← Джавами‘

Джавами‘ · id 7704

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (7 040 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.

стр. 3886

موقف حذيفة بن محصن مع رستم بعث الفرس يقولون لـ سعد: ابعث لنا ذلك الرجل نتفاهم معه، فبعث سعد إليهم حذيفة بن محصن وهو من الأزد، فأقبل حذيفة على رستم في زي يشبه زي ربعي الذي ذهب إليه بالأمس، حتى إذا كان على أدنى البساط، قالوا له: انزل، قال: ذلك لو جئتكم في حاجتي، فقولوا لملككم: أله حاجة إليَّ أم لا؟ فإن قال: إن الحاجة لي كذب ورجعت وتركتكم، وإن قال: إن الحاجة له لم آتكم إلا على ما أحب، فقال رستم: دعوه، فدخل حذيفة بفرسه حتى بلغ رستم وهو على سريره، كل هذه المسافة يوطئ عليها بالفرس، قال رستم: أنزل، قال حذيفة: لا أفعل وأبى، -سبحان الله! أين عزة الإسلام المأخوذة في هذا الزمان؟ - قال رستم: ما بالك جئت ولم يجئ صاحبنا بالأمس؟ قال حذيفة: إن أميرنا يحب أن يعدل بيننا في الشدة والرخاء فهذه نوبتي. قال رستم: ما جاء بكم؟ قال حذيفة: إن الله منَّ علينا بدينه، وأرانا آياته حتى عرفناه وكنا له منكرين من قبل -في الجاهلية، ثم أمرنا بدعاء الناس إلى واحدةٍ من ثلاث، فأيها أجابوا إليها قبلناها: الإسلام وننصرف عنكم، أو الجزاء ونمنعكم إن احتجتم إلى ذلك، أو المنابذة إلى يومٍ ما، قال حذيفة: نعم، ثلاثاً من الأمس، تبدأ من الأمس، من يوم قال لك أخي ربعي بدأت بدأت.

стр. 3887

موقف المغيرة مع رستم فلما كان الغد أرسل رستم إلى سعد أن يبعث إليه رجلاً، فبعث إليه المغيرة بن شعبة، انظر القضية ليست متوقفة على شخص واحد، لا يتوقف عامل المسلمين على شخص واحد، ومهما أراد الأعداء نقدم ونري محاسن هذا الدين، ومحاسن هذا الدين لا ترى إلا بالشخصيات التي تتربى على هذا الدين، كيف نقدم نماذج تفحمهم؟ كيف نقدم للكفرة نماذج ترعبهم؟ كيف نقدم للكفرة نماذج يعلمون منها ما هي طبيعة هذا الدين؟ إلا بشخصيات تربت على هذا الدين، وجاء المغيرة إلى القنطرة، فأجازه زهرة إلى جالينوس فأبلغه إلى رستم، فحجزوه حتى استأذنوا له ولم يغيروا شيئاً من شاراتهم وزيهم الذي كانوا عليه وعليهم التيجان والثياب المنسوجة بالذهب، ودعا رستم ترجمانه وكان عربياً من أهل الحيرة اسمه عبود، وأقبل المغيرة يمشي وله أربع ظفائر، وفرق رأسه أربع فرق من بين يديه إلى قفاه، وفرق ما بين أذنيه، وجاء حتى جلس مع رستم على سريره ووسادته، فنخر أخو رستم كيف يجلس على سرير الملك؟ إنها لإحدى الكبر أن يجلس على سرير الملك، ووثب الفرس فترتروه، أي: زعزعوه وحركوه وأنزلوه، ومغثوه، أي: ضربوه ضرباً خفيفاً، قال المغيرة لأخي رستم: لا تنخر فما زادني هذا شرفاً، ولا نقص أخاك!! كانت تبلغنا عنكم الأحلام، ولا أرى قوماً أسفه منكم، إنا معشر العرب سواء لا يستعبد بعضنا بعضاً إلا أن يكون محاربا ًلصاحبه، فظننت أنكم تواسون قومكم كما نتواسى، وكان أحسن من الذي صنعتم أن تخبروني أن بعضكم أرباب بعض، وأن هذا الأمر لا يستقيم فيكم، ولم آتكم ولكن دعوتموني؛ اليوم علمت أن أمركم مضمحل، وأنكم مغلوبون، وأن ملكاً لا يقوم على هذه السيرة ولا على هذه العقول. فهذه ثلاثة نماذج في موقعة واحدة من المواقع التي حارب فيها الإسلام، دالة على أن الشخصيات عندما تتلقى التربية في أجواء القدوة الحسنة والعلم الشرعي وأجواء الجهاد والتضحية والبذل ترتقي إلى مراتب عليا تصلح أن تكون سفارات، ترسل إلى الكفرة فيرون فيها عظمة الدين من تصرفات هذه الشخصيات.

стр. 3888

أهمية التربية الإسلامية في تهذيب الغرائز ثاني عشر: من الأسباب التي تدعونا إلى سلوك طريق التربية: أن التربية تهذب الغرائز، وتصرف الشهوات في طرقها المباحة، لا يوجد إنسان إلا وتوجد فيه غرائز، ولا يوجد إنسان إلا وعنده شهوات، ولكن هذه التربية الإسلامية تجعل الشهوة تنصب في الموضع المباح، وتهذب هذه الغريزة لتكون منضبطة بضوابط الشريعة. أيها الإخوة: لم تتفش في البشرية شهواتٌ مثلما تفشت في هذا العصر قط، وأنواع الإغراءات والإغواءات لا تكاد تنتهي أبداً، وفي كل يوم يخترع لنا اليهود وأذنابهم من طرق إثارة الشهوات البهيمية ما لا ينتهي حصراً وعداً، كل يوم طرق جديدة كل يوم مجلات جديدة كل يوم صور جديدة، وأفلام جديدة، ومسلسلات وأمور لهدم الأخلاق، وإثارة الشهوات، لتنطلق النفس انطلاقاً بهيمياً، فمتى يستطيع الإنسان المسلم أن يضع الحد أمام هذه الأمور وهذه الشهوات التي تنكب عليه انكباباً، وتنحدر إليه انحدار السيل في الوادي. حدثني رجل قال: ذهبت إلى بلدٍ مجاورٍ لعملٍ من الأعمال، فنزلت في فندق، فبعد فترة رنَّ الهاتف، فرفعت السماعة، فإذا على الخط الآخر امرأة تقول: مساء الخير، كيف حالك يا فلان -باسمي طبعاً- بالتعاون مع استعلامات الفندق، لتوزيع الأسماء المنتخبة على البغايا. كيف حالك يا فلان؟ بخير. صاحٍ أم نائم؟ هل عندك أحد؟ لا. أريد أن أزورك الآن. سبحان الله العظيم! امرأة تتصل وتقول: أريد أن أزورك الآن، وفي غرفة في الفندق، في هذا الوقت من الليل، وتتأكد أن ما عنده أحد، فالرجل يعتذر عن الموعد، فيقول: لا، والمرأة تقول: لا، أنا صفتي كذا وكذا، وجسمي كذا وكذا، وتصف محاسنها، فيقول: أنا سوف أسافر الآن، فتقول: أبداً خمس دقائق وأكون عندك وسأرى كيف ستعدل عن السفر وفعلاً الرجل هرب من الحجرة؛ لأن الواقع جحيم حوله، سيئ جداً، الفندق يعج بالمنكرات، وفي هروبه شاهد المرأة المعنية التي وصفت نفسها تصعد، فحمد الله أنه سلم وهرب بجلده. أقول أيها الإخوة: اليوم عندما ينزل بعض المسلمين من شبابنا وغيرهم في الفنادق في بعض الأماكن، وتطرق عليه ويفتح، فإذا بالفتاة أمامه، بالبغي أمامه، بالزانية تدعوه إلى نفسها، ما الذي سوف يمنعه من الوقوع في هذه الفاحشة؟! امرأة تطرق الباب وتدخل عليه، بموعد أو بغير موعد، ويحصل هذا في الفنادق في أنحاء العالم، ما الذي يعصم الشخص الآن من هذا الأمر؟ نقول: الله ، يعصمه بأي شيء؟ ما هي الوسيلة؟ إذا لم تكن هناك تربية يربي بها الشخص نفسه ويتربى مع إخوانه يعيش مع السلف يقرأ كتاب الله ويتأثر لقصة يوسف ﵇، وبالرجل من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، فإنه سيقع ولا بد، إذا لم يحصل له هذا وتدركه رحمة الله . فنحن الآن نعيش في هذا العصر الذي بلغ في السوء منتهاه، فلا يمكن أن نجابه الشهوات التي تأتي إلى أبوابنا وتطرق علينا، لا نذهب نحن إليها بل هي تأتي إلينا، ولو كنت لا تريد يأتوك ويؤذوك بالقوة لا بد تفعل، لكن فما الذي يقوي هذه النفس حتى تصمد؟ إغراء كامل أمامك، فما الذي ينفع إذاً في مثل هذا الأمر؟ عند ذلك نعلم -أيها الإخوة- أنه لا بد من وجود منهج التربية، ولا بد من وجود جو التربية، ولا بد من وجود طريق يسلكه الإنسان في التربية.

стр. 3889

التربية طريق إلى تكامل الشخصية ثالث عشر: نحن نحتاج إلى التربية للوصول إلى الشخصية الإسلامية المتكاملة. بعد التربية بأنواعها التي سنتحدث عنها إن شاء الله في مناسبة قادمة، وبعد الفترة التي يأخذها الإنسان في مشوار التربية، ما هو الغرض؟ الوصول إلى أي شيء؟ التربية تحقق لنا الوصول إلى الكمال البشري بحسب درجاته بالنسبة للأشخاص، أي صورة للناس تلك التي ستطالعنا بعد بذل الجهد في التربية لشخصٍ ما؟ أي إنسان هذا الذي تربى إيمانياً وعلمياً وعقلياً وجسدياً؟ إنه الإنسان الصالح، اللبنة من القاعدة من الأساس، إذ هو جزء لا يتجزأ ما هي صفاته؟ تكامل في صفاته البشرية، ملامح التقوى والخشوع بادية عليه ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح:٢٩] ولكن هدوءه وحياءه لا يخدعانه فيظن الظان أنه ضعيف، كلا، فهو لا تنحني هامته إلا لله، وما عدا ذلك فهو قوي صلب العود، شديد المراس، فإذا ما حاول أحدٌ النيل من دينه ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ [الفتح:٢٩] ولكن هذه الشدة لا تمنع الرحمة بينه وبين إخوانه ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩] في اللين والشدة مناسبات ومواقف، اللين للإخوة، والشدة على أعداء الله ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:٧٣] ولكن هذه الغلظة ليست فظاظة ولا فحشاً، ولا تفحشاً فهو حسن الأخلاق يألف ويؤلف، إنسان اجتماعي ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت:٣٤] وهو إنسان بعد التربية مستعلٍ بإيمانه ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩] لكنه ليس متكبراً ولا مغروراً ولا مختالاً ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان:١٨] وهو عفيف عما في أيدي الناس، صقلته التربية فلا يهوي في الشهوات ﴿وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [طه:١٣١] صامد في وجه الشهوات، ولو أحس بلذعها في أعصابه، لأنه تربى على قول الله: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٣] يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يفعل الخير متزنٌ معتدل في سلوكه وفكره وشعوره، لا يطغي جانب على جانب عقله يرده عن النزعات الطارئة والاندفاعات المفاجئة، يعيش واقعه، فلا يهيم في برجٍ عاجٍ من الأفكار والأحلام، متزنٌ في نظرته للدنيا والآخرة ومتوازن ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧] ليس سلبياً لكنه عملي، قوة فاعلة في الأرض، يريد تحقيق هدفه والإنشاء والتعمير في هذه الأرض حسب المنهج الرباني، يشعر بمسئوليته المؤدية إلى انطلاق في العمل، تصوراته سليمة عن الله وأسمائه وصفاته عن الدين والحياة والشريعة والناس، ليس بينه وبين الناس حواجز، لا يختار العزلة في وقت العمل والبذل والتقديم. فإذاً سنصل في النهاية بعد التربية إلى هذه الشخصية المتكاملة، هذا هو المفترض إذا سلكنا الطريق، وهذه الشخصيات المتكاملة هي التي تتكون منها القاعدة الصلبة التي سيقوم عليها المجتمع المسلم.

