدث، في نقد الكلام- لكن جده شهاب بن خراش ثقة مأمون. فلما جلس إليه اكتشف كذبه وكان عمره لم يتجاوز العاشرة تقريباً. استمر علي بن المديني في الدراسة في الكتَّاب إلى السنة الرابعة عشرة من عمره تقريباً، ولذلك يقول علي بن المديني عن نفسه: مات أبو عوانة وأنا في الكتَّاب، والمعروف أن أبا عوانة قد توفي سنة: (١٧٦) أو (١٧٥هـ) فإذا طرحنا هذا من سنة ولادة علي بن المديني، يكون في ذلك الوقت عمره تقريباً أربعة عشر عاماً.

стр. 3616

تلقي ابن المديني للعلم وأما تلقيه للعلم وطلبه للحديث، فقد بدأ تقريباً وهو في الخامسة عشرة من عمره، وذلك أنه روى عن أبيه الذي توفي سنة: (١٧٨هـ) وعن غيره، ولما لاحظ شيخه سفيان بن عيينة بفراسته رغبة ابن المديني الشديدة في العلم والتحصيل، قال له مودعاً له: أما إنك ستُبْلَى بهذا الأمر، وأن الناس سيحتاجون إليك، فاتقِ الله ولتُحْسِن نيتك فيه. وهذه فائدة مهمة: إذا رأى المدرس من طالبٍ نبوغاً، وأدرك بفراسته أن هذا الطالب سيكون له شأن في المستقبل، فعليه أن يوصيه؟ لا يمكن إهمال الطالب النابغة أو الذكي، أو المجد الذي يُتَوَقع أن يكون له شأنه في المستقبل، يوصيه كما أوصى سفيان علي بن المديني. إذاً: الوصية بتقوى الله وحسن النية في الطلب، رأى طالباً مُجِداً حافظاً مهتماً، عرف أن هذا سيكون له شأن، فأوصاه بتقوى الله، وإحسان النية في طلب العلم، وإلا فإن هذا الطالب ربما قد يكون في المستقبل من أئمة السوء والضلالة، وهناك من الحفاظ ومن الناس الذين عندهم فقه وفهم عندما ساءت نيتهم ودخل عليهم الهوى أضلوا عباداً كثيراً: (إن أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلين). وقد صدقت فراسة سفيان ﵀ في تلميذه علي بن المديني، فعندما كبر ﵀ احتاج الناس إليه، وأثنى العلماء على علي بن المديني ﵀ في قوة حفظه، وعدُّوه من الأئمة الحفَّاظ، كـ أبي يعلى الفراء، وابن عساكر، والذهبي، وابن رجب الحنبلي، وابن العماد، وجمال الدين يوسف بن تغري بردي، والخزرجي، كلهم وصفوا علي بن المديني ﵀ بأنه إمام حافظ. وقال الإمام أحمد ﵀: كان علي بن المديني أحفظنا للطوال. وقال ابن أبي حاتم: سمعت محمد بن مسلم بن وارة عندما سئل عن علي بن المديني ويحيى بن معين: أيهما كان أحفظ؟ قال: علي كان أسرد وأتقن. ويحيى أفهم لصحة الحديث وسقيمه. وأجمعهم: أبو عبد الله أحمد بن حنبل. وقال ابن أبي حاتم أيضاً: سألت أبي ﵀ عن أحمد بن حنبل وعلي بن المديني: أيهما كان أحفظ؟ قال: كانا في الحفظ متقاربين، وكان أحمد أفقه، وكان علي أفهم بالحديث. وعلي بن المديني ﵀ كانت له في طلب العلم رحلات ولقاءات بالمشايخ، وكان له حرصٌ ومثابرةٌ على طلب العلم، وتقدمت الإشارة إلى أن ابن المديني غاب عن البصرة في طلب العلم إلى اليمن ثلاث سنوات، ولا شك أنه قد واجه فيها صعوبات؛ لأن اليمن في ذلك الوقت لم تكن بلاد كسب ولا تجارة، ولذلك لما ودع عبد الرزاق أحمد بن حنبل عندما جاء يطلب العلم عنده في اليمن والرواية في الحديث، قال له وقد عرض عليه شيئاً من المال: خذ هذا الشيء فانتفع به، فإن أرضنا ليست بأرض متجرٍ ولا مكسبٍ، فـ علي بن المديني ذهب إلى اليمن، ومعنى ذلك أنه واجه صعاباً ومشاقَّاً، وكان إذا دخل بلداً، كعادة العلماء يطوف على شيوخها واحداً واحداً يغترف مما عندهم ولا يترك أحداً. ولما كان في يوم النفير من مزدلفة -لما قدم مكة للحج- إلى منى، كان ملازماً لشيخه الوليد بن مسلم - والوليد بن مسلم شيخ أهل الشام ومحدث الديار الشامية في ذلك الوقت- ملازماً للوليد بن مسلم في مسجد منى، مع أن الزحام عليه كثير، يأخذون عنه العلم وينتظرون فرصة في الموسم، ومع ذلك كان علي بن المديني ملازماً له، حتى قال في شغفه في طلب الحديث: يحملني حبي لهذا الحديث أن أحج حجةً، فأسمع من محمد بن الحسن. وكان يقول: ربما أذكر الحديث في الليل، فآمر الجارية أن تسرج السراج، فأنظر في الحديث- إسراج السراج كان شَغْلَة، ليس مثل مفتاح النور الآن، ومع ذلك كانوا يفعلونه مرات كثيرة، البخاري ﵀ ربما فعله في الليلة الواحدة عشرين مرة، كلما تذكر فائدة قام لكتابتها، يضع خده على الوسادة، فيتذكر الفائدة، فيقوم ويشعل السراج ويكتب، عشرين مرة في الليلة.

стр. 3617

اعتناء ابن المديني بحديث الأعمش لما قدم ابن المديني الكوفة من عند جرير بن عبد الحميد، جعل يُعْنَى في الكوفة بحديث الأعمش -أي حديث فيه الأعمش يطلبه ابن المديني ويكتبه- فتتبع الحديث من أصحاب الأعمش وعلى رأسهم أبو معاوية محمد بن خازن السعدي، وقدم البصرة ولقي عبد الرحمن بن مهدي ﵀، ويحيى بن سعيد القطان قرينان تعاصرا وعاشا معاً، وكانا من كبار العلماء، وتخرج علي بن المديني على أيديهم. أخبر علي بن المديني عبد الرحمن بن مهدي، أنه يحرص على حديث الأعمش وأنه قد جمعه وكتبه، وأنه لا يزال يبحث في حديث الأعمش. فقال عبد الرحمن بن مهدي لـ علي بن المديني: اكتب ما ليس عندك. قال: فأملى عليَّ ثلاثين حديثاً من أحاديث الأعمش لم أسمع شيئاً منها، قال علي: فجعلت أتعجب من فمهمه -من أي شيء تعجب علي؟ كيف علم أنه لا يعرف الأحاديث الثلاثين؟! - قال: فجعلت أتعجب من فهمه بما ليس عندي -لأنه مجرد أن لقي علي بن المديني عبد الرحمن بن مهدي، قال: أنا حريص على جمع حديث الأعمش، وجمعت منه، قال: اكتب، اكتب، اكتب، اكتب، هذه ثلاثون حديثاً ما عندك منها شيء. قال علي: فجعلت أتعجب من فهمه بما ليس عندي. هؤلاء عباقرة، عبد الرحمن بن مهدي يعرف إلى من ذهب علي بن المديني، ذهب إلى البلد الفلانية، إذاً: لقي فلاناً وفلاناً وفلاناًَ، وعبد الرحمن بن مهدي كان قد طاف الأرض قبله، فيعرف أن الأحاديث التي سيقولها -الآن- ليست من الأحاديث التي أخذها من البلد، هو أتى بها من بعيد من قبل، فكل واحد كان يفهم ماذا عند الآخر من هؤلاء الكبار. وقال إبراهيم بن منذر: قدمت البصرة، فجاءني علي بن المديني، فقال: أول شيء أطلب: أَخْرِجْ إليَّ حديثَ الوليد بن مسلم. فقلت: يا سبحان الله! وأين سماعي من سماعك؟ إبراهيم بن منذر تواضعاً منه يقول: تريدني أن أحدثك بحديث الوليد بن مسلم وأنت يا علي بن المديني أخذت من الوليد بن مسلم وسمعته، لقيته في الحج وجلستَ عنده ورحلتَ إلى الشام، وتريدني أن أحدثك بحديث الوليد بن مسلم، وأين سماعي من سماعك؟ أنت أتقن وأجود وأضبط، فجعل يأبى ويلح. فقلت له: أخبرني بإلحاحك ما هو؟ قال: أخبرك! الوليد رجل الشام -أي: عالم أهل الشام - وعنده علم كثير، ولم أستمكن منه -ما استطعت أن أحصر روايات الوليد بن مسلم - وقد حدثكم بـ المدينة -في المواسم، وأنت يا إبراهيم بن منذر مدني، لابد أن الوليد عندما جاءكم حدثكم بأحاديث، أنا تبعت الوليد بن مسلم إلى منى، وتبعته في الشام، لكن الرجل موسوعة، وعنده روايات كثيرة جداً، ولكني لم أحصل على روايات ابن مسلم كلها، فأنا أرى أن أسمع منك -قال: وقد حدثكم بـ المدينة فتقع عندكم الفوائد؛ لأن الحجاج يجتمعون بـ المدينة من آفاقٍ شتى- قال: فأخرجت إليه، فتعجب من فوائده، وكاد أن يكتب على الوجه -أي: على الإسناد، عن إبراهيم بن منذر عن الوليد بن مسلم.

стр. 3618

عناية ابن المديني بجمع الحديث من عدة طرق ومن دقة علي بن المديني ﵀ وجمعه للعلم أيضاً: أنه كان يُعنى بجمع الحديث بالطرق المختلفة عن الشيخ الواحد يبحث عن طريق هذا الشيخ، من هنا ومن هنا ومن هنا، يبحث عن كثرة الطرق، فقال: كتبتُ عبد الوارث، عن عبد الصمد وأنا أشتهي أن أكتبها عن أبي معمر. أي: قال: أنا أريد أن أجمع حديث عبد الوارث - عبد الوارث بن سعيد التنوري التميمي من مشاهير الرواة- قال علي بن المديني: أنا سمعت أحاديث عبد الوارث من ابنه عبد الصمد، لكني أشتهي أن أسمع أحاديث عبد الوارث من غير ابنه، من طريق أبي معمر عن عبد الوارث، مع أن علي بن المديني لقي عبد الوارث مباشرةً وسمع منه، فهو سمع منه مباشرة، وسمع منه بواسطة ابنه عبد الصمد، وسمع منه بواسطة تلميذه أبي معمر، وأبو معمر كان راوية عبد الوارث، وأتقن لحديثه من ابنه. فالآن هذا علي بن المديني يجمع حديث عبد الوارث من طريق ابنه عبد الصمد، ومن طريق أبي معمر، وقد سمع منه مباشرة، ويجمع حديث الأعمش من هذا ومن هذا، ومن طريق عبد الرحمن بن مهدي، ومن طريق أبي معاوية، ومن طريق كذا، لماذا؟ حتى تُدْرَك العلل؛ لأنه إذا اتفقت الطرق عن الشيخ بنفس اللفظة، عرفت أن هذا ثابتٌ عنه، وإذا اضطربَتْ، ولاحظتَ الموازنة، ولاحظتَ الفروق، ولذلك ما كانوا يسمعون الحديث من طريق واحد، بل كانوا يسمعونه من طرق عديدة. ولذلك يقول يحيى بن سعيد القطان لـ علي بن المديني: ويحك يا علي! إني أراك تَتَتَبَّع الحديث تتبعاً لا أحسبك تموت حتى تُبْتَلى. وكان له مراسلات بينه وبين علماء عصره كـ أحمد ﵀، قال عندما أراد أن يسمع من الواقدي، وكان قاضي بغداد، كان علي بن المديني متروياً في ذلك، ولذلك كتب إلى أحمد يستشيره: هل أسمع من الواقدي أم لا؟ فكتب إليه أحمد يقول: كيف تستحل أن تكتب من رجل روى عن معمر حديث نبهان، وهذا حديث يونس تفرد به، ومعروف أن الواقدي متروك، مع سعة علمه بالمغازي والتاريخ والمرويات، لكنه متروك. والمراسلات بين العلماء سنة ماضية ومتبعة، يستفيد بعضهم من بعض.

