← Джавами‘

Джавами‘ · id 7704

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (7 040 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.

стр. 3991

نصائح لشركات الكمبيوتر التي تخدم الشريعة ولذلك أيها الإخوة! أنبه وأوصي الشركات التي تعمل في مجال خدمة الشريعة، أن يتعاملوا مع طلبة العلم، هذا أولاً. ثانياً: أن يكون الذين يعملون في مجالات تطوير البرامج الدينية من المسلمين، لأننا نسمع عن بعض الشركات التي تعمل في تطوير البرامج الدينية، أن القائمين على بعض الأقسام هم من النصارى، ولا شك أن هؤلاء سيكون لهم أثر بطريقة ما على هذه البرامج، وقد حصلت بعض التحريفات منهم، فلذلك لا بد أن تهتم الشركات بتوظيف طلبة العلم والمسلمين خصوصاً في قطاع البرامج الدينية أو اللغة العربية، وأؤكد على ما ذكره الدكتور قبل قليل في الموضوع: عدم تكرير الجهود، لأننا إذا استعرضنا بعض مكررات الندوات التي أقيمت في خدمة العلوم الدينية، وإذا حصل اجتماع فجاء الناس المهتمون بخدمة العلوم الشرعية بواسطة هذا الجهاز نجد أن هذا الموضوع موجود عند هذه الشركة، وعند هذا الفرد، وعند هذه المؤسسة، تكرار جهود بسبب عدم وجود اتصال لمعرفة ماذا لدى كل طرف، غير الجشع والطمع الذي يريد كل طرف من الأطراف أن يصل إلى طرح نتاجه في السوق، ليقطع الطريق على الآخرين، أو يوزع نتاجه أكثر أو يبيع ما لديه ونحو ذلك.

стр. 3992

المحافظة على صحة النصوص عند الإدخال ومن الوصايا المهمة للذين يعملون في إدخال النصوص الشرعية في الحاسب الآلي أن يحافظوا على النصوص الصحيحة عند الإدخال بأن يدخلوا المعلومات من الطبعات المعتمدة أو المخطوطات بعد تنقيحها، ولعل مما يمتاز به عمل الدكتور الأعظمي على عمل بعض الشركات التي أدخلت نصوصاً شرعية في هذا الجهاز، أن الدكتور الأعظمي يدخل من المخطوطات، يجمع المخطوطات، تحقيق المخطوطات، فيمتاز بجمع المخطوطات، وهناك زيادات في مخطوطات لا توجد في أخرى، وبعد ذلك يدخل هذا في الجهاز، بخلاف ما تأخذ كتاباً من السوق وتدخله في الجهاز مباشرة، ولذلك يحتاج إلى جمع المخطوطات لإدخالها في الجهاز قبل إدخالها من كتب مطبوعة موجودة في السوق، وحتى الكتب المطبوعة في السوق ليست سواء، فهناك ما هو محقق تحقيقاً جيداً كتحقيقات الشيخ العلامة المصري أحمد شاكر ﵀، وبعض التحقيقات ممن هب ودب من المتاجرين بتراثنا الإسلامي، الذين يطبعون وينشرون لغرض التجارة، فحتى الذين يريدون إدخال النصوص لا يصلح أن يأخذوا أي كتاب من السوق ليدخلوه. ومن الأشياء اللطيفة التي شاهدناها أيضاً في استخدام هذا الجهاز التنبيه على أوقات الصلوات، فهناك برنامج معين فيه أوقات الصلاة على توقيت بلد معين أو منطقة معينة، يظهر لك وقت الصلاة وأنت تعمل، لأن هذا الكمبيوتر من سلبياته أنه يأكل الوقت أكلاً ويلتهمه التهاماً، ويشغل الشخص عن سماع الأذان، ومعرفة وقت الصلاة وأخذ الساعات الطويلة، فتنبيهات مثل هذه على الشاشة لا شك أنها ستكون مفيدة.

стр. 3993

عدم خلط الحق بالباطل وكذلك فإن من الأمور التي ينبه عليها أيضاً بالنسبة للذين يعملون في إدخال البرامج العربية، قضية عدم خلط الحق بالباطل، فإننا نشاهد في بعض المسابقات المعمولة والمصنوعة بالكمبيوتر أنهم يضعون لك مسابقة، تختار أسئلة دينية، وثقافية ورياضية، وموسيقية وفنية، وشعرية، ولغوية، ونحو ذلك فتفتح على المسابقة الدينية تجد أسئلة عن غزوة بدر، ومن هو أول صحابي فعل كذا، وما هي الآية التي نزلت في كذا؟ وإذا فتحت على القسم المتعلق بالفنون، وجدت من هي التي غنت الأغنية الفلانية؟ وما هو المقطع الفلاني؟ وفي عام كم صار كذا، ومن هو الموسيقار الذي ألف المنظومة الفلانية؟ ونحو ذلك من المحرمات التي لا يجوز مطلقاً إدخالها في هذه الأجهزة، وهذا خلط الحق بالباطل، وهذا موجود، ولذلك بعض الناس يريدون عرض الأشياء على أطفالهم لكنهم يصدمون بأن هذه الأشياء المفيدة للأطفال مخلوطة بأشياء أخرى.

стр. 3994

السلبيات المتعلقة بهذا الجهاز وكذلك إدخال الأصوات الموسيقية في الجهاز ونحن نعلم حكم الموسيقى في الشريعة، فأقول: ينبغي الانتباه لهذا، ويمكن أن تكون هناك أصوات كمبيوترية، ليست موسيقية، لماذا لا تدخل هذا الأصوات بدلاً من إدخال الأصوات الموسيقية، البديل موجود. ومن المساوئ الموجودة في هذا الجهاز إهدار الأوقات الكثيرة التي تذهب، والتي ينبغي أن ينتبه لها مستخدم هذا الجهاز، وبعض الأضرار البدنية كالأضرار على العين وعلى الأصابع، وحتى الناس الذين عندهم أطفال يستخدمون الألعاب الموجودة في الكمبيوتر، فإنه قد ثبت بالدراسات أن بعض هذه الألعاب تصيب الأطفال بمرض الصرع إذا داوم على اللعب فيها فترة معينة، وربما تؤثر على أعصاب الأصابع، وأعصاب الشخص نفسه، وبعض الناس يتوتر عصبياً إذا جلس يلعب لعبة معينة، هذا واقع موجود، وإذا ناقشت بعض هؤلاء الذين يلعبون هذه الألعاب، ربما قال لك: إنني أصاب بالتوتر إذا أمضيت فترة طويلة وأنا ألعب، ولذلك صدرت بعض القوانين في بعض الدول تلزم بعض شركات الألعاب الكمبيوترية بأن تطبع عبارة: إن الإدمان أو الإكثار من استخدام هذه اللعبة يسبب مرض الصرع لأطفالكم، كما حصل التزام بهذا من شركة ماي تنده وغيرها من الشركات التي تصمم الألعاب، فعلى أية حال حتى لو أدخلنا الألعاب في بيوتنا لبعض الأطفال لبدائل عن أفلام التلفزيون الضارة، فينبغي أن ننتبه إلى قضية عدم الإفراط في اللعب بهذه الألعاب، وما ينشأ عنها من الأضرار.

