Полный текст (7 040 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
البصيرة
ومن أعمال القلب أيضاً البصيرة، والبصيرة هي النظر في الواقع من خلال النور الذي يقذفه الله في قلوب من يشاء من عباده، فإذا قذف الله نوره في قلب عبدٍ مؤمن، فإنه يرى ما أخبرت به الرسل كأنه رأي عين: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف:١٠٨] فلا أدعو على جهل ولا غفلة، بل أدعو إلى الله على بصيرة، ولا أدعو من منطلقات غيري ومبادئ غيري، بل أدعو إلى الله على بصيرة من ربي: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦].
البصيرة بالضبط هي معرفة الحق، تمر بالمسلمين مسائل كثيرة -خصوصاً في أوقات الشدة والمحنة- لا يدرون أين الحق فيها، يضطربون من قائلٍ يقول: هذا هو الحق، ومن قائلٍ يقول: هذا العالِم هو الذي معه الحق، وآخر يقول: هذه الفتوى هي الفتوى الصحيحة، وثالث يقول: الرأي هذا هو الرأي الصواب.
يضطرب الناس ويموجون ويختلطون، لكن أين الحق؟ من الذي يدلك على الحق؟ البصيرة.
стр. 352
من أين تأتي البصيرة ؟
أيها الأخوة: البصيرة التي تأتي بالتفقه بالدين، والتي تأتي بعبادة الله، البصيرة التي تأتي بالإقبال على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، الذي يقوم بهذه الأعمال يقذف الله في قلبه نوراً يعرف به الحق من الباطل.
ولذلك عندما تختلط عليك الأمور فراجع قلبك؛ لأن معناه أن البصيرة فيها خلل.
إذا غبشت عندك الصورة في محنة فلم تدر أين الحق، وتقول: أرى أناساً يقولون كذا، وأناساً يقولون كذا، وأسمع من هذا، ومن مصدرٍ آخر أين الحق؟ ما هو الحق؟ ما هو الصواب؟ إذا اختلفت الأمور فراجع قلبك.
ولذلك كان شيخ الإسلام ﵀ يقول: يا معلم إبراهيم علمني، ويا مفهم سليمان فهمني، يلجأ إلى الله بالدعاء، حتى يكشف له الحق: (اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراطٍ مستقيم).
стр. 353
فائدة البصيرة
إذا كان عندك بصيرة، فإن أي حدث يحدث سيكون عندك فيه وضوح رؤية، حتى في الأحكام الشرعية والفتاوى الفقهية، إذا ما تبينت لك المسألة فالجأ إلى الله وقل: يا معلم إبراهيم! علمني، ويا مفهم سليمان! فهمني، وقبل ذلك قل هذا الدعاء الذي كان ﷺ يقوم الليل ويدعو به: (اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك) لماذا نحن نتخبط ونلجأ إلى هذا وهذا، وننسى شيئاً مهماً جداً وهو اللجوء إلى الله؟ ولذلك أيها الأخوة! البصيرة تقتضي كما ذكرنا عبادة، وتقتضي تفقهاً في الدين، ولذلك أنا أنصح كل أخٍ اختلط عليه حكم مسألة من المسائل وأقول له: ابحث فيها بنفسك، افترض أنك تريد معرفة حكم شرعي، في مسألة فقهية، فارجع إلى كتب العلم، انظر ماذا قال أهل العلم في هذه المسألة، وما هي الأدلة، أليس عيباً أن كثيراً من الشباب يضطربون في مسائل فقهية من الواقع الحادث ويقولون: لا ندري هل هذا الحق أو هذا، هذه الفتوى صح أم خطأ، وبين أيديهم كتب ومراجع يستطيعون الرجوع إليها وبحث المسائل فيها؟! لكن نحن تعودنا على الكسل نقول: نريد كل شيء يأتي إلينا جاهزاً، نحن ما عندنا استعداد للبحث، ووالله لو قرأنا وتفقهنا لعرفنا، فيمكن ذلك بقراءة وتفقه، وبمناقشة أهل العلم، ودعاء لله وإخلاص له وتضرع، بهذه كلها نصل إلى الحق.
стр. 354
الاعتبار بالواقع
ومن أعمال القلوب: الاعتبار، الاعتبار: أخذ العبرة من الواقع: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْأِنْسَانُ كَفُوراً * أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً * أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً﴾ [الإسراء:٦٧ - ٦٩].
الآن -أيها الأخوة- إذا حدثت شدة، أو أزمة، المفروض أن نعتبر ومعنى نعتبر أي: أن تحملنا مصيبة غيرنا -مثلاً- على سلوك السبيل السوي، أو تحملنا المصيبة التي وقعت بنا نحن على تعديل مسلكنا ومنهجنا.
يا أخي! أنت تعيش في بلد فحصلت عليك مصيبة، ما هو المفروض عليك؟ عليك أن تعتبر فتتوب إلى الله، وتغير طريقتك، وكذلك جيرانك: واحد نزلت به مصيبة، ماذا ينبغي عليه؟ أن يعتبر فيما نزل به، يتعظ بما نزل به، ويأوي إلى الله، يرجع يتوب ينيب، وماذا ينبغي على جيرانه من حوله؟ ينبغي عليهم أن يعتبروا بمصابه هو، فيقولون: نخشى أن يصيبنا ما أصابهم، فيتوبوا إلى الله هم أيضاً.
стр. 355
الله جل وعلا يأمرنا بالاعتبار من واقعنا
وهذه الآيات مهمة بالنسبة للذين لا يعتبرون: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٦٧] لا أحد أبداً تدعونه إلا الله ، ﴿ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْأِنْسَانُ كَفُوراً﴾ [الإسراء٦٧].
انظر الآن إلى المناقشة: أنت يا أيها الذي نجوت الآن من البحر!! يا أيها الناجون الذين أشركوا وأعرضوا بعد نجاتهم -بدلاً من أن يقابلوا نعمة النجاة بشكرٍ لها؛ من الإقبال على الله وترك المعاصي أعرضوا- أنتم أيها المعرضون بعد النجاة: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ﴾ [الإسراء:٦٨] هل إذا رجعت إلى البر لا يستطيع الله أن يخسف بك البر؟! ويزلزل بك الأرض؟ بل يستطيع ، فهو على كل شيء قدير: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام٦٥] ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ﴾ [الإسراء:٦٨] أنتم الذين نجوتم وأشركتم، بعد أن خرجتم إلى اليابسة، وقلتم الآن وصلنا إلى بر الأمان، أتضمن ألا يخسف بك جانب البر: ﴿أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ [الإسراء٦٨] مطر فيه حجارة: ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً﴾ [الإسراء٦٨].
سبحان الله العظيم! ربنا عندما يناقش هؤلاء الناس فإن المناقشة في الصميم، لكن المشكلة عدم وجود الذي يعتبر ويفهم؟ ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى﴾ [الإسراء:٦٩] أي: هل لن تركب البحر أبداً؟ ألن تعرض لك حاجة وتركب البحر مرة ثانية؟! ممكن: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ﴾ [الإسراء:٦٩] إي والله قد يرجعك مرة ثانية في البحر، لكن هذه المرة يرسل عليك قاصفاً من الريح، فيهدم صواري السفن، ويغرق المراكب ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً﴾ [الاسراء:٦٩] أي: لا تجدوا أحداً يأخذ بثأركم.
ولذلك هناك أناس اعتبروا من هذه المواقف، وإليكم مثالاً على ذلك:
стр. 356
عكرمة بن أبي جهل واعتباره عند ركوب البحر
عكرمة بن أبي جهل صحابيٌ جليل كان كافراً وعدواً لله، ومن صناديد قريش الصادين عن دين الله، ابن عدو الله، لكن أراد الله به خيراً.
كيف؟ لما فتح رسول الله ﷺ مكة هرب عكرمة فاراً من رسول الله ﷺ فركب في البحر ليدخل الحبشة، فجاءتهم ريحٌ عاصف هو ومن معه في البحر، فقال القوم بعضهم لبعض: إنه لا يغني عنكم إلا أن تدعوا الله وحده -انظر سبحان الله! هؤلاء مشركون- هؤلاء المشركون يقول بعضهم لبعض: إنه لن يغني عنكم شيئاً إلا أن تدعوا الله وحده، مثل ما قال الله في القرآن بالضبط.
فقال عكرمة في نفسه لما سمع هذا الكلام: [والله لئن كان لا ينفع في البحر غيره فإنه لا ينفع في البر غيره] فالآن حصل الاتعاظ، ونحن عندنا أناس نائمون، يغطون في نومٍ عميق، تأتي لهم بالآيات فلا فائدة، عكرمة بن أبي جهل كم مرة سمع القرآن، وكم مرة سمع الرسول ﷺ ، وكم مرة رأى المسلمين، وكم مرة؟ لكن كان غافلاً نائماً كافراً.
هذه المرة شاء الله أن يهديه، هذه المرة استخدم عقله وفكر، نحن نريد من الناس الآن أن يستخدموا عقولهم فيفكروا، الأحداث هذه لابد أن تهز الناس وتوقظهم من غفلتهم، قال عكرمة: [والله لئن كان لا ينفع في البحر غيره فإنه لا ينفع في البر غيره، اللهم لك علي عهدٌ لئن أخرجتني منه سالماً، لأذهبن فلأضعن يدي في يديه ﷺ فلأجدنه رءوفاً رحيماً].
فخرجوا من البحر سالمين، وهنا مرحلة أخرى؛ هل تُرى سيرجع إلى الكفر أم أنه سيواصل على الهداية؟ هذه التي حصلت له الآن، فخرجوا من البحر فرجع إلى رسول الله ﷺ فأسلم وحسن إسلامه ﵁.
الاعتبار: لا بد من التفاعل مع الأحداث، لابد أن تكون لنا مواقف قلبية مما يدور على ضوء الكتاب والسنة، ولذلك أيها الأخوة! عندما نتأمل في بعض الأقوال التي وردت، مما حصل من مقابلات كثيرة في الجرائد والمجلات والإذاعات وغيرها مع إخواننا المسلمين الذين هربوا من الكويت، نسأل الله أن يردهم، فنجد في بعض التعليقات أن أناساً عندهم جمل وكلمات تدل على أنهم اتعظوا من الواقع.
امرأةٌ تقول -باللهجة العامية- تقول: (الله ما سوى فينا إلا شوي) أي: على الأقل نجونا وإلا كان من الممكن أن يخسف بنا خسفاً فيفنينا عن بكرة أبينا، ما قتل منا إلا قلة بالنسبة للناجين.
فعندما ينظر الإنسان إلى ذنوبه الكثيرة والمتراكمة وينوب المجتمع كله، ثم أن الله يذكر بشيء، فهناك ما هو أصعب منه وأغلظ وأشد بكثير، فلا بد أن يعتبر.
стр. 357
اليقظة من لوازم الاعتبار
والقلب من أعماله اليقظة: قلب المسلم لابد أن يكون متيقظاً، لا سهو ولا غفلة، فإذا سها وغفل ذكر الله قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١] انظروا إلى هذه الآيات: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْك وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [يونس:٢٢ - ٢٣].
هذه هي المشكلة الآن عندنا، مشكلة الناس الذين نجوا ومع ذلك فهم مصرون على الباطل، مصرون على المعاصي، مصرون على الفواحش، مصرون على الخمور، مصرون على الربا، مصرون على ترك الصلوات، أي: المشكلة أن الناس لا يتعظون من أول ضربة، وهذه شبه قاعدة، أن الناس ما يتعظون من أول ضربة، بل لا بد أن تأتي أولى وثانية وثالثة ورابعة، ومع كل ضربة يستيقظ أناس، ومع كل محنة يستيقظ أناس، ومع كل شدة يستيقظ آخرون وهكذا لا تستيقظ الشعوب من أول محنة.
ولذلك تجد الناس يدخلون في المحنة وتقع عليهم شدة ومع ذلك يخرجون كأن شيئاً لم يقع، فما زالوا منغمسين في المعاصي والأوحال، نقلوا فسادهم من مكان إلى آخر.
لكن لا يخلو الأمر من أناس اتعظوا، ثم بعد ذلك تأتي محنةٌ أخرى وثالثة ورابعة حتى يستيقظ الناس، والله جرت سنته هكذا: ﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس:٢٣].
هذه قصة سمعتها عن امرأةٍ بواسطة، تقول: هي امرأة من بلدٍ أصابها الله بالدمار والحروب، ولم تزل الحروب فيها قائمة -في لبنان - تقول بصراحة: نحن كنا نخرج ونغني ونرقص، فإذا جاءت غارة جوية وقصفتنا -مثلاً- دخلنا في الملجأ تحت الأرض، فإذا انتهى القصف والغارة طلعنا وكملنا الأغنية والرقصة.