стр. 3890

أهمية التربية في حفظ رأس المال البشري رابع عشر: التربية مهمة في حفظ رأس المال، فبعض الناس هداهم الله إلى الإسلام، كانوا كفاراً فأسلموا، وبعض الناس كانوا ضلالاً فاهتدوا، هؤلاء الكفار الذين أسلموا والضلال الذين اهتدوا هل انتهت المهمة عند هدايتهم، أم أننا نحتاج إلى تربية لإكمال المشوار معهم؟ ما هو سبب ردة بعض الكفار الذين كانوا أسلموا ثم رجعوا إلى الكفر مرةً أخرى؟ وما هو سبب انتكاس بعض الناس الذين هداهم الله إلى أجواء الشهوات مرة أخرى؟ وتركوا الدين وانحلوا وقد كانوا يوماً من الأيام أسرجةً وهاجةً وكانوا منارات وشعلات يعملون للإسلام ويضحون في سبيل الله، ثم انطفأ هذا الوهج وهذا النور وعادوا فحماً أو سود من الجاهلية التي كانوا فيها؟ ما هو السبب أيها الإخوة؟ الجواب في الغالب عدم وجود قنوات تربوية تستوعب هذه الشخصيات لإكمال المشوار. بعض الناس يقول: سوف أركز جهودي على هؤلاء الكفار، وأدعوهم إلى الإسلام، وأعطيهم مصحفاً مترجماً، وأكلمهم عن الدين ومحاسن الإسلام، رجل تأثر في لحظة من اللحظات وأسلم وغيَّر اسمه وأخذ الشهادة من المحكمة إلخ وبعد ذلك، عملت مع جاري ودعوته وكلمته ونصحته بالأسلوب وبالشريط وبالكتاب وبالمؤثرات، فتأثر الرجل فترة من الفترات، وتسلطت عليه أنوار الإيمان واهتدى، وترك المعازف والأغاني والمجلات والمسلسلات وقرناء السوء وعمل المنكرات والتزم وصار يصلي في المسجد، وبعد ذلك أتى لسؤال الكبير والكبير جداً، وبعد ذلك هل انتهت المسألة عند هذا الحد؟ بعض الناس يظنون أن القضية هي أنك تهدي الكافر إلى الإسلام، والضال إلى طريق الهداية فقط، وتذهب لتبحث عن غيره، المهم أن تزيد العدد، هات كفاراً جدداً يسلموا، هات ضلالاً جدداً يهتدوا ماذا فعلت بالكفار الذين أسلموا؟ ماذا فعلت بالضلال الذين اهتدوا؟ بماذا أكملت لهم؟ وبماذا ساعدتهم وارتقيت بهم؟ أيها الإخوة: حفظ رأس المال مقدم على الأرباح. والتربية مهمة لاستثمار نتائج الجهود الدعوية، ولإكمال المخطط الإيماني، لم تنتهِ المسألة، ما زلنا في أول خطوة، نحن صعدنا به أول درجة من السلم، فما الذي يرتقي به بقية السلم؟ هذه هي طريقة التربية. إذاً: كانت الدعوة هي المرحلة السابقة للتربية، فالتربية مرحلةٌ لا بد منها بعد الدعوة لكي يحافظ على المكاسب التي جنيناها من وراء الدعوة، والذين يظنون أن وظيفتهم هي الدعوة إلى الله فقط، ثم لا يكون المشوار مع من دعوهم إلى الله، ومن اهتدوا إلى الإسلام، ومن رجعوا إلى الإيمان بعد الضلال، فهؤلاء الناس ما فقهوا منهج الأنبياء. ولذلك الدعوة مهمة جداً لإكمال المشوار لهؤلاء، وظني أن الذي يكمل المشوار بشخصٍ أسلم ويرتقي به ويعلمه ويوجهه ويمضي معه الطريق فترة حتى يثبت عوده ويقول له: الآن انطلق أنت صاحب رسالة، أنت الآن ادع إلى الإسلام، هذا المنهج معك، خذ كتابك بيمينك وامض، ظني به أنه لا يقل أجراً أبداً عن الشخص الذي أدخله في الإسلام أول مرة إن لم يكن أكثر، لأن الشطارة الآن، ولا نقصد بهذه الكلمة معناها اللغوي السيئ، نقول: ليس الجهد والاعتناء والهدف فقط هو إدخال الناس، وبعد إدخالهم ماذا سيحدث؟ السؤال الذي يطرح نفسه، السؤال الكبير، وكثيرٌ من الناس عندهم استعداد لأن يؤثروا على أشخاص بالالتزام بالإسلام لكن قلة من الناس الذين عندهم استعداد أن يأخذوا بأيدي هؤلاء الأشخاص مرتبةً مرتبة، ودرجةً درجة، لتنقية شخصياتهم من رواسب الجاهلية، وملء نفوسهم بالتصورات الإسلامية، وإعداد هذه الشخصيات لتكون في المستقبل دعاةً إلى الله . إذاً: الوقاية والحماية والتعليم لا بد من إعطائه وبذله بطريق التربية إلى هؤلاء القادمين الجدد.

стр. 3891

أهمية التربية في توافق الوسط الإسلامي وانسجامه خامس عشر: إن التربية مهمة لإيجاد التوافق والانسجام داخل الوسط الإسلامي المجتمع شخصيات مختلفة، وطباع متباينة، في كثيرٍ منها تناقض، ما الذي يوحد بينهم، ويشذب هذه الأمور التي شذت في نفوسهم، والتي تسبب الفرقة والاختلاف، وعدم التلاقي والارتقاء النفسي؟ إن الذين تصهرهم بوتقة التربية فيصبحون جسداً واحداً هم الذين يحصل بينهم هذا التلاحم، وتأمل معي المحبة التي حصلت في نفوس الصحابة بفعل تلك التربية النبوية التي صهرت شخصياتهم حتى صاروا جسداً واحداً، قصة وفاة سعد بن معاذ ﵁: لما أصيب سعد يوم الخندق وحكم في بني قريظة قال: اللهم إن كنت أبقيت على نبيك من حرب قريشٍ شيئاً فأبقني لها، وإن كنت قطعت الحرب بينه وبينهم فاقبضني إليك، وكان قد أصيب في معركة الخندق بجرحٍ في أكحله، رماه ابن العرقة المشرك بسهمٍ فقطع هذا العرق في الذراع فنزف الدم منه، ثم كاد الجرح أن يندمل ولم يرد سعد أن يفوته أجر الشهادة في سبيل الله؛ لأن الذي يموت من أثر الجراحة شهيد، فقال هذا الدعاء، والذي حصل أن الله قد قدَّر أنه لم تهجم قريش على رسول الله ﷺ بعد الخندق أبداً (الآن نغزوهم ولا يغزونا) قالت عائشة -وراوية القصة في مسند الإمام أحمد وهو حديث حسن وبعضه عند البخاري - قالت (فانفجر كلمه -جرحه- وكان قد برأ، حتى ما يرى منه إلا مثل الخرص، ورجع إلى قبته التي ضربها له رسول الله ﷺ الانتقال من سياق أحمد إلى سياق البخاري الآن: (فضرب النبي ﷺ خيمةً في المسجد ليعوده من قريب، وفي المسجد خيمة من بني غفار فلم يرعهم، إلا والدم يسيل إليهم، فقالوا: يأهل الخيمة! ما هذا الذي يأتينا من قبلكم؟ إذاً: كان جرح سعد يثغب جرحه دماً فمات فيها). عودة إلى سياق الإمام أحمد: قالت عائشة: (فحضره رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر عند وفاته، قالت: فوالذي نفس محمدٍ بيده إني لأعرف-أميز- بكاء عمر من بكاء أبي بكر وأنا في حجرتي، وكانوا كما قال الله : ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩] قال علقمة: قلت: أي أمه، فكيف كان رسول الله صلى الله ﷺ يصنع؟ قالت: كانت عينيه لا تدمع، ولكن كان إذا وجد، فإنما هو آخذ بلحيته ﷺ . فإذاً الذي جعل عمر؛ وهو من أشد الناس في دين الله، وأقواهم شخصيةً تقريباً، جعله يبكي كالطفل على وفاة أخيه سعد، هي هذه الأخوة، وهذا هو الترابط الذي حصل في صفوف ذلك المجتمع، وكانوا كما أمر الله: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩] فقل لي بربك: ما هو الذي أنتج هذا الأمر؟ هل هو المسلكيات الفردية ليذهب كل إنسان فيفعل بنفسه ما يشاء، ثم يقول: لقد تربيت وارتقيت وعملت ووصلت؟ أم هي تربية جماعية نبوية فيها القدوة رسول الله ﷺ ، وفيها المنهج كتاب الله وسنة نبيه؟!

стр. 3892

الحاجة إلى التربية لأحداث التنويع في الكفاءات سادس عشر: إننا نحتاج إلى التربية اليوم وفي غير اليوم لإحداث التنويع في الكفاءات في المجتمع الواحد. فإن المجتمع فيه طاقات، والتربية توجه كل إنسان فيما يحسنه وفيما يبدع فيه، وتوجيه الأفراد إلى مواقع الإبداع هذا لا شك أنه من الأهداف التربوية، تأمل هذا الحديث الحسن: (أرأف أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في دين الله عمر، وأصدقهم حياءً عثمان، وأقضاهم علي، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم أبي بن كعب، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ألا وإن لكل أمةٍ أميناً وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح) فتجد في هذا الحديث إعداداً للمواهب والصفات والطاقات التي اتصف بها هؤلاء الصحابة. تأمل كيف أن التربية وجهت هذا الذي أبدع في الفقه إلى الفقه، وهذا الذي يبدع في الفرائض إلى الفرائض، وهذا الذي يبدع في القراءة إلى القراءة، وهذا الذي يبدع في القضاء إلى القضاء، وكان هذا متصفاً بالرأفة فنمت الرأفة في جو التربية، وهذا متصف بالشدة فتوجهت الشدة لنصرة دين الله في جو التربية، وهذا حياؤه موجودٌ معه، وهذا أمانته تحيطه وتحميه.

стр. 3893

البون الشاسع بين من تلقى التربية وغيره سابع عشر: من النقاط التي تدعونا للاهتمام بالتربية، وسلوك سبيل التربية، ومعرفة أهمية التربية: أننا عندما قارنا بين الأجيال التي تلقت التربية والأجيال التي لم تتلق التربية، وجدنا بوناً شاسعاً وفرقاً عظيماً. فقد وجدنا في الأجيال التي تلقت تربيةً: حكمةً، وانضباطاً، واتزاناً، وتضحية، وثباتاً، وإقداماً وهكذا، ووجدنا في الأجيال التي لم تتلق تربيةً في الغالب: فوضوية، وعدم انضباط، وتسرعاً، وخلخلة، وزيغاً، وتركاً لطريق الثبات على المنهج، فهذه مقارنة تدفعنا إلى الاعتناء بالتربية؛ لأننا نعلم النتيجة التي ستئول إليها الأحوال بعدمها، والنتيجة التي ستئول إليها الأحوال بوجودها.

стр. 3894

ضرورة التربية لمواجهة المحن والفتن ثامن عشر: إن التربية ضرورية عند المحن عند حصول التمحيص عند نزول الفتنة التربية ضرورية للتخلص من الاستعجال وكبح جماحه، وضبط الحماس الزائد التربية ضرورية في معترك الأحداث الراهنة. بعض الناس يقول عندما يرى المد العامي الهادر: جاء نصر الله، وعندما يرى هذه الجموع يقول: إن الإسلام قد انتصر في المعركة، ولكن حقيقة هذه الجموع التي تجمعهم كلمة ويفرقهم جندي، لا تغتر بها إذا وقعت المحنة، ونزلت الفتنة، هذه الدعوات التي كان لها أتباع بالملايين لما نزلت المحنة من الذي بقي ومن الذي صمد؟ كثيرٌ من هؤلاء المستعجلين يقولون: ادفعنا إلى المواجهة فنحن على استعداد، ونحن نذكر لهم في هذه المناسبة قصة طالوت ومن معه من بني إسرائيل: الجواب =٦٠٠٠٢٥٢> أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلأِ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً﴾ [البقرة:٢٤٦ - ٢٤٧] جاءت المنازعات ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَال﴾ [البقرة:٢٤٧] وبعد الرد والمناقشات والإقناع هدئت الأمور، قال لهم طالوت بعد أن جيَّش الجيش وسلحه إلى المواجهة، نحن على استعداد، نريد أن نقاتل، قال لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ [البقرة:٢٤٩] لما جاء التمحيص شربوا منه إلا قليلاً منهم، سبحان الله!! هذه الجموع الغفيرة وهذه الكثرة الكاثرة لما جاءوا على النهر، ولم يبتدئ القتال، ما فيها سيوف ولا دماء ولا أشلاء ولا جراح ولا شيء، هذا النهر فقط ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ [البقرة:٢٤٧] ما الذي حصل؟ الجواب =٦٠٠٠٢٥٣> فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ﴾ [البقرة:٢٤٧] وبعدما جاوزوا النهر ورأوا الجيوش ﴿قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ [البقرة:٢٤٧] هؤلاء الذين صمدوا في فتنة النهر ﴿قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٤٩] فانظر كم مرحلة من مراحل النخل والتمحيص مرت بهذا الجيش من بني إسرائيل، وكم صمد في النهاية، لكن الذين صمدوا هم الذين كتب الله على أيديهم النصر والتمكين ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ﴾ [البقرة:٢٥١]. فإذاً: عندما نتذكر معركة حنين ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة:٢٥] من الذي رجع وقاتل مع الرسول ﷺ ؟ هم الذين ناداهم وقال: يا أصحاب بيعة الشجرة! يا أصحاب بيعة الرضوان! فجاء هؤلاء الأنصار والمهاجرون ورجعوا، أما الناس الذين التحقوا بالجيش وهو يمشي مع الكثرة الكاثرة فقد شردوا ولم يرجعوا إلا لاقتسام الغنائم. إذاً: هذه التربية المهمة جداً، للإعداد للمواجهة إعداد للمحنة إعداد للفتنة إذا نزلت، نسأل الله ألا يفتننا.

стр. 3895

من دواعي التربية: شدة الأعداء علينا تاسع عشر: إن من الأشياء التي تدعونا إلى سلوك طريق التربية والاعتناء بها: شدة أعداء الإسلام علينا، فما وجد عصر من العصور اجتمع فيه كيد الأعداء علينا مثلما اجتمعوا الآن، إغراق المسلمين بالمناهج الكفرية والسلوكيات؛ الفرد المسلم -الآن- يتعرض إلى عملية تذويب كاملة، سيطرة عقلية ومادية من الكفرة المناهج الدراسية، المسرحيات، الأفلام، الكتب، القصص، القهر، الاستبداد، التسلط، الغزو الفكري والثقافي والأخلاقي والاقتصادي، والشخصيات الكفرية، والأفكار التي تلمع، وطريقة الحياة الغربية، وعادات وتقاليد الكفار، ولغتهم، والأغاني، والرقص خمور، نساء، تشبه، تشويه للتاريخ، ملابس، ميوعة، فسق، فجور، مخدرات، موضات، ألعاب، اختلاط، تبرج، كره الدين إلخ. هذه العمليات التي تسلط اليوم على أدمغة المسلمين وعلى رءوسهم، فقل لي بربك مع شدة التيار الكفري وهذا الاضطهاد الذي نعانيه: ما هو الذي سيجعل هذه الجموع تصمد؟ هذا الكيد كله من الذي سيصمد في وجهه؟ هل هم أناس جاءوا هكذا من الشارع، وقالوا: نحن مسلمون نحب الإسلام، صلوا على النبي: اللهم صلِّ على محمد، اذكروا الله: لا إله إلا الله!! هذا الجمع، لا، إن هذه الأمور لا تكفي، إن هذه المسابح وغيرها من الأشياء ليست هي الطريقة. إن الطريقة طريقة إعداد ما يمكن أن يصمد أمام هذه الهجمات على ديار الإسلام هو شخصيات تربت على الإسلام، بدون تربية لا يوجد صمود، وأنت ترى يومياً من أجيال المسلمين كم فرد يضيع! كم فرد ينحل! كم فرد يضل! كم فرد ينهار! كم فرد يغرق في بحار الشهوات والشبهات! لا يعلم عددهم إلا الله أبناء المسلمين أمانة في أعناق دعاة الإسلام، من المسئول؟ ما هي الطريقة للإنقاذ؟ الطريقة هي تربية هؤلاء الناس، أما أن تلقي موعظة وتذهب، فتؤثر وقتاً ما لكن بعد ذلك يذهب أثر الموعظة ويرجع الحال إلى ما كانت عليه الأمور، وأنت ترى الناس يخرجون بعد صلاة الجمعة أحياناً متأثرين جداً، بل قد يبكون في الخطبة، فماذا يفعلون بين الجمعتين من المعاصي؟ وأين ذهب أثر الخطبة عليهم؟ فتعلم عند ذلك أن مسألة إلقاء موعظة فقط ليست هي الطريقة الوحيدة.

стр. 3896

أهمية التربية في التعامل مع الجاهلية عشرون: إن التربية مهمة في التعامل مع الجاهلية، قال الشيخ محمد قطب حفظه الله: كان الامتحان الأكبر في العهد المكي هو تحمل الأذى في سبيل الله، من أجل الدعوة الناشئة المضطهدة المطاردة، دون ردٍ على العدوان ودون أخذ بالثأر، لقد كان في وسع المسلمين الأوائل أن يثيروها حرباً قبليةً أو حرباً شخصية، كل إنسان يأخذ بثأره وينتهي الأمر ولو بقتل المسلمين جميعاً، ولكن ذلك لم يكن يصبح انتصاراً للدعوة ولا انتصاراً للدين الجديد، والتربية هي التي منعتهم من الأخذ بالثأر التربية هي التي وجهتهم إلى الصبر واحتمال الأذى والعدوان دون رد، هذه التربية هي التي أنشأت النفوس الجديدة المعتزة بالله؛ نفوس مستعلية بالإيمان، مستعلية على ذواتها وعلى شهواتها وعلى أهوائها.

стр. 3897

أهمية التربية في إعداد الكوادر الإدارية والقيادية حادي وعشرون: إن التربية مهمة في إعداد الكوادر التي ستدير المجتمع وتستلم زمام الأمور وتقود الناس، كان الصحابة في مكة مضطهدين، في حصار الشعب يأكلون ورق الشجر، يجد أحدهم وهو يتبول شيئاً جامداً ارتد عليه رشاش البول، يأخذ قطعة من جلد بعير ملقاة يغسلها ويغليها ويشرب الماء، لا يوجد غير هذا، تقرحت أشداقهم بأوراق الشجر، مات مصعب بن عمير فلم يجدوا ما يغطوا به جسده، فغطوا وجهه وجسده وجعلوا على قدميه شيئاً من الإذخر، يقول الصحابي: [الآن وما منا إلا أمير على مصرٍ من الأمصار] الأمراء على الأمصار؛ سعيد بن عامر الجمحي على الشام، وفلان على الكوفة، وفلان على مصر، وفلان على ويقول أبو هريرة: [طرقوا للأمير]، الأمراء الذين على الأمصار، الناس الذين استلموا الدواوين ديوان الجند، وديوان وديوان، زيد بن ثابت هو الذي تولى قسمة الغنائم بعد معركة اليرموك، هذه الشخصيات التي صارت تدير الأمور واستلمت زمام الأمور من أين جاءت؟ هؤلاء الناس الذين تفرقوا في الأمصار كل واحد أمة يعلم الناس هؤلاء الصحابة، الصحابة هؤلاء الذين تفرقوا جمعتهم منطقة التربية المحمدية فصقلت شخصياتهم حتى صارت قوية، الآن صاروا قدوات انتشروا في الأرض، وصار كل واحد قدوة لبلدٍ من البلدان، هؤلاء من الذي أتى بهم؟

стр. 3898

أهمية التربية في إنشاء المجتمع الإسلامي ثاني وعشرون: إن التربية مهمة جداً؛ لأنها هي الطريق الوحيد للوصول إلى إنشاء المجتمع الإسلامي. الحل الوحيد لانتشال الأمة: إيجاد النموذج، وتوسيع القاعدة، الآن العصر الذي نعيش فيه لا تعطي فيه الفردية ثمرة تذكر. النفوس بطيئة الفساد إذا كانت صالحة بطيئة الصلاح إذا كانت فاسدة، قلة وندرة من البشر يهتدون من كلمة واحدة، وأما الأكثرية فلا بد من تأنٍ، الفطرة موجودة في نفوسهم، وإن الله لينزع بالسلطان مالا ينزع بالقرآن. إذا لم يكن هناك مجال لأن تنزع بالسلطان الآن فلا يوجد طريق إلا أن تنزع بالقرآن، فلذلك الآن التربية الآن هي الطريقة الوحيدة للوصول إلى تكوين كيان المجتمع الإسلامي، سنستبطئ الطريق، نعم تتغير الأجيال وربما لا يأتي النصر.

стр. 3899

منكرات الحل السياسي للوصول إلى المجتمع الإسلامي بعض الناس يظن أن الحل هو استخدام القوة، وبعضهم يظن أنه لا يمكن إنشاء المجتمع الإسلامي إلا بالحل السياسي وتفريغ الجهود من أجله، ثم تعال قارن الآن في القضية ما الذي أدى إليه الحل الثاني في كثيرٍ من القطاعات الموجودة في العالم الإسلامي؟ سلبيات الله بها عليم، لأن هذا العمل الذي يعمله كثيرٌ منهم لا يقوم على السياسية الشرعية، فانحرف وسار بغير ضوابط إلا من رحم الله، فانظر ماذا حصل من المنكرات:- ١ - صلة مباشرة بالطواغيت، وموت القلب، وتقديم تنازلات. ٢ - نسبة التقصير للإسلام في عيون العامة. ٣ - الوقوع في شرك الديمقراطيات الوهمية التي نصبها أعداء الإسلام لدعاة الإسلام. ٤ - اشتراك في مجالس لا تعلن سيادة الشريعة بل تعلن سيادة القانون الوضعي. ٥ - المساهمة في خروج قانون جاهلي ضمنياً باسم بعض دعاة الإسلام. ٦ - القسم المحرم الذي يقوم به بعضهم. ٧ - حصر العمل الإسلامي كله في هذه الزاوية، وانحصار التربية والانشغال عنها وعن الدعوة. ٨ - السكوت على كثير من المنكرات والأباطيل. ٩ - وقوع بعض المشاركين من المسلمين في استغلال النفوذ للإضرار بمسلمين آخرين.

стр. 3900

مزالق العنف تجاه المنكرات انظر إلى ما أدى إليه طريق العنف واستخدام القوة، هذه نفوس لا بد من البطء في تربيتها والسير بها، هذه جاهلية عتت على المجتمعات الإسلامية سنين طويلة، وتريد الآن في لمحة عين أن تعمل بالقوة شيئاً، وتقول: هذا هو الطريق وأقمنا المجتمع، هذا مستحيل لا يمكن، إن الله جعل في الدنيا قوانين وأسباب ومسببات، وهذه الأعمال في غير وقتها الصحيح استخدام القوة بدون ضوابط شرعية أدت إلى التورط في إزهاق أرواحٍ معصومة، أو القتال تحت راية عصبية وجاهلية، وليست العمليات الجهادية الإسلامية عمليات انتحارية فقط، بل لا بد من وجود مصلحة شرعية، مثلاً: توقع النصر، توقع قبول الأمة لهذه الحركة الجهادية، تأمين الذرية، اختيار التوقيت، ثم خصوم الإسلام متعددون وليس من المصلحة فتح الجبهات على الجميع وهكذا. إذاً: الذين يظنون أن المسألة -مثلاً- مسألة إنكار منكر دروس عامة أيضاً هم أناسٌ مخطئون؛ لأن الطريق هو طريق التربية، وهذه الروافد التي ستدعم أي جهدٍ يقوم هي روافد التربية، وبدونها يكون الجهد معلقاً في الهواء ليس له أساسٌ في الأرض أبداً، وذلك فإنه ينهار عما قريب.

стр. 3901

الحاجة المطلقة إلى التربية الإسلامية هذه التربية لا يستغني عنها شخصٌ مهما بلغ من العمر، والنوازع موجودة في النفس، والإنسان مهما وصل إلى مرتبة فلا زال عنده أشياء من الشهوات ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران:١٤]. إذاً: لا يوجد وقت تقول فيه: أنا الآن لا أحتاج إلى تربية، لأن شخصيتي قد اكتملت، هؤلاء الصحابة لا يزال يتربى بعضهم على بعضٍ حتى ماتوا ﵃، فلا تزال نفوسنا تحتاج إلى توجيه وتذكير وتزكية وضبط، ونحن لم نبلغ رتبة الصحابة، إذا كان هؤلاء لا يزال بعضهم يتربى من بعض فنحن أحق وأحوج إلى ذلك منهم، لأننا لم نبلغ ما بلغوا. فهذه -أيها الإخوة- لمحة عن الأشياء التي تجعلنا نحتاج إلى التربية، ونوقن بأن التربية هي الطريق، وكل طريقٍ غيره لا يوصل، وإذا أوصل يوصل إلى نتائج تكون في كثيرٍ من الأحيان نتائج خاطئة وليست هي المطلوب، وإنما هي عبارة عن صور مشوهة لما يظن أنه مجتمع إسلامي وليس كذلك. فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يفتح بيننا وبين قومنا بالحق، وأن يهدينا سبل السلام، وأن يخرجنا من الظلمات إلى النور، وأن يسلك بنا سبيل التربية الإسلامية، وصلى الله على نبينا محمد.

стр. 3902

حديث السبعين ألفا إن هذا الحديث قد ذكر فيه النبي ﷺ أن سبعين ألفاً من أمته يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، وذكر أنهم لا يسترقون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون، فهذه الصفات هي التي جعلتهم يحوزون هذه المنزلة العظيمة هذا هو ما تحدث عنه الشيخ حفظه الله، فقد ذكر هذه الصفات بشيء من التفصيل، مع ذكر بعض التراجم للرواة، ثم ذكر بعض الفوائد المستفادة من هذا الحديث العظيم.

стр. 3903

حديث السبعين ألفاً شرح وتعليق الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: لقد روى حصين بن عبد الرحمن قال: كنت عند سعيد بن جبير فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ فقلت: أنا، ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة، ولكني لدغت. قال: فما صنعت؟ قلت: ارتقيت. قال: فما حملك على ذلك؟ قلت: حديث حدثناه الشعبي. قال: وما حدثكم؟ قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب أنه قال: (لا رقية إلا من عين أو حمة). قال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: (عرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب. ثم نهض فدخل منزله، فخاض الناس في أولئك، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ . وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئاً، وذكروا أشياء، فخرج عليهم رسول الله ﷺ فأخبروه فقال: هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون. فقام عكاشة بن محصن، فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: أنت منهم. ثم قال رجل آخر: ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: سبقك بها عكاشة).

стр. 3904

مشابهة هذا الحديث لحادثة الإسراء والمعراج هذا الحديث العظيم من أحاديث الرقاق التي فيها إحياء للقلوب، يذكر النبي ﷺ في هذا الحديث أن الأمم قد عرضت عليه، وهذا أمر شبيه بما حصل في الإسراء والمعراج، ولكن هناك بعض أوجه المخالفة، فالإسراء والمعراج الذي وقع بـ مكة كان فيه تفتيح لأبواب السماوات باباً باباً، ولقاء بالأنبياء كل واحد في سماء، ومراجعة بينه وبين موسى ﵇ فيما يتعلق بفرض الصلوات وطلب تخفيفها، وهذا الحديث حصل بـ المدينة، إذاً: هذه الرؤيا حصلت في المدينة، والإسراء والمعراج حصل في مكة، ولكن هنا تشابه بين ما هو موجود في مطلع هذا الحديث المرفوع وبين ما حصل في الإسراء والمعراج، وما حصل في المدينة بعد الهجرة معظمها في المنام.

стр. 3905

حرص السلف على الابتعاد عن الرياء والسمعة هذه القصة يرويها حصين بن عبد الرحمن ﵀، وهو حصين بن عبد الرحمن السلمي الكوفي الثقة، الذي توفى سنة ست وثلاثين ومائة للهجرة، وكان عمره ثلاث وتسعون سنة، يقول: كنت عند سعيد بن جبير وهو الإمام الفقيه، من أجلاء أصحاب ابن عباس رضي الله تعالى عنه، وهو كوفي مولى لبني أسد، قتل بين يدي الحجاج ظلماً وعدواناً، وذهب إلى الله شهيداً فيما نحسب سنة خمس وتسعين للهجرة ولم يكمل الخمسين عاماً، ومع ذلك فقد روى سعيد بن جبير علماً غزيراً نافعاً، ملأ كتب التفسير والحديث. يقول حصين بن عبد الرحمن: كنت عند سعيد بن جبير فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ كوكب سقط، وانقضاض الكوكب يرى إذا كانت السماء صافية، والبارحة ما بعد الزوال، وقبل الزوال تقول: الليلة، إذا أردت أن تتحدث عن شيء مضى قبل الزوال تقول: الليلة، وإذا أردت أن تتحدث عن شيء مضى بعد الزوال تقول: البارحة، وبعض الناس يقولون: البارحة من طلوع الشمس إلى الغروب، ومن الغروب إلى طلوعها يقولون: الليلة، حصل الليلة كذا وكذا، من غروب الشمس إلى طلوع الشمس أو الفجر. قال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ قال حصين: فقلت: أنا، ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة هذا الرجل وهو حصين ﵀ رأى النجم وهو ينقض، لكن يقول للحاضرين: أنا لم أكن قائماً في الليل لأنني كنت أصلي، إنما كنت قائماً لسبب آخر، قال: ولكني لدغت. لم تمنعه الصلاة من النوم لكن منعه الألم من اللدغ، وهذا فيه فائدة بليغة في قضية الابتعاد عن الرياء؛ لئلا يحسب من الذين يحمدون بما لم يفعلوا، لأن الله تعالى ذم الذين يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فهذا حصين من أعداء الرياء، وهكذا كان السلف ﵏ في إخلاصهم قال حصين: أما إني أما: أداة استفتاح، وقيل: هي بمعنى حقاً أما إني لم أكن في صلاة، الحقيقة أني لم أكن في صلاة؛ لئلا يظن السامعون أنه قائم يصلي، فيكون كأنه قد راءى بشيء لم يفعله، أو سمَّع بشيء لم يفعله، وهذا الأمر من نقص التوحيد؛ إذا راءى الإنسان وسمع بأعماله، فهو حتى يبرئ نفسه من هذا وضحها وقال: إني كنت مستيقظاً لأجل لدغ لا لأجل الصلاة، ولكني لدغت، واللدغة للعقرب، والظاهر أنها كانت شديدة، ولذلك لم ينم منها طيلة الليل.

стр. 3906

مشروعية الرقية قال سعيد: فما صنعت؟ قلت: ارتقيت. أي: طلبت الرقية لأجل اللدغة، قال: فما حملك على ذلك؟ أي: ما السبب أنك استرقيت وطلبت الرقية؟ والألف والسين والتاء تفيد الطلب، مثل: استغفر طلب المغفرة، استرقى طلب الرقية قال: فما صنعت؟ قلت: ارتقيت -أي: طلب الرقية- قال: فما حملك على ذلك؟ قلت: حديث حدثناه الشعبي إذاً: كان عند السلف محاورة للوصول إلى الحقيقة ومعرفة الحق، فـ سعيد بن جبير ﵀ لم يقصد الانتقاد لهذا الرجل، بل قصد أن يستفهم منه ويعرف مستنده في طلب الرقية، لماذا طلب الرقية؟ وهذا فيه فائدة وهي طلب الحجة في المذهب، فإذا رأيت رأياً فإنك تطلب الحجة، إذا رأى شخص رأياً وتناقشت معه لك الحق أن تطلب الحجة على ما ذهب إليه، والآن سيأتي حصين بالدليل، قال: حديث حدثناه الشعبي والشعبي هو عامر بن شرحبيل الهمداني، المولود في خلافة عمر، وهو من ثقاة التابعين وحفاظهم وفقهائهم، مات سنة مائة وثلاث للهجرة، وهو شيخ حصين. قال: وما حدثكم؟ قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب بن عبد الله بن الحارث الأسلمي، وهو صحابي مشهور، مات سنة ثلاث وستين عن بريدة بن الحصيب أنه قال: (لا رقية إلا من عين أو حمة). والرقية: هي القراءة على المريض أو المصاب وهي معروفة. وظاهر هذا النص أن الحديث موقوف على الصحابي الذي هو بريدة، لكن الحديث قد جاء من رواية أحمد وأبي داود والترمذي عن عمران بن حصين به مرفوعاً، وقال الهيثمي: رجال أحمد ثقات: (لا رقية إلا من عين أو حمة)، العين معروفة، وهي إصابة العائن لغيرة، والعائن حاسد، والحمة: سم العقرب، فمعنى هذا الحديث: لا رقية أولى من رقية العين والحمة، فـ حصين استند في طلب الرقية إلى هذا الحديث، وهو يدل على أن الرقية من العين أو الحمة مفيدة؛ فإن الرقى تنفع -بإذن الله- من العين ومن الحمة أيضاً، إذاً: أنفع ما تنفع الرقية في مسألة العين، وتنفع في اللدغة والشفاء من السم، وكثير من الناس يقرأ على الملدوغ فيبرأ حالاً.

стр. 3907

قصة أبي سعيد في رقية الملدوغ وقد وقعت القصة المشهورة للصحابي الجليل أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه لما بعثه النبي ﷺ في سرية، فاستضافوا قوماً فلم يضيفوهم، فلدغ سيد القوم، لدغته حية، فقالوا: من يرقي؟ كانوا لؤماً، ما أكرموا الضيوف وهم الصحابة، فلدغ سيدهم الكافر سيد القبيلة، فجاءوا يقولون: من يرقي؟ ثم قالوا: لعل هؤلاء الركب عندهم راقٍ، لعل هؤلاء الركب المسلمين الذي نزلوا بجانبنا وما أضفناهم لعل عندهم راقي فجاءوا إلى السرية فقالوا: هل فيكم من راق؟ فقالوا: نعم، ولكن لا نرقي لكم إلا بشيء من الغنم، اشترطوا شرطاً على هؤلاء البخلاء، قالوا: ما نرقي سيدكم ورئيس قبيلتكم إلا مقابل قطيع من الغنم، فقالوا: نعطيكم فاقتطعوا لهم من الغنم وعينوها ثم ذهب أحدهم وهو الراوي أبو سعيد ﵁ ذهب يقرأ عليه الفاتحة، فقرأها ثلاثاً أو سبعاً، وقام هذا اللديغ كأنما نشط من عقال، يمشي ما به بأس ولا كأن شيئاً لدغه، فانتفع اللديغ بقراءة الفاتحة، ولذلك النبي ﷺ قال لـ أبي سعيد بعدما رجعوا إليه يستفتونه عن الغنم الذي أخذوه، فأباحه لهم وأخبر أنه حلال لهم، قال لـ أبي سعيد: (وما يدريك أنها رقية) كيف عرفت أنها رقية؟ من الذي أخبرك؟! تعجب من علم هذا الصحابي وأقره على أن الفاتحة يرقى بها.

стр. 3908

علاج الإصابة بالعين والعين ترقى بوسائل كثيرة، وتستعمل لها طرق أخرى غير الرقية، بمعنى أن علاج العين يكون بالرقية وقراءة المعوذات والفاتحة. هذا أمر. الأمر الثاني: ما جاء في الحديث الصحيح عن سهل ﵁، وكان جميل الخلقة، فمر به عامر فرآه وكان يصيب بالعين، فقال: ما رأيت اليوم كجلد مخبأة -والمخبأة هي البكر، أي أنه استحسن جلده الأبيض- ما رأيت قط كجلد مخبأة مثل اليوم أبداً. فلبط سهل، أي أنه اشتل فجأة ولم يستطع أن يتحرك، فلما أخبر النبي ﷺ غضب وقال: (علام يقتل أحدكم أخاه) ثم دعا هذا العائن وأمره أن يغتسل، ويكون ذلك في إناء ويصب الماء على جنبه الأيمن والأيسر داخل اتزاره، يجمع ماء الوضوء والغسالة ثم يسكب على المعيون من الخلف من على رقبته وظهره، فسكبوه عليه، قيل: يسكب عليه فجأة، وقيل: بعلمه، فسكبوه عليه، فقام ليس به بأس فهذا العلاج الثاني للعين. وهناك أشياء عرفت بالتجربة، مثل أن يؤخذ أي شيء من آثار العائن مما يلي جسمه من الثياب كثوب، أو التراب الذي مشى عليه وهو رطب، فيصب عليه الماء ويرش به المصاب أو يشربه المصاب، أو يؤخذ بقية شرابه، كما إذا شرب العائن كأساً من الشاي، فتأخذ بقية الشاي فيشربها المعيون فتنفع بإذن الله، وهذه أشياء مجربة وأجازها أهل العلم. وأما العائن فإنه يجب عليه إذا رأى ما يعجبه أن يبرك عليه؛ لقول النبي ﷺ لـ عامر بن ربيعة لما عان سهل بن حنيش: (هلا برَّكت عليه) أي: هلا قلت: بارك الله عليك، أو بارك الله لك في أهلك وفي مالك، يبرك عليه ولا يقل: ما شاء الله تبارك الله، بل يقول: اللهم بارك فيه، اللهم بارك عليه، وإذا رأى ما يعجبه من نفسه ومن ماله يقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، كما جاء في قصة صاحب الجنتين ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ﴾ [الكهف:٣٩]، أي: هذا بفضل الله وليس من حيلتي ولا من قوتي؛ حتى لا يصيبه العجب والغرور. أما إذا رأى إنساناً وخاف أن يحسده فإنه يبرك عليه، أو إذا علم من نفسه أنه إذا نظر إلى شيء عانه وحسده فإنه يبرك عليه ويقول: اللهم بارك فيه ولا تضره، وبعض العامة يقولون: يصلى على العائن صلاة الغائب، وهذا ليس عليه دليل، يقولون: يصلى على الحاسد والعائن صلاة الجنازة، وهذه عبادة تحتاج إلى دليل.

стр. 3909

عرض الأمم على النبي ﷺ فلما حدث حصين سعيد بن جبير بمستنده في طلب الرقية لأجل اللدغة بحديث: (لا رقية إلا من عين أو حُمة) قال سعيد ﵁ -وهذا من باب المباحثة في العلم والنقاش- قال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع. أي: من بلغه علم فأخذ به فقد أحسن ولا يلام، أدى ما وجب عليه وعمل بما بلغه من العلم، بخلاف من يعمل بجهل ولا يعلم؛ فهذا مسيء آثم، وهذه فضيلة في علم السلف وحسن أدبهم وهديهم وتلطفهم في تبليغ العلم، وأن من عمل بما بلغه عن الله ورسوله فقد أحسن. ولكن سعيد بن جبير الآن يريد أن يستدرك على حصين، يقول: إذا كنت قد عملت بهذا الحديث فعندنا حديث آخر قال: ولكن حدثنا ابن عباس وهو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي، ابن عم الرسول ﷺ ، الذي دعا له ﵊ بقوله: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) فكان كذلك، وتعلم التفسير وفهم الكتاب العزيز، ولم ينقل عن صحابي مثلما نقل عن ابن عباس في التفسير، ولذلك قال عمر أو ابن مسعود: [لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عشره منا أحد] أي: لو كان كبيراً في السن مثلنا، مثل عمر وابن مسعود، ما عشره منا أحد، أي: ما بلغ عشره في العلم، لكن ابن عباس من قدر الله أنه كان صغيراً، لما توفي النبي ﷺ كان غلاماً، ومع ذلك روى أحاديث كثيرة، ورزقه الله الفهم والعلم، وروى عن الصحابة وروى عن النبي ﷺ أشياء سمعها منه مباشرة، ومات ﵀ في الطائف سنة ثمان وستين. قال: ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال:) عرضت علي الأمم) وهذا العرض -كما قلنا- حصل شبيه له في حادثة الإسراء والمعراج التي كانت من مكة (عرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهط) وفي رواية: (فأجد النبي يمر معه الأمة) والأمة: العدد الكثير، والرهط: الجماعة دون العشرة، إذا كان هناك جماعة دون العشرة يطلق عليهم في اللغة العربية رهط، والأمة: الجماعة الكثيرة (فرأيت النبي ومعه الرهط -من الثلاثة إلى التسعة- والنبي ومعه الرجل والرجلان) لو كانت الواو على حقيقتها في الرجل والرجلان لصاروا ثلاثة، ولقال: ثلاثة، لكن قال: النبي ومعه الرجل والرجلان، أي: النبي ومعه رجل أو رجلان، (والنبي يمر معه النفر)، وفي رواية: (والنبي يمر معه العشرة، والنبي ليس معه أحد) هناك أنبياء ما معهم ولا شخص واحد، وفي رواية: (فجعل النبي يمر ومعه الثلاثة، والنبي يمر ومعه العصابة، والنبي يمر وليس معه أحد)، الحاصل من هذه الروايات أن الأنبياء يتفاوتون في الأتباع، هناك أنبياء أتباعهم كثر جداً، أمة كاملة، وهناك أنبياء معهم رهط وعشرة وثلاثة وخمسة واثنان وواحد، ومن الأنبياء من لم يتبعهم أحد، قال:) (فنظرت فإذا سواد كثير)، وفي رواية: (إذ رفع لي سواد عظيم)، أي: بينما أنا كذلك إذ رفع لي سواد عظيم، والسواد ضد البياض، والسواد يطلق على الشخص إذا رؤي من بعيد، وقد يكون واحداً وقد يكون جماعة فيكون بلفظ الجنس، فالنبي ﵊ رأى أنبياء يمرون، النبي معه واحد واثنان وثلاثة ورهط وجماعة، ورأى نبياً معه أمة وعدد كثير، سواد كثير قد ملأ الأفق، والأفق: ناحية وجهة من السماء، فظنهم النبي ﷺ أمته، قال: (فقلت: يا جبريل! هؤلاء أمتي، قال: لا)، وفي رواية: (فرجوت أن تكون أمتي، فقيل: هذا موسى في قومه)، وعند أحمد: (حتى مر علي موسى في كوكبة من بني إسرائيل، فأعجبني فقلت: من هؤلاء؟ قال: هذا أخوك موسى معه بنو إسرائيل)، والكوكبة: الجماعة من الناس إذا انضم بعضهم إلى بعض. فعرف النبي ﵊ أن هؤلاء ليسوا أصحابه ولا أتباعه (ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد كثير. وفي رواية: عظيم) وفي رواية: (فقيل لي: انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: انظر إلى الأفق الآخر، فرأى مثله، فإذا سواد قد ملأ الأفق، فقيل: انظر هاهنا وهاهنا في آفاق السماء، فإذا الأفق قد سد بوجوه الرجال)، وفي لفظ عند أحمد: (فرأيت أمتي قد ملئوا السهل والجبل، فأعجبني كثرتهم وهيئتهم، فقيل: أرضيت يا محمد؟ قلت: نعم أي ربي). لماذا لم يعرفهم وهو قد عرفهم في مرة أخرى بآثار مثل: الغرة والتحجيل؟ قيل: إنه رآهم من بعيد، والرؤية من بعيد ليس بالضرورة أن يرى فيها الشخص ملامح تفصيلية لوجوه المرئيين.

стр. 3910

السبعون ألفاً وصفاتهم قال: (فقيل لي: هؤلاء أمتك، ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب). هنا صار مع الأمة سبعون ألفاً من العظماء، وهم الذين لا حساب عليهم ولا عذاب (فخاض الناس في أولئك) النبي ﷺ بعدما حدث بالحديث، وأخبر أن هؤلاء السبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب، وهذا من كرامتهم، وهؤلاء لا حساب عليهم ولا عذاب لا في القبور ولا بعد قيام الساعة، نفي الحساب والعذاب يفهم منه العموم، فلا حساب عليهم ولا عذاب لا في القبر ولا عند قيام الساعة، ثم دخل النبي ﷺ بيته وانقطع الحديث عند هذا الحدث، فخاض الناس في أولئك؛ للوصول إلى الحقيقة لمعرفة من هم هؤلاء السبعون ألفاً؟ وبدأت الاستنتاجات من الصحابة، وهذا العمل من الصحابة رضوان الله عليهم دليل على شدة حرصهم على الخير، وأن يكونوا من هؤلاء، ويا ترى هل هم منهم أو ليسوا منهم؟ وبدأت الاستنتاجات في هؤلاء السبعين الألف (فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ والمقصود الصحبة المطلقة، وربما يكون المقصود الصحبة في الهجرة، ولكن إذا قلنا: إنهم كل الصحابة، فالصحابة أكثر من سبعين ألفاً، وقد قدر عدد الصحابة الذين حجوا مع النبي ﷺ حجة الوداع فقط بمائة وأربعة وعشرين ألف صحابي، والذين صحبوه في الهجرة أقل من سبعين ألفاً، وقد يحمل على صحبة معينة، مثلاً: من صحبه قبل الحديبية؛ لأنه قال لـ خالد بن الوليد: (لا تسبوا أصحابي) وكل الذين قبل الهجرة من المهاجرين لا يبلغون سبعين ألفاً، فالمحتمل أنهم من كان مع النبي ﷺ إلى فتح مكة؛ لأن بعد فتح مكة دخل الناس في دين الله أفواجاً، وهذه مسألة تحتاج إلى نظر وتفتيش. (فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ ، وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئاً) قالوا: نحن أشركنا ثم أسلمنا، فيحتمل أن هؤلاء الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب هم الذين لم يشركوا أبداً، هؤلاء أناس ولدوا في الإسلام، وهم أبناء الصحابة، وذكروا أشياء، وخاض الناس في الاحتمالات، حتى طلع عليهم النبي ﷺ فأخبروه، قالوا: من السبعون ألفاً؟ فقال ﷺ : (هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون)، إذاً: عرفنا أنه ليس المقصود أناساً في زمن معين، لكنهم أناس عندهم صفات معينة وقد يوجدون في أي جيل.

стр. 3911

لا يسترقون هؤلاء السبعون ألفاً لهم صفات معينة، قال: (هم الذين لا يسترقون) جاء في رواية في صحيح مسلم: (لا يرقون) وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- إلى أن هذه اللفظة خطأ؛ لأن النبي ﷺ رقى، وجبريل رقى، وعائشة رقت، والصحابة كانوا يرقون؛ فيستبعد أن يكون من صفات السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عقاب أنهم لا يرقون! فأنكر الشيخ تقي الدين ابن تيمية ﵀ هذه الرواية، وذكر أنها غلط من راويها، وقال: العلة أن الراقي يحسن إلى الذي يُرقى، فكيف يخرج من السبعين ألفاً وهو محسن؟! والله يقول: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة:٩١]، ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠] قال: هذا غلط من الراوي، والصحيح: لا يسترقون. وقد قال النبي ﷺ : (من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل)، والنفع مطلوب، ومن جملة النفع أن يرقيه، فكيف يحث على أن ينفع الإنسان أخاه بالرقية ثم يقول له: أنت لست من السبعين ألفاً! إذاً: يرقون مستبعدة، والصواب: لا يسترقون. أما الرقية: فهي من جنس الدعاء، ومن رقى غيره فقد أحسن إليه، لكن يسترقون فيها نقص في المسترقي الذي يطلب الرقية، وقلنا: يسترقون، الألف والسين والتاء تفيد الطلب، مثل: استغفر: طلب المغفرة، استجار: طلب الجوار، استرقى: طلب الرقية، فـ (لا يسترقون)، أي: لا يطلبون من أحد أن يقرأ عليهم.

стр. 3912

سبب عدم طلبهم للرقية أولاً: لقوة اعتمادهم على الله لا يطلبون من أحد رقية؛ لأنهم يعتمدون على الله اعتماداً تاماً. ثانياً: لعزة نفوسهم عن التذلل لغير الله، لا يريدون أن يذلوا أنفسهم لغير الله ويلجئوا إلى بشر، لا يريدون أن يذلوا أنفسهم عند بشر، ويقفوا طوابير عند هؤلاء الشيوخ في العيادات والمساجد، لا يريدون أن يقفوا طوابير في الرقية ولا يأتي ويتوسل إليه ويطلبون منه الرقية، فلا يريدون إذلال النفس. ثالثاً: لا يريدون أن يفتحوا على أنفسهم أي باب تعلق بغير الله؛ لأنك تجد في الواقع عدداً من الذين يذهبون لبعض القراء والراقين يتعلقون بهم، ويظن أن الشيخ هذا أو الراقي ينفع بنفسه أو بذاته أو بكلامه، مع أن النفع من الله وهذا سبب، فلا يريدون أن يكون عندهم أي تعلق بغير الله، فيستغنون عن كل الراقين وكل القراء، ولا يطلبون من أحد رقية، (لا يسترقون)، أي: لا يطلبون من أحد الرقية ألبتة. وهناك فرق بين من سأل وطلب، وبين من رقى غيره. وبعضهم حاول أن يحمل اللفظة التي في مسلم على أشياء، قال: لا تكون رقى شركية، لكن هذا الحمل فاسد؛ لأننا إذا قلنا بهذا فما هي الميزة فيها؟ لأن كل المؤمنين أصلاً يجب ألا يأخذوا الرقية الشركية، فلو قلنا: لا يرقون رقية شركية؛ فلن يكون هناك ميزة للسبعين ألفاً. إذاً: الراجح قوله: (لا يسترقون) والإنسان الذي لا يسترقي تام التوكل، ويلاحظ أن النبي ﷺ لما سُحِر ما طلب من أحد من البشر رقية، وإنما نزل جبريل فرقاه بأمر من الله تعالى: (بسم الله أرقيك من كل أذى يؤذيك)، ونفهم من هذا -أيضاً- أن الرقية في حد ذاتها ليست ممنوعة، وليس ممنوعاً أن الشخص يرقي ولا يسترقي، لا بأس أن يسترقي إذا كانت عقيدته صحيحة، وأن الرقية إذا كانت مشروعة فلا شيء فيها؛ لأن النبي ﷺ قال: (اعرضوا علي رقاكم، ولا بأس بالرقى ما لم يكن شركاً)، فإذا كان هناك شيء عن الرقية فهو لأجل الشرك، ولا بأس بها ما لم يكن شركاً. إذاً: طلب الرقية فيه نزول عن مرتبة الكمال في التوكل، وهؤلاء السبعون ألفاً في المنزلة العالية ولا يناسب أن يكون من صفاتهم أنهم يطلبون رقى من الناس، ولو كانت مباحة. وقيل في هؤلاء أيضاً: إنهم مقصودون بقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة:١٠ - ١١]، لكن قد وردت أحاديث تفيد أن هؤلاء السبعين ألفاً يدخلون بعد غيرهم، منها: حديث رواه الإمام أحمد وابن خزيمة وابن حبان من حديث دفاع الجهني، قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ ، وذكر الحديث وفيه: (وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً من غير حساب، وإني لأرجو ألا يدخلوها حتى تبوءوا أنتم ومن صلح من أزواجكم وذرياتكم مساكن في الجنة) إذاً: لا يلزم أن يكون هؤلاء السبعون ألفاً أفضل من غيرهم، يمكن أن يكون هناك غيرهم أفضل منهم، لكنهم يدخلون الجنة من غير حساب ولا عقاب، وقد يكون فيمن يحاسب أفضل من هؤلاء السبعين ألفاً من جهة الدرجة في الجنة، لكن هؤلاء لا يحاسبون.

стр. 3913

ولا يكتوون الصفة الثانية: (ولا يكتوون) أي: لا يطلبون الكي، ولا يسألون غيرهم أن يكويهم، كما لا يسألون غيرهم أن يرقيهم، استسلاماً لقضاء الله، وتلذذاً بالبلاء وصبراً عليه لمزيد من الأجر، وعدم حاجة للمخلوقين واستغناءً عنهم، ولجوءاً تاماً إلى الخالق، وتفويض الأمر إليه سبحانه. وما هو حكم الكي؟ قد جاءت الأحاديث بجوازه، كما روى جابر بن عبد الله: أن النبي ﷺ بعث إلى أبي بن كعب طبيباً، فقطع له عرقاً وكواه. وفي صحيح البخاري عن أنس أنه كوى من ذات الجنب والنبي ﷺ حي، وجاء عند الترمذي من حديث أنس: (أنه ﷺ كوى سعد بن زرارة من الشوكة)، وفي صحيح البخاري عن ابن عباس مرفوعاً: (الشفاء في ثلاثة: شربة عسل، وشرطة محجم، وكية نار، وأنا أنهى عن الكي. وفي لفظ: وما أحب أن أكتوي)، ويلاحظ التدرج في العلاج من الأسهل إلى الأصعب، أولاً: فالشخص إذا مرض يأخذ الدواء اللذيذ الذي مثله هنا بشربة عسل، فإذا احتاج إلى شيء أكثر مراً، وربما يحتاج إلى استخراج، ولذلك قال: (وشرطة محجم) إذًَا: هناك دواء بالامتلاك بالأخذ، وهناك دواء بالاستقرار مثل الحجامة، يخرج الدم في الحجامة، وهناك دواء وهو آخر شيء وهو الكي، قال: (الشفاء في ثلاث: شربة عسل، وشرطة محجم، وكية نار)، فإذاً: هي مرتبة من الأسهل إلى الأصعب، ولا يذهب الواحد إلى الكي مباشرة وعنده الدواء الأسهل أو الألذ وليس فيه ألم، ولا تشويه للجسم. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: فقد تضامنت أحاديث الكي أربعة أنواع: أحدها: فعله. والثاني: عدم محبته له. والثالث: الثناء على من تركه. والرابع: النهي عنه. فلو راجعنا أحاديث الكي فسنجد أنه فعله أو أقر على فعله، وهناك أحاديث أنه لا يحب الكي، وهناك أحاديث أنه أثنى على من ترك الكي، مثل حديثنا هذا، وهناك أحاديث فيها نهي عن الكي. يقول ابن القيم ﵀: ولا تعارض بينها بحمد الله، فإن فعله له يدل على جوازه، وعدم محبته له لا يدل على منعه؛ لأنه قد لا يحب شيئاً وهو ليس بممنوع، فإنه لم يكن يحب لحم الضب، لكن هل هو ممنوع أو محرم؟ الجواب لا، وأما الثناء على تاركي الكي فيدل على أن تركه أولى وأفضل، وأما النهي عنه فعلى سبيل الاختيار والكراهية، أي: إذا كان عندك اختيار فلا تستعمل إلا إذا اضطررت، وقد يحمل النهي على الكراهية لا على التحريم، ويلاحظ هنا أنه قال: (وكية نار) فالكي البارد الذي يستعملونه في المستشفيات لا يعتبر كياً بالنار الذي يسبب تشويهاً للجلد، فهذا الكي الذي فيه تشويه للجسم مكروه وتعافه النفوس السليمة، ولا تريد هذا الأثر، لكن إذا لم يجد الإنسان دواءً إلا هو فآخر الدواء الكي.

стр. 3914

ولا يتطيرون قال: (لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون)، ما هو المقصود بالتطير؟ أي: التشاؤم، فمعنى لا يتطيرون: أي: لا يتشاءمون، والتطير مأخوذ من الطير، والمصدر: طيرة، والتطير اسم المصدر، وهو عبارة عن التشاؤم بالطير، العرب كانوا يتشاءمون بالطيور، حتى لو أراد الإنسان منهم عملاً كسفرٍ أو بيعٍ أو زواجٍ ونحو ذلك؛ أمسك طيراً فأطلقها، فإن ذهبت يميناً قال: هذا خير وبركة، وأقدم عليه، وإن ذهبت شمالاً قال: هذا شؤم وشر فتركه وما علاقة العصفور أن يذهب يميناً أو شمالاً في قضية الخير والبرك والشؤم والشر؟! ولذلك كان أمراً سخيفاً يدل على سخافة عقول الذين يعتقدون هذا الاعتقاد. لكن التطير استخدم بمعنى أعم من قضية إطلاق الطير والنظر هل يذهب يميناً أو شمالاً، فكانت العرب تتشاءم من أشياء مرئية وأشياء مسموعة، أو أزمنة معينة أو أمكنة معينة، فربما تشاءموا بصوت البوم والغراب من المسموعات، أو تشاءموا برؤية الأعور من المرئيات أو المجذوم ونحو ذلك؛ كأن يذهب أحدهم ليفتح دكانه في الصباح، فيجد في طريقه شخصاً أعور، فيقول: هذه أولها، فيعود ولا يفتح المحل، والتشاؤم كذلك بالأمكنة، كما يكون التشاؤم بالأزمنة، والتشاؤم بالأزمنة مشهور، فقد كانوا يتشاءمون في شهر شوال في النكاح خاصة، ويقولون: الذي يتزوج في شوال شر، ولذلك ورد عن الصحابة مخالفتهم، وكانت عائشة لا تدخل نساءها إلا في شوال، كانت إذا جهزت امرأة للزواج تجعل الدخلة والعرس في شوال نكاية في اعتقاد أهل الجاهلية، وقالت عائشة ﵂: [عقد علي رسول الله ﷺ في شوال، وبنى بي في شوال، فأيكن كانت أحظى عنده؟] لو كان شوال شراً ما كنت أنا بهذه المنزلة، ولا كان الزواج المبارك هذا. ومنهم من كان يتشاءم بيوم الأربعاء، وقد جاء حديث موضوع: (آخر أربعاء من كل شهر يوم نحس مستمر)، وهذا هو المنحوس الذي وضع هذا الحديث. وهناك من كان يتشاءم بشهر صفر، وبعض الناس الآن يتشاءمون بالرقم (١٣) وهذا من التشاؤم الموجود عند الغربيين، على تقدمهم والتكنولوجيا التي عندهم والتطور والمخترعات تجد بعض شركات الطيران العالمية أرقام المصاعد عندها: أحد عشر، اثنا عشر، أربعة عشر، ما فيها ثلاثة عشر، مصاعد في ناطحات السحاب أحد عشر اثنا عشر أربعة عشر، والطابق الرابع عشر هو الطابق الثالث عشر، ليس هناك طابق في الهواء غير موجود ومحذوف، الطابق الرابع عشر هو الثالث عشر، ولكنهم قوم لا يفقهون! مع أنهم يعتبرون أنفسهم متقدمين، لكنهم تراهم يتشاءمون من شيء يدل على سخافة عقولهم. وقضية التشاؤم قضية طويلة، سبق أن تعرضنا لها في درس بعنوان: التفاؤل، في سلسلة الأخلاق الإسلامية، ذكرنا طرفاً من هذا الموضوع.

стр. 3915

التوكل على الله قال: (لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون)، هذه الجملة مفسرة لما تقدم، على احتمال أن ترك الاسترقاء والاكتواء والطيرة حقيقة التوكل، ويحتمل أن تكون من العام بعد الخاص، ذكر بعض أفراد العام ثم ذكر العام بعده، وهذه المسألة وهي قوله: (وعلى ربهم يتوكلون)، هذه هي الصفة الواضحة المهمة، أهم صفات السبعين ألفاً هؤلاء أنهم يتوكلون على الله ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢] والأشياء المذكورة تدل على ذلك (لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون)، تدل على أنهم متوكلون على الله، عندهم صدق في الالتجاء إليه والاعتماد بالقلب عليه، وهذا تحقيق التوحيد، وهذا مقام الذي يحب الله ويرجوه ويرضى به ويرضى بقضائه، ويعرف نعماءه ، فهؤلاء هم المتوكلون على الله .

стр. 3916

الصوفية والتوكل وقد زعمت الصوفية من هذا الحديث أن التوكل يقتضي أن الإنسان لا يعمل شيئاً، حتى لو هجم عليه أسد فلا ينزعج، ولا يسعى في طلب الرزق، والذي مكتوب سيأتي وقد أبى ذلك جمهور العلماء الفضلاء الموحدون، قالوا: إن هذا اعتقاد فاسد، وإن التوكل على الله هو: الثقة بوعده، واليقين بقضائه، وابتغاء الرزق بالأسباب مما لابد له منه، من مطعم ومشرب، والتحرز من عدو بإعداد السلاح وبإغلاق الباب من اللص ونحو ذلك، ولكن لا يطمئن قلب المتوكل على الله إلى الأسباب، ولا يعتقد أنها تجلب نفعاً أو تدفع ضراً، بل السبب والمسبب فعل الله تعالى، والكل بمشيئته ، والله تعالى خلق الأسباب وخلق آثار الأسباب، وخلق المسببات، ولا يجري شيء إلا بمشيئته ، والذي يركن إلى الأسباب قادح في توكله على الله، والذي لا يتخذ أسباباً بالكلية جاهل بالتوكل على الله، يظن نفسه متوكلاً وهو ليس كذلك، فالأخذ بالأسباب أمر فطري ضروري حتى الحيوان يعرفه، والبهيمة تعرفه، والطير يسعى أخذاً بالأسباب، ويذهب في الصباح يبحث عن الدودة والطعام، والله يرزق الطير لتوكلها عليه (لو تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً -جياعاً- وتروح بطاناُ) تذهب في أول النهار جياعاً، وتعود ممتلئة البطن، وهي متوكلة على الله، لكن هل يجلس الطير في عشه ويقول: الرزق المكتوب لي سيقع علي من السماء؟! لا. الطير يغدو، والغدو والرواح عمل وذهاب للبحث، لكن أفئدة الطير مليئة بالتوكل على الله، ولذلك الله يرزقها، ولن تجد طائراً يذهب ويعود من غير شيء، لابد أن يرجع بشيء، وهذا من توكله على الله، ففي هذا الحديث نتعلم من خلق الله من الحيوانات أشياء عظيمة، كما نتعلم التوكل من الطير. إذاً: التوكل لا ينافي الأخذ بالأسباب، بل لا بد من الأخذ بالأسباب، وكيف لا يأخذ الإنسان بالأسباب وقد جاء في الحديث الصحيح: (أفضل ما أكل الرجل من كسبه)، وكان داود يأكل من كسبه ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ [الأنبياء:٨٠]، والله يقول: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء:١٠٢]، ماذا يعني خذوا حذركم؟ يعني الانتباه والحراسة، وقسم الجيش نصفين: نصف يصلي، ونصف يراقب، هذه كلها أخذ بالأسباب، إذاًَ: التوكل على الله لا يعني أبداً ترك الأسباب، لكن التوكل على الأسباب هو المصيبة، والآن أكثر الناس يتوكلون على الأسباب؛ قلبه معتمد على الطبيب، وعلى الدواء، وعلى التخطيط للمشروع، والاعتماد على الله غائب، وهكذا لا يمكن أن يحدث تكسب إلا بتحسين السلعة ونقلها وبيعها وعرضها، ولا يمكن للإنسان أن ينفق على عياله إلا بالتكسب والسعي والأخذ بالأسباب، وهؤلاء الذين لا يسترقون ولا يكتوون ليس معناه أنهم لا يتداوون، ولا أنهم لا يعملون شيئاً من الأسباب المشروعة، بل إنهم يتخذون الأسباب المشروعة.

стр. 3917

التداوي لا ينافي التوكل وبالنسبة لقضية التداوي فإننا نعلم إن التداوي قد وردت الوصية به، والأمر من النبي ﷺ بقوله: (تداووا عباد الله ولا تتداووا بحرام)، وهذا التداوي لا ينافي التوكل على الله؛ لأنه من الأسباب، لكن حصل نقاش لعلماء يحسن أن نستعرضه في قضية التداوي: هل هو مباح وتركه أفضل، أو هو مستحب أو واجب؟ فالمشهور عن الإمام أحمد ﵀ أنه مباح وتركه أفضل، والشافعي مشهور عنه الثاني وهو الاستحباب، وقال أبو حنيفة في التداوي: يداني الوجوب، وقال مالك ﵀: يستوي فعله وتركه، لكن ليس هناك أحد قال إن التداوي حرام، فهو ليس بحرام، بل هو أخذ بسبب. وقال بعض العلماء المعاصرين: الصحيح أن التداوي أنواع: الأول: ما غلب على الظن نفعه مع احتمال الهلاك في عدمه فهو واجب، أي أنه يغلب على الظن أن هذا الدواء نافع، ويمكن أن يهلك لو لم يأخذه، فيجب أن يأخذه. الثاني: ما غلب على الظن نفعه، لكن ليس هناك هلاك محقق لتركه، فهذا أخذه أفضل، وما تساوى فيه الأمران فتركه أفضل، ولكن استعمال الدواء المباح مباح بالجملة.

стр. 3918

بشائر في حديث السبعين ألفاً هؤلاء السبعون ألفاً لما أخبر النبي ﷺ عنهم جاءت روايات أخرى بشائر لنا: أولاً: بالإضافة إلى صفاتهم قال: (تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر) (أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر، والذين على آثارهم كأحسن كوكب دري في السماء إضاءة) وقال في رواية: (فتنجو أول زمرة وجوههم كالقمر ليلة البدر سبعون ألفاً لا يحاسبون) البشارة أن هؤلاء السبعين ألفاً ليسوا فقط سبعين ألفاً، بل إن معهم آخرين. وقد جاء في حديث أبي هريرة وسنده جيد عند أحمد والبيهقي: (فاستزدت -أي: استزدت ربي- فزادني مع كل ألف سبعين ألفاً) كل ألف من السبعين ألفاً معهم سبعون ألفاً زيادة، وفي رواية: (مع كل واحد من السبعين ألفاً سبعون ألفاً)، لكن هذه الرواية ضعيفة، لكن الرواية الصحيحة أن الله تعالى زاد النبي ﷺ مع كل ألف من السبعين ألفاً -الذين لا يحاسبون من أمته- مع كل ألف منهم سبعون ألفاً، وفي رواية: (وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً مع كل ألف سبعون ألفاً لا حساب عليهم ولا عذاب، وثلاث حثيات من حثيات ربي) والله أعلم كم قدر الحثية. وفي صحيح ابن حبان بسند جيد عن عتبة بن عبد الله: (ثم يشفع كل ألف في سبعين ألفاً، ثم يحثي ربي ثلاث حثيات بكفيه)، فكبر عمر رضي الله تعالى عنه، فهؤلاء السبعون ألفاً مع كل ألف سبعون ألفاً كم سيكون المجموع؟ أربعة ملايين وتسعمائة ألف غير الحثيات، هؤلاء من أمة النبي ﷺ ، تطلق باعتبارات، إحداها: أمة الاتباع، ثم أمة الإجابة، ثم أمة الدعوة، فالأولى: أهل العلم والصلاح، والثانية: عموم المسلمين، والثالثة: من عداهم ممن بعث إليهم النبي ﷺ ، ولما حصلت هذه البشارات قام عكاشة، وهو من عكش الشعر إذا التوى، فإذا التوى الشعر يقال في اللغة: عكش، ويقال: عكش القوم إذا حمل عليهم في الحرب، والعكَاشة بالتخفيف: اسم للعنكبوت، وأيضاً اسم لبيت النمل، ويصح في اسم هذا الصحابي الوجهان: عكَّاشة وعكَاشة كلاهما صحيح، ابن مِحصَن، بكسر الميم وفتح الصاد، ابن حرثان، من بني أسد من خزيمة، ﵁، كان من السابقين إلى الإسلام، وكان من أجمل الرجال، هاجر وشهد بدراً وقاتل فيها، وقيل: إنه قاتل حتى انقطع سيفه في يده، فأعطاه النبي ﷺ شيئاً فصار في يده سيفاً كرامةً، ذكره ابن إسحاق بدون سند، وقد استشهد ﵁ في قتال الردة مع خالد بن الوليد سنة اثنتي عشرة للهجرة. لما سمع عكاشة بهذا قال: (يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم. فقال النبي ﷺ : أنت منهم. وفي رواية: اللهم اجعله منهم) فقوله: (أنت منهم)، خبر بمعنى الدعاء، أو يقال: إنه سأل الدعاء ثم أجيب فأخبر بالجواب، (ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن أكون منهم. فقال ﷺ : سبقك بها عكاشة)، لماذا لم يدع النبي ﷺ للثاني وقال: (سبقك بها عكاشة) قالوا: إن معنى (سبقك بها) أي: بإحراز تلك الصفات، فأنت لست مثله في قضية التوكل وعدم التطير إلى آخره، وقيل: عدم دعاء النبي ﷺ للثاني لسببين: الأول: أن هذا الرجل كان منافقاً، فالنبي ﷺ لم يرد أن يدعو له لأنه منافق، ولم يرد أن يجيبه بما يكره فقال: (سبقك بها عكاشة)، وقيل: إن هذا ضعيف؛ لأن الأصل في الصحابة عدم النفاق، وما الذي يثبت أن هذا كان منافقاً؟ وثانياً: قوله: (ادع الله أن يجعلني منهم)، غالباً لا يصدر إلا من قلب صحيح حريص على دخول الجنة، وهذا يتعارض مع النفاق، وإلى هذا مال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، أن القضية ليست قضية نفاق، لكن قيل: إنه ﷺ خاف أن ينفتح الباب، فكل واحد سوف يقول: ادع الله أن أكون منهم، فيدخل فيها من ليس من أهلها؛ فقال هذه الكلمة التي أصبحت مثلاً: (سبقك بها عكاشة)، إذاً: أراد ﷺ ألا يأتي أحد ليس على مستوى هذا ويطلب ثم يرد، ويكون هناك دخول في قضية تعيين أشخاص والتفريق بين الأشخاص، فحسماً للمادة قال: (سبقك بها عكاشة) وربما يطلب بعض المنافقين ذلك مندساً، وتتسلسل القضية بدون أن يكون لها نهاية واضحة.

стр. 3919

فوائد من حديث السبعين ألفاً هذا بالنسبة لشرح هذا الحديث العظيم من أحاديث النبي ﷺ ، وعرفنا منه أهمية التوكل على الله، وأن ترك الاكتواء أفضل، وترك التطير واجب، وأن ترك الاسترقاء أفضل، وعرفنا فضل أمة محمد ﷺ على بقية الأمم كما وكيفاً، فأما الكم فإن النبي ﵊ رأى أهل الجنة من أتباعه يملئون كل الآفاق آفاق السماء أكثر من الذين مع موسى، وأما الكيفية فهم متوكلون على الله؛ لا يسترقون ولا يتطيرون، هذه فئة خاصة، وموسى ومن معه يلوننا في الأفضلية، أصحاب موسى ﵇ الصالحون والعباد والشهداء والعلماء من بني إسرائيل. والحديث فيه تسلية للنبي ﷺ حين رأى بعض الأنبياء ما معه إلا الرجل والرجلان، وبعضهم ليس معه أحد، فيعلم عند ذلك فضل الله عليه وشرفه عند الله ومكانته؛ بأن جعل أتباعه أكثر الأمم، وأكثر من أتباع أي نبي آخر، وعرفنا أن كل أمة تحشر مع نبيها. ويؤخذ منه فائدة دعوية مهمة جداً وهي: أن عدد الأتباع ليس دليلاً على نجاح الداعية، فربما يقوم الإنسان بالدعوة ويجتهد ويدعو ويبذل ولا يستجيب له أحد، فلا يكون عدم اتباع الناس له دليلاً على أنه مخطئ أو ضال أو مذنب، بل قد يكون ابتلاء من الله، فهناك أكثر من نبي ومع ذلك ما تبعه أحد، وما استجاب له أحد، يعرف الدعوة ويفقهها، ويعرف أساليبها والطرق الناجحة فيها، ويبذل أسباب النجاح؛ ومع ذلك ما كتب له أن يتبعه أحد إذاً: الداعية إلى الله إذا كان صادقاً مع الله، متخذاً الأسباب، فقيهاً بأمور الدعوة، يتخذ الأساليب الناجحة، وما وفق في أشخاص يهتدون على يديه، فلا تذهب نفسه حسرات، ولا يحزن ولا ييئس، فهؤلاء أنبياء وما مشى معهم أحد، فما بالك بمن هو أقل منهم؟! وفائدة أخرى مهمة جداً: وهي أن كثرة الأشخاص لا تدل على أن هذا حق، ليست الكثرة معياراً للحق أبداً، فلا يغتر الشخص بالكثرة ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦]، ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣] ومنه نعلم فساد المذهب الديمقراطي الذي يقوم على رأي الأغلبية؛ لأنهم يأخذون آراء السفهاء والشذاذ والهمل في الشوارع، يأخذون آراءهم بالعدد استفتاء، ثم يقولون: الأغلبية كذا، مع أن الأكثرية هؤلاء همل، ولذلك انتخاب الخليفة عند المسلمين يكون من أهل الحل والعقد، وليس من عموم الرعاع من الناس. كذلك هؤلاء الغربيون يتباهون بأن عندهم الحرية ومبدأ الأكثرية، فيصوتون على أي شيء، وكثير من الناس سفهاء لا عقل لهم، أتباع الشهوات والأهواء، لو قيل لهم: أتريدون أن يكون الزنا مسموحاً به؟ لربما قال أكثر الناس: نعم، ولو قيل: أتريدون السماح بالخمر؟ لربما قال أكثر الناس: نعم، إذاً: مبدأ الأكثرية الذي تعتمد عليه الأنظمة الجاهلية هو جاهلي، وليس من الدين، لكن بالنسبة للعلماء فإنه إذا أراد الإنسان أن يطمئن إلى قول فعليه بالجمهور، وليس بالضرورة أيضاً أن يكون الحق مع جمهور العلماء، فقد يكون الحق مع غير الجمهور، حتى في قضية المسلمين المؤمنين العلماء ربما لا يكون الحق مع الجمهور، بل يكون مع من هو أقل؛ لأن الدليل معهم، فإذاً: لا يصح أن يغتر الإنسان بالكثرة حتى ولو كانوا على الحق، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ [التوبة:٢٥]، مع أن الطرف المقابل كفار، فالإنسان لا يغتر بالكثرة ولا يغتر مع الكثرة، وإذا رأيت كثرة الهالكين فلا تغتر وتقول: هؤلاء على الحق لأنهم أكثرية، وإذا رأيت كثرة أهل الحق فلا تعجب بهم، فإنه يحصل الإعجاب فيكون سبب الهزيمة والفشل، فهذه قضية الأكثرية والأقلية قضية مهمة جداً ينبغي أن تعرض على الشريعة. وفي الحديث علم من أعلام نبوة النبي ﷺ ، ومعجزة من معجزاته، وبرهان على نبوته ﵊، وأنه يوحى إليه، وذلك أنه أخبر أن عكاشة منهم، وعكاشة ما ارتد ولا غير ولا بدل، واستمر ومات شهيداً ﵁، فبقي محبوساً من الكفر حتى مات على الإسلام، فإذا أراد الإنسان أن يخبر عن أمثلة من المبشرين بالجنة من غير العشرة فإنه يقول: عبد الله بن سلام، وعكاشة بن محصن ﵄. كذلك في الحديث استعمال المعاريض، في قوله: (سبقك بها عكاشة) فليس المانع الحقيقي أن عكاشة سبقه، لكن المانع أنه ﵊ خاف أن ينفتح الباب ويسأل هذه المرتبة شخصٌ ليس من أهلها فقال: (سبقك بها عكاشة) وهذا دليل على حسن خلق النبي ﷺ . وهذا الحديث رواه البخاري وغيره، وهو مشروح في فتح الباري، في كتاب التوحيد. والله تعالى أعلم.

стр. 3920

الأسئلة

стр. 3921

رقية الكافر السؤال هل يجوز أن يرقى الكافر؟ الجواب نعم يجوز؛ لأن أبا سعيد ﵁ قد رقى كافراً.

стр. 3922

قراءة القرآن للحائض والنفساء السؤال هل يجوز للحائض والنفساء قراءة القرآن؟ الجواب نعم من غير أن تمسه.

стр. 3923

حكم ذبح الرجل العقيقة عن ابن ابنه السؤال رزق ابني بمولود، فلما أخبرت قلت: عقيقته علي، فهل تجزئ أم لابد أن يعق عنه أبوه؟ الجواب لا تجزئ إذا ذبح العقيقة جد الولد أو جدة الولد.

стр. 3924

حال حديث: (الجنة تحت أقدام الأمهات) السؤال ما صحة حديث: (الجنة تحت أقدام الأمهات)؟ ل الجواب ورد في معناه أحاديث صحيحة كحديث معاوية ﵁: (الزمها فإن الجنة تحت قدمها) أو (الجنة تحت أقدام الوالد)، ثبت هذا الحديث.

стр. 3925

الاكتواء والتداوي عند الطبيب لا يعد مناقضاً للتوكل السؤال كووني وأنا صغير حيث لم يكن الطب منتشراً، وهذا خارج عن رغبتي وإرادتي، فهل هذا السبب يخرجني من السبعين ألفاً؟ الجواب لا، وذكر بعض أهل العلم المعاصرين أنه إذا كان الذي يكوي موظفاً بأجرة مثل الذي في المستشفى، فإن ذهابك إليه لا يعتبر أنك خرجت من هذا الحديث؛ لأن هذا موظف يأخذ أجرة على عمله، فإذا ذهبت إليه هو لا يتفضل عليك وليس له منة عليك، هو موظف يأخذ راتباً، لكن الذي له منة عليك هو الذي تلجأ إليه لجوءاً، وهناك فرق بين الطبيب والراقي، فقوله: (لا يسترقون) لا يعني هذا ألا نذهب إلى الطبيب ونطلب منه العلاج؛ لأن فيها نقصاً للتوكل فذهابك إلى الطبيب الذي يأخذ أجرة ليس فيه منة من الطبيب؛ لأنه يأخذ أجرة. وكذلك الذي يكوي لا يعتبر الذهاب إليه مناقضاً للتوكل إذا كان موظفاً له راتب، وليس له منة عليك، هذا عمله ولابد أن يؤديه، ثم إنك لم ترضَ على ما تذكر.
следующие страницы →