стр. 3995

إيذاء الآخرين ببرامج الفيروسات ومن الأمور أيضاً التي تدخل في حديث النبي ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار) وأنا الآن أتكلم في جانب المحرمات والسلبيات المتعلقة بهذا الجهاز، ما يقوم به البعض من عمل برامج الفيروسات التي تضر بأجهزة الآخرين، وتدخل في البرامج، لتمسح أشياء وتغير مواقع أشياء وتلخبط ترتيب الحروف، أو تصيب الجهاز بالعطل المؤقت أو الدائم الذي يترتب عليه إعادة أو مسح كل الأشياء وإعادة الذاكرة مرة أخرى من جديد، فلا شك أن القيام بهذه البرامج الفيروسية محرم لأنه يسبب الضرر، والنبي ﷺ يقول: (لا ضرر ولا ضرار) وبعضهم يعملها تفنناً وشطارة، لأنه فارغ فيعمل برنامج فيروس لكي ينتقل عبر النسخ إلى الآخرين، لاشك أن بعض برامج الفيروسات تستخدم كوسيلة لحماية بعض البرامج، لكن بعض الناس تستهويهم الفكرة، فيعملون لا لغرض الحماية ولا لأي شيء آخر، وبما أننا قد مررنا الآن بنقطة الحماية، فهناك من الأشياء المتعلقة بجهاز الكمبيوتر التي ينبغي البحث فيها، مسألة حقوق الطبع والنسخ للبرامج التي تعملها بعض الشركات أو المؤسسات أو الأفراد، ما حكم حماية هذه البرامج؟ ما حكم القيام بنسخها؟ هذه مجهودات الآخرين، فما حكم نسخها؟ أما بالنسبة لبرامج العلوم الشرعية، فإن العلماء المعاصرين عندهم أكثر من رأي في هذا الموضوع، فبعضهم يرى أن البرامج العلمية الشرعية ليس لها حقوق نشر ولا طبع، وممن ذهب إلى ذلك العلامة الشيخ عبد الرزاق عفيفي، عافاه الله ونفع به، فإن رأيه في هذا الموضع جواز نسخ الكتب وحزم البرامج بصفة عامة، ولو كان الغرض من النسخ التجارة، وعلته في هذا أن ادعاء حفظ حقوق النشر للمؤلف في حالة الكتب، أو لمصمم البرامج في حالة حزم البرامج الجاهزة، هذا الإدعاء ليس له أصل فلا يجوز المنع من النشر، وأن العلم ليس ملكاً لأحد، وأنه لا يجوز أن يحتكر أحد حق نشر كتاب من كتب السنة أو القرآن الكريم ونحو ذلك، ويقولون هذا حصر للعلم، والعلم مفروض أن ينشر، لا أحد يضع عوائق وأشياء، ويرى بعض أهل العلم أيضاً أن هذه مجهودات، وقد تعب عليها وصرفت فيها جهود كثيرة، وأموال طائلة، ووظف موظفون لأجلها وفرغ أشخاص، وتعب عليها، فلا يصلح البرنامج الذي كلف مئات الآلاف أن يأتي شخص وينسخه بخمسة ريالات، وأنا لست في مجال ترجيح ولا عندي ترجيح في هذا الموضوع، ولكن هذه نقطة من النقاط التي تثار في قضية الأجهزة أو البرامج المتعلقة بالكمبيوتر، وإلا فالإنسان إذا أراد السلامة فالأحوط له ألا يقوم بالنسخ لمجهودات الآخرين التي تعب عليها وصرف فيها الأموال، الأحوط له والأسلم لدينه ألا يفعل ذلك، وفي الجهة المقابلة لا بد من تنبيه هذه المؤسسات والشركات التي تقوم بعمل البرامج ألا يتطاول بهم الجشع لبيع هذه البرامج بأثمان باهظة، فإنك تجد بعض البرامج ربما تباع بمائة ألف أو أكثر، ولا شك أن هذه الأثمان الباهظة لا تمكن الكثيرين من الشراء، وتعيق انتشار العلم الشرعي إذا كان موضوعها العلم الشرعي، ولذلك ينبغي عليهم أن يتقوا الله وأن ينظروا إلى الآخرة قليلاً بعين الخوف من الله، ورجاء ما عند الله، فربما يدفعهم ذلك إلى تخفيض أسعارهم، بحيث تنتشر هذه البرامج أكثر، وهذا ما يتعلق بسياسة العرض والطلب وتأثير السعر فيهما.

стр. 3996

وجود البرامج الإباحية من الأشياء الموجودة في عالم الكمبيوتر: البرامج الإباحية الموجودة التي تسمى بالأسماء التي فيها فحش، وربما سمت بأسماء برامج المراهقين، أو برامج البالغين، وأحياناً يصرحون بأنها برامج جنسية، ويعملون لها إعلانات ولا تكاد تأخذ مجلة بي سي مقزين، إلا وتجد فيها إعلاناً عن برامج دعارة، ويكتب في أسفل الإعلان هاوت أُردر، تليفون نمبر أو يكتبون العنوان، أو إدخال الفيزا كارد، أو نحو ذلك من بطاقة الفيزا، لشراء هذه البرامج بحيث أنك لا تحتاج حتى إلى إرسال تحويل عملة معينة، أو تحويل مبلغ معين، وهذه الأشياء مع تطور هذا الجهاز كانت صوراً، ثم أصبحت الآن متحركة، كانت ثابتة على الشاشة، ثم صارت متحركة وصار جهاز الكمبيوتر مثل التلفزيون، بل دخل الآن فيه الفيديو كارد، الذي يجعل الصور تتحرك وتنسخ من الفيديو الأشياء التي تريدها وتخزن، وتعيد إظهارها مرة أخرى، ونحو ذلك، ورجل صاحب محل تصليح كمبيوتر في إحدى المدن جاءت له طالبة جامعية بذاكرة صلبة لإصلاحها لأنها قد تعطلت، طالبة من المسلمات في إحدى الجامعات، فإذا به يكتشف وهو يحاول إصلاح الجهاز ومعرفة الذاكرة ومعرفة ما فيها، أنها مليئة بالصور العارية من أولها إلى آخرها، خاصة بذلك! وبعض البرامج تعطي أسئلة جنسية، وإذا أجبت عليها يقولون: أنت ناضج، وإذا فشلت يقولون: أنت طفل، وبعض هذه البرامج يمكن أن تأخذ صورة شخص معين وتضع رأسه على جسد امرأة، في وضع مشين للغاية، ثم تطبع وتوزع، يعني: المقصود أن استخدام الجهاز هذا في الشر له مجالات كثيرة لا تتناهى، ويوجد هناك شبكات دولية ممكن الاتصال بها بالمودم، وتطلب منهم عرض صور، أو تسأل أسئلة فاحشة ربما تتخاطب مع نساء أيضاً، ويرسلون لك عبر اشتراك معين آخر ما صدر لديهم من الأفلام.

стр. 3997

وجود ألعاب مخالفة للشريعة والآداب ويوجد هناك ألعاب تتضمن فكرة القمار، وتعليم الربا، وكذلك من الألعاب لعبة ممرات، يأكل فيها اللاعب الكيك ويزاد وزنه ثم يموت فيوضع على قبره صليب، ولعبة يستخدم فيها صليب لقتل الوحوش، ولعبة إذا مر اللاعب بالصليب يستفيد قوة في اختراق الحواجز وتفجير ما أمامه من الأشياء، وألعاب عن الآلهة وكل إله ما هو تخصصه، وصراع بين الآلهة، ونحو ذلك، ومحاولة الصعود إلى أعلى، وبعض برامج الأطفال وألعاب الأطفال تنتهي في مرحلة بالوصول إلى أميرة فيحتضنها ويقبلها، ويكون الهدف هو الوصول إلى هذه الأميرة، وبرنامج آخر فيه رجل بوليس يدخل أماكن وحانات يبحث عن لص، تصادفه مومس في الدور الثاني تعطيه عشرة جنيهات أو يعطيها عشرة جنيهات ويصعد -وهذه أمثله استفدتها من المقابلة واللقاء مع بعض المشتغلين في برامج الكمبيوتر وشركات الكمبيوتر، وأيضاً ورش صيانة الكمبيوتر- وبرامج إذا سببته سبك، وهذه البرامج الرقابة عليها صعبة جداً، ومجيئها من الخارج سهل جداً، وهناك طرق كثيرة جداً تحول دون التفتيش عليها، كعمل فورمات لهذه البرامج، أو الإسطوانات فإذا دخلت البلد يعمل لها الفورمات أو بطريقة ضغط الملفات، لا تظهر للمراقب، أو إرسالها بالمودم من الخارج، والجهاز يخزن في الداخل، فعلى أية حال السيطرة على هذه الأشياء لا يمكن إلا بغرس تقوى الله والخوف منه في النفوس، وهذه المناظر السيئة التي تدخل، لا شك أن لها أثراً سيئاً جداً على أطفالنا وعلى الشباب الذين يشتغلون بهذه الأشياء، ويحاولون جلبها.

стр. 3998

إفساد واقعية التفكير عند الأطفال وهناك أيضاً من الأضرار إفساد واقعية تفكير الأطفال بهذه الألعاب الموجودة، لأن كثيراً منها أشياء خيالية، حتى أن الولد يظن أن ما شاهده على الشاشة موجود في الواقع، وعلى أية حال، بعد هذا العرض السريع لبعض استخدامات الكمبيوتر في الأمور الشرعية، ونصرة دين الله ، والدعوة إلى الله، واستخدامات هذا الجهاز أيضاً فيما حرم الله ، نقول ختاماً أيها الأخوة: إن هذا الجهاز، مما علم الله البشر، وإنه جهاز مفيد للغاية إذا استخدم في الخير، وجهاز مفسد للغاية إذا استخدم في الشر، وبين ذلك مراتب فيها ضياع أوقات، أو استفادات مرجوحة، وربما يكون التعلم بوسائل أخرى عبر حلق العلم وإتيان المشايخ، لا يمكن أبداً الاستغناء عنه بهذه الأجهزة، وإذا صار عند بعض الغربيين فكرة إدخال تعليم، فلا داعي لذهاب الأولاد إلى المدارس، يتعلمون الكمبيوتر في البيت، فنحن يبقى عندنا دور المربي، العامل البشري القدوة لا يمكن تعويضه بالكمبيوتر مطلقاً. ونسأل الله أن يوفق المخلصين لخدمة دينه، وأن يجعلهم من حملة لواء السنة ونشرها في العالمين، ونسأله أن يوفق للخير كل من أراده، وأن يخذل كل من أراد خذلان الدين أو إدخال الشر إلى مجتمع المسلمين، والمعذرة على الإطالة، وأسأل الله أن يغفر لنا الزلات، ويضاعف لنا الحسنات، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 3999

سؤال وجواب في ولائم الزفاف النكاح من قواعد الشريعة الإسلامية في بناء الأسرة المسلمة للمشاركة في بناء المجتمع المسلم، ولذلك رغبت فيه وحثت عليه، وفرقت بينه وبين الزنا والسفاح، وكان من الفرقان بين النكاح والسفاح: الإعلان والإشهار، ولذلك أمرت الشريعة بإعلان النكاح وإشهاره بالوسائل المشروعة، ومن ذلك: وليمة الزفاف هذا ما تحدث عنه الشيخ، فقد تكلم عن الوليمة، من حيث حكمها، ووقتها، وإجابة الدعوة إليها، وشروط الإجابة، وذكر أسئلة وأجوبة تتعلق بها، ثم تكلم عن بعض منكرات الأعراس.