إيه والله هذا شيء مدهش! نرقص ونغني! وبعد أن تنتهي الغارة نطلع نكمل الرقص والأغنية! معناها: يوجد أناس مهما أصابهم لن يتعظوا.
يا أخي! واحد قلبه ميت، ماذا ترجو من ورائه، نريد أن نذكر أنفسنا ونذكر غيرنا لعل الله أن يهدي أُناساً؛ لأنه لن يخلو الناس من منتصحين وأناسٍ يقبلون الكلام: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥] فلنقم بواجب التذكير، ثم من اهتدى فلنفسه ومن أساء فعليها.
стр. 358
التضرع إلى الله واللجوء إليه
ومن أعمال القلب أيضاً: التضرع إلى الله : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ [الأنعام:٤٢].
الله رحيم، كان من الممكن أن يقبضهم ويموتوا على الكفر ويدخلوا جهنم، لكن الله يمس المدن والقرى والبلدان بعذاب؛ لعل بعض هؤلاء الناس يهتدون من خلال العذاب والمحنة؛ فتصلح أحوالهم فإذا جاءهم الموت كانوا على هداية.
وهذه من رحمة الله كيف يكون العذاب من رحمة الله؟ كيف تكون المحنة من رحمة الله؟ هكذا تكون ناس في غفلة، فيسلط الله عليهم عذاباً من السماء أو من الأرض بواسطة بشر أو بغير واسطة البشر، فإذا سلط الله عليهم رجع أناس، فيهتدون ويموتون على الهداية، وكان من الممكن أن يموتوا على الغواية بدون العذاب، فكان العذاب بالنسبة لهم رحمة، وعلى الأقل يُكَفِّر سيئاتهم بالمصائب الحالة بهم.
فإذاً هذه الشدائد والمحن رحمة من الله، كم اهتدى بها أناس، وكم كفر الله بها سيئات أناس، وكم زاد الله بها أناساً -قلوبهم ميتة- زادهم إثماً على إثمهم؛ ليكون عذابهم في جهنم أشد وأبقى.
وانظر تجد ظالماً ومنتفشاً وطاغية: ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً﴾ [آل عمران:١٧٨] واحد يا أخي يقول: هؤلاء أقوياء؛ هذا قوي؛ هذا جبار، وهؤلاء عندهم أسلحة: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً﴾ [آل عمران:١٧٨].
قل لي الآن بعد خمسمائة سنة، الأحداث التي نعيشها نحن الآن، فيها ظالم ومظلوم وفيها كفار ومسلمون، هذه الأحداث بعد خمسمائة سنة ماذا ستكون؟ هذه الأشياء التي أرعبتنا وخوفتنا، والتي طغت على حياتنا، وعكرت أمزجتنا، وأقلقتنا وأقضت مضاجعنا، بعد سنين طويلة، بعد خمسمائة سنة مثلاً ماذا تكون هذه الأحداث؟ يمكن أن تكون سطرين في كتاب تاريخ، إي والله، ويقال عنها: وفي سنة ١٤١١هـ كانت وقعة كذا وكذا حصل فيها كذا وكذا.
ولكن كل شيء مكتوب، صحف الأعمال مكتوبة عند الله، الظالم والمظلوم القاهر والمقهور الجبار الباطش، والمسكين الضعيف المسلم الذي اهتدى والمسلم الذي ظل على فسقه هذا الذي كفر بنعمة الله، والذي زادته المصيبة إيماناً، والذي زادته المصيبة نفاقاً وكفراً، كله مكتوب عند الله : ﴿فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ [طه:٥٢].
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٢ - ٤٥].
الجواب
=٦٠٠٠٨٥١> قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ * قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام:٦٣ - ٦٥].
الجواب
=٦٠٠٢٧٤٨> وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون:٧٦].
الجواب
=٦٠٠٣٥٢٣> وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾ [السجدة:٢١]-في الدنيا- ﴿دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ [السجدة:٢١].
стр. 359
حوادث من التاريخ
أريد -أيها الأخوة- في خاتمة هذا الحديث أو في الربُع الأخير منه أن أستعرض معكم بعض الأحداث التي مرت بالأمة الإسلامية، ونرى فيها ماذا حدث في واقع المسلمين، وهل كانت هناك أحداث ضخام! وما مدى ضخامتها! وكيف تصرف المسلمون تجاهها! لأنني على يقين تام بأن دراسة التاريخ الإسلامي مسألة في غاية الأهمية بالنسبة لنا نحن الآن؛ لأننا نعيش في هذا القرن الخامس عشر الهجري، لأن كثيراً من الأحداث تتشابه، نعم.
قد لا تتشابه بالأرقام والمواقع وأسماء الناس، لكن تتشابه في الظروف والأحوال والمواقف التي عبر بها الناس تجاه الفتنة والمحنة وهكذا لنَصل من خلال هذه الأحداث إلى عبرة ونعرف من خلالها: أولاً: نحن الآن نعيش في أحداث ضخمة لا شك، هل مرت بالمسلمين أحداث ضخمة؛ وربما تكون أضخم مما تمر بنا الآن؟ ثانياً: ما هو موقف المسلمين تجاه هذه الاحداث؟
стр. 360
التتار واكتساحهم لبلاد المسلمين
ويمكن أن نعلم من الأحداث ما هي الأخطاء التي وقع فيها المسلمون، والتي يجب علينا أن نتجنبها الآن! عندما نقول: نتضرع إلى الله، كيف كانت إذا نزلت المصيبة بالمسلمين، وماذا كانوا يعملون؟ في فترة من تاريخ المسلمين، تقريباً من سنة ٦١٦ هـ إلى سنة ٦٦٥هـ وما بعدها بقليل، هذه الفترة من التاريخ الإسلامي حفلت بأحداث رهيبة وعاصفة، كان فيها ثلاث أحداث مهمة: اكتساح التتار لبلاد المسلمين في الجهة الشرقية والوسطى، واكتساح النصارى لـ مصر، وشمال بلاد الشام، وفلسطين، وحدوث النار العظيمة التي خرجت بجانب المدينة المنورة، هذه حدثت في وقتٍ واحد، أي: في فترة متقاربة جداً، وكان الوضع الإسلامي في ذلك الوقت في محنة عصيبة جداً من عدوان خارجي، ومن مصائب داخلية، ومن أنواع الغلاء والتفرق والتمزق والطوفانات التي حصلت، والخراب الذي وقع في بلدان المسلمين، فكانت فترة عصيبة جداً، نحن نريد أن نلقي الضوء على هذه الفترة من خلال ما سنقرؤه من بعض أحداث التاريخ التي حدثت في تلك الآونة.
قال ابن كثير ﵀ في البداية والنهاية: ثم دخلت سنة: (٦١٦هـ) وفيها عبرت التتار نهر جيحون بصحبة ملكهم جنكيز خان من بلادهم -أنا أختصر الكلام اختصاراً- فقصد التتار بخارى، وبها عشرون ألف مقاتل، فحاصرها جنكيز خان ثلاثة أيام، فطلب منها أهله الأمان فأمنهم، ودخلها فأحسن السيرة فيهم مكراً وخديعة، وامتنعت عليه القلعة فحاصرها واستعمل أهل البلد في دفن خندقها، وكان التتار يأتون بالمنابر والربعات فيطرحونها في الخندق، ففتحوها قسراً في عشرة أيام، فقتل من كان بها ثم عاد إلى البلد، فأخذ أموال تجارها، وأحلها لجنده، فقتلوا من أهلها خلقاً لا يعلمهم إلا الله ، وأسروا الذرية والنساء وفعلوا معهن الفواحش بحضرة أهلهن، فمن الناس من قاتل دون حريمه حتى قتل، ومنهم من أسر فعذب بأنواع العذاب، وكثر البكاء والضجيج في البلد من النساء والأطفال والرجال، ثم ألقت التتار النار في دور بخارى ومدارسها ومساجدها فاحترقت، حتى صارت بلاقع خاوية على عروشها، ثم كروا راجعين عنها قاصدين سمرقند، ثم من الجهة الشرقية دخل الفرنج فاحتلوا مدينة دمياط وغدروا بأهلها وقتلوا رجالها وسبوا نساءها، فضج الناس وابتهلوا إلى الله.
في فلسطين في المسجد الأقصى حصل اكتساحٌ أيضاً، خاف الناس من الفرنج أن يهجموا عليهم ليلاً أو نهاراً، وتركوا أموالهم وأثاثهم، وتمزقوا في البلاد كل ممزق؛ حتى قيل أنه يبيع القنطار الزيت بعشرة دراهم، والرطل النحاس بنصف درهم.
سبحان الله! التاريخ أيها الأخوة فعلاً يتشابه، الآن مرت في الأحداث أن رجلاً باع سيارته من هؤلاء الهاربين من جحيم العذاب والظلم بدنانير زهيدة، وبيع الرطل من النحاس بنصف درهم- وضج الناس وابتهلوا إلى الله في المسجد الأقصى.
ثم دخلت سنة (٦١٧هـ) وفي هذه السنة عم البلاء وعظم العزاء بـ جنكيز خان، ووصل إلى بلاد العراق وما حولها حتى انتهى إلى إربل وأعمالها، فملكوها في سنةٍ واحدة، وقتلوا في هذه السنة من طوائف المسلمين ما لا يحد ولا يوصف، وبالجملة فلم يدخلوا بلداً إلا قتلوا جميع من فيه من المقاتلة والرجال، وكثيراً من النساء والأطفال، وأتلفوا ما فيه بالنهب إن احتاجوا إليه، وبالحريق إن لم يحتاجوا إليه، حتى أنهم كانوا يجمعون الحرير الكثير الذي يعجزون عن حمله فيطلقون فيه النار وهم ينظرون إليه، ويخربون المنازل، وما عجزوا عن تخريبه يحرقوه، وأكثر ما يحرقون المساجد والجوامع، وكانوا يأخذون الأسارى من المسلمين، فيقاتلون بهم، ويحاصرون بهم، وإن لم ينصاعوا في القتال، إذا المسلم ما دل على الطريق قتلوه، وذكر ابن الأثير ﵀ عن هذه الحادثة فقال: فلو قال قائلٌ إن العالم منذُ خلق الله آدم وإلى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقاً.
فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا يدانيها، ومن أعظم ما يذكرون من الحوادث ما فعل بختنصر ببني إسرائيل من القتل والتخريب في بيت المقدس، لكن هذا كان في مكان معين، أما التتار فقد اجتاحوا أماكن عديدة، في سنة واحدة ملكوا من الأملاك ما لم يملك أحد مثلهم في نفس المدة مطلقاً.
وتأمل كيف يسلط الكفار على المسلمين، بنو إسرائيل كانوا مسلمين أهل كتاب مع موسى، فلما ابتعدوا عن الدين وانحرفوا سلط الله عليهم الكفار، بختنصر كافر فقتلهم وشردهم، والمسلمين الآن في هذا القرن الذي نتكلم عنه الآن كانوا مسلمين، لكن انحرفوا وفشت فيهم من أنواع المنكرات والفواحش أشياء كثيرة -وهذه موجودة في الكتب- فسلط الله عليهم التتار مع أن التتار كفار، لكن الله إذا ابتعد عنه من يعرفه سلط عليه من لا يعرفه.
قال ابن الأثير: ولعل الخلائق لا يرون مثل هذه الحادثة إلى أن ينقرض العالم وتفنى الدنيا إلا يأجوج ومأجوج.
وهؤلاء لم يبكوا على أحد، بل قتلوا الرجال والنساء والأطفال، وشقوا بطون الحوامل، وقتلوا الأجنة، فإنا لله وإنا إليه راجعون! ولا حول ولا قوة بالله العلي العظيم لهذه الحادثة التي استطار شررها، وعم ضررها، وسارت في البلاد كالسحاب إذا استدبرته الريح! فإن قوماً خرجوا من أطراف الصين -هؤلاء التتار- فقصدوا بلاد تركستان، ثم ما وراء بلاد النهر مثل: سمرقند وبخارى، فيملكونها ويفعلون بأهلها ما نذكره ثم تعبر طائفةٌٍ منهم -ليس كلهم- إلى خراسان فيفرغون منها ملكاً وتخريباً وقتلاً ونهباً، ثم يجاوزونها إلى الري وهمذان وبلاد الجبل وما فيها من حد العراق، ثم يقصدون بلاد أذربيجان، ويخربونها ويقتلون أكثر أهلها ولم ينجُ منهم إلا الشريد النادر -هذا كله في أقل من سنة- ثم قصدوا قزوين فنهبوها وقتلوا من أهلها نحو أربعين ألفاً.
