← Джавами‘

Джавами‘ · id 7704

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (7 040 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.

стр. 3816

عموم مقاصد حفظ الفرج ليس المقصود بحفظ الفرج في الشريعة حفظه من الزنا فقط، بل حفظه من أي شيء غير سويٍ وأي انحرافٍ؛ كاللواط والسحاق والاستمناء، وغير ذلك من الأمور التي لا يرضاها خلقٌ مستقيمٌ، ولا فطرةٌ سليمةٌ. قال ابن القيم ﵀: "فليس في الذنوب أفسد للقلب والدين من هاتين الفاحشتين -أي: الزنا واللواط- ولهما خاصيةٌ في إبعاد القلب عن الله ، فإنهما من أعظم الخبائث. وقال: ومفسدة الزنا مناقضةٌ لصلاح العالم، فليس بعد مفسدة القتل أعظم من مفسدته، ولذلك شرع فيه القتل على أشنع الوجوه وأفحشها وأصعبها، ولو بلغ العبد أن امرأته قتلت، كان أسهل عليه من أن يبلغه أنها زنت إلى أن قال ﵀: وظهور الزنا من أمارات خراب العالم، وهو من أشراط الساعة". وما من أمةٍ يظهر فيها الزنا والربا إلا حلوا بأنفسهم عقاب الله، وهذا آتٍ ولا ريب على تلك الأمم التي شاعت فيها الفاحشة من رأسها إلى أخمص قدميها، والتفكك والتفتت والتقاتل حالٌ بهم ولا ريب، كيف وقد استمرءوه وظهر فيهم في الكبير والصغير؟! وقد شرعت الشريعة الإسلامية إجراءات متعددة لحفظ النسل وحفظ الفرج وحفظ النسب، ومن ذلك: تحريم النظر إلى المرأة الأجنبية، إجراءات احترازية قبل وقوع الجريمة، وإجراءات معها وإجراءات بعدها، وتحريم الخلوة بالأجنبية، وتحريم الزنا، وتحريم اللواط، وفي المقابل شرع النكاح، وتحريم كل ما يؤدي إلى وقوع الفاحشة.

стр. 3817

دعوة الإسلام إلى تكثير النسل وحفظ النسل من الركائز الأساسية في الحياة، ومن أسباب عمارة الأرض، وفيه تكمن قوة الأمم، وبه تكون مرهوبة الجانب، والإسلام قد عُني بحماية النسل، ودعا إلى تكثيره من وجهين: الأول: الحث على ما يحصل به استمرار النسل وبقاؤه وتكاثره. الثاني: منع ما يقطع النسل بالكلية أو يقلله أو يعدمه بعد وجوده. فأما بالنسبة للأول، فقد جاءت الشريعة لتحقيقه بالحث على النكاح والترغيب فيه، وجاءت النصوص الشرعية بذلك، قال : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:٣] وهذا ولا شك أمر ترغيب في قوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣] وكذلك قال ﵊: (تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثرٌ بكم الأمم يوم القيامة) والولود: من عرف عنها كثرة الولد، إن كانت ثيباً بسابقتها، وإن كانت بكراً فمن حال أقاربها كأمها وعماتها وخالاتها، وقد حث النبي ﷺ على نكاح الأبكار، ومن أسباب ذلك قال: (فإنهن أعذب أفواهاً، وأنتق أرحاماً) ومعنى: (وأنتق أرحاماً) أي: أكثر أولاداً، لأنها شابةٌ ونشيطةٌ وقويةٌ على المواصلة في الإنجاب، وقال ﵊: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج). وقد ذكر العلماء حالات يجب فيها النكاح، ومنها: إذا وقع في الحرام، أو كاد أن يقع فيه، أو خشي على نفسه العنت، فيجب عليه حينئذٍ النكاح. فانظر إلى هذه الشريعة التي حثت على النكاح -ونكاح الولود بالذات- وأباحت التعدد، كل ذلك لأجل المحافظة على استمرار النسل، والله خلق البشرية وهو أعلم بما يصلحها. ثم بالمحافظة على النسل وعدم ذهابه أو تقليله منعت الشريعة ترك النكاح، ومنع الحمل بالكلية، والإجهاض بعد حدوث الحمل.

стр. 3818

مناقشة أسباب ترك النكاح ويترك الإنسان النكاح لأسباب كثيرة منها: أولاً: التبتل وزعم الانقطاع للعبادة. ثانياً: عدم القدرة البدنية، أو المالية. ثالثاً: لأن عنده طريقاً أخرى يسلكها لتصريف شهوته بالحرام. أما بالنسبة للأولى، فإن النبي ﷺ عدها بدعة، والذي قال من الصحابة: لا أتزوج النساء، قال له مجيباً: (من رغب عن سنتي، فليس مني) ورد النبي ﷺ على عثمان بن مظعون لما استأذنه في التبتل والاختصاء، قال الراوي: ولو أذن له لاختصينا، فنهت الشريعة إذاً عن قطع سبيل الإنجاب ووسيلته وآلته لتحقيق تكثير النسل. قال ابن حجر ﵀: "والحكمة في منعه من الاختصاء: إرادة تكثير النسل ليستمر جهاد الكفار، وإلا لو أذن في ذلك، لأوشك تواردهم عليه، فينقطع النسل، فيقل المسلمون بانقطاعه، ويكثر الكفار، فهذا خلاف المقصود من البعثة المحمدية". وقد أنكر السلف على من ترك النكاح، وقال طاوس لرجل: لتنكحن، أو لأقولن لك ما قال عمر، قال: وماذا قال عمر؟ قال: [ما يمنعك من النكاح إلا عجزٌ، أو فجور] إذا رأيت شاباً قادراً على الزواج، وتأخرت به السن ولم يتزوج وهو قادر وليس هناك مانع، فما هو السبب؟ لا يمنعه إلا عجزٌ عن الوطء وهذا عيبٌ، أو فجورٌ، ولذلك تأخر به النكاح. وقال الإمام أحمد: ليست العزبة من أمر الإسلام في شيء، والنكاح أفضل من التخلي للنوافل كما ذكر أهل العلم ﵏. والنبي ﷺ قد تزوج وعدد، وفعل ذلك أصحابه، ولا يشتغل النبي ﷺ وأصحابه إلا بالأفضل، ولا تجتمع الصحابة على ترك الأفضل والاشتغال بالأدنى. يا عباد الله! إن ترك النكاح ليس من أمر الإسلام، وأما تركه لعدم القدرة البدنية، فقال بعض العلماء: بوجهاته كما إذا كان به مرض ولا شهوة له، أو كبير السن طاعناً لا همة له في النكاح ولا حاجة، فلو تركه، فلا يعاتب على ذلك. وأما المال، فإن الله قال: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٢] فليسع الشاب، فإن الله معه. وأما ترك النكاح بسبب وجود طريق محرمة أخرى لتصريف الشهوة كالزنا واللواط وسائر الشذوذات التي انتشرت في هذا العصر، فمعروفٌ حكم ذلك والحدود التي جاءت الشريعة بشأنها.

стр. 3819

حكم منع الحمل وتحديد النسل ومما جاءت الشريعة به من الإجراءات لحفظ النسل: مَنْعُ مَنْعِ الحمل لدى المرأة، أو ما يضعف الشهوة، أو يقطعها بالكلية عند الرجل والمرأة، فأما إن كان منع حمل كلي، أو تعاطي دواء يقطع الشهوة بالكلية، فإنه ممنوع عند العلماء، ولا شك في ذلك، ولا يجوز تعاطي ما يمنع الشهوة بالكلية، أو أن تتعاطى المرأة ما يمنع الحمل بالكلية، أو أن يتعاطى الرجل ذلك؛ كاستئصال الحبل المنوي وهي عمليات حاصلة في الشرق والغرب، واستئصال الرحم، وربط المبايض، وما شابه ذلك، عمليات يقام بها في الشرق والغرب، وقال بعض العلماء بجواز تعاطي ما يسكن الشهوة إذا خشي على نفسه الحرام، لكن لا يجوز أن يتعاطى ما يضره أو ما يؤدي إلى قطعها بالكلية.

стр. 3820

الأبعاد الخطيرة لتحديد النسل لقد ثارت في بلاد المسلمين الدعوة إلى تحديد النسل، وأدرك أعداء الإسلام خطورته، وأثره الفعال في تقليل أفراد الأمة الإسلامية، وتوهين قواها، وجعلها لقمة سائغة وفريسة سهلة يفترسونها متى أرادوا، وكيف أرادوا، فأخذوا ينادون بضرورة تحديد النسل في كثير من البلاد الإسلامية بحجة قلة الموارد فيها، وبحجة التخوف من الانفجار السكاني، وجندوا لهذه الفكرة أناساً من بني جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، ويذودون عن هذه الدعوة، ويرفعون لها اللافتات المتعددة، والمظاهر البراقة، وجندت المكتبات والكتب، والأبحاث الطبية المزيفة، وكل وسيلة مقروءة أو مسموعة أو مرئية، وأُنشئت لأجلها المؤسسات والجمعيات، ورصدت لها الأموال الطائلة، والمساعدات الهائلة، وكذلك سنت القوانين لمنع تعدد النسل كعدد معين في عددٍ من البلدان الإسلامية، في الوقت الذي ينادي فيه علماء الغرب بالخطر الداهم على مجتمعاتهم، ويقولون: في بعض مدن روسيا عدد الوفيات أكثر من عدد المواليد، ماذا سينتج عن ذلك في المستقبل؟ قلة عددهم، وبالتالي ضعف قوتهم، فإن العامل البشري هو العامل الأول في سائر القوى والموازين، وانظر ما الذي أدى إليه الحال في الصين من منع إنجاب أكثر من طفلٍ واحدٍ، والعائلة تريد ذكراً، فإذا كان المولود أنثى والقانون لا يسمح لا بولدٍ واحد، أقدم على قتلها، فوجد الوأد، وقتل البنت والأنثى في الصين كثيراً في هذه الأيام. إن قضية تحديد النسل هي مؤامرة على الدين لها أبعادها الخطيرة، والتنقيص من عدد المواليد لا يخدم إلا مصلحة أعداء الإسلام، ولا شك أن هناك دوافع في ترويج هذه المسألة بيننا، بل إنهم عملوا على تصدير ما يسبب العقم في بلاد المسلمين، وكذلك فإن بعض أطبائهم قد ثبت أنهم كانوا يقتلون مواليد المسلمين في المستشفيات، وكذلك بعض ممرضاتهم وممرضيهم وجدوا مضبوطين بالتلبس في قتل أجنة المسلمين، والطبيب ينصح المرأة بعدم الحمل، أو ينصحها بالإجهاض إذا حملت، وروجت الوسائل المعينة على الإجهاض، وفتحت عيادات لأجل ذلك، وسهلت القضية في الوصول إليها.

стр. 3821

مبررات المنع المؤقت للإنجاب وشروطه إذا قال قائل: هل يوجد في الشريعة ما يبرر منع الإنجاب مؤقتاً للحاجة؟ الجواب نعم، لا شك أن الشريعة تراعي الحاجات، والعزل جائز كما دل عليه حديث: (كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ ، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فلم ينهنا)، وجاء في رواية لـ مسلم: (أن أناساً سألوا رسول الله ﷺ عن العزل، فقال: ذلك الوأد الخفي) ومن هنا تفاوتت أنظار العلماء في حكمه، فقال عددٌ منهم بكراهيته، لأن فيه تقليل النسل، وقطع اللذة عن الموطوءة، وقد حث النبي ﷺ على مراعاة أسباب التكاثر، ولكن إذا دعت الحاجة في ظروف معينة ما مصلحته راجحة في تأخير الإنجاب للمولود القادم، كالخوف على الأم من الهلاك بالحمل، أو كالخوف على الولد، وعلم ذلك من مسلمٍ طبيب ثقة أو أكثر ليتأكد الإنسان، فإنه في هذه الحالة لا بأس بتعاطي ما يؤخر الإنجاب لسنتين حتى تكون هناك كفاية من الوقت لتربية الولد الحاضر، والاستعداد لاستقبال المولود القادم، والله تعالى قال: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة:٢٣٣] ويشترط في مانع الحمل ثلاثة شروط: أولاً: إذن الزوجين، فلا يجوز للزوج أن يجبرها، ولا يجوز لها أن تتعاطاه سراً. ثانياً: ألا يكون منعاً دائماً. ثالثاً: ألا يكون ضاراً. وكثيرٌ من هذه اللوالب والحبوب ضارة بشهادة عقلاء الأطباء. اللهم إنا نسألك الفقه في الدين، واتباع سنة سيد المرسلين، وأن تختم لنا بخاتمة السعادة أجمعين. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 3822

الإجهاض في الشريعة الإسلامية الحمد لله الكبير المتعال، أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، إليه المرجع والمآل، وأشهد أن محمداً رسول الله، صلى الله عليه وعلى صحبه والآل. عباد الله! لقد جاءت هذه الشريعة من الإجراءات في ظل ما جاءت به لحفظ النسل في تشريعات بشأن الإجهاض، وعنيت الشريعة بالجنين في بطن أمه عناية فائقة، لأن ذلك الجنين هو الطريق إلى إيجاد النسل، ولو لم يراعِ حال الأجنة في بطون أمهاتها، للزم من ذلك فساد النسل وضياعه، وقد حكم النبي ﷺ بدية الجنين على من قتلت جنين امرأة في بطنها، وقد جاء في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه أن امرأتين من هذيل رمت إحداهما الأخرى، فطرحت جنينها، فقضى فيها رسول الله ﷺ بغرة عبدٍ أو أمة. فإذاً عبدٌ أو أمةٌ أو ما يقابلهما من المال كعشرة آلاف ريال ونحوها دية إسقاط الجنين عمداً، وكذلك قضى عمر ﵁ وأرضاه بهذا القضاء، قال ابن قدامة ﵀ في شرح قول الخرقي ﵀: "وإذا شربت الحامل دواءً فألقت جنيناً، فعليها غرةٌ لا ترث منها شيئاً، وتعتق رقبة"، فتعتق رقبة إذا تعاطت دواء قتل الجنين وأسقطته، وتسلم عبداً أو أمةً أو قيمتهما إلى ورثة الجنين دون أن تأخذ منهما شيئاً. ولا يجوز إسقاط الحمل بعد نفخ الروح فيه إطلاقاً عند جميع العلماء، لأنه قتل نفس محرمة، لا يجوز ذلك مطلقاً، وفي جواز إسقاطه قبل نفخ الروح تفاصيلٌ في كلام أهل العلم.

стр. 3823

أضرار الإجهاض على النسل والصحة وأما الإجهاض، فإن له أثاراً سلبية كثيرة، ومنها ما ذكره بعض أطباء الكفار، قال أحدهم: للإجهاض على النسل ثلاثة أضرار: أولاً: هلاك عدد غير معلوم من أفراد البشرية قبل أن يخرجوا إلى نور الحياة. ثانياً: ذهاب عدد غير يسير من الأمهات ضحية الموت أثناء عملية الإجهاض. ثالثاً: حدوث مؤثرات مرضية للمرأة لا يستهان بعددها تؤدي إلى عدم الإنجاب مستقبلاً. هذه بعض الإجراءات الشرعية التي جاءت بها الشريعة لحفظ النسل وحفظ النسب. نسأل الله ﵎ أن يطهرنا من كل فاحشة، وأن يتوب علينا من كل ذنب، وأن يحفظنا ويحفظ بيوتنا من سائر الأمراض، ونسأله أن يجعلنا ممن يقيمون الملة الحنيفية.

стр. 3824

مسئولية أولياء الأمور في الحفاظ على أبنائهم عباد الله: إن جانباً عظيماً من المسئولية يقع على أولياء الأمور في تعهد بناتهم وأولادهم، فإن كثيراً من الأولاد يساقون إلى الفاحشة ذكوراً وإناثاً بهذه المثيرات للغرائز التي تعرض على العالمين مما يأتينا من الكفار، ومن هم من جلدتنا من أبناء المسلمين، ولذلك كان لزاماً على كل أبٍ أن يقوم على تعهد بناته وأبنائه، ولزاماً على كل زوجٍ أن يقوم على تعهد زوجته، وإلا فالخراب والدمار. قال لي أحد الإخوة: مررت بمجمع تجاري في الساعة الواحدة ليلاً، فرأيت منظراً عجيباً، ثلاثة أولاد يقفون في الشارع بنت عمرها سنتين ونصف تقريباً، وولد عمره ثلاث سنوات، وولد آخر عمره سبع سنوات، فأكملت طريقي، ثم عدت من نفس الشارع في قراب الساعة الثالثة إلا ربع وقبل الفجر، فوجدت المنظر ذاته البنت الصغيرة جالسةً على الرصيف وهكذا حال الأولاد، فاستغربت وتعجبت لهذا المنظر، وهؤلاء الأولاد في هذه الساعة المتأخرة من الليل قبل الفجر، فأوقفت سيارتي، ونزلت إليهم، فقلت: مالكم واقفين في هذه الساعة؟ وما سبب حضوركم في هذا المكان؟ ورأيت البنت الصغيرة في عينيها عبرةٌ ودمعةٌ، وكذلك في عيون إخوانها، فأجابني الولد الكبير بعد السؤال والنقاش: إن أمنا قد خرجت في (ليموزين) إلى هذا السوق الذي فيه مكان للألعاب، ووضعتنا فيه، وقالت: سأعود إليكم الساعة الواحدة، ثم مضت مع شخصٍ تقول: إنه خالي، ولكنني لم أره من قبل، لكنه كان يقول إنه خالي، ثم تحدث الطفل عن مأساته، وعن مأساة إخوانه والدمعة تترقرق، والعبرة تختنق، والصوت يتهجد، وانتهت القضية بأن أوصلهم إلى بيته. ولكن هذه الأم المجرمة التي تلقي بفلذات كبدها إذا كان لها فلذات إلى هذا الوقت إلى الساعة المتأخرة في الليل لتذهب مع رجل أجنبي تعرفت عليه في استقبال المستشفى. أيها الإخوة: أين الزوج؟ أين العائلة؟ أين الأسرة؟ أين الحماية؟ ضياع الأولاد انتشار الفواحش شيوع الأمراض جلب نقمة الرب على المجتمع، أين العقول؟ أين الغيرة؟ لماذا هكذا نفيت الأسرة؟ لماذا يذهب الزوج بعيداً عن زوجته؟ لا رقابة، تفلت الأمور للمرأة للخروج كيف تشاء، و (للموزينات) تعمل في نقل البغايا، عجباً لنا كيف وصلنا إلى هذه الحال؟!! هل من توبة؟ هل من عودة؟ هل من قيام بالمسئولية يا عباد الله؟ (كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته) وأنت موقوف بين يدي الرب سائلك عن أولادك ذكوراً وإناثاً، وعن زوجتك، إن الله سائلٌ كل راعٍ عما استرعاه، أحفظ ذلك أم ضيعه. اللهم إنا نسألك الرأفة واللطف بنا يا رب العالمين، اللهم الطف بنا يا أرحم الراحمين. اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء، اللهم انشر رحمتك على العباد، واقمع أهل الزيغ والكفر والعناد. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 3825

جنة الدنيا [١] في الدنيا جنة من لم يدخلها لن يدخل جنة الآخرة، وفي هذه الجنة تجد النفس بغيتها من طرد الهموم، وذهاب الشقاء، وحصول السعادة التي تغمر القلب وتنعش الروح، وفي هذه المادة تعيش في سعادة مع جنة الدنيا.

стр. 3826

الحياة الطيبة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فقد قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧] هذا الإيمان والعمل الصالح هو سبب الحياة الطيبة وهو سبب السعادة والسكينة والطمأنينة التي يحس بها المؤمن، ونعمة الإيمان عظيمة فهي منة من الله تعالى. فما هو أثر الإيمان في حياة الإنسان؟ هذه مسألة ينبغي أن نقف أمامها -أيها الإخوة- وأن نتدبر فيها لنستشعر نعمة الله تعالى علينا. ما هو الفرق بين المؤمن وبين غيره؟ ما هو الفرق بين حياة المؤمن وحياة غيره؟ ما هي ميزته على غيره؟ إن الحياة الطيبة: أن يعلم المؤمن أن الله خلقه وسخر له ما في السماوات وما في الأرض سخرها من أجله ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان:٢٠] إن المؤمن يعلم بأن الله قد اصطفاه وكرمه، إن الله خلق آدم على صورته، قال العلماء: ليس لله تعالى خلق أحسن من الإنسان، فإن الله تعالى خلقه حياً عالماً قادراً متكلماً سميعاً بصيراً حكيماً وهذه صفات الرب جل وعلا فإن الله خلق آدم على صورته. ويقول الإمام ابن القيم ﵀: " اعلم أن الله اختص نوع الإنسان من بين خلقه بأن كرمه وفضله وشرفه، وخلقه لنفسه وخلق له كل شيء، وخصه من معرفته ومحبته وقربه وإكرامه بما لم يعط غيره، وسخر له ما في سماواته وأرضه وما بينهما حتى ملائكته الذين هم أهل قربه استخدمهم له -أي: للإنسان- وجعلهم حفظة له في منامه ويقظته وضعنه وإقامته، وأنزل إليه وعليه كتبه، وأرسل إليه رسله، وخاطبه وكلمه منه وإليه فللإنسان شأن ليس لسائر المخلوقات ". يشعر المؤمن بالعزة التي سجلها الله في كتابه ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون:٨] ويشعر بأن الله أعطاه الكرامة التي بها يعلو ولا يُعلا، ويسود ولا يساد كما قال : ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء:١٤١] ويشعر المؤمن بأنه في ولاية الله البر الكريم ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:١١]. يشعر المؤمن بأنه في معية الله الذي يكلؤه دوماً بعينه التي لا تنام ، ويحرسه في كنفه الذي لا يرام ويمده بنصره الذي لا يقهر ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:١٩] ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧]. ويشعر المؤمن بأنه في حماية الله القوي القدير يذود عنه ويرد عن صدره سهام المعتدين ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [الحج:٣٨]. كل هذه المعاني وغيرها لا يشعر بها الكفار على الإطلاق، هل رأيت الكفرة في الشركة والجامعة والمصنع؟ يا عبد الله! إن لك ميزة عليهم أنك تشعر بمقتضيات الإيمان وهم لا يشعرون بشيء منها؛ فجعلك الله إنساناً عزيزاً كريماً كبير النفس لا يحني رأسه لمخلوق، ولذلك لا عجب أن ترى بلال بن رباح ذلك العبد الحبشي الأسود لما أشرب قلبه الإيمان كان يستعلي على المستكبرين فخراً، ويرفع رأسه عالياً؛ لأن الإيمان قد جعله أرفع عند الله ذكراً وأسمى مقاماً فهو ينظر إلى سيده أمية بن خلف، وإلى أبي جهل بن هشام وغيرهما من زعماء قريش وصناديد مكة نظرة البصير للأعمى، ونظرة السائر في النور إلى المتخبط في الدجى ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢]. إذا رأيت الكافر أمامك فاعلم أنه أعمى وأنت بصير. إن الإيمان يولد عزاً يفوق ما عند الكفار من ألوان النعيم. ولذلك كان الأعرابي الأمي البدوي ربعي بن عامر رضي الله تعالى عنه الذي لف سيفه بخرقة ودخل على رستم قائد قواد الفرس وهو في هيله وهيلمانه وأبهته وسلطانه دخل غير مكترث له، ولا عابئ به، ولا بما حوله من الخدم والحراس، ولا بما يتوهج في خيمته من ألوان الذهب والفضة والحلي والحرير، وقال له تلك العبارة التي خلدها التاريخ: [نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام]. إن الإيمان أيها الإخوة: يجعل المؤمن في درجة عالية لا يصلها غيره وهي درجة العبودية لله. ومما زادني شرفاً وعزاً وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن أرسلت أحمد لي نبيا

стр. 3827

الفرق بين المؤمن وغيره ما أعظم الفرق بين رجلين: يعيش أحدهما وهو يعتقد في نفسه أنه مجرد حيوان يسعى للذاته ويهيم فيها، ويعيش الآخر في الطرف الآخر وهو يعتقد أن الله قد استخلفه في الأرض، وأمره بعمارتها، وإقامة منهج الله فيها، والجهاد للدفاع عن هذا المنهج، إنه يحس أنه صاحب رسالة، وأنه مكلف بإقامة العدل، والدعوة إلى الدين، وبإقامة صرح الإسلام في الأرض. بينما الكافر يحس ماذا؟ يحس أنه حيوان يسعى في لذاته وبهيميته وظلمه للناس، واضطهاده للمستضعفين، وامتصاص الخيرات والهيمنة والسيطرة؛ لأجل لذاته، ولأجل جيبه وأمواله وهكذا الفرق العظيم بين الرجلين. أيها الإخوة! إن أثر الإيمان في حياة الإنسان عظيم، إنه يجلب له السعادة التي يبحث عنها الناس شرقاً وغرباً؛ وبعض الناس يذهبون في الرحلات السياحية، ويغيرون الأجواء، ويغيرون أثاث البيت، ويدخلون المطاعم المختلفة الشرقية والغربية، ويلبسون الثياب المختلفة باحثين عن السعادة وهي عند المسلم في نفس المؤمن. جرب الناس في شتى العصور ألوان المتع المادية والشهوات الحسية فما وجدوا السعادة فيها، بحثوا في رخاء العيش، ووفرة النعيم، ورفاهية الحياة، ومستوى المعيشة المرتفع، بحثوا فيها فلم تزدهم إلا ضيقاً وانحباساً، ولم تزدهم إلا شقاءً وخوفاً وتعاسة، بل أدت بهم إلى الاضطرابات النفسية والعصبية. هاأنت ترى بلداً مثل السويد مثلاً؛ لا يشعر سكانها بخوف من فقر، أو شيخوخة، أو بطالة، أو كارثة؛ لأن الدولة تضمن لهم كل شيء؛ هناك إعانات دورية ضخمة يستحق السويدي معاشاً وإعانة مرض، ومعاش عدم الصلاحية وإعانة غلاء معيشة، وإعانة مسكن، وإعانة للعمى تصرف نقداً، وعلاجاً مجانياً في المستشفيات، وتدفع إعانة أمومة لكل النساء شاملة مصاريف الولادة والرعاية الطبية في المستشفى، وإعانة إضافية لكل مولود، وللطفل مخصص شهري حتى يبلغ ستة عشر عاماً، ومصاريف انتقال مجانية في الإجازات، ومدارس رياض الأطفال برسوم تافهة، والتعليم مجاني في جميع مراحله، وإعانة ملابس، وللطلبة المجتهدين، وتأثيث منازل العرسان وغيرهم، فماذا جلبت عليهم؟ إن معدل الانتحار في السويد من أعلى معدل الانتحارات في العالم! لماذا وعندهم كل هذا النعيم، وعندهم كل هذا الرخاء، وكل هذه الرفاهية؟ وهذه البلد الأخرى الكبيرة لم يحقق الغنى لأبنائها السعادة على الرغم من ناطحات السحاب، ومراكب الفضاء، وتدفق الذهب من فوقهم ومن تحت أرجلهم حتى قال قائلهم: إن الحياة في نيويورك غطاء جميل لحالة من التعاسة والشقاء. إن السعادة ليست بكثرة المال والأولاد، وصدق الله إذ يقول في وصف الكفار الذين نراهم اليوم: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [التوبة:٥٥] ﴿وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة:٨٥] قال ﵊: (من كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له) هكذا هُم في هَمٍ لازم، وتعب دائم وحسرة لا تنقضي، مهما نال الشخص منهم شيئاً منها طمحت نفسه إلى ما فوق، وهكذا في عذاب دائم لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثاً. حالهم في الدنيا كحال شارب الخمر، كلما ازداد شرباً ازداد عطشاً. ثم إن أولادهم كثيراً ما يجلبون عليهم التعاسة والشقاء؛ في عقوقهم وكفرانهم لنعمة آبائهم، وإذا لم يكن الولد مؤمناً تقياً براً كريماً فإنه يكون سبب تعاسة لأبوية. أرى ولد الفتى ضرراً عليه لقد سعد الذي أمسى عقيما فإما أن يربيه عدواً وإما أن يخلفه يتيما وإما أن يوافيه حمام فيترك حزنه أبداً مقيما وهكذا أحس هذا الشاعر بأن العقم هو السعادة من جراء ما رآه من تعاسة الأولاد. ليست السعادة في وفرة المال، ولا سطوة الجاه، ولا كثرة الولد، ولا نيل المنفعة، ولا العلم المادي، ولا المخترعات، ولا الآلات؛ إنها شيء لا يرى بالعين، ولا يقاس بالكم، ولا تحتويه الخزائن، ولا يشترى بالدينار، ولا الجنيه والدولار؛ السعادة: شيء يحسه الإنسان بين جوانحه إنها صفاء نفس، وطمأنينة قلب، وانشراح صدر، وراحة ضمير. قال زوج لزوجته: لأشقينك، فقالت له بهدوء: لا تستطيع ذلك أبداً كما أنك لا تملك أن تسعدني، فقال في حنق: وكيف لا أستطيع؟ فقالت في ثقة: لو كانت السعادة في راتب لقطعته عني، أو زينة من الحلي والحلل لحرمتني منها، ولكنها في شيء لا تملكه أنت ولا الناس أجمعون فقال: وما هو؟ فقالت في يقين: إني أجد سعادتي في إيماني، وإيماني في قلبي، وقلبي لا سلطان لأحد عليه إلا ربي. هذه هي السعادة التي أحس بها المؤمنون الصالحون فقال قائلهم: إننا نجد سعادة لو علم بها الملوك لجالدونا عليها بالسيوف؛ لأنهم يبحثون عنها أشد البحث. وقال الآخر وهو في جنة ذكره في الدنيا وخلوته بربه: إنه لتمر علي ساعات أقول فيها: لو كان أهل الجنة في مثل ما أنا فيه لكانوا في عيش طيب. هؤلاء الذين يعيشون في جنة الإيمان وواحته في الدنيا، هؤلاء هم المغمورون في السعادة حقاً. يا عباد الله! لا نجحد أن للجانب المادي أثراً في تحقيق السعادة للإنسان، ولأجل ذلك قال النبي ﷺ : (أربع من السعادة وذكر منها أموراً دنيوية: كالدار الواسعة، والمركب الهنيء) ولكنها ليست كل شيء، ليست في المكان الأول، إن المكان الأول إنما هو للإيمان الذي هو حقيقة السعادة، السعادة الحقيقية فيه أنه يحس بسكينة النفس. قال أحد الأطباء اللامعين في أمريكا: وضعت مرة وأنا شاب جدولاً لطيبات الحياة المعترف بها، فكتبت رغباتي الدنيوية: الصحة والموهبة والقوة والثراء والشهرة، ثم أطلعت حكيماً من الحكماء عليها، فقال: يبدو أنك أغفلت العنصر المهم الذي بدونه يعود جدولك عبئاً لا يطاق، فقلت ما هو: فضرب على الجدول كله وكتب كلمتين: سكينة النفس وهي ما يبحثون عنها، ثم قال: وقد وجدت يومئذ أن من الصعب أن أتقبل هذا، ولكن الآن بعد نصف قرن من الزمن والتجربة الخاصة والملاحظة الدقيقة؛ أصبحت أدرك أن سكينة النفس هي الغاية المثلى للحياة الرشيدة، لقد رأيت السكينة تزهر بغير عون من المال، وبغير مدد من الصحة، بل إنها تحول الكوخ إلى قصرٍ رحب، كما تحول القصر قفصاً وسجناً. فلا سكينة -أيها الإخوان- بلا إيمان، السكينة التي يبحثون عنها أين هي؟ إنها في الإيمان بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً، لقد علمتنا الحياة أن أكثر الناس قلقاً واضطراباً وشعوراً بالتفاهة والضياع هم المحرومون من نعمة الإيمان؛ انظر إليهم في المخدرات، وانظر إليهم في حالات الانتحار، وانظر إليهم في عيادات الأطباء النفسانيين، إن حياتهم ليس لها طعم ومذاق وإن حفلت باللذائذ والمرفهات؛ لأنهم لا يدركون لها معنى ولا يفقهون لها سراً، ولكن المؤمن سكينته في نفسه روحٌ من الله ونور، يسكن إليها إذا خاف، ويطمئن عندها إذا قلق، ويتسلى بها إذا حزن، ويستروح بها إذا تعب، ويقوى بها إذا ضعف ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: " في القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس بالله، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفة الله وصدق معاملته، وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع على الله وجمع القلب وتوحد النية والتوجه والفرار إلى الله، وفيه نيران حسرات لا يطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه وقضائه، ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه، وفيه فاقة لا يسدها إلا محبته والإنابة إليه، ودوام ذكره وصدق الإخلاص له، ولو أعطي الدنيا وما فيها لم تسد تلك الفاقة أبداً ".

стр. 3828

الفرق بين حياة المسلم والكافر عباد الله! إن الإيمان الذي حرم منه الكفرة والملاحدة قادهم إلى شقاء؛ لأن الواحد منهم لا يعرف الحكمة من خلقه، ولا السبب في وجوده في هذه الحياة، يولدون ويعيشون كالبهائم ويموتون كالهمل، لقد قال قائلهم: لعمرك ما أدري وقد أذن البلى بعاجل ترحالي إلى أين ترحالي وأين محل الروح بعد خروجه عن الهيكل المنحل والجسد البالي فأجابه مؤمن: وما علينا من جهلك إذا كنت لا تدري إلى أين ترحالك؛ فإننا ندري إلى أين المصير، قال الله تعالى ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيم﴾ [الانفطار:١٣ - ١٤]. لقد حاولوا أن يحلوا أسرار الوجود، وقام فلاسفتهم فتكلموا، وقام الذين تبعوهم من بعدهم فتكلموا؛ فإلى أي شيءٍ انتهوا؟ لقد طفت في تلك المعاهد كلها وسرحت طرفي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعاً كف حائر على ذقن أو قارعاً سن نادم وتمنى أحدهم لو رزق إيماناً كإيمان العجائز ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ﴾ [الأنعام:٧١] حيران: هو الوصف الدقيق البليغ لهذا الوضع ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ [الأنعام:٧١]. إن الذي لا يؤمن لا يثبت على قرار ولا يدوم على وجهة أو طريق. كريشة في مهب الريح طائرة لا تستقر على حال من القلق إن أمرهم يعيش بين ضياع عن معرفة الهدف من الخلق وشعور بالجبرية، فتجد مذهب الجبرية في كلامهم، وهذه قصيدة الخيام التي غنتها من يقول بعض الناس: إن غناءها عفيف بينما فيه الكفر والإلحاد: لبست ثوب العمر لم أستشر وحرت فيه بين شتى الفكر وسوف أنضو الثوب عني ولم أدرك لماذا جئت أين المفر وقال المعري الملحد في قديم أمره: نفارق العيش لم نظفر بمعرفة أي المعاني بأهل الأرض مقصود وقال: سألتموني فأعيتني إجابتكم من ادعى أنه دارٍ فقد كذبا تحطمنا الأيام حتى كأننا زجاج ولكن لا يعاد له سبكا ولذلك امتنع هذا عن الزواج حتى لا يجني الشقاء على ذريته كما جناها عليه أبوه وأمه، وقال: وأرحت أولادي فهم في نعمة الـ عدم التي فضلت نعيم العاجل فأراحهم في نعيم العدم من الشقاء الذي رآه وقال الآخر معبراً عن عقيدة الجبرية التي يحس بها من لا إيمان له: جئنا على كرهٍ ونرحل رغَّماً ولعلنا ما بين ذلك نجبر والملحد الحديث الذي يقول: جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت وسأبقى سائراً إن شئت هذا أم أبيت كيف جئت كيف أبصرت طريقي لست أدري وطريقي ما طريقي أطويل أم قصير هل أنا أصعد أم أهبط فيه وأغور أأنا السائر في الدرب أم الدرب يسير أم كلانا واقف والدهر يجري لست أدري أتراني قبل ما أصبحت إنسانا سويا كنت محواً ومحالاً أم تراني كنت شيا ألهذا اللغز حل أم سيبقى أبديا لست أدري ولماذا لست أدري لست أدري لكن المؤمن يدري؛ لأن الغاية عنده واضحة والطريق أمامه واضح ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك:٢٢] ما أعظم الفرق بين رجلين: أحدهما عرف الغاية التي من أجلها خلق فهو يسعى لتحقيقها فيطمئن ويستريح، والآخر ضال يخبط في عماية ويمشي إلى غير غاية. إن المؤمن لما عرف الغاية وسار في طريقها استعذب كل عذاب، واستهان بكل صعب، ولما اجتمع عليه الكافرون ليشمتوا فيه، ويظهروا الحرب النفسية، ويرشقونه بالسهام، وهم يظنون أن أعصابه ستنهار في ذلك الموقف قال معبراً عما يدين به: ولست أبالي حين أقتل مسلماً على أي جنبٍ كان في الله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلوٍ ممزعِ ألا ترى إلى الرجل من الصحابة ومن تبعهم بإحسان يخوض عباب الموت والموت يبرق ويرعد وهو يقول: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه:٨٤] ألا تسمع إلى أحدهم وهو حرام بن ملحان ﵁ وقد نفذ الرمح في صدره وهو يقول: فزت ورب الكعبة. وفي غزوة الأحزاب لما ابتلي المسلمون ابتلاءً شديداً، وزلزلوا زلزالاً عظيماً ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب:١٠] كان للمؤمنين موقفٌ آخر: ﴿وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٢٢] من الذي وهب السكينة لهم فأعانهم على الثبات؟ ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ [الفتح:٤] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] لماذا تنخلع قلوب العالم الآن؟ كثيرٌ من الناس في اهتزاز، شخصياتهم في اهتزاز، أفكارهم مشوشة ومضطربة، الأمراض النفسية؛ لأن القلوب لم تطمئن بذكر الله، فظهر المرض النفسي الخطير مرض التوحد، الذي يشبهه الأطباء النفسانيون -يشبهون صاحبه- بشخصٍ في غرفةٍ جميع جدرانها مرايا، فأينما ينظر لا يجد إلا نفسه، وليس لهذه الغرفة أبوابٌ ولا نوافذ، هكذا يعيشون، ويقول أحد أطبائهم: إن مرض إحساس الإنسان بوحدته لمن أهم العوامل الأساسية للاضطرابات العقلية، وبحثوا وبحثوا وأجروا التجارب وفي النهاية قالوا: لا حل إلا بالرجوع إلى الدين. كيف يشعر بالتوحد من يقرأ في كتاب الله ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] كيف يشعر بالتوحد من يقرأ قول الله ويعتقد به: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤] إنه شعور موسى ﵇ لما قال لبني إسرائيل: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢] وهو مشاعر محمد ﷺ لما قال لصاحبه: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] فالسكينة والطمأنينة في الإيمان، نسأل الله أن يجعلنا من أهل الإيمان، اللهم اجعلنا هداة مهتدين، وبك مؤمنين، وعليك متوكلين، وبك واثقين، ولا حول ولا قوة إلا بالله رب العالمين، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 3829

أسباب الوصول إلى الراحة النفسية والحياة الطيبة الحمد لله معز من أطاعه ومذل من عصاه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الذي أعطى كل شيء خلقه وهداه، وأشهد أن محمداً رسول الله الرحمة المهداة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله! إن من الأسباب التي تجعل المؤمن يعيش في أمان وطمأنينة، وراحة نفسية، وحياة طيبة، كما قال الله: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧] إن من الأسباب: مسألة رضا المؤمن بالله، ورضاه عن الله، ورضا الله عنه، ولذلك كان الساخط إنساناً دائم الحزن، دائم الكآبة، ضيق الصدر، تضيق الدنيا به على سعتها كأنها سم الخياط، والمؤمن راض بأمر الله تعالى، يكتنفه في قضية القدر أمران: الاستخارة قبل وقوع الشيء، والرضا بعد وقوعه، إنه إذا احتار فإن السبيل أمامه واضحة: اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي، وعاقبة أمري، فيسره لي، وبارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به. يتمنى الكفار لو وجدوا شيئاً كهذا؛ لأنهم يحتارون كما نحتار، ولكن لا سبيل عندهم لمعرفة الاختيار، وأما المؤمن فإنه يلجأ إلى الله، راضٍ بالله (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً) رواه الإمام أحمد ومسلم. المؤمن راض عن نفسه، وراض عن ربه، وهو يشعر بأنه -ولو كان فقيراً ولو كان ما كان حاله- لا يزال يتقلب في نعم الله، أولها نعمة خلقه: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [الإنسان:١ - ٢] ويتملى كذلك في حسن خلقه وتفضيله على غيره: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين:٤]. وثالث النعم: نعمة الإدراك والعلم ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:٣ - ٥] ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل:٧٨]. ورابع النعم: نعمة البيان النطقي والخطي ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن:١ - ٤]. وخامسها: نعمة الرزق ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر:٣] نعمة النَّفَس نعمة، ومن وقع في مرض الربو وغيره عرفها. والنعمة الخاصة بالمؤمن: نعمة الإيمان والهداية ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:٧]. والسابعة: نعمة المحبة والأخوة التي يعرفها المتآخون في الله، المجتمعون على طاعة الله، قلوبهم متحدة برباط الأخوة ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾ [آل عمران:١٠٣]. إن المؤمن راضٍ عن ربه دائماً وأبداً، فإذا ختم طعامه قال: الحمد لله الذي أطعمنا، وإذا اكتسى ثوباً قال: الحمد لله أنت كسوتني، اللهم لك الحمد أنت كسوتني، وإذا ركب دابة قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ [الزخرف:١٣] وإذا استيقظ من نومه قال: الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا، وإذا قضى حاجته في الخلاء قال: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني، وإذا رأى مبتلىً في حواسه قال: الحمد لله الذي عافانا مما ابتلاك به، وإذا تم له ما يريد قال: الحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات، وإذا لم يتم له ما يريد قال: الحمد لله على كل حال، فهو لا يزال يتقلب في رضا الرب ويحمد ربه في جميع أحواله. إن قضية الرضا مسألة عظيمة لا يعرفها إلا المؤمنون، لقد كتب أحد الكفرة إف إس بودلي يقول: في عام ١٩١٨م أوليت ظهري للعالم الذي عرفته -للغرب- طيلة حياتي ويممت شطر إفريقيا الشمالية الغربية حيث عشت بين الأعراب في الصحراء، وقضيت هناك سبعة أعوام، أتقنت خلالها لغة البدو، وكنت أرتدي زيهم، وآكل من طعامهم، وأتخذ مظاهرهم في الحياة، وغدوت مثلهم أمتلك أغناماً، وأنام كما ينامون في الخيام، وقد كانت تلك الأعوام التي قضيتها مع هؤلاء البدو الرحل من أمتع سنين حياتي وأحفلها بالسلام والاطمئنان، والرضا بالحياة، لقد تعلمت من عرب الصحراء التغلب على القلق، فهم بوصفهم مسلمين، يؤمنون بالقضاء والقدر، وقد ساعدهم هذا الإيمان على العيش في أمان وأخذ الحياة مأخذاً سهلاً ليناً، فهم لا يلقون أنفسهم بين براثن الهم والقلق إنهم يؤمنون بأن ما قدر يكون، ولا يصيب الواحد منهم إلا ما كتب الله تعالى، وليس معنى ذلك أنهم يتواكلون أو يقفون في وجه الكارثة مكتوفو الأيدي كلا. دعني أضرب مثلاً لما أعني: هبت ذات يومٍ عاصفة عاتية، حملت رمال الصحراء وكانت عاصفة حارة شديدة الحرارة، حتى أحسست كأن شعر رأسي ينتزع من منابته لفرط وطأة الحر، وأحسست من فرط القيظ كأنني مدفوعٌ إلى الجنون، ولكن العرب لم يشكوا إطلاقاً، فقد هزوا أكتافهم وقالوا كلمتهم المأثورة: قضاء مكتوب، ولكنهم ما إن مرت العاصفة حتى اندفعوا إلى العمل بنشاط كبير فذبحوا صغار الخراف قبل أن يودي القيظ بحياتها، ثم ساقوا الماشية إلى الجنوب نحو الماء فعلوا هذا كله في صمتٍ وهدوء دون أن تبدوا من أحدهم شكوى، وقال رئيس القبيلة: لم نفقد الشيء الكثير فقد كنا خلقاء بأن نفقده، وبأن نفقد كل شيء، ولكن حمداً لله وشكراً، فإن لدينا نحو أربعين بالمائة من ماشيتنا وفي استطاعتنا أن نبدأ بها من جديد. شهادة شهد بها ذلك الكافر على الرضا بالقضاء عند المسلمين، الرضا بما كتب الله، والرضا بما قسم الله وكثيرٌ من الناس يفقدونه، تأمل قول الله تعالى: ﴿وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٣١] إنها تعلم القناعة، والرضا بما قسم الله تعالى، وتأمل قول الله: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء:٣٢] فبين لهم أن هناك أمراً لا يمكن تغييره، وهو أن يصبح الرجل امرأة، أو المرأة رجلاً وإن قاموا بعملية لتحويل الخنثى، لكن تحويل رجل كامل الذكورة إلى امرأة كاملة الأنوثة لا يتمنى هذا هذا، ولا هذا هذا، والشيخ إذا ولى شبابه لا يتمنى ولا يحقد على الشاب، وإنما هو مستريحٌ بقضاء الله تعالى. هذه حياة المؤمن أيها الإخوة! وهذا طرفٌ من الحياة الطيبة التي يشيعها الإيمان في جنبات الإنسان، ومن تدبر عرف، والقضية أهلٌ للتدبر والتأمل والتفكير، والمقارنة بين حال المؤمن وحال غيره هي التي تجعلك تشعر بنعمة الله عليك. اللهم إنا نسألك الأمن والأمان، اللهم إنا نسألك الأمن يوم الفزع الأكبر، اللهم اغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، واشف مرضانا، وارحم موتانا، وأهلك عدونا، واستر عيوبنا. اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من عبادك الأخيار، نسألك الهدى والتقى، والعفاف والغنى، اللهم اجعلنا في حياتنا مطمئنين، وفي الألحاد من الآمنين، ويوم القيامة من الفائزين يا رب العالمين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.

стр. 3830

أدرك أهلك قبل أن يحترقوا نحن ندرك اليوم التفكك الأسري الحاصل في العالم الإسلامي؛ وذلك لأننا قصرنا في انتهاج شرع الله جل وعلا. فالإسلام قد وضع للأسرة أهمية كبيرة جداً؛ لأن بتفكك الأسرة يتفكك المجتمع، وفي هذا الدرس بعض الأمور التي يجب أن يوجه رب الأسرة أسرته للعمل بها، كما ذكر الشيخ وسائل الدعوة داخل الأسرة، ثم تحدث عن آداب وحقوق واجبة على كل داعية في أسرته، بل على كل مسئول في رعيته، منها: الإنفاق عليهم، وتعليمهم أمور دينهم، وحسن معاشرتهم، وملاطفتهم ومداعبتهم، ثم الدفاع عنهم، وعدم الغلظة والشدة عليهم، وعدم التغيب عنهم لغير حاجة. كما نبه الشيخ على قضية فتنة الرجل بأهله وعلاج ذلك.

стр. 3831

الاهتمام بالأهل واجب شرعي الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. إخواني الحاضرين والحاضرات، والمستمعين والمستمعات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسأل الله أن يجعلني وإياكم من المتجالسين فيه والمتذاكرين فيه والمتحابين فيه. "أدرك أهلك قبل أن يحترقوا" أخذاً من قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦] هذا الموضوع: يدور حول العناية بالأهل، والعناية بالأسرة، والسبيل نحو أسرة مستقيمة ومستقرة، موضوع يمس كل إنسان له أهل، أب وأم وزوجة وقريبة وأولاد وإخوان وأخوات، والاهتمام به طاعة لأمر الله واستجابة لداعي الله ورسوله، وإهماله يؤدي إلى فساد عظيم كما نشاهد ذلك في الواقع. أهل الإنسان -أيها الإخوة- هم أصله ومحيطه وبيئته وردؤه المحامون عنه ومستودع أسراره وأعرف الناس به وأحرصهم على مصلحته في الغالب، ألم تر أن الله قال عند شقاق الزوجين: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء:٣٥]. تربية الأهل والاهتمام بهم من قوله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ [التحريم:٦] قال مجاهد: أوصوا أنفسكم وأهليكم بتقوى الله وأدبوهم، وهو اقتداء بأنبياء الله الكرام: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:٩٠] ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً﴾ [مريم:٥٤ - ٥٥]. أيها الإخوة هذه الآية يجب أن تتردد في أنفسنا كثيراً وباستمرار: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ [التحريم:٦] نادانا الله بنداء الإيمان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ [التحريم:٦] قال قتادة: يأمرهم بطاعة الله وينهاهم عن معصيته، وأن يقوم عليهم بأمر الله يأمرهم به ويساعدهم عليه. فإذا رأيت معصية ردعتهم، وزجرتهم عنها، قال الضحاك ومقاتل: حق على المسلم أن يعلم أهله من قرابته وإمائه وعبيده ما فرض الله عليهم وما نهاهم عنه كما في ابن كثير، وقال علي ﵁ في الآية: علموهم وأدبوهم، ونقل القرطبي عن الكيا ﵀: فعلينا تعليم أولادنا وأهلينا الدين والخير وما لا يستغنى عنه من الأدب. إن الحديث عن تربية الأهل هو حديث عن تحصين حارسة القلعة، بل حراس القلعة جميعاً، إنه أمر بالمعروف: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً﴾ [مريم:٥٥] إنه صبر ومصابرة: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه:١٣٢] إنه تعاون ومؤازرة داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢] إنها مسئولية، قال النبي ﷺ : (ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) وقال: (إن الله سائل كل راع عما استرعاه، أحفظ ذلك أم ضيع، حتى يسأل الرجل عن أهل بيته) رواه النسائي وهو حديث صحيح.

стр. 3832

الأسرة هي نواة المجتمع وأساسه يا إخواني لو تلفتنا يميناً وشمالاً وسمعنا الأخبار لوجدنا أن هناك كثيراً من المآسي حاصلة في المجتمع بسبب الانحرافات الموجودة في الأسر وما المجتمع إلا أسر، فإذا صلحت الأسر صلح المجتمع، وإذا فسدت الأسر فسد المجتمع، وكل واحد فينا له أهل، الشاب له أهل، الكبير والصغير له أهل في الغالب، إذا حصل الاهتمام بهؤلاء الأهل صلح المجتمع؛ ولذلك يجب أن نؤكد على هذه القضية الخطيرة وهي: تربية الأهل ودعوتهم وإصلاحهم لوقايتهم من عذاب النار. أدرك أهلك قبل أن يحترقوا كيف نفعل؟ كثير من الشباب يتساءلون: نحن مع إخواننا في الله نتفاهم، نحن مع إخواننا في الله نتجالس، ونتذاكر، ونشتغل بالدعوة، وبطلب العلم، وباللقاء مع الإخوان وزيادة الإيمان، لكن مع أهلينا قد نشعر كثيراً بالفشل وأننا لا نؤدي دورنا ماذا نفعل؟ الزوج ماذا يفعل مع زوجته؟ الأب ماذا يفعل مع أولاده؟ الابن ماذا يفعل مع أبيه وأمه؟ الأخ ماذا يفعل مع إخوانه وأخواته؟ الأخت ماذا تفعل مع إخوانها وأخواتها؟ هناك أدوار عظيمة جداً، تستغرب أحياناً عندما يقول لك بعض الناس: الوقت عندي لا أعرف بماذا أملؤه؟ هل نظرت إلى أقرب الناس إليك في من حولك، وفي بيتك؟ هل نظرت إليهم فرأيت ماذا يحتاجون؟ وهل تعمل على وقايتهم فعلاً من النار كما أمر الله ؟ نحتاج لوقاية أهلينا من النار إلى أمور كثيرة تقدم ذكر بعضها في كلام السلف الذين فسروا الآيات، ومن ذلك أيضاً: تعليمهم، قال البخاري رحمه الله تعالى: باب تعليم الرجل أمته وأهله، أخذه من قوله ﷺ : (ثلاثة لهم أجران -ذكر منهم- ورجل كانت عنده أمة فأدبها فأحسن تأديبها، وعلمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها فتزوجها فله أجران) قال ابن حجر ﵀: مطابقة الحديث للترجمة في الأمة بالنص وفي الأهل بالقياس، إذ الاعتناء بالأهل الحرائر في تعليم فرائض الله وسنن رسوله آكد من الاعتناء بالإماء، فإنه إذا حث على الاعتناء بالإماء فالاعتناء بالأهل الحرائر أولى وأوجب لأنك منهم نسباً وهم منك. وحتى لا يقول أحد: أنت تتكلم للأب والزوج ونحن الشباب دورنا ضئيل في هذا الموضوع فأقول: لا. خذ هذا الحديث: عن أبي سليمان مالك بن الحويرث قال: (أتينا النبي ﷺ ونحن شببة متقاربون -شباب- فأقمنا عنده عشرين ليلة فظن أنا اشتقنا أهلنا وسألنا عمن تركنا في أهلنا فأخبرناه، وكان رفيقاً رحيماً فقال: ارجعوا إلى أهليكم فعلموهم ومروهم وصلوا كما رأيتموني أصلي الحديث) رواه البخاري. وكان النبي ﵊ يهتم بتعليم النساء، وأتاهن في خطبة العيد فوعظهن موعظة خاصة، وجعل لهن يوماً يحاضرهن فيه وواعدهن بيتاً من البيوت. إن القضية -أيها الإخوة- جد خطيرة، ولذلك اعتنى بها إمام الأنبياء وسيد المرسلين ﷺ . فهل علمنا أهلنا ما يحتاجون إليه من الدين؟! هل علمناهم ما هو حق الله، وما هو حق رسوله ﷺ ؟ أدعوناهم إلى عبادة الله وقمنا بتربيتهم على هذه العبادة؟ كان النبي ﵊ يوقظ عائشة لقيام الليل، إذا أوتر قال: (قومي فأوتري يا عائشة) رواه مسلم وقال ﵊: (رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته فصلت، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها فصلى، فإن أبى نضحت في وجهه الماء) رواه الإمام أحمد وهو حديث صحيح.

стр. 3833

الهدف من الاهتمام بالأسرة إلى أي شيء نطمح في قضية الأهل؟ إلى أي مستوى نريد أن نصل؟ إننا نريد أن نصل إلى تحقيق الشخصية في الذكر والأنثى المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٣٥] هذه الصفات إذا صارت موجودة في البيت ذكوراً وإناثاً، نكون قد وصلنا وحققنا المطلوب.

стр. 3834

الاعتناء بالفرائض وحث الأهل عليها ولابد من الاعتناء بالفرائض خاصة لا سيما الصلاة، لابد من أدائها في أوقاتها وبالذات صلاة الفجر، ولذلك نص العلماء على إيقاظ الرجل أهله لصلاة الفجر، وأن يأمر زوجته بغسل الجنابة لأجل الصلاة، والمرأة قد تنسى مع أشغال البيت، فحتى الابن يذكر أمه والأخ يذكر أخته بقضية الصلاة، ويتابع الأب أولاده على قضية الصلاة في أوقاتها وعلى إقامتها بشروطها، وهذه مسألة في غاية الأهمية، انظر إلى أولادنا حين يصلون كيف هم في الصلاة من ناحية العبث، فلا خشوع ولا تطبيق للسنن، وإنما يجاري بعضهم بعضاً كما يرون أصحابهم في المدارس يفعلون. كنت قد سألت شيخنا -الشيخ عبد العزيز بن باز تغمده الله برحمته- قلت له: يا شيخ لو أن شخصاً عنده درس في المسجد بعد صلاة الفجر فخرج وأهله نائمون إلى الصلاة، فهل يجب عليه أن يرجع إلى البيت ويوقظ أهله ولو فات جزء من الدرس أو فات الدرس كله أم يجلس في الدرس؟ فقال: بل يجب عليه أن يرجع؛ لأن أمره أهله بالصلاة واجب وحضوره الدرس مستحب، فلا يقدم المستحب على الواجب، وعليه أن يرجع لإيقاظ أهله. ومع أن المسألة معروفة وكثير من الوعاظ يتكلمون عن الصلاة وأمر أهل البيت بالصلاة، لكن إذا جئنا نتفكر في الواقع من هذه الجهة وجدنا تقصيراً كبيراً جداً في قضية أمر الأهل بالصلاة. وكذلك جاء عن نبي الله إسماعيل ﵇ أنه كان يأمر أهله بالزكاة أيضاً: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً﴾ [مريم:٥٤ - ٥٥] قد يكون عندها مال، أو إرث، أو حلي، فيجب عليه أن يأمرها بالزكاة، وكذلك أن يتعاهدهم في الصيام، وأن يتعاهدهم في الحج والعمرة من بلغ منهم واستطاع، وأن يأمرهم بذلك، وألا يقف الزوج في طريق زوجته إذا أرادت أن تؤدي الحج المفروض عليها ولها محرم، لا يقف في طريقها ولا يجوز له ذلك ولا يجب عليها أن تطيعه إذا أمرها بالبقاء وهي قادرة على الذهاب. نحتاج إلى أن نربي أهلنا على الاعتناء بكتاب الله تعالى، سأل أحد طلاب العلم شيخاً له قبل أن يذهب للسفر قال: يا شيخ أريدك أن توصيني -لقد كان الصحابة يسألون الوصية من النبي ﵊ قبل السفر، وهكذا كان الطلاب يسألون العلماء قبل السفر- بأي شيء توصيني؟ قال: أوصيك بكتاب الله تعالى تلاوة وتدبراً وحفظاً ومعرفة للتفسير. ألا ما أجمع هذا الوصية! فنحتاج أن نقيم فيهم كتاب الله ، وأن نحيي فيهم الاعتناء بالقرآن الكريم وبسنة النبي ﵊: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤] والحكمة هي السنة، وإقامة ذكر الله عموماً في البيت.

стр. 3835

وسائل الدعوة في الأسرة

стр. 3836

من وسائل الدعوة في الأسرة: القدوة الحسنة نحتاج كذلك أن نكون قدوات في البيت؛ لأجل أن يقتدي بنا أهل البيت؛ لأن الناس يريدون قدوات عملية، كثر الكلام على الناس لكن أين الأفعال، فإنه لا يؤثر فيهم مثل القدوات الحية، القدوة تؤثر أكثر من الكلام بكثير، ألق خطباً على ولدك الصغير في شأن الصلاة، ثم قم للصلاة عملياً، يقم الولد معك ويعرف أنك صادق، بل ربما قام يصلي بجانبك حتى لو لم تأمره، وإذا أمرته قد يقوم أو لا يقوم، ففعل العمل الصالح أعظم أثراً من الكلام. وأنس ﵁ كان إذا ختم القرآن جمع أهله فدعا بهم، وبعض السلف قال عن أبيه في رمضان: كان أبي يجمعنا كل يوم؛ من اجتهادهم في الختمة.

стр. 3837

من وسائل الدعوة في الأسرة: الترغيب والترهيب ونحتاج كذلك إلى الاعتناء بقضية الترغيب والترهيب، وهذه مسألة في غاية الأهمية، لو قلت لبعض الشباب: ما هي سياستكم في دعوة الأهل؟ ماذا قلت لأهلك عن الدين؟ يقول: قلت لهم: التلفزيون حرام والدش حرام والأغاني حرام والتصوير حرام أو شيء من هذا القبيل، فهل هذا كل شيء؟ قال: وقلت لهم: إن هذه الحفلات التي فيها موسيقى وأغاني حرام، فهذا هو الذي قاله، أفلا كان الوعظ طريقاً للتأثير في الأهل قبل أن يسرد عليهم الأحكام في الحلال والحرام؟! لماذا لا نبدأ -يا إخواني- بقضية ذكر عظمة الله تعالى، وحق الله واليوم الآخر والجزاء والحساب والجنة والنار والصراط والميزان والشفاعة والحوض، والقبر وفتنته وعذابه، وعند الموت والنزع، وكيف تنزع روح المؤمن، وكيف تنزع روح الكافر قبل أن نذكر لهم تحريم الأغاني وغيرها، حتى إذا جاءت الأحكام كان الطريق ممهداً، وكانت النفوس مستعدة للتلقي، فمشكلة الدعوة مع أهالينا، وهذا من الأخطاء التي نفعلها في الدعوة، أننا لا نمهد لأحكام الشريعة بالتمهيد الصحيح، ندخل مباشرة: هذا حلال، هذا حرام، هذا لا يجوز. ولا نمهد لهذه الأحكام بترقيق القلوب، والترغيب والترهيب. ولهذا الأحكام التي ذكرها ربنا في كتابه كيف ذكرها؟ هل قال: هذا حلال وهذا حرام وهذا حلال فقط أو أنه ذكر آيات كثيرة عن اليوم الآخر، وذكر آيات كثيرة عن عظمته وحقه ، ذكر آيات كثيرة في طاعته وتنفيذ أوامره والاستجابة له، ذكرنا بناره وبعذابه وببطشه ونقمته وقوته وجبروته ، ثم بدأ بنداءات محببة قبل الأحكام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة:١٠٤] ﴿يَا عِبَادِيَ﴾ [العنكبوت:٥٦] نداءات محببة تستجذب نفوس المؤمنين. ثم بأي شيء ختم الآيات حتى التي فيها أحكام؟: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة:١٩٦] ومرة يقول: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٧٣] ومرة يقول: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة:٢٣٥] وهكذا من الأشياء التي تأتي في الآيات مما فيه موعظة، مما يدل على أن طريقة الشارع في تقرير الأحكام ليست التقرير المجرد عن الوعظ ولا التقرير المجرد عن فتح النفوس بالنداءات التي تمهد الطريق لقبول الحكم، وإذا كان عندنا فقه في الدعوة فلابد أن نعي هذه القضية، وإلا فسيكون عندنا قصور كبير في دعوة الأهل والناس عموماً. عائشة ﵂ بينت أن النبي ﵊ ما قال للناس بداية: إن الخمر حرام، وإن الزنا حرام، وإن الربا حرام لا. قبل هذا ذكرهم بأشياء كثيرة جداً، تلا عليهم النبي ﵊ أموراً كثيرة عن عظمة الله واليوم الآخر. أيها الإخوة إننا نحتاج -ونسأل الله أن يبارك في الجهود- إلى سلوك الطرق الصحيحة في دعوة الأهل؛ لأن الله قال: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ﴾ [التحريم:٦] والسلف قالوا: علموهم، أدبوهم، وعظوهم هذا الكلام كله داخل فيه، نحن أحياناً يقول الواحد منا: أعطيتهم الكتب والأشرطة حسناً هذا عمل تؤجر عليه وعمل طيب وجزاك الله خيراً على هذا، لكن -يا أخي- المسألة تحتاج أحياناً إلى تحريك قلوبهم بكلام منك، وحسن الدعوة يكون بمناقشة هادئة، تذكير، تليين القلوب، ولذلك ينبغي علينا أن نحسن المدخل للقلوب.

стр. 3838

من وسائل الدعوة في الأسرة: إدخالهم مراكز التحفيظ بعض الناس يتقدمون بخطوات جيدة ويقولون: ذهبنا بأهلينا إلى حلق العلم في بعض المساجد في مراكز تحفيظ القرآن للنساء، ومراكز تحفيظ القرآن للنساء إذا استثمرت جيداً فهي -والله- خير عظيم، تقول إحدى الداعيات من النساء: كنا أولاً نقول: المرأة ينبغي ألا تخرج من البيت لأن خروجها يفسدها، تقول: نحن نلاحظ الآن أن هذا الكلام لا يكفي؛ لأن كثيراً من النساء يفسدن في البيوت بفعل الدش والمجلات الخليعة، فلا تفسد المرأة إذا خرجت فقط، بل حتى وهي داخل البيت! وهكذا الأولاد، أي أنك لو قلت: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣] الآن، فإن البيوت التي ليست معمورة بطاعة الله وفيها وسائل لهو وفساد يكون جلوس النساء والأولاد فيها خطراً أليس كذلك؟ ولذلك لا يكفي أن تقول لها: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣] فقط من دون أن تقول: ﴿وَاتَّقِينَ اللَّهَ﴾ [الأحزاب:٥٥] ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤] وأن تحارب المنكرات في البيوت. وبعض هذه المراكز -تحفيظ القرآن وغيرها- تؤدي دوراً عظيماً في إصلاح النساء وتعليمهن، وحتى بعض الأزواج لا يملك سلطة تأثيرية على زوجته مثل ما يلاحظ من التحسن عندما تذهب زوجته لمركز تحفيظ القرآن الكريم، وتسمع من بنات جنسها من الداعيات الفاضلات الطيبات كلاماً مؤثراً يجد الزوج أو الابن أو الأب أثره الطيب على بناته، فلا بد أن تستثمر هذه المراكز الخيرية لأن فيها نفعاً عظيماً وأثراً كبيراً، وإذا لاحظت أن المرأة لا بد أن تخرج في الأسبوع مرة أو مرتين، لأنها لا تطيق القرار في البيت فاجعل خروجها لمثل هذه الأماكن الطيبة، مع التأكيد على أن الخروج الكثير من أسباب الفتنة، وذكرها بالآية: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣] وهي بيوت إذا قرت فيها المرأة صلحت، وهذه هي البيوت الطيبة.

стр. 3839

من وسائل الدعوة في الأسرة: البرامج التربوية داخلها كذلك لابد من عمل جلسة أو حلقة علم للأولاد في البيت، لا بد من التنشئة من البداية، كما أن الأولاد ينشئون على أشياء سيئة مثل أفلام الكرتون وألعاب الكمبيوتر وغيرها، لا بد أن نزاحم ذلك بخير وبرامج تربوية لهؤلاء الأطفال، لابد من الاعتناء بهم. إنني أفرح -والله- لو أن واحداً من الشباب في العائلة -أو حتى كبيراً في السن- احتسب الأجر ساعة ونصف أو ساعة في الأسبوع يلم أطفال العائلة في مجلس ويعمل لهم برنامجاً لطيفاً؛ فيه موعظة، فيه مسابقة، أو قصة، أو لعبة مباحة، ويعلمهم شيئاً من الأدب، شيئاً من الخلق؛ لأن أولادنا يفتقدون أشياء كثيرة من الآداب الشرعية، فإن هذا يثمر أشياء عظيمة، كل هذا من باب قوله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦] فإذا صارت المرأة أو صار الولد من الدعاة إلى الله ، وسلك سبيل الاستقامة، وصار ملتزماً بالإسلام ومهتدياً، وبدأ يتجه للدعوة والعلم؛ فعند ذلك سوف تطمئن إلى أن الأمور بدأت تأخذ مجراها الصحيح، وأن هذه الأقدام بدأت ترسخ وتثبت على طريق الطاعة والهداية.

стр. 3840

أهمية الاعتناء بقضية الأخلاق في الأسرة ولا بد هنا من التذكير -أيضاً- على الاعتناء بقضية الأخلاق والآداب، وليس فقط في قضية العلم المجرد في العقيدة أو في الفقه وغيرها؛ لأن من النواقص التي تنقصنا -فعلاً- في هذه الصحوة المباركة أنك تجد -أحياناً- اهتماماً بالعلم وبالمتون وبالشروح وبالحلق أحياناً، ولا تجد مع هذا اهتماماً موازياً ومكافئاً في جانب الأدب والخلق، مما يجعل بعض الناس لا يتأثر من هذا الداعية أو طالب العلم، مع أن عنده كنزاً وعطاء، لكن ينقصه مفتاح القلوب وهو الأدب والخلق. ثم إن النبي ﵊ لما قال: (خيركم خيركم لأهله) أي: في كل شيء؛ في تعليمهم، وفي كونه قدوة في العبادة، وفي كونه مانعاً للشر عنهم، وفي كونه قدوة بالأخلاق والأدب وحاملاً لهم على طاعة الله، ومحسناً لهم بالمال وبالكرم وبالخلق، فهو لا شك داخل في الخيرية. فلابد أن ننمي الصفات الحميدة في أهالينا، كالصدق، والأمانة، والسماحة، والقناعة، والتأني، وأن نعلمهم التواضع والحياء، وأن نعلمهم كيف يتعاملون مع الوالدين والجيران والأقارب والأصدقاء وهكذا. وإننا بأشد الحاجة أيضاً أن يكون عملنا متتابعاً وليس منقطعاً، وأن يكون مرتباً مع أهلينا، وأن يكون هناك أشياء من الخير المتواصل والمتنوع، فنحدثهم عن مسائل في العقيدة، مثلاً: لو قلت: أنا أريد أن أعطي أهلي كتاباً صغيراً في العقيدة كمثل كتاب ٢٠٠ سؤال وجواب للحافظ الحكمي ﵀ وأدرسهم شيئاً من القرآن، جزء عم -مثلاً- أو تبارك، وأدرسهم شيئاً من الحديث، مثلاً أعطيهم كتاب الأربعين النووية، وفي الفقه: أعطيهم صفة وضوء النبي ﷺ ، وصفة صلاة النبي ﷺ ، والأشياء المتعلقة بالمرأة كالحجاب والزينة وأحكام الحيض، وكذلك دروس في السيرة، وخصوصاً للأولاد الصغار.

стр. 3841

أثر القصص في تربية الأطفال جربت بعض القصص مع بعض الأطفال فوجدت لها أثراً كبيراً مع صغرهم سناً، مثلاً: قصة الجمل لما جاء يشكو إلى النبي ﷺ أنه يجيعه ويدئبه، مثلاً: تلك الحمّرة التي أخذ أحد الصحابة أولادها وفراخها فصارت تحوم وتصيح حتى عرف النبي ﷺ حالها فأمر برد فراخها إليها هذه القصص تركز أشياء في نفس الطفل الصغير، وإن كان هذا الطفل صغيراً جداً، أشياء من الحنان والعطف وكيفية التعامل حتى مع الدواب والبهائم. ثم هناك أشياء يمكن أن تؤخذ مثل قصة ابن عمر مع راعي الغنم لما قال: قل أكلها الذئب، وقصة عمر مع المرأة بائعة اللبن وابنتها في إناء اللبن، لما قالت لها: قومي فشوبي هذا اللبن بالماء، وكذلك قصة أصحاب الأخدود إذا عرضت بطريقة مبسطة، وقصة يوسف إذا عرضت بطريقة مختصرة مبسطة، وقصة أم موسى: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٧] وكذلك قصة أبي هريرة مع الشيطان في فضل آية الكرسي، وغيرها من القصص التي سترى أثرها -إن شاء الله- على الأطفال لو أنك أحسنت عرضها عليهم.

стр. 3842

الاعتناء بالرقائق في حياة الأسرة ونحتاج -كما قلنا- في جانب السلوك والرقائق إلى التركيز على قضية الخشوع وتعليم الأولاد والأهل الأذكار والأدعية، أنا أعطيكم قصة حدثت معي: مرة كنت عائداً من المطار، وركبت مع سائق "ليموزين" باكستاني، وفي الطريق عطست فقلت: الحمد لله، ولم يرد علي، فقلت له: ما اسمك؟ قال: فذكر اسماً من أسماء الناس في تلك البلاد، فقلت له: أنت مسلم؟ قال: نعم مسلم سني. فقلت له: حسناً ماذا ترد على الرجل إذا قال: الحمد لله بعد عطاسه؟ قال: لا أدري. هذا شيء بسيط! فذكرت له هذا الأدب، ثم أشياء أخرى بعد الصلاة وفي النوم وقبل الخلاء، فإذا بالرجل يكاد لا يعرف من الأذكار إلا ذكر الطعام فقط "باسم الله والحمد لله"! ثم قال: أنا لي أربع سنوات وما أحد فتح معي موضوعاً في الدين وهو ماشي معي في السيارة! إذاً: عندنا تقصير يا إخوان، أحياناً الخير بجانبنا وليس صعباً ولا يحتاج إلى جهد لكن نقصر فيه، كم مرة تركب "ليموزين" في البلد؟ كم مرة فكرت أن تغتنم هذه الفرصة لتعلم هذا الشخص شيئاً من الدين؟ إذاً: نحن نحتاج إلى التأكيد على قضية الأخلاق والآداب الشرعية.

стр. 3843

التنبيه على خطر المجرمين وطرقهم كما نؤكد على مسألة توعية الأهل بسبيل المجرمين وطرق هؤلاء الأخباث الذين يريدون إخراج المرأة وتحريرها وإفسادها وإفساد الأسرة والقضاء على النسل وتحديده والدعوات التي تخرج لكي تفسد هذه الأسر، وكذلك نؤكد عليهم ما يفعله أعداء الله في هذه الموجات الفضائية التي تأتي لتهدم البيوت والأخلاق وتذبح العفة والحياء وتنحرها نحراً. وعلينا كذلك تفقد الأهل في عباداتهم كما كان النبي ﷺ يوقظ أهله في رمضان في العشر، أحيا ليله وأيقظ أهله، ولما قام مرة فزعاً من النوم، قال: من يوقظ صواحب الحجرات؟

стр. 3844

منع المنكرات وسط الأهل من الاعتناء بالأهل أيضاً: منع المنكرات فيهم، وهذا الشيء الذي قد نحرص عليه بداية الأمر، ونكثر من الاهتمام به، ونحن نؤكد عليه لأنه من الدين، وحماية الأهل من المنكرات من الأمور العظيمة جداً لكن ليس ذلك كل شيء، بل الدين أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وليس نهياً عن المنكر فقط.

стр. 3845

إنكار النبي ﷺ المنكرات في بيته النبي ﷺ دخل مرة على عائشة وفي البيت وجد سترة فيها تصاوير، فتغير وجه النبي ﵊، وكان إذا غضب رئي ذلك في وجهه، وأحست عائشة أن هناك أمراً خطيراً واستغفرت، وعرفت القضية، وقامت وشقتها وانتهى المنكر وقضي عليه؛ لما رأت أن زوجها النبي ﵊ رأت في وجهه الغضب من هذا المنكر الذي دخل ورآه أمامه.

стр. 3846

أبو موسى وتنبيه أهله على شيء محرم أبو موسى الأشعري ﵁ وجع وجعاً شديداً في مرض موته وغشي عليه ورأسه في حجر امرأة من أهله فصاحت؛ لأنه غشي عليه ما استطاع أن يرد عليها، فلما أفاق قال: (أنا بريء مما برئ منه رسول الله ﷺ ، إن رسول الله ﷺ برئ من الصالقة -أي: التي ترفع صوتها عند المصيبة وتنوح- والحالقة -أي: التي تحلق شعرها وتقطعه عند المصيبة- والشاقة -أي: التي تشق ثوبها عند المصيبة) رواه البخاري، فهذا أبو موسى الأشعري ينكر على امرأته وهو على فراش الموت رضي الله تعالى عنه. والبخاري ﵀ من أبوابه في الصحيح "باب إخراج أهل المعاصي من البيوت بعد المعرفة" والنبي ﵊ أخرج هيتاً وكان يوصف بأنه ليس له إرب بالنساء، أي فيه علة: ليس فيه شهوة بالنساء، كان يدخل ويخرج على نساء النبي ﷺ ، ثم وصف امرأة من نساء أهل الطائف فانتبه له النبي ﵊، لأنه يمكن أن يصف زوجات النبي ﵊ فقال: (لا يدخل عليكن هذا).

стр. 3847

عمر ينكر النياحة ويضرب النائحة قال البخاري: باب إخراج أهل المعاصي بعد المعرفة، وقد أخرج عمر فلانة حين ناحت، وقال ابن حجر: وصلها ابن سعد في الطبقات بإسناد صحيح عن سعيد بن المسيب قال: لما توفي أبو بكر أقامت فلانة -يعني: من أقربائه- عليه النوحة، فبلغ عمر فنهاهن فأبين، فقال لـ هشام بن الوليد: اخرج إلى بيت أبي قحافة -يعني: فلانة- فعلاها بالدرة ضربات فتفرقت النوائح حين سمعن ذلك، وفي رواية: فجعل يخرجهن امرأة امرأةً وهو يضربهن بالدرة؛ لأنه لما تحولت القضية إلى نياحة قام واستعمل سلطته وأنكر هذا المنكر وفرق النائحات. أيها الإخوة: إذا كنا نقول عن أنفسنا: نحن متمسكون بالدين وملتزمون به؛ فينبغي أن يكون أهلنا على هذا المستوى، إن من العيب الشنيع جداً أن ترى الآن إنساناً ملتحياً يمشي في الشارع بجانبه زوجته وهي تمشي سافرة، والعطر فوَّاح، الوجه مكشوف، الغطاء رقيق، الفتحة في التنورة. لا يوجد تناسب بين منظر هذا الإنسان وبين المرأة التي بجانبه، أو التي تركب بجانبه في السيارة! ثم إنه الناس يشنعون يقولون: هذه زوجة فلان، هذا فلان شيخ، وهذا طالب علم، وهذا متدين وهذه زوجته وهذه بنته!!

стр. 3848

ابن مسعود وتبرؤه من المنكرات انظر وتأمل في قصة ابن مسعود ﵁، وابن مسعود من الناس الذين ينبغي أن تؤخذ سيرتهم ويتدبر فيها ويتعلم منها؛ لأنها فيها عبراً عظيمة، ابن مسعود ﵁ من الشخصيات الجديرة بجمع قصة حياته ﵁، في سيرة ابن مسعود فوائد عظيمة لو أخذها الشباب ودرسوها والكبار والصغار ففيها فوائد عظيمة جداً، وجربوا هذا، وستجدون أثر ذلك، وقد كان في غاية العناية بقضية أهل بيته. إليكم هذه القصة: قال ابن مسعود مرة: [لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات المتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله] فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها: أم يعقوب فجاءت فقالت: إني أرى أهلك يفعلونه -انظر إلى الكلام! - قال: فاذهبي وادخلي البيت وتأكدي من هذا الذي تقولينه، فذهبت فنظرت فلم تر شيئاً، -تهمة باطلة وامرأة ابن مسعود بريئة- فقال ابن مسعود ﵁: [لو كانت كذلك ما جامعتها]. رواه البخاري، والراجح في معنى كلامه: ما اجتمعت أنا وإياها في بيت واحد ولا صاحبتها ولا بقيت معها ولا أبقيتها في بيتي هذه القصة في البخاري. قصة في صحيح مسلم: عن أبي وائل قال: [غدونا على عبد الله بن مسعود يوماً بعد ما صلينا الغداة -الغداة: صلاة الفجر- فسلمنا فأذن لنا فمكثنا بالباب هنيهة -أي: ما استعجلنا بالدخول مع أن الإذن حصل- فخرجت الجارية فقالت: ألا تدخلون؟ فدخلنا فإذا هو جالس يسبح، فقال: ما منعكم أن تدخلوا وقد أذن لكم؟ فقلنا: لا. إلا أنا ظننا أن بعض أهل البيت نائم. -أي: قالوا: خفنا أن ندخل عليك يا عبد الله بن مسعود وبعض أهلك نائمون، فنزعجهم وخاصة أن الوقت بعد الفجر، فنحن تأخرنا عند الباب قليلاً لهذا- قال: ظننتم بآل ابن أم عبد غفلة؟ -تظنون أن أهلي لا يقومون لصلاة الفجر أو لا يسبحون الله بعد الفجر ولا يذكرون الله؟ - ثم أقبل يسبح حتى ظن أن الشمس قد طلعت فقال: يا جارية انظري هل طلعت؟ قال: فنظرت فإذا هي لم تطلع، فأقبل يسبح حتى ظن أن الشمس قد طلعت قال: يا جارية انظري هل طلعت؟ فنظرت فإذا هي قد طلعت، فقال: الحمد الله الذي أقالنا يومنا هذا ولم يهلكنا بذنوبنا]. يقول النووي: وفي هذا الحديث مراعاة الرجل لأهل بيته ورعيته في أمور دينهم.

стр. 3849

حقوق وآداب على رب الأسرة أيضاً لابد من معرفة حقوق الأهل، فإن كل واحد فينا لأهله عليه حقاً، وحق الأهل كثير، فالزوجة حقها في النفقة وفي الفراش وفي أمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر إلى آخره، والنبي ﵊ لما وصله خبر أن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه يصوم كل الأيام ويقوم كل الليالي فلقيه مرة، فقال: (إني أخبرت أنك تقوم الليل وتصوم النهار؟ قلت: إني أفعل ذلك. قال: فإنك إذا فعلت ذلك هجمت عينك -غارت وضعفت- ونفهت نفسك -كلت وملت- إن لنفسك عليك حقاً ولأهلك عليك حقاً) زوجتك لها حق، أعطها من وقتك. ومن أسباب انحراف بعض الزوجات: أن زوجها ليس فارغاً لها -ولاطها كما يقول الناس- لا يصاحبها ولا يجالسها فضلاً عن أن يعلمها ويدلها ويرشدها، وهذا من أخطائنا.

стр. 3850

من حقوق الأهل: الإنفاق عليهم واحتساب ذلك من حق الأهل الإنفاق عليهم، إن معيل الأسرة له أجر عظيم، عن أبي مسعود عن النبي ﵊ قال: (إذا أنفق الرجل على أهله يحتسبها فهو له صدقة) رواه البخاري وانتبهوا معي إلى هذا الحديث؛ لأن فيه أمراً لو انتبهنا إليه فستكثر حسناتنا إن شاء الله، ولو لم ننتبه إليه فستفوت علينا حسنات كثيرة جداً جداً. لاحظ الحديث مرة أخرى (إذا أنفق الرجل على أهله يحتسبها فهو له صدقة) لقد ربط الصدقة بالاحتساب، فما هو الاحتساب؟ قال ابن حجر ﵀: الاحتساب القصد إلى طلب الأجر، ويستفاد منه أن الأجر لا يحصل بالعمل إلا مقروناً بالنية، ولهذا أدخل البخاري حديث أبي مسعود المذكور في باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة، وقوله (على أهله) يحتمل أن يشمل الزوجة والأقارب، والنفقة على الأهل واجبة بالإجماع، وإنما سماها الشارع صدقة خشية أن يظنوا أن قيامهم بالواجب لا أجر لهم فيه، وقد عرفوا ما للصدقة من أجر، فعرفهم أنها لهم صدقة حتى لا يخرجوها إلى غير الأهل إلا بعد أن يكفوهم. إذاً: لا منافاة بين كونها واجبة وبين تسميتها صدقة، بل هي أفضل من صدقة التطوع. كم الذي نصرفه على مقاضي البيت وأغراضه؟ كثير، متى تؤجر عليه؟ إذا احتسبت عند الإنفاق ونويت وقصدت أجر الإنفاق على الأهل، كم واحداً فينا عندما يصل إلى آلة المحاسبة أو إلى العامل الذي يحاسب في باب البقالة يحتسب عند الدفع أجر الإنفاق على الأهل، ويقصد أجر الصدقة وثوابها؟ كم فاتنا من الأجر؟ وكم سيفوت إذا ما انتبهنا لهذا؟ لذلك ابن حجر ﵀ قال: المراد بالاحتساب القصد إلى طلب الأجر. فيا أخي، يا عبد الله إذا أتيت تحاسب المحلات على طعام لبيتك أو ملابس لأولادك أو أشياء لزوجتك فعليك أن تحتسب الأجر، هذه نصيحة لوجه الله. يقول النبي ﵊: (ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك) وأخبر النبي ﷺ أن واحداً من أصحاب الغار الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة قال في عمله الذي دعا الله وتوسل به: إنه كان لي أبوان شيخان كبيران، فكنت أخرج فأرعى ثم أجيء بالحلاب فآتي به أبواي فيشربان ثم أسقي الصبية وأهلي وامرأتي. والنبي ﵊ كان يحبس لأهله نفقة سنة. طبعاً بهذا الكلام لا يعني أن ننسى الصدقات الأخرى، وننسى إخواننا في الشيشان وفي غيرها، ونقول: كله للأهل لا. بل ينبغي أن يكون لجوانب الخير الأخرى نصيب من صدقاتنا، وألا نسرف في الإنفاق على البيت؛ لأن بعض الناس يصرفون أكثر من المطلوب وزيادة على الحاجة، ثم يقول: ما عندنا والله يا أخي شيء نتصدق به، كله صرفناه على البيت. وقد يكون رمى من الطعام أشياء كثيرة، والاقتصاد من النبوة، فأين الاقتصاد؟ أين صرف المال في وجهه الصحيح؟

стр. 3851

من حقوق الأهل: الأدب والسمر معهم مما يتعلق بحقوق الأهل -أيضاً- حفظ الأدب معهم، يقول ﷺ : (لو أن أحدكم إذا أتى أهله فقال: باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فقضي بينهما ولد لم يضره) رواه البخاري. وكذلك لا يطرق زوجته ليلاً إلا أن تعلم أنه سيأتي لأن النبي ﵊ نهى أن يطرق الرجل زوجته ليلاً وقال: (إذا دخلت ليلاً فلا تدخل على أهلك حتى تستحد المغيبة -التي غاب زوجها- وتمتشط الشعثة). وقال لـ جابر: (عليك بالكيس الكيس) رواه البخاري الكيس معناه: الرفق وحسن التأتي، وأيضاً يؤخذ من معناه إتيان المرأة، ولذلك لما قال جابر لزوجته لما دخل عليها: (إن النبي ﵊ أمرني أن أعمل عملاً كيساً. قالت: سمعاً وطاعة فدونك، فبات معها تلك الليلة). السمر مع الأهل: كان النبي ﵊ يفعله، وابن عباس أخبر أنه ﵊ تحدث مع أهله ساعة قبل أن ينام، وقال البخاري في صحيحه: باب السمر مع الضيف والأهل، والنبي ﵊ كان في السفر بعيره يمشي وبجانبه بعير حفصة وعائشة يسامرهن في الطريق في الليل.

стр. 3852

من حقوق الأهل: الخدمة والمشاركة في عمل البيت من حقوق الأهل أيضاً: خدمتهم ومشاركتهم في عمل البيت، ورد أن الأسود سأل عائشة: (ما كان النبي ﵊ يصنع في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله -أي: في خدمة أهله- فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة) رواه البخاري خدمة الأهل في أي شيء؟ جاء في الروايات الأخرى: يخيط ثوبه، ويخصف نعله، ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم، ويصلح دلوه، ويحلب شاته، ويفلي ثوبه، ويخدم نفسه. وقالت عائشة: (كان ألين الناس وأكرم الناس، وكان رجلاً من رجالكم إلا أنه كان بساماً) فهو كثير التبسم ﷺ . وفي هذا الحديث فوائد كثيرة، وليس صحيحاً ما يراه بعض الناس أن العمل مع الأهل عيب كبير، لا يا أخي، إذا عملت مع أهلك في البيت، ولا بأس عليك لو غسلت لهم الصحون مرة، وساعدتهم في نقل الغسيل مرة، وطبخت مرة فهذا فعل النبي ﵊، ومن فوائده: أن المرأة ترتاح جداً إذا شاركها الرجل في بعض أعمالها، وتحس أن هذا إنسان وفي يريد أن يحمل عنها شيئاً من المسئولية ويساعدها، وفيه تواضع عجيب، ولذلك النبي ﵊ كان يكون في مهنة أهله، وهذا من أعظم أسباب التواضع، وبعض الرجال يكون عنده عظمة في نفسه، لا تعالج تربوياً إلا بمثل هذه الخدمة في البيت. وأيضاً: من الفوائد التي ذكرها العلماء البعد عن التنعم، لأن بعض الناس يقول: هذه ليست شغلتي، هذه شغلة الخدامة. فمن فوائد العمل في مهنة الأهل البعد عن الترفه والتنعم، ولئلا يخلد الشخص إلى الرفاهية المذمومة التي أشير إليها في قوله تعالى: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ﴾ [المزمل:١١] أولو النعمة هم المرفهون المترفون، هؤلاء أولي النعمة، فهذه تربية عظيمة للنفس.

стр. 3853

من حقوق الأهل: الدفاع عنهم إذا كانوا أبرياء من حقوق الأهل عليك: الدفاع عنهم إذا كانوا أبرياء، النبي ﵊ لما رميت عائشة وهي بريئة ولا يعلم عنها إلا خيراً قام على المنبر وقال: (يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي؟ فوالله ما علمت على أهلي إلا خيراً؟ وفي رواية: أشيروا عليَّ في أناس أبنوا أهلي -أي: اتهموهم بالباطل- وايم الله! ما علمت على أهلي من سوء). ولو وصل الدفاع عن الأهل إلى درجة القتال وإراقة الدم، فأرق دمك في سبيل الدفاع عن أهلك وأنت مأجور بالشهادة؛ لأن النبي ﵊ قال: (ومن قتل دون أهله فهو شهيد). أيها الإخوة إن القيام بالمسئوليات في الأسرة مسألة متكاملة في الإسلام، إنها مسألة موزعة على الأفراد، إن كل واحد في العائلة عليه مسئولية، وإن عظمة هذا الشرح الذي جاءت به الشريعة في هذا التوزيع يدل على عظمة الشريعة نفسها، هذا رسول الله ﷺ يقول: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، الإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته، والرجل راع في مال أبيه ومسئول عن رعيته، وكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) رواه البخاري ما هي رعاية الرجل أهله؟ أن يسوسهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويوصل إليهم الحقوق، ويقيم فيهم الدين ويربيهم عليه. ما هي رعاية المرأة في بيت زوجها؟ تدبير أمر البيت والأولاد والخدم والنصيحة للزوج في كل ذلك. ما هي وظيفة الخادم والخادمة؟ حفظ ما تحت يده والقيام بما يجب عليه من الخدمة، ووظيفة الولد أن يقوم على مال أبيه ينميه ويثمره ويقوم بما يجب فيه.

стр. 3854

من حقوق الأهل: حسن المعاشرة قال رسول الله ﷺ : (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) وسابق عائشة ومازحها، ولاطف زوجاته، وفاطمة ﵂ ابنته كان لها في نفسه معزة خاصة جداً جداً، إذا دخلت عليه قام إليها ويقول: (مرحباً بابنتي فاطمة). إن من حسن المعاشرة للأهل أيها الإخوة: العطف والحنان والحنو عليهم كمثل فعل نبي الله موسى ﵇ عندما سار بأهله: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَاراً قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [القصص:٢٩] فمن حنانه وعطفه على أهله ورعايته لهم أوقفهم بعيداً عن مكان النار لأنه لا يدري ماذا يوجد عندها، عدو أو صديق أو خير أو شر، ثم قال لأهله: امكثوا لعلي آتيكم بجذوة من النار لعلكم تصطلون، أي: تستدفئون من هذا البرد، ففي هذا حرص الزوج على زوجته بتدفئتها من البرد.

стр. 3855

من حقوق الأهل: رقيتهم ومعالجتهم إذا مرضوا ومن الحنان أيضاً والعطف على الزوجة وعلى الأهل: رقيتهم إذا مرضوا، تقول عائشة ﵂: (إن النبي ﷺ كان يعوذ بعض أهله) هكذا نطبق هذا الحديث، لا يوجد أحد في البيت إلا ويتعرض للمرض، يمرض يوماً من الأيام (كان يعوذ بعض أهله يمسح بيده اليمنى -قال العلماء: تفاؤلاً بزوال الوجع، وأيضاً فيه حنان وعطف- ويقول: اللهم رب الناس أذهب البأس، اشفه وأنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقماً) رواه البخاري. إذا مرض أحد من أهلك فطبق الحديث، بل وتعلمهم الرقية أيضاً، عن عثمان بن أبي العاص أنه قال: (أتاني رسول الله ﷺ وبي وجع قد كاد يهلكني، فقال رسول الله ﷺ : امسح بيمينك سبع مرات، وقل: أعوذ بعزة الله وقدرته وسلطانه من شر ما أجد، قال: ففعلت فأذهب الله ما كان بي، فلم أزل آمر به أهلي وغيرهم) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
следующие страницы →