← Джавами‘

Джавами‘ · id 7704

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (7 040 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

أنواع الولائم فالدعوة أعم من الوليمة والوليمة أخص منها، والولائم أنواع، ذكرها الناظم في قوله: أسامي الطعام اثنان من بعد عشرةٍ سأسردها مقرونة ببيانِ وليمة عرسٍ ثم خرس ولادة عقيقة مولودٍ وكيرة بان وضيمة ذي موتٍ نقيعة قادمٍ عذيرٌ أو اعذارٌ ليوم ختانِ ومأدبة الخلان لا سببٌ لها حذاقة يوم الختم للقرآنِ وعاشرها في النظم تحفة زائرٍ قرى الضيف مع نزلٍ له بأمانِ وسنأتي على شرحها بسرعة، ثم نتوسع في مسألة وليمة الزواج أو النكاح، وبعض التفاصيل المتعلقة بها.

стр. 387

الوليمة والخرس والعقيقة أما بالنسبة لوليمة النكاح فهي ما يُصنع من الطعام بسبب النكاح، أما وليمة الخُرس فهو الطعام الذي يُصنع لسلامة المرأة من الطلق في النفاس، وكذلك فإن هناك العقيقة وهو الطعام الذي يُصنع بسبب ولادة المولود، وقيل: إن العقيقة أصلها من الشعر الذي يكون على رأس الصبي حين يولد، وسميت بذلك لأنه يحلق عنه في يوم سابعه، وهو اليوم التي تذبح فيه العقيقة، وقال بعض أهل العلم: إن العق هو القطع، والعقيقة هي الذبح نفسه، وهي اسمٌ للشاة المذبوحة عن المولود يوم السابع من ولادته. وقد اختلف أهل العلم فيها بين الوجوب والاستحباب، وجمهورهم على الاستحباب، ومن أدلة أهل الوجوب: (كل غلامٍ رهينة بعقيقته) أي: مرتهنٌ بها، والسُنة شاتانِ عن الغلام الذكر وشاة عن الأنثى، ويجوز أن يذبح شاة عن الذكر لما صح عن النبي ﷺ أنه عق عن الحسن والحسين شاةً شاةً، والمسألة فيها تفاصيل أخرى.

стр. 388

الوكيرة والوضيمة والنقيعة وبالنسبة لوليمة الوكيرة: هي ما ذبح لإحداث بناء السكن، مأخوذٌ من الوكر، وهو المأوى والمسكن، فيُصنع بسبب البيت الجديد وليمة يدعى إليها الناس. وأما الوضيمة: فهي ما يصنع من الطعام -بسبب المصيبة- لأهل الميت، وهي سنة، لأن النبي ﷺ قال: (اصنعوا لآل جعفر طعاماً، فقد جاءهم ما يشغلهم). أما إذا كان اجتماع على طعام يصنعه أهل الميت، فهو من النياحة المحرمة، وقد جاء النص بذلك عن الصحابي جرير بن عبد الله ﵁: [كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعهم الطعام بعد دفنه من النياحة]. أما ما يفعله أهل البيت من صنع طعام، وجمع الناس عليه أول يوم وثاني يوم وثالث يوم فهو من النياحة، وهو حرام، ولا يجوز الأكل منه مطلقاً. فإذا صنعوا طعاماً لأنه أتاهم ما يشغلهم، أو صنعوا للضيوف الذين جاءوا من بعيد، فناموا عندهم وأكلوا معهم، فهذا لا بأس به، أما أن يصنعوا طعاماً يدعى إليه الناس والجيران والمعزون، فهذا من البدع المحدثة وهو حرام. أما بالنسبة لوليمة النقيعة فهي الدعوة التي تُصنع بسبب قدوم المسافر سالماً من سفره، مأخوذة من النقع وهو الغبار، قال الله تعالى: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً﴾ [العاديات:٤]. ويصنعها المسافر أو يصنعها أهله، وقيل: تُصنع للمسافر فرحاً بسلامة وصوله، وقد ثبت أن النبي ﷺ لما قدم المدينة نحر جزوراً أو بقرة، فهذا الحديث الذي رواه البخاري ﵀ يدل على مشروعية عمل الطعام بعد القدوم سالماً من سفره.

стр. 389

العذيرة والمأدبة وأما بالنسبة للعذيرة فهي الوليمة التي تُصنع بسبب الختان، وتُسمى أيضاً الإعذار، والإعذار هو الختان، وهو الطعام الذي يُطعم بمناسبة الختان، وقد جاء عن بعض السلف فعل هذه الوليمة، وهل هي للذكر فقط أم تشمل الأنثى؟ للعلماء أقوالٌ في المسألة، ومما قاله ابن الحاج المالكي ﵀ في كتابه المدخل: إن السنة في الختان للذكور إظهاره، وفي ختان النساء إخفاؤه فإذا كان ذكراً خُتن، فإنه يُصنع له هذه الوليمة إذا جرت العادة بذلك، فلا بأس في فعلها، وقد جاء فعلها عن بعض السلف رحمهم الله تعالى. فإذا صار ختانه وحلق شعره في اليوم السابع فالعقيقة تغني عن هذا. وأما وليمة المأدبة فهي الضيافة التي تعمل بدون سببٍ معين، فإذا أراد أحد الناس أن يجمعهم على طعام من أجل أن يكسب أجراً في إطعام الناس، فدعاهم للطعام، كالأصدقاء والأحباب والإخوان والأقارب والجيران. أراد أن يصنع المعروف من باب أن إطعام الطعام وإفشاء السلام من أسباب دخول الجنة، وليس لوليمته سبب معين، فلا بأس بذلك. وقد جاء في الحديث أن ملائكة جاءوا إلى النبي ﷺ وهو نائم فقالوا: (إن لصاحبكم هذا مثلاً، مثله كمثل رجلٍ بنى داراً، وجعل فيها مأدبة، وبعث داعياً، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة، فالدار الجنة، والداعي محمد، فمن أطاع محمداً فقد أطاع الله، ومن عصى محمداً فقد عصى الله، ومحمدٌ ﷺ فرّق بين الناس) صار الناس فريقين: مؤمنون وكفار، وهذه المأدبة التي تصنع بلا سبب، إذا كانت عامة فتسمى الجَفَلَى (بالألف المقصورة)، بأن قال: يا أيها الناس هلموا، وليأت من يريد من الناس، فهذه دعوة عامة يجوز لكل واحد أن يأتيها، أو فعلها في مكان عام على الشارع مثلاً أو في أرضٍ مفتوحة، ودعا إليها من شاء من الناس أن يأتيها، فتسمى جَفَلَى، يجوز لكل واحد أن يأتيها. وإذا كانت خاصة فتسمى النَقَرى، فهي خاصة بمن يدعى إليها، فإذاً لا يجوز لغيرهم أن يأتي، وإطعام الأصحاب على أية حال من القُرب، ودعوة الإخوان أيضاً من الطاعات.

стр. 390

الحذاقة والقرى أما الوليمة التي يسمونها الحذاقة فهي الإطعام عند ختم الصبي للقرآن إذا حفظه، فإن حفظ ولد الرجل القرآن وصنع والده وليمة للناس فرحاً بمناسبة ختم ولده للقرآن، وربما صنعت أيضاً إذا نبتت أسنان الصغير ونحو ذلك، وهي مأخوذة من قولهم: (حَذِقَ الصبيُّ يَحْذَقُ حِذْقاً، إذا مهر في الشيء) ويقال لليوم الذي يختم فيه الصبي القرآن: يوم حذاقة، ويقال: فلانٌ حاذقٌ في صنعته، وجاء عن بعضهم أنهم كانوا يصنعون هذا لغلمانهم. ويروى عن الحسن أنه قال: "كانوا إذا حذق الغلام قبل اليوم نحروا جزوراً واتخذوا طعاماً" ويُروى كذلك عن حميد أنه قال: "كانوا يستحبون إذا جمع الصبي القرآن أن يذبح الرجل الشاة ويدعو أصحابه". فهذه الشاة على أية حال هي شكر على نعمة حفظ الولد للقرآن، فإذا ذبح شاة على أية نعمة فلا بأس بذلك، لكن عندما تكون القضية واردة في السنة كالأضحية والعقيقة فإنها تتأكد، لأن لها مستنداً من فعل النبي ﷺ أو من قوله، فهي لا شك أقوى وأقوى. أما أشياء جرت من عادات الناس، قد لا تكون واردة في السنة فهي بمنزلة أدنى، وإن كانت من عادات الناس ولم يقصدوا بها السنة، ولم يقصدوا بها التعبد فلا بأس بذلك، وذبح الشاة لأجل النعمة يدل عليه مجموع أحاديث وردت في الشريعة، فنعمة القدوم من السفر ذبحت فيها شاة، ونعمة المولود ذبحت فيها شاة، ونعمة الزواج ذبحت فيها شاة: (أولم ولو بشاة) إذاً ذبح شاة أو ذبيحة أو عمل طعام لمناسبة سارة أو لنعمة أنعم الله بها على الشخص لا بأس به ولا حرج فيه شرعاً، لكن فرق أن يعتقد الإنسان أنه سنة، فهذا لا بد له من دليل، أو أنه لم يعتقد أنه سنة، وإنما هو سنة على وجه العموم فإن في الشريعة ما يدل على ذبح شيء أو دعوة الناس إلى طعام بمناسبة حدوث شيءٍ سار. مثل لو أن إنساناً ترقى في وظيفته، أو تبوأ وظيفة ونحو ذلك أو تخرج من الجامعة، فعمل طعاماً فلا بأس بذلك، ليس بدعة ولا حراماً ولا مكروهاً ما لم يتضمن منكراً أو محظوراً من المحظورات الشرعية، وأيضاً وليمة القرى وهي الطعام الذي يصنع للضيف، وإكرام الضيف لا شك أنه قد ورد في السنة، ولعلنا نأتي إن شاء الله في هذه السلسلة على آداب الضيافة.