ثم ذهبوا إلى موقان فقاتلهم الكرج في عشرة آلاف فلم يقفوا بين أيديهم طرفة عين، فانهزم الكرج، وتالله لا أشك أن من يجئ بعدنا -هذا ابن الأثير - إذا بَعُد العهد ويرى هذه الحادثة مسطورة ينكرها ويستبعدها، وتترسوا بالأسارى من المسلمين في بلد جاءوا وعلى المسلمين امرأة فيقول ابن الأثير بين قوسين (ولن يفلح قومٌ ولوا أمرهم امرأة) حديث صحيح، ففتحوا البلد بعد أيام وقتلوا أهله، ثم أنهم كانوا يقتلون في المسلمين لدرجة أن أحدهم يدخل إلى دربٍ من البلد وبه مائة رجل من المسلمين فلا يستطيع واحدٌ منهم أن يتقدم إليه، وما زال يقتلهم واحداً بعد واحد حتى قتل الجميع، ولم يرفع منهم أحد يده إليه، ونهب ذلك الدرب وحده، ودخلت امرأةٌ منهم في زي رجلٍ متنكرة، فقتلت كل من في ذلك البيت وحدها، ثم استشعر أسيرٌ معها أنها امرأة فقتلها.
ثم ذهبوا إلى أذربيجان ففتحوا أردبيل ثم تبريز فقتلوا من أهلها خلقاً كثيراً وحرقوها، وكانوا يفجرون بالنساء ثم يقتلونهنّ ويشقون بطونهنّ عن الأجنة، ثم فتحوا بلداناً كثيرة يقتلون ويسبون ويأسرون، ويجعلون الأسرى تروساً يتقون بهم الرمي، ثم يرجعون إلى ملكهم جنكيز خان.
وكذلك فإن هؤلاء قد تكامل شرهم حتى وصلوا إلى بغداد في سنة (٦٦٥هـ) وفي بغداد لعب ابن العلقمي الخائن ونصير الدين الطوسي الدور الخياني في الاستيلاء على بغداد، ودخل التتار بغداد وقتلوا جميع من قدروا عليه، هذا بعد أن قتل خليفة المسلمين، فقتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال والنساء والولدان والمشايخ والكهول والشبان، ودخل كثيرٌ من الناس في الآبار وأماكن الحشوش والوسخ وكمنوا أياماً لا يظهرون، وكان الجماعة من الناس يجتمعون إلى الخانات ويغلقون عليهم الأبواب، فيفتحها التتار إما بالكسر أو بالنار، ثم يدخلون عليهم فيهربون إلى أعالي الأمكنة فيقتلونهم بالأسطحة حتى تجرى الميازيب من الدماء في الأزقة، فإنا لله وإنا إليه راجعون! وعادت بغداد بعد ما كانت آنس المدن كلها كأنها خراب، ليس فيها إلا القليل من الناس، وهم في خوفٍ وجوع، وقد اختلف الناس في كمية من قتل بـ بغداد من المسلمين في هذه الوقعة، فقيل: ثمانمائة ألف، وقيل: ألف ألف وثمانمائة ألف أي: مليون وثمانمائة ألف شخص، وقيل: بلغت القتلى ألفي ألف، أي: مليونين، فإنا لله وإنا إليه راجعون! وأعمل السيف في أهل بغداد أربعين يوماً، وكان الرجل يُستدعى من دار الخلافة من بني العباس الخلفاء فيخرج بأولاده ونسائه فيذهب به إلى المقبرة فيذبح كما تذبح الشاة، ويأسرون من يختارون من بناته وجواريه، ولما انقضت الأربعون يوماً بقيت بغداد خاوية على عروشها والقتلى في الطرقات كأنها التلول، وقد سقط عليهم المطر فتغيرت صورهم وأنتنت من جيفهم البلد، وتغير الهواء فحصل بسبب ذلك الوباء الشديد، حتى تعدى وسرى في الهواء إلى بلاد الشام، فمات خلقٌ كثير في بلاد الشام من تغير الجو وفساد الريح، واجتمع على الناس الغلاء والوباء والفناء والطعن والطاعون.
ولما نودي بـ بغداد الأمان وأنهى جيش التتار مهمته خرج من تحت الأرض من كان بالمطامير كأنهم الموتى إذا نبشوا، وقد أنكر بعضهم بعضاً، فلا يعرف الوالد ولده، ولا الأخ أخاه، وأخذ الوباء الشديد فتفانوا وتلاحقوا بمن سبقهم من القتلى واجتمعوا تحت الثرى بأمر الذي يعلم السر وأخفى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْ
стр. 361
الغلاء وهلاك الناس من شدة الجوع
أما من جهة ما حصل في بعض بلاد المسلمين من الغلاء فإليكم نموذجاً في ما حصل في عام (٦٤٣هـ) فإنه قد حصلت فتنةٌ ونزل كربٌ في دمشق فعدمت الأموال، وغلت الأسعار؛ حتى بلغ ثمن الغرارة ألف وستمائة، وقنطار الدقيق تسعمائة، والخبز كل أوقيتين إلا ربع بدرهم، ورطل اللحم بسبعة، وبيعت الأملاك بالدقيق -أي: البيوت بيعت بالأكل- وأكلت القطط والكلاب والميتات والجيفات، وتماوت الناس في الطرقات، وعجزوا عن التغسيل والتكفين والإقبار، فكانوا يلقون موتاهم في الآبار حتى أنتنت المدينة وضجر الناس، فإنا لله وإنا إليه راجعون! قال ابن السبط وهو أحد المؤرخين: ومع هذا كانت الخمور دائرة، والفسق ظاهراً، والمكوس -أي: الضرائب- بحالها، وغلت الأسعار في هذه السنة جداً، وهلك الصعاليك -أي: الفقراء- في الطرقات، وكانوا يسألون لقمة ثم صاروا يسألون لبابه، ثم تنازلوا إلى فلس يشترون به نخالة يبلونها ويأكلونها مثل الدجاج.
وذكر ابن حجر ﵀ في حوادث سنة (٧٧٧) للهجرة قال: وقع في الشام غلاءٌ عظيم، واستمرت الشدة حتى أكلوا الميتات، ووقع أيضاً في حلب حتى بيع المكوك بثلاثمائة إلى أن بلغ الألف؛ حتى أكلوا الميتة والقطط والكلاب، وباع كثيرٌ من المقلين أولادهم، وافتقر خلقٌ كثير، ويقال إن بعضهم أكل بعضاً حتى أكل بعضهم ولده.
ثم عقب بعد ذلك الوباء، ففني خلقٌ كثير حتى كان يدفن العشرة والعشرون في قبر بغير غسلٍ ولا صلاةٍ ويقال: إن ذلك دام في بلاد الشام ثلاث سنين.
стр. 362
خروج النار من جانب المدينة المنورة
أما ما حصل بجانب المدينة المنورة من خروج النار فإليكم تفاصيل ذلك في عام (٦٥٤هـ) وقد أرخ أبو شامة ﵀ لهذه الحادثة تأريخاً جيداً، فكان مما قاله: حدث في هذه السنة تصديقٌ لما في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى تخرج نارٌ من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل بـ بصرة).
فأخبرني من أثق به ممن شاهدها أنه بلغه أنه كُتب بتيماء على ضوء النار وهي في المدينة الكتب، قال: وكنا في بيوتنا تلك الليالي كأن في دار كل واحدٍ منا سراج، ولما كانت ليلة الأربعاء ثالث جماد الآخرة في سنة (٦٥٤هـ) ظهر ب المدينة دويٌ عظيم، ثم زلزلةٌ عظيمة رجفت منها الأرض والحيطان، والسقوف والأخشاب والأبواب ساعةً بعد ساعة إلى يوم الجمعة الخامس من الشهر المذكور، ثم ظهرت نارٌ عظيمة في الحرة قريبٌ من قريظة، نُبصرها من دورنا من داخل المدينة كأنها عندنا، وهي نارٌ عظيمة أكثر من ثلاث منارات، وقد سالت أوديةٌ بالنار إلى وادي شظى مسيل الماء، والله لقد طلعنا جماعة نُبصرها فإذا الجبال تسير نيراناً، وقد سدت الحرة طريق الحاج العراقي -الحجاج الذين يأتون من جهة العراق ما لهم طريق إلى المدينة - ورجعت تسيل في الشرق كأنها أنموذجٌ عما أخبر الله تعالى في كتابه: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ * كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات:٣٢ - ٣٣].
وقد أكلت الأرض، وقال: كُتِبَ هذا الكتاب يوم الخامس من رجب سنة (٦٥٤) والنار في زيادة ما تغيرت، ثم قال: وأما النار فهي جبال نيران حمرٍ، والأم الكبيرة التي سالت النيران منها من عند قريظة، وقد زادت وما عاد الناس يدرون أي شيءٍ يتم بعد ذلك، والله يجعل العاقبة إلى خير، فلا أقدر على وصف النار -هذا واحد يكتب رسالة من المدينة يوجهها لـ دمشق يصف فيها ما يرون أمامهم- قال: ولما ظهرت هذه النار وقع في شرقي المدينة نارٌ عظيمة انفجرت من الأرض وسال منها وادٍ من نار حتى حاذى جبل أحد، ثم وقفت إلى الساعة ولا ندري ماذا نفعل؟ ووقت ما ظهرت دخل أهل المدينة إلى المسجد النبوي مستغفرينَ تائبين إلى ربهم تعالى وهذا دلائل القيامة.
ثم قال أيضاً: والله لقد زلزلت مرةً ونحن حول حجرة رسول الله ﷺ اضطرب لها المنبر إلى أن أوجسنا منه، وسمعنا صوتاً للحديد الذي فيه، واضطربت قناديل الحرم الشريف، وتمت الزلزلة إلى يوم الجمعة ضحى، ولها دويٌ مثل دوي الرعد القاصف، ثم طلع يوم الجمعة في طريق الحرة، وما أبانت لنا إلا ليلة السبت، وأشفقنا منها وخفنا خوفاً عظيماً، يقول: وقمت إلى الأمير فكلمته، وقلتُ له: قد أحاط بنا العذاب ارجع إلى الله تعالى، فأعتق كل مماليكه، ورد على جماعةٍ أموالهم، ثم هبطنا فهبط معنا، وبتنا ليلة السبت والناس جميعهم والنساء وأولادهم ما بقي أحد لا في النخيل ولا في المدينة إلا في المسجد النبوي، ثم سالت منها نهرٌ من نار -من هذه النار- إلى أن قطعت الوادي؛ والله يا أخي! إن عيشتنا اليوم مكدرة والمدينة قد تاب جميع أهلها، ولا بقي يُسمع فيها ربابٌ ولا دفٌ ولا شُرب -انتهت الآلات الموسيقية، لا يوجد موسيقى في البلد مطلقاً ولا شرب خمور- وتمت النار تسيل إلى أن سدت بعض طرق الحجاج، وخفنا أن يجيئنا -النار هذه- فاجتمع الناس ودخلوا المسجد وتابوا يوم وليلة الجمعة.
وأما هذه النار فإن لها حجارة، ولها دوي لا يدعنا ننام ولا نأكل ولا نشرب، ولا أقدر أن أصف لك عظمها ولا ما فيها من الأهوال، وأبصرها أهل ينبع، وقد حضر قاضٍ منهم، وفي نفس اللحظات انعكس على بغداد الأمر فأصاب بغداد غرقٌ عظيم حتى طفح الماء من أعلى أسوار بغداد وغرق كثيرٌ من أهلها، ودخل الماء دار الخلافة وسط البلد وانهدمت دار الوزير.
وفي المدينة ضج الناس إلى الله ، وانتبهوا من مراقدهم، وأخلصوا لله، وأيقنوا بالهلاك والعذاب، وبات الناس تلك الليلة بين مصلٍّ وتالٍ للقرآن، وراكعٍ وساجد وداعٍ إلى الله ، ومتنصلٍ من ذنوبه، ومستغفرٍ وتائب، ولزمت النار مكانها حتى حدث أن رأى الناس في البصرة أعناق الإبل في ضوء هذه النار.
أيها الإخوة: هذه بعض الأحداث التي حدثت في بلاد المسلمين في هذه الحقبة من الزمن، في أحداث جسيمة جداً، نحن الآن نقول: لا ندري ماذا ينتظرنا، نسأل الله حسن العاقبة، نحنُ يجب أن نرجع إلى الله، يجب أن نتوب إلى الله، يجب أن ننخلع من الذنوب، يجب أن نتضرع إلى ربنا، لا ندري ماذا ينتظرنا أيها الأخوة، لا ندري هل نجتمع أو لا نجتمع؟ هل نتمكن من الصلاة في المساجد أو لا؟ فاغتنموا الفرصة.
