Полный текст (7 040 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.
стр. 3781
الغسل بعد التبول
السؤال
إذا تبول الإنسان هل يغسل السبيلين أم محل البول؟
الجواب
يكفي محل البول.
стр. 3782
مد القدمين تجاه القبلة
السؤال
مد القدمين إلى اتجاه الكعبة؟
الجواب
لا أعلم فيه حرمة، في حدود ما أعلم أنه ليس بحرام.
стр. 3783
الصور في البيت
السؤال
ذهبت إلى بيت أختي فوجدت عندهم رجلاً يريد أن يشتري البيت، وكان صاحب البيت معه، فقمت لأقلب الصور التي كانت على الجدار؛ فجاءت أختي وتكلمت علي بكلام غير لائق؟
الجواب
اصبر واحتسب الأذى في سبيل الله، ورفعها أحسن من قلبها.
стр. 3784
الاستيقاظ لصلاة الفجر
السؤال
أخي يأتي لينام ويطلب مني أن أوقظه لصلاة الفجر وهو متزوج فأتصل عليه ولا يرد عليّ ويضع المنبه ولكن نومه ثقيل، وإذا رأيته فيما بعد أراه يلوم نفسه على عدم قيامه، فهل يأثم؟
الجواب
إذا اتخذ جميع الوسائل وما تكاسل، فإنه إن شاء الله لا يأثم، وأما إذا كان تكاسلاً وأوقظ وأحس بأنه قد أوقظ، ولكنه استمر في النوم فهذا مقصر.
стр. 3785
طلب السماح من المغتاب
السؤال
جلست في مجلس فيه غيبة فهل الواجب علي أن أتسامح من المغتاب؟
الجواب
نعم.
طبعاً إذا كنت أنت راضياً باغتيابه، إلا إذا كان سيجد في نفسه عليك شيئاً، أي: ما كان يعلم أنه قد اغتيب فلما أخبرته آذيته، فارتفعت المسألة في نفسه، وصار فيها مضاعفات، فلا تخبره بالغيبة، بل تب إلى الله واستغفر له ودافع عنه في المستقبل، وأنكر على من يغتابه، واذكر محاسنه.
стр. 3786
الساعة المطلية بالذهب
السؤال
لبس الساعة المطلية بالذهب؟
الجواب
بعض العلماء يقول: الطلاء إذا حك وكان له جرم فلا يجوز، وبعضهم يقول العبرة بما يظهر وليس بالقيمة، فلو كان الذي يظهر الذهب أو الطلاء الذهبي فهذا لا يجوز ولو كان طلاءً، لكن يكون ذهباً، فلو كان طلاءً أصفر من معادن أخرى، فلا بأس، لكن الذهب لا تلبسه.
стр. 3787
الراتب المصروف من البنك
السؤال
هل يجوز أن نأكل من راتبنا الذي صرفناه من البنك؟
الجواب
هذا راتبك وهذا تعبك، ولو جاء من البنك، لكن أنت هذا تعبك، فجهة العمل حولته إلى البنك حتى لا تضيع الرواتب أو شيء من هذا القبيل، فصار الآن ضرورة أن تأخذ الراتب من هذا المكان، فكون عملك حلال لا يعني أن الراتب الذي تأخذه حرام، ما دام أن عملك حلال فراتبك حلال، لكن إذا استطعت أن تجد وسيلة أخرى للقبض من غير وضع الفلوس في البنك فهو أحسن.
стр. 3788
نكاح المشركات الكتابيات
السؤال
نكاح المشركات الكتابيات وهن يعتقدن بذلك؟
الجواب
بعض العلماء مثل ابن عمر قال: لا أعلم شركاً أعظم من أن تقول بأن عيسى ربها أو كفر أعظم، لكن الصحيح أن الكتابيات يجوز الزواج منهن إذا كن محصنات، لكن أين تجد الآن محصنة من أهل الكتاب، هذا أولاً، وثانياً: الزواج منهن فيه خطر وخصوصاً إذا أقمت في تلك البلاد، لأن القانون يكون معها أحياناً، وتحرم من أولادك، ويتربون في بلاد الكفار، وإذا طالبت بهم في المحكمة تأخذهم وأنت ترجع بلدك خائباً وأنت حسير تلوم نفسك، وذهب أولادك بسبب هذه الخطوة التي أقدمت عليها من الزواج بالكافرة.
стр. 3789
الاعتذار من إجابة الفتوى
السؤال
بعض الإخوة يكون لديه إلمام جيد ومعرفة أكيدة ببعض الفتاوى الشرعية، لكن إذا سألته عنها اعتذر عن الإجابة وقال: لا أتحمل إثم الفتوى؟
الجواب
إذا كان هناك غيره ممن يفتي في المسألة أو يعلم الفتوى ففعله جيد، أما إذا كان ليس هناك غيره في المكان الذي يسأل فيه السائل وليس هناك من يعلم إلا هو، فلا بد أن يجيب.
стр. 3790
التبرع بالفوائد الربوية
السؤال
رجل أودع مالاً كثيراً في بنك ربوي، وبعد سنة أخذ الفوائد وتبرع بها للمجاهدين، فهل هذا جائز؟
الجواب
هذا ليس تبرعاً، وإنما هو تخلص، وليس فيه أجر التبرع وإنما هو تخلص.
стр. 3791
الصلاة عند طلوع الشمس وغروبها
السؤال
الصلاة عند طلوع الشمس وغروبها؟
الجواب
إذا كان نفلاً فلا يجوز لأنه وقت نهي، وإذا كان فرضاً واحداً ولم يتذكر الصلاة إلا في ذلك الوقت فيصليها.
стр. 3792
حكم توليد الرجل للمرأة
السؤال
زوجتي حبلى ولا يوجد في المستشفى إلا رجال أخصائي طب ونساء وطبيب الحالات المستعصية؟
الجواب
إذا كان لا يوجد مستشفى ثانٍ فيه طبيبة نساء صار ذلك اضطراراً، أما إذا وجدت في المستشفيات الأخرى، فاذهب المستشفيات الأخرى.
стр. 3793
بناء منزل من العمل في البنك
السؤال
أعمل في البنك وأثناء العمل بنيت منزلاً، فما حكمه؟
الجواب
إذا كان أثناء العمل الذي بنى منه لا يعلم بحكم العمل، فلا بأس، أي: أن الأموال التي استفاد منها من البنك ولم يكن يعلم بحكم العمل أنه حرام فلا بأس، عفا الله عما سلف، أما إن كان يعلم فيجب إخراجها أو إخراج مثلها، إذا كانت عنده يتخلص منها، وإذا كانت في شيء لا يمكن إخراجه، مثلاً: شخص عنده سيارة فيها نسبة من مال حلال ونسبة من مال حرام، ماذا يفعل؟ هل يقسم السيارة بالنصف؟! لا.
وإنما يتصدق بمال آخر يوازي قيمة الحرام الذي في السيارة ويتخلص منه.
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3794
الوصية الصغرى لشيخ الإسلام ابن تيمية
في هذا الدرس تحدث الشيخ عن الوصية الصغرى لشيخ الإسلام ابن تيمية، وقد تطرق فيها إلى مواضيع عدة، منها: فضل معاذ ﵁، وإتباع السيئات بالحسنات، والحذر من موافقة أهل الكتاب، وأهمية ذكر الله.
ثم عرج على رسالة أخرى اسمها: "قاعدة في المحبة" ذكر فيها أكثر من ثلاثين قاعدة في المحبة ومسائل أخرى مهمة.
стр. 3795
فضل معاذ ﵁
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فموضوع الرسالة التي سنتحدث عنها هي: الوصية الصغرى لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وسنمر على هذه الوصية، ثم بعد ذلك نعقبها بتلخيص قاعدة في المحبة في نحو عشرين قاعدة بمشيئة الله تعالى، مع عرض بقية النقاط.
الوصية الصغرى اسم اُشتهرت به رسالة صغيرة لـ شيخ الإسلام ﵀، وهي في الحقيقة شرح لحديث معاذ ﵁:) اتق الله حيثما كنت).
وهذه الوصية أوصى بها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ شخصاً طلب منه الوصية، فيكون الكلام عنها من باب التواصي بالحق والتواصي بالصبر الذي أُمرنا به، واشتملت على موضوعات مختصرة ذكرها رحمه الله تعالى، فمنها: فضل معاذ رضي الله تعالى عنه، وقضية إتباع السيئات بالحسنات، ومسألة الحذر من موافقة أهل الكتاب، وأهمية ذكر الله والإخلاص له، وعموماً فإن الرسالة تدور على التقوى ومعانيها.
أما بالنسبة لهذه الرسالة فإن السبب في كتابتها؛ كان سؤالاً وجهه شخص اسمه القاسم بن يوسف بن محمد التوجيبي السبتي المغربي يقول في رسالته أو سؤاله لـ شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "يتفضل سيدنا الشيخ الفقيه الإمام الفاضل العالم بقية السلف وقدوة الخلف، المُبدع المفصح، أعلم من لقيت في بلاد المشرق والمغرب تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية أبقى الله علينا بركته، بأن يوصيني بما يكون فيه صلاح ديني ودنياي، ويرشدني إلى كتاب يكون عليه اعتمادي في علم الحديث، وكذلك في غيره من العلوم الشرعية، وينبهني على أفضل الأعمال الصالحة بعد الواجبات، ويبين لي أرجح المكاسب، كل ذلك على قصد الإيماء والاختصار والله تعالى يحفظه، والسلام الكريم عليه ورحمة الله وبركاته".
فأجاب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ورضي عنه وأرضاه: الحمد لله رب العالمين، أما الوصية فما أعلم وصية أنفع من وصية الله ورسوله لمن عقلها واتبعها قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١]-فما هي أعظم وصية؟ تقوى الله- ووصى النبي ﷺ معاذاً لما بعثه إلى اليمن فقال: (يا معاذ! اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن) وهذا حديث صحيح.
وكان معاذ ﵁ من النبي ﷺ بمنزلة عليَّةٍ فإنه قال له: (يا معاذ والله إنني لأحبك) وكان ﷺ يردفه وراءه كما جاء في الحديث الصحيح الذي يقول فيه معاذ ﵁: (كنت ردف النبي ﷺ على حمار يقال له عفير، فقال: يا معاذ! هل تدري ما حق الله على عباده، وما حق العباد على الله؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً، فقلت: يا رسول الله! أفلا أبشر به الناس؟ فقال: لا تبشرهم فيتكلوا) أخرجه البخاري، ثم أخبر به معاذ ﵁ عند موته تأثماً من كتم العلم.
وروي أن النبي ﷺ قال فيه -أي: في معاذ -: (أنه أعلم الأمة بالحلال والحرام) كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال فيه: (أرحم أمتي بأمتي أبو بكر -وفي رواية: أرأف أمتي بأمتي أبو بكر - وأشدهم في دين الله عمر، وأشدهم حياءً عثمان، وأقضاهم علي بن أبي طالب، وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت، ألا إن لكل أمة أميناً وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح) وهذا الحديث أخرجه الترمذي وغيره وهو حسن بمجموع طرقه.
وأخبر ﵊ أن معاذاً ﵁ يُحشر أمام العلماء برتوة، يتقدم العلماء كلهم يوم القيامة، معاذ بن جبل ﵁ برمية حجر -مسافة- أمام والعلماء وراءه، وقد جاء ذلك عن النبي ﷺ من حديث عمر وجابر بن عبد الله ﵄.
ومن فضله أنه ﷺ بعثه مبلغاً عنه داعياً ومفقهاً ومفتياً وحاكماً -أي قاضياً- إلى أهل اليمن، كما جاء ذلك في الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري، أنه ﵊: (بعث معاذاً إلى اليمن، قال: إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله).
وكان رسول الله ﷺ يشبهه بإبراهيم الخليل، ولكن هذا قد جاء في طرق موقوفة عن ابن مسعود ﵁، أي: ثبت عن ابن مسعود ﵁ أن معاذ بن جبل يُشبه إبراهيم الخليل من جهة، وإبراهيم كان إمام الناس، وكان ابن مسعود يقول: [إن معاذاً كان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين] تشبيهاً له بإبراهيم.
فإذاً: معاذ موحد وإمام يأتم به الناس، وهذا هو وجه مشابهته للخليل إبراهيم ﵇.
وكان معاذ ﵁ يجلس ويتصدر في المسجد الجامع في دمشق، وقد دخل عليه واحد من الناس فرآه براق الثنايا فتىً لم يكن كبيراً في السن عندما تصدر بالعلم الذي آتاه الله إياه.
يريد ابن تيمية أن يُوصي الشخص الذي طلب منه الوصية، وأن ينقل له وصية النبي ﷺ لـ معاذ بن جبل ﵁.
فوصاه بهذه الوصية، فعُلم أنها جامعة؛ لأن النبي ﷺ ما وصى أعرابياً من الأعراب وإنما وصى معاذاً، ولما وصى معاذاً معناها أنه انتقى له وصية تناسب حاله، فعُلم أنها جامعة، وهي كذلك لمن عقلها، مع أنها تفسير للوصية القرآنية، ووصية الله للبشرية: أن اتقوا الله.
هذه الوصية جامعة -وصية النبي ﷺ لـ معاذ - لأن العبد عليه حقان: حق لله ، وحق لعباده، فالحق الذي عليه لله قد يُخل به أحياناً والعبد يمكن أن يخل من عدة جهات: أولاً: إما بالإخلال وذلك بترك الواجبات، أو الإخلال بفعل المحرمات، إما أن يترك واجباً أو يفعل محرماً، هذا هو الإخلال فقال النبي ﷺ : (اتق الله حيثما كنت) أي: لا تترك واجباً ولا تفعل محرماً، وهذه كلمة جامعة، وهذه هي التقوى.
ثم إنه أوصاه بها في السر والعلانية.