стр. 391

الفرع والعتيرة وكذلك فإن من أنواع الولائم التي ذكرت وليمة الفرع، والفرع هو أول نتاج الناقة، كان أهل الجاهلية يذبحونه لطواغيتهم، فأبطله الإسلام بقوله ﷺ : (لا فرع). وأما العتيرة: فهي الشاة التي كانوا يذبحونها في رجب، وتسمى الرجبية، وقد قال النبي ﷺ : (لا عتيرة) وهنا اختلف العلماء هل قوله ﷺ : (لا عتيرة) إبطال لذبيحة رجب بالكلية، أو لا عتيرة بمفهوم أهل الجاهلية، كأن يكون هناك اعتقادٌ معين عند الجاهليين، كما أنهم كانوا يذبحون لأصنامهم في رجب مثلاً ويسمونها عتيرة، فتكون مشروعة إذا كانت لله؟ قال بعض العلماء: يشرع ذبح شاة في رجب لله ، وأجابوا عن حديث: (لا عتيرة) أن المقصود ذبحها بمفهوم أهل الجاهلية، أو كما كان أهل الجاهلية يذبحون.

стр. 392

حكم إجابة الدعوة أما بالنسبة لإجابة الدعوة فقد ورد في الولائم والدعوات أحاديث، فمن ذلك قوله ﵊: (حق المسلم على المسلم خمس (وفي رواية ست) -وذكر منها- وإذا دعاك فأجبه) وقوله ﷺ : (فكوا العاني، وأجيبوا الداعي، وعودوا المريض). وبالنسبة للدعوة العامة أيضاً ورد في صحيح مسلم: (إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب، فإن شاء طعم وإن شاء ترك) كأن يكون صائماً أو كأن يعاف الطعام أو يكون مريضاً ونحو ذلك، وقوله ﵊: (إذا دعي أحدكم فليجب، فإن كان صائماً فليصلِّ وإن مفطراً فليطعم) رواه مسلم ﵀ في صحيحه، وقال ﵊: (ائتوا الدعوة إذا دعيتم) رواه مسلم. أما بالنسبة للوليمة فقد قال النبي ﷺ : (إذا دُعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها) وقال ﵊: (إذا دعا أحدكم أخاه فليجب عُرساً كان أو نحوه) وقال ﷺ : (شر الطعام طعام الوليمة، يمنعها من يأتيها، ويدعى إليها من يأباها -الفقراء الذين يريدون الطعام يمنعون والأغنياء الذين لا يريدون الطعام يدعون- ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله). وقال: (بئس الطعام طعام الوليمة؛ يدعى إليها الأغنياء، ويترك المساكين) وجاء ذلك من كلام أبي هريرة ﵁، وكان ابن عمر يأتي الدعوة في العرس وغير العرس وهو صائم، وهو الذي روى حديث: (أجيبوا هذه الدعوة إذا دعيتم لها) رواه البخاري ﵀. فيتضح لنا من هذه الأحاديث أن إجابة الدعوة أقل ما يُقال فيها أنها سنة مشروعة أياً كانت الدعوة، ما دامت من مسلم وليس فيها منكرات، ويتأكد إجابة وليمة العرس تأكيداً خاصاً، لأن النبي ﷺ قال في آخر الحديث: (ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله) فيتأكد ذلك، لأن عدم إجابة وليمة العرس معصية لله ورسوله. وكذلك أمره ﵊ في البخاري: (إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها) وهو أمرٌ بالحضور، ولا شك أن الوليمة هنا وليمة العرس. وقال جمهور العلماء: إن إجابة وليمة العرس فرض عين لمن دعي إليها وهي واجبة، وقال بعض العلماء: فرض كفاية، لكن قول الجمهور أرجح، ويسند قولهم حديث: (ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله) بأن الأصل إجابة الدعوة إلى وليمة العرس.

стр. 393

حكم إجابة الدعوة في غير وليمة العرس وأما غير وليمة العرس من الدعوات فما حكم إجابتها؟ قال النووي ﵀: فيها وجهان: أحدهما: أنها كوليمة العرس. والثاني: أن الإجابة إليها ندبٌ وإن كانت في العرس واجبة. ونقل القاضي عياض ﵀ اتفاق العلماء على وجوب الإجابة لوليمة العرس، قال: واختلفوا فيما سواها. وقال مالك والجمهور: لا تجب الإجابة إليها، وأهل الظاهر قالوا: تجب الإجابة لكل دعوة، إذاً عندنا شيء واضح وجوب إجابة دعوة وليمة العرس، ومسألة الدعوات الأخرى فيها خلاف، والأحوط أن الإنسان يجيب إذا لم يكن عنده عمل مصلحته أعلى، وكان من هديه ﵊ عموماً إجابة الدعوة، وكأن يأتي إلى وليمة العرس خصوصاً. روى البخاري رحمه الله تعالى عن أنس بن مالك: (أن خياطاً دعا النبي ﷺ لطعام صنعه، قال: فذهبت مع النبي ﷺ فقرب خبز شعيرٍ ومرقاً فيه دباء وقديد، فرأيت النبي ﷺ يتتبع الدباء من حوالي القصعة، فلم أزل أحب الدباء بعد يومئذٍ). وكلمة المرق مما أجاب به الذين قالوا: لماذا لم يأكل مما يليه؟ لأن الدباء كان في المرق فهو يتتبع، وكذلك أخرج البخاري ﵀ عن أبي مسعود الأنصاري قال: كان رجل من الأنصار يقال له: أبو شعيب، وكان له غلامٌ لحام، فقال: اصنع لي طعاماً أدعو رسول الله ﷺ خامس خمسة -اعمل حسابك على خمسة أشخاص- فدعا رسول الله ﷺ خامس خمسة فتبعهم رجل، فقال النبي ﷺ للداعي لما وصلوا: (إنك دعوتنا خامس خمسة، وهذا رجلٌ قد تبعنا، فإن شئت أذنت، وإن شئت تركته، قال: بل أذنت له). من فوائد هذا الحديث الذي ذكره ابن حجر ﵀: من صنع طعاماً لغيره فهو بالخيار بين أن يرسله إليه أو يدعوه إلى منزله، إذا صنعت طعاماً لغيرك سواء دعوته إليك أو أنك أوصلته إلى منزله، فكلاهما يصبح من الإكرام. ثانياً: من دعا أحداً استحب أن يدعو معه من يرى من أخصائه وأهل مجالسته، إذا دعوت رجلاً وكان له أصدقاء يجلس معهم باستمرار، فالأفضل أن تدعوهم معه حتى لا تفصل بينه وبينهم، وهو يريد الجلوس معهم. وكذلك: إجابة الإمام والكبير دعوة من دونهم وأكل طعامهم، هذا النبي ﵊ أجاب خياطاً، وذهب إليه، وقد جاء عند الحاكم بإسنادٍ صحيح حديث في هذا المعنى، وفيه أيضاً ذكرٌ لأدب من آداب الطعام الذي مر معنا سابقاً، وهو قول أنس ﵁: (كان النبي ﷺ يردف خلفه) بل أربع خصال تدل على التواضع، حديث أنس: (كان النبي ﷺ يردف خلفه، ويضع طعامه على الأرض، ويجيب دعوة المملوك، ويركب الحمار) صححه الألباني. قوله: (ويضع طعامه على الأرض) فيه دليل على وضع الطعام على الأرض، وإن كان يجوز الأكل على المائدة والخوان كما تقدم، والشاهد من الحديث هذا قوله: (ويجيب دعوة المملوك) أن النبي ﵊ يجيب دعوة الناس ولو كانوا مغمورين أو كانوا ضعفاء، أو كانوا لا يشار إليهم بالبنان وليسوا ذوي شرف ومكانة بين الناس، وكان يجيب إلى الطعام القليل: (لو دعيت إلى كراع لأجبت) يجيب إلى الطعام ولو كان قليلاً، ولا يستحقره أو يحتقر الداعي، لأن هذا جهده، فيجيبه إليه. ومن فوائد حديث الأنصاري الذي دعا النبي ﷺ خامس خمسة أن من قصد التطفل أي: المجيء إلى الوليمة من غير دعوة لم يمنع ابتداءً، لا يقال له: لا تأت، يقال: ممكن تأتي لكن لا تدخل إلا بإذن، لأن الرجل يتبع النبي ﷺ فلم يرده، لاحتمال أن تطيب نفس صاحب الدعوة بالإذن له، ولعله يأتي بعض الأحكام المتعلقة بالتطفل في النهاية إذا صار هناك متسع من الوقت إن شاء الله.