نسأل الله أن يدفع عنا البلاء كله، والوباء والمحن والفتن، وأن يُسلم بلادنا وبلاد المسلمين، ونحن نرجو الأمن من الله؛ لأننا بالأمن يمكن أن نعبد الله وندعو إلى الله؛ كما أن جميع المسلمين ينبغي أن يهبوا ويعملوا للإسلام في المحنة هذه، ينبغي أن يضاعف الجهد للعمل للإسلام، لأنك لا تدري هل تستطيع أن تدعو في المستقبل أم لا! هل تستطيع أن تتعلم أو لا! الآن ينبغي أن تضاعف طلب العلم والدعوة إلى الله.
نسأل الله أن يقينا وإياكم هذه الفتن، ونسأله أن يجعل عاقبتنا وعاقبتكم إلى خير، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 363
الحق أحق أن يتبع
إن من حكمة الله أن جعل الصراع قائماً بين الحق والباطل إلى قيام الساعة، وجعل للباطل مؤيدين، وعن الحق مخذلين من ضعفاء نفوس وغير ذلك، فتجد كثيراً من الناس يسمع الحق ثم يرده لأسباب نفسية أو دنيوية أو غير ذلك من الأسباب.
стр. 364
أسباب رفض الحق
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد: فيطيب للجنة العامة للنشاط بكلية إعداد المعلمين، ومركز العلوم والرياضيات أن يتقدم بجزيل الشكر لفضيلة الشيخ: محمد بن صالح المنجد، ونثني -أيضاً- بالشكر لإخواننا الحضور، فجزاهم الله خيراً، ونعتذر أيضاً لظروف طارئة عن تغير عنوان المحاضرة من: عناية الإسلام بالمشاعر، إلى عنوان: الحق أحق أن يتبع، نسأل الله أن ينفعنا بهذه المحاضرة، ونسأله جل وعلا أن يرزق محاضرنا حسن الأداء، وأن يرزقنا حسن الإصغاء، ولا أطيل عليكم بهذه المقدمة، فأترككم مع المحاضر، والله يحفظكم ويرعاكم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا هو رب الأولين والآخرين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الداعي إلى سبيله القويم.
أيها الإخوة: أحييكم في هذه الليلة، وأسأل الله أن يجعل مجلسنا هذا مجلساً خيّراً، وأن يجعل ما يقال فيه من مرضاته ، والموضوع الذي سوف نتحدث عنه إن شاء الله في هذا الليلة، بعنوان: الحق أحق أن يتبع.
وهذا الموضوع متشعب وله أطراف كثيرة، فمنها مثلاً: ما هو الحق؟ ما هي علاماته؟ لماذا يمتنع الناس عن قبوله وهو حق؟ لماذا لا يعترفون به أحياناً؟ والله أخبرنا أنه خلق السموات والأرض بالحق، وأنه أنزل القرآن بالحق: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء:١٠٥].
وسوف نركز في كلامنا هذا إن شاء الله بالدرجة الأساسية على موضوع الأسباب المانعة من قبول الحق، وندخل في الموضوع مباشرة فنقول:
стр. 365
تقليد القدماء الآباء والأجداد
إن من الأسباب التي تحمل الشخص أحياناً على رفض الحق تقليد القدماء من الآباء والأجداد، فيقول الله : ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣] هذا التصميم على تقليد الأسلاف، تقليد القدماء، تقليد الآباء، قال: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الزخرف:٢٤] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٧٠].
إذاً بعض الناس لا يُقدّرون، ولا يميزون، ولا يمحصون، فمجرد أن الآباء فعلوا هذا فهم يفعلون مثلهم، وقد يكون الآباء فطرتهم منتكسة، أو على ضلالة، أو قد يكونوا مشركين، أو لم يستخدموا عقولهم في الوصول إلى الحق، أو لم يتفكروا، لكن الأمور عند هؤلاء غير مهمة، المهم هو اتباع الآباء.
وعدم الاهتمام بصفات المتبوع من البلايا التي ابتلي بها الكثيرون في هذه الأيام، المهم هو الشخص، وليس المهم صفات الشخص، هذه من الآفات العظيمة.
وقد رد قوم إبراهيم على نبيهم لما جادلهم وناقشهم: لماذا تعبدون غير الله؟ لماذا تعبدون ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنكم شيئاً؟ كان جوابهم: ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء:٧٤] هذا هو الدليل، هذا هو المستند والمتكأ الذي يتكئون عليه، وقالوا: وجدنا آباءنا لها عابدين، فمجرد أنهم وجدوا الآباء يعبدون، فقد اعتبروه مستنداً في قضية رفض ما أتى به إبراهيم، والإصرار على ما هم عليه من الباطل.
وقد يرفض بعضهم الحق لأنه لم يسمع به في الأولين، ولأنه قد فوجئ به الآن، فهو جديد عليه: ﴿مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ [القصص:٣٦] ومن هذا القبيل ما يفعله اليوم بعض كبار السن، إذا رأوا رجلاً حديث السن يعمل أمراً من الأمور، فإنهم يقولون له: أنت أتيت بدين جديد، ونحن قد عشنا سنوات طويلة ورأينا آباءنا وأجدادنا فما كانوا يعملون هذا العمل: ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ [القصص:٣٦] وعليه فأنت مخطئ، وأنت وأنت وهكذا يسفهون رأيه، وقد يكون هو عين الصواب، وهو الواضح بالأدلة، ولكن: ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ [القصص:٣٦].
стр. 366
الغلو في الرجال
من أسباب رفض الحق: الغلو في الرجال، وعدم إنزالهم المنزلة التي أنزلهم الله إياها، أو رفعهم فوق المنزلة التي أنزلهم الله إياها.
والغلو في الرجال من الأمور المنتشرة كثيراً في هذا العصر حتى بين المستقيمين، وبين كثير من الدعاة إلى الله، وطالب الحق لا يهوله اسم معظم كائناً من كان، وليس لهول الرجل يتبع، لا.
وهنا قاعدة ذهبية ذكرها علي بن أبي طالب ﵁: [إن الحق لا يعرف بالرجال، ولكن الرجال هم الذين يعرفون بالحق]، فالحق هو الذي يبين ويقوم، وليس الرجال هم الذين يقومون الحق، فإن الحق موجود، ولكن الحق دليل على صحة الرجال أو خطئهم، فهو المعيار والميزان الذي توزن به الأمور.
وقد يزداد الأمر سوءاً حتى يصل إلى درجة ما أخبر به الرسول صلى الله وعليه وسلم كما في الصحيحين عن حذيفة مرفوعاً: (حتى يقال للرجل: ما أجلده! ما أظرفه! ما أعقله! وما في قلبه حبة خردل من إيمان) يصل الأمر بالغلو إلى درجة أن يقال عن الرجل ما ذكر وليس في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فانظر إلى الموازين عندما تتهدم كيف يقول الناس عن الرجال؟ وهذا المدح الذي يقوله الكثيرون إنما هو من الغلو، ولذلك نهى الرسول ﷺ عن مدح الرجل في وجهه حتى لايغتر، ومع ذلك فإن ديدن الكثيرين هو إطلاق ألقاب المدح جزافاً على شخصيات ليس في قلبها من الإيمان حبة خردل.
والتعظيم حتى لو كان للصالحين -وتعظيم الصالحين من الآفات الكبيرة- واكتشاف الأمر أصعب؛ لأن عندهم أشياء قد يخدع بها الكثيرون، صلاة، وعبادة، وزهد، وتقوى ظاهرة.
فهذا الأمر يصل إلى التعظيم وادعاء العصمة لهم، ورفعهم فوق مستوى البشرية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١].
ولذلك يصل الأمر ببعض الغلاة من أصحاب الطرق أنه يسجد لشيخه، وربما يحلق رأسه للشيخ تقرباً له وتعظيماً، الحجاج يحلقون رءوسهم تعظيماً لله، ويزيلون هذا الشعر بالموسى تعظيماً لله، وهؤلاء يعظمون مشايخ الطرق بأن يحلقوا رءوسهم من أجلهم، وتقول لبعضهم: إن الحديث الذي تقوله ضعيف.
يقول: لقد رواه الشيخ.
تقول له: إن هذا الرأي الذي تقول به مخالف للدليل.
يقول: إن الشيخ قد قال به.
فهذا التعظيم الموجود للشخصيات سبب كبير من أسباب الانحراف، وقد خط لنا السلف ﵏ في هذا الأمر منهجاً، فـ ابن عباس ﵁ لما سئل عن مسألة، فقال: قال رسول الله ﷺ ، فقالوا: له إن أبا بكر يقول كذا، وعمر يقول كذا، قال: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله، وتقولون: قال أبو بكر وعمر.
وكثير من المعظَّمين اليوم والمتبعين، كثير منهم بل كلهم لا يمكن أن يقارنوا بـ أبي بكر وعمر، ومع ذلك يحتج بأقوالهم على الدليل، وتقدم أقوالهم على الحق من القرآن والسنة، لا أقصد تقديم فهم فلان على فهم فلان للدليل، فهذه قضية تتعلق بالفقه، لكن أن رجلاً ليس مستنداً في كلامه إلى أي دليل، يقدم رأيه على الدليل الصحيح الصريح، فضلال عظيم أن يصل الأمر إلى هذا المستوى.
سئل الإمام أحمد مرة -وهذا مثال لا أعنيه لذاته ولما يتضمنه، وإنما أعنيه لما فيه من الدرس العام الذي يؤخذ منه- سئل الإمام أحمد عن كتابة الرأي، قال: لا أراه.
لم ير ذلك، فقيل له: إن ابن المبارك، قد كتبه، فقال: الإمام أحمد: ابن المبارك لم ينزل من السماء.
وابن المبارك هو من هو في جلالة قدره، وعلو كعبه في العلم، والزهد والعبادة والتقوى لله ، ومع ذلك يقول الإمام أحمد: ابن المبارك لم ينزل من السماء، وقال المروزي للإمام أحمد ﵀: ما تقول في النكاح؟ فقال: سنة النبي ﷺ ، فقال له المروزي: فقد قال إبراهيم كذا، قال: فصاح بي، وقال: جئتنا ببنيات الطريق، أي: تريد أن تهلكنا؟ ولذلك لما استقر عند السلف هذا الأمر ما هالهم عظمة فلان، وعبادة فلان، وزهد فلان، وورع فلان، إذا كان الذي أتى به فلان هذا مخالفاً للحق، فزهده، وورعه، وتقواه لنفسه، ونحن عندما نتبع، إنما نتبع بالدليل وبالبينة، ولذلك قيل للإمام أحمد: إن سرياً السقطي قال: لما خلق الله تعالى الحروف، وقفت الألف وسجدت الباء، فقال: نفروا الناس عنه، ولم يهمه سري السقطي من هو، ولا ما هي العبادة والزهد والورع، وما هو مقيم عليه، فله شأنه الخاص به، ولنا علمه الذي يقول به، نزنه بالحق: نفروا الناس عنه، لأنه قال كلاماً بغير دليل، فالكلام الذي قاله الإمام أحمد صحيح، وهذا هراء.
وليس لأي واحد أن يقول: نفروا الناس عن فلان، فلا بد أن يأتي بالبينة والدليل لماذا ننفر الناس عن فلان؛ أما نفروا الناس عن فلان لهوى، أو لخلاف شخصي، أو لأطماع معينة، فهذه قضية خطيرة، فلا إفراط ولا تفريط، ولا مجاوزة للحد من أحد الجانبين، والحق دائماً وسط بين طرفين، وطريق بين باطلين في كثير من الأمور.
وقد وقر في نفوس كثير من الناس تعظيم أقوام، فإذا نقل عنهم شيء فسمعه الجاهل بالشرع قبله؛ لتعظيم القائل في نفسه، يقول أحد أهل العلم: اسمع مني بلا محابة، ولا تحتجن علي بأسماء الرجال، فتقول: قال فلان وقال فلان، فإن من احتج بالرسول ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم أقوى حجة، على أن لأفعال أولئك وجوهاً نحملها عليها بحسن الظن، أي: لا يعني أن نكره المخطئين على جلالة قدرهم أو ننبذهم، ونشتمهم ونسبهم لأنهم قالوا خلاف الحق، بل نلتمس لهم أعذاراً ونحسن الظن، نقول: لعل الشيخ فلان، أو الإمام الفلاني لم يطلع على الدليل، أو على وجه تضعيف الحديث، أو لعله توهم بالاستدلال أمراً معيناً ليس كذلك، وهذه أشياء بينها أهل العلم، لا كل جاهل يقول: والله لعل الإمام أحمد ما عرف الدليل، لعل أبا حنيفة ما فهم، فهذا الكلام يتبين بمناقشة أهل العلم لبعضهم، والله أخذ عليهم العهد: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧].