стр. 3796
إتباع السيئات الحسنات
ثم قال له: -فإذا حصل الإخلال ماذا يفعل العبد؟ فجاء الجواب-:) وأتبع السيئة الحسنة تمحها).
فإن المريض متى ما تناول شيئاً مضراً، فإن الطبيب يأمره بإصلاح هذا الضرر الحاصل من تناول الشيء المضر، والذنب للعبد كتناول الشيء المضر، فالكيّس الذي يتعاطى ما يصلح الضرر الذي تناوله، وكذلك لما قال له: (أتبع السيئة الحسنة تمحها) مثل الطبيب إذا جاءه واحد تناول شيئاً مضراً، فإنه ينصحه بأن يتناول شيئاً يصلح الضرر.
والعبد إذا أذنب؛ فعليه أن يأتي من الحسنات ما يكفر الذنب ويزيل الضرر، وتنبه للحكمة البالغة في أنه ﷺ بدأ بذكر السيئة قبل الحسنة، قال: (وأتبع السيئة الحسنة تمحها) فبدأ بالسيئة؛ لأن المقصود هنا إزالة أثر السيئة لا مجرد فعل الحسنة، ولذلك بدأ بذكر السيئة، فصار قوله كما في بول الأعرابي: (صبوا عليه ذنوباً من ماء) هذه مثل أتبع السيئة بالحسنة فيذهب الماء دنس النجاسة وأثرها.
وقد نبه شيخ الإسلام ﵀ إلى مسألة وقال: ينبغي أن تكون الحسنات المعمولة -إذا عملت ذنباً- من جنس السيئة فإنه أبلغ في محو الذنوب.
فإذا سافر شخص إلى بلد فسق وفجور وعمل معصية، فالحسنة المشابهة أن يذهب في عمرة، أو في سفر حج، أو في سفر جهاد، أو في سفر طلب علم، أو في سفر طاعة مثلاً.
(من قال لصاحبه: تعال أقامرك؛ فليتصدق) أي: إذا عمل معصية تتعلق بالأموال، فالحسنة المشابهة التصدق، إذا قطع رحماً يصله، فالحسنة المكفرة من جنس السيئة ومن نفس الباب تكون أبلغ في التكفير والتطهير، وأبلغ في محو الذنوب.
стр. 3797
أسباب إزالة السيئات
ثم نبه رحمه الله تعالى إلى أن السيئة عموماً تزال بأشياء، فلو قال لك أحد: أنا عملت سيئة، ما هي أسباب إزالة السيئات في الشريعة؟ وهذا الموضوع مهم أن يطرح وخصوصاً في هذه الأيام لكثرة السيئات، الآن نتيجة وجود المعاصي وأبواب الشر والشهوات، وهذه الأفلام وهذه الصحون وغيرها وقع الناس في المعاصي، فالشاهد فساد الأسواق والشوارع والمدارس والبنات والنساء، فصارت هناك معاصٍ كثيرة في المجتمع، فالمهم أن يطرح موضوع: كيف نطهر السيئة؟ لأن كثيراً من الناس لا يخلون من فعل المعصية، فمن ذا الذي يخلو من فعل المعصية في هذه الأيام، مع كثرة أبواب الشر والمعاصي التي فتحها اليهود وأعوانهم.
فمهم جداً أن يركز على قضية كيف تكفر السيئة؟ تكفر السيئة بأسباب: أولاً: التوبة.
ثانيا: الاستغفار.
فإن الله تعالى قد يغفر لهذا الشخص بإجابة دعائه عندما يقول: اللهم اغفر لي، وإن لم يتب التوبة بشروطها المعروفة، وإذا اجتمعت التوبة مع الاستغفار؛ كان أكمل.
ثالثاً: الأعمال الصالحة المكفرة.
ثم إن هذه المكفرات قد تكون مقدرة وقد تكون غير مقدرة.
المكفرات المقدرة: تدور أجناسها في الشريعة على أربعة أشياء: الأول: الذبح.
الثاني: العتق.
الثالث: الصدقة.
الرابع: الصيام.
لو نظرنا إلى المكفرات، فمثلاً: إذا حلف شخص فعليه كفارة يمين، شخص جامع في نهار رمضان، أو ظاهر من زوجته، أو عمل محظوراً من محظورات الإحرام مثلاً: صاد في الحرم.
المكفرات إذا نظرنا إليها في الشريعة إما أن تكون مقدرة أو غير مقدرة، وإذا نظرنا إلى الأشياء المقدرة، نجد أنها تدور على أربعة أشياء: الذبح والعتق والصدقة والصيام.
كما جاء في مرتكب بعض محظورات الحج والمجامع في رمضان، والتارك لبعض واجبات الحج ونحو ذلك.
أما الكفارات المطلقة غير المقدرة، فإنه قد أشير إليها في حديث حذيفة لـ عمر ﵄، قال له من حديث الرسول ﷺ : (فتنة الرجل في أهله وماله وولده، يكفرها: الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) إذاً أبواب الخير عموماً، وقد دل القرآن والسنة على أن التكفير يكون بالصلوات الخمس، كما في الحديث: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر).
وكذلك من فعل كذا؛ غفر له ما تقدم من ذنبه، ونحو ذلك جاءت أعمال صالحة مطلقة، أي: أعمال صالحة عموماً التي يفعلها يُغفر له، فإذاً: من المكفرات الأعمال الصالحة عموماً.
стр. 3798
الحذر من موافقة أهل الكتاب
ثم يقول منبهاً على زمان كأنه زماننا، ولكن نحن أسوأ بزمانه بكثير بالتأكيد، يقول: (واعلم أن العناية بهذا من أشد ما بالإنسان الحاجة إليه، فإن الإنسان من حين يبلغ خصوصاً في هذه الأزمنة ونحوها من أزمنة الفترات التي تشبه الجاهلية) الفترة هي التي ما جاء فيها رسول، وقد جاء رسولنا على حين فترة من الرسل، أي: انقطاع من الرسل.
يقول: (فإن الإنسان من حين يبلغ خصوصاً في هذه الأزمنة ونحوها من أزمنة الفترات التي تشبه الجاهلية من بعض الوجوه).
فتشبه الجاهلية بسيادة الشر وعلو الشر وباختفاء آثار دعوة الرسل، وقلة العلم، وفشو الجهل، وفشو المعاصي، فجاهليتنا تشبه الجاهلية الأولى من وجوه كثيرة.
(التي تشبه الجاهلية من بعض الوجوه) إذاً: هذه العناية بقضية تكفير السيئات خصوصاً عند الإنسان إذا بلغ في أزمنة الجاهلية التي نحن الآن واقعون فيها قال: (فإن الإنسان الذي ينشأ بين أهل علم ودين قد يتلطخ من أمور الجاهلية بأشياء، فكيف بغير هذا؟).
فلو نشأ واحد في القرون الثلاثة الأولى، أو نشأ بين أهل علم ودين فمن الممكن جداً أن يتلطخ بذنوب، فكيف إذا نشأ الشخص في أوقات جاهلية، مثل زماننا.
يقول: زمانه ومن باب أولى زماننا الذي نحن فيه الآن، حيث يتلطخ زيادة، والنبي ﵊ قد أخبر أن الناس يتلطخون بالأشياء التي يفعلها اليهود والنصارى بالذات، ولذلك قال في الحديث الصحيح: (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة) مثل ريش السهم في تواليها وانتظامها وموازاتها لبعضها حذو القذة بالقذة في تتاليها وتوازيها وتماثلها (حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن) من غيرهم؟ هؤلاء الذين أعني، فهذا الحديث يبين أن التشبه سيسري، فقد قال: لتتبعن، فالخطاب للمسلمين، فأثبت أن التشبه سيسري في الأمة، وأنه سيسري إلى أصحاب الدين أيضاً، كما قال غير واحد من السلف، فإن كثيراً من أحوال اليهود قد ابتلي به بعض المنتسبين إلى العلم، مثل كتم العلم، والتلبيس، يشترون به ثمناً قليلاً، يبيع لك فتوى، أو يصدر فتوى توافق هوى شخص، فإن بعض أهل العلم سيتشبهون باليهود والنصارى.
(وكثيراً من أحوال النصارى قد ابتلي به بعض المنتسبين إلى الدين) كما يوصل ذلك من فهم دين الإسلام، فـ الصوفية منتسبون للدين مشابهون للنصارى، وبعض المفتين وبعض الذين يحملون شهادات شرعية ودكاترة وإلى آخره، يتشبهون باليهود من جهة كتم العلم وتحريف العلم، ولوي أعناق النصوص، وبيع الفتاوى وإصدار الفتاوى حسب الأهواء، وبعض المنتسبين للدين من العبّاد والزهاد وغيرهم سيشابهون النصارى في الرهبنة والبدع والانحراف.
فالنصارى مشكلتهم البدعة: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ [الحديد:٢٧] وهؤلاء بعض الذين ينتسبون للدين من أصحاب بعض الطرق الصوفية، ملايين في العالم، وهم سائرون في قضية البدعة.
(وإذا كان الأمر كذلك ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ﴾ [الزمر:٢٢] ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام:١٢٢] لا بد أن يلاحظ أحوال الجاهلية، وطريق الأمتين المغضوب عليهم والضالين من اليهود والنصارى فيرى أنه قد ابتلي ببعض ذلك).
إذاً: يقول: ألقوا نظرة على سيرة اليهود والنصارى وتمعنوا فيها، لاحظوا أحوال الجاهلية ستجدون أنفسكم أنكم قد ابتليتم بشيء من هذا، واتبعتموهم في قليل أو كثير.
فأنفع ما للخاصة والعامة لو قلنا: نحن المتدينين والملتزمين، لو قلنا نحن الخاصة، وهؤلاء العامة الذين لا ينتسبون إلى التدين، ولكن دخول التشبه في الجميع، لا يمكن استثناء أحد.
فإذا وقعت الواقعة في قضية التشبه واتباع اليهود والنصارى في أشياء (فأنفع ما للخاصة والعامة العلم بما يُخلص النفوس من هذه الورطات) والورطات جمع ورطة، والورطة في لغة العرب: الشيء الذي لا مخلص منه، ولا مخرج منه، فإذا دخل شخص فيه لا يكاد يخرج منه، قال: (وهو إتباع السيئات الحسنات).
إذن المخرج من الورطات هو إتباع السيئات الحسنات (والحسنات هو ما ندب الله إليه على لسان خاتم النبيين من الأعمال والأخلاق والصفات).
إلى هنا ذكرنا من مكفرات الذنوب ثلاثة: أولاً: التوبة.
ثانياً: الاستغفار.
ثالثاً: الحسنات الماحية وهي الأعمال الصالحة.
رابعاً: المصائب المقدرة، وهذه من المكفرات.
المصائب المكفرة أي: التي تكفر الذنوب، هي: كل هم وغم وألم وحزن ومرض وأذية في مال أو جسد أو غير ذلك، أو عرض إلى آخره، فالحسنات الماحية مطلوب منك أن تسعى إليها، لكن المصائب المقدرة ليست من فعلك، وهذه مسألة مهمة، فلا يقال: مرّض نفسك؛ حتى يكفر عنك سيئاتك، أو قف بالشمس؛ حتى تُصاب بضربة وتكفر عنك سيئاتك، وجوّع نفسك حتى تتألم ويكفر عنك سيئاتك، لا! المصائب المكفرة لا تكون بفعل العبد وإنما هي من قدر الله تعالى.
فلما قضى من هذا الأمر قال له: (اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها) قال له: (وخالق الناس بخلق حسن) ونحن كنا قد تكلمنا أن الحقوق على العبد من جهتين: حقوق لله، وحقوق للخلق، حقوق لله قد جرى الكلام فيها، وحقوق العباد كيف تؤدى؟
الجواب
بهذا الشطر من الحديث وهو قوله: (وخالق الناس بخلق حسن) فما هو جِمَاع الخلق الحسن مع الناس؟ جاء في أحاديث لو جمعتها تخرج بنتائج، ومنها: أولاً: (صل من قطعك) بالسلام والإكرام والدعاء له والاستغفار والثناء عليه والزيارة له وغير ذلك.
ثانياً: (وتعطي من حرمك) من التعليم والمنفعة والمال.
ثالثاً: (وتعفو عمن ظلمك) من ظلمك في دم أو مال أو عرض، وبعض هذه الأشياء واجبة وبعضها مستحبة، فهذا كله داخل في التقوى؛ لأن وصية الله لعباده بالتقوى تجمع كل ما أمر الله به، أمر إيجاب أو أمر استحباب، وما نهى عنه تحريماً أو تنزيهاً، سواء كان حراماً أو مكروهاً، فهذا يجمع حقوق الله وحقوق العباد.
ولا شك أن أكثر الناس إيماناً أكملهم خلقاً، كما جاء في الحديث الصحيح: (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً) فجعل كمال الإيمان في كمال حُسن الخلق، والإيمان كله هو تقوى الله، فهذا إذاً ملخص الموضوع.
وأصول التقوى وفروعها كلها هي الدين، وينبوع الخير وأصله: هو إخلاص العبد لربه عبادة واستعانة، لو قال: فسرها لنا بكلام آخر، نقول: التقوى هي الدين، وبكلام آخر: قال عبادة واستعانة، التي جاء قوله تعالى فيها: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] وقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود:١٢٣] وقوله تعالى: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود:٨٨].
стр. 3799
أفضل الأعمال بعد الفرائض
بهذا انتهى الجزء الأهم والأعم والأشمل من الوصية، ثم انتقل بعد ذلك للجواب على جزئية وردت في السؤال.