стр. 394

حكم إجابة دعوة المرأة والمرأة تشترك في وليمة العرس، وينبغي أن تفهم هنا حديث البخاري عن سهل قال: (لما عرس أبو أسيد الساعدي دعا النبي ﷺ وأصحابه، فما صنع لهم طعاماً ولا قربه إليهم إلا امرأته أم أسيد، بلت تمراتٍ في تورٍ من حجارة من الليل، فلما فرغ النبي من الطعام أماتته له، فسقته تتحفه بذلك) وفي رواية لمسلم: (تخصه بذلك) وينبغي أن يفهم هذا الحديث فهماً صحيحاً. النووي ﵀ قال: إن هذا الحديث كان قبل الحجاب، لأن المرأة أجنبية عنهم، وكانت تقدم لهم الطعام، وقال بعضهم: محمولٌ على أنها مستورة ستراً تاماً، وليس هناك فتنة بطبيعة الحال، فمحل ذلك أمن الفتنة ومراعاة الستر، ولذلك الأحوط أن المرأة لا تخرج على الرجال مطلقاً، خصوصاً إذا ترجح كلام من قال: إن ذلك كان قبل فرض الحجاب. وأما ما ورد من دعوة المرأة للرجل للوليمة، فقد أخرج البخاري رحمه الله تعالى عن أنس بن مالك قال: أبصر النبي ﷺ نساءً وصبياناً مقبلين من عرسٍ، فقام ممتناً فقال: (اللهم أنتم من أحب الناس إلي) قال القسطلاني في شرح الحديث: فلو دعت امرأةٌ امرأةً أو رجلاً لوليمة وجب أو استحب للرجل الإجابة لا مع خلوةٍ محرمة، فلا يجيبها إلى طعامٍ مطلقاً -أي: في حالة وجود الخلوة- أما إذا بعثت إليه بطعام أو لم يكن هناك خلوة ولا فتنة، فلا بأس بذلك. فالمرأة لها أن تدعو المرأة لوليمة الطعام، فما حكم إجابة المرأة المدعوة للوليمة هل هي واجبة أم لا؟ الجواب تستأذن زوجها فإن أذن لها زوجها فإنها تذهب، بل يتعين عليها الذهاب، وإن لم يأذن فإنه لا يجوز لها الذهاب، أما دعوة المرأة رجلاً للوليمة فلا بأس بها إذا لم تكن فتنة، أي: مثلاً امرأة عندها بنت وزوجت البنت، وأبوها ميت، فصارت هي التي تدعو الناس، وهي امرأة كبيرة في السن وليس هناك فتنة، فوجهت الدعوة للرجال، فيحضرون ويطعمون وينصرفون. ومليكة جدة أنس -وهي امرأة كبير في السن- دعت النبي ﷺ لطعامٍ صنعته، فأتى فأكل ولم يكن هناك خلوة ولا فتنة، أما في الأحوال التي يكون فيها فسادٌ وفتن فلا تدعو امرأةٌ رجلاً أبداً، ولذلك فرق العلماء بين المرأة الكبيرة العجوز وبين المرأة الشابة، وبين المرأة الصالحة والمرأة السوء، ولا يمكن بأي حال أن تجعل الشريعة ستاراً لأعمال الفحش.

стр. 395

شروط وجوب تلبية الدعوة للولائم نعود فنقول: إن وليمة العرس يتأكد إجابتها، والراجح الوجوب في ذلك، والأحوط أن يجيب الإنسان الدعوات الأخرى إذا لم يكن ثم مانعٌ شرعي أو مصلحة أعظم تفوت. لكن ما هي شروط وجوب تلبية الدعوة؟ ذكر العلماء شروطاً لوجوب تلبية الدعوة، والأصل أنه يجب عليك أن تلبي، ولكن متى لا يجب عليك؟ ما هي الأشياء التي لو حصلت لا يجب عليك أن تلبي، بل ربما لا يجوز لك أن تلبي الدعوة؟

стр. 396

ألا يخص الأغنياء قالوا: أولاً: ألا يخص الأغنياء، بل يعم الداعي بدعوته جميع عشيرته أو جيرانه، أو أهل حرفته أغنياءهم وفقراءهم، فإن وقع التخصيص فلا تجب الدعوة لقوله ﷺ : (شر الطعام طعام الوليمة يُدعى إليها الأغنياء ويترك الفقراء) رواه مسلم، وفي رواية: (يمنعها من يأتيها ويدعي إليها من يأباها) ويخرج من هذا التخصيص ما لو دعا جميع عشيرته أو أقربائه أو أهل حرفته، فكانوا كلهم أغنياء. فهنا يجب على المدعو الإتيان؛ لأنه ما خصص الأغنياء هنا، بل دعا جيرانه، فاتضح أنهم كلهم أغنياء، فهنا تجب الإجابة، لكن لو وجه الدعوة فقط للأغنياء وانتقاهم، واستثنى الفقراء من أقربائه ومن عشيرته وجيرانه، فهنا قالوا: إذا خصت الدعوة بالأغنياء لا تجب الإجابة.

стр. 397

أن يكون المدعو مقصوداً بنفسه ثانياً: أن يخص بالدعوة بنفسه أو يبعث شخصاً، هنا تجب الإجابة، إذا قال لك بنفسه: تعال، أسألك الحضور، أحب أن تحضر، فهنا يجب الحضور، أو أرسل إليك رسولاً منه ببطاقة دعوة لوليمة الزفاف، مرسولاً منه، فعند ذلك يجب الحضور، أما لو فتح باب الدار وقال: ليدخل من شاء، أو أرسل شخصاً فقال له: ادعُ من شئت، فلا يُوجب هذا على الشخص المدعو أن يجيب، لأن الداعي لم يعينه بنفسه، أو بعينه، أو يرسل له مرسولاً هو بالذات حتى يأتي، وإنما قال للرسول: ادعُ من شئت، أو قال لشخص: أنت ادعُ من جهتك، والآخر: أنت ادعُ من جهتك، فهنا لا يجب على المدعو الإتيان، أي: لو لم يجئ لا يكون آثماً ولا عاصياً. لكن لو وجهت الدعوة لشخصٍ بعينه، أو أرسل رسولاً له بعينه، أن يأتي أو بطاقة بالبريد أو بأي طريقة ولم يكن عند الآخر عذرٌ، فإنه يجب عليه الإجابة. أما لو قال: يا أيها الناس تعالوا، أو فتح الباب، فلا يجب على كل مار أمام الباب أن يدخل، والسبب واضح، لأنه إذا دعا شخصاً بعينه والشخص لم يجئ، أدى ذلك إلى وقوع الوحشة والنفرة، لكن لو قال: من شاء أيها الناس أن يأتي بدون أن يُعين شخصاً أو أشخاصاً بأعيانهم، فعند ذلك لو لم يجيئوا فلن تحدث هذه النفرة والوحشة. وكذلك لو تعنى فأرسل رسولاً أو سائقه أو خادمه إلى شخصٍ بعينه، فلا شك أنه يجد في نفسه عليه، ويكون في خاطره شيءٌ عليه، ولذلك فإن الدعوة للمعين تجب الإجابة فيها ولغير المعين لا تجب الإجابة فيها. وكذلك إذا كانت صيغة الدعوة ليس فيها إلزامٌ بالحضور، كأن قال: إن شئت فاحضر، لم يلزمه ذلك، بل قال الشافعي: إن قال له: (إن شئت فاحضر) فلا أحب أن يجيب، كأنه يقول: لست بعازمٍ عليك ولا بملح، ولست بمشترطٍ حضورك، إذا صار من عندك الدافع أن تأتي فافعل، أما أنا فليس عندي دافع، إن شئت أن تحضر فاحضر، فلا يجب الحضور إذا كان القائل يقصد معناها.

стр. 398

ألا تكون دعوته لخوف منه أو طمع فيه وكذلك من شروط الحضور ألا يكون إحضاره لخوفٍ منه، فلو خاف من شخص كمن يخشى أنه لو لم يدع رئيسه في العمل لأضر به، فدعا رئيسه في العمل لا محبة فيه ولا رغبة في إتيانه، وإنما خشية من أنه إذا لم يدعه فربما يضر به، أو ظالم من الظلمة، يخشى إذا لم يدعه أنه يظلمه، فهنا لا يجب على هذا المدعو أن يأتي، لأنه إنما دعي اتقاء شره، أو خشية ظلمه، فعند ذلك لا يجب عليه الإتيان. أو إن دعا شخصاً طمعاً في جاهه، أو ليعينه على الباطل، أو ليتزلف إليه وينافق، فعند ذلك لا يتوجب عليه الحضور، ولذلك يجب على الإنسان إذا دعا أن يقصد بالدعوة السنة وإعلان النكاح وإطعام الطعام؛ يقصد مقاصد صالحة، ولا يقصد التزلف إلى فلان، والمنافقة مع فلان، ونحو ذلك من المقاصد الدنيوية، ويقصد بالدعوة تقريب ما بينه وبين إخوانه، والتحبب والتودد إلى إخوانه ونحو ذلك.

стр. 399

ألا يكون في المجلس من يتأذى به أو منه وكذلك مما لا يوجب الحضور أن يكون في المجلس من يتأذى به أو منه، كما إذا دُعي إلى المجلس فسقة، أو أناس عندهم مجون وفحش، أتيت إلى المجلس ووجدت فيه ناساً يقولون كلاماً بذيئاً أو طرائف وأضحوكات، لا يليق بك أن تجلس معهم، أنت صاحب دين وملتزم بالدين، ثم يدعوك مع هؤلاء السفلة عند ذلك لا يجب عليك الحضور، ولو لم تحضر لم تأثم، ولو رجعت فما عليك شيء، فمن دعا معه أراذل أو دعا معه فسقه ومجرمين معروفين بأكل الربا والسحت والسلب، فعند ذلك جلوسك معهم مضرة بك، وفيه إيذاءٌ لك، فلا يليق بك أن تجلس في هذا المجلس، فلا يجب عليك الحضور. والعلماء في الماضي كانوا يضربون أمثلة ببعض الصوفية الذين همهم أن يأكلوا الطعام، ويقولون للناس: ادعونا لتحصل لكم البركة ونحو ذلك، ويتلبسون بلباس أهل الطاعة، وربما قال: قرأت القرآن لميتك وهو قد قرأ (قل هو الله أحد) ثلاث مرات، يقصدون بذلك التزلف والمنافقة.