المشكلة في عهد العلماء السالفين من الأمة في اتباع وتعظيم أناس من المذاهب الضالة، سواء كانوا جهمية أو معتزلة، أو مرجئة، أو طرقية صوفية من أصحاب الوحدة أو الحلول والاتحاد -وحدة الوجود واتحاد الخالق والمخلوق- كانت المشكلة عندهم في زعماء الضلال، والآن تغيرت كثير من الأسماء، وصارت المشكلة في شخصيات نشأت في هذا العصر، وأصبحت أصناماً تعبد وتقدس من دون الله، فالفكرة نفسها موجودة في السابق، لكن تغيرت الشخصيات، ونشأت بعض المذاهب الهدامة وبرزت إلى الوجود، وعلى السطح، وشهودت في الساحة، وأصبح لها دعاة وأناس يتبنونها وينشرونها، ويسهرون ليلاً ونهاراً لإذكاء نار فتنتها، فيجب على أهل الوعي من المسلمين الوقوف أمام هؤلاء، والبيان للناس: ما هو الميزان وكيف نقوم الأشخاص؟ ومن المؤسف أن تجد أقواماً يسخرون من جمود قوم نوح، وهم عاكفون على أقوال كبرائهم، وفتاوى عظمائهم، لا يرون جواز الخروج عنها، يقول: أخرج عن رأي فلان من أنا ومن فلان؟ فلان له كذا وكذا من المآثر، أنا لا أفهم أكثر منه، ولو أتيته بالدليل وبكلام أهل العلم الآخرين، فلا يمكن يغير، ومن البلاء أن يؤتي الله الإنسان سمعاً وبصراً وفؤاداً، ثم يفكر بعقل غيره، ولا يبصر إلا ما رآه غيره، ولا يسمع إلا ما قاله غيره، ولا يؤمن إلا بما تكلم به غيره.
إذاً فما فائدة السمع والبصر والفؤاد؟
стр. 367
الاقتداء بالعالم الفاسق أو العابد الجاهل
من الأشياء التي تصد عن الحق، الاقتداء بالعالم الفاسق أو العابد الجاهل، إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٤] فمنهم إذاً عالم فاسق فاجر، أو عابد جاهل، يتبعهم بعض أفراد الأمة فيضلون، ويهدم الدين بزلة العالم التي يتابع عليها.
стр. 368
العرف والعادة
ومن الأمور التي تصد عن الحق وتمنع الأخذ به: الإلف والعادة التي نشأ عليها الشخص وتربى؛ إذ كيف يغير الإنسان رأيه وقد سار عليه فترة طويلة؟ كيف يغير قناعته وقد تكونت لديه عبر سنوات مديده؟ كيف يخالف الشيء الذي تعود عليه، وألفه، وأحبه، واستمرأه؟ فالمخالفة صعبة؛ لأن فيها تغيير المألوف، والنفس تحب الشيء المألوف الذي اعتادته، فهذه نقطة يعاني منها أهل الحق، وكذلك أهل الباطل في المجتمعات، أهل الباطل يريدون تغيير، عادات الناس الطيبة، وقيمهم الحميدة التي يقرها الشرع، فهم يريدون الثورة على الواقع، نسأل الله أن يفشل مخططاتهم.
أما أهل الحق فإنهم يعانون من هذا النقطة، إذا كان الذي عليه الناس، وتمتمسكوا به وألفوه مخالفاً للحق، لكن شتان بين معاناة هؤلاء ومعاناة أولئك.
بعض الناس تناقشه في أمر من الأمور فيصر على ما هو عليه، تبين له بالأدلة فيصر على ما هو عليه؛ لأنه قد ألف هذا الشيء، وأحياناً يكون هذا الشيء مخالفاً للعقل السليم، ومع أن هذا الرجل يحمل شهادات عليا، ولكنه غير مستعد لأن يخالف، بل إنه يبحث عن وسائل في الإقناع والرد واهية جداً.
أذكر أن واحداً من هؤلاء كان يتكلم عن طرق الذكر الجماعي البدعية، فكان يقول: يا أخي! ما أعظم هذه الرياضة الروحية العظيمة الله أكبر سبحان الله الله حي، تطلع وتنزل، يقول: بدلاً من أن تلعب كرة، وتضيع وقتك في اللعب، فهذا شيء يقوي البدن، والعضلات، والأعصاب، وفيه ذكر انظر إلى عظمة الدين:
وتكرار ذا النصح منا لهم لنعذر فيهم إلى ربنا
فلما استهانوا بتنبيهنا رجعنا إلى الله في أمرنا
فعشنا على سنة المصطفى وماتوا على تن تنا تن تنا
قاله ابن القيم ﵀ في معرض الرد على أولئك المبتدعة في أذكارهم وطرقهم.
стр. 369
الكبر
أحياناً يرفض الحق للكبر، قال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف:١٤٦] ولذلك مهما ناقشته، وجادلته بالتي هي أحسن، وبالأدلة فلا يمكن أن يقتنع.
وبعض الناس تستغرب منه لكبره، والكبر آفة عظيمة، ولذلك فصاحبه محروم من دخول الجنة، لما يورثه الكبر في نفسه من الابتعاد عن الحق الذي يدخل صاحبه الجنة.
وقد حفل التاريخ بأمثلة ممن أوقعهم الكبر في مهاوي، مع أن الواحد أحياناً يستغرب كيف وقع هؤلاء، أنت -مثلاً- إذا تأملت الآن مؤلف كتاب: الصراع بين الإسلام والوثنية، تجد فيه من نصرة العقيدة الصحيحة، والرد على المبتدعة أشياء مذهلة، وقد تجد فيه وجوهاً للرد مثل كلامه في آية: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ [النساء:٦٤] التي استدل بها أصحاب المبتدعة على إتيان الرسول صلى الله وعليه وسلم في قبره بعد موته، وطلب الاستغفار، تجد وجوهاً في الرد ممتازة ومحكمة ربما لا تجدها لمن هو أكبر منه وأعلى باعاً، فقد ألهمه الله إياها فكتبها دفاعاً عن أمة الدعوة.
والبروق النجدية في اكتساح ظلمات الدجوية، وغيرها من الكتب الجيدة، فتستغرب فعلاً كيف انحرف هذا الرجل حتى صار ملحد ثم ألف: محاكمة الكون لله، والرجل انحرف تماماً عن الحق، ونزل من مرتبة العلم القوي الصحيح إلى الإلحاد، ليس صاحب بدعة فنقول: بدعته انحرفت به، ولا هو صاحب شبهة، فنقول شبهته انحرفت به، فالحق واضح عنده، وهو يدافع عنه، ويفري فرياً، لكن في النهاية، انحرف، فلا ندري ما هو السبب.
كل الأمور متوفرة لديه، والبراهين والأدلة واضحة، وطريقة الرجل مستقيمة، وعقيدته صحيحة، ومنهجه طيب، ولكن: الكبر الذي في نفسه.
ولو أن ما عندي من العلم والفضل يوزع في الآفاق لأغنى عن الرسل
رجل وصلت به المسألة إلى هذه الدرجة، قال: لو أن ما عندي من العلم والفضل يوزع على الناس لما كان هناك داعٍ لإرسال الرسل، ويقول: وحق لي أن أتكبر لما عندي من الإمكانيات، والطاقات، ولذلك سقط سقوطاً مريعاً، وقد قيض الله من يرد عليه، مثل الشيخ عبد الله بن يايس ﵀ في الرد القويم، والشيخ ابن سعدي، ومحمد بن عبد الرزاق حمزة، والشيخ صالح السويح، وغيرهم من أهل العلم، الذين بينوا عوار الرجل، وكشفوا أباطيله، لكن تأمل وخذ درساً في عدم الاغترار، وفي أن الكبر يحطم صاحبه تحطيماًَ شاملاً، ونسأل الله الثبات، فالواحد يجد نفسه صاحب عقيدة سيلمة، وصاحب سنة، ويتبع الدليل، وفجأة يقع بسبب الكبر.
стр. 370
العصبية والخوف على الجاه
أحياناً يرفض الحق للعصبية، والعصبية توضحها الرواية الآتية عن المسور بن مخرمة وهو ابن أخت أبي جهل، أنه قال لـ أبي جهل: يا خال! هل كنتم تتهمون محمداً بالكذب قبل أن يقول ما قاله؟ فقال: يابن أختي! والله لقد كان محمد ﷺ فينا وهو شاب يدعى الأمين، فما جربنا عليه كذباً قط، قال: يا خال! فما لكم لا تتبعونه؟ قال: يابن أختي: تنازعنا نحن وبنو هاشم الشرف، فأطعموا وأطعمنا، وسقوا وسقينا، وأجاروا وأجرنا، حتى إذا تجاثينا على الركب، وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي، فمتى ندرك هذه؟ فكان سبباً في ردهم رسالة محمد ﷺ .
وهناك أسباب أخرى منها: الخوف على الجاه، وخشية الملأ على نفوذهم، وتقليص امتيازاتهم، فهذا من الأسباب، وهذا الحديث ثبت مثله عن المغيرة بن شعبة.
стр. 371
الانتساب إلى أحد غير الله ورسوله
من الأشياء التي تصد عن الحق: الانتساب إلى أحد غير الله ورسوله، قال ابن القيم ﵀: وأهل هذه الغربة هم أهل الله حقاً، فإنهم لم يأووا إلى غير الله، ولم ينتسبوا إلى غير رسوله ﷺ ، ولم يدعوا إلى غير ما جاء به، ومن صفات هؤلاء الغرباء، ترك الانتساب إلى أحد غير الله ورسوله، لا شيخ ولا طريقة، ولا مذهب ولا طائفة، بل هؤلاء الغرباء منتسبون إلى الله بالعبودية وحده، وإلى رسوله بالاتباع لما جاء به وحده، وأكثر الناس لائم لهم.
وصدق فأنت لو قلت للناس: أنا لا أنتسب إلى أحد غير الله ورسوله، وأنا أسير على طريقة السلف، وأنا من أهل السنة والجماعة أعتقد اعتقادهم وأسير على طريقهم في جميع الأبواب، في العقيدة، والسلوك، والأخلاق، والسنة، ووجه الاستدلال، أنا على أبواب أهل السنة والجماعة، وهذه طريقتي، فلا أنتسب إلى أحد، فكل المنتسبين سيلومونك أنت مع أنهم متفرقون في انساباتهم، ولكنهم جميعاً يعتبرونك عدواً لدوداً لهم.
ثم لو أن إنساناً سأل وقال: ما علاقة هذه المسألة بالصد عن الحق؟ كيف يعني أن الانتساب إلى أحد غير الله ورسوله، يصد عن الحق؟ فأقول لك: يا أخي! القضية واضحة، فإن من انتسب إلى طائفة من الطوائف، أو حزب من الأحزاب، أو جماعة من الجماعات، فإنه يوالي لها ويعادي عليها، ويحيطها بهالة من التقديس تمنعه من تقبل الحق لو كان مخالفاً لما عليه هذه الطائفة، بل إنه يدافع عنها بالحق وبالباطل، لأن قلبه قد أشرب من حبها، ولذلك هو غير مستعد أن تنتقد طائفته، وهذا يؤدي إلى العصبية وإلى تفرق المسلمين.
ولو أن المسلمين كلهم مشوا على طريقة أهل السنة والجماعة -على طريقة السلف - وعلى طريقة الرسول ﷺ ، والأشياء التي فيها الاختلافات الواردة فيعذر بعضهم بعضاً فيها، أما الأشياء التي في الأصول والتي لا يمكن الاختلاف عليها، فأمرها محسوم، لتجمعوا واجتمعوا كلهم، ولا نعني بهذا الكلام: نسف مسألة التعاون على البر والتقوى، ونسف قضية التعاون على الدعوة إلى الله، ونسف قضية روح الجماعية في الدين، فهذه موجودة، ولا بد من وجودها وإيجادها، ولكن التفرقات والتعصبات للانتسابات هي التي تهلك.