стр. 4000

الوليمة أحكامها وآدابها إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن النكاح من قواعد هذه الشريعة في بناء الأسرة المسلمة للمشاركة في بناء المجتمع المسلم، ولذلك رغبت فيه وحثت عليه، وفرقت بينه وبين الزنا والسفاح، وكان من الفرقان بين النكاح والسفاح: الإعلان والإشهار، ولذلك أمرت الشريعة بإعلان النكاح وإشهاره بالوسائل المشروعة، ومن ذلك: وليمة الزفاف. وفي هذه الأيام تكثر الولائم في بداية هذه الإجازة، وتستمر في أيامها، فكان من المناسب -أيها الإخوة- أن نتحدث عن آداب ذلك في الشريعة، وعن بعض ما ورد فيها من الأحكام.

стр. 4001

الوليمة سنة متبعة لقد أولم النبي ﷺ على نسائه، فكانت سنة متبعة، ومن ذلك ما فعله ﷺ عند زواجه بـ صفية، فإنه قد جاء في الحديث الصحيح: أن أم سليم قد جهزتها له من الليل، فأصبح النبي ﷺ عروساً، والعروس: كلمة تطلق على الرجل والمرأة في الشريعة إذا تزوجا وأعرسا، فأصبح النبي ﷺ عروساً، فقال: (من كان عنده شيء فليجئ به، قال: وبسط نطعاً، فجعل الرجل يجيء بالأقط، وجعل الرجل يجيء بالتمر، وجعل الرجل يجيء بالسمن، فحاسوا حيساً، فكانت وليمة رسول الله ﷺ بسط ذلك البساط من الجلد، وجيء بالأقط وهو اللبن المجفف، وجيء بغيره من السمن والتمر، فخلط ذلك وعمل الحيس، وكانت وليمة النبي ﷺ . وفي رواية البخاري: قال أنس ﵁: (أقام النبي ﷺ بين خبير والمدينة ثلاث ليال، يبني فيه بـ صفية، ودعا الناس إلى طعام الوليمة ثلاث ليال، فدعوت المسلمين إلى وليمته، وما كان فيها من خبز ولا لحم، وما كان فيها إلا أن أمر بلالاً بالأنطاع فبسطت، فألقي عليها التمر والأقط والسمن) وهكذا كانت وليمة النبي ﷺ ، ودُعي إليها المسلمون. والوليمة حق، وقد جاء في صحيح مسلم: (شر الطعام طعام الوليمة، يدعى الغني ويترك المسكين وهي حق) إذاً: الوليمة حق وليست بباطل، وهي من الإسلام، ولما خطب علي ﵁ فاطمة ﵍، قال رسول الله صلى الله وعليه وسلم: (إنه لا بد للعريس من وليمة) رواه أحمد وسنده لا بأس به. وقال ﵊ لـ عبد الرحمن بن عوف: (أولم ولو بشاة) رواه البخاري وغيره. فينبغي القيام بذلك خصوصاً للمقتدرين، وهذا فيه إشهار للنكاح وإعلان له كما تقدم.

стр. 4002

وقت الوليمة وقد ذكر العلماء في وقتها أقوالاً، تمتد من عند العقد إلى انتهاء الدخول، وهل تكون قبل الدخول أو بعده؟ جاء عن النبي ﷺ فعلها بعد الدخول، كما في قصة زينب بنت جحش ﵂، فقد قال أنس في القصة: (أصبح النبي ﷺ عروساً بـ زينب فدعا القوم -أي: لما أصبح بعد دخوله بها- دعا القوم إلى وليمة النكاح) وهذا يدل على أن الوليمة للدخول لا للإملاك، وأمر وقتها واسع، فلو فعله قبل الدخول كعادة الناس في هذه الأيام، أو بعده في اليوم التالي، فلا بأس بذلك، بل هي سنة.

стр. 4003

مشاركة الأغنياء بمالهم في الوليمة ومشاركة الأغنياء بمالهم في الوليمة سنة أيضاً، كما دل على ذلك الحديث السابق: (دعا النبي ﷺ الناس للمشاركة، فجعل الرجل يجيء بالأقط، وجعل الرجل يجيء بالتمر، وجعل الرجل يجيء بالسمن، فحاسوا حيساً، فجعلوا يأكلون من ذلك الحيس، ويشربون من حياض إلى جنبهم من ماء السماء، فكانت وليمة رسول الله صلى الله وعليه وسلم) وكذلك لما بنى علي بـ فاطمة، قال ﵊: (يا علي، إنه لا بد للعروس من وليمة، فقال سعد: عندي كبش) انظروا إلى البساطة في مسألة إقامة الوليمة، والمشاركة من قبل الإخوان، ليس في المسألة تكلف، ولا تجعل قضية الوليمة والصالات والفنادق والمغالاة فيها، لا تجعل أبداً عائقاً في طريق الزواج؛ فإن الشريعة قد أمرت به، ورغبت فيه، فهي تذلل كل صعوبة في طريقه، فقال سعد: (عندي كبش، وجمع له رهط من الأنصار أصوعاً من ذرة، فلما كانت ليلة البناء، قال: لا تحدث شيئاً حتى تلقاني، فدعا رسول الله ﷺ بماء فتوضأ فيه، ثم أفرغه على علي وذكر دعوة النبي ﷺ لـ علي بالبركة) الحديث.