стр. 400

ألا يكون في الوليمة منكر وكذلك من شروط إجابة الدعوة ألا يكون هناك منكر في الدعوة، فلو كان هناك منكر فلا يجب الحضور، بل لا يجوز، كما إذا كان هناك مائدة يُدار عليها الخمر، لقوله ﷺ : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعدن على مائدة يدار عليها الخمر) رواه الترمذي وحسنه. والمنكرات كثيرة في الولائم؛ مثل الملاهي المحرمة -المعازف- كالطبل والعود والطنبور والربابة والمزمار وغير ذلك من آلات المعازف، ومن الآلات الحديثة الأورج والبيانو وغيرها، فوجودها يسقط الوجوب، فمادام في الوليمة منكر سقط الوجوب، ما عاد للمجلس حرمة ولا وجوب لإجابة الدعوة، كذلك لو وضع في المجلس سجاجيد من الحرير، ومعروف أن افتراش الحرير لا يجوز، والجلوس عليه لا يجوز، أو فيه أشياء مأخوذة من مساجد أو مدارس لا يجوز له أخذها، أو أن يكون هناك مغنٍ أو مطرب أو مغنية أو مطربة، أو أن يكون هناك مطعوم محرم، أو مشروب محرم كالخمر كما تقدم، أو صور ذوات الأرواح على الجدران والسقوف والثياب، كما يفعل ذلك كثيرٌ من اللاهين العابثين. وهذه الأشياء المنقوشة والمصورة والمطبوعة والمنحوتة، إذا كانت من ذوات الأرواح، فهي تسقط وجوب إجابة الدعوة، والنبي ﵊ لم يدخل البيت لما رأى في الستر صورة من صور ذوات الأرواح، كذلك ستر الجدران واستعمال الحرير، فقد ورد أن صحابياً لم يدخل البيت وقد ستروا جداره بديباجٍ أخضر، وقد جاء عن النبي ﷺ قوله في الحديث الصحيح: (إن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة واللبن) وقال ابن عباس: لا تستر الجدران بالثياب، فبعضهم اعتبر أن ستر الجدران وتغطيتها بالقماش ونحوه مما يسقط الوجوب. أما لو كان هناك أشياء جائزة كصور لغير ذوات الأرواح، من الأشجار مثلاً ونحوها، فإن ذلك لا يسقط الوجوب، أو لُعب البنات إن كانت في البيت فإنها لا تسقط الوجوب، لأن اتخاذ لُعب البنات من الصُوف أو العِهْن جائز، وقالوا: إذا كانت صور ذوات الأرواح على الفراش الذي يوطأ ويهان ويداس عليه فإنه يجوز، وقال بعض أهل العلم: لا يجوز حتى يقطع ويُغير. وكذلك لو كان هناك مثلاً في الوليمة ملاعق من ذهب أو فضة، أو آنية ذهب أو فضة عموماً، فإن ذلك من أسباب إسقاط الوجوب، وكذلك لو كان المجلس فيه كذب وفحش مما هو منكر، وعلى رأس ذلك الاستهزاء بالدين، فيجب الخروج حينئذ، ولا يجوز الحضور.

стр. 401

عدم تكرار الوليمة في أيام متتابعة وكذلك من الأشياء التي لا تجعله واجباً الدعوة في اليوم الثاني والثالث، دعاهم في اليوم الأول فالإتيان واجب، أما الدعوة في اليوم الثاني فمكرمة، والثالث اختلفوا فيه، فقال بعضهم: إنه فخر فلا يجوز، وقال بعضهم: إنه جائز، والصحيح الجواز، وحديث: (الوليمة في اليوم الأول حق، وفي الثاني معروف، وفي الثالث رياء وسمعة) ليس له إسناد صحيح متصل. وقد يُحتاج إليه فقد يدعو في اليوم الأول قسماً من الناس وفي الثاني قسماً آخر، وفي الثالث قسماً ثالثاً، لأن الناس كُثُر والمكان ضيق، قد يدعو في اليوم الأول مثلاً أقاربه، والثاني أصدقاءه، والثالث عامة الناس، إذاً قضية الدعوة أكثر من ثلاثة أيام قد وردت أيضاً، وليس بها بأس إذا لم يكن قصده المفاخرة والمراءاة، فإذا دعاك أول يوم، ثم دعاك ثاني يوم فالدعوة الواجبة في اليوم الأول، والثانية لا تكون واجبة.

стр. 402

أن يكون الداعي مسلماً وكذلك أن يكون الداعي مسلماً، فلو دعاك كافر فلا تجب الإجابة، وإذا كان الكافر ممن يحارب الدين فلا تجوز إجابته أصلاً، أو كان مبتدعاً فلا تجوز إجابته، وخصوصاً إذا كان صاحب بدعة كفرية، وكذلك من الشروط التي ذكروها في وجوب الإجابة أن يكون مال الداعي حلالاً، فلو كان ماله من الحرام كرجل يعمل في بنك الربا، أو يأخذ الرشاوى ونحو ذلك فإنه لا يجاب لطعامه. ومن ذلك دعوة أمراء الجور والظلم وقضاة الرشوة، فهؤلاء لا تجب إجابة دعوتهم، بل إذا كان كل مكسبهم من الحرام لا يجوز الأكل من طعامهم أصلاً.

стр. 403

ألا يكون هناك عذر تسقط معه صلاة الجماعة وكذلك يجب الإجابة ما لم يكن هناك عذرٌ شخصي، ما هي ضوابط الأعذار؟ قد اختلفوا فيها، لكن ذكر بعضهم ضابطاً، قالوا: يُعذر في عدم إجابة الوليمة بكل عذرٍ تسقط معه صلاة الجماعة. مثلاً المرض على سبيل المثال، يخشى أن يذهب ماله، أو يتلف من شدة الحر والبرد، والمطر الذي يبل الثوب، أو الاشتغال بتجهيز ميت، أو إطفاء حريق، أو رد جملٍ شارد، أو كان ممن يجب عليه السعي إلى الجمعة، فيسعى إليها، أي: قد يكون هناك دعوة لكن للنساء، وهذا الشخص يجب عليه أن يأتي الجمعة فلا يجيب الوليمة، حتى ولو كان من المحارم مثلاً. وكذلك إذا كان هناك زحامٌ شديدٌ بحيث لا يستطيع الوصول، أو كان شبعان متخماً، وكذلك مما يسقط الوجوب أن يكون عليه حق متعين كأداء شهادة، أو صلاة جنازة، والعبد لا يجب عليه الحضور إلا بإذن سيده، فإذا لم يأذن السيد لم يجز له أن يأتي، وإذا كان الداعي من الذين يطلبون المباهاة والفخر، فإنه أيضاً لا يجاب، ولو كان الداعي سفيهاً، ولم يأذن له وليه بالتصرف، فكذلك لا يجاب. وقال بعضهم: إن القاضي لا يجب عليه الإجابة، لأن الشبهة موجودة في دعوته.

стр. 404

ألا تسبقها دعوة أخرى وكذلك من الأسباب والأعذار التي تُسقط الإجابة ألا تكون مسبوقاً بدعوة أخرى قبلها، فإذا كُنت مسبوقاً بدعوة أخرى قبلها بأن دعاك شخص قبل ذلك، فإنك تجيب الأول، إذا دعا اثنان فصاعداً أجاب الأسبق، وإذا دعوه معاً كأن جاءت البطاقتان إلى بيتك في وقتٍ واحد في اليوم نفسه، فتجيب الأقرب رحماً أو الأقرب داراً لحق الجوار مثلاً. القاعدة إذاً أنك تجيب الأسبق، وقال بعض أهل العلم: إذا دعاه اثنان كل واحدٍ منهما إلى وليمة نفسه، فإن أمكن الجمع بينهما بأن تكون إحداهما عند طلوع الشمس والأخرى بعد ذلك مثلاً أجابهما، وإن لم يمكن الجمع بينهما بأن كانت في وقتٍ واحد أجاب السابق منهما، فإن استويا بالسبق أجاب أقربهما رحماً، فإن استويا في الرحم أجاب أقربهما داراً، والآن مثلاً لو دُعي الإنسان إلى ثلاث أو أربع ولائم لا يمكن أن يجيب، قد يستطيع إجابة وليمتين لكن لا يستطيع إجابة ثلاث: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦].

стр. 405

من مسقطات الوجوب قبول عذرك من الداعي كذلك مما يسقط الوجوب أن يعتذر المدعو ويقبل الداعي العذر، فإن اعتذر له فرضي عن تخلفه، فإنه لا يجب عليه أن يأتي، ولذلك لو كان عند الإنسان مصلحة أو كان عنده شيء أهم، أو أحس بشيء من الكسل والخمول والفتور، أو أراد أن ينام فاتصل بمن دعاه فاعتذر إليه، أو أرسل من يعتذر عليه، فإن وجده قد قبل ورضي رد رسوله إليه رضا الداعي عن عدم الحضور، وبذلك ينتهي الحرج عنه. وكذلك المرأة الأجنبية إذا دعت لا تجب الإجابة، وإذا كانت هناك خلوة أو فتنة فإنه لا يجوز، وليس مما يُسقط الوجوب أن يكون بين الداعي والمدعو عداوة شخصية. وكذلك لا تسقط الإجابة بالصوم، فلو كان صائماً يجيب ويدعو لهم، ولا يشترط أن يُفطر، وإذا أفطر فصام يوماً مكانه إذا كان صوم نفل، فهذا قد جمع بين أمرين حسنين، فله ما فيهما من الأجر والثواب. وعلى الإنسان بعد الطعام أن يخرج من بيت الداعي ولا يمكث فيه حتى لا يثقل على صاحب البيت، كما قال الله: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ [الأحزاب:٥٣] قال ابن كثير ﵀: فإذا فرغتم من الذي دعيتم إليه فخففوا عن أهل المنزل وانتشروا في الأرض.