стр. 372
حصر الحق على طائفة معينة
ومن الأسباب التي تصد عن الحق كذلك -أيها الأخوة- حصر الحق في طائفة معينة، يعتقد أنما هي عليه حق، وما عليه غيرها فهو باطل، هذا نتيجة الشيء لما ذكر قبل قليل، وتدعي كل فرقة أنها هي الناجية، وأنها هي الطائفة المنصورة، وأنها الطائفة الصحيحة وعلى المنهج الصحيح، وما سواها باطل.
سواها قد يكون من المسلمين، وقد يكون منهجهم صحيحاً، وهذه الادعاءات كثير منها كاذب:
وكل يدعي وصلاً بليلى وليلى لا تقر لهم بذاك
ومن الأشياء الطريفة أن إحدى فرق القاديانية سموا أنفسهم أهل السنة والجماعة، وهذه المسألة قديمة، أعني ادعاء الحق لطائفة واعتبار الآخرين على باطل، مسلمين، يهود، نصارى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة:١١٣] ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:١١١].
أحياناً الذي يرفض الحق يقول: لو كان هذا حقاً لكنت أنا أولى به من غيري، ولو أنه حق لكانت طائفتي أولى به من غيرها، ومادامت ليست عليه، فليس هو الحق قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْراً مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف:١١] أي: لو أن هذا الذي تدعونا إليه خيراً ما سبقتونا إليه، وقالوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١] أي: لو كان هذا القرآن صحيحاً، لنزل على واحد يستحق، وهو فلان الفلاني.
وهذا المنطق مشهور ومنتشر ومتشعب في نفوس الكثيرين، فمتعصبة المذاهب يقولون: لو كان حقاً لقال به إمامي، وأنتم تعرفون طائفة من أقوال المتعصبين، ومتعصبة بعض الطوائف يقولون: لو كان حقاً لرآه قائدي أو قدوتي، ومادام أنه ما رآه فليس هو الحق، ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف:١١].
стр. 373
الحسد
من أسباب رفض الحق الحسد، يرى أنك على حق فيحسدك، ولا يعمل بما أنت عليه.
والحسد قضية قديمة، قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة:١٠٩].
فاليهود والنصارى يريدون صدنا عما نحن عليه من الحق، وهم يعلمون أنه حق؛ حسداً من عند أنفسهم، وهناك حادثة رواها ابن إسحاق مع ما فيها من جهالة عين أحد الرواة، لكنها تصور واقعاً ولا تترتب عليها أحكام، فنحن نسوقها للفائدة، قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: حدثت عن صفية بنت حيي بن أخطب -وهي المرأة اليهودية التي أسلمت، وتزوجها الرسول ﷺ ، وهي أمنا، لأنها أسلمت وصارت أم المؤمنين، والإسلام يجب ما قبله، ولا اعتبار لأي انتسابات أخرى، ونحبها، ونوقرها، توقير آل بيت الرسول ﷺ ، لأنها من أزواج الرسول ﷺ صفية بنت حيي تقول: كنت أحب ولد أبي إليه، وإلى عمي أبي ياسر، لم ألقهما قط مع ولد لهما إلا أخذاني دونه.
قالت: فلما قدم النبي صلى الله ﵊ المدينة ونزل قباء في بني عمرو بن عوف، غدا عليه أبي حيي بن أخطب وعمي أبو ياسر بن أخطب مغلسين، حتى يعلما علم هذا الرجل، فلم يرجعا حتى كان غروب الشمس، قالت: فأتيا كالِّين، كسلانين ساقطين، يمشيان الهوينا، قالت: فهششت إليهما كما كنت أصنع، فوالله ما التفت إلي واحد منهما قالت: وسمعت عمي أبا ياسر وهو يقول لأبي حيي بن أخطب: أهو هو؟ يقصد الرسول الله ﷺ .
يقول: أهو هو أي: الذي نعلمه في التوراة، مكتوب أنه سوف يرسل.
قال: أهو هو؟ قال: نعم والله! قال: أتعرفه وتثبته؟ قال: نعم.
قال: فما في نفسك منه؟ قال: عداوته والله ما بقيت.
انظر الآن هو يعترف تماماً أن هذا هو الرسول ﷺ الذي صفته مكتوبة في التوراة، أهو هو؟ قال: نعم.
لكن النتيجة: عدواته والله ما بقيت.
كانوا يريدون ويتوقعون أن يظهر النبي منهم، فإذا هو من أناس آخرين، فحسداً بعض الناس يرفض الحق؛ لأنه أتى من فلان الفلاني الذي بينه وبينه عداوة شخصية، فهم لا يقبلون منه ما يقول حتى لو كان حقاً، ولو قال به آخر لقبلوا.
وفلان هذا بيننا وبينه مشاكل، واختلافات شخصية وصراعات، فلا نقبل ما يقول، وهذه بلية كبيرة، معناها أن القضية ليست اتباع الحق، فقد صارت القضية اتباع من يقول بالقول، لو قال به فلان الذي نرتاح له، ونحبه أخذنا بكلامه، لو قال به فلان الذي نخالفه ونكرهه فلن نأخذه.
يا أخي! الرسول ﷺ قبل الحق من الشيطان، لما جاء منه، والدليل على ذلك الحديث الذي في الصحيحين عن أبي هريرة، في الشيطان الذي كان يأتي بصورة آدمي ويسرق من الحب، وأبو هريرة حارس، فأمسكه أبو هريرة في اليوم الأول والثاني وهو يعتذر إليه فيطلقه، وفي الثالث قبض عليه وهدده بأن يذهب به إلى النبي ﷺ فعلمه آية الكرسي، ثم في الرواية يقول: فقلت: يا رسول الله! زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها، فخليت سبيله، قال: ما هي؟ قال: قال لي: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) وقال لي: لا يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك الشيطان حتى تصبح، فقال النبي ﷺ : (أما إنه قد صدقك وهو كذوب، أتعلم من تخاطب يا أبا هريرة منذ ثلاث ليال؟ قلت: لا، قال: ذاك شيطان) فهل قال الرسول ﷺ : آية الكرسي لا تنفع قبل النوم لأن الشيطان هو الذي قالها؟ وهو كذوب فأقره ﵇ مع أنه أتى من الشيطان.
والآن أشياء كثيرة من الحق تأتي من أناس ليسوا بشياطين، ولكنها ترفض لعداوة شخصية، واختلافات مذهبية، واختلاف في الرأي، أو يرفض الكلام لأنه أتى من فلان.
стр. 374
اعتناق الرافضين للحق أفكاراً ضده
ومن أسباب رفض الحق: اعتناق الرافضين له أفكاراً ضد الحق، مثل الأفكار الإلحادية العقلانية، الوجودية العلمانية، اعتناق هذه الأفكار بطبيعة الحال يصد عن الحق، والمعتنقين لهذه الأفكار يرفضون الحق.
في جاهلية الأمس كان الولاء للآباء والأجداد، وفي جاهلية اليوم صار الولاء لأصحاب المذاهب الفكرية الملاحدة، والشخصيات المسلطة عليها الأضواء ذات الأفكار المنحرفة.
وعامة مثقفي المسلمين ممن درسوا في بلاد الكفار، تبنوا أفكاراً ضد الحق، فرجعوا إلى بلادهم سماً زعافاً يحاربون الله ورسوله، ففي بعض المواقف تستغرب كيف يقفها هؤلاء الناس وكيف يعارضون الحق بجلاء ووضوح، وأذكر مثالاً: استغلت مناسبة من المناسبات في موعظة للنساء من وراء حجاب، وقبل الوليمة أو المناسبة حصلت الموعظة، وبعد الطعام قمت لأغسل يدي، فأخبرني واحد من الجالسين قال: لما قمت قال واحد من الحاضرين لشخص من الأشخاص: الحق، فإن الشيخ يكلم النساء عن الحجاب، قال لي: فقام ذلك الشخص مفزوعاً يجري وراءك، فلما رآك في المغاسل تغسل ارتاح ورجع إلى مكانه، ولكن المحذور قد وقع، فقد حصلت الموعظة، وما أخبر إلا بعد حصوله، فانظروا كيف قام الرجل يركض لئلا تسمع زوجته عن الحجاب، ويجري فزعاً قبل أ، أتكلم عن الحجاب، حتى لا تسمع المرأة الكلام في الحجاب! انظر إلى العداء التي تولده تلك الأفكار المغروسة في كثير من هؤلاء المثقفين.
стр. 375
اعتقاد حيلولة الحق بينه وبين جاهه وعزه
ومن الأشياء التي تصد عن الحق: أن يعتقد الشخص أن الحق يحول بينه وبين جاهه وعزه، فيرفض الحق لأجل هذا، ومثاله: فقدان المنصب، أو فقدان الرآسة، كما وقع في حديث البخاري في كتاب بدأ الوحي، في حديث طويل نقتطف منه هذا المقطع حيث وصل خطاب الرسول ﷺ إلى هرقل، وتباحث مع صاحب له يوازيه في العلم، حتى تأكد أن هذا هو الرسول ﷺ ، فحاول إقناع قومه، فالمسألة أثرت في نفسه: فأذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة له في حمص، ثم أمر بأبوابها فأغلقت، ثم اطلع فقال: يا معشر الروم! هل لكم في الفلاح والرشد، وأن يثبت ملككم، فتبايعوا هذا النبي؟ فحاصوا حيصة حمر الوحش لشدة نفرتهم إلى الأبواب، فوجدوها قد غلقت، فلما رأى هرقل نفرتهم، وأيس من الإيمان -سواء إيمانه هو أو إيمانهم هم- قال: ردوهم إليَّ.
لأنه الآن يحاول فيهم، ولكن لما رأى أنهم قد نفروا وأنهم سينقلبون عليه الآن، وينتهي الملك ببساطة، وقد يقتلونه قال: ردوهم علي، وقال لهم الأسلوب الخبيث: إني قلت مقالتي آنفاً أختبر بها شدتكم على دينكم، فقد رأيت! فسجدوا له ورضوا عنه، وكان ذلك آخر شأن هرقل، والحديث في البخاري.
فانظر إلى هذا الرجل كيف اقتنع بالحق، فحاول أن يقنع به الناس، فلما انقلبوا عليه خشي على ملكه، فقال: أنما كنت أريد أن أختبر شدتكم، وقد رأيت ما يسرني.
من الأمثلة كذلك في فقد الملك حين يحدث فيسبب لصاحبه الذي فقده عداوة للحق ما بقي من حياته: في صحيح مسلم، في حديث عبد الله بن أبي قال لرسول الله ﷺ لما جاء يدعوه: لا تغبروا علينا، ثم قال: إن كان ما تقول حقاً فلا تؤذنا في مجالسنا، وارجع إلى رحلك، فمن جاءك فاقصص عليه، ثم قال ﵇ لـ سعد بن عبادة: أي سعد! ألا تسمع إلى ما قال أبو حباب -يريد عبد الله بن أبي - قال: كذا وكذا، قال: اعف عنه يا رسول الله! واصفح، فو الله لقد أعطاك الله الذي أعطاك، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة، أي: المدينة أن يتوجوه فيعصبوه بالعصابة، ويجعلوه ملكاً عليهم، فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاك هو، شرق بذلك -غص- فذلك فعل ما رأيت، فعفا عنه النبي ﷺ .
وما حمل عبد الله بن أبي على كل المواقف التي تعرفونها من الدعوة إلا أنه كان سيصبح ملكاً، فجاء الرسول ﷺ فانتزع منه ذلك، فانقلب رأساً للنفاق.
وكذلك بعض الناس يرفضون الحق لأنه يجردهم من مزايا مادية، أو من أموال لهم، مثلاً: بعض التجار أموالهم أموال ربا، فيرفض الحق في هذه المسألة؛ لأنه يرى بأن أمواله ستذهب، وأن كثيراً من امتيازاته المادية ستذهب؛ لأنها حرام، فلذلك يرفض الحق.
بعض الناس يقبلون الحق إذا كان في مصلحتهم، وإذا كان في غير مصلحتهم لا يقبلونه، مثل المنافقين: ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور:٤٩] وإذا ما كان لهم الحق رفضوا.
стр. 376
الجهل بالحق
من أسباب رفض الحق الجهل به، ومن جهل شيئاً عاداه، وعادى أهله، والناس أعداء ما جهلوا، وهذا -أيها الأخوة- يبين مسئولية الدعاة إلى الله في التبيين للناس، إذا كان جهل الناس بالحق سبباً لعداء الحق؛ فعلينا نحن الدعاة إلى الله مسئولية التبيين، حتى إذا عرف الناس الحق لم يعادوه، أو على الأقل يزول السبب الذي يجلب العداوة.