الجزئية الثانية التي وردت في السؤال هي عن أفضل الأعمال بعد الفرائض، كأن السائل يقول: الفرائض أنا أعرفها، وأنت عالم، وأنا وقتي وعمري محدود، دلني على عمل بعد الفرائض أعمله، فأنت عالم حجة، فأنا سوف أستفتيك في عمري هذا بعد الفرائض في أي شيء أقضيه؟ قال: (وأما ما سألت عنه من أفضل الأعمال بعد الفرائض، فإنه يختلف باختلاف الناس فيما يقدرون عليه وما يناسب أوقاتهم) لاحظ الكلام ففيه حكمة بالغة؛ لأنه يُراعي ظروف الناس.
فهناك من هو طالب، أو تاجر، أو موظف، ومن وظيفته قصيرة كمدرس، ومن وظيفته طويلة كموظف في شركة، ومن لديه نوبات، أو عاطل عن العمل، فالناس يختلفون، وهناك من ترك له أبوه إرثاً وعقارات، فلا يحتاج أن يعمل، فأفضل شيء بالنسبة لكل واحد يختلف باختلاف أحوال الناس وأوقاتهم، وهذه أوقات وقد ذكرنا أمثلة.
أما أحوالهم فهذا مثلاً عنده علم والنفس لا تشبع من العلم نهمة، وهذا عنده جلد وصبر على القراءة، وهذا عنده فهم وقوة وحافظة وقدرة على التعليم، فما أنفع شيء بالنسبة له، أن يعلِّم ويتعلم.
وهناك من عنده قدرة في التخطيط للقتال وخبرة في المعارك والسلاح، فهذا الأنفع له أن يعاون المسلمين مثلاً في الجهاد.
وآخر عنده صبر على الأذى وجرأة في الحق وقوة في الدين وحسن أسلوب، يشتغل في الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويركز عليه.
وقد يكون آخر عنده خبرات تفيد المسلمين في مال أو اقتصاد أو تأسيس أعمال خيرية ونحو ذلك.
وهذا عنده خبرة في الأسفار وتعلم اللغات بسرعة، وقد يفيد في أعمال الإغاثة ونحو ذلك.
إذاً أفضل شيء عموماً يختلف باختلاف أحوال الناس، وحتى في العلم، قد يكون واحد عنده قدرة على الخطابة، وآخر عنده قدرة على التأليف، فتقول لهذا الذي يحسن التأليف ألِّف، والذي يحسن الخطابة ألق دروساً ونحو ذلك.
هذا صوته جميل بالإمامة، وهذا موهبته الشعرية يذب عن المسلمين بها وهكذا.
فالمسألة قدرات، والناس قدرات وطاقات، لكن قد يقول واحد مثلاً: أليس هناك شيء جامع أو ورد فضله على جميع الأعمال مثلاً فلفت نظره إلى هذه المسألة.
стр. 3800
أهمية الذكر وفضله
بعد أن قال: (فلا يمكن فيه جواب جامع مفصل لكل أحد، لكن مما هو كالإجماع بين العلماء بالله وأمره) -يقول وإذا لم نتمكن أن نعطي جواباً مفصلاً في هذه المسألة، لأن الناس يتفاوتون، لكن هناك شيء معين يمكن أن يشترك فيه الجميع، بالإضافة لقيام كل واحد بما يحسنه، فما هو هذا الشيء؟ قال: (إن ملازمة ذكر الله دائماً هو أفضل ما يشغل العبد به نفسه في الجملة).
وعلى ذلك دل حديث أبي هريرة الذي رواه مسلم قال ﷺ : (سبق المفردون، قالوا: يا رسول الله! من المفردون؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات) وهذا حديث صحيح والمفردون: هم المنفردون الذين هلك أقرانهم وبقوا هم، والمقصود أنهم بقوا يذكرون الله .
وكذلك حديث أبي داود: (ألا أنبئكم بخير أعمالكم -هذا يقتضي التفضيل- وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إعطاء الذهب والورق، ومن أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم، قالوا: بلى يا رسول الله! قال: ذكر الله) حديث صحيح بطرقه.
وكلمة (ذكر الله) ماذا تعني؟ قال: (أقل ذلك-أي: أقل مرتبة في ذكر الله- أن يلازم العبد الأذكار المأثورة عن معلم الخير وإمام المتقين، كأذكار طرفي النهار، وعند المضجع، والاستيقاظ من المنام، وأدبار الصلوات، والأذكار المقيدة في الأكل والشرب واللباس والجماع، ودخول المنزل والخروج منه، ودخول المسجد والخروج منه، ودخول الخلاء والخروج منه، وعند العطاس وعند المطر وعند الرعد وعند المصيبة وغير ذلك من المناسبات) وهذه هي التي صُنفت لها كتب بعنوان: عمل اليوم والليلة، فإذا رأيت عالماً كتب كتاباً بعنوان: عمل اليوم والليلة فاعلم أن هذا موضوعه.
فهذه الأذكار المقيدة بمناسبات وأوقات، وهناك الأذكار المطلقة، وأفضل شيء في الأذكار المطلقة (لا إله إلا الله) وأذكار أخرى وردت مثل: (سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله).
فالآن كلمة (ذكر الله) -حتى لا يتصور الواحد أنها محصورة في هذه الجمل- أشار ﵀ إلى أن كلمة (ذكر الله) تشمل إلى جانب الأشياء اللسانية التي تكون فاضلة جداً إذا تصورها القلب، فبعض الناس تجده بعد الصلاة فقط لسانه وأصابعه تشتغل وعقله في مكان ونظره على الناس، ويظن أنه الآن يقوم بأفضل الأعمال، لا، هذا قلب غافل لاه، فإذا كان اشتغال اللسان مع موافقة القلب، هذا من هذه الجهات، لكن ذكر الله أشمل وأعم من قضية الأذكار التي هي باللسان.
قال: (فإن ذكر الله يشمل كل ما يقربه من الله، من تعلم العلم وتعليمه) مثل جلوسنا للعلم إذا أخلصنا فيه النية، هو من ذكر الله الذي هو أفضل من كل شيء ومن أفضل الأعمال، قال: (تعلم العلم وتعليمه، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، هذا من ذكر الله) ولهذا من اشتغل بطلب العلم النافع بعد أداء الفرائض، أو جلس مجلساً يتفقه أو يفقه فيه الفقه، الذي سماه الله ورسوله فقهاً، ليس فقط الفقه الحلال والحرام، الفقه الأكبر، الإخلاص وما يتعلق به، فهذا أيضاً من أفضل ذكر الله، وعلى ذلك إذا تدبرت لم تجد بين الأولين في كلماتهم في أفضل الأعمال كبير اختلاف، فعندما يقول الأفضل كذا وأفضل الأشياء كذا، فإذا نظرت لها في النهاية تجد أن ذكر الله يجمعها، فلا تعارض إذاً.
وهذا الذي كان يُشير إليه ويُدندن حوله في عدد من كتبه ﵀ في قضية اختلاف التنوع واختلاف التضاد، وأن هذا كله في قضية اختلاف التنوع الذي هو في الحقيقة لا تعارض فيه ولا تصادم.
نظراً لأن الناس قد يجهلون ما هو الأصلح لهم، وليس كل شخص يدرك ما هو الأفضل بالنسبة في حقه، وقد لا يعرف الشخص دائماً كل قدراته، ولا يدري إذا ضرب بسهم في هذا المجال أفضل أو في هذا المجال أفضل، هل يتوجه إلى هذا العمل أفضل، أو إلى هذا العمل أفضل.
نظراً لأنه ستعترض الشخص أشياء من الإشكالات لأجل عدم قدرته على الإحاطة بالظروف الموجودة، وعدم معرفة الغيب طبعاً، وماذا سيئول إليه حاله لو اشتغل بالتعليم أو بالجهاد أو بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك.
نظراً لهذا أشار ﵀ إلى أهمية أنه لو وقع أحد في مثل هذا الظرف ما هو المهم بالنسبة له أن يعمل؟ الاستخارة! قال: (وما اشتبه أمره عليه فعليه بالاستخارة المشروعة، فما ندم من استخار الله تعالى، وليُكثر من ذلك ومن الدعاء؛ فإنه مفتاح كل خير، ولا يعجل فيقول: قد دعوت فلم يستجب لي، وليتحرَّ الأوقات الفاضلة كآخر الليل وأدبار الصلوات وعند الأذان ووقت نزول المطر وغير ذلك).
هذا حتى يدعو الله أن يوجهه إلى أحسن وجهة وأحسن شيء يستغل فيه نشاطه ووقته ويستفيد ويفيد.
стр. 3801
أرجح المكاسب
بعد ذلك كأن السائل قد سأل سؤالاً يتعلق بالمكاسب، أي: من أين يعيش؟ وما هي العدة في مسألة كسب الرزق؟
стр. 3802
التوكل والدعاء
فقال شيخ الإسلام: (وأما أرجح المكاسب، فالتوكل على الله والثقة بكفايته وحسن الظن به، وذلك لأنه ينبغي للمهتم بأمر الرزق؛ أن يلجأ فيه إلى الله ويدعوه كما قال في الحديث القدسي: (كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي! كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم).
وفيما رواه الترمذي عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى شسع نعله إذا انقطع، فإنه إن لم ييسره لم يتيسر) شسع النعل: هي سيور النعل الذي يدخل بين الأصبعين، وطرفه في الثقب الذي في صدر النعل، حتى يمسك القدم بالنعل، فلو انقطع هذا؛ فإنه يسأل ربه.
فإذا جئت تطلب الرزق والمكاسب؛ عليك بأمرين مهمين جداً: التوكل والدعاء ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة:١٠] وهذا وإن كان في يوم الجمعة، ولكن المعنى قائم في جميع الصلوات، بعد الصلاة اخرج وابتغ من فضل الله.
(ولهذا -والله أعلم- أمر الشخص إذا دخل المسجد أن يقول: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج أمر أن يقول: اللهم إني أسألك من فضلك) فكأنه الآن يناسب الخروج من المسجد كأنك ستذهب إلى المكاسب، فتسأل الله من فضله، لأن الأعمال والوظائف تُقطع لأجل الصلاة وتخرج من الصلاة وأنت قاصد العودة أو الذهاب إلى المكاسب ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ [العنكبوت:١٧] هذا الأمر للوجوب، فهذه أول وصية في قضية المكاسب: التوكل على الله والدعاء وحسن الظن بالله وأنه يدبرك أحسن من تدبيرك لنفسك.
стр. 3803
سخاوة النفس في المال
ثانياً: (ثم ينبغي له أن يأخذ المال بسخاوة نفس ليُبارك له فيه) أي يأخذ المال بطيب نفس دون حرص على المال ودون جشع فيه، ودون هلع فيه، دون جمع للمال وكنزه وعدم إنفاقه وتجميده، وبخل به وحرص عليه، وإنما يجب أن يكون معطاءً كريماً سخياً، وإن أخذ قرشاً لا يقول له وقد أودعه صندوقه: (لن ترى النور بعد الآن) وإنما يأخذه بسخاوة نفس، أي يأخذه الآن ويعطيه غداً ويسلف هذا، ويؤجل هذا، ويسامح في هذا ويصل رحماً به، ونحو ذلك بسخاوة، فلا يكون القرش عنده عزيزاً إذا دخل صندوقه لا يرى النور ولا يخرج، وإنما يأخذ المال ويضع المال وينفق ويدخل بسخاوة نفس، نفس ليست هلعة على المال، وإنما يكون المال عنده بمثابة الحمار الذي تركبه، وبيت الخلاء الذي تقضي فيه حاجتك.
فالمال لا بد منه، فهو لازم وهو الذي جعل الله لكم قياماً، فقال: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً﴾ [النساء:٥] دنياك لا تقوم إلا بالمال، لا تذهب ولا تجيء إلا بالمال الذي جعله الله لك قياماً، ولكن هذا المال إذا أخذته بسخاوة نفس ولم تكن جشعاً وهلعاً فيه، يكون هذا المال بالنسبة لك وتعلقك به كحمارك الذي تركبه، وبيت الخلاء الذي تدخله، فهل تجد الإنسان وهو يحتاج إلى الدابة للتنقل والمشاوير مثلاً، يحتاج إلى بيت الخلاء ليقضي الحاجة فيه، أليست الحاجة ماسة إلى الحمام والمرحاض، ولكن هل تجد الواحد يعانق حماره بلهف وهو عزيز عليه، ولا ينتظر اللحظة التي يدخل فيها الخلاء ويحبه جداً ولا يكاد يفارقه، لا، فالشيء الذي لا بد منه، فاتخاذه لا بد منه، لكن هل نفسه متعلقة فيه ومنشدة إليه وحريصة عليه ومنكبة عليه، تحبه حباً جماً، لا! بالعكس، فالمطلوب إذاً اتخاذ المال ولكن يكون مثل حمارك ومرحاضك، ولكن من الذي ينفذ القضية الآن، هذا الكلام سهل ولكن أين التطبيق؟! وقد مر معنا في سيرة الشيخ الشنقيطي ﵀ أنه كان لا يميز بين الأوراق النقدية العشرة والمائة والخمسين والذي في يده للآخرين، يأخذ مصاريف البيت والباقي يتصدق به، هذا من سخاء النفس، يُبارك له فيه، ولو ما استعمل منه إلا القليل، لكن يبارك له فيه، وأما الذي يجمع الملايين بدون سخاوة نفس لا يبارك له فيها، ولا يستمتع بها، بل قد تكون نكداً عليه، وهو في قلق وهم وغم ملازم له (من أصبح والدنيا أكبر همه، شتت الله عليه شمله، وفرق عليه ضيعته، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن أصبح والآخرة أكبر همه، جمع الله عليه شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة) حديث رواه الترمذي رحمه الله تعالى وهو حديث صحيح بطرقه.
وقال بعض السلف: [أنت محتاج إلى الدنيا، وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج] فإذا بدأت بنصيبك في الآخرة، مر عليك نصيبك في الدنيا فانتظمته انتظاماً، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٨].