стр. 406

حكم الإتيان إلى وليمة لم يدع إليها أما إذا أتى الإنسان إلى وليمة لم يدع إليها، فالذي يظهر أن هذا الأمر محرمٌ والله أعلم، من دخل بغير إذن وأكل بغير إذن، فهو كالسارق، ولذلك يحذر العلماء من التطفل والتطفيل، والتطفيل قيل: إنه مأخوذٌ من الطفل، وهو إقبال الليل على النهار بظلمته لأن الطفيلي يدخل على القوم بغير استئذان ولا يدرون من دعاه، وقيل: إنه منسوبٌ إلى طفيل رجل من بني غطفان، كان يأتي الولائم من غير أن يدعى إليها. وكان هذا الأمر مذموماً حتى في الجاهلية، وإذا أراد الإنسان أن يأتي إلى وليمة ويدعو غيره، فإنه يستأذن من صاحب الدعوة، يقول: معي فلان يأتي؟ فإن قال: نعم فيأتي به معه، أو يأتي به، فإن أراد الدخول قال: معي فلان، هل يدخل معنا؟ فإن رضي من غير إحراج فإنه يدخل ويطعم معهم، وقد ذكرنا بعض الأحاديث فيما مضى مما يتعلق بهذا الأمر. ولكن الإنسان يحذر أن يأتي إلى وليمة لم يُدع إليها وأن يكون متطفلاً، وإذا كان لرجلٍ صديق قد تأكدت حرمته به، وثبتت مخالطته له فقد رُخص في إتيان طعامه من غير أن يدعوه إليه، إذا علم أنه يؤثر ذلك، ويشتهيه ولا يكرهه، بل يرغب فيه، قال ذلك الخطيب البغدادي ﵀. إذا كنت تعلم أنه يُسر لو أتيته ولو بغير دعوة، وأن عدم دعوته ليست إلا نسياناً، أو أنه قال: فلان ما يحتاج دعوة لأنه صاحب محل، فهنا يجوز لك أن تأتي من غير دعوة، فهو قد اعتبرك من أصحاب البيت، فيجوز لك أن تأتي بغير دعوة. وأما التلميح بالإتيان عند الحاجة فلا بأس به إن شاء الله، كأن يكون بالشخص جوع فيلمح لرجلٍ أن يدعوه فلا بأس بذلك.

стр. 407

حكم التعريض بالحاجة إلى طعام من غير سؤال وقد جاء ذلك عن أبي هريرة ﵁، وأنه ﵁ كان يسأل بعض الصحابة عن مسائل أحياناً لا لأجل العلم، ولكن لأجل أن يكفوه الجوع، قال أبو هريرة: (كنت ألزم رسول الله ﷺ لشبع بطني، حين لا آكل الخمير ولا ألبس الحرير، ولا يخدمني فلان ولا فلانة، وألصق بطني بالحصى، وأستقرئ الرجل الآية وهي معي كي ينقلب بي فيطعمني) وقال: (إن كنت لأسأل الرجل من أصحاب رسول الله ﷺ عن الآية لأنا أعلم بها منه، لا أسأله إلا ليطعمني شيئاً) لأنه كان يخر من الجوع مغشياً عليه حتى يظن الناس أن به جنوناً - صرعاً- فيجثم الواحد على صدره يقرأ عليه، يريد إخراج الجن وهو ليس به صرع، ما به إلا الجوع ﵁. ولذلك حفظ هذه الآلاف من الأحاديث، قال: (فكنت إذا سألت جعفر بن أبي طالب لا يجيبني حتى يذهب بي إلى منزله، فيقول لامرأته: يا أسماء أطعميه، وإذا أطعمني أجابني، وكان جعفر يحب المساكين ويجلس إليهم ويحدثهم ويحدثونه) ولذلك كان يسمى بـ أبي المساكين ﵁. فالتعريض في مثل هذه الحالة لا بأس به إن شاء الله، لأن ذلك مما يُحتاج إليه عند الحاجة إليه، أما أن يأتي الإنسان بغير دعوة ولا حاجة؛ ويفرض نفسه، فهذا هو المكروه.

стр. 408

من أخبار الطفيليين وقد جاءت الأخبار عن الطفيليين أنهم كانوا يحتالون للدخول. جاء طفيلي إلى عرسٍ فمُنع من الدخول، وكان يعرف أن أخاً للعروس غائباً، فذهب فأخذ ورقة وطواها وختمها وليس في بطنها شيء، وجعل العنوان من الأخ إلى العروس، وجاء فقال: معي كتابٌ من أخ العروس إليها، فأذن له فدخل ودفع إليهم الكتاب، فقالوا: ما رأينا مثل هذا العنوان ليس عليه اسم أحد، فقال: وأعجب من هذا أنه ليس في بطنه حرفٌ واحد، لأنه كان مستعجلاً؛ فضحكوا منه، وعرفوا أنه قد احتال ليدخل. وقيل لـ نوح الطفيلي: كيف تصنع إذا لم يتركوك تدخل إلى عرس؟ قال: أنوح على الباب فيتطيرون مني فيدعونني، وكان بعضهم إذا أراد أن يدخل ذهب إلى باب النساء، فإذا أراد أن يدخل نادوه، وقالوا: من هنا من هنا، فقال: أنا أعتبرها دعوة، وليست سرقة. وأيضاً من الأشياء الظريفة التي ذكرها الخطيب البغدادي ﵀ في كتاب التطفيل قال: عن نصر بن علي أبي عمرو الجهضمي قال: كان لي جار طفيلي، وكان من أحسن الناس منظراً، وأعذبهم منطقاً، وأطيبهم رائحةً، وأجملهم لباساً، فكان من شأنه أني إذا دُعيت إلى مدعاةٍ تبعني، فيكرمه الناس من أجلي، ويظنون أنه صاحبٌ لي، ينتظرني إذا خرجت لدعوة مشى ورائي، والناس يسمحون له بالدخول بناءً على أنه صاحبٌ لي، فاتفق يوماً أن جعفر بن القاسم الهاشمي أمير البصرة أراد أن يختن بعض أولاده، فقلت في نفسي: كأني برسول الأمير قد جاء، وكأني بهذا الرجل قد تبعني، والله لئن تبعني لأفضحنه، فأنا على ذلك إذ جاء رسوله يدعوني، فما زدت أن لبست ثيابي وخرجت، وإذا أنا بالطفيلي واقفٌ على باب داره قد سبقني بالتأهب، فتقدمت وتبعني، فلما دخلنا دار الأمير جلسنا ساعة، ودُعي بالطعام وحضرت الموائد، وكان كل جماعة على مائدة لكثرة الناس، فقُدمت إلى مائدة والطفيلي معي، فلما مد يده وشرع لتناول الطعام قلت: حدثنا رستم بن زياد عن أبان بن طارق عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (من دخل دار قومٍ بغير إذنهم فأكل طعامهم دخل سارقاً وخرج مغيراً) فلما سمع ذلك قال: أنفت لك والله أبا عمرو من هذا الكلام؛ ألا تستحي أن تتكلم بهذا الكلام على مائدة سيد من أطعم الطعام، وتبخل بطعام غيرك على من سواك. ثم لا تستحيي أن تحدث عن رستم بن زياد وهو ضعيف عن أبان بن طارق وهو متروك الحديث تحكم برفعه إلى النبي ﷺ والمسلمون على خلافه؛ لأن حكم السارق القطع وحكم المغير أن يعزر على ما يراه الإمام، وأين أنت من حديثٍ حدثنا أبو عاصم النبيل عن ابن دريد عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : (طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية) وهو إسنادٌ صحيحٌ ومتنٌ صحيح. قال نصر بن علي: فأفحمني فلم يحضرني له جواب، فلما خرجنا من الموضع للانصراف فارقني من جانب الطريق إلى الجانب الآخر بعد أن كان يمشي ورائي، وسمعته يقول: ومن ظن ممن يلاقي الحروب بألا يصاب فقد ظن عجزا وبهذا نكون قد انتهينا من الكلام عن أحكام الوليمة، وما يتيسر من الأحكام والآداب المتعلقة بالوليمة، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد.

стр. 409

صاحب القبر المنفرد إن لصحابة رسول الله ﷺ منزلتهم العظيمة في الأمة الإسلامية، فهم صحابة رسول الله، وحملة الوحي ونقلة الشريعة، ونحن في هذه المادة نعيش مع ثلة منهم في إحدى مواقفهم مع النبي ﷺ ، وهي قصة البئر في حديث أبي موسى الأشعري، وقد ذيلها الشيخ بذكر بعض المسائل المستفادة من الحديث.

стр. 410

وقفات مع حديث البئر الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول لله. أيها الإخوة! السلام عليكم ورحمة الله. وبعد: ففي هذه الليلة نعيش لحظات طيبة إن شاء الله مع ثلة هم أعظم الناس في هذه الأمة، قصة من قصص الصحابة مع نبيهم ﷺ .

стр. 411

نص الحديث وروايته يرويها لنا أبو موسى الأشعري ﵁: (أنه توضأ في بيته، ثم خرج، فقلت: لألزمن رسول الله ﷺ ولأكونن معه يومي هذا، قال: فجاء المسجد، فسأل عن النبي ﷺ ، فقالوا: خرج ووجهه هنا، فخرجت على إثره أسأل عنه حتى دخل بئر أريس، فجلست عند الباب وبابها من جريد، حتى قضى رسول الله ﷺ حاجته وتوضأ، فقمت إليه، فإذا هو جالس على بئر أريس، وتوسط قفها، وكشف عن ساقيه ودلاهما في البئر، فسلمت عليه ثم انصرفت، فجلست عند الباب، فقلت: لأكونن بواب رسول الله ﷺ اليوم، فجاء أبو بكر فدفع الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: أبو بكر، فقلت: على رسلك، ثم ذهبت فقلت: يا رسول الله! هذا أبو بكر يستأذن، فقال: ائذن له وبشره بالجنة، فأقبلت حتى قلت لـ أبي بكر: ادخل، ورسول الله ﷺ يبشرك بالجنة، فدخل أبو بكر فجلس عن يمين رسول الله ﷺ معه في القف ودلى رجليه في البئر كما صنع النبي ﷺ وكشف عن ساقيه، ثم رجعت فجلست وقد تركت أخي يتوضأ ويلحقني، فقلت: إن يرد الله بفلان خيراً -يريد أخاه- يأت به، فإذا إنسان يحرك الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: عمر بن الخطاب، فقلت: على رسلك، ثم جئت إلى رسول الله ﷺ ، فسلمت عليه فقلت: هذا عمر بن الخطاب يستأذن، فقال: ائذن له وبشره بالجنة، فجئت، فقلت: ادخل، وبشرك رسول الله ﷺ بالجنة، فدخل فجلس مع رسول الله ﷺ في القف عن يساره ودلى رجليه في البئر. ثم رجعت فجلست، فقلت: إن يرد الله بفلان خيراً يأت به -يعني: أخاه- فجاء إنسان يحرك الباب، فقلت: من هذا فقال: عثمان بن عفان، فقلت: على رسلك، فجئت رسول الله ﷺ فأخبرته، فقال: ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه، فجئته، فقلت له: ادخل، يبشرك رسول الله ﷺ بالجنة على بلوى تصيبك، فدخل، فوجد القف قد ملئ فجلس وجاهه من الشق الآخر). قال شريك بن عبد الله: قال سعيد بن المسيب؛ راوي الحديث عن أبي موسى: [فأولتها قبورهم] رواه البخاري. وفي رواية له أيضاً عن أبي موسى قال: (كنت مع النبي ﷺ في حائط من حيطان المدينة فجاء رجل فاستفتح، فقال النبي ﷺ : افتح له وبشره بالجنة، ففتحت له، فإذا أبو بكر، فبشرته بما قال النبي ﷺ ، فحمد الله، ثم جاء رجل فاستفتح، فقال النبي ﷺ : افتح له وبشره بالجنة، ففتحت له، فإذا هو عمر، فأخبرته بما قال النبي ﷺ ، فحمد الله، ثم استفتح رجل، فقال لي: افتح له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه، فإذا عثمان، فأخبرته بما قال رسول الله ﷺ ، فحمد الله، ثم قال: الله المستعان!) رواه البخاري أيضاً. وفي رواية له أيضاً عن أبي موسى: (أن النبي ﷺ دخل حائطاً وأمرني بحفظ باب الحائط، فجاء رجل يستأذن -وذكر القصة إلى أن بشر عمر - ثم جاء آخر يستأذن، فسكت هنيهة أي: النبي ﷺ -هذه المرة سكت هنيهة لما جاء عثمان - ثم قال: ائذن له وبشره بالجنة على بلوى ستصيبه) وفي رواية: (أن النبي ﷺ كان قاعداً في مكان فيه ماء قد كشف عن ركبتيه أو ركبته، فلما دخل عثمان غطاهما). هذه الروايات كلها قد رواها الإمام البخاري رحمه الله تعالى. وقد روى هذا الحديث الإمام مسلم عن أبي موسى قال: (خرجت أريد رسول الله ﷺ فوجدته قد سلك في الأموال فتبعته، فوجدته قد دخل مالاً- أي: بستاناً- فجلس في القف وكشف عن ساقيه ودلاهما في البئر) الحديث، وفي رواية لـ مسلم أيضاً قال ابن المسيب: [فتأولت ذلك قبورهم اجتمعت هاهنا وانفرد عثمان]. وقد روى الحديث أيضاً الإمام أحمد ﵀ عن أبي موسى الأشعري، قال: (كنت مع النبي ﷺ في حائط، فجاء رجل فسلم، فقال النبي ﷺ : اذهب فائذن له وبشره بالجنة، فذهبت، فإذا هو أبو بكر ﵁، فقلت: ادخل وأبشر بالجنة، فما زال يحمد الله حتى جلس، ثم جاء آخر فسلم، فقال: ائذن له وبشره بالجنة، فانطلقت، فإذا هو عمر بن الخطاب ﵁، فقلت: ادخل وأبشر بالجنة، فما زال يحمد الله حتى جلس، ثم جاء آخر فسلم، فقال: اذهب فائذن له وبشره بالجنة على بلوى شديدة، قال: فانطلقت فإذا هو عثمان، فقلت: ادخل وأبشر بالجنة على بلوى شديدة، قال: فجعل يقول: اللهم صبراً حتى جلس).

стр. 412

شرح ألفاظ حديث البئر ومعانيها قوله في الحديث: (إنه- أي: أبو موسى الأشعري ﵁ توضأ في بيته ثم خرج) يتوضأ الإنسان في بيته، ثم يخرج، فلعله يصادف وقت صلاة، ولعله يذهب إلى مجلس علم، فوضوؤه قبل خروجه من بيته خير، وقد نوى عند خروجه من البيت أن يلزم النبي ﷺ ، فسأل عنه، فقالوا: خرج ووجهه هاهنا، يعني: توجه إلى هذه الجهة، وقوله في الرواية: (حتى دخل بئر أريس) هذا بستان معروف بـ المدينة بالقرب من قباء، وفي بئر أريس في هذا البستان سقط خاتم النبي ﷺ من إصبع عثمان؛ لأن خاتم النبي ﷺ كان عند الخلفاء، فلما صار الخاتم إلى عثمان ذهب عثمان إلى هذا البئر مرة فوقع منه الخاتم في البئر، ثم لم يعثر عليه. قوله في الحديث: إن النبي ﷺ لما جاء إلى البئر توسط قفها، القف: هو المكان المرتفع الذي يجعل حول البئر، وفي رواية مسلم: (بينا رسول الله ﷺ في حائط من حوائط المدينة، وهو متكئ ينكت بعود معه بين الطين والماء) فجلس على هذا القف ومعه عود ينكت به بين الطين والماء، قال أبو موسى الأشعري: (لأكونن بواباً للنبي ﷺ وجاء في رواية:) (ولم يأمرني) وجاء في رواية: (أن النبي ﷺ أمره بحفظ باب الحائط) وفي رواية قال: (يا أبا موسى أملك عليَّ الباب) فكيف نجمع بين هذه الروايات؟ رواية يقول فيها: (لأكونن بواباً للنبي ﷺ ولم يأمرني) وفي رواية أنه ﵊ قال له: (يا أبا موسى! أملك عليَّ الباب فلا يدخلن عليَّ أحد) كيف نجمع بين هذه الروايات؟ أنه لما جاء بنية أن يحرس النبي ﷺ من دون أمر -تطوع من عنده- فلما رآه النبي ﷺ أمره بالشيء الذي قد جاء من أجله، هو جاء ليحرس من دون أمر، فلما جاء النبي ﷺ أمره، فصادف الأمر النبوي رغبة مسبقة عند أبي موسى الأشعري. هل يعارض هذا حديث أنس ﵁: (أن النبي ﷺ لم يكن له بواب)؟ الجواب لا يعارض؛ لأن عدم البواب هو الأصل وهذا شيء طارئ، لما مر النبي بقبر ووجد عنده امرأة تبكي، فقال: (اتقي الله واصبري، فقالت: إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي، فتركها ﵊ ومشى، فقيل لها: إنه رسول الله ﷺ ، فأخذها مثل الموت- يعني: من الرعب، كيف ردت عليه، وهي لم تنتبه أنه النبي ﷺ فجاءت إلى بابه فلم تجد عنده بوابين- وهذا موضع الشاهد- فاعتذرت، فقال النبي ﷺ : إنما الصبر عند الصدمة الأولى) حديث صحيح. فالنبي ﷺ لم يكن عنده بوابون، وفي هذا الحديث أنه أمر أبا موسى أن يكون بواباً على هذا البستان في هذه المرة، وقد أمره النبي ﷺ أن يكون بواباً قدر ما يقضي حاجته ويتوضأ، حتى لا يدخل عليه أحد وهو يقضي حاجته، ثم إنه استمر أبو موسى في الحراسة من تلقاء نفسه، فجاء أبو بكر فدفع الباب، ولا نتصور أنه دفع الباب من غير استئذان، لأن الروايات تفسر بعضها بعضاً، فقد جاء في رواية أخرى قوله: (فجاء رجل يستأذن) وفي رواية: (فجاء رجل فحرك الباب يستأذن) فالنبي ﷺ أذن له وبشره بالجنة. لما رأى ذلك أبو موسى، ثم في عمر رأى ذلك أيضاً، كان أبو موسى الأشعري قد ترك أخاً له يتوضأ ليلحق به، ترك في بيته أخاً له يتوضأ ويلحق به، وقد كان ل أبي موسى أخوان: أبو رهم، وأبو بردة، وأشهرهم أبو بردة واسمه عامر، قال: فإذا إنسان يحرك الباب وهذا هو الاستئذان، والله قد قال: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور:٢٧] فجاء رجل واستفتح؛ فإذاً حركه مستأذناً لا دافعاً له ليدخل بغير إذن، فإن الصديق والفاروق لا يمكن أن يفعلا ذلك. ثم جاء عثمان، فقلت: على رسلك، وذهب يستأذن له، فالنبي ﷺ سكت هنيهة، يعني: قليلاً، ثم بشره بالجنة على بلوى تصيبه، فقال عثمان: الله المستعان! وقال أيضاً: اللهم صبراً. وهذه البلوى التي أخبر بها ﷺ هي ما أصاب عثمان في آخر خلافته من الشهادة يوم الدار، وثوران المنافقين عليه، وقد جاء عن ابن عمر في حديث صحيح رواه الإمام أحمد وقال ابن حجر: إسناده صحيح: (ذكر رسول الله ﷺ فتنة، فمر رجل فقال ﵊: يقتل فيها هذا يومئذٍ ظلماً) النبي ﷺ يتحدث عن فتنة، ومر رجل، فأشار ﵊ على الرجل المار، وقال: (يقتل فيها- في تلك الفتنة- هذا- الشخص المار- يومئذٍ ظلماً، قال ابن عمر: فنظرت فإذا هو عثمان). وهذه الفتنة المشهورة التي ألبها وأوقد نارها عبد الله بن سبأ اليهودي، الذي تنقل في البلدان يؤلب الناس على عثمان ويحرك الطغام، ويحرك الدهماء والسفهاء، ويحرك المنافقين على عثمان ﵁، ويقول: حرق المصاحف وأبقى مصحفه، ووظف أقاربه واستعملهم، وفعل وفعل، فاجتمع خلق من هؤلاء المنافقين وساروا إلى المدينة وتسلحوا واقتحموا المدينة وعاثوا فيها فساداً وتسوروا دار عثمان يريدون اقتحامه، وكان الصحابة قد حرسوا دار عثمان، ولكن عثمان ﵁ أصدر الأمر للصحابة بأن لا يحرسوه، ولا يقاتلوا دونه وينصرفوا. أراد عثمان ﵁ أن يفتدي بدمه، حتى لا يحصل قتال بين الصحابة وبين هؤلاء الثوار، فلما أمرهم وهو الخليفة، وكان لزاماً عليهم أن يطيعوه، اقتحم داره هؤلاء، وكان عثمان ﵁ قد نشر مصحفه يقرأ، فضربوه بالسيف فوقع على يد امرأته نائلة فقطع أصابعها، ثم ضربوه بالسيف وهو يقرأ القرآن. ضحوا بأشمط عنوان السجود به يقطع الليل تسبيحاً وقرآنا فقتل عثمان ﵁ مظلوماً وذهب شهيداً إلى ربه، ولو قال قائل: لماذا لم يتنازل عثمان عن الخلافة ما دام أنهم يريدون خلعه؟ فالجواب: أن النبي ﷺ كان قد أوصى عثمان بوصية وهي: (إن الله مقمصك قميصاً، فإن أرداك المنافقون على خلعه فلا تخلعه) هذه وصية نبوية لـ عثمان ﵁ قبل أن يموت، فـ عثمان ﵁ كان يتصرف ويتحرك بناءً على أمر النبي ﷺ : (لا تخلعه) وهكذا حدث وصارت البلوى الشديدة التي أصابت عثمان ﵁. قال سعيد بن المسيب راوي الحديث: [فأولتها قبورهم] هذا يدل على أن التأويل يقع في اليقظة أيضاً، وهو الذي يسمى الفراسة، الفراسة: التأويل الذي في اليقظة، ما هو قصد سعيد بن المسيب ﵁؟ الآن النبي ﷺ جلس على دكة البئر على القف، وجلس عمر وأبو بكر عن جانبيه وعثمان ﵁ جلس على الجهة الأخرى؛ لأن المكان قد امتلأ. سعيد بن المسيب قال: [أولتها قبورهم، أولت جلوسهم في الحديث هذا، مآلهم في القبور الذي صاروا عليه بعد ذلك، فإن القبور الثلاثة للنبي ﷺ وصاحبيه متجاورة، أما قبر عثمان، فهو بـ البقيع منفصل، والقبور الثلاثة في حجرة عائشة. ] إذاً: كان جلوسهم على حافة البئر متجاورين وعثمان في الطرف الآخر، قال: فأولتها قبورهم أي: اجتمعوا في الدفن وانفرد عثمان في البقيع، وفي رواية سعيد: [فأولت ذلك انتباه قبره من قبورهم] وفي رواية: [اجتمعت هاهنا وانفرد عثمان]. وقد جاء خبر رواه أبو نعيم عن عائشة في صفة قبور الثلاثة أن أبا بكر عن يمينه وعمر عن يساره، لو كان هذا ثبت كان فيه تمام التشبيه، قبورهم متجاورة، قبر أبي بكر عن اليمين، وقبر عمر عن الشمال، ولكن هذا ليس بثابت، والسند ضعيف، وقد عارضه ما هو أصح منه وهو ما أخرجه أبو داود من طريق القاسم بن محمد، قال: قلت لـ عائشة: يا أماه! اكشفي لي عن قبر رسول الله ﷺ وصاحبيه، فكشفت لي الحديث، وفيه: فرأيت رسول الله ﷺ يعني قبره، فإذا أبو بكر رأسه بين كتفيه، وعمر رأسه عند رجلي النبي ﷺ .

стр. 413

ما يستفاد من حديث البئر

стр. 414

شدة حياء عثمان ﵁ وفي هذا الحديث قوله: (أن النبي ﷺ كان قاعداً في مكان فيه ماء قد كشف عن ركبته، فلما دخل عثمان غطّاها) وورد حديث آخر مشابه عن عائشة ﵂: (كان رسول الله مضطجعاً في بيته كاشفاً عن فخذيه، أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على تلك الحال، وفي الحديث: ثم دخل عثمان، قالت: ثم دخل عثمان فاستويت وغطيت، قال رسول الله ﷺ : ألا استحيي من رجل تستحيي منه الملائكة) وفي رواية لـ مسلم: (إن عثمان رجل حيي، وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحالة لا يبلغ إلي في حاجته) يعني: يأتي إلي فيراني على هذه الحال فيستحي وينصرف، ولذلك غطيت حتى لا يستحي عثمان وينصرف بدون أن يبلغني حاجته، أي: حتى يتكلم عثمان ويأخذ راحته في الكلام والحديث، ويفضي إلي بما يريد. وهاتان قصتان، لأن مخرج الحديثين مختلف كما قال الحافظ ابن حجر ﵀، فلا مانع أن يتفق للنبي ﷺ في واقعتين أن يدخل عليه عثمان وقد كشف عن ساقيه فيغطيهما، في هذه الحالة وفي هذه الحالة.

стр. 415

إمساك العصا والاعتماد عليها عند الكلام وقوله في الحديث: (إنه كان مع النبي ﷺ في يده عود يضرب به بين الماء والطين) كان معه عود يضرب به بين الماء والطين فجاء رجل يستفتح، قال ابن بطال ﵀: من عادة العرب إمساك العصا والاعتماد عليها عند الكلام وغيره، وقد عاب ذلك عليهم بعض من يتعصب للعجم، وفي استعمال النبي ﷺ لها الحجة البالغة، إذاً لو أن إنساناً متحدثاً أو خطيباً أمسك عصا بيده واتكأ عليها أو ضرب بها، فإنه لا حرج عليه مطلقاً في ذلك، ولا يقال: هذا من العبث، لأن النبي ﷺ قد فعله، فلا يعد هذا من العبث المذموم، إنما ذلك يقع من العاقل عند التفكر في الشيء، ثم إن هذا استعمال لا يضر، بخلاف من يتفكر وفي يده سكين مثلاً فيستعملها في خشبة غيره. وفرق بين من يأخذ عصا أو يعتمد على عصا أو يطرق بها، وبين من يكون بيده سكين فيفكر وهو يخرب في خشبة غيره، فهذا من العبث المذموم.

стр. 416

بيان فضل هؤلاء الصحابة وكذلك فإن في هذا الحديث فضيلة لهؤلاء الثلاثة، وأنهم من أهل الجنة، وكذلك فضيلة لـ أبي موسى ﵁ لأنه حرس النبي ﷺ . وفي الحديث أيضاً: جواز الثناء على الإنسان في وجهه إذا أمنت عليه فتنة الإعجاب، لأنك لو أثنيت على رجل في وجهه، وكان لا يؤمن عليه يصيبه العجب، فإذا أصابه العجب هلك واغتر وترك العلم، ورأى نفسه شيئاً عظيماً، الأصل المدح في الوجه منهي عنه، فإذا أمنت الفتنة على الشخص، فإنه لا بأس أن يمدح خصوصاً إذا كان هناك مصلحة، كأن يكون مدحه مدعاة لاقتداء الآخرين به.

стр. 417

معجزة النبي ﷺ بإخباره عن الفتنة وكذلك في هذا الحديث معجزة ظاهرة للنبي ﷺ ، وهي إخباره عن الغيب قبل وقوعه في البلوى التي أصابت عثمان، وهذه هي التي رأيناها وحصلت في الواقع أمامنا وأمام الناس وهي البلوى، رأوا فعلاً البلوى الشديدة التي أصابت عثمان ﵁، وأيضاً من جهة أن الثلاثة الآخرين يستمرون على الهدى إلى الموت، لا ينحرف منهم أحد ولا يزيغ، وقد استمر الثلاثة على الهدى إلى أن ماتوا ﵃.

стр. 418

ما يقال عند المصيبة وفي الحديث أن الإنسان إذا أخبر عن مواجهة شيء شديد يقول: الله المستعان، وهي كلمة تقال عندما يخبر الإنسان أنه يواجه أمراً شديداً، فيقول: الله المستعان، أي: الله الذي أستعين به وأطلب منه العون على مواجهة ما سيصيبني. وكذلك من الفوائد في هذا الحديث: حياء عثمان ﵁، فإنه كان من حيائه شدة لا يكشف عورته حتى عند الاغتسال، وكان يغتسل وعليه إزاره ﵁، ولا يكاد يرى شيء من جلده ﵁ من شدة حيائه. والحياء خير كله، وهو الذي أخبر عنه النبي ﷺ عن عالم الغيب أن الملائكة تستحي منه.

стр. 419

البشارة بالخير ثم في هذا الحديث: بشارة الشخص بالخبر السار، فإذا حصل لإنسان خبر سار، فمن السنة أن تبشره بذلك، كما فعل النبي ﷺ وأمر أبا موسى أن يبشر هؤلاء الثلاثة. وفي هذا الحديث أيضاً: محبة الإنسان الخير لأخيه، فإن أبا موسى لما رأى التبشير بالجنة، ماذا تمنى في الحال واللحظة؟ تمنى أن أخاه يأتي الآن ليبشر مع هؤلاء،، ولذلك فإن المسلم يحب لأخيه الشقيق أو لأخيه من أبويه أو من أحدهما الخير، ولا يعلم أحد أعظم منة على أخيه من موسى على هارون، فإنه لا زال يدعو ربه، ويقول: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً * وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً﴾ [طه:٢٩ - ٣٤] واستجاب الله دعاء موسى: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي﴾ [طه:٢٩] وهذا من إرادة الخير للأخ، وموسى دعا ربه حتى أعطي ما سأل وصار هارون نبياً معه، فلا يعلم أحد أعظم منة من موسى على هارون من شقيق على شقيقه؛ لأن بعض الناس الآن ربما يكون بينه وبين أخيه حقد وحسد وبغضاء، وعداوة وتنافس، ومشاجرات ومخاصمات، وكثير الإخوان اليوم تقطعت بهم الأحوال، وتقطعت بهم العلاقات وعاب بعضهم على بعض مع أنهم أشقاء من رحم واحد، وأعرف حالة من هذه الحالات، مجموعة إخوان فرق بينهم الحال، تنافسوا فيه وتخاصموا عليه في مؤسسة مالية، فصار يلعن بعضهم بعضاً ويسب بعضهم بعضاً، ويداعي بعضهم في المحاكم وعند القضاة، وسيرتهم تلوكها ألسنة الناس، وكل واحد يدعو على الآخر بالفقر وبالشلل وبالمرض وباللعن، وواحد ذهب في رمضان هذا إلى مكة عمرة ليدعو على أخيه عند باب الكعبة، ورجع وقال: ودعوت عليه عند باب الكعبة، يذهب مشواراً إلى مكة في رمضان لعبادة جليلة وهي العمرة التي تعدل حجة ليدعو عند باب الكعبة على أخيه وشقيقه من أبيه وأمه، وما سبب ذلك إلا الأموال التي فرقت بينهم، وهذا أبو موسى الأشعري يحترق من الداخل ويغلي، ويقول: وقد تركت أخي يتوضأ ويلحقني، وقلت: إن يرد الله بفلان خيراً يأت به، ويريده أن يأتي، ويتمنى أن يأتي ليدرك أخاه بشارة يسعد بها يوم الدين. لكن هؤلاء يتقاطعون يتدابرون، ويتهاجرون ويتحاسدون ويتباغضون، مع أنهم إخوة وأشقاء، فنسأل الله العافية، والله يا إخوان إن هذه من كبار المصائب، أن يتفكك البيت الواحد ويتشقق ويصبح أهله وأعضاؤه وأفراده أعداءً.

стр. 420

حماية أهل العلم والفضل وفي هذا الحديث كذلك: حماية أهل العلم والفضل، وحراستهم والمحافظة عليهم، ولذلك فإن أبا موسى الأشعري ﵁ تقرب إلى الله، خرج من بيته ناوياً لعبادة يتقرب بها إلى الله وهي أن يلزم النبي ﷺ ويكون معه ويحرسه ويخدمه، وهذا من فضله ﵁، وأبو موسى الأشعري صاحب الصوت الحسن بالقرآن. وكذلك في هذا الحديث: كيف كان أبو بكر وعمر مع النبي ﷺ في حياته وبعد الموت، كانوا قرناء، يقول الصحابي: كثيراً ما أسمع: جاء أبو بكر وعمر، ذهب أبو بكر وعمر مع النبي ﷺ ، جاء رسول الله وأبو بكر وعمر، ذهب رسول الله وأبو بكر وعمر، الرسول ﷺ وأبو بكر وعمر يذهبون، أخرجهم الجوع معاً، وكانوا في المعارك معاً، أبو بكر وعمر والنبي ﷺ الذين أخرجهم الجوع دفنوا معاً متجاورين، قبورهم متجاورة، وكلهم أعمارهم ثلاثة وستون سنة، النبي ﷺ ثلاثة وستين سنة، وأبو بكر الصديق ثلاثة وستين سنة، وعمر ثلاثة وستين سنة، وقبورهم متجاورة، وهما وزيراه في حياته، وجاوراه بعد مماته، وأفضل الناس بعده، ورفقاؤه في الجنة، فهؤلاء الأفاضل ﵃. وكذلك في هذا الحديث البلوى التي أصابت عثمان ﵁ فرفع الله بها منزلته، فإن عثمان ولي من أولياء الله، فكانت البلوى هذه رفعاً لدرجاته، وكانت شهادة له عند ربه، وهكذا بقي على العهد الذي عهد به إليه ﷺ وهذه البلوى التي تصيبه، وكانت تلك الشهادة التي ختم له بها ﵁ وأرضاه. وفي هذا الحديث حمد الله على النعمة، فإنه في الحديث لما بُشِّر أبو بكر الصديق وعمر حمد الله حتى جلس، يحمد الله ليس مرة، بل كرر الحمد حتى جلس بجانب النبي ﷺ .

стр. 421

اجتماع الأخيار وفيه اجتماع الأخيار معاً، وأن الله إذا بعث نبياً جعل له بطانة خير تأمره بالخير وتعينه على الخير، وهؤلاء بطانة النبي ﷺ أبو بكر وعمر وعثمان الذين لعنهم أهل البدع وسبوهم، ولا زالوا يقولون: تبت يدا أبي بكر وتب، تبت يدا عمر وتب، تبت يدا عثمان وتب، سبعين آية يسبون فيها سبعين من صحابة النبي ﷺ ، ويقولون بعد الصلاة ذكر خاص: دعاء لعن صنمي قريش، يقصدون أبا بكر وعمر، ففي هذا الحديث تذكير لنا بفضل هؤلاء ونجاسة الذين يسبونهم، وبغضنا وكراهيتنا لمن يسب الشيخين وعثمان رضي الله عن الجميع.

стр. 422

فراسة سعيد بن المسيب وفي الحديث أيضاً: فراسة سعيد بن المسيب الذي ربط بين الحديث وبين القبور، وهذا ربما لا يخطر ببال أي شخص، لكن الذي رزقه الله بصيرة يربط بين الأحاديث وبين الواقع، فانظر كيف ربط سعيد بن المسيب بين الحديث وبين الواقع، خطر بباله الحديث وأول هذه القصة بالقبور الموجودة، الحديث هذا يدل على أن السلف يستحضرون الأحاديث، وعندما يتفكرون في الواقع تقفز إلى أذهانهم الأحاديث الموجودة في أذهانهم، الحديث من الأحاديث، والدليل من الأدلة، والنص من النصوص المحفوظة، فيربط بين الواقع والحديث، وهذا الربط بين الواقع والحديث لا يؤتاه إلا من أعطاه الله بصيرة. هذا سعيد بن المسيب ربط بين الواقع والحديث ربطاً واضحاً، ولذلك ابن حجر ﵀ ذكر فراسته وتأويله للواقع في اليقظة. نسأل الله أن يجمعنا بهم في جنات النعيم، وأن يرزقنا شفاعة النبي الأمين محمد ﵊، والله تعالى أعلم.

стр. 423

الأسئلة

стр. 424

معنى قوله تعالى: (وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ) السؤال نريد شرحاً لآخر سورة الماعون؟ الجواب ﴿ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون:٧] الماعون هو القِدْر والفأس ونحو ذلك من الآلات التي تستخدم في البيت أو في الطبخ، أو كسر الحطب ونحو ذلك، فذم الله تعالى المرائين الذين يمنعون الماعون، فلا يعيرونه لمن يحتاجونه من جيرانهم ونحوهم من المسلمين، فهم من الأنانية والبخل والشح لا يعيرون أغراضهم للآخرين. نعم. إن الإنسان لا يلزم أن يعير أغراضه لمن يعلم أنه لا يعتني بها، أي: قد يكسرها ويحطمها ويعبث بها، لكن إذا كان يعلم أن جاره أمين، أو أن أخاه المسلم أمين، ويحتاج إلى هذا الشيء، فإنه يعيره إياه، لأن الله توعد الذين لا يعيرون المحتاج: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون:٧] إذاً إذا علمت أنه صاحب أمانة وعناية، فلا تمنعه ما يريد استعارته.

стр. 425

حكم التخلف عن العمل بحجة العبادة السؤال أحد الإخوة في العمل يبقى في المصلى يقرأ القرآن بعد الصلاة خارج المكتب، ويقول: لا يوجد لدي عمل أقوم به، ولا يستطيع قراءة القرآن لما يحدث من إزعاج من الزملاء؟ الجواب إذا كان عمله يتطلب أن يوجد في مكان العمل وفي المكتب، فلا يجوز له أن يخرج خارجه، وإذا كان لا يتطلب ذلك يجوز له أن يقعد في هذا المكان، ولا يبرر قيامه بالعبادة تغيبه عن العمل، فيجب عليه أن يكون حاضراً موجوداً في مكان العمل، فإذا لم يوجد عمل استأذن أن يكون في هذا المكان حتى إذا جاء عمل نادوه وطلبوه، ليعرفوا مكانه.
следующие страницы →