كثير من الناس كانوا يجهلون الاستقامة والتدين والأشياء، وينكرون على أولادهم في بيوتهم، فلما تبين لهم الحق، تبينت لهم الحياة الإسلامية الصحيحة، توقفت العداوة، بل أصبحوا يقولون لأبنائهم: والله يا ولدي أني أستحي منك الآن، لأني عاديتك في البداية، وأنا الآن أتعلم منك، لأنه الآن عرف الصحيح.
стр. 377
غربة الحق
قد يرد الحق لكونه غريباً: ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ [هود:١١٦] بعض الناس تناقشه في مسألة، فيقول: كلام غريب أسمعه لأول مرة، وليس بصحيح أن تجعله خطأ لذلك.
стр. 378
أن الحق ثقيل ومخالف لهوى النفس
من أسباب رفض الحق، أن الحق ثقيل، وله تبعات، ويخالف هوى النفس، والنفس تحب الدعة والكسل والراحة، والتخفف من التكاليف، ولذلك بعض الناس لا يستقيمون، ويمكن أن يستقيم فترة، ثم ينتكس، والسبب أن نفسه لا تتحمل هذه التبعات، فهو يريد اللهو واللعب، وعندما يحس بوطأة التكاليف، يقول: اعذروني! أنا لا أستطيع أن أواصل في الطريق.
لماذا؟ لا أتحمل ولا أسمع كذا، ولا أرى كذا، وفوق هذا تريد أن أفعل كذا، وأقوم بالواجبات، فيرفض، ولكن الذي يلوح له فجر الأجر يهون عليه ثقل التكاليف.
стр. 379
سوء التربية التي يتلقاها الفرد
ومن الأسباب كذلك: نوع التربية التي يتلقاها الإنسان، فلو رباه أبوه على أن كل ما يسمعه من الأب فهو الحق وغيره باطل مهما كان قائله، فإنك سترى الولد يقول: والله هذا الكلام ليس بصحيح، لأنه يقول: أبي قال غيره، فالأب قدى ربى ولده أن الذي يخرج من فم الأب هو الحق وغيره باطل.
لو تربى الولد في المدرسة على أن كل ما يقوله المدرس هو الصواب وما سواه خطأ، فإنه ينشأ على هذا ويتعصب له، ولو تربى إنسان في وسط حتى لو كان ظاهره إسلامياً، ونشأ على أن كل ما هو في هذا الوسط صحيح، وكل ما يقوله أفراد الوسط صحيح، وما سواه باطل، غرس ذلك في نفسه.
فإذاً التربية هي التي تربي الشخص على اتباع الأشخاص أو على اتباع الحق، وهي التي تحدد النهاية كيف تكون، وتحدد مواقف الشخص هذا من الحق إذا عرض عليه.
стр. 380
تحكيم العواطف
من الأشياء التي تصد: أن بعض الناس يحكمون عواطفهم ولا عقولهم، وأقصد بعقولهم المبنية على موازين الشرع، بعض الناس يفكرون بالعاطفة، قد يرى رجلاً يبكي وتدمع عيناه، وهو يعرض عليه، ويقول له: يا أخي! صدقني! أقسم بالله إنه كذا، فيتأثر عاطفياً، وبعض الناس يبكون عن جهل، وبعضهم يدعو إلى باطل وإلى بدعة ويبكي، وبعض الناس يبكون بدموع التماسيح ويتظاهرون أمام العالم أن ما يدعونهم إليه حق، ويتأثرون تأثراً نفاقياً، حتى يتأثر الناس بهم فيتبعونهم، والذي يحكم العواطف ولا يحكم ميزان الشرع سينتهي بانتهاء التأثر.
وقد يقال: هذا فلان ابتلي في الله وعذب في ذات الله، فكلامه إذاًَ صحيح، لأنه رجل ابتلي في الله، نقول: ومن قال: إن الابتلاء في الله والتعذيب في ذات الله هو مؤهل لأن يكون صاحبه هو صاحب الحق، فيمكن أن يعذب شخص في ذات الله ثم تخرج منه أخطاء، فمثل هذه الأشياء العاطفية التي تحمل بعض الناس على الاقتناع، هي في الحقيقة ليست على أساس صحيح.
وبعض الناس متردد في قول الحق، فقد كان يقول بشيء ثم تبين له أنه خطأ وأنه خلاف الحق، وكان قد علَّم الناس هذا الشيء ودعاهم إليه في شتى المجالس وقال به؛ والتراجع صعب جداً؛ لأن الناس سيقولون: إنه جاهل وسطحي، تظل عشرين سنة تعلمنا ذلك ثم تتراجع، أو إذا عرفوا أنه الحق، أو أنك طول الوقت ساكت اعتبروه من الذين يكتمون البينات، فيجد الشخص نفسه في ضائقة، يقول: الناس يقولون عني كذا، إذاً لا أتراجع، ولا أبين لهم حتى لا أفتضح بينهم، وهذه المسألة موجودة في كثير من طلبة العلم الذين ينقلون الأحكام، فتجد خطباء وأئمة مساجد يعلمون الطلاب أشياء خاطئة، فإذا تبين له الخطأ يقول: ماذا يقول عني الطلاب والمصلون والمستمعون إذا تراجعت؟ يقولون: أنا كنت جاهلاً طول الوقت الذي ذهب، فيصده ذلك عن تبيين الحق للناس.
стр. 381
التأثر بكلام المغرضين
من أسباب الانحراف عن الحق وأهله: التأثر بكلام المغرضين الذين يكرهون أهل الحق، فيشوهون صورتهم وسمعتهم وطريقتهم، فالشخص الذي يسمعهم يتأثر بهم ويصدقهم، ويرفض كلام أهل الحق للتأثيرات التي حصلت عليه، قد يكون معذوراً في أشياء، لكن عليه أن يتبين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات:٦] إن فرعون الذي كان على الباطل كان يفتري ويشوه سمعة موسى وهارون: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس:٧٨] أي: أنت تريد الملك، لذلك أنت الآن تعرض عنا وتسفه آراءنا، وتدعونا إلى هذه الدعوة لتكون لكم الكبرياء في الأرض، وكذلك كان يقول لقومه عن موسى: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر:٢٦] وحملات التشويه تؤثر على كثير من الناس، وأما الملأ فمنهم من يقول: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الأعراف:١٢٧] أي: لا تتركهم.
стр. 382
وضع اعتبارات وموازين باطلة يقيم بها الحق
من الأشياء التي تصد عن الحق: أن الواحد يضع اعتبارات غير صحيحة يقيم بها الحق، فتجد اعتبارات وموازين غير صحيحة، مثلاً: أن يعتقد أن الحق هو الذي يكون مع الأكثرية، ويحتج بذلك، والله يقول: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦] ويقول : ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣] ويقول الرسول ﷺ واصفاً أهل الحق: (أناس صالحون قليل في أناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم) وحكى الله عن داود ﵇ ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص:٢٤].
أو مثلاً يجعل الميزان هو القوة والضعف، فإذا رأى أهل الحق ضعفاء قال: لو كان لديهم الحق لانتصروا ظاهرياً، ولكانت لهم الغلبة والاستعلاء، ومادام أنهم ضعفاء فهم ليسوا على الحق، وهذا منطق قديم، قال به أقوام الأنبياء لأنبيائهم: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء:١١١] ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ [هود:٢٧] عندما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان، في الحديث المشهور، قال له: وسألتك أيتبعه أشراف الناس أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أن ضعفائهم اتبعوه وهم أتباع الرسل.
فإذاً ليست القضية أن القوة مع أهل الحق دائماً، أو أن أنصار الحق ضعفاء: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ * وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [الأنعام:٥٣] أو مثلاً: تجعل الثروة دليلاً على الحق، فالذي معه الأشياء المادية هو صاحب الحق ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ * وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ:٣٤ - ٣٥].
يقول الله راداً عليهم: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ [سبأ:٣٧] ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ [القصص:٧٦] لكنه بغى فأهلكه الله وقد كان عنده مفاتيح الخزائن.
وأحياناً تجد الواحد لا يبين الحق؛ لأن الذي قال الباطل بينه وبينه صداقة، فعلاقته به تجعله لا يبين وقد كان الصحابة يبينون ذلك، فمن ذلك حديث أبي موسى ﵁، أنه سئل عن ابنة وبنت ابن وأخت في الميراث، فقال: [للبنت النصف، وللأخت النصف وائت ابن مسعود فسيتابعني] فسئل ابن مسعود وأخبر بقول أبي موسى فقال: [لقد ضللت إذاًَ وما أنا من المهتدين، لأقضين فيها بما قضى فيها النبي ﷺ ، للبنت النصف، ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين وما بقي للأخت] فأخبر أبو موسى بقول ابن مسعود فقال: [لا تسألوني مادام هذا الحبر فيكم]، ما قال ابن مسعود: أبو موسى صحابي، وأخ لي، وصديق فلا أبين خطأه أمام الناس، وذاك يقول: وائت ابن مسعود فسوف يتابعني، يعني: صار فيها دافع آخر اذهبوا إلى ابن مسعود فسيتابعني، قال ابن مسعود: [لقد ضللت إذاً وما أنت من المهتدين] أي: كيف أقول خلاف الحق في المسألة؟
стр. 383
الظروف الاجتماعية
أحياناً قد يكون هناك ظرف اجتماعي يضغط على الإنسان فلا يعترف بالحق، مثلاً المرأة عندما قذف هلال بن أمية امرأته، فقال النبي ﷺ : (البينة أو حد في ظهرك)، فأقسم هلال أنه برئ وأن الله سوف ينزل براءته، وأنزل الله : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور:٦] ونزلت آية اللعان، فانصرف النبي صلى الله وعليه وسلم، فأرسل إليها، فجاء هلال فشهد والنبي ﷺ ، يقول: (إن الله يعلم أن أحدكما لكاذب، فهل منكما تائب) ثم قامت فشهدت، فلما كانت عند الخامسة، وقفوها وقالوا: إنها موجبة، قال ابن عباس: فتلكأت ونكصت هذه المرأة، حتى ظننا أنها ترجع وتعترف، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت وأكملت الخامسة، بسبب الضغط وخوف الفضيحة.
والذي حمل أبا طالب على رفض الحق هو ضغط المجتمع:
لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحاً بذاك مبينا
ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا
فهو يخشى أن يقال: مات على غير دين آبائه.
وختاماً أيها الإخوة أقول: يجب علينا أن نتجرد، فنضع الحق فوق كل اعتبار، ويجب علينا أن ننقاد لله إذا كنا نريد وجهه، ولا نحاول أن نلف وندور أو نقوم بمناورات في سبيل رفض الحق كما يقع لكثير من الناس، حيث تجده يأتي بأعذار وعجيبة جداً تدل على القصة التي ذكرناها عن مؤلف كتاب: الصراع بين الإسلام والوثنية.
في أحد المجالس كنا نتكلم عن الإسلام، وأحد من العامة يقول: أنا غير مستعد أن أمضي قدماً في أشياء أخرى، أنا لا أتعمق في الدين، يكفيني الأركان الخمسة، فقلت: يا أخي! الدين ليس بالأركان الخمسة فقط، قال: بل الأركان كافية جداً، قلت: ما رأيك أن تسكن في بيت فيه خمسة أعمدة فقط، لا جدران فيه ولا شبابيك، ولا غرف؟ قال: لن أسكن فيه.
قلت: الرسول ﷺ يقول: (بني الإسلام على خمس) فهذه الخمس عندك ولكن أين باقي البناء؛ أين الجهاد في سبيل الله والأمر المعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، وطلب العلم، بر الوالدين؟ أو قال نفس الشخص: التعمق في الدين غير جيد، وانظر هذا مؤلف: الصراع بين الإسلام والوثنية، تعمق في الدين ثم ارتد، فقلت له: هذا الشيخ ابن باز لم يرتد!! وهو متعمق في الدين.
قصة أخيرة أختم بها الكلام: رجل تارك للصلاة، قلت له: اتق الله حرام عليك، كيف تترك الصلاة وهي الركن العظيم في الإسلام؟ هذا خروج عن الملة، وزوجتك حرام أن تجلس معك، قال: والله أنا أريد أرجع إلى الصلاة، ولكن الشيطان فقلت له: لماذا لا تصلي من غدٍ، وكيف تركت الصلاة وأنت تعلم هذه الأحكام؟ قال: يا أخي! أنا لا أصلي الظهر والعصر، فكيف أصلي المغرب والعشاء والفجر؟ قلت له: ولماذا لا تصلي الظهر والعصر؟ قال: لأنني في العمل، فلا أقدر أن أصلي الظهر والعصر، ولذلك تريدني أضحك على ربي وعلى نفسي، أصلي المغرب والعشاء والفجر.