стр. 3619

السلف ورحلتهم في طلب العلم الرحلة في طلب العلم سنة متبعة، ومِن أول مَن سافر لطلب العلم: الصحابة رضوان الله عليهم، وقد رحلوا من الأمصار المختلفة، والقبائل المختلفة إلى النبي ﷺ . والصحابي الجليل أبو أيوب الأنصاري ﵀ ورضي عنه رحل من المدينة إلى عقبة بن عامر بـ مصر يسأله عن حديث سمعه من النبي ﷺ ، فلما جاء إلى منزل مسلمة بن مخلد الأنصاري -أمير مصر - عانقه، وبعث معه من يدله على منزل عقبة، فلما لقيه، قال له: [حدثنا ما سمعته من رسول الله ﷺ في ستر المسلم، لم يبق أحدٌ سمعه غيري وغيرك] فلما حدثه ركب أبو أيوب راحلته راجعاً إلى المدينة، وما حل رحله، وما أدركته جائزة مسلمة الأمير إلا بعريش مصر. وقد خشي أبو أيوب أنه قد نسي شيئاً من الحديث، فرحل شهراً كاملاً من الحجاز إلى مصر يقطع المفاوز لأجل هذا الحديث. وكذلك فإن جابر بن عبد الله ﵁ رحل إلى عبد الله بن أنيس في الشام شهراً كاملاً ليحمل عنه حديثاً واحداً لم يكن جابر قد سمعه من النبي ﵊، وهو حديث: (يحشر الناس يوم القيامة عراةً غرلاً بهماً). هذه همة الصحابة في حديث واحد، يسافر لأجل حديث واحد. اتسعت الرحلة بعد ذلك في جيل التابعين؛ نظراً لأن الصحابة قد تفرقوا في الأمصار واستقروا بها، فذهب التابعون وراءهم يسافرون لطلب العلم. قال سعيد بن المسيب رأس التابعين ﵀: [إن كنت لأسير في طلب الحديث الواحد مسيرة الليالي والأيام]. ورحل الحسن البصري من البصرة إلى الكوفة لمقابلة كعب بن عجرة ﵁ ليسأله عن مسألة. وكذلك رحل غيرهم. وقال الشعبي: لو أن رجلاً سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن، فحفظ كلمة تنفعه فيما يستقبله من عمره، رأيت أن سفره لا يضيع. ورحل شعبة بن الحجاج ﵀ للبحث في أصل حديث واحد من الكوفة إلى مكة، ومن مكة إلى المدينة، ومن المدينة إلى البصرة؛ لأجل حديث واحد؛ ليعرف أصل هذا الحديث مِن أين خرج، ومَن الشيخ الذي حدث به حتى يصل إلى أعلى شيخ يمكن الوصول إليه؛ ليتأكد من صحة حديث واحد. في القرن الثاني والثالث الهجري اتسعت دائرة الرحلة في طلب الحديث، وأدرك العلماء والمحدثون أهمية الرحلة وأثرها البعيد في حفظ السنة. عندما سئل الإمام أحمد ﵀ عن طالب العلم: هل يلزم رجلاً عنده علم فيكتب عنه، أو يرحل إلى المواضع التي فيها العلم، فيسمع منهم؟ فقال: يرحل، يكتب عن الكوفيين والبصريين وأهل المدينة ومكة، يشام الناس ويسمع حدثيهم. أي: يتطلع ويترقب ويختبر الناس ويسمع منهم. وقال يحيى بن معين: أربعة لا تؤنِس منهم رشداً: ١ - حارس الدرب. ٢ - مُنادي القاضي. ٣ - ابن المحدث. ٤ - رجل يكتب في بلده، ولا يرحل في طلب الحديث. كأنه يقول: هؤلاء لا ترجو منهم شيئاً. ورجل يكتب في بلده، ولا يرحل في طلب الحديث؛ لأنه إذا لَمْ يرحل، فإنه لا يُحصِّل إلا ما في بلده، فتكون دائرة معلوماته ضيقة. وعلي بن المديني ﵀ سار على هذا النهج مقتفياً أثر الصحابة والتابعين، مصابراً ومتعلماً منهم كما قال الشعبي لما سئل: من أين لك هذا العلم كله؟ قال: بنفي الاعتماد، والسير في البلاد، وصبرٍ كصبر الجماد، وبكورٍ كبور الغراب. فجمع الشعبي ﵀ العلم بهذه الصفات التي سار بها في البلدان. فاليوم بعد جمع الحديث وكتابته وتدوينه في الكتب، صارت الرحلة في طلب الحديث لم تعد لها تلك الأهمية السابقة؛ لأن الأحاديث قد دونت وطبعت ووجدت في الكتب، فالآن إذا أردت الحديث، ما عليك إلا أن تفتح الكتاب، في السابق لم تصنف الكتب بعد ولم تكتمل، فكانوا يرحلون إلى الرواة والأشياخ، في الأمصار والمدن المختلفة يجمعون الحديث، ولما جمعوه وصنفت الكتب، لم تعد هناك فائدة تكاد تكون مهمة في مسألة الرحلة والسفر في طلب الحديث، لكن بقيت الرحلة والسفر في طلب العلم عموماً، فإنه يوجد في بلد ما لا يوجد في بلد أخرى من أهل العلم، فربما ترحل إلى المدينة، وترى من أهل العلم ممن فيها مما لا يوجد في مكة، وفي مكة تجد ما لا يوجد مثلاً: في القصيم، وفي القصيم تجد ما لا يوجد في الرياض، وفي الرياض تجد كذا. وإذا رحل إلى الهند والشام ومصر واليمن ربما يتعرف على علماء لا يوجد لهم مثيل في بقية البلدان. فالآن الرحلة في طلب الحديث تكاد تكون قد انقطعت وانتهت بتصنيف الكتب وجمعها. بقيت الرحلة في طلب العلم عموماً والمسائل والأخذ عن الأشياخ والدراسة، وقد يوجد شيخ متقن للفرائض في بلد، وشيخ متقن للغة في بلد، وشيخ متقن للفقه في بلد وهكذا. ثم إن لقاء أهل العلم فيه فوائد: في الأدب وتعلمه في الزهد والورع، وربما يتعرف الإنسان على أصناف من المشايخ، أو الذين يلقاهم في رحلات مختلفة، يتعرف عليهم بحيث أنه يكمل شخصيته مِمَّا يعاشر من هذا وهذا وهذا. رحل علي بن المديني ﵀ في طلب العلم إلى مدن العراق المختلفة التي كانت معروفة بلواء العلماء في ذلك الوقت، فلا شك أنه في البداية أخذ العلم عن علماء بلده كالطريقة المعتادة. أولاً: يأخذ العلم عن علماء بلده، ثم يرحل وإذا انتهى من علماء البلد رحل.

стр. 3620

ابن المديني ورحلته في طلب العلم سمع ابن المديني العلم عن أبيه في بلده، وحماد بن زيد، ولازم الشيوخ الكبار في البصرة كـ يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وكان: يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي، وحماد بن زيد رءوس الناس في البصرة في ذلك الوقت، وكان عبد الرحمن بن مهدي ﵀ من أجل العلماء، ولعلنا نتحدث في درس مستقل عن سيرة عبد الرحمن بن مهدي العالم الجليل. ورحل علي بن المديني ﵀ إلى الكوفة، وسمع فيها، وكتب عن أبي نعيم الفضل بن دكين، ووكيع بن الجراح، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، ويحيى بن آدم، وغيرهم. ورحل إلى بغداد أيضاً، وكانت حاضرة العلم ومقصد العلماء، وكتب فيها عن عدد من أهل العلم، مثل: أبي عبيد القاسم بن سلام، وهو إمام جليل، وسيرته سيرة مهمة، وكذلك: إسماعيل بن إبراهيم بن علية، والحكم بن موسى وطبقته. وقال عثمان بن سعيد الدارمي: قدم علي بن المديني بغداد، فحدثه الحكم بن موسى بحديث أبي قتادة: (إن أسوأ الناس سرقةً الذي يسرق في صلاته) فقال له علي: لو غيرك حدث به، كنا نصنع به -أي: لولا أنك ثقة، لو غيرك حدث بهذا المتن المستغرَب، لكنا صنعنا به أشياء، لكن أنت الحكم بن موسى ثقة، لا نستطيع أن نقول فيك شيئاً- ولأن الحديث هذا تفرد به الحكم ولم لم يروه غيره. وكذلك فإن علي بن المديني ﵀ قد أخذ العلم عن مشايخ واسط لما قدم إليها، ومنهم: هشيم بن بشير الواسطي، وحسين بن نمير الواسطي، وقال عن نفسه: أتيت علي بن عاصم بـ واسط، فنظرت في أثلاث كثيرة -جمع ثلث وهو: الجزء، الأجزاء الحديثية- فأخرجت منها قدر مائتي طرف. طرف الحديث: هو الجزء من المتن الدال على بقيته، هذا هو الطرف، عندما نقول: أطراف الحديث، أي: أول المتن، فمثلاً إذا قلنا: حديث: (كلكم راعٍ) هاتان الكلمتان: هذا طرف، طرف الحديث، (كلكم راعٍ) هذا الطرف تستدل به على الطرف الآخر، إذا قال لك أحد: اسرد علينا حديث: (كلكم راعٍ) فإن هذه معروفة، فبقية المتن معروفة، فهذا الطرف هو الجزء من المتن الدال على بقية المتن، وهناك كتب رتبت الأحاديث على الأطراف، مثل: كتاب المزي ﵀: تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف. ثم رحل رحمه الله تعالى كذلك إلى مكة، وكتب عن سفيان بن عيينة، وجرير بن عبد الحميد، والوليد بن مسلم. وكذلك فإنه رحل إلى مكة مرةً بصحبة أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، ومرةً عزم على الرحلة إلى مكة، فتمنى أحمد بن حنبل أن يصحبه، لكنه ترك الصحبة، خشية أن يحدث ملل بينهما في السفر، فحفاظاً على جو الأخوة لم يصحبة في هذه السفرة، ولكن في سفرة أخرى يبدو أنهما قد صحب بعضهما بعضاً ومعهما يحيى بن معين. وأيضاً ذهب رحمنه الله تعالى إلى المدينة، وسمع فيها من خلق كثير، وقال علي بن المديني: سمعت معن بن عيسى يقول: مخرمة سمع من أبيه. وعرض عليه ربيعة أشياء من رأي سليمان بن يسار، قال علي: ولا أظن مخرمة سمع من أبيه كتاب سليمان، لعله سمع الشيء اليسير، ولم أجد بـ المدينة من يخبرني عن مخرمة بن بكير أنه كان يقول في شيء عن حديثه: سمعت أبي، فذهب إلى المدينة ليتحرى من قضية سماع مخرمة بن بكير من أبيه، وفعلاً هذا الذي تبين له، ما رأى أحداً من الرواة في المدينة يقول: مخرمة بن بكير عن أبيه أبداً. ورحل إلى اليمن، وأخذ فيها عن شيخ اليمن: عبد الرزاق بن همام الصنعاني، وهشام بن يوسف الصنعاني، وهذه الرحلة كانت قبل المائتين للهجرة؛ لأن شيخه يحيى بن سعيد القطان كان موجوداً وقت هذه الرحلة، ويحيى بن سعيد القطان هو الذي كان يزور أم علي بن المديني، ويطمئنها ويسليها، ويحثها على الصبر على فراق ولدها، ويبين لها فضل الرحلة في طلب العلم، وكانت أم علي بن المديني ترتاح غاية الراحة لكلام يحيى بن سعيد القطان وهو يصبرها على فراق ولدها الذي ذهب في طلب العلم. وهكذا أهل العلم وطلبة العلم يسد بعضهم ثغرة بعض، ويساعد بعضهم بعضاً. وربما رحل الواحد وأوصى الآخر على أهله، يتفقدهم، ويأتيهم بما يحتاجون إليه، هذه أخلاقهم هكذا ينبغي أن تكون الأخلاق، إذا رحل الواحد، قام الثاني على أهله وهكذا يتناوبون. ورحم الله من خلف طالب علم في أهله. رحلوا ولم تكن الطرق معبدة ولا سيارات ولا طائرات. بل كانت المركب هي: الجمال. بل ربما ذهب بعضهم مشياً على الأقدام. وبعضهم قد افترسته الذئاب. وبعضهم خرج عليهم قطاع الطرق، فقتلوهم. وبعضهم وقع في أسر العدو. وبعضهم خرج عليهم لصوص فأخذوا ما معهم من متاع وسلبوهم أموالهم. وبعضهم مات من الجوع في الرحلة في طلب الحديث. وبعضهم اضطر لأن يشرب بوله. وبعضهم أكل أوراق الشجر. وبعضهم أكل من سلحفاة، مشى على شاطئ البحر يلتمس شيئاً، فما وجد إلا سلحفاة، فأخرج غطاءها وأكله، فسألوه عن مذاقه، فقال: مثل صفار البيض. وعانوا من برد الليل وقيظ النهار. كل ذلك في سبيل جمع حديث النبي ﷺ . وانقطعت ببعضهم النفقة في السفر، وربما تعطل في بلد ينتظر فرج ربه، كما حصل لأربعة من أهل الحديث، ومنهم: الإمام ابن خزيمة رحمه الله تعالى، لما انقطعت بهم النفقة في السفر حتى أنهم ما صار عندهم شيء يوارون به عوراتهم، حتى لجئوا إلى الله بالدعاء، حتى أن بعضهم في النهاية اتفقوا على أن يخرج واحد منهم لسؤال الناس، يبحث عن حل، حتى أن السهم خرج على ابن خزيمة ﵀، فقام يصلي ويدعو ربه ويناشده، حتى جاء إنسان وطرق الباب، وأخبر أنه غلام السلطان، وقال: إن الأمير -أمير البلد- رأى في الليل في منامه أن النبي ﷺ يقول له: إن أربعة من المحمدين من العلماء نزلوا ببلدك فقراء وأنت لا تدري عنهم، وطبعاً منهم: الإمام ابن خزيمة ﵀، وأرسل إليهم بالنفقة، فكان من كرامة الله تعالى لهم، فكفى الله ابن خزيمة السؤال، وكفاهم الفقر وقطْع النفقة، فأرسل إليهم بأموال، فخرجوا من البلد معززين مكرمين بعد أن صبروا على مرارة الفقر. ورحل علي بن المديني ﵀ كذلك إلى الري -وهي من أهم المراكز العلمية في بلاد المشرق- وكتب فيها عن جرير بن عبد الحميد الرازي. وكذلك رحل إلى همذان، وكتب فيها عن أصرم بن حوشب قاضي همذان، وقال: كتبت عنه بـ همذان وضربت على حديثه. بعدما كتب وجمع حديث هذا الرجل، شطب على الأحاديث كلها؛ لأنه اتضح له بعد ذلك ما يوجب ترك حديث هذا الرجل؛ لأنه غير ثقة.