стр. 4004

إجابة الدعوة في الوليمة وشروطها وأما بالنسبة لإجابة الدعوة، فقد قال البخاري ﵀ في صحيحه: باب حق إجابة الوليمة والدعوة وروى -رحمه الله تعالى- حديث النبي ﷺ : (إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها) والوليمة هي طعام العرس، مأخوذة من الولم وهو الجمع؛ لأن الزوجين يجتمعان ويجتمع الناس إلى تلك الوليمة، هكذا تسميها العرب، كما سمت طعام الختان: إعذاراً، وطعام الولادة عقيقة، وطعام سلامة المرأة من الطلق خرساً، وطعام قدوم المسافر بالسلامة نقيعة، وطعام تجديد السكن وكيرة والمأدبة هي الطعام الذي يؤخذ بلا سبب. والمشهور من أقوال العلماء: وجوب إجابة وليمة الزفاف بالذات، واستحباب إجابة غيرها من الولائم المباحة، ولذلك فإن إجابة دعوة الوليمة عند جمهور الشافعية والحنابلة، ونص عليه مالك ﵀ أنها فرض عين، تجب على كل من دعي إليها، وكونها فرض كفاية يكون كما قال ابن دقيق العيد ﵀ في حالة ما إذا عمت الدعوة، إذا عم الناس بالدعوة فالإجابة فرض كفاية، وإذا خص فلاناً وفلاناً وفلاناً بأعينهم، كما في حالة إرسال بطاقات الدعوة بأسمائهم، فإن الإجابة تكون متعينة عليهم حينئذ. وشرط الوجوب: أن يكون الداعي مكلفاً حراً رشيداً، وألاَّ يخص الأغنياء دون الفقراء، وألا تكون لرهبة، وأن يكون الداعي مسلماً على الراجح، والوجوب مختص باليوم الأول على المشهور من أقوال أهل العلم، وألا يسبق الداعي، فلو سبق فإن المدعو يقدم الأول وجوباً، فلو دعاك أكثر من شخص فإنك تقدم الأول منهم وجوباً، ويسقط وجوب إجابة الثاني، ومن بعده، وإن جاءا معاً لدعوتك إلى وليمة في وقت واحد، فإنك تقدم من قدمه الشارع، تقدم الأقرب فالأقرب، وتقدم الأقرب جواراً على غيره ممن بعده من الجيران، وهكذا حتى قال العلماء: فإن استويا من جميع الوجوه فبالقرعة. ومن شروط إجابة الدعوة: ألاَّ تشتمل على منكر، وقد يكون هناك سبب لعمل الوليمة في عدة أيام، ككثرة الناس، وضيق المكان، أو توالي قدومهم من الأسفار، أي: المدعوين، أو قصد إطعام الناس، والإحسان إلى الفقراء، ولذلك أخرج أبو يعلى بسند حسن عن أنس قال: (تزوج النبي ﷺ صفية، وجعل عتقها صداقها، وجعل الوليمة ثلاثة أيام). وأما إن كان تكرار الدعوة للمباهاة والمراءاة فلا وجوب، قال قتادة ﵀: [بلغني عن سعيد بن المسيب أنه دعي أول يوم فأجاب، ودعي ثاني يوم فأجاب، ودعي ثالث يوم فلم يجب، وقال: أهل رياء وسمعة]. وقال بعض العلماء بوجوب الإجابة في اليوم الأول، والثاني مستحب، والثالث مكروه، أما إذا قصد الخير بتكرار الأيام والدعوات فلا بأس بذلك، ويدل عليه أن يدعو في كل يوم طائفة لم يدعها من قبل، فيعرف حينئذٍ أنه لم يقصد المباهاة ولا المراءاة، ومن ترك إجابة الدعوة فقد عصى الله ورسوله، لقوله ﷺ : (شر الطعام طعام الوليمة، يدعى إليها الأغنياء ويترك الفقراء، ومن ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله ﷺ وقوله: (يدعى لها الأغنياء ويترك الفقراء) يدل على أنها تكون شر الطعام إذا كانت بهذه الصفة، ولهذا قال ابن مسعود ﵁: [إذا خص الغني -أي: صاحب الوليمة- وترك الفقير، أمرنا ألاَّ نجيب] ورخص بعض أهل العلم في تميز الأغنياء بوليمة والفقراء بأخرى إذا وجد حرجاً في خلطهم، أما أن يترك الفقراء بالكلية، فهذا أمر مذموم، وهو من عادة الجاهلية، أنهم كانوا يدعون الأغنياء ويتركون الفقراء، وكان أبو هريرة ﵁ يقول لمن هذا حاله: [أنتم العاصون في الدعوة، تَدْعون من لا يأتي وتَدَعون من يأتي] تدعون الشبعان الغني وتهتمون بدعوته، والفقير المحتاج إلى الطعام تدَعونه ولا تدْعونه. ولا يجوز لمن لم يدعَ أن يأتي إذا كانت الوليمة خاصة، ويكون حينئذٍ من المتطفلين الذين يدخل أحدهم مغيراً ويخرج سارقاً، كما يفعل بعض الناس في الطواف على صالات الأعراس بغير دعوة للطعام، فأما إذا كانت الدعوة عامة، وهي التي يسميها العلماء: جفلة، كأن وجه الدعوة إلى الناس عموماً، أو بين ذلك بإقامته في ميدان عام مفتوح للناس أجمعين، وعُلم من طبع هؤلاء الذين أقاموا الوليمة أنهم لا يمانعون حضور من مر بهم، أو من قصدهم؛ فلا بأس بالحضور بغير دعوة، فأما إذا خصوا أناساً معينين؛ فلا يجوز لغيرهم الحضور، وقد جمع النبي ﷺ بين هذا وهذا، فقال لـ أنس: (اذهب فادع لي فلاناً، وفلاناً، ومن لقيت) فسمى أناساً معينين، وأمر أنساً أن يدعو له من يلقى. وكذلك إذا سمح صاحب الدعوة، وهو الغالب على حال الناس، بأن يأتي الضيف وضيفه، أو الضيف ومن معه، أو المدعو وأصحابه؛ فلا بأس بقدومهم، حتى لو لم يخصوا بدعوة. ولا يجوز احتقار طعام صاحب الدعوة وإن قل؛ لقوله ﷺ : (لو دعيت إلى كراع لأجبت، ولو أهدي إلي كراع لقبلت) والكراع: مستدق الساق من الرجل، ومن حد الرسغ في اليد، ويكون الذي عليه لحم قليل، ويكون الكراع محتقراً من قبل الناس وبما أنه لا يبعث على الدعوة إلى الطعام إلا صدق المحبة، وسرور الداعي، فإن أخاك تكون فرحته عظمية، بل إن حفلة ووليمة الزفاف أعظم فرحة من غيرها؛ لذلك لزمت الإجابة، وتحققت المشاركة الشعورية والعملية لصاحب العرس بإجابته؛ تحبباً إليه وتعاطفاً معه، ومشاركة لأخيك المسلم في فرحته، ولذلك كان التخلف عن الحضور بلا عذر شرعي معصية في شريعتنا. وينبغي على من لا يريد الحضور أن يعتذر، وروى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن ابن عمر: [أنه دعا بالطعام، فقال رجل من القوم: أعفني، فقال ابن عمر: إنه لا عافية لك من هذا فقم]. وأخرج بسند صحيح -أيضاً- عن ابن عباس: [أن ابن صفوان دعاه، فقال ابن عباس ﵁: إني مشغول، وإن لم تعفني جئت] وينبغي على صاحب الدعوة قبول العذر، وإجابة أخيه في طلبه، وأما إذا لم يكن عذر فليأت وليجب دعوة أخيه.

стр. 4005

عدم المغالاة والمباهاة في الولائم عباد الله: إن النبي ﷺ لم يغالِ في وليمة الزفاف، بل كان يفعل ما تيسر، فقد جاء في صحيح البخاري عن صفية بنت شيبة، قالت: (أولم النبي ﷺ على بعض نسائه بمدين من شعير) وأقرب من يوصف بذلك هي أم سلمة رضي الله تعالى عنها، فإنه قد جاء في مسند أحمد أنها قالت: (فأخذت ثفالي وأخرجت حبات من شعير -كانت عندها- وأخرجت شحماً فعصدته، وأصبح النبي ﷺ يقدم ذلك الطعام) وقوله لـ عبد الرحمن: (أولم ولو بشاة) هو للمقتدر الميسر، وفيه تأكيد أمر الوليمة، وأنها تتأكد وتستدرك ولو بعد الدخول بوقت. والنبي ﷺ تفاوتت به الأحوال، فمرة أطعم الناس حيساً مما جاءوا به، ومرة أولم على زينب باللحم، كما جاء في الحديث الصحيح عن أنس: (ما رأيت النبي ﷺ أولم على أحد من نسائه ما أولم عليها -أي على زينب - أولم بشاةٍ، وأشبع الناس خبزاً ولحماً، وكفتهم تلك الشاة ببركة النبي ﷺ فلا معنى للمغالاة والتكلف الذي يفعله بعض الناس، وينبغي على الإنسان أن يجيب ولو كان صائماً، فإن كان صائماً فليصل، أي: يدعو لأصحاب الوليمة، وإن كان يشق على صاحب الدعوة صومه فالأفضل الفطر، وإلا فالأفضل الصيام، والصيام ليس عذراً في ترك الإجابة، وكانوا قديماً يدعون للوليمة على الغداء، وأما عامة فعل الناس اليوم فهو على العشاء، وكلاهما صحيح، ولا بأس بذلك.

стр. 4006

أسئلة وأجوبة تتعلق بالوليمة وفيما يلي -أيها الإخوة- بعض أسئلة أفادنا بأجوبتها شيخنا أبو عبد الله عبد العزيز حفظه الله، في بعض ما يحدث من الحالات الواقعية. السؤال إذا كان المنكر في زاوية أو حجرة من البيت لا يشهده المدعو ولا يراه، فهل يحضر الوليمة؟ الجواب نعم. السؤال: إذا كان هناك أناس من المبتدعة، لكنهم لا يتكلمون ببدعتهم في العرس، فهل يجوز الحضور؟ الجواب: نعم. السؤال: هل يدخل النساء في وجوب دعوة وليمة العرس؟ الجواب: نعم، مثل الرجال، إذا أذن زوجها أو وليها بطبيعة الحال، ولم يكن عندهن منكر، وما أكثر المنكرات في صالات النساء! السؤال: إذا كان مال صاحب الوليمة مختلطاً، فهل يجب الحضور؟ الجواب: نعم، وقد دعا النبي صلى لله عليه وسلم يهودي فأجابه، ولكن إذا كان مال صاحب الوليمة كله سحت وحرام، فلا يجوز إجابته حينئذٍ. السؤال: إذا كان العرس فيه منكر في وقت دون وقت، فهل يحضر، كما إذا كانوا يمتنعون عن المنكر في وقت العشاء، -مثلاً- فحضر وقت العشاء؟ الجواب: نعم، يجوز ذلك. السؤال: هل يعتبر كرت الدعوة وبطاقة الدعوة، والاتصال الهاتفي، والخبر عند الأهل ملزماً بالحضور ودعوة لا بد من إتيانها وتلبيتها إذا لم يكن عذر شرعي؟ الجواب: نعم. السؤال: إذا كان يستطيع حضور أكثر من مناسبة في ليلة واحدة، فهل يجيب؟ الجواب: لا. يكتفي بالأول. السؤال: هل الإسراف يسقط وجوب إجابة الدعوة؟ الجواب: إذا تحقق من كونه إسرافاً، فإن بعض الناس قد يعمل طعاماً لمائتين ولكن لا يحضر إلا مائة، فيظهر كأنه إسراف وليس كذلك، ولكن في بعض الحالات يتحقق أنه إسراف، فتكون هناك صالة للحم للغنم، وصالة للحم الطير، وصالة للحم الإبل، وصالة للعجل، وصالة للحلويات، وصالة وصالة وغير ذلك مما تسمعه من أنباء المترفين. السؤال: إذا أخروا العشاء فهل يجوز الانصراف؟ الجواب: نعم. فإن الوجوب في الحضور لا في الطعام على الراجح، لكن إذا أكل فهو أحسن. السؤال: إذا وصل الدف إلى مسامع الرجال، فهل ينكر؟ الجواب: لا. لكن لا يجوز أن يستمع إلى صوت النساء وهن يغنين، ولا يجوز لهن استعمال مكبرات التي توصل أصواتهن إلى الرجال، وهذا كثير وحادث، ولا حول ولا قوة إلا بالله! وإذا ذهب إلى دعوة فرأى منكراً أنكره، ولا بد من ذلك. نسأل الله أن يجعلنا ممن يتبع السنة، ويحرص على حقوق الأخوة، وأن يجعلنا من أصحاب العفة، وأن يرزق من لم يتزوج بزوجة صالحة، وأن ينعم على من تزوج بصلاح زوجته والذرية الصالحة. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 4007