قلت: ولماذا لا تصلي الظهر والعصر في العمل؟ قال: لأن الحمامات فرنجية، وأنا ما أضمن أن تكون عليها نجاسة.
فانظر إلى هذه الأعذار الواهية، فالناس عندهم قضية التفلت بأي عذر، المهم ألا يتبع الحق، وبعض الناس لا يتبعون لكنهم ألطف من غيرهم بقليل يقول: والله أنا مقصر، وأنا عارف أنه خطأ، نسأل الله أن يعيننا، وجزاك الله خيراً أن نصحتنا، وانتهى كلامه هذا أحسن من ناحية الاعتراف.
فعلى العموم، نسأل الله أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا من هذه الكلمات البسيطة، وأرجو من الله أن يهدينا وإياكم الحق.
اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على الحق، اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 384
آداب الوليمة
تحدث الشيخ في هذا الدرس عن تعريف الوليمة وأنواع الدعوات من وليمة عرس وعقيقة مولود إلى آخر تلك الأنواع.
وبين حكم إجابة الدعوة إلى الوليمة أو إلى غيرها، سواء كانت الدعوة من امرأة أو رجل، وذكر الحالات التي يسقط فيها حكم الوجوب عن المدعو, وختم الدرس ببعض أخبار الطفيليين.
стр. 385
تعريف الوليمة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: سنتحدث -أيها الإخوة- في هذه الليلة في سلسلة الآداب الشرعية عن آداب الوليمة.
ومعنى الوليمة في اللغة هو مشتقٌ من الجمع والضم، فيقولون: الولم: هو الجمع والضم، ويقال: أولم الرجل إذا اجتمع عقله وخلقه، وسمي القيد في الرجل ولماً لأنه يجمع الرجلين، واشتهر إطلاق الوليمة على الطعام الذي يُصنع للعرس لأن فيه اجتماع الزوجين، وكذلك فإن فيه اجتماع الناس للطعام، فالوليمة طعام العُرس، وقيل: هي كل طعام، والجمع ولائم.
ولكن اشتهر إطلاقها واختصاصها بطعام العرس، وكذلك قالوا: إن الوليمة تقع على كل دعوة تتخذ لسرورٍ حادث من نكاح أو ختان أو غيره، لكن الأشهر استعمالها عند الإطلاق في النكاح، وتقيد في غيره، فإذا قيل وليمة يُفهم أنها وليمة النكاح، هذا إذا أطلقوا، إذا أردنا غيرها نقول: وليمة الختان، وليمة السفر، وليمة النقيع ونحو ذلك من الأسماء، والدعوة أعم من الوليمة، فالدعوة ما دعوت إليه من طعامٍ وشراب.
стр. 386
أنواع الولائم
فالدعوة أعم من الوليمة والوليمة أخص منها، والولائم أنواع، ذكرها الناظم في قوله:
أسامي الطعام اثنان من بعد عشرةٍ سأسردها مقرونة ببيانِ
وليمة عرسٍ ثم خرس ولادة عقيقة مولودٍ وكيرة بان
وضيمة ذي موتٍ نقيعة قادمٍ عذيرٌ أو اعذارٌ ليوم ختانِ
ومأدبة الخلان لا سببٌ لها حذاقة يوم الختم للقرآنِ
وعاشرها في النظم تحفة زائرٍ قرى الضيف مع نزلٍ له بأمانِ
وسنأتي على شرحها بسرعة، ثم نتوسع في مسألة وليمة الزواج أو النكاح، وبعض التفاصيل المتعلقة بها.
стр. 387
الوليمة والخرس والعقيقة
أما بالنسبة لوليمة النكاح فهي ما يُصنع من الطعام بسبب النكاح، أما وليمة الخُرس فهو الطعام الذي يُصنع لسلامة المرأة من الطلق في النفاس، وكذلك فإن هناك العقيقة وهو الطعام الذي يُصنع بسبب ولادة المولود، وقيل: إن العقيقة أصلها من الشعر الذي يكون على رأس الصبي حين يولد، وسميت بذلك لأنه يحلق عنه في يوم سابعه، وهو اليوم التي تذبح فيه العقيقة، وقال بعض أهل العلم: إن العق هو القطع، والعقيقة هي الذبح نفسه، وهي اسمٌ للشاة المذبوحة عن المولود يوم السابع من ولادته.
وقد اختلف أهل العلم فيها بين الوجوب والاستحباب، وجمهورهم على الاستحباب، ومن أدلة أهل الوجوب: (كل غلامٍ رهينة بعقيقته) أي: مرتهنٌ بها، والسُنة شاتانِ عن الغلام الذكر وشاة عن الأنثى، ويجوز أن يذبح شاة عن الذكر لما صح عن النبي ﷺ أنه عق عن الحسن والحسين شاةً شاةً، والمسألة فيها تفاصيل أخرى.
стр. 388
الوكيرة والوضيمة والنقيعة
وبالنسبة لوليمة الوكيرة: هي ما ذبح لإحداث بناء السكن، مأخوذٌ من الوكر، وهو المأوى والمسكن، فيُصنع بسبب البيت الجديد وليمة يدعى إليها الناس.
وأما الوضيمة: فهي ما يصنع من الطعام -بسبب المصيبة- لأهل الميت، وهي سنة، لأن النبي ﷺ قال: (اصنعوا لآل جعفر طعاماً، فقد جاءهم ما يشغلهم).
أما إذا كان اجتماع على طعام يصنعه أهل الميت، فهو من النياحة المحرمة، وقد جاء النص بذلك عن الصحابي جرير بن عبد الله ﵁: [كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعهم الطعام بعد دفنه من النياحة].
أما ما يفعله أهل البيت من صنع طعام، وجمع الناس عليه أول يوم وثاني يوم وثالث يوم فهو من النياحة، وهو حرام، ولا يجوز الأكل منه مطلقاً.
فإذا صنعوا طعاماً لأنه أتاهم ما يشغلهم، أو صنعوا للضيوف الذين جاءوا من بعيد، فناموا عندهم وأكلوا معهم، فهذا لا بأس به، أما أن يصنعوا طعاماً يدعى إليه الناس والجيران والمعزون، فهذا من البدع المحدثة وهو حرام.
أما بالنسبة لوليمة النقيعة فهي الدعوة التي تُصنع بسبب قدوم المسافر سالماً من سفره، مأخوذة من النقع وهو الغبار، قال الله تعالى: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً﴾ [العاديات:٤].
ويصنعها المسافر أو يصنعها أهله، وقيل: تُصنع للمسافر فرحاً بسلامة وصوله، وقد ثبت أن النبي ﷺ لما قدم المدينة نحر جزوراً أو بقرة، فهذا الحديث الذي رواه البخاري ﵀ يدل على مشروعية عمل الطعام بعد القدوم سالماً من سفره.
стр. 389
العذيرة والمأدبة
وأما بالنسبة للعذيرة فهي الوليمة التي تُصنع بسبب الختان، وتُسمى أيضاً الإعذار، والإعذار هو الختان، وهو الطعام الذي يُطعم بمناسبة الختان، وقد جاء عن بعض السلف فعل هذه الوليمة، وهل هي للذكر فقط أم تشمل الأنثى؟ للعلماء أقوالٌ في المسألة، ومما قاله ابن الحاج المالكي ﵀ في كتابه المدخل: إن السنة في الختان للذكور إظهاره، وفي ختان النساء إخفاؤه فإذا كان ذكراً خُتن، فإنه يُصنع له هذه الوليمة إذا جرت العادة بذلك، فلا بأس في فعلها، وقد جاء فعلها عن بعض السلف رحمهم الله تعالى.
فإذا صار ختانه وحلق شعره في اليوم السابع فالعقيقة تغني عن هذا.
وأما وليمة المأدبة فهي الضيافة التي تعمل بدون سببٍ معين، فإذا أراد أحد الناس أن يجمعهم على طعام من أجل أن يكسب أجراً في إطعام الناس، فدعاهم للطعام، كالأصدقاء والأحباب والإخوان والأقارب والجيران.
أراد أن يصنع المعروف من باب أن إطعام الطعام وإفشاء السلام من أسباب دخول الجنة، وليس لوليمته سبب معين، فلا بأس بذلك.
وقد جاء في الحديث أن ملائكة جاءوا إلى النبي ﷺ وهو نائم فقالوا: (إن لصاحبكم هذا مثلاً، مثله كمثل رجلٍ بنى داراً، وجعل فيها مأدبة، وبعث داعياً، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة، فالدار الجنة، والداعي محمد، فمن أطاع محمداً فقد أطاع الله، ومن عصى محمداً فقد عصى الله، ومحمدٌ ﷺ فرّق بين الناس) صار الناس فريقين: مؤمنون وكفار، وهذه المأدبة التي تصنع بلا سبب، إذا كانت عامة فتسمى الجَفَلَى (بالألف المقصورة)، بأن قال: يا أيها الناس هلموا، وليأت من يريد من الناس، فهذه دعوة عامة يجوز لكل واحد أن يأتيها، أو فعلها في مكان عام على الشارع مثلاً أو في أرضٍ مفتوحة، ودعا إليها من شاء من الناس أن يأتيها، فتسمى جَفَلَى، يجوز لكل واحد أن يأتيها.
وإذا كانت خاصة فتسمى النَقَرى، فهي خاصة بمن يدعى إليها، فإذاً لا يجوز لغيرهم أن يأتي، وإطعام الأصحاب على أية حال من القُرب، ودعوة الإخوان أيضاً من الطاعات.
стр. 390
الحذاقة والقرى
أما الوليمة التي يسمونها الحذاقة فهي الإطعام عند ختم الصبي للقرآن إذا حفظه، فإن حفظ ولد الرجل القرآن وصنع والده وليمة للناس فرحاً بمناسبة ختم ولده للقرآن، وربما صنعت أيضاً إذا نبتت أسنان الصغير ونحو ذلك، وهي مأخوذة من قولهم: (حَذِقَ الصبيُّ يَحْذَقُ حِذْقاً، إذا مهر في الشيء) ويقال لليوم الذي يختم فيه الصبي القرآن: يوم حذاقة، ويقال: فلانٌ حاذقٌ في صنعته، وجاء عن بعضهم أنهم كانوا يصنعون هذا لغلمانهم.
ويروى عن الحسن أنه قال: "كانوا إذا حذق الغلام قبل اليوم نحروا جزوراً واتخذوا طعاماً" ويُروى كذلك عن حميد أنه قال: "كانوا يستحبون إذا جمع الصبي القرآن أن يذبح الرجل الشاة ويدعو أصحابه".
فهذه الشاة على أية حال هي شكر على نعمة حفظ الولد للقرآن، فإذا ذبح شاة على أية نعمة فلا بأس بذلك، لكن عندما تكون القضية واردة في السنة كالأضحية والعقيقة فإنها تتأكد، لأن لها مستنداً من فعل النبي ﷺ أو من قوله، فهي لا شك أقوى وأقوى.
أما أشياء جرت من عادات الناس، قد لا تكون واردة في السنة فهي بمنزلة أدنى، وإن كانت من عادات الناس ولم يقصدوا بها السنة، ولم يقصدوا بها التعبد فلا بأس بذلك، وذبح الشاة لأجل النعمة يدل عليه مجموع أحاديث وردت في الشريعة، فنعمة القدوم من السفر ذبحت فيها شاة، ونعمة المولود ذبحت فيها شاة، ونعمة الزواج ذبحت فيها شاة: (أولم ولو بشاة) إذاً ذبح شاة أو ذبيحة أو عمل طعام لمناسبة سارة أو لنعمة أنعم الله بها على الشخص لا بأس به ولا حرج فيه شرعاً، لكن فرق أن يعتقد الإنسان أنه سنة، فهذا لا بد له من دليل، أو أنه لم يعتقد أنه سنة، وإنما هو سنة على وجه العموم فإن في الشريعة ما يدل على ذبح شيء أو دعوة الناس إلى طعام بمناسبة حدوث شيءٍ سار.
مثل لو أن إنساناً ترقى في وظيفته، أو تبوأ وظيفة ونحو ذلك أو تخرج من الجامعة، فعمل طعاماً فلا بأس بذلك، ليس بدعة ولا حراماً ولا مكروهاً ما لم يتضمن منكراً أو محظوراً من المحظورات الشرعية، وأيضاً وليمة القرى وهي الطعام الذي يصنع للضيف، وإكرام الضيف لا شك أنه قد ورد في السنة، ولعلنا نأتي إن شاء الله في هذه السلسلة على آداب الضيافة.
следующие страницы →