стр. 3621

أقوال العلماء في ابن المديني علي بن المديني ﵀ -كما قلنا-: هو إمامٌ في الحديث، وناقدٌ للرجال، وقد أجمعوا على جلالته وإمامته وبراعته في هذا الشأن وتقدمه على غيره، وهو من الذين استحقوا لقب أمير المؤمنين في الحديث. وقال الذهبي في ترجمة علي بن المديني: الشيخ الإمام الحجة أمير المؤمنين في الحديث. وقال ابن كثير ﵀: إن أول من تصدى للكلام في الرواة: شعبة بن الحجاج، وتبعه: يحيى بن سعيد القطان، ثم تلامذته: أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، وعمرو بن فلاس، وغيرهم. إذاً: علي بن المديني مِن أي جيل مِن الذين تكلموا في الجرح والتعديل؟ من الجيل الثالث؛ لأن أول من بدأ بالكلام في الرواة والبحث فيهم هو: شعبة، ثم جاء بعده: يحيى بن سعيد القطان، ثم جاء بعده: تلامذة يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي، وهم: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وعمرو بن فلاس، وغيرهم. وقال أبو قدامة السرخسي: سمعت علي بن المديني يقول: رأيت فيما يرى النائم كأن الثريا تدلت حتى تناولتُها -السماء ذات النجوم، الثريا نزلت إليه فأخذ منها- قال أبو قدامة: فصدَّق الله رؤياه، فقد بلغ في الحديث مبلغاً لم يبلغه أحد، كأنه صار في السماء، شأنه مرتفع جداً كأنه قد طال السماء. وشهد له شيوخه، ومنهم: عبد الرحمن بن مهدي حيث قال: علي بن المديني أعلم الناس بحديث رسول الله ﷺ ، وخاصةً بحديث سفيان بن عيينة. ومن شيوخه الذي اعترفوا له وأقروا له بالفضل والإمامة: أبو عبيد القاسم بن سلام، يقول: انتهى العلم إلى أربعة: - إلى أحمد بن حنبل، وهو أفقَهُهم فيه. - وإلى علي بن المديني، وهو أعلَمُهم به. - وإلى يحيى بن معين، وهو أكتَبُهم له. - وإلى أبي بكر بن أبي شيبة، وهو أحفَظُهم له. وقال أبو عبيد أيضاً: ربانيو الحديث أربعة: - فأعلَمُهم بالحلال والحرام: أحمد بن حنبل. - وأحسَنُهم سياقةً وأداءً له: علي بن المديني. - وأحسَنُهم وضعاً لكتابٍ وتصنيفاً: أبو بكر بن أبي شيبة. - وأعلَمُهم بصحيح الحديث وسقيمه: يحيى بن معين. وكذلك ممن شهد لـ علي بن المديني: شيخه عبد الرزاق بن همام الصنعاني، فيقول ﵀: رحل إلينا من العراق أربعة من رؤساء الحديث: - ابن الشاذكوني، وهو أحفَظُهم للحديث. - وابن المديني، وكان أعرَفَهم باختلافه. - ويحيى بن معين، وكان أعلَمَهم بالرجال. - وأحمد بن حنبل، وكان أجمَعَهم لذلك -اجتمعت في أحمد كل هذه الخصال: حفظ الحديث، ومعرفة الاختلاف والعلم بالرجال. وكان محمد بن إسماعيل البخاري ﵀، وهو عين عيون أهل الحديث. يقول عن علي بن المديني: كان أعلم أهل عصره. وقال أبو حاتم الرازي: الذي كان يحسن صحيح الحديث من سقيمه وعنده تمييز ذلك ويحسن علل الحديث: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وبعدهم: أبو زرعة، كان يحسن ذلك، قيل له: فغير هؤلاء قال: لا. وقال إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد: أفخر على الناس برجلين بـ البصرة: - أحمد بن المعذل؛ يعلمني الفقه. - وعلي بن المديني؛ يعلمني الحديث. وقال أبو عمرو الطالقاني: رأيتهم يقولون: الناس عندنا أربعة: - أحمد بن حنبل. - ومحمد بن عبد الله بن نمير. - وعلي بن المديني. - ويحيى بن معين. وسمعتهم يقولون: محمد بن نمير: ريحانة الكوفة. وأحمد: قرة عين الإسلام. وابن المديني: أعلم علماء آثار رسول الله ﷺ . وابن معين: أعلمُ بِرُواته. وقال أبو عبد الرحمن النسائي: كأن الله خلق علي بن المديني لهذا الشأن، أي: كأن الله ما خلقه إلا للحديث. ومدحه المشهورون من المحدثين، كـ البيهقي حين قال: علي بن المديني أحد أئمة أهل العلم بالحديث. وقال الخطيب البغدادي، عن علي بن المديني: هو أحد أئمة الحديث في عصره، والمقدم على حُفَّاظ وقته. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الأئمة الذين أخذ الناس عنهم العلم، قال: فهؤلاء وأمثالهم أعلم بأحوال رسول الله ﷺ . وقال: فإن يحيى بن معين، وعلي بن المديني، ونحوهما أعرف بصحيح الحديث وسقيمه من مثل أبي عبيد، وأبي ثور. هذه شهادة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في علي بن المديني. وأما الحافظ أبو الحجاج المزي؛ الذي عاصر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وكان من تلاميذه، فقد قال في ابن المديني: علي بن عبد الله الإمام المبرز في هذا الشأن، صاحب التصانيف الواسعة، والمعرفة الباهرة. كذلك الذهبي ﵀ الذي عاصر ابن تيمية ﵀، قال: حافظ العصر، وقدوة أرباب هذا الشأن: أبو الحسن علي بن المديني، صاحب التصانيف. ومدحه كذلك غيرهم من أهل العلم، كـ ابن رجب، وغيره. وقد اجتمع بهذه المناسبة أربعة من العلماء في عصر واحد كل واحدٍ أفاد الآخرين في فنه: - المزي وابن تيمية، والذهبي، والبرزالي. البَرْزالي: مبرزاً في التاريخ. وكان الذهبي مبرزاً في السِّيَر والتاريخ والحديث. والمزي: في علل الحديث والرجال لا يوجد له نظير. وابن تيمية: في سائر الفنون. فهؤلاء الأربعة كانوا في عصر واحد، وكل واحدٍ منهم استفاد من الآخر. وعلي بن المديني ﵀ كان له مجلس يعقده للناس ولطلبة العلم يأتون إليه من كل حدب وصوب، ويتسابقون إليه. قال الخطيب البغدادي عن مجلس علي بن المديني: وقد كان خلقٌ من طلبة العلم بـ البصرة في زمن علي بن المديني يأخذون مواضعهم في مجلسه في ليلة الإملاء، ويبيتون هناك حرصاً على السماع وتخوفاً من الفوات. وقال ابن درستوية: ما رأيت علي بن المديني يروي من كتاب قط إلا أن يُسأل أن يروي ألفاظ سفيان بن عيينة على وجهه كما سمع. قال: وكنا نأخذ المجلس في مجلس علي بن المديني وقت العصر اليوم لمجلس غدٍ، فنقعد طوال الليل مخافة ألَّا يلحق من الغد موضعاً يُسمع فيه، أي: إذا كان الدرس غداً، جلسوا عصر اليوم والليل، ويبيتون إلى ثاني يوم حتى يأتي وقت الدرس مخافة ألا يجدوا مكاناً، فيبيتون في مجلس الدرس حتى يأتي وقت الدرس في اليوم التالي، هذا درس علي بن المديني. وقد اتخذ علي بن المديني ﵀ مستملياً، والمستملي هو: الذي يطلب استملاء الأحاديث من المحدِّث، ويقال: استمليتُ فلاناً الكتاب، أي: سألته أن يمليه عليَّ، وهذا الاستملاء له أدب، وقد ألف السمعاني ﵀ كتاباً في أدب الإملاء والاستملاء. وذات مرة اشتهى المأمون شيئاً غير الملك الذي هو فيه أن يقول للمستملي: من ذكرت يرحمك الله؟ لأن المستملي كان يجلس عند الشيخ، ويطلب منه الإملاء، ويبدأ الحديث والدرس ويقيد، فإذا أشكل عليه شيء، أو أراد استعادة شيء، قال: من ذكرت يرحمك الله؟ فالذين حول الخليفة من هؤلاء أهل المجاملات عملوا له مجموعة وأحضروا كتباً وأقلاماًَ، وقال: من ذكرت؟ لكن اتضح أن المسألة انهارت وأنها تمثيلية، وعرف أنها لا تأتي إلا لأهل العلم الحقيقيين، وأن هذا كله تصنع في تصنع.

стр. 3622

اعتناء ابن المديني بالكتب (النسخ) كان علي بن المديني ﵀ شديد العناية بكتب المحدثين، -النُّسَخ- وينظر فيها، قال علي بن المديني: تركت من حديثي مائة ألف حديث، فيها: ثلاثون ألفاً لـ عباد بن صهيب -هو الآن جمع أحاديث كثيرة، مائة ألف شطب عليها؛ لأنه تبين له أنها غير صالحة للنشر، منها ثلاثون ألفاً لـ عباد بن صهيب؛ لأن عباد بن صهيب أحد المتروكين، فإذا كان علي ابن المديني ترك مائة ألف حديث، وشطب عليها، فكم الأصل والأساس الباقي؟! وقال علي بن المديني: نظرت لـ روح في أكثر من مائة ألف حديث - روح بن عبادة من شيوخ علي ﵀ كتبتُ منها عشرة آلاف، فإذا كان قد نظر لـ روح بن عبادة فقط في مائة ألف حديث، ويكتب عن أبي معاوية الضرير عن الأعمش ألف وخمسمائة حديث، فلا شك أنه نظر لغير روح مثل ذلك، وما كَتب عن الأعمش من غير طريق أبي معاوية أكثر، فهذا يُشْعِر بتَبَحُّر الرجل واستقصائه لأطراف الأحاديث المختلفة. وذكر السخاوي أن الطرق التي عند علي بن المديني لحديث واحد فقط الذي هو: (من كذب عليَّ متعمداً، فليتبوأ مقعده من النار) أن له - لـ علي بن المديني - عشرون طريقاً في هذا الحديث فقط: (من كذب عليَّ متعمداً) وهذا يدل على شدة اعتنائه بطرق الحديث. بالنسبة للأحاديث عندما يقول: مائة ألف، أو يقول البخاري: حفظت مائة ألف حديث صحيح، أو قال: انتقيت هذا الكتاب من ستمائة ألف حديث، وأحمد بن حنبل يقال: إنه يحفظ ألف ألف حديث، هذا معناه أنه يدخل المراسيل والمقاطيع والمعلقات، ويدخل فيها المرفوع والصحيح والضعيف والشواهد والمتابعات ولذلك يقول الذهبي رحمه الله تعالى: "ما على وجه الأرض من أحاديث النبي ﷺ الصحيحة المرفوعة من غير تكرار عشرة آلاف حديث فقط"، لكن عندما يقول: مائة ألف، هذا يقصد بها كل شيء، المقطوع الذي إلى التابعي، والمرسل، والمعلق، وكل الأنواع، والمكررات، والشواهد، والمتابعات، يدخل هذا كله في عموم لفظة حديث. وكذلك فإنه ﵀ كان يطلع على حديث مالك اطلاعاً دقيقاً، وكذلك نُسَخ الزهري، وكتاب عبد الأعلى، وحدثت في ذلك قصة، قال علي بن المديني: سألت أبي عن أبي حفص الفلاس، فقال: قد كان يطلب، قلت: روى عن عبد الأعلى، عن هشام، عن الحسن بن علي: (الشفعة لا تورث) فقال: ليس هذا في كتاب عبد الأعلى، عن هشام، عن الحسن -فعنده خبرة بكتاب عبد الأعلى، ولذلك جزم لولده عبد الله، أنه ليس في ذلك الكتاب. وكذلك فإنه كان ينتخب الكتب وينتقي منها، وهذا يدل على إتقانه، وأنه ليس بجمَّاع فقط.