منكرات الأعراس الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي أضحك وأبكى، وأمات وأحيا، وخلق الزوجين الذكر والأنثى، أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، له الكبرياء في السموات والأرض وهو الحكيم الخبير، وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وعلى أصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. عباد الله: ما أكثر المنكرات في الأعراس! وما أكثر الذين يسقطون حقهم في وجوب الإجابة في الوليمة، بسبب ما أحدثوه ويحدثونه في ولائهم من المحرمات الصريحة! اسمعوا ماذا فعل الصحابة رضوان الله عليهم، جاء عند البيهقي بسند صحيح: [أن رجلاً صنع طعاماً، فدعا ابن مسعود ﵁، فقال ابن مسعود: أفي البيت صورة؟ قال: نعم، فأبى أن يدخل حتى كسرت الصورة] تمثال في البيت، رفض ابن مسعود أن يدخل حتى كسرت الصورة، بل حتى يكون -أحياناً- مما يتنزه عنه، كان لبعض الصحابة موقف حاسم، عن سالم بن عبد الله بن عمر قال: [[أعرست في عهد أبي فآذن أبي الناس -أي: دعاهم- فكان أبو أيوب فيمن آذنا، وقد ستروا بيتي ببجادٍ أخضر -جعلوا على الجدران بجاداً أخضر- فأقبل أبو أيوب، فاطلع، فلما دخل البيت ورآه، قال: يا عبد الله بن عمر -والصحابة لم يكونون يجاملون بعضهم بعضاً في الحق أبداً- قال: يا عبد الله! أتسترون الجدر؟! فقام أبي واستحيا وقال: غلبنا عليه النساء يا أبا أيوب. فقال أبو أيوب: من خشيت أن تغلبه النساء فلم أكن أخشى عليك، والله لا أطعم لكم طعاماً، فرجع] هل كان أبو أيوب يرى ستر الجدران بالقماش منكراً؟ محتمل، ولعل ابن عمر أفاد من تلك القصة، فقد جاء عنه ﵁: أنه دخل إلى بيت رجل دعاه إلى عرس، فإذا بيته قد سترت بالكرور، فقال ابن عمر: [يا فلان! متى تحولت الكعبة في بيتك؟ -الكعبة هي التي تستر بالقماش- متى تحولت الكعبة في بيتك؟ ثم قال لنفر من أصحاب النبي ﷺ : ليهتك كل رجل مما يليه] كل واحد يمزق ما كان من جهته، هذا على قضية ستر الجدار بقماش، فكيف باليوم -يا عباد الله- وما أدراك ما يحدث اليوم من المنكرات؟! الفرق الغنائية تأتي بقضها وقضيضها بكلام الأغاني الخليع والإباحي، وذكر الحب والغرام والعشق، والمعازف يضرب بها، وقد علمنا تحريمها من الكتاب والسنة، ودخول الرجل على النساء وكثير منهن غير محتشمات ولا متحجبات، والتقاط الصور، وما أدراك ما الصور! الصور للنساء، والتي ترى من قبل الرجال في كثير من الأحيان، ثم ملابس النساء في الأعراس في غاية السوء، من القصير والشفاف والمشقوق، تجلس فيظهر الفخذ وما فوقه! ويحدث من المنكرات ما الله به عليم إسراف وطعام يرمى في براميل القمامة، إذا كان العلماء قد كرهوا النثار وهو ما ينثر على الحاضرين من الجوز وغيره؛ لأن النبي ﷺ نهى عن النهبة؛ لأنه يكون فيها إظهار للجشع، فكيف إذا ظهرت المنكرات والمحرمات ابتداء من بطاقة الزفاف، بطاقة الدعوة فيها منكرات، وفي كلام بعضهم لبعض: بالرفاء والبنين، وهذا من شعار أهل الجاهلية الذين كانوا يكرهون البنات، وإنما السنة أن يقال: (بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في خير) أو يقول: بارك الله لك، أو على البركة، وهي كلمة شرعية وردت في الأحاديث: على البركة وعلى خير طائر، ويقول بعد إجابة دعوتهم: اللهم بارك لهم فيما رزقتهم، واغفر لهم وارحمهم، أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة، اللهم أطعم من أطعمنا، واسق من سقانا وهكذا من الكلمات الطيبة، لكنهم الآن يحولون صالات الأعراس ميداناً لمبارزة الله ورسوله بالمعاصي، وما هو مسموع كثير كثير. أيها الإخوة: لماذا لا ننضبط بقوانين الشريعة وحدودها؟ لماذا تستأسد النساء، ويكون الرجال كالحمام الأليف؟ لماذا تجاب كثير من النساء إلى طلباتهن بالمنكر؟ وبعضهم يقول: من الساعة العاشرة إلى الثانية عشرة حفل إسلامي، ومن الثانية عشرة إلى الفجر حدث ولا حرج، ثم ابتدعوا شيئاً اسمه: وجبة الإفطار، حيث أن بعض الأعراس لا تنتهي إلا بعد الفجر بمدة، فيفتح البوفية مرة أخرى للإفطار. عباد الله: إن المسألة قد صارت إلى تضييع صلاة الفجر، إن المسألة قد صارت إلى المنكرات التي تحدث في الولائم، إنه أمر لا يطاق ولا تقره الشريعة أبداً، والواجب علينا نحن الرجال المسلمين أن نقوم لله تعالى بالصدع بالحق، ومنع المنكر والباطل، ونحن قادرون على ذلك، ولا يمنعنك الإحراج أو كلام الناس أن تطيع الله تعالى، لا ترض الناس بسخط الله، فيسخط الله عليك ويسخط عليك الناس، ولكن أرضِ الله ولو بسخط الناس، فسيرضى الله عنك ويرضي عنك الناس. اللهم جنبنا المنكرات، وحبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين. اللهم إنا نسألك السعادة في الدارين، والفوز يوم الدين. اللهم أصلح أزواجنا وذرياتنا واجعلنا للمتقين إماماً، وآمنا في بلادنا هذه وسائر المسلمين في بلدانهم، يا رب العالمين. اللهم آمنا في الأوطان والدور، وأصلح الأئمة وولاة الأمور، واغفر لنا يا عزيز يا غفور. عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 4008

طلوع الشمس من مغربها أورد الشيخ جملة من الأحاديث الواردة في علامات الساعة الصغرى والكبرى، وخص علامة طلوع الشمس من مغربها بالحديث، وذلك لما يتبعها من تغيرات جذرية في العالم العلوي والسفلي، ثم ذكر عدداً من العلامات التي حدثت أو التي سوف تحدث أو ما حدث ولم يظهر بشكل واضح.