وأما إذا بدأت بالدنيا فقد لا تصل إلى عمل الآخرة، لكن إذا بدأت بعمل الآخرة، وجعلت الآخرة هي الأولوية وهي الأصل جاءتك الدنيا وهي راغمة، وإذا ركضت وراء الدنيا واجتهدت فيها وجعلتها هي الأولوية، فكيف تعمل لآخرتك، وقد قال الله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ [القصص:٧٧] هذا رقم واحد، والثاني: ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧] وقال: ﴿فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩] وقال: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد:٢١] ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران:١٣٣] وقال: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦].
هذا كله في أعمال الآخرة، وفي الدنيا قال: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك:١٥] قال: امشوا، والآخرة قال: اسعوا، إذاً الآخرة مقدمة وينبغي أن يكون العمل لها أكثر وتأتيك الدنيا.
قال: (فأما تعيينه) الآن جاء على التفصيل في قضية المكاسب، فهذه الأشياء هي الإطارات العامة لقضية كسب الرزق، وهناك الأشياء الخاصة، فلو قال مثلاً: بماذا تنصحني أيها الشيخ أن أتوجه، قال: (فأما تعيين مكسب على مكسب من صناعة أو تجارة أو بناية -عقارات- أو حراثة -زراعة- أو غير ذلك فهذا يختلف باختلاف الناس ولا أعلم في ذلك شيئاً عاماً، لكن إذا عَنَّ للإنسان جهة فليستخر الله تعالى فيها الاستخارة المتلقاة -إن فتح لك مثلاً باب تجارة أو باب عقار أو باب زراعة- عن معلم الناس الخير ﷺ فإن فيها من البركة ما لا يُحاط به، ثم ما تيسر له أن ينفتح له الباب فلا يتكلف غيره، إلا أن يكون منه كراهة شديدة، فالباب الذي ينفتح توكل على الله واستمر فيه، إلا إذا كنت تكرهه كراهة شديدة.
стр. 3804
وصية لطالب العلم
ثم تحدث شيخ الإسلام ﵀ في وصيته في اتجاه السؤال الذي سأله السائل عن قضية الكتب قائلاً: (وأما ما تعتمد عليه من الكتب في العلوم فهذا باب واسع، وهو أيضاً يختلف باختلاف نشء الإنسان في البلاد).
لأن المذاهب موزعة في البلاد، هناك بلاد -مثلاً- أكثر ما يمشون عليه المذهب الحنبلي، وبعضها الحنفي، وبعضها الشافعي، والمالكي في المغرب كذا، فالمسألة أو القضية الآن تختلف باختلاف أين ينشأ الإنسان؟ قال: (تختلف باختلاف نشء الإنسان في البلاد، فقد يتيسر له في بعض البلاد من العلم أو من طريقه ومذهبه فيه ما لا يتيسر له في بلد آخر، لكن جماع الخير، أن يستعين بالله سبحانه في تلقي العلم الموروث عن النبي ﷺ فإنه هو الذي يستحق أن يسمى علماً).
إذن يا إخوان يا طلبة العلم هذه الوصية لـ شيخ الإسلام في منهج طالب العلم أنه مهما تفقه على أي كتاب وعلى أي مذهب، أو على أي شيخ، يجب أن يكون عنده حرص خاص واهتمام بالغ وعناية زائدة بسنة النبي ﷺ ، هذا هو العلم، حديث النبي ﷺ ، فإنه هو الذي يستحق أن يُسمى علماً، وما سواه أي غير القرآن والسنة:
كل العلوم سوى القرآن مشغلة إلا الحديث وإلا الفقه في الدين
العلم ما كان قال حدثنا وما سوى ذاك وسواس الشياطين
فإذن أن يكون ميراث محمد ﷺ هو الذي يغنيك ولتكن الهمة فهم مقاصد الرسول ﷺ في أمره ونهيه وسائر كلامه.
فضع يا طالب العلم في نصب عينيك وفي ذهنك هذا الأمر: ما هو مقصود الشارع في كل أمر ونهي وفي كل تشريع، تجد مقصود الشارع هو هذا التفقه أما الحفظ فقد يحفظ أي أحد، لكن ماذا وراء الأمر وماذا وراء النهي وماذا قصد الشارع، هذا هو العلم والفقه.
قال: (فإذا اطمأن قلبك أن هذا هو مراد الرسول ﷺ فلا يعدل عنه) خذ القول الموافق لأن يكون هو مراد الرسول ﷺ ، فأقوال العلماء في الأحكام كثيرة جداً، خذ القول الذي تعتقد أنه موافق لمراد الرسول ﷺ .
(فلا يعدل عنه فيما بينه وبين الله تعالى ولا مع الناس إذا أمكنه ذلك، وليجتهد -وهذه وصية ثانية لطالب العلم- أن يعتصم في كل باب من أبواب العلم بأصل مأثور عن النبي ﷺ ، وإذا اشتبه عليه مما قد اختلف فيه الناس فليدْعُ بما رواه مسلم) إذاً: بعد قضية ما تيسر لك من التفقيه على أي مدرسة أو شيخ أو مذهب على حسب البلد التي أنت موجود فيها، تتوجه همتك نحو: أولاً: السنة.
ثانياً: معرفة مقصد الشارع.
ثالثاً: أن يكون في كل مسألة عندك دليل تحفظه، تعتصم في كل باب بأصل مأثور عن الرسول ﷺ ، فيكون عندك في كل مسألة دليل مهم تحفظه، وأصل ترجع إليه، قوة وحجة وبيان وبرهان، فلو قال لك واحد: هاتوا برهانكم، تقول: خذ، ائتوني بأثارة من هذا؟ خذ هذا الدليل.
رابعاً: إذا اشتبه عليك، فقد يحرص ويجتهد ويتعب ولكن لا يخرج بنتيجة نهائية واضحة في الموضوع، ولا يدري هذا أم هذا، فماذا تقول، وماذا تفعل؟ قال: (فليدع بما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة ﵂: (أن رسول الله ﷺ كان يقول إذا قام يصلي من الليل: اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب الشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم).
فإذاً الدعاء أن يوفقك الله، إذا كان هذا هو النبي ﷺ المؤيد بالوحي يقوم ويصلي في الليل ويدعو: (اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك) فما بالك بنا حيث نحن أدنى منه ونحتاج إلى هذا الطلب والدعاء دائماً، وكثير من المسائل خلافية، التي يحتار الإنسان فيها: (يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم).
أما وصف الكتب والمصنفين، فقد ذكرنا ذلك في مناسبات كثيرة من أفضل الكتب: (وما في الكتب المصنفة المبوبة أنفع من صحيح محمد بن إسماعيل البخاري) هذا أنفع كتاب في السنة، فإذاً طالب العلم إذا أراد أن يدرس السنة أول شيء يتوجه إليه أو أهم شيء في هذا الموضوع، صحيح محمد بن إسماعيل البخاري أبو عبد الله أمير المؤمنين في الحديث، قال: (لكنه وحده لا يقوم بأصول العلم) فليس كل العلوم في صحيح البخاري، ولا يقوم بتمام المقصود للمتبحر في أبواب العلم، إذ لا بد من معرفة: أولاً: أحاديث أخر.
ثانياً: كلام أهل الفقه وأهل العلم في الأمور التي يختص بعلمها بعض العلماء، فهناك أقوال تحتاج فيها إلى أقوال علماء لا تجدها في صحيح البخاري، وأحاديث أخرى لا تجدها في صحيح البخاري، وقد أوعبت الأمة في كل فن من فنون العلم إيعاباً، فمن نور الله قلبه وهداه بما يبلغه من ذلك بلغه، ومن أعماه لن تزيده كثرة الكتب إلا حيرة وضلالاً).
إذاً: المسألة ليست بكبر المكتبة التي عندك، قال النبي ﷺ لـ ابن لبيد الأنصاري: (أوليست التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى، فماذا تغني عنهم؟) وهذا حديث صحيح الذي قال فيه ﵊ لما نظر إلى السماء مرة قال: (هذا أوان رفع العلم، قال رجل من الأنصار يقال له زياد بن لبيد: يا رسول الله! يرفع العلم وقد أثبت ووعته القلوب، فقال ﷺ : إن كنت لأحسبك أفقه أهل المدينة، ثم ذكر ضلالة اليهود والنصارى على ما في أيدهم من كتاب الله) يقول: كان عندهم التوراة الحقيقية وعندهم الإنجيل الحقيقي، فحرفوه وضلوا.
ثم ختم وصيته بهذا الدعاء فقال: (فنسأل الله العظيم، أن يرزقنا الهدى والسداد ويلهمنا رشدنا ويقينا شر أنفسنا، وأن لا يزيغ قلوبنا بعد أن هدانا، ويهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب، والحمد لله رب العالمين وصلواته على أشرف المرسلين).
ثم ذكر بعد ذلك الذين سمعوا هذه الوصية منه عدد من الأئمة في هذا المجلس بقراءة القاسم بن محمد بن يوسف البرزالي على ابن تيمية في ليلة الثالث من شهر ربيع الآخر سنة (٦٩٧هـ) بدار الحديث بالقصاعين بـ دمشق.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 3805
ثلاث وعشرون قاعدة في المحبة
الموضوع التالي: هناك ثلاث وعشرون قاعدة في المحبة.
الحمد لله، نلخص الآن قواعد المحبة التي ذكرها رحمه الله تعالى، وهناك بعض العبارات الجامعة التي ذكرها ﵀ في كتاب (قاعدة في المحبة) ونرى بعد ذلك ما يمكن أن نأخذه من التفاصيل، أو بعض التفاصيل الأخرى المهمة التي ذكرها.
القاعدة الأولى: الحب والإرادة أصل كل فعل وحركة في العالم.
القاعدة الثانية: أصل المحبة المحمودة التي أمر الله بها، هي عبادته وحده لا شريك له.
القاعدة الثالثة: لا صلاح للموجودات إلا أن يكون كمال محبتها وحركتها لله.
القاعدة الرابعة: المحبة لها آثار وتوابع، ولها لذة وألم، فاللذة عند نيل المحبوب، والألم عند فقده.
القاعدة الخامسة: كل محبة لا يكون أصلها محبة الله وإرادة وجهه؛ فهي باطلة وفاسدة.
القاعدة السادسة: المحبة والإرادة أصل كل دين، سواء كان ديناً صالحاً أو ديناً فاسداً، فهذه العلاقة بين الدين والمحبة.
القاعدة السابعة: أن بني آدم لا بد أن يشتركوا في محبة شيء عام، وبُغض شيء عام، وهذا هو الدين المشترك.
القاعدة الثامنة: في قلوب بني آدم محبة لما يتألهونه ويعبدونه، وهذا صلاح القلوب -إذا كان التأله لله صلحت قلوبهم بمحبة الله- وكذلك كما أن في نفوس بني آدم محبة لما يطعمونه وينكحونه، ولكن حاجة البشرية إلى التأله أعظم من حاجتهم إلى الغذاء؛ لأن الغذاء إذا فُقد يفسد الجسم، وبفقد التأله؛ تفسد النفس كلها، فحاجة البشرية إلى عبادة الله ومحبته، أكثر من حاجتها إلى محبة الطعام والشراب بما لا يُوصف.
القاعدة التاسعة: قوة المحبة يتفاوت الناس فيها تفاوتاً عظيماً، حتى إن الناس يتفاوتون في الشيء الواحد، والمحبة تارة تضعف وتارة تقوى، فالمحبة مثل الإيمان تزيد وتنقص.
القاعدة العاشرة: محبة غير الله إذا زادت؛ صارت إفراطاً وانقلبت، ومحبة الله مهما زادت؛ فإنها تنفع ولا تضر، فمحبة غير الله إذا زادت عن حد معين؛ تصبح إفراطاً وتنقلب وتصبح ضارة، ومحبة الله مهما زادت؛ تنفع ولا تضر.
القاعدة الحادية عشرة: إثبات المحبة لله على أن محبة الله صفة من صفاته، وإثبات محبة العبد لربه، وذكر أنه ضل في هذا الباب فريقان، فريق جحدوا محبة الله، فقالوا: الله لا يحب، وفريق أدخلوا فيها اعتقادات فاسدة من المتصوفة وغيرهم، فإثبات المحبة صفة لله وإثبات محبة المؤمنين لربهم.
القاعدة الثانية عشرة: محبة ما يحبه الله من الأعيان والأعمال من تمام محبة الله، ولا يمكن أن تُفْصَل، فإذا كنت تحب الله ستحب كل شخص يحبه الله، كل نبي، وولي، وصالح، وعالم قائم بأمر الله، وكذلك ستحب كل عمل يحبه الله من صلاة وزكاة وصيام وحج وذكر ودعاء وبر.
القاعدة الثالثة عشرة: الذنوب تنقص من محبة الله، وذكر ﵀ هنا أن الذنوب قد تنقص من المحبة ولكن ليس بالضرورة أن تزيل أصلها، مثل الصحابي الذي جيء به يشرب الخمر فلعنه شخص، قال: (لا تلعنه؛ فإنه يحب الله ورسوله) فقد ينقص الذنب المحبة، لكن ليس بالضرورة أن يزيل أصلها، إلا إذا صار الذنب شركاً وكفراً فهذا يزيلها.
القاعدة الرابعة عشرة: الفرق بين الحب في الله والحب مع الله، فالمشركون يحبون مع الله، والمؤمنون يحبون في الله، فقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] فهؤلاء أشركوا في المحبة بين الله والأنداد، وأما المؤمنون فهم أشد حباً لله من محبة أصحاب الأنداد لأندادهم.
ولذلك قال: (تعس عبد الدينار وعبد الدرهم) لأن محبتهم للدينار والدرهم والزوجة والقطيفة والخميلة والدنيا صارت محبة شركية، محبتهم للدنيا إن أعطوا منها رضوا، وإذا لم يعطوا إذا هم يسخطون.
القاعدة الخامسة عشرة: أصل العبادة محبة الله، والشرك في المحبة هو أصل الشرك.
القاعدة السادسة عشرة: محبة الله توجب المجاهدة في سبيله قطعاً، إذا كنت تحب الله لا بد أن تجاهد في سبيله.
القاعدة السابعة عشرة: موادة عدو الله تنافي المحبة: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة:٢٢].
القاعدة الثامنة عشرة: محبة الله على درجتين: الدرجة الأولى: واجبة.
الدرجة الثانية: مستحبة.
فإذا كنت قائماً بالواجبات ومنتهياً عن المحرمات فهذه المحبة الواجبة، وإذا كنت عاملاً بالنوافل بالإضافة إلى ذلك مبتعداً عن المكروهات والشبهات؛ فأنت عندك المحبة المستحبة.
القاعدة التاسعة عشرة: انقسام الناس في المحبة والإرادة إلى أربعة أقسام -نجمل الأقسام ثم نشرحها-: القسم الأول: قوم لهم قدرة وإرادة ومحبة في أشياء غير مأمورين بها.
القسم الثاني: قوم لهم إرادة صالحة ومحبة كاملة لله وقدرة كاملة.
القسم الثالث: قوم فيهم إرادة صالحة ومحبة قوية وقدرة ناقصة.
القسم الرابع: قوم قدراتهم وإرادتهم قاصرة وعندهم إرادة للباطل.
فما هؤلاء الأقسام الأربعة؟ الذين لهم قدرة ولهم إرادة ولكن في محبة أشياء غير مأمورين بها، عندهم طاقة، وقوة، وجهد، وقدرة، لكن ليست في سبيل الله، إما أن تكون في أشياء محرمة أو مباحة غير مأمورين بها، فهؤلاء الأشخاص تلقاهم أصحاب عمل وإنتاج إما في أشياء محرمة أو في أشياء مباحة، مثل الذين يكدحون ويعملون في الوظائف والتجارات، أو يقول لك: أنا عندي هواية في تربية الحيوانات مثلاً، فهذه أشياء غير مأمورين بها، فهم يبدعون وينتجون في أشياء غير مأمورين بها، وليست مما يحبه الله، لكن عندهم قدرة، لكن في أشياء لا يحبها الله.
وقوم لهم إرادة صالحة ومحبة كاملة وقدرة كاملة، كعالم مجاهد لله ، فهذا عنده إرادة وعنده قدرة في العلم والجهاد والصدقة، فهو يعمل في أشياء يحبها الله، فهؤلاء أشرف الأنواع.
والقسم الثالث: ناس عندهم إرادة صالحة ومحبة لله قوية ولكن قدراتهم ناقصة، فهؤلاء يريدون أن يعملوا لمحبة الله ولكن لا يستطيعون، مثل الذين قال النبي ﷺ فيهم: (إن بـ المدينة لرجالاً ما سرتم مسيراً ولا سلكتم وادياً إلا كانوا معكم، قالوا: وهم بـ المدينة، قال: وهم بـ المدينة -ما خرجوا للغزو، من هم هؤلاء- قال: حبسهم العذر) فهناك من يريد الجهاد ولكن ليس عنده سلاح، ولا مال، أو ضعيف البنية، أو مريض، فمثلاً: عثمان تخلف عن بدر؛ لأنه قام على زوجته المريضة، وآخر يريد الصدقة: (ذهب أهل الدثور بالأجور) لكن ليس عنده مال يتصدق به، فهذا صاحب قدرة ناقصة، لكن محبته لله طيبة، فهو حريص على الأشياء التي يحبها الله، ولكن ما عنده قدرة.
القسم الرابع: من قدرته وإرادته للحق قاصرة، وهو يريد أن يقع في الباطل وفيما يغضب الله ولكن ليس عنده قدرة، فهؤلاء ضعاف المجرمين، فلهذا انقسم الناس إلى أقسام أربعة.
القاعدة العشرون: أن المحبوبات على قسمين: القسم الأول: قسم يُحب لنفسه.
القسم الثاني: قسم يُحب لغيره، وليس في هذه الدنيا وهذا العالم والكون شيء يُحَب لذاته إلا الله .
حتى المخلوقين تقول: أنا أحب فلاناً لأنه عبد لله، لأن القرب منه يؤدي إلى القرب من الله، لكن ليس لذات الشخص، لكن لأن محبة الشخص والتقرب منه تؤدي إلى تحصيل أجر مثلاً، فأنت تحبه، لكن الذي يُحب لذاته فقط، هو الله ، فإليه منتهى المحبة والتعظيم .
القاعدة الحادية والعشرون: أن الموالاة تقتضي التحاب والجمع، والمعاداة تقتضي التباغض والتفرق: فالتحاب إذا واليت شخصاً معناه أنك تحبه.
وقد نبه شيخ الإسلام ﵀ في هذه المسألة إلى أنه لا يجوز أن يفرق بين المؤمنين لنسب أو بلد أو مذهب أو طريقة أو مسلك ونحو ذلك، وأن الذي يجمعنا كلنا أننا مسلمون موحدون، وأنه بالنسبة للمشركين فنحن في قطيعة وعداوة وكره، ولا يجوز لنا أن نواليهم، موالاتنا للمؤمنين لأننا نحبهم، وذلك يقتضي محبتهم والاجتماع في جماعة، وأما بالنسبة للكفار فإن العلاقة معهم علاقة عداوة، تقتضي قطع العلاقات وكرههم والتفرق عنهم وعدم الاجتماع بهم أو الإقامة معهم، وعدم دعمهم.
القاعدة الثانية والعشرون: إمكان اجتماع المحبة، أي الحب في الله والبغض في الله في شخص واحد: فقد تحب شخصاً لله وتبغضه في الله وهو شخص واحد، وهؤلاء هم الذي خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، فلو كان عندك ولي من أولياء الله من العباد، فموقفك منه أن تحبه، ولو كان عندك واحد جبار عنيد كافر فاجر، فموقفك منه أن تبغضه.
ولو وجد شخص فيه هذا وهذا، فيه خير وشر، وصلاح وفساد، وإيمان وفجور، وحق وباطل، وطاعة ومعصية، وحسنات وسيئات، خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، مثل أكثر الناس المسلمين على هذا، فما هو الموقف منه؟ هل تحبه أم تبغضه؟ أشار شيخ الإسلام ﵀ إلى قاعدته العظيمة التي ذكرها ونافح عنها وشرحها في عدد من كتبه وهي قضية أنه يمكن أن يجتمع الحب في الله والبغض في الله في شخص واحد، تحبه من جهة وتبغضه من جهة، تحبه في الله بقدر الخير الذي فيه، وتبغضه في الله بقدر الشر الذي فيه، وتواليه في الحق وتعاديه في الباطل، وتتعاون معه في البر والتقوى، وتنبذه في الإثم والعدوان، هذه قاعدة مهمة، لأنه بناءً عليها تستطيع أن تتعامل مع الناس.
وذكر أنه بغير هذه القاعدة لا يمكن أن تسير الأمور؛ لأن كثيراً من الناس فيهم شر وخير، والموقف منهم أنه إذا دعاك إلى خير تعاونت معه، وإذا دعاك إلى شر نبذته، وعندما يعمل طاعة تفرح به وتحبه وتثني عليه، وعندما يعمل معصية تكرهه وتنبذه وتكره معصيته.
قال: وهذه القاعدة قد ذكرناها غير مرة وهي اجتماع الحسنات والسيئات والثواب العقاب في حق الشخص الواحد كما عليه أهل جماعة المسلمين من جميع الطوائف، نذمه على فعل السيئات، ونمدحه على فعل الحسنات.
وذكر كلاماً نفيساً فقال: إن بعض الناس عنده السماحة في النفس، بحيث يسمح بالخير والشر، مثلاً: وهناك شخص عنده حب
стр. 3806
مسائل مهمة تناولتها رسالة (قاعدة في المحبة)
وقد ذكر في هذا الكتاب أموراً أخرى مهمة، مثل أهمية التعاهد والتعاقد في بني آدم، وأن الناس لا تصلح أمورهم إلا بالوفاء بالعهد والعقد، ولو لم يكن وفاء بالعقد؛ لضاعت حياة الناس، ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١] فحياة الناس تختل بدون عهود وعقود محترمة.
ومن المسائل المهمة التي تناولتها هذه الرسالة أيضاً قضية العِشق والفساد الذي ينطوي عليه، ومسألة علاجه، والشيطان الذي يتولى العشاق وأنهم يشركون به، وذكر ﵀ الفرق بين المحبة في الله وبين محبة العشق، وأن بعض الناس يخلطون، يقول: أنا أحب فلاناً في الله، وهو في الحقيقة عشق وليس محبة في الله.
وكذلك من المباحث المهمة التي ذكرها رحمه الله تعالى في هذا الكتاب مباحث تتعلق في الموقف الصحيح من القضاء والقدر، وكذلك مبحث مهم في مسألة أن الله ينصر المسلمين في الدنيا، وليس في الآخرة فقط، وأن من ظن أن النصر والتقدم والرفعة للكفار دائماً في الدنيا؛ فإنه مسيء الظن بالله؛ لأن معنى ذلك أنه يعتقد أن الدنيا كلها للكفار وأن المسلمين ما لهم شيء، يبقون في ضعف وهزيمة وذل إلى أن تقوم الساعة وهذا غير صحيح، فإنك إذا استعرضت التاريخ رأيت أن الله نصر المسلمين وكانت لهم القوة والاستعلاء في الأرض في أوقات كثيرة جداً في التاريخ، ونصر موسى على فرعون، ونصر نوحاً، ونصر أتباع الأنبياء وأتباعهم، ونصر محمداً ﷺ وفتح له مكة والجزيرة، وفتح خلفاؤه الشام والعراق والمغرب والمشرق، واتسعت دولة الإسلام وقامت، حتى ضعفت وصار المسلمون الآن في تفرق، لكن ليس هذا الذي نراه الآن هو الأصل وكل الزمان مثله، لا، نحن الآن في مرحلة غير كل المراحل التي سبقت، وعندما ينزل عيسى بن مريم ﵇ سيحكم الأرض بشريعة الإسلام والغلبة للدين.
إذاً: من ظن أن الله لا ينصر المسلمين في الدنيا فهو مسيء الظن بربه.
إلى غير ذلك من المسائل المهمة التي انطوت عليها هذه القاعدة، وقد كنا نرجو لو ذكرنا بعض المباحث فيها، ولو لم يكن لها علاقة مباشرة بالمحبة وذلك لأهميتها ونفاستها، ولكن يرجع إليها من شاء في هذا الكتاب بعنوان (قاعدة في المحبة) ورحم الله المؤلف شيخ الإسلام ابن تيمية، وأعلى درجته وجزاه عن المسلمين خير الجزاء.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 3807
أيتها المرأة! الحجاب أو النار
إن الأمر بالحجاب قد جاء في الكتاب والسنة؛ فهو واجب وجوباً عينياً على كل مسلمة، بل إنه قد ورد التنويه بوجوبه في الكتب السماوية الأخرى، وكذلك كان الحجاب موجوداً حتى عند الجاهليين وعن موضوع الحجاب تحدث الشيخ حفظه الله، فذكر أدلة وجوبه من الكتاب والسنة، ثم ذكر شروطه وأنواعه، ثم تحدث عن بعض شبهات العلمانيين حول الحجاب، ورد عليها وفندها تفنيداً مقنعاً.
стр. 3808
الحجاب عند الأمم الماضية والجاهلية
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.
أيها المسلمون: إن مما جاء به هدي كتاب ربنا ، ومما جاء في سنته ﷺ : الأمر بحجاب المسلمات؛ صيانةً للمرأة المسلمة عن المفاسد والشرور، وربها الذي هو أعلم بها قد فرض عليها الحجاب، وهؤلاء النساء هن بناتنا، وأخواتنا، وزوجاتنا، وقريباتنا، وجاراتنا، هؤلاء لا بد أن تدخل كل واحدةٍ منهن تحت حديثه ﷺ : (كلكم راعٍ، وكلكم مسئولٌ عن رعيته).
لقد أنزل الله في كتابه بياناً لنعمةٍ ومنةٍ منه ، وهي قوله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ﴾ [الأعراف:٢٦] ولباس التقوى: هو ما يلبسه المرء المسلم مما يتقي به ربه، فيستر عورته، والله حييٌ ستيرٌ يحب الحياء والستر، وكان ﷺ يدعو فيقول: (اللهم استر عوراتي، وآمن روعاتي).
لقد فرض الله الحجاب على نساء المسلمين، وجاءت إشارات إلى أنه كان معروفاً في الأمم من قبلنا، وحتى كتبهم المحرفة التي بقيت إلى هذا الزمان فيها إشارات إلى حجاب المرأة في ذلك الوقت، كما في كتب العهدين القديم والجديد، وكما ورد في الأصحاح الرابع والعشرين والثامن والثلاثين من سفر التكوين، والأصحاح الثالث من سفر أشعياء: إن الله سيعاقب بنات صهيون على تبرجهن، والمباهاة برنين خلاخلهن؛ بأن ينزع عنهن زينة الخلاخل والضفائر والحلق والأساور والبراقع والعصائب.
وكانت الكنيسة حتى القرون الوسطى تخصص جانباً منها للنساء حتى لا يختلطن بالرجال، وكفار العرب في الجاهلية كان من مكارم الأخلاق عندهم- كما تذكر أشعارهم- ستر المرأة وحجبها، قال الشاعر:
تكثم عن جاراتها فيزرنها وتعتل من إتيانهن فتعذرُ
لأنها كانت تجلس في البيت، وحجاب الوجه كان معروفاً عند العرب أيضاً، كما حدث أن امرأة النعمان سقط خمارها عن وجهها أمام الناس وهي تسير، فمالت إلى الأرض تلتقطه بيد ويدها الأخرى على وجهها، حتى قال النابغة:
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه فتناولته واتقتنا باليدِ
وحرب الفجار قامت بين قريش وهوازن بسبب تعرض شباب من كنانة لامرأة من غمار الناشي راودوها على كشف وجهها، فنادت: يا آل عامر! فجاوبتها سيوف بني عامر، وورد في أشعارهم ذكر القناع والبرقع والحجاب والمرط والكساء ونحوها.
هذا ما كانت تفعله بعض نساء العرب، دلالة على أنه من مكارم الأخلاق عندهم.
أما البعض الآخر فكن متبرجات، ووصل الأمر بحالهن أنهن كن يطفن بالكعبة عرايا، فقال الله : ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣].
стр. 3809
أدلة وجوب الحجاب من الكتاب والسنة
إن أدلة حجاب المرأة في القرآن والسنة أكثر من أن تذكر، وأعظم من أن يحاط بها، قال الله : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣] ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور:٣١] وقال رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح: (المرأة عورة) لم يستثن منها شيئاً ﷺ ، وهذا هو النص المحكم الجامع للأمور، ومن فقه هاتين الكلمتين فقط (المرأة عورة) لم يحتج بعد ذلك إلى دليل آخر لحجب بدن المرأة كاملاً وجهها وشعرها وكفيها وقدميها وسائر بدنها.
وقد أمر الدين بستر العورات أمر وجوب لا محيد عنه، وقد ورد في تطبيق صحابيات المؤمنين وأمهاتهم ما يدل دلالة قطعية على وجوب تغطية جميع البدن بما فيه الوجه أمام الرجال الأجانب جاء في صحيح الإمام البخاري في حديث الإفك الطويل المشهور وفيه: (وكانوا في سفر في غزوة مع رسول الله ﷺ ، فنزلت عائشة لتقضي حاجتها، وتبحث عن عقد لها، فأمر رسول الله ﷺ أن يسير الجيش، فأخذوا بهودج عائشة ليرفعوه على البعير، ولم تكن موجودة داخل الهودج لذهابها، فأخذوا برأس البعير وانطلقوا به، ورجعت إلى العسكر، وما فيه من داعٍ ولا مجيبٍ، قد انطلق الناس، قالت ﵂: فتلفعت بجلبابي، ثم اضطجعت في مكاني، إذ مرَّ بي صفوان بن المعطل السلمي ﵁، وكان امرءاً يثقل عليه النوم، فيستيقظ متأخراً -ولأجل ذلك كان يستفاد منه أنه كان يسير وراء الجيش يتفقد الأغراض الضائعة، فيحملها لأصحابها في الجيش- تقول: إذ مرَّ بي صفوان بن المعطل السلمي، وكان قد تخلف عن المعسكر لبعض حاجاته، فلم يبت مع الناس، فرأى سوادي، فأقبل حتى وقف عليَّ فعرفني حين رآني، وكان قد رآني قبل أن يفرض علينا الحجاب مرت فترة في حياة رسول الله ﷺ ونساء المؤمنين كان الحجاب غير واجب، وهذا من حكمة الله في التدرج في التشريع.
قالت: وكان قد رآني قبل أن يفرض الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه -أي: وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون- فخمرت وجهي بجلبابي).
احفظوا هذه العبارة لكي تضعوها سهماً تخزقون به أعين دعاة التحرر والسفور والتبرج، الذين ما فتئوا يشيعون الفاحشة في الذين آمنوا بجميع الوسائل المقروءة والمسموعة والمرئية، اجعلوا هذا النص من عائشة سهماً تخزقون به عيونهم، قولوا لهم: إن عائشة قالت في صحيح البخاري: إن صفوان كان قد رآها قبل آية الحجاب، وفي غزوة بني المصطلق في حادثة الإفك، قالت عائشة لما عرفت بوجود صفوان: فخمرت وجهي بجلبابي؛ دلالة على أنها تفهم تماماً وجوب تغطية وجهها.
وكذلك فإنه ﵊ قد أمر الخاطب بالنظر إلى المخطوبة أسألكم بالله لو كان كشف الوجه جائزاً فلماذا يأمره بالذهاب والنظر إلى وجهها؟ أفلا ينظر إليها في الشارع؟ أفلا ينتظرها حتى تخرج من البيت فيسير مقابلاً لها ليرى وجهها؟ فلماذا يقول ﵊: (اذهب فانظر إليها)؟ فإن قلت: يقصد الشعر والذراعين.
أقول لك: إنه ﵊ قال: (اذهب فانظر إليها، فإن في أعين الأنصار شيئاً) أي: إن أعين نساء الأنصار كان فيها شيء من الصغر، فقال: (اذهب فانظر إليها، فإن في أعين الأنصار شيئاً) وأين العينين؟ هل هن في الشعر أم في الذراعين أم في القدمين أم في المؤخرة؟ إن العينين في الوجه.
ولماذا كان بعض الصحابة يختبئ للمرأة التي يريد خطبتها حتى يراها وهي غير عالمة؟ ولو كان كشف الوجه جائزاً فلماذا يختبئ؟ لماذا يكلف نفسه عناء الاختباء؟ كان عليه أن يسير في الشارع فينظر إليها.
إذاً: كان الوجه يجب ستره، كذا فهمن، وكذا عملن.
وعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ فذكرت له امرأة أخطبها، فقال: (اذهب فانظر إليها، فإنه أجدر أن يؤدم بينكما) فأتيت امرأة من الأنصار، فخطبتها إلى أبويها، وأخبرتهما بقول النبي ﷺ ، فكأنهما كرها ذلك -أي: أن يطلع هذا الرجل على ابنتهما في البيت- قال: فسمعت ذلك المرأة وهي في خدرها، فقالت: إن كان رسول الله ﷺ أمرك أن تنظر فانظر، اكشف الغطاء وانظر إليَّ، وإلا فأنشدك -غلظت عليه- إن كان لم يأمرك، فإني أحرج عليك النظر.
قال: فنظرت إليها، فتزوجتها، ثم ذكر من موافقتها -أي: من طوعها- لزوجها وحسن تعاملها معه.
وقال ﷺ : (صنفان من أهل النار لم أرهما: نساءٌ كاسيات عارياتٌ، مائلاتٌ مميلاتٌ، رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا، العنوهن فإنهن ملعونات).
وهذه روايات صحيحة.
كيف تكون المرأة كاسية عارية؟ كيف تكون لابسة وفي نفس الوقت غير لابسة؟ يكون ذلك بأحد أمور ثلاثة: أولاً: إما أن يكون الثوب الذي تلبسه قصيراً لا يستر جميع البدن.
ثانياً: أن يكون شفافاً غير سميك، ولو كان طويلاً، ولو كان كاملاً، لكن يكون غطاء الوجه -مثلاً- شفافاً لا يستر، فتكون كاسيةً عاريةً.
ثالثاً: أن يكون الحجاب ضيقاً غير فضفاض، فيجسد جسدها، ويبين تقاسيم بدنها.
عباد الله: انظروا اليوم إلى نساء المسلمين وهن خارجات من بيوتهن في الشوارع والأسواق، وفي السيارات انظروا إليهن كم بالمائة منهن يدخلن في هذا الحديث؟ (كاسيات عاريات لا يجدن ريح الجنة).
أيها الناس: إن المرأة التي تسير في الشارع؛ سواء كانت زوجة، أو أختاً، أو أماً، أو بنتاً، أو جارة، فإنها تدخل في مسئوليتك أنت، وإني أهيب بك -أيها المسلم- ألَّا تجعل هذه المرأة محرومة من رؤية الجنة، ووجود ريح الجنة، أهيب بك أن تأخذ عليها، فتأمرها بالستر.
لقد كن الصحابيات حريصات كل الحرص على ستر العورة، وهذا حديث المرأة السوداء المصروعة، فيه دلالة قاطعة على ما نذكر عن عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس ﵄: (ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء، أتت النبي ﷺ ، فقالت: إني أصرع، وإني أتكشف- فيها جني يدخل بها ويصرعها، فيسبب لها انكشاف عورتها- فادع الله لي أن أبرأ من الصرع.
فقال ﷺ : إن شئت صبرت ولك الجنة -على هذا الصرع- وإن شئت دعوت الله أن يعافيك، فلما وازنت المرأة بين الأمرين، قالت: أصبر، ولكني أتكشف، وفي رواية: إني أخاف الخبيث أن يجردني- أي: الشيطان الذي بداخلها، ابتلاء- فادع الله ألَّا أتكشف.
فدعا لها) رواه البخاري.
وقال ﷺ : (خير نسائكم الودود الولود المواتية- التي تطيع زوجها- المواسية- التي تواسيه- إذا اتقين الله، وشر نسائكم المتبرجات المتخيلات -وهن المنافقات- لا يدخل الجنة منهن إلا مثل الغراب الأعصم) هل رأيت غراباً قدماه حمراوان ومنقاره أحمر، إنها فصيلة نادرة جداً من الغربان، فإن الغربان سوداء خالصة، وهذا النوع من الغربان نادر.
إذاً: نسبة دخولهن في الجنة كنسبة وجود الغراب الأعصم بين الغربان.
وكانت عائشة ﵂ تقول: [كنت أدخل البيت الذي دفن فيه رسول الله ﷺ وأبي ﵁ واضعةً ثوبي- بعد موتهما كانت تدخل الحجرة التي كانا فيها واضعةً ثوبها- وأقول: إنما هو زوجي وأبي، فلما دفن عمر ﵁ والله والله والله ما دخلته إلا مشدودةً عليَّ ثيابي حياءً من عمر ﵁].
أين عمر؟ إنه تحت الأرض، ولكنها تستحي، وهذا أثر صحيح.
أيتها النساء في البيوت! أخاطبكن من هذا المنبر، عائشة تستحي من عمر، وعمر تحت الأرض، فلا تدخل الحجرة إلا وثيابها مشدودة عليها، وكثير منكن يخرجن إلى الشوارع والأسواق أمام الناس الذين لا يساوون شيئاً بجانب عمر وهو حي وهم أحياء، ويشاهدنك وأنت متبرجة متهتكة سافرة، وإن لبست حجاباً فإنه يكون مزركشاً أو مطرزاً -قاتل الله الذين يستوردون هذا النوع من الحجاب ويبيعونه في الأسواق، وقاتل الله من يشتري لزوجته مثل هذا، وقاتل الله المرأة التي تلبس مثل هذا- وأنتم ترون بأنفسكم الآن -أيها الإخوة- هذه الخُمر التي يزعمون أنها خُمر مطرزة من جوانب الخمار مزركشة يلبسنها هكذا فوق الرأس مستديرة، ويزعمن أنها حجاب، وأصناف أخرى بغير حجاب ألبتة.
أيها الناس أيها المسلمون عباد الله: اتقوا الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦].
عائشة ومن معها كن إذا مرَّ بهن الركبان من الرجال، وهن ذاهبات في سفر الحج والعمرة، إذا مرَّ بهن الرجال أسدلت إحداهن جلبابها وخمارها على وجهها، إذا حاذين الرجال في السير؛ حتى لا يرى الرجل شيئاً من تلك المرأة مطلقاً.
وهذه قصة سجلها التاريخ بمداد من الذهب لامرأة اختصمت مع زوجها إلى قاضي الري سنة (٢٨٦هـ)، فادعت على زوجها صداقاً قيمته خمسمائة دينار، وقالت: لم يسلمه إلي، فأنكر الرجل، فجاءت المرأة ببينة تشهد لها بالصداق، فقال الشهود: نريد أن تسفر لنا عن وجهها حتى نعلم أنها الزوجة أم لا؟ والنظر إلى وجه المرأة من قبل الرجل الأجنبي يباح في حالات الضرورة، كالخطبة والشهادة في المحكمة، فإنه يضطر أحياناً إلى معرفة هل المرأة التي تقدمت للمحكمة فلانة أم لا؟ ثالثاً: التطبيب ورؤية الطبيب لشيء في وجه
стр. 3810
القرار في البيوت
هذا الحجاب الذي أنزله ربنا حجاب في البيوت أولاً، لأنه قال: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣] فلا تخرج إلا للحاجة مكان المرأة في البيت رغماً عن أنف العلمانيين.
مكان المرأة في البيت رغماً عن أنف دعاة التحرر والسفور.
مكان المرأة في البيت لا تخرج إلا للحاجة، ولا يعني للحاجة أي: للمقبرة، أو بيت الزوج، كلا.
لكن تخرج لحاجة، إذا احتاجت الخروج فتخرج، كأن تزور أهلها، أو تشتري أشياء لا يعرف شراءها إلا هي، فتخرج، ولكن بالشروط الشرعية، أما أن تصبح المرأة خراجة ولاجة، تخرج كل يوم عدة مرات لحاجة ولغير حاجة، فإنها تخالف قول الله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣] وأنتم تعلمون معنى القرار والاستقرار.
الحجاب الثاني: هو الجلباب والخمار الذي تستر به المرأة نفسها ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٩].
الحجاب الثالث: وهو حجاب ثالث داخل البيت، تستر به المرأة نفسها أمام المحارم أمام الأخ والأب وحتى الأخت، لا تكشف المرأة إلَّا الشعر والوجه والعنق وما فوق موضع القلادة، ومن منتصف العضد إلى الأسفل، والقدمين وأسافل الساقين دون الخلاخل تكشفه، وما فوق ذلك تستره حتى أمام محارمها، فهذا حجاب ثالث داخل البيت.
стр. 3811
شروط الحجاب
لقد ذكر علماؤنا شروطاً للحجاب، فالمسألة ليست لعباً، وأي حجاب يُشترى في السوق، فلا بد فيه: أولاً: أن يكون شاملاً للبدن لا يكشف شيئاً منه أمام الأجانب.
ثانياً: أن يكون سميكاً صفيقاً غير شفاف.
ثالثاً: أن يكون فضفاضاً واسعاً غير ضيق.
وأنواع العباءات التي تلبس الآن، والتي تلتصق بالجسد، فهي سوداء، ولكنها ملتصقة تعرف منها حجم المرأة وأعضاءها، وتميز يديها ووسطها من هذه العباءة التي تلبسها.
رابعاً: ألا يكون مطيباً ولا مبخراً.
خامساً: ألا يشبه لباس الرجال، فلا يجوز للطبيبة في المستشفى أن تلبس هذا الصدار الذي يلبسه الطبيب، لا بد أن يختلف عنه في تفصيله حتى لو كانت متحجبة حجاباً كاملاً.
سادساً: ألا يشبه لباس الكافرة، فلا يجوز مشابهة لباس الكافرات.
سابعاً: ألا يكون ثوب شهرة.
وكل الأحاديث التي وردت فيها شيء يدل على كشف المرأة لوجهها، فإما أن تكون أحاديث ضعيفة، وإما أن تكون أحاديث وقائع لا عموم لها، أي: أشياء فردية لا يمكن تطبيقها، ومجابهة ونسف النصوص العامة بهذه الأحاديث الخاصة، أو أن تكون الأحاديث فيها ترخيص في الرؤية؛ كالخطبة والتطبيب والشهادة، أو أن تكون أحاديث يتطرق إليها الاحتمال، فيسقط بها الاستدلال، ونحن مع المحكم من كتاب الله مع الأدلة القطعية ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور:٣١] وأنتم تعلمون الآن من الواقع حكمة ربنا في فرض الحجاب.
نظرةٌ فابتسامةٌ فسلام فكلامٌ فموعدٌ فلقاءُ
وكم من البيوت تدنست، وكم من الأعراض تلوثت بسبب عدم لباس هذا الحجاب! أيها الإخوة:
يقضى على المرء في أيام محنته حتى يرى حسناً ما ليس بالحسنِ
وهذه محنة الدين التي يعيشها كثيرٌ من المسلمين الآن؛ فلا يبالي الرجل مطلقاً وزوجته تسير سافرة بجانبه، ولا يبالي أبداً وهي تختلي بسائق في السيارة، ولا يبالي وهي تخرج من المدرسة كاشفة، وثيابها رقيقة، وقد رفعتها، وسمي الآن بنصف العباءة، أن تكون الثياب من أسفل كاشفة وضيقة.
أيها المسلم: عندما تخرج معك زوجتك متزينة إلى السوق والشارع، أتراها تتزين لمن؟ اسأل نفسك هذا
السؤال
تتزين لمن؟ أسألك بالله العظيم إذا خرجت معك زوجتك إلى الشارع وهي متبرجة متعطرة متكشفة، رافعة جلبابها، حاسرة عن وجهها، والخمار إلى نصف الشعر لمن تتزين؟ هل تتزين لك أنت وقد كان حريٌ بها أن تتزين لك داخل البيت؟ ما معنى أن تترك الزينة لك داخل البيت ثم تتزين للناس في الشارع؟ أين الغيرة يا عباد الله؟ اللهم مُنَّ علينا بالحياء والستر يا رب العالمين.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 3812
شبهات حول الحجاب والرد عليها
الحمد لله الذي لا إله إلا هو ولي الصالحين، الحمد لله القائل في كتابه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠] وإذا قالوا لنا: إن الدين لا يأمر بهذا الحجاب الكامل، نقول لهم: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ * قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ [الأعراف:٢٨ - ٢٩] لقد كان الناس في هذه البلاد إلى عهد قريب يقومون ويطبقون ما قاله ﵊: (المرأة عورة) فكانت المرأة تستر في كثير من البيوت، وفي كثير من المجتمعات، ولكن الآن -أيها الإخوة- انخلعت الغيرة من قلوب الكثيرين، صرت تمشي في الطريق فترى التبرج عاماً شاملاً إلا من رحم الله، تقف بسيارتك عند إشارة المرور، فتلتفت يميناً وشمالاً لترى رجلاً واضعاً زوجته بجانبه وهي متبرجة في السيارة عند إشارة المرور.
وهناك في الأسواق -أيها الإخوة- مناظر ما كنا نراها من قبل أبداً، وقد غزت مجتمعنا هذا، فما بالك بغيره من مجتمعات المسلمين.
أسألكم: هل كان التبرج موجوداً من قبل مثلما هو موجود الآن؟ التستر الذي كان موجوداً أين ذهب؟ كانت طبائع كثير من البدو تأبى تماماً أن تكشف المرأة، ثم قامت المسلسلات البدوية المعروضة بنسف وإزالة جميع أنواع الغيرة الموجودة عند كثير من هؤلاء، حتى أصبحت ترى اليوم الموظفة في بعض الشركات التي كان أبوها في يومٍ من الأيام أو جدها يرفض نهائياً أن يرى منها شيئاً، تخرج متبرجة بين المكاتب والموظفين! حرامٌ عليكم حرامٌ عليكم ما أقررتم من الفساد والخبث في بيوتكم، وحرامٌ ما أقررتم من الشر والفحشاء والسفور في مجتمعاتكم، إن الله سيسألكم عن هؤلاء، وسيعذب كل من قضت حكمته أن يعذبه بمخالفة هذا الأمر.
أيها الناس: أما كفاكم أن يكون التبرج في كثير من نسائكم، حتى رضيتم أن تكون هؤلاء المتبرجات فتنة للناس الآخرين الذين يمشون في الشوارع، فيطالعون في وجوه النساء، وينظرون إلى أبدانهن.
إن المرأة لو كانت لابسةً لباساً كاملاً متحجبةً حجاباً تاماً، فمن الذي يجرؤ على ملاحقتها أو النظر إليها؟ وقد يقول هؤلاء المتشبعون بشبهات العلمانيين: إن المرأة إذا كانت متحجبة حجاباً تاماً لفتت الأنظار إليها، لكن إذا صارت متبرجة مثل عموم النساء، لن يلتفت إليها أحد!! كذبوا والله ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً﴾ [الكهف:٥] إذا كانت المرأة مستوفية لشروط الحجاب التام، فإن بعض الناس ينظرون إليها باستغراب، ولكن سينظرون، ويوجهون البصر، ثم يعيدون النظر مرة أخرى، ماذا سيحدث؟ سينقلب إليهم البصر خاسئاً وهو حسير، لأنهم ما ظفروا بشيء من هذه المتحجبة، لأنها ما أخرجت من بدنها شيئاً ينظرون إليه، فلو نظروا للاستغراب في الوهلة الأولى، فإنه سينقلب إليهم بصرهم خاسئاً كليلاً وهو حسير، لأنهم ما رأوا شيئاً، ولا ظفروا ببغيتهم، لكن أن تجعلوا نساءكم معارض يشاهدها الغادي والرائح، فأين الغيرة أيها المسلمون؟
لمثل هذا يذوب القلب من كمدٍ إن كان في القلب إسلامٌ وإيمانُ
يا أيها الناس يا أيها المسلمون: لا تستمعوا إلى دعاة العلمانيين، إن هؤلاء الذين يروجون المقالات التي تأتي بالشبهات لا تستجيبوا لهم مطلقاً، وهذا الضال الذي يقول ما يفرح العلمانيين الملحدين الذين يريدون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، هذا الضال الذي لا زال يجرؤ على الشريعة، ويقول: إن حجاب الوجه غير موجود في المذاهب الأربعة كلها، هذا الضال الجاهل لا تستجيبوا لدعوته ولا لكلامه، اقرءوا كلام أهل العلم، إن هؤلاء يكتبون ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٢] ويقولون لك في ضمن شبهاتهم: إذا كانت تغطية الوجه واجبة فلماذا أمرت الشريعة بغض البصر؟ يقولون لك: إذا كانت تغطية الوجه واجبة فعن أي شيء نغض الأبصار؟ ولماذا قال الله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠]؟ نقول لهم: يا دعاة التحرر والسفور! يا أيها الذين لا تخشون الله! لأنكم تعلمون أن الوضع وضع فتنة، ولو رجحتم كشف الوجه فهل يجوز أن ترجحوه الآن في هذا الزمان؟ افرضوا -أيها الإخوة- أن الرأي الآخر القائل بكشف الوجه رأي سديد صحيح، فهل يجوز أن يطبق في هذا العصر وفي هذا الزمان؟ ألستم تعلمون أن من قواعد الشريعة سد الذرائع، وكل باب يؤدي إلى الفساد يسد حتى لو كان أصله حلالاً، أنت تعلم أن بيع العنب حلال، لكن لو وجدت واحداً يشتريه منك ليصنع الخمر فلا يجوز أن تبيعه، مع أن بيعه في الأصل حلال.
فنقول: افترض أن كشف الوجه حلال، فهل يصلح في هذا الزمان أن تكشف فيه الوجوه؟ وهل يصلح أن تبدي فيه المرأة عن زينتها؟ وأنتم ترون كلاب الشهوات المسعورة تلاحق النساء في كل مكان، فهل يصلح أن نطبق فيه هذا الرأي؟ نقول له: إن المرأة لو كانت متحجبة فإنها قد تتعرض لأحوال ينكشف فيه حجابها، قد تهب عليها الريح الشديدة في الشارع فينكشف شيء من ساقها، فهل آية غض البصر مفيدة أم لا؟ قد ترفع قدمها لتركب في السيارة، فتشاهد أنت شيئاً من القدم، فهل آية الأمر بغض البصر مفيدة أم لا؟ إذا كنت صاعداً في سلم عمارة، وفتح ولدٌ باب شقة من الشقق فجأة، ونساء في الداخل لا يقصدن أن يرى أحدٌ منهن شيئاً، فهل آية الأمر بغض البصر مفيدة أم لا؟ ثم إن الله يعلم أنه بالرغم من الأمر بالحجاب فإنه سيبقى هناك أناسٌ لم يستجيبوا للحكم، وسيبقى هناك عصاة لن يستجيبوا للحكم، وسيخرجون بنسائهم إلى الشوارع- الله يعلم هذا- ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] فعندما يعلم الله أن هناك من النساء من يرفضن الحكم ويخرجن في الشوارع، أفتكون آية الأمر بغض البصر مفيدة أم لا؟ فإذا أطبقن النساء المسلمات على تغطية الوجه، أليس سيبقى من النساء الكافرات من لم يستجبن للحكم مطلقاً؟ إذاً: الآية الآمرة بغض البصر مفيدة، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام:٣٧] ولكن أكثرهم لا يعقلون، ولكن أكثر الناس بآيات الله يستهزئون.
أيها الإخوة: إن هذه الخطبة على مشارف شهر رمضان، وشهر رمضان له حرمته وقدسيته، فنريد أن نصوم شهراً بدون شهوات ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، نريد أن نصوم شهراً ولا نرى إلا خيراً، وإنني أدعوكم ونفسي للالتزام بهذا الفقه، والشر الناتج عن التبرج كثير، ولو جلسنا نشرحه لطال بنا الموقف، فأدعوكم ونحن مقدمون على شهر رمضان أن تتوبوا إلى الله جميعاً، ومن كان منكم لم يأخذ على نساء أهل بيته بالحجاب، فليأخذ الآن، فإن المعصية في الزمان الفاضل تضاعف، كما أن المعصية في المكان الفاضل تضاعف، وهذا من قواعد الشريعة.
اللهم إنا نسألك أن تحصن فروجنا، وأن تطهر قلوبنا، وأن تستر نساءنا.
اللهم إنا نسألك العفاف والتقى والغنى.
اللهم لا تدع لنا في هذا اليوم العظيم ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا كرباً إلا نفسته، ولا عيباً إلا سترته، ولا عورةً إلا سترتها يا رب العالمين.
стр. 3813
أين المحافظة على الأعراض ؟
حفظ الضرورات الخمس مقصد من مقاصد شريعتنا الغراء، ذكرها القرآن وأكدتها السنة.
ومن هذه الضرورات حفظ النسل، وهو بعينه حفظ العرض، فقد شرعت عقوبات خاصة لمن انتهك العرض، فالرجم للزاني المحصن عقوبة لا يشاركه فيها غيره.
وقد شرعت إجراءات احترازية عامة لحفظ الفرج، ليس من الزنا فحسب، بل من مختلف المزالق الأخلاقية.
وبالإضافة إلى ذلك تحوي هذه الخطبة مناقشة لأسباب ترك النكاح، وتفصيلاً لأحكام تحديد النسل، وقطع الإنجاب، والإجهاض وأضراره في الشريعة الإسلامية.
стр. 3814
حفاظ الشريعة على الضرورات الخمس
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن من حق هذه الشريعة علينا -يا عباد الله- أن نفهمها، ومن فهمها معرفة مقاصدها، ومن مقاصدها حفظ الضروريات التي جاءت بها الشريعة لصلاح الناس في معاشهم ومعادهم، حفظ الضروريات الخمس، وهي: (الدين، والنفس، والعقل، والمال، والنسب) التي لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت؛ لم تستقم مصالح الدنيا، بل تصير إلى فساد وتهارج، وكذلك تفوت الحياة الأخروية بفوات النجاة والنعيم، وحصول الخسران المبين نتيجة اختلال حفظ هذه الضروريات.
لقد ذكرها ربنا وأشار إليها كما في آيات الوصايا العشر، وهي ثلاث آيات في سورة الأنعام المبدوءة بقوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ [الأنعام:١٥١]، ثم قال سبحانه: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام:١٥١]، ثم قال سبحانه: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ [الأنعام:١٥٢].
هذه الآيات فيها إشارة إلى العناية بالضروريات؛ ففي حفظ الدين قوله : ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ [الأنعام:١٥١]، وفي قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣]، وحفظ النفس في قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ [الأنعام:١٥١] وفي قوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام:١٥١]، وحفظ النسل في قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام:١٥١]، وفي حفظ المال قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام:١٥٢]، وفي قوله: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ [الأنعام:١٥٢]، وحفظ العقل لا يمكن قيام الأمور الأخرى إلا به، فلا يقوم بها فاسد العقل، فحصلت الإشارة إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام:١٥١].
وقد جاءت آيات أخرى فيها ذكر هذه الضروريات التي لا بد من حفظها، وأشارت الشريعة إلى ذلك في أحكام كثيرة في القرآن والسنة.
стр. 3815
حفظ النسل في الشريعة الإسلامية
نريد أن نستعرض شيئاً مما جاءت به الشريعة في حفظ النسل، أو حفظ النسب.
إن هذه المسألة مسألة خطيرة جداً، لأن البضع -وهو: الفرج- مقصودٌ حفظه في الشريعة، لأن في التزاحم عليه اختلاط الأنساب، وتلطيخ الفراش، وانقطاع تعهد الأولاد، والتوثب على الفروج والتغلب، وهذه مجلبةٌ للفساد والتقاتل، ولذلك جاءت الشريعة بحفظ الفرج وحفظ النسل جاءت الشريعة بحفظهما لأجل أهميتهما، وما يترتب على حفظهما من المصالح العظيمة، وما يترتب على الإخلال بحفظهما من المفاسد العظيمة.
وحفظ النسب مكملٌ لحفظ النسل، لأن حفظ النسل يؤدي إلى بقاء الكيان الإنساني، وحفظ النسب يؤدي إلى الاهتمام بالإنسان، فكلٌ منهما مكملٌ للآخر.
ومن المفاسد التي تحصل بعدم حفظهما: أولاً: انتهاك الأعراض وما يجر ذلك من التقاتل.
ثانياً: اختلاط الأنساب.
ثالثاً: قطع النسل.
رابعاً: انتشار الفساد الخلقي.
خامساً: نزول المصائب وحلول الكوارث والمحن.
ولو لم يرد في سوء إهمال حفظ النسل إلا قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٣٢] لكان ذلك كافياً، كيف لا، وقد قرنه بالشرك والقتل في قوله : ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان:٦٨] وأوجب رجم الزاني المحصن حتى الموت؟ وميز حد الزنا عموماً بثلاثة أمور: أولاً: القتل فيه بأبشع القتلات، إذ لا توجد قتلة في حد شرعي أشنع من قتل إنسان بالحجارة حجراً بحجرٍ حتى يموت جمعاً للعقوبة على البدن بالجلد، أو الرجم، وعلى القلب بتغريب الزاني عن وطنه سنة كما جاء في السنة.
ثانياً: أنه نهى عباده أن تأخذهم بالزناة رأفة في دينه بحيث تمنعهم عن إقامة الحد.
ثالثاً: أنه أمر أن يكون تطبيق الحد بمشهدٍ من المؤمنين، فلا يكون في خلوة بحيث لا يراهما أحد، لماذا هذه الفضيحة؟ للمبالغة في الزجر عن هذا الفعل.
стр. 3816
عموم مقاصد حفظ الفرج
ليس المقصود بحفظ الفرج في الشريعة حفظه من الزنا فقط، بل حفظه من أي شيء غير سويٍ وأي انحرافٍ؛ كاللواط والسحاق والاستمناء، وغير ذلك من الأمور التي لا يرضاها خلقٌ مستقيمٌ، ولا فطرةٌ سليمةٌ.
قال ابن القيم ﵀: "فليس في الذنوب أفسد للقلب والدين من هاتين الفاحشتين -أي: الزنا واللواط- ولهما خاصيةٌ في إبعاد القلب عن الله ، فإنهما من أعظم الخبائث.
وقال: ومفسدة الزنا مناقضةٌ لصلاح العالم، فليس بعد مفسدة القتل أعظم من مفسدته، ولذلك شرع فيه القتل على أشنع الوجوه وأفحشها وأصعبها، ولو بلغ العبد أن امرأته قتلت، كان أسهل عليه من أن يبلغه أنها زنت إلى أن قال ﵀: وظهور الزنا من أمارات خراب العالم، وهو من أشراط الساعة".
وما من أمةٍ يظهر فيها الزنا والربا إلا حلوا بأنفسهم عقاب الله، وهذا آتٍ ولا ريب على تلك الأمم التي شاعت فيها الفاحشة من رأسها إلى أخمص قدميها، والتفكك والتفتت والتقاتل حالٌ بهم ولا ريب، كيف وقد استمرءوه وظهر فيهم في الكبير والصغير؟! وقد شرعت الشريعة الإسلامية إجراءات متعددة لحفظ النسل وحفظ الفرج وحفظ النسب، ومن ذلك: تحريم النظر إلى المرأة الأجنبية، إجراءات احترازية قبل وقوع الجريمة، وإجراءات معها وإجراءات بعدها، وتحريم الخلوة بالأجنبية، وتحريم الزنا، وتحريم اللواط، وفي المقابل شرع النكاح، وتحريم كل ما يؤدي إلى وقوع الفاحشة.
стр. 3817
دعوة الإسلام إلى تكثير النسل
وحفظ النسل من الركائز الأساسية في الحياة، ومن أسباب عمارة الأرض، وفيه تكمن قوة الأمم، وبه تكون مرهوبة الجانب، والإسلام قد عُني بحماية النسل، ودعا إلى تكثيره من وجهين: الأول: الحث على ما يحصل به استمرار النسل وبقاؤه وتكاثره.
الثاني: منع ما يقطع النسل بالكلية أو يقلله أو يعدمه بعد وجوده.
فأما بالنسبة للأول، فقد جاءت الشريعة لتحقيقه بالحث على النكاح والترغيب فيه، وجاءت النصوص الشرعية بذلك، قال : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:٣] وهذا ولا شك أمر ترغيب في قوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣] وكذلك قال ﵊: (تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثرٌ بكم الأمم يوم القيامة) والولود: من عرف عنها كثرة الولد، إن كانت ثيباً بسابقتها، وإن كانت بكراً فمن حال أقاربها كأمها وعماتها وخالاتها، وقد حث النبي ﷺ على نكاح الأبكار، ومن أسباب ذلك قال: (فإنهن أعذب أفواهاً، وأنتق أرحاماً) ومعنى: (وأنتق أرحاماً) أي: أكثر أولاداً، لأنها شابةٌ ونشيطةٌ وقويةٌ على المواصلة في الإنجاب، وقال ﵊: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج).
وقد ذكر العلماء حالات يجب فيها النكاح، ومنها: إذا وقع في الحرام، أو كاد أن يقع فيه، أو خشي على نفسه العنت، فيجب عليه حينئذٍ النكاح.
فانظر إلى هذه الشريعة التي حثت على النكاح -ونكاح الولود بالذات- وأباحت التعدد، كل ذلك لأجل المحافظة على استمرار النسل، والله خلق البشرية وهو أعلم بما يصلحها.
ثم بالمحافظة على النسل وعدم ذهابه أو تقليله منعت الشريعة ترك النكاح، ومنع الحمل بالكلية، والإجهاض بعد حدوث الحمل.
стр. 3818
مناقشة أسباب ترك النكاح
ويترك الإنسان النكاح لأسباب كثيرة منها: أولاً: التبتل وزعم الانقطاع للعبادة.
ثانياً: عدم القدرة البدنية، أو المالية.
ثالثاً: لأن عنده طريقاً أخرى يسلكها لتصريف شهوته بالحرام.
أما بالنسبة للأولى، فإن النبي ﷺ عدها بدعة، والذي قال من الصحابة: لا أتزوج النساء، قال له مجيباً: (من رغب عن سنتي، فليس مني) ورد النبي ﷺ على عثمان بن مظعون لما استأذنه في التبتل والاختصاء، قال الراوي: ولو أذن له لاختصينا، فنهت الشريعة إذاً عن قطع سبيل الإنجاب ووسيلته وآلته لتحقيق تكثير النسل.
قال ابن حجر ﵀: "والحكمة في منعه من الاختصاء: إرادة تكثير النسل ليستمر جهاد الكفار، وإلا لو أذن في ذلك، لأوشك تواردهم عليه، فينقطع النسل، فيقل المسلمون بانقطاعه، ويكثر الكفار، فهذا خلاف المقصود من البعثة المحمدية".
وقد أنكر السلف على من ترك النكاح، وقال طاوس لرجل: لتنكحن، أو لأقولن لك ما قال عمر، قال: وماذا قال عمر؟ قال: [ما يمنعك من النكاح إلا عجزٌ، أو فجور] إذا رأيت شاباً قادراً على الزواج، وتأخرت به السن ولم يتزوج وهو قادر وليس هناك مانع، فما هو السبب؟ لا يمنعه إلا عجزٌ عن الوطء وهذا عيبٌ، أو فجورٌ، ولذلك تأخر به النكاح.
وقال الإمام أحمد: ليست العزبة من أمر الإسلام في شيء، والنكاح أفضل من التخلي للنوافل كما ذكر أهل العلم ﵏.
والنبي ﷺ قد تزوج وعدد، وفعل ذلك أصحابه، ولا يشتغل النبي ﷺ وأصحابه إلا بالأفضل، ولا تجتمع الصحابة على ترك الأفضل والاشتغال بالأدنى.
يا عباد الله! إن ترك النكاح ليس من أمر الإسلام، وأما تركه لعدم القدرة البدنية، فقال بعض العلماء: بوجهاته كما إذا كان به مرض ولا شهوة له، أو كبير السن طاعناً لا همة له في النكاح ولا حاجة، فلو تركه، فلا يعاتب على ذلك.
وأما المال، فإن الله قال: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٢] فليسع الشاب، فإن الله معه.
وأما ترك النكاح بسبب وجود طريق محرمة أخرى لتصريف الشهوة كالزنا واللواط وسائر الشذوذات التي انتشرت في هذا العصر، فمعروفٌ حكم ذلك والحدود التي جاءت الشريعة بشأنها.
стр. 3819
حكم منع الحمل وتحديد النسل
ومما جاءت الشريعة به من الإجراءات لحفظ النسل: مَنْعُ مَنْعِ الحمل لدى المرأة، أو ما يضعف الشهوة، أو يقطعها بالكلية عند الرجل والمرأة، فأما إن كان منع حمل كلي، أو تعاطي دواء يقطع الشهوة بالكلية، فإنه ممنوع عند العلماء، ولا شك في ذلك، ولا يجوز تعاطي ما يمنع الشهوة بالكلية، أو أن تتعاطى المرأة ما يمنع الحمل بالكلية، أو أن يتعاطى الرجل ذلك؛ كاستئصال الحبل المنوي وهي عمليات حاصلة في الشرق والغرب، واستئصال الرحم، وربط المبايض، وما شابه ذلك، عمليات يقام بها في الشرق والغرب، وقال بعض العلماء بجواز تعاطي ما يسكن الشهوة إذا خشي على نفسه الحرام، لكن لا يجوز أن يتعاطى ما يضره أو ما يؤدي إلى قطعها بالكلية.
стр. 3820
الأبعاد الخطيرة لتحديد النسل
لقد ثارت في بلاد المسلمين الدعوة إلى تحديد النسل، وأدرك أعداء الإسلام خطورته، وأثره الفعال في تقليل أفراد الأمة الإسلامية، وتوهين قواها، وجعلها لقمة سائغة وفريسة سهلة يفترسونها متى أرادوا، وكيف أرادوا، فأخذوا ينادون بضرورة تحديد النسل في كثير من البلاد الإسلامية بحجة قلة الموارد فيها، وبحجة التخوف من الانفجار السكاني، وجندوا لهذه الفكرة أناساً من بني جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، ويذودون عن هذه الدعوة، ويرفعون لها اللافتات المتعددة، والمظاهر البراقة، وجندت المكتبات والكتب، والأبحاث الطبية المزيفة، وكل وسيلة مقروءة أو مسموعة أو مرئية، وأُنشئت لأجلها المؤسسات والجمعيات، ورصدت لها الأموال الطائلة، والمساعدات الهائلة، وكذلك سنت القوانين لمنع تعدد النسل كعدد معين في عددٍ من البلدان الإسلامية، في الوقت الذي ينادي فيه علماء الغرب بالخطر الداهم على مجتمعاتهم، ويقولون: في بعض مدن روسيا عدد الوفيات أكثر من عدد المواليد، ماذا سينتج عن ذلك في المستقبل؟ قلة عددهم، وبالتالي ضعف قوتهم، فإن العامل البشري هو العامل الأول في سائر القوى والموازين، وانظر ما الذي أدى إليه الحال في الصين من منع إنجاب أكثر من طفلٍ واحدٍ، والعائلة تريد ذكراً، فإذا كان المولود أنثى والقانون لا يسمح لا بولدٍ واحد، أقدم على قتلها، فوجد الوأد، وقتل البنت والأنثى في الصين كثيراً في هذه الأيام.
إن قضية تحديد النسل هي مؤامرة على الدين لها أبعادها الخطيرة، والتنقيص من عدد المواليد لا يخدم إلا مصلحة أعداء الإسلام، ولا شك أن هناك دوافع في ترويج هذه المسألة بيننا، بل إنهم عملوا على تصدير ما يسبب العقم في بلاد المسلمين، وكذلك فإن بعض أطبائهم قد ثبت أنهم كانوا يقتلون مواليد المسلمين في المستشفيات، وكذلك بعض ممرضاتهم وممرضيهم وجدوا مضبوطين بالتلبس في قتل أجنة المسلمين، والطبيب ينصح المرأة بعدم الحمل، أو ينصحها بالإجهاض إذا حملت، وروجت الوسائل المعينة على الإجهاض، وفتحت عيادات لأجل ذلك، وسهلت القضية في الوصول إليها.
следующие страницы →