стр. 3623

ابن المديني وفن علل الحديث ومن أبرز الأشياء التي كان علي بن المديني ﵀ بارعاً فيها: علم العلل. وفن العلل هو أصعب نوع من أنواع الحديث: الحديث المعلل؛ لأن العلة سبب خفي غامض يطرأ على الحديث، فيقدح فيه، العلة شيء خفي؛ ولذلك خص الله به عدداً قليلاً، ونفراً يسيراً ممن يدعي علم الحديث. ومن الأشياء التي تساعد على اكتشاف الحديث: جمع الطرق، ينظر المتخصصون في طرق الحديث فيكتشفون العلة. إذاً: من أسباب اكتشاف العلة: جمع طرق الحديث الواحد. قال علي بن المديني: الباب إذا لم تُجْمَع طرقه، لم يتبين خطؤه. وربما ما انكشفت العلة إلا بعد وقت طويل. قال علي بن المديني: ربما أدركت علة الحديث بعد أربعين سنة. وقال أحمد بن حنبل: أعلمنا بالعلل علي بن المديني. وقال الذهبي: كان ابن المديني رأساً في الحديث وعلله. ابن العلائي ﵀ عندما عرَّف من علل الحديث قال: وهذا الفن -فن العلل- أغمض أنواع الحديث وأدقها مسلكاً، ولا يقوم به إلا من منحه الله فهماً غايصاً، واطلاعاً حاوياً، وإدراكاً لمراتب الرواة، ومعرفةً ثاقبةً. ولهذا لم يتكلم فيه إلا أفراد أئمة هذا الشأن وحُذَّاقهم. مَن الذي تكلم في العلل؟ لا يتجرأ أحد أن يتكلم في العلل إلا نَفَرٌ يسيرٌ من المحدثين، ليس أي محدث يتكلم في العلل، مَن الذي يتكلم في العلل؟ - علي بن المديني. - البخاري. - الدارقطني. - أبو زرعة الرازي. - أبو حاتم. ومن المتأخرين كذلك من بعدَهم: - الترمذي. - ابن رجب. الحديث المعلل: هو من أغمض أنواع العلوم وأدقها، ولا يقوم به إلا من رزقه الله تعالى فهماً ثاقباً، وحفظاً واسعاً، ومعرفةً تامةً بمراتب الرواة، ومَلَكةً قويةً بالأسانيد والمتون، ولهذا لم يتكلم فيه إلا القليل من أهل هذا الشأن، كما يقول ابن حجر ﵀، مثل: - علي بن المديني. - وأحمد بن حنبل. - والبخاري. - ويعقوب بن شيبة. - وأبو حاتم. - وأبو زرعة. - والدارقطني. وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في مقدمة الفتح: لا ريب في تقديم البخاري، ثم مسلم على أهل عصرهما، ومَن بعده من أئمة هذا الفن، في معرفة الصحيح والمعلل، فإنهم لا يختلفون في أن علي بن المديني كان أعلم أقرانه بعلل الحديث، وعنه أخذ البخاري ذلك. إذاً: أعلم أهل زمانه بعلل الحديث: علي بن المديني، وهذه المسألة الشاهد فيها: أحمد بن حنبل ﵀، وعن علي بن المديني أخذ البخاري فن العلل، فالذي ورث منه البخاري فن العلل هو: علي بن المديني. وكان لـ علي بن المديني بين معاصرية مكانةٌ بالغةٌ عظيمةٌ. وهذا يحيى بن سعيد القطان يكرمه غاية الإكرام وهو شيخه، ويقول: الناس يلوموني في قعودي مع علي وأنا أتعلم من علي أكثر مما يتعلم علي مني. وهذا فيه تواضع من جهة، وفيه حقيقة من جهة أخرى.

стр. 3624

علاقة سفيان بن عيينة بابن المديني كان سفيان بن عيينة ﵀ يلقب علي بن المديني بحية الوادي، لماذا؟ ما هي العلاقة بين الحية وعلي بن المديني؟ سفيان بن عيينة شيخ علي بن المديني كان يقول عن علي بن المديني: إنه حية الوادي، فلماذا؟ لأن الحية تعرف المداخل والمخارج، وعلي بن المديني يجيد معرفة مداخل الحديث ومخارجه من أين جاء؟ وأين ذهب الحديث؟ وكيف انتقل؟ وقال أحمد بن سنان: كان سفيان بن عيينة يقول لـ علي بن المديني ويسميه: حية الوادي، وكان إذا استفتي سفيان، أو سئل عن شيء؟ يقول: لو كان حية الوادي موجوداً الآن لأفادنا. وعن عمرو بن دينار أنه ذكر حديثاً، ثم قال سفيان: تلوموني على حب علي بن المديني، والله لقد كنت أتعلم منه أكثر مما يتعلم مني. وقال حفص بن محمود الخزاعي: كنت عند سفيان بن عيينة ومعنا علي بن المديني والشاذكوني، فلما قام -أي: قام ابن المديني - قال سفيان بن عيينة: إذا قامت الفرسان، لم نجلس مع الرجَّالة. لأن الجيش فيه فرسان يقاتلون على الخيول، وفيه رجَّاله على أرجلهم، سفيان بن عيينة شيخ علي بن المديني، في المجلس كان سفيان، والشاذكوني، وعلي بن المديني، وحفص بن محمود الخزاعي، فقام علي بن المديني وانصرف، فلما انصرف، قال سفيان بن عيينة: إذا قامت الفرسان، لم نجلس مع الرجَّالة، ماذا نعمل مع الرجَّالة؟ وقال أحد المحدثين: خرج علينا ابن عيينة يوماً ومعنا علي بن المديني، فقال: لولا علي، لم أخرج إليكم. وقال محمد بن قدامة الجوهري: سمعت ابن عيينة يقول: إني لأرغب بنفسي عن مجالستكم منذ ستين سنة، ولولا علي بن المديني.

стр. 3625

أبو عبيد وشدة إجلاله واحترامه لابن المديني دخل أبو عبيد القاسم بن سلام -أحد شيوخ ابن المديني - دار أحمد بن حنبل زائراً إياه، وعنده جماعة من المحدثين فيهم: علي بن المديني ويحيى بن معين، فطلبوا من أبي عبيد أن يقرأ عليهم كتاب غريب الحديث على الوجه -أي: بالأسانيد- فقال لهم أبو عبيد: ما قرأته إلا على المأمون، فإن أحببتم أن تقرءوه فاقرءوه. فقال له علي بن المديني: إن قرأتَه علينا، وإلا فلا حاجة لنا فيه. ولم يكن أبو عبيد يعرف علي بن المديني. فقال لـ يحيى بن معين: من هذا؟ قال: هذا علي بن المديني، فالتزمه وعانقه وقرأه عليه؛ لأن علي بن المديني سمعته معروفة، وأبو عبيد يسمع ويعرف من هو علي بن المديني من بعيد، لكنه ما سبق أن قابله، فلما عرفه رضخ لطلبه وقرأه عليه وهو شيخه. فهذا من تمكن مكانة علي بن المديني في قلب أبي عبيد القاسم بن سلام، والإكبار له من قبل شيخه، وأبو عبيد القاسم بن سلام رجل عظيم لا يستهان به ألبتة، ومن نوادره -ولعلنا نأتي على سيرته -أن طاهر بن عبد الله - وهو أحد الأمراء في الدولة العباسية بـ بغداد، أراد أن يسمع من أبي عبيد -كان الولاة لهم اهتمام بالعلم- وكان حريصاًَ أن يأتي أبو عبيد إلى منزله، فيحدثه، وكتاب أبي عبيد الذي هو غريب الحديث كتاب اشتُهِر، فيه شرح للألفاظ الغريبة والصعبة في الأحاديث، يسوق أبو عبيد الحديث بسنده ويشرح الغريب في هذا الكتاب، وكان قد تعب عليه وجمعه وهو كتاب نفيس، من أجود الكتب في غريب الحديث، هذا الوالي كان يشتهي أن هذا العالم أبو عبيد مؤلف الكتاب يأتي بكتابه ويحدث به في بيته، يشتهي ذلك ويتمناه، فأرسل إلى أبي عبيد معرباً له عن الرغبة، يقول: يدعوك الأمير إلى بيته لتأتي وتجلس فيه وتحدث بكتابك غريب الحديث، فرفض أبو عبيد، وقال: أبداً، هو يأتي، مثله مثل غيره من الطلاب ويجلس في الدرس العلم يؤتى ولا يأتي. فلما جاء علي بن المديني وعباس العنبري، إلى بلد أبي عبيد، وأرادا أن يسمعا غريب الحديث، كان أبو عبيد يحمل كتابه كل يوم ويأتيهما في منزلهما يحدثهما. وقد علق الخطيب على هذه القصة، فقال: إنما امتنع أبو عبيد من المضي إلى منزل طاهر توقيراً للعلم، ومضى إلى منزل ابن المديني وعباس تواضعاً وتديناً. وقد فعل سفيان الثوري مع إبراهيم بن أدهم مثل هذا، فهذه من عجائب العلماء. ويحيى بن معين سئل عن علي بن المديني وعن الحميدي: أيهما أعلم؟ فقال يحيى بن معين: ينبغي للحميدي أن يكتب عن آخر، عن علي بن المديني. أي: لا يصلح حتى أن يكون تلميذاً، بل تلميذ التلميذ. وقال الأعين: رأيت علي بن المديني مستلقياً وأحمد بن حنبل عن يمينه، ويحيى بن معين عن شماله وهو يملي عليهما. وكان أحمد بن حنبل ﵀ لا يسمي علي بن المديني، أي: لا يقول: يا علي، بل يقول: يا أبا الحسن! توقيراً له وتبجيلاً. قال أبو حاتم: ما سمعت أحمد بن حنبل سماه قط. وكان علي بن المديني كما يقول عباس العنبري ﵀: بلغ ما لو قُضِي له أن يتم على ذلك، لعله كان تقدم على الحسن البصري، كان الناس يكتبون قيامه وقعوده ولباسه، وكل شيء يقوله ويفعله. وهذا فيه فائدة تربوية مهمة: وهي أن الإنسان إذا صار قدوة، الناس لا يأخذون عنه العلم فقط، بل يأخذون عنه كل الحركات، ويتأثرون بصَمْتِه وكلامِه وأفعالِه وتصرفاتِه، وفي كل شيء، كان الناس يكتبون قيامه وقعوده ولباسه وكل شيء يقول ويفعل، لأنه صار أهلاً أن يُنْظر إليه في كل أفعاله، وليس فقط فيما يخرج منه من الكلام. وقال أبو يحيى: كان ابن المديني إذا قدم بغداد تصدَّر وجاء يحيى وأحمد بن حنبل والمعيطي والناس يتناظرون، فإذا اختلفوا في شيء، تكلم فيه علي. وقال محمد بن إسماعيل البخاري: ما تصاغرتُ نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني. وقال: ما سمعت الحديث من فِيِّ إنسانٍ أشهى عندي من أن أسمعه من فِيِّ علي ﵀. وقال محمد بن إسحاق السراج: سمعت محمد بن إسماعيل البخاري وقلت له: ما تشتهي؟ قال: أشتهي أن أقدم العراق وعلي بن المديني حيٌّ فأجالسه. ولما ألف البخاري كتابه صحيح البخاري، عرضه على علي بن المديني، فحكم له بالصحة والإتقان - البخاري عرض كتابه على ثلاثة من كبار العلماء، هم: ١ - علي بن المديني. ٢ - وأحمد بن حنبل. ٣ - ويحيى بن معين، فحكموا له بالصحة والإتقان. وعن إبراهيم الحربي قال: كان أبو عاصم -وهو: أبو عاصم النبيل، ملقب بـ النبيل - إذا حدث عن ابن جريج وغيره من أصحابه، جاء مستوياً، وإذا حدث عن سفيان أخطأ؛ لأنه لم يضبط عنه، فكان إذا أخرج المجلس -قبل أن يأتي الدرس أخرج الكتاب الذي هو عن سفيان - ووجهه إلى علي بن المديني لينظر فيه ويصلح خطأه -الشيخ يبعث بالكتاب إلى علي بن المديني، يقول: صحح لي قبل أن أحدث في المجلس. فقال له بعض مَن قال له: لماذا توجه بكتابك إلى هذا؟ حدِّث كما سمعتَ. قال: ففعل، وكان يخطئ في كل مجلس وعندما كان يصحح له علي بن المديني، لم يكن هناك خطأ، ولذلك كانت مكانة علي ﵀ أحياناً ربما سببت رعباً في قلوب بعض شيوخه، ولذلك قال أحمد بن يوسف السلمي النيسابوري: سمعت عبد الرزاق يقول لـ علي بن عبد الله بن المديني حيث ودعه -الآن علي بن المديني جاء إلى اليمن وسمع من عبد الرزاق، وعبد الرزاق رأى نباهة وحفظ وجلالة علي بن المديني، ولما أراد عبد الرزاق أن يودع علي بن المديني قال له: إذا ورد حديث عني لا تعرفه، فلا تنكره، فلأني ربما لم أحدثك به. وقال ابن أبي حاتم الرازي: سمعت هارون بن إسحاق الهمداني وذُكر له خطأ في إسناد حديث، فقال: هذا كلام أحمد بن حنبل وعلي بن المديني -كأنه يقول: هذا ليس شغلكم، أكيد أنه علمكم إياه ونبهكم على الخطأ إما أحمد بن حنبل، أو علي بن المديني. وقال الخطيب ﵀ مبيناً مكانة علي بين قرنائه: كان علي بن المديني فيلسوف هذه الصنعة وطبيبها، ولسان طائفة الحديث وخطيبها، رحمة الله عليه وأكرم مثواه لديه.

стр. 3626

مشايخ ابن المديني من أشهر شيوخه: ١ - حماد بن زيد، حافظ العراق:، وكان حماد إماماً من أئمة أهل السنة. وقال أحمد فيه: هو من أئمة المسلمين من أهل الدين، وهو أحب إليَّ من حماد بن سلمة. وهو الذي قال فيه ابن المبارك: أيها الطالب علماً ائت حماد بن زيد فاقتبس علماً وحلماًَ ثم قيَّده بقيدِ ودع البدعة من آثار عمرو بن عبيد حماد بن زيد هو شيخ علي بن المديني، وهو الشخصية الأولى ربما بعد أبي علي، الذي كان له أعظم الأثر في توجيه علي بن المديني إلى طلب السنة، وكان شيخ البصرة. ٢ - سفيان بن عيينة: وكان طلاب الحديث يتكلفون الحج، وما قصدهم إلا لقاء سفيان بن عيينة. البخاري أخرج لـ علي بن المديني، عن سفيان بن عيينة في صحيحه (١٩٦) حديثاً. ٣ - يحيى بن سعيد القطان: وهو الذي درس على يديه الرجال، وكان يستفيد من علي بن المديني كما قلنا، ويقول: إني كلما قلت: لا أحدث كذا، استثنيت علياً، فلو قلت: لا أحدث أسبوعاً أو شهراً، يقول: أنا أستثني في قلبي علي بن المديني إذا جاءني أحدثه. وكان علي ملازماً لشيخه يحيى بن سعيد القطان يسأله عما أشكل عليه من أمور النقد، حتى يسأله عن أحواله الشخصية. فقال يوماً: قلت لـ يحيى بن سعيد في ربيع الأولي سنة: (١٩٠هـ) كم لك من سنة؟ قال: إذا مضى شهر، أو شهران، استوفيت سبعين، ودخلت في أحد، -أي: واحد وسبعين. وكان علي يحب يحيى حباً جعله يشتهي أن يراه في المنام، فيقول: مكثت أشتهي أرى يحيى بن سعيد القطان في النوم مدة، قال: فصليتُ ليلةً العَتَمَة -العشاء- ثم أوترت واتكأت على سريري، قال: فسنح لي -أي: في المنام- رأيت خالد بن حارث، فقمت فسلمت عليه وعانقته، وقلت له: ما فعل بك ربك؟ قال: غفر لي على أن الأمر شديد. قلت: فما فعل يحيى بن سعيد القطان؟ قال: نراه كما ترون الكوكب الدري في أفق السماء، أي: أن الله رفعه منزلة عالية جداً. من شيوخ علي بن المديني: عبد الرحمن بن مهدي ﵀، وهذا الذي قال علي بن المديني فيه: "لو أخذت فأُحْلِفْتُ بين الركن والمقام، لَحَلَفْتُ بالله أني لم أر أحداً قط أعلم بالحديث من عبد الرحمن بن مهدي ". وكان عبد الرحمن بن مهدي استفاد منه علي بن المديني جداً. يقول علي بن المديني: كنا في جنازة معاذ، وعبد الرحمن بن مهدي آخذٌ بيدي، فقال عبد الرحمن لي -أي: أثناء الجنازة ونحن نتبع الجنازة-: ألا أحدثك حديثاً ما طن في أذنيك؟ حدثني صاحب السرير -الذي هو الميت- وسرد علي الحديث. وعبد الرحمن بن مهدي يفيد تلميذه علي بن المديني حتى في وقت تشييع الجنازة. وعندما نقول: شيوخ علي بن المديني: فلان، وفلان، وفلان، هؤلاء العظماء، فهؤلاء العلماء كلهم ساهموا في صياغة شخصية علي بن المديني، ولذلك هناك نقطة مهمة جداً وهي: أن هؤلاء العلماء الأئمة الكبار ما جاءوا من فراغ، ما ظهروا من غابة أو صحراء، ما خرجوا الإجراء نتاج بيئة تربى فيها وأخذ فيها عن الأجلاء، هذه تربية، فهذه الشخصيات صيغت من شخصيات أخرى، أجيال تربي أجيالاً، وعندما نتوسع أكثر في المحدثين، نرى فعلاً أن هذه القضية واضحة، أجيال تربي أجيالاً، سفيان بن عيينة يربي علي بن المديني، وعلي بن المديني يربي البخاري، والبخاري يربي غيره، فمسألة تخرُّج الأجيال على أيدي أجيال، وأن الواحد كان يحتك بشخصيات فذة هذا الذي ينشئ الشخصية، ما الذي يساعد على نمو الشخصية؟ يحاط أن الإنسان بأناس كبار أجلاء أئمة، فيخرج إماماً في النهاية. وهذه المسألة -كما قلنا- واضحة غاية الوضوح، إنسانٌ شيوخُه: - سفيان بن عيينة، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الرزاق الصنعاني، وغيرهم. وقرناؤه: - أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وابن أبي شيبة. وتلاميذه: - البخاري، وأبو حاتم الرازي، وأبو داود. لا بد أن يكون شخصية فذة. فمن هنا نتعلم درساً كبيراً في أن الإنسان إذا أراد أن يرتقي بنفسه فعلاً، فلا بد أن يُحاط بشخصيات على مستوى عظيم حتى يكون لها ذلك الأثر في نفسه.

стр. 3627

آثار علي بن المديني التراثية ورحل علي بن المديني رحمه الله تعالى إلى ربه تاركاً عدداً من الآثار والكتب، مثل: علل الحديث ومعرفة الرجال، وسؤالات لشيخه يحيى بن سعيد القطان، كَتَبَها وبَوَّبَها، وكتاب المسند ويبدو أنه قد ضاع، وَضَعَه في قِمَطْر وغاب فترة طويلة عن البيت ورجع، قال: فحركتها، فإذا هي ثقيلة، ففتحتها، فإذا الأرضة قد خرقت الكتب، فصارت طيناً، وإلا فإن علي بن المديني كان عنده كتاب عظيم هو: المسند بِعِلَلِه. وذهب علي بن المديني ﵀ تاركاً تراثاً كبيراً من أهم ذلك: الأحاديث التي نقلها لتلاميذه. ودَوَّن البخاري ﵀ قسماً، ومسلم، والترمذي، وأبو داود، دوِّنت الأحاديث، ودوِّن كلام علي بن المديني في الرجال جرحاً وتعديلاً. وترك كذلك آثاراً في فقهه رحمه الله تعالى رحمةً واسعةً. نسأل الله أن يعلي منزلته، وأن يرفع درجته، وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 3628

الحث على طلب العلم العلم فخر وشرف في الدنيا والآخرة، والعلم أفضل من المال، فهو سبيل إلى الخشية من الله تعالى. في نطاق هذا الموضوع يتحدث الشيخ عن العلم وفضله، وواقع السلف مع طلب العلم، كما يذكر الأسباب التي قتلت طلب العلم عند كثير من الشباب، ويعرج على أهمية المجاهدة في طلب العلم، ويكشف حقيقة بدعة الاحتفال بالموالد ومنكراتها، ويرجع ذلك إلى الجهل بالدين وأحكامه.

стр. 3629

فضل العلم والتعلم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله لقد قصرنا في حق الله كثيراً كثيراً، ومن تقصيرنا في حق ربنا: جهلنا بما أنزله إلينا وبما أوحاه إلى نبيه ﷺ ، وكيف يليق بمسلم أن يجهل رسالة ربه إليه، وأن يجهل معاني أحاديث النبي ﷺ التي تشرح كتاب الله تعالى، ولا ينال معرفة الكتاب والسنة إلا بالعلم الذي هو أفضل ما صرفت فيه الأوقات. وفي الإجازة يتوفر من الوقت للطلاب ما لا يتوفر في غيره، فينبغي أن تتداعى الهمم، وأن تسمو النفوس، وأن يتفرغ الإخوان لطلب العلم. ينبغي أن يكون الدافع قوياً لتحقيق هذه المصلحة، وأن يتضافر الآباء مع الأبناء لعملية التعليم وطلب العلم، وأن تكون الحياة شعلة في هذا الطريق، قال الله : ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران:١٨] استشهد الله العلماء دون غيرهم من سائر البشر، فقد أشهد نفسه وأشهد الملائكة وأشهد العلماء فقط من خلقه، وهذا دليل على فضلهم، فأشهدهم على أعظم حقيقة وهي حقيقة التوحيد، وقرن الله شهادتهم بشهادته. وفي ضمن هذا الاستشهاد تزكية للعلماء وتعديل ولا شك؛ لأن الله لا يستشهد من خلقه إلا العدول، وكذلك فإن العلماء هم الذين يطاعون في المدلهمات ويتبعون في الخطوب، وإذا استشكلت الأمور. علماء الشريعة هم الذين نزَّهوا أنفسهم عن الأهواء والأموال وعن سائر أنواع الشبهات، تعلموا العلم لله وعلموه في ذات الله، وقالوا بالعلم وحكموا به، لا تأخذهم في الله لومة لائم.

стр. 3630

الفرق بين العالم والعابد عباد الله إذا كان الله قد أباح لنا أكل الصيد الذي صاده الكلب المعلم، وإذا صاده كلب غير معلم لا يؤكل ﴿يَسْأَلونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة:٤] فلولا فضل العلم لكان فضل صيد الكلب المعلم والجاهل سواء، وقد علمه كيف يصيد، وكيف يمسك لصاحبه، فما بالك بمن تعلم الكتاب والسنة! (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) إذا رأيت نفسك تتجه إلى الفقه، تتجه إلى العلم، تتجه إلى فهم الكتاب والسنة، فاعلم أنك ممن أراد الله بهم خيراً (فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر) فخذ بهذا الحظ الوافر يا أيها الشاب، يا عبد الله، يا أيها الكبير ويا أيها الصغير خذ من هذا الحظ الوافر الذي وصفه النبي ﷺ . مسألةٌ واحدة تتعلمها وتعلمها لولدك، أو تعلمها لأخيك، أو تعلمها لصاحبك وصديقك، أو تعلمها للناس والعامة تستفيد بها أجراً بعد موتك، قال ﵊ في الأربع من عمل الأحياء التي تجري للأموات: (ورجلٌ علم علماً، فعمل به من بعده، له مثل أجر من عمل به من غير ينقص من أجر من يعمل به شيء). عباد الله لو علمنا شخصاً كيفية الصلاة، كيف كان النبي ﷺ يصلي، فإن هذا المعلم ولا شك يكون له أجر عظيم حتى بعد وفاته، فقوموا بالعلم والتعليم. (فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم، وإن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير) فلنحتسب الأجر في هذا التعليم، نعلم الناس الخير، ولا يمكن أن نعلمهم إلا بأن نتعلم، فإننا لا يمكن أن نعلمهم ونحن جهال، لابد أن نتعلم، أن نبلغ ولو آية، إذا علمناها وعلمنا معناها بلغناها فكتب لنا أجر عظيم، لماذا تنصرف النفوس عن هذه العبادة العظيمة؟ يا عباد الله إنه فخرٌ وشرفٌ في الدنيا والآخرة، إن العلماء يحضرون ربهم يوم القيامة ويقفون بين يديه مكرمين منعمين يتقدمهم معاذ بن جبل بين أيديهم برمية حجر؛ لأنه أعلم الناس بالحلال والحرام بعد النبي ﷺ من أصحابه كما أخبر. عباد الله ما هو أفضل من أن يستغفر لك الحوت في البحر والدواب وحتى النمل تستغفر لطالب العلم؟ ما هو أفضل من أن تضع الملائكة أجنحتها لك إذا سلكت سبيلاً في طلب العلم سواء كان في درس تذهب إليه أو في كتاب تشتريه لتفتحه وتقرأ فيه؟ أي فضل عظيم هو ذاك وفَّره الله لطلبة العلم الشرعي الذين يتعلمون الكتاب والسنة.

стр. 3631

عاقبة مبلغ العلم عباد الله، يا أيها الناس إن نبيكم قد دعا بالنضارة نضارة الوجه لمن بلغ العلم ولو حديثاً واحداً، فقال: (نضَّر الله امرأً سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغ، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) (نضَّر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها) تبليغ القرآن، تبليغ الحديث، تبليغ العلم للناس، الإبلاغ والبلاغ وظيفة الرسل ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [الشورى:٤٨] ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران:٢٠] نقل المعلومات الصحيحة إلى الناس، ينبغي أن يكون هذا ديدناً لنا وعادة دائماً إذا تعلمنا شيئاً، نقلناها إلى غيرنا صغيراً وكبيراً قريباً وبعيداً، وهل نريد إلا الأجر؟ وهل نريد إلا النجاة يوم الحساب؟ وهل نريد إلا الحسنات أن تأتينا من بين أيدينا ومن خلفنا وعن أيماننا وعن شمائلنا ونحن في قبورنا؟ يا عباد الله إن المسألة جدٌ والله وفوزٌ عظيم، لو علم الإنسان ما له من الأجر لقام بذلك حق القيام.

стр. 3632

أقوال السلف في طلب العلم عباد الله يقول معاذ ﵁: [تعلموا العلم؛ فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة، وهو الأنيس في الوحدة، والصاحب في الخلوة]. وقال الحسن: "لولا العلماء، لصار الناس كالبهائم لا يدرون لا كيف يعبدون ولا كيف ينكحون". والعلم أفضل من المال، تفانى الناس في جمع الأموال، وأقبلوا على أنواع الاستثمارات، والعلم يحكم في المال، والمال لا يحكم في العلم، والعلم يكون مع صاحبه إلى القبر، والمال يفارق صاحبه إذا خسره في صفقة، العلم يكثر بالنفقة ويزداد ويترسخ، والمال ينقص إذا أنفقت منه إلا إذا كان في سبيل الله. عباد الله ما عُبد الله بشيء أفضل من الفقه، الناس إلى العلم- كما يقول أحمد ﵀ أحوج منهم إلى الطعام والشراب؛ وذلك لأن الرجل قد يحتاج إلى الطعام والشراب مرة أو مرتين أما حاجته إلى العلم فهي بعدد أنفاسه، وكذلك فإنه ميراث النبوة، والناس لا يفهمون الميراث إلا باللغة المادية، ولما مر أعرابي على ابن مسعود ﵁ وهو يحدث طلابه وهم مجتمعون حوله، رأى أناساً مجتمعين على شخص، فقال الأعرابي: علام اجتمع هؤلاء؟ فقال ابن مسعود مخاطباً إياه بلغته -الأعراب يفهمون الاجتماع على وليمة، على قسمة مال، على عطايا، هكذا يجتمع الناس على شخص- قال ابن مسعود ﵁: [على ميراث محمد ﷺ يقتسمونه بينهم].

стр. 3633

فوائد العلم والعلم يؤدي إلى الخشية، وهذه من أعظم الفوائد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] ليس العلم بكثرة الرواية، ولكن العلم الخشية ورأس العلم تقوى الله حقاً وليس بأن يقال لقد رأُست والعلم يدفع إلى الخشية من أن يسأل عنه صاحبه ولم يعمل به؛ ولذلك قال أبو الدرداء ﵁: [إنما أخشى أن يكون أول ما يسألني عنه ربي أن يقول لي: ماذا عملت فيما علمت؟]. وقال بعض السلف: والله إني لأخشى ألا تبقى آية في كتاب الله آمرةٌ أو ناهية إلا جاءتني يوم القيامة، فتقول الآمرة بالخير: هل عملت به؟ وتقول الناهية عن الحرام: هل انتهيت عنه؟ ولذلك لابد إذا تعلمنا أن نطبق، فهي سلسلة متواصلة علم وعمل، تعلم وتطبيق، ولذلك فليست القضية حشو أذهان ولا حفظ معلومات، وإنما هي أثر حقيقي على الإنسان، ولذلك كان العلماء الربانيون مخبتين لله تعالى، يقومون له بالعبادة، يقومون الليل ويستغفرون بالأسحار، قال ابن القيم ﵀ عن شيخ الإسلام: أنه كان إذا صلى الفجر يقعد في مصلاه يذكر الله حتى ترتفع الشمس جداً، وكان يقول: هذه غدوتي، وإذا لم أتغد سقطت قواي. وقال الحسن ﵀: كان الرجل- يعني: من السلف - يطلب العلم، فلا يلبث إلا يسيراً حتى يرى أثر العلم في صلاته وخشوعه وكلامه وسمته؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّداً * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً * وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾ [الإسراء:١٠٧ - ١٠٩].

стр. 3634

أسباب قتل طلب العلم عند الشباب عباد الله لا ينال هذا العلم إلا من جعل همته لله، إلا من ارتفعت همته، وقد سقطت كثير من الهمم هذه الأيام بأمرين عند كثير من الشباب: باللهو والملل. ما قتل طلب العلم عند الشباب وعند غيرهم أيضاً إلا بأمرين: اللهو والملل، فتراهم يعكفون على وسائل من اللهو، يشتغلون بها عن الشيء الذي خلقوا من أجله، فهذا يتبع ألعاباً ويعبث بها ويضيع وقته بها، وهذا يتبع مباريات ويشاهد مسابقات ويتابع أولمبيات، وهكذا تضيع الأعمار في اللهو، في خروج وسفر لتزجية الوقت وإضاعته، وألعاب قد اخترعت يمضي بها كثير من الناس أوقاتهم بلا حساب. وأما الملل الذي صار به الشاب لا يستطيع العكوف على الكتاب، سريع الملل، إذا فتحه لم يمكث عنده صفحة أو صفحتين إلا ويشعر بالملل، فيغلق الكتاب، وإذا كان في درسه ربما لا يستطيع أن يستوي قاعداً مطمئناً، فتراه يكثر الحركة يريد القيام، بل ترى كثيراً من العامة في مجالس الذكر أو إذا أُلقيت كلمة بعد صلاة من الصلوات لا يستطيعون أن يجاهدوا أنفسهم ويصابروا في دقائق يجلسونها لسماع العلم، لكن يمكن لهم أن يجلسوا عند المصارعة ساعات، وأن يجلسوا عند الملهيات أياماً طوالاً يتابعون ذلك بغير ملل، وعلم الكتاب والسنة يحصل منه الملل؛ لأن النفوس أسنت بالمعاصي، وفسدت بارتكاب الذنوب، فصارت نتيجة لذلك تنفر من كلام ربها وحديث رسولها، ولكنها لا تمل ولا تكل وتلتذُّ وتصابر في سبيل الاستماع إلى لغو أو مشاهدة لعبة! هذه هي الحقيقة، ولذلك كان لابد للمسلم أن يتجرد لله بالطاعة، وأن يصابر في طلب العلم، تعلو همته، عن عكرمة قال: قال ابن عباس ﵁: [لما قبض رسول الله ﷺ وأنا شاب قلت لشاب من الأنصار: هلم فلنسأل أصحاب رسول الله ﷺ ولنتعلم منهم فإنهم اليوم كثير، فقال لي: يا عجباً لك يا ابن عباس! أترى الناس يحتاجون إليك وفي الناس من أصحاب رسول الله صلى عليه وسلم من فيهم؟! قال ابن عباس: فتركت ذلك الرجل وأقبلت أنا على المسألة، وجعلت أتتبع الصحابة وأسألهم، فإن كنت لآتي الرجل في طلب حديث واحد يبلغني أنه سمعه من رسول الله ﷺ فأجده قائلاً -نائماً نوم القيلولة في بيته- فأتوسد ردائي على بابه، تسفي الريح على وجهي التراب حتى يخرج، فإذا خرج قال: ابن عم رسول الله ﷺ ! ما جاء بك؟ هلا أرسلت إلي فآتيك؟ فأقول: لا، أنا أحق أن آتيك، بلغني حديث عنك أنك تحدثه عن رسول الله ﷺ ، فأحببت أن أسمعه منك، قال ابن عباس: فكان ذلك الفتى الأنصاري إذا لقيني بعد يقول: هذا كان أعقل مني].

стр. 3635

التنافس في طلب العلم عباد الله إذا تنافس الناس في الدينار والدرهم، فلنتنافس نحن في طلب العلم، فإن الإنسان إذا عنى بالعلم والعمل تشتاق إليه الجنة، وكذلك فإن هذه الهمة التي ينبغي أن تكون الرائد في الطلب، ينبغي أن تكون موفورة بتجديد النية بتحصيل العلم لله . ولذلك ينبغي أن يكون لنا دعاء بأن ييسر الله لنا العلم: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه:١١٤] وإذا استغلقت مسألة نلجأ إلى الله كما كان العلماء يلجئون، كان شيخ الإسلام يقول إنه كان يقرأ في الآية الواحدة أحياناً مائة تفسير، فلا يفهمها فيسأل الله الفهم، ويقول: يا معلم آدم وإبراهيم علمني، ويا مفهم سليمان فهمني، ويمرغ وجهه في التراب ويسأل الله حتى يفتح الله عليه. وكان أبو حنيفة ﵀ إذا أشكلت عليه مسألة، قال: ما هذا إلا لذنب أحدثته، فيبدأ يستغفر الله، أو يقوم يصلي ويتضرع إلى ربه ويدعو مولاه، فيفتحها الله عليه. ويقول: أرجو أن يكون قد تاب علي، أرجو أن يكون قد تاب علي. بدلاً من صرف الأموال في التوافه لننفقها في شراء كتب العلم، وإن مسئولية الآباء في ذلك كبيرة وكبيرة للغاية، قال علي بن عاصم الواسطي: دفع إلي أبي مائة ألف درهم، وقال لي: اذهب وسافر لطلب العلم، ولا أرى وجهك إلا ومعك مائة ألف حديث. فسافر وارتحل في طلب العلم، وكتب عن كثير من العلماء ورجع إلى أبيه وقد غدا عالماً اشتهر بين الناس. هكذا يكون موقف الأب المسلم يوفر لولده سائر الوسائل المتاحة لتحصيل العلم من نفقة في كتب أو سفر أو تهيئة جو وتشجيع وتحفيز، انظر إلى عبارة ذلك الأب الصالح: هذه مائة ألف، ولا أرى وجهك إلا ومعك مائة ألف حديث. فالله أكبر على ما كان من ذلك الأب بما دفع ولده إلى طلب العلم!

стр. 3636

حال السلف مع العلم عباد الله، يا عباد الله لا تصلح الإقامة على الجهل ألبتة، وإنما ينبغي السعي في الطلب حتى يصل الإنسان بالمجاهدة إلى مرحلة اللذة في الطلب، أولها: مؤلم وآخرها لذيذ. قيل للشافعي: كيف شهوتك للعلم؟ فقال: أسمع بالحرف- أي: بالكلمة من العلم- لم أسمعها من قبل؛ فتود أعضائي أن لها آذاناً تتنعم بهذه الكلمة كما تنعمت بها أذناي! قيل له: كيف طلبك للعلم؟ فقال: كطلب المرأة التي أضاعت ولدها وليس لها ولد سواه. كانوا ﵏ يقسمون الأوقات، يقول الخطيب: واعلم أن للحفظ ساعات ينبغي لمن أراد التحفظ أن يراعيها. وللحفظ أماكن ينبغي للمتحفظ أن يلزمها، فأجود الأوقات للحفظ الأسحار، ثم بعدها وقت انتصاف النهار، وبعدها الغدوات- أي: أول النهار- دون العشيات، وحفظ الليل أصلح من حفظ النهار للهدوء والسكون فيه. قيل لبعضهم: بما أدركت هذا العلم؟ قال: بالمصباح والجلوس إلى الصباح. وقال الخطيب: وكل موضع بعيد مما يلهي لا خضرة ولا أشكال ولا جمال ولا ألوان ولا أصوات لا يصلح الحفظ كما يقول: على شطوط الأنهار ولا على قوارع الطريق ولا بحضرة النبات والخضرة، ينتقون الأوقات وينتقون الأماكن لأجل طلب العلم، ومواصلة بعد مواصلة. ورئي مع أحمد العالم الجليل محبرة وقلم فقيل له: أنت إمام المسلمين ولا زلت تحمل المحبرة وتكتب؟! فقال الإمام أحمد -شعار أهل الحديث تلك العبارة-: مع المحبرة إلى المقبرة. وهكذا كانوا رحمهم الله تعالى، ولذلك صاروا علماء أجلاء، فالمسألة أولها صعب، أولها مؤلم، أولها ممل، تحتاج إلى جلد ومصابرة حتى تأتي اللذة، فإذا جاءت اللذة انفرجت الأمور ووصلنا، نحتاج إلى أن نطلب العلم شباناً وشيبة، كهولاً كباراً وصغاراً، هذا باب لابد من ولوجه والسعي إلى تحصيله بالشيوخ والكتب والأشرطة وسائر الوسائل المتاحة التي فيها العلم: الفقه، التفسير، الدين، الحديث، وإلا كنا هملاً لا فرق بيننا وبين هؤلاء البهائم الذين يعيشون لدنياهم. نسأل الله أن يلهمنا رشدنا ويقينا شر أنفسنا، وأن يعيننا على طلب العلم وييسره لنا، وأن يذلل الطريق والمصاعب حتى يرتفع فيه الكعب وتعلو الدرجة إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 3637

حكم الاحتفال بالمولد النبوي الشريف الحمد لله رب العالمين، الحمد لله خالق الناس أجمعين، وفاطر السماوات والأراضين، أشهد أن لا إله إلا هو العليم الحكيم، علام الغيوب، ، وأشهد أن محمداً رسول الله ﷺ العالم المعلم، لم ير مثله قط، لم ير أحسن منه تعليماً صلى الله عليه وعلى أصحابه الذين نقلوا علمه، وعلى التابعين الذين تابعوهم على ذلك، وعلى كل من تعلم العلم وساهم في تحصيله ونشره. عباد الله في هذه الليلة يحتفل كثير من المسلمين في أقطار الأرض احتفالاً ينم عن جهلهم بالعلم، وكلما انحسرت السنة امتدت البدعة، وكلما نقص العلم زاد الجهل، وهذان أمران محتومان، إذا كان هذا في نقصان فالآخر في زيادة والعكس بالعكس: الاحتفال بالمولد هل فعله رسول الله ﷺ ؟ كلا والله، هل فعله أصحابه له من بعده؟ هل فعله أبو بكر أو فعله عمر أو عثمان أو علي أو عمر بن عبد العزيز؟ لم يفعلوا ذلك، هل فعله الأئمة أبو حنيفة والشافعي ومالك وأحمد والليث والأوزاعي وسفيان إلى آخرهم؟ هل فعلوا وقاموا بالاحتفال بمولد النبي ﷺ ؟ لم يفعلوا ذلك. إذاً ألا يسعنا ما وسعهم؟ ألا يصلحنا ما أصلحهم؟ ألا يصلح لنا ما صلح لهم؟ كل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، وهذا الاحتفال بالمولد أمر تعبدي يقصدون به العبادة والحسنات، فليس أمراً دنيوياً حتى نقول: اخترعوا ما شئتم من المخترعات (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) ومردود على وجهه، وسيأثم بدلاً من الأجر الذي يظنه حاصلاً له ما دام يعلم بحكم ذلك.

стр. 3638

واجبنا تجاه الرسول ﵊ إن ذكره ﵊ عبادة وقربة نشرف به آذاننا ونصلح به أنفسنا بذكر سيرته وعبادته وهديه، يرفع ذكره في الأذان والإقامة والخطب والصلوات في التشهد وغير ذلك، في المجالس وفي الدعاء وعند ذكره ﷺ ، لسنا من الذين يذكرون النبي ﵊ ليلة في السنة، بل نحن نذكره في كل ليلة ويوم طيلة السنة، وهكذا يجب أن نكون، ليست ذكراه عندنا سنوية، بل ذكراه عندنا يومية وأسبوعية وشهرية، ذكره دائم ﷺ في كل يوم وليلة. المسلم الحقيقي لا يحتاج إلى موالد لتذكر النبي ﷺ ، لأنه يتذكره دائماً، وتُعمل الدروس والخطب في السيرة والغزوات والشمائل المحمدية، هكذا ينبغي أن تكون على مدار العام، وبين فترة وأخرى يذكر الناس بهدي نبيهم ﵊ وسيرته، وهكذا ينبغي أن يكون، ولكن الناس إذا اعتراهم الوهن والفسق والضعف راحوا يقيمون الاحتفالات لعظمائهم، وهذه طريقة الكفار، انظر إليهم في احتفالاتهم بالأشخاص. قال العلامة المصري/ محمد رشيد رضا ﵀: إن من طباع البشر أن يبالغوا في تعظيم أئمة الدين والدنيا في طور ضعفهم في أمور الدين والدنيا، لأن هذا التعظيم- هذا هو التحليل النفسي للمولد- لا مشقة فيه على النفس، فيعملونه بدلاً مما يجب عليهم من الأعمال الشاقة التي تُعمل طيلة العام، ولذلك ترى أهل الفسق أفسق الناس وأفجر الناس يشاركون في المولد لأنها ليلة في السنة، يدخل بها مع المحتفلين ثم يخبره ضلال الصوفية بأنه قام مغفوراً له عند رب العالمين، ليلة في السنة يحتفل بها معهم ثم يقوم مغفوراً له، ما أسهل ذلك! وليس من تعظيم النبي ﷺ الابتعاد عن دينه، ولا الابتداع في دينه، ونحن نعلم بالتاريخ الذي ذكره العلماء متى اخترع المولد الذي أحدثه السلطان المسمى كوكا بوري بن أبي الحسن علي بن باتكين في القرن السادس الهجري، ولا زال العلماء يفتون بتحريمه وينصون على ذلك ممن عرفوا سنة النبي ﷺ وفقهوا ذلك ولم تنطلِ عليهم الأمور وتختلط.

стр. 3639

عجيب أمر مبتدعة الموالد وهناك ممن ينتسب إلى العلم من اختلط عليه الأمر ولم يتبين له أو جهل ذلك أو تابع الكثرة الكاثرة من الناس، أو رأى فيه نوع بدعة حسنة وليس هناك بدعة حسنة، لأن الرسول ﷺ قال: (كل بدعة ضلالة) فإذا قال الشارع: كل بدعة ضلالة لا يمكن أن يأتي إنسان ويستحسن ويستثني، إذا لم يستثن الشارع ليس لنا حق الاستثناء (كل بدعة ضلالة) ويقال لهؤلاء: شهر ربيع الأول هذا الذي ولد فيه ﷺ هو بعينه الذي مات فيه فليس الفرح فيه بأولى من الحزن، لماذا لا تحزنون؟ إذاً أو يستوي عندكم الأمران؟ وإذا كانت البعثة للإسلام أهم من مولده، فلماذا لا تحولون الاحتفال إلى البعثة؟ أيهم أهم للعالم والبشرية: البعثة أم المولد؟ مولده أهم أم بعثته أهم أم هجرته أهم؟ فلو كنتم صادقين بالاحتفال بأهم مناسبة كما تزعمون احتفلوا ببعثته، لكن لا أحد يحتفل ببعثته، ولا نريد منهم أن يحتفلوا بالبعثة، ولكن من باب الإلزام والمحاجة نقول لهم ذلك.

стр. 3640

بدع ومنكرات ترافق الموالد ثم إن في كثير من هذه الموالد اعتقادات فاسدة ممن يحضرون، سواء كان ذلك في قراءة قصائد فيها غلو وشرك أكبر وليس بأصغر، كقصيدة البوصيري: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم ترك الله ويريد أن يلوذ برسول الله ﷺ عند حلول الحادث العمم فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم وضرتها: هي الآخرة، ومن علمك: (من) للتبعيض، فماذا بقي الله إذاً؟! هذه هي قصيدة البردة التي يلهجون بذكرها، الشرك الأكبر وغير ذلك يحضرونه، ويقومون عند ذكر ولادته ﵊ احتراماً وقوفاً، ويقول بعض الغلاة منهم: دخلت روحه إلى المجلس قوموا، وأن روحه تطوف بالمكان، وهذا من أبطل الباطل وأكذب الكذب. ولو قال إنسان: نحن لا نقرأ البردة ولا نقول الشرك نقرأ سيرة ابن هشام، نقرأ في كتاب للسيرة كتاب موثوق، فنقول: عينتم يوماً أم لا؟ واحتفلتم به أم لا؟ واعتقدتم أنه قربة إلى الله أم لا؟ في يومٍ ما عينه الشارع ولا فضله ولا جعله عبادة فإذاً اجتماعكم غير مشروع حتى لو لم تقرءوا البردة ولا غيرها. ثم تملأ البطون بالأطعمة والحلويات الخاصة، والفقراء بالحمص، ولذلك يقولون في الأمثال العامية: خرجنا من المولد بلا حمص. وفي هذه الموالد تحصل كثير من المنكرات والمفاسد، وفي بعض البلدان استعمال الغناء وآلات الطرب، واختلاط الرجال بالنساء وهذا مشاهد ولا يمكن إنكاره، وحتى الراقصات يشاركن في ذلك، وقد قرأت في بعض الجرائد تحقيقاً صحفياً في مشاركة الراقصات في المولد والأجور التي يأخذنها، ويسمع الغناء وتصفيق النساء ويكون في الاختلاط سبب عظيم للفتنة. الجمع بين كتاب الله والأغاني في مناسبة واحدة، الأغاني والألحان والطرب وهز الرءوس والتمايل والدف والمزهر والمزمار والدربكة وغيرها أو بعضها في مجلس ذكر، كيف يكون هذا؟! يعملون أعمال الشياطين ويطلبون الأجر من رب العالمين؟! أين هؤلاء من قوله : ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة:٨٣]؟ هذا هو التفاعل الحقيقي ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة:٨٣] وتخرج النساء إلى المقابر متبرجات في المولد، ويصبح المولد غرضاً ومجالاً للأغراض المشينة، ويتبعونه بموالد أخرى وزيارات لقبور أخرى في بعض البلدان. عباد الله لو خلا هذا من المحرمات وكان مجرد جلسة كما قلنا، فإن العلماء قد بينوا حكم ذلك قال ابن الحاج الإمام المالكي في كتابه المدخل: فإن خلا المولد النبوي- يعني من المنكرات والغناء وتوابعها- وعمل طعام فقط ودعي إليه الناس، دعا به الإخوان، فهو بدعة بنفسيته فقط، إذ أن ذلك زيادةٌ في الدين وليس من عمل السلف الماضية (لا تقوم الساعة حتى يصير المعروف منكراً والمنكر معروفاً) ولذلك أكثر العالم الإسلامي- وهذه حقيقة يعترف بها- يحتفلون بالمولد. قد عرف المنكر واستنكر المعروف في أيامنا الصعبة وصار أهل العلم في وحدةٍ وصار أهل الجهل في رتبة حادوا عن الحق فما للذي ساروا به في ما مضى نسبة فقلت للأبرار أهل التقى والدين لما اشتدت الكربة لا تنكروا أحوالكم قد أتت نوبتكم في زمن الغربة وهذا ما حصل والله، ونحن من الواجب علينا النصح والتذكير بالأسلوب الحسن والكلام الحسن ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥]. نسأل الله أن يجنبنا البدع ما ظهر منها وما بطن، نسأل الله تعالى أن يرزقنا اتباع السنة وأن يحيينا عليها وأن يميتنا عليها إنه سميع مجيب قريب. اللهم آمنا في الأوطان والدور وأصلح الأئمة وولاة الأمور، واغفر لنا يا عزيز يا غفور، اللهم إنا نسألك نصراً تنصر به أولياءك وحزبك المفلحين، اللهم انصر من نصر الدين واخذل من خذل المسلمين، اللهم رد عن إخواننا كيد الكائدين وعدوان المعتدين يا رب العالمين، كن معهم ولا تكن عليهم، وانصرهم ولا تنصر عليهم يا أرحم الراحمين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 3641

الزواج السري إن الشريعة الإسلامية قد حافظت على المجتمع المسلم وحفظته من كل ما يمس طهره وعفافه ويخدشه، أو يجعل للريبة والشك فيه مكاناً، وذلك بالتشريعات الربانية المحكمة، ومن ذلك أمر الزواج، فقد أمرت وأوجبت الولي والشاهدين في النكاح، وبعد ذلك لابد من إعلان النكاح حتى يفرق بينه وبين الزنا والسفاح، وقد انتشر في هذه الأيام ما يسمى بالنكاح السري، الذي يدخل الريبة والشك إلى المجتمع، هذا هو ما تحدث عنه الشيخ حفظه الله، ذاكراً تحريمه، وبعض مفاسده، ووجوب إعلان النكاح، وفوائده.

стр. 3642

حكم الزواج السري إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: أيها الإخوة: كنا قد تكلمنا في خطبةٍ ماضية عن أركان النكاح وشروطه في هذه الشريعة، ثم أتبعنا ذلك بخطبة أخرى في الكلام عن نوع من الزواج الذي بدأ يظهر عند بعض الناس، وهو أن يتزوجها بشرط ألا يكون للزوجة مبيت ولا نفقة، وبعضهم يتزوجها عند أهلها، وبعضهم يخفي هذا الزواج، وهو الذي يعرفه بعض الناس بـ (زواج المسيار) وذكرنا أن هذا الزواج إذا كان مكتمل الشروط، بأن تحققت فيه شروط العقد، وشروط صحة النكاح؛ فإنه نكاح صحيح، وبهذا يفتي شيخنا أبو عبد الله ابن باز نفع الله به. وكذلك عرفنا أن الشروط هذه فاسدة غير مفسدة للعقد، لأن للمرأة الحق في المبيت والنفقة، فإذا سكتت عن هذه المطالبة فالعقد صحيح باقٍ على صحته، وإذا طالبت بحقها في المبيت والنفقة فلها ذلك، وكان الشرط الذي اشترطه عليها في العقد باطلاً وفاسداً غير مفسد، فإذا أعطاها حقوقها فالحمد لله، وإن أبى فإنه يجبر على الطلاق، ولكن هذا النكاح قد لا يكون مرشحاً للنجاح من الناحية الاجتماعية، حيث إن الزوج لا يتكلف فيه شيئاً، وربما كان مجالاً للتذوق والتنقل من امرأة إلى أخرى، ولوحظ أنه يفتح باباً للفساد عند المرأة التي لا يأتيها هذا الرجل إلا مرة في الشهر أو نادراً، فاتخذت ذلك ذريعة إلى ارتكاب الفواحش، واستعانت على ذلك بظهورها أمام الناس أنها متزوجة، فعند ذلك يصبح هذا النكاح حراماً ليس في ذاته ولكن لما يؤدي إليه من المفاسد، فالنكاح إذا اكتملت فيه الشروط فهو صحيح، وإذا وجدت فيه شروطٌ فاسدة غير مفسدة فهو باق على صحته، وإذا أدى إلى وقوع الفساد فإنه يحرم لا لذاته، ولكن لما يؤدي إليه من الفساد. وذكرنا أن لبعض الناس أغراضاً في مثل هذا النكاح، كأن يكون فقيراً، أو أن تكون المرأة موظفة لا تريد فراق وظيفتها أو أهلها، أو هو لا يريد أن يكتشف أمره، وأن عنده زوجة أخرى ونحو ذلك. وسنزيد الكلام إيضاحاً -إن شاء الله- في هذه الخطبة، في قضية حكم الزواج السري، ما حكم الإسرار بالزواج وكتمان أمره وجعله خفياً؟ وقد ذكرنا أن بعض الناس يعمدون إلى الزواج من بعض النساء في الخارج، أو يتزوج الخادمة في بلدها ويأتي بها ويكتم هذا الأمر، فما حكم كتمان الزواج؟ وما حكم هذا النوع من النكاح؟ وما حكم نكاح الهبة التي يسميها بعض الناس كذلك؛ أن تهب المرأة نفسها للرجل بدون ولي ولا شاهدين ولا إعلان؟

стр. 3643

حكم إعلان النكاح أما بالنسبة لإعلان النكاح، فقد قال ابن قدامة ﵀ في كتابه المغني: ويستحب إعلان النكاح والضرب فيه بالدف، قال أحمد: يستحب أن يظهر النكاح، ويضرب فيه بالدف، حتى يشتهر ويعرف. وقيل له: ما الدف؟ قال: هذا الدف -أي: المعروف- وقال: لا بأس بالعزف في العرس بمثل قول النبي ﷺ للأنصار: أتيناكم أتيناكم فحيانا وحياكم ولولا الذهب الأحمر ما حلت بواديكم ولولا الحبة السوداء ما سمنت عذاريكم وله ألفاظ أخرى. قال أحمد ﵀: لا على ما يصنع الناس اليوم من الكلام الفاحش، والتوسع في المعازف. يقول أحمد ﵀: لا على ما يصنع الناس اليوم، وابن قدامة ﵀ يقول ذلك، فما بالهم لو شاهدوا ما يحدث في هذا اليوم! وقال أحمد أيضاً: يستحب ضرب الدف والصوت في الإملاك -التي يسميها الناس: الملكة- فقيل له: ما الصوت؟ قال: يتكلم ويتحدث ويظهر. والأصل في هذا: ما رواه محمد بن حاطب قال: قال رسول الله ﷺ : (فصل ما بين الحلال والحرام الصوت والدف في النكاح) رواه النسائي، وقال ﵊: (أعلنوا النكاح)، وفي لفظ: (أظهروا النكاح) وكان يحب أن يضرب عليه بالدف، وفي لفظ: (واضربوا عليه بالغربال) وهو الدف المعروف المفتوح، والشرط ألاَّ يكون فيه ما يجعله بعض الناس من أنواع من الحلق المعدنية، التي تصدر أصواتاً عند الضرب به، فيكون دفاً مجرداً، وهو الدف المعروف للنساء في الأعراس. وعن عائشة أنها زوجت يتيمة رجلاً من الأنصار، وكانت عائشة فيمن أهداها إلى زوجها، قالت: (فلما رجعنا قال لنا رسول الله ﷺ : ما قلتم يا عائشة؟ قالت: سلمنا ودعونا بالبركة ثم انصرفنا، فقال: إن الأنصار قوم فيهم غزل، ألا قلتم -يا عائشة: أتيناكم أتيناكم فحيانا وحياكم وفي لفظ: ولولا الحنطة الحمراء ما سمنت عذاريكم وقال أحمد ﵀: لا بأس بالدف في العرس والختان، وأكره الطبل. والمقصود التحريم، فإن أحمد ﵀ قال: أكره -ويقصد كراهية التحريم- وأكره الطبل -وهو المنكر- وهي الكوبة التي نهى عنها النبي ﷺ ، وقد جاء ذلك في الحديث الصحيح، في النهي عن الكوبة، وهي الطبل المشهور بين الناس، مما هو مغلق الطرفين ويضربون به، مثل: القمع الكبير، وهيئته معروفة عند العامة.

стр. 3644

كراهية كتمان النكاح مع الولي والشاهدين وإن عقدوا النكاح بولي وشاهدين، فأسروه، أو تواصوا بكتمانه، كره ذلك وصح النكاح، وبه يقول أبو حنيفة والشافعي وابن المنذر. وممن كره نكاح السر: عمر بن الخطاب ﵁، وعروة، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، والشعبي، ونافع. وقال أبو بكر بن عبد العزيز: النكاح باطل؛ لأن أحمد قال: إذا تزوج بولي وشاهدين فلا حتى يعلنه. وهذا مذهب مالك، وهو وجوب إعلان النكاح. إذاً: مذهب جمهور الفقهاء على أن إعلان النكاح مستحب، وذهب بعضهم: إلى أنه فرض واجب، وهذا رأي الزهري ﵀، وعنده أنه إذا نكح نكاح سر وأشهد رجلين وأمرهما بالكتمان، وجب التفريق بين الزوجين، ورأي مالك ﵀ أن نكاح السر يفسخ، وسيأتي كلام الإمام ابن تيمية ﵀ مفصلاًً في هذه القضية بعد قليل. ونلاحظ أن الشريعة أمرت بالإشهاد عند العقد، وأمرت بالإعلان عن النكاح في أمره ﵊ بقوله: (أعلنوا النكاح)، وبقوله: (أظهروا النكاح) غير أنه إذا أعلنه في بلد لم يجب عليه إعلانه في بلد آخر، وهذا اختيار الشيخ عبد العزيز بن باز نفع الله به، في الأمر بالإعلان بالنكاح وإشهاره، وأنه لو أشهره في بلد لا يلزمه أن يشهره في بلد آخر. إذاً: الإشهاد عند العقد والإعلان بعده مما جاءت به الشريعة، وأمرت بالضرب بالدف إعلاناً للنكاح، وأي وسيلة لإعلان النكاح، كهذه الأنوار والزينات، وبطاقات الأعراس، واجتماع الناس على الوليمة، كل ذلك من وسائل الإعلان؛ فهي مشروعة، إذا لم يرتكب محرم فيها، ولولا أن في دق منبهات السيارات إزعاج للناس لقال به بعض أهل العلم من المعاصرين، كما ذكروا ذلك في فتاويهم، فيسلك في إعلان النكاح كل طريق يؤدي إليه؛ تنفيذاًَ لأمر الشارع. وجاء في رواية ضعيفة: جعله في المسجد. وذكر العلماء أن علة ذلك إعلانه؛ لأنه إذا كان العقد في المسجد لم يكن خفياً، فإن المصلين سيشهدون ذلك، وعند الإشهاد في العقد يعلن بين الأقارب، وعند الوليمة والضرب بالدف ونحوه يعلن على الأباعد، فيتحقق الغرض الذي قصده الشارع في إعلان النكاح. قال شيخ الإسلام ﵀ وقد سئل عن رجل تزوج امرأة مصافحة؛ والمصافحة: اسم كانوا يطلقونه في زمن شيخ الإسلام ﵀ على نكاح السر: هل يصح النكاح أم لا؟ فأجاب: الحمد لله، إذا تزوجها بلا ولي ولا شهود وكتم النكاح فهذا نكاح باطل باتفاق الأئمة، بل الذي عليه العلماء أنه لا نكاح إلا بولي: (أيما امرأة تزوجت بغير إذن وليها؛ فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل).

стр. 3645

حكم زواج الهبة وهنا نتوقف قليلاً قبل أن نتابع كلامه ﵀ في قضية الإعلان، لنذكر حكم زواج الهبة، الذي يسميه بعض الناس كذلك. إذا لم يوافق أبوها، وأحبها وأحبته، وتعلق بها وتعلقت به، هرب بها، أو اختلى بها، وقال: زوجيني نفسك، فتقول: زوجتك نفسي، فيقول: قبلت. وقد يستدعي بعض هؤلاء الجهلة من أرباب المعصية، يستدعي اثنين من أصحابه، ليشهدوا على هذا العقد ليكون حلالاً بزعمه ألا فليعلموا أن هذا النوع من العقد باطل باطل باطل، كما أخبر النبي ﷺ ، فللولي الحق في تزويج المرأة، ولكنه ليس مستبداً بذلك، بل وضعت الشريعة له شروطاً: ١ - منها: أن تكون المرأة راضية. ٢ - ألاَّ يعضل المرأة، وإلا يخلع من الولاية وتجعل إلى غيره، فالذي يزعم أنه أحب امرأة وتعلق بها وتعلقت به، وأن أهلها لا يوافقون على الزواج، فيهرب بها، أو يذهب إلى بلد، ويقول: إن فيه شيخاً يزوج بغير ولي، فإن ذلك باطل بنص حديث النبي ﷺ . وأما مسألة الهبة؛ أن تهب المرأة نفسها لرجل، فإن ذلك خاص بالنبي ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٠] فهذا حكم خاص بالنبي ﷺ ، وأما غيره فليس هناك شيء اسمه زواج الهبة، أن تقول: وهبتك نفسي، فيقول: قبلت، ويكون عقداً شرعياً، هذا محال ولا يكون في هذه الشريعة، وبعض الناس يريدون التحايل بأي طريقة، ليصل إلى فرج امرأة، فهذا إنسان فاسق متحايل على الشريعة والدين، وفعله حرام، ويأثم بذلك، وبهذا تتبين قضية الزواج بامرأة دون موافقة أهلها أو الهرب بها، أو الذهاب إلى بلدٍ لا يشترطون فيه في المحكمة الولي ونحو ذلك.
следующие страницы →