стр. 4009

أحاديث في أشراط الساعة الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فهذه الليلة أيها الإخوة! سنتحدث فيها عن حديث عظيم من أحاديث النبي ﷺ ، وهو حديث رواه الإمام أبو عبد الله البخاري ﵀ في صحيحه عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان تكون بينهما مقتلة عظيمة، دعوتهما واحدة، وحتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين كلهم يزعم أنه نبي، وحتى يقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويقرب الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج -وهو القتل- وحتى يكثر فيكم المال فيفيض حتى يهم رب المال من يقبل صدقته، وحتى يعرضه عليه فيقول الذي يعرضه عليه: لا أرب لي به، وحتى يتطاول الناس في البنيان، وحتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانك، وحتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفساً إيمانُها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً، ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما، فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها). هذا الحديث قد اشتمل على عدد من أشراط الساعة؛ وأشراط الساعة أشراط صغرى وأشراط كبرى من جهة الحجم وعظم الوقوع. وأما من جهة هل وقعت أم لا؟ فهي أقسام: فأحدها وقع وانتهى وقوعه، وفق ما قال ﷺ ، والثاني: ما وقعت مبادئه ولم يستحكم بعد، أوله وقع ولكنه لم يستحكم ويستشر بعد. والثالث: ما لم يقع منه شيء ولكنه سيقع قطعاً. فالقسم الأول تقدم وقوعه كما قال ﷺ ، من ذلك: اقتتال الفئتين العظيمتين، وظهور الفتن، وكثرة الهرج والقتل، وتطاول الناس في البنيان، وتمني بعض الناس الموت، وقتال الترك، وتمني رؤية النبي ﷺ ، وأن هذه الأمة تبعت الأمم الأخرى كما جاء في حديث أبي هريرة: (لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها). وأما النوع الثاني: وهو الذي بدأ ولكنه لم يستحكم بعد: فتقارب الزمان، هذا الكلام ذكره العلماء منذ مئات السنين، وهو الآن في عصرنا أوضح، تقارب الزمان، وكثرة الزلازل، وخروج الدجالين الكذابين، وكذلك ما جاء في الحديث أنه يلقى الشح: (ولا تقوم الساعة حتى لا يقسم ميراث ولا يفرح بغنيمة) كما جاء في حديث مسلم وقد جاء في حديث حذيفة بن أُسيد أنه تقع قبل الساعة آيات منها: (ثلاثة خسوف، خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بـ جزيرة العرب). وكذلك جاء في حديث سحارى عند الإمام أحمد وأبي يعلى عنه ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى يخسف بقبائل من العرب) وهذه الخسوف الثلاثة خسوف عظيمة أكثر مما يقع ويعاين ويشاهد من جهة المكان ومن جهة القدر، يكون خسف على نطاق واسع، وإلا فقد حدثت خسوف وانهيارات أرضية وزلازل، ولكن ليست كهذه الثلاثة التي ستكون أعظم وأكبر وأفظع في القدر والنتائج. وكذلك جاء في بعض الأحاديث ذكر أشراط للساعة مثل حديث ابن مسعود: (لا تقوم الساعة حتى يسود من كل قبيلة منافقوها)، وكذلك في حديث: (كان زعيم القوم أرذلهم، وساد القبيلة فاسقهم)، وكذلك (إذا وسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة). وجاء كذلك بعض الأحاديث التي جمعها بعض أهل العلم، كما فعل ابن حجر رحمه الله تعالى، ومنها ما صح ومنها ما هو ضعيف، وفي بعض هذه الروايات: (حتى يكون الولد غيضاً، والمطر قيضاً، وتفيض الأيام فيضاً) وفي رواية: (ويجترئ الصغير على الكبير، واللئيم على الكريم، ويخرب عمران الدنيا، ويعمر خرابها). هذا من جهة بعض الأشراط التي وقع أولها ولم تستحكم وتستشر. وهناك نمط ثالث وهو لم يقع بعد، ومنها: طلوع الشمس من مغربها، ومنها: قتال المسلمين لليهود، كما جاء في الحديث الصحيح: (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر) الحديث، وقد أخرجه الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه. وهذا القتال يقع قبل الدجال كما ورد في حديث سمرة عند الطبراني، وكذلك جاء في حديث أنس: (أن أمام الدجال سنون خداعات؛ يكذب فيها الصادق، ويصدق فيها الكاذب، ويخون فيها الأمين، ويؤتمن فيها الخائن، ويتكلم فيها الرويبضة)، وهو الرجل التافه يتكلم في مصير العامة من الناس، رواه الإمام أحمد وأبو يعلى والبزار وسنده جيد. وقد جاء عند ابن ماجة في حديث أبي هريرة: (قيل: وما الرويبضة؟ قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة). وجاء في حديث سمرة كذلك: (لا تقوم الساعة حتى تروا أموراً عظاماً لم تحدثوا بها أنفسكم)، أي: ما خطرت على بال، وفي لفظ: (يتفاقم شأنها في أنفسكم، وتسألون هل كان نبيكم ذكر لكم منها ذكراً؟). وجاء في هذا الحديث: (وحتى تروا الجبال تزول عن أماكنها)، وقد أخرجه الإمام أحمد والطبراني وأصله في الترمذي. وجاء في حديث عبد الله بن عمر: (لا تقوم الساعة حتى يتسافد الناس في الطريق تسافد الحمر) أي: كما أن الحمير يركب بعضها بعضاً، ويفعل بعضها في بعض، فكذلك سيفعل الناس في الطرقات وعلى الملأ وأمام الآخرين. وجاء في حديث أبي يعلى عن أبي هريرة: (لا تفنى هذه الأمة حتى يقوم الرجل إلى المرأة فيفترشها في الطريق، فيكون خيارهم يومئذ من يقول: لو واريناها وراء هذا الحائط)، وللطبراني في الأوسط من حديث أبي ذر وفيه: (يقول أمثلهم: لو اعتزلتم الطريق)، وفي حديث أبي أمامة عند الطبراني: (وحتى تمر المرأة بالقوم فيقوم إليها أحدهم فيرفع بذيلها كما يرفع ذنب النعجة، فيقول بعضهم: لو واريتها وراء الحائط، فهو يومئذ فيهم مثل أبي بكر وعمر) أي: في العِظم والمكانة. وكذلك جاء في حديث حذيفة بن اليمان عند ابن ماجة: (يدرس الإسلام -أي: يزول وينتهي- كما يدرس وشي الثوب -كما ينمحي لون الثوب ويزول مع الوقت- حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة، ويبقى طوائف من الناس -الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة- يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: (لا إله إلا الله) فنحن نقولها). وكذلك جاء في حديث أنس: (لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: لا إله إلا الله، فنحن نقولها)، وقد أخرجه الإمام أحمد بسند قوي، وجاء عند مسلم بلفظ: (حتى لا يقال في الأرض: الله الله). وفي حديث ابن مسعود (لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس)، وفي رواية: (أنه يبقى حثالة) وفي رواية: (لا تقوم الساعة على مؤمن). وجاء عند أحمد بسند جيد كما قال ابن حجر ﵀ عن عبد الله بن عمر: (لا تقوم الساعة حتى يأخذ الله شريطته من أهل الأرض -يأخذ أهله ويأخذ المؤمنين من أهل الأرض- فيبقى عجاج لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً). وكذلك جاء في حديث الطيالسي عن أبي هريرة: (لا تقوم الساعة حتى يرجع الناس من ملتي إلى الأوثان يعبدونها من دون الله). وفي رواية لـ مسلم وأحمد: (ولا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان)، ووجد في بعض الأماكن عبادة للأوثان من بعض قبائل العرب فعلاً وحقاً. وقال ﷺ : (لا تذهب الأيام والليالي حتى تعبد اللات والعزى من دون الله)، رواه الإمام مسلم وفيه: (ثم يبعث الله ريحاً طيبة فيتوفى فيها كل مؤمن في قلبه مثقال حبة من إيمان، فيبقى من لا خير فيه فيرجعون إلى دين آبائهم). فالأشراط منها صغار وقد مضى أكثرها، ومنها كبار ستأتي، والكبار التي تضمنها حديث حذيفة بن أسيد عند مسلم وهي: الدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم، وخروج يأجوج ومأجوج، والريح التي تهب بعد موت عيسى، فتقبض أرواح المؤمنين. فماذا بالنسبة للطائفة المنصورة التي أخبر النبي ﷺ عن وجودها، وأنها إلى آخر الزمان؟ ف الجواب أن هذه الطائفة قائمة حقاً وفعلاً، ولكنها ستبقى إلى قرب نهاية الزمان، فقبيل قيام الساعة يبعث الله ريحاً فتقبض أرواح هذه الطائفة المنصورة وغيرها من المؤمنين، ويبقى شرار الخلق وعليهم تقوم الساعة، هكذا وجه الجمع بين حديث الطائفة المنصورة، وحديث: (أنه لا تقوم الساعة وفي الأرض من يقول: الله الله) أي: لا يذكر الله ، وبالتالي لا يكون هناك فائدة من وجود المصاحف، فيسرى على كتاب الله في ليلة، ولا يبقى منه آية لا في المصاحف ولا في الصدور، ويبعث الله تعالى ذو السويقتين فيخرب الكعبة؛ لأنه لا أحد يحج إلى

стр. 4010

ما تضمنته أحاديث أشراط الساعة هذا الحديث -الذي مر معنا- تضمن عدة فقرات: أولها: (حتى تقتتل فئتان) وقد ذكر شراح الأحاديث أن هاتين الفئتين هما فئة علي، ومعاوية رضي الله تعالى عنهما، وكان لكل منهما دعوة، فأما معاوية ﵁ فإنه كان يطلب القصاص من قتلة عثمان، وعلي ﵁ كان يريد أن يبايعه أولاً، ثم ينظر في قتلة عثمان، ومعاوية ﵁ كان ولي الدم يريد المطالبة أولاً بقتلة عثمان وحصل ما حصل بين الصحابة، ونحن نمسك عما جرى بينهم، ولا نتكلم فيه، ونترضى عنهم، ولكن نقول: ما أخبر به ﷺ وقع فعلاً، ووقعت الفتنة وكان قتل عمر هو كسر الباب الذي دخلت فيه الفتن على المسلمين، وقضى الله قضاءه، وشاء ما شاء، وقدر ما قدر، فقتل في تلك الأحداث من قتل من خيار المسلمين. وكان للمنافقين ولـ عبد الله بن سبأ اليهودي وغيره من أهل الشر الدور العظيم في حصول تلك الفتن. ثانيها: أخبر النبي ﷺ أن هناك دجالين قريب من ثلاثين يبعثون، والمقصود ببعثهم هو ظهورهم، لا بعث الرسالة، فإن بعث الرسالة يكون للأنبياء، وقال في الحديث: (قريب من ثلاثين) وجاء في رواية عند الإمام أحمد ﵀: أن هؤلاء يبعث سبعة وعشرون منهم أربع نساء ويكون ما ذكر من الثلاثين هو جبر للكسر. أما بالنسبة لمن ظهر، فقد ظهر عدد من الدجالين منهم مسيلمة الكذاب، والأسود العنسي، وطليحة الأسدي، الذي رجع، وتنبأت سجاح امرأة وتزوجها مسيلمة ثم رجعت بعده، فهؤلاء قد ظهروا، فذكر الإمام أحمد ﵀ عن حذيفة بسند جيد (سيكون في أمتي كذابون دجالون سبعة وعشرون منهم أربع نسوة، وإني خاتم النبيين لا نبي بعدي)، جاء في هذه الرواية قال: (كلهم يزعم أنه رسول الله)، أي: يدعي النبوة. ومدعو النبوة كثر، ادعى النبوة ناس كثيرون ربما كانوا بالمئات، ولكن رءوسهم الذين كان لهم شأن كبير وفتنة كبيرة وعظيمة وأتباع، وربما صار قتال عظيم بينهم وبين المسلمين، فهؤلاء لا يتجاوزن الثلاثين كما أخبر النبي ﷺ ، وإلا فالمدعون الصغار للنبوة كثر. ثالثها: قال في هذا الحديث: (وحتى يقبض العلم)، فأما قبض العلم فهو ظاهر؛ لأن قبض العلم سيكون فيه ذهاب العلم والعلماء؛ لأن الله لا ينتزع العلم انتزاعاً من الصدور، وإنما يقبض العلم بقبض العلماء، فإذا قبض الله العلماء بقي الجهال، فاتخذ الناس رءوساً جهالاً فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا. وكذلك فإن من الظواهر التي تدل على ذهاب العلم: أن يلتمس من يعلم المسألة فلا يوجد إلا بشق الأنفس، وربما لا يصل بعض الناس إلى من يسأله، فيظهر الجهل ويظهر مفتون كذبة، بعضهم يفتي بالهوى، وعلى ما يريد الناس، ولأجل المال والدنيا، وبعضهم يفتي بالجهل حباً للترأس، ولأن يسأل ويكون له مكانة بين الخلق. وهذا الشيء قد رئي عياناً، فقد نقص العلم وظهر الجهل، وقد حصل ما حصل من قبض العلم بموت كثير من العلماء، والمراد بالعلم بطبيعة الحال هو: علم الكتاب والسنة، والعلماء هم ورثة الأنبياء، فالعلماء مع قلتهم لا يزالون في فناء ونقصان، وسيكون نهاية رفع العلم -كما قلنا- بزوال المصاحف والقرآن من الأرض، وأن يبقى الناس جهلة ما فيهم واحد يذكر الله . وهذا الحديث كونه يشير إلى ذهاب العلم لا يعني الاستسلام، وأن يقال: إن هذا وقتنا الذي سيذهب فيه العلماء ولا يبقى فيه أحد، لا. وإنما هو حذرنا من وقوع هذا الشيء، وليس بالضرورة أن يقع في حياتنا وفي زماننا، فقد يقع بعدنا بمدة، ولذلك فإن على المسلمين مسئولية في نشر العلم، حتى لا نكون نحن في الزمن الذي تقع فيه هذه الكارثة. وكذلك يكون مقاومة انتشار الجهل بحفظ الكتاب والسنة، وكلام العلماء والجلوس إليهم والأخذ عنهم، وكذلك تحصيلهم للقراءة في الكتب، وسماعه ونشره بالطباعة والتسجيل وغير ذلك من الوسائل حتى لا نكون نحن هذا الجيل السيئ الذي ينتهي فيه العلم، ولذلك كان من بركة اليقظة الإسلامية المعاصرة انتشار العلم ونشره بين المسلمين. رابعها: وأما بالنسبة لقضية كثرة الزلازل فقد وقع كثير منها في البلاد الشمالية والشرقية والغربية، والمقصود بكثرتها شمولها ودوامها، لذلك جاء في حديث أحمد: (وبين يدي الساعة سنوات الزلازل)، وعند الإمام أحمد عن أبي سعيد (تكثر الصواعق عند اقتراب الساعة)، وما نسمعه في هذا الزمان من مسألة كثرة الزلازل أمر مشاهد، فإنك تسمع بالأخبار العظيمة التي فيها القتلى الكثر، وتخريب المدن والمنشآت ونحو ذلك، وهذا حق؛ لأن النبي ﷺ قد أخبر به. والزلازل هذه لها صور ولها أشكال، قد تكون حركة واضطراباً وكسفاً، وقد قال النبي ﷺ لـ عبد الله بن حوالة ﵁ لما وضع يده على رأسه، قال: (يا بن حوالة! إذا رأيت الخلاف قد نزل في الأرض المقدسة، فقد دنت الزلازل والبلايا والأمور العظام، والساعة يومئذٍ أقرب إلى الناس من يدي هذه إلى رأسك). الناس يقولون: إنه قد مضى وقت وما حدث شيء ونحو ذلك، فالناس يستعجلون ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧]. خامسها: قوله في الحديث: (يتقارب الزمان) إما أن الزمان يسرع إسراعاً أكثر من قبل، وإما أن البركة تزول، بحيث إنك لو كنت تعيش قبل ألف سنة مثلاً لأمكنك أن تعمل من الأعمال في الأربع والعشرين ساعة أكثر مما تعمله الآن بكثير، ولا يمنع أن يكون الأمران مجتمعين، فيسرع الوقت وتنزع بركته، وقد ذكر العلماء أن الزمن يسرع أكثر منذ قبل، فليس هذا مستبعداً، فالعلماء فسروا تقارب الزمن بتفسيرات منها: الإسراع. قد يعود ذلك إلى تسارع في حركات الكواكب أو ما أشبه ذلك والله أعلم به، ولكن نزع البركة معروف، وقد ذكر العلماء نزع البركة، وكذلك إسراع الزمان، ويمكن أن يكون تقريب المسافات بالوسائل العصرية في المواصلات والنقل داخل في هذا، وكذلك انتقال الصوت بهذه الأجهزة التي قربت البعيد، فتتكلم معه من بعد كبير في مكانك. سادسها: قال: (وحتى يكثر فيكم المال فيفيض) أي: أن هذا المال يأتي عليه وقت يكثر فيه، بحيث إنه يزيد عن حاجة الناس، فقد حصل في عهد عمر بن عبد العزيز ﵀ أن الناس طافوا بالزكاة والصدقات ليوزعوها على الفقراء فلم يجدوا من يقبلها وأغنى عمر الناس. سابعها: جاء في الحديث (تطاول الناس في البنيان)، وقد حصل ذلك، فكل من كان يبني بيتاً يريد أن يكون ارتفاعه أعلى من ارتفاع الآخر، وربما يكون هذا من المباهاة، وربما يدخل فيه أيضاً المباهاة في الزينة والزخرفة، فالارتفاع الحسي والارتفاع في قيمته وفي زخرفته وفي تشييده وتزيينه، ارتفاع حسي ومعنوي من جميع الجهات، فهم يتطاولون فيه علواً، ويتطاولون فيها أيضاً زخرفة وتشييداً. ثامنها: (وحتى يمر الرجل بقبر الرجل، فيقول: يا ليتني! مكانك)، أي: يتمنى الموت من شدة البلاء، وقد حصل هذا، وإذا كان الإنسان لا يجوز أن يدعو على نفسه بالموت، لكن قد يقع في بعض الأحيان أن يتمناه إذا كان يخشى على دينه، لأنه قال: (لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لابد فاعلاً فليقل: اللهم أحييني ما علمت الحياة خيراً لي، وتوفني ما علمت الوفاة خيراً لي).

стр. 4011

طلوع الشمس من مغربها وما بعده تاسعها: ذكر في الحديث من الأشراط الكبيرة قوله: (لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها)، هذا الشرط: (طلوع الشمس من مغربها) هو من الآيات الكبيرة، وعندنا آيات تدل على قرب قيام الساعة، وآيات تدل على حصول الساعة، فمن الآيات العشر الكبيرة التي تدل على قرب قيام الساعة جداً: خروج الدجال، ونزول عيسى، ويأجوج ومأجوج، والخسف، فخروج الدجال ونزول عيسى ويأجوج ومأجوج والخسف هذه من الآيات العشر الكبيرة التي إذا حصلت تدل على أن الساعة على وشك القيام. أما الدخان، وطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، والنار التي تحشر الناس، فهذا معناه أن الساعة قد ابتدأت بالقيام فعلاً. (إذا طلعت الشمس من مغربها فرآها الناس آمنوا أجمعون)، وفي رواية: (آمن من عليها)، أي: من على الأرض كلهم، قال: (فذاك حين لا ينفع نفساً إيمانُها)، من الذي لا ينتفع؟ الكافر؛ لأن المؤمن أصلاً مؤمن، أما الكافر الذي لم يكن مؤمناً قبل طلوع الشمس، فإنه لا ينفعه إيمانه بعد طلوع الشمس من مغربها. ويكون مثله مثل من وصلت روحه إلى الحلقوم عند الغرغرة لا يفيده شيئاً، وكذلك مثله مثل نزول العذاب بالكفار: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر:٨٥]. فإذاً هناك حالات لا ينفع فيها الإيمان: إذا بلغت الروح الحلقوم، وإذا طلعت الشمس من مغربها، وإذا نزل عذاب الله بالكفار انتقاماً وبطشاً كما نزل بقوم ثمود وفرعون وغيرهم. ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا﴾ [الأنعام:١٥٨] قوله: ﴿بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ فسرها جمهور العلماء: بطلوع الشمس من مغربها، وأما بالنسبة لما رواه الإمام مسلم ﵀ في صحيحه عن أبي هريرة رفعه، قال: (ثلاثة إذا خرجن لم ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض) كيف يفهم هذا الحديث؟ لعل هذه الثلاث تكون متتابعة؛ لأن مدة ملك الدجال هو إلى أن يقتله عيسى، فالدجال يخرج ويمكث في الأرض إلى أن يقتله عيسى، ثم لبث عيسى في الأرض وخروج يأجوج ومأجوج أمران متواليان؛ لأن يأجوج ومأجوج يخرجون في عهد عيسى، وعيسى ينزل والدجال موجود، ويأجوج ومأجوج يخرجون وعيسى موجود. والذي يترجح والله أعلم أن هذه الثلاثة قبل طلوع الشمس من مغربها، فذكر ابن حجر ﵀ في الجمع بين الأحاديث قال: فالذي يترجح من مجموع الأخبار: أن خروج الدجال أول الآيات العظام المؤذنة بتغير الأحوال العامة في معظم الأرض، فسيأتي وقت تتغير فيه معظم الأحوال في الأرض. بداية التغير في الأرض تكون بخروج الدجال، وبعده عيسى، وبعده يأجوج ومأجوج، وينتهي ذلك بموت عيسى بن مريم ﵇، ويدفنه المسلمون ويصلون عليه. وأما طلوع الشمس من مغربها، فهو أول الآيات العظيمة المؤذنة بتغير العالم العلوي؛ لأنه سيحدث تغير في الأرض تحت، وسيحدث تغير فوق في العالم العلوي، فبداية التغيرات العظيمة في العالم الأرضي: خروج الدجال، وبداية التغيرات العظيمة في العالم العلوي سيكون طلوع الشمس من مغربها، وستنتهي العملية بقيام الساعة، ولعل خروج الدابة يقع في اليوم الذي تطلع فيه الشمس من مغربها، ولذلك جاء في صحيح مسلم ﵀ عن عبد الله بن عمرو بن العاص رفعه: (أول الآيات طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحىً، فأيهما خرج قبل الأخرى فالأخرى منها قريب). أول الآيات طلوع الشمس من مغربها: إذاً الأولوية هذه بالنسبة لتغير العالم العلوي، وسيكون طلوع الشمس من مغربها متوافقاً مع خروج الدابة التي تختم على الناس المسلم والكافر ختماً، فالنبي ﷺ قال: (أول الآيات طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحىً، فأيهما خرج قبل الأخرى فالأخرى منها قريب). والذي يظهر أن طلوع الشمس يسبق خروج الدابة، ثم تخرج الدابة في نفس اليوم الذي تطلع فيه الشمس من مغربها، لأنه إذا طلعت الشمس من مغربها أقفل باب التوبة، فإذا أقفل باب التوبة استقرت أحوال أهل الأرض على ما هم عليه إيماناً وكفراً، فتخرج الدابة حينئذ لتميز المؤمنين عن الكفار بالختم على وجوههم، تكميلاً للمقصود من إغلاق باب التوبة، لما أغلق باب التوبة ما عاد ينفع الآن أي تغير من الكفر إلى الإسلام، فالدابة تخرج لتسم الموجودين وتطبع عليهم، مؤمن كافر وهكذا، فيكون الختم هذا ظاهراً من قبل الدابة العظيمة التي تخرج ظاهراً على وجوه الناس في ذلك الزمان، والكافر لا ينفعه إيمانه، وكذلك العاصي لا تنفعه توبته ما لم يكن قد تاب من قبل، بل يختم على عمل كل إنسان بالحالة التي هو عليها. فإذا بدأ التغير في العالم العلوي وهو طلوع الشمس من مغربها، فعند ذلك كل الناس سيخافون ورغم عنهم سيؤمنون، ولكن الإيمان لم يعد بنافعهم في ذلك الوقت؛ لأنه ارتفع الإيمان بالغيب، والأمور العظيمة بدأت في الوقوع، مثل الإنسان إذا نزعت روحه ووصلت الحلقوم، وتعاين الملائكة، وعرف أن المسألة حق، والموت حق، والجنة والنار حق، وعرف أن الدنيا فانية لكن بعد فوات الأوان. إذاً: إذا بلغت الروح الحلقوم ما عادت تنفع التوبة؛ لأنه ظهر عالم الغيب وانكشف الغيب المستور، وكذلك إذا طلعت الشمس من مغربها انكشف الغيب المستور، وبدأ عالم الغيب يتجلى، فعند ذلك لا ينفعه إيمان ولا تنفعه توبة. فتوبة من شاهد ذلك الأمر مردودة، ولا يعني طلوع الشمس من مغربها انتهاء كل شيء في تلك اللحظة، فربما تعود الشمس والقمر يكتسبان ضوءاً، ويطلعان ويغربان كما كانا من قبل، إلى أن يأذن الله بكسوفهما بالكلية، وتنكسف الشمس والقمر والنجوم، وتتصادم الكواكب وتأفل النجوم، وتتشقق السماء وتنهار المخلوقات على بعضها، فربما يكون هناك وقت في آخر الزمان إلى أن ينفخ في الصور. وقد قال النبي ﷺ في توالي الآيات: بأن الناس سيعيشون حالات من الرعب والفزع، لأن الأحداث تتوالى بشكل مذهل، فقال ﷺ : (الآيات خرزات منظومات في سلك؛ إذا انقطع السلك تبع بعضها بعضاً)، خذ مسبحة واقطع السلك، كيف يحدث للحبات؟ تتوالى وراء بعض، لا يوجد فرصة بين الحبة والتي تليها، فكما يكون التوالي في خروجها من السلك تكون الآيات متوالية، والناس لا يأخذون نفساً، ولا يتراجع إليهم النفس أو يهدأ روعهم أو يرجع إليهم عقلهم وتفكيرهم؛ لأن المسائل تتوالى، وأشياء فوق التخيل وفوق الوصف، ولذلك فلا يكون هناك وقت لأن يتدارك الإنسان أمره (بين يدي الساعة عشر آيات كالنظم في الخيط إذا سقط منها واحدةٌ توالت). وعن أبي العالية: (بين أول الآيات تتابع كتتابع الخرزات في النظام)، وهو الخيط، وفي آخر الزمن سيمضي الوقت بسرعة شديدة -كما ذكرنا- الوقت يتسارع والأحداث تتسارع، فقد قال ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى تكون السنة كالشهر)، السنة في الطول تكون كالشهر، (واليوم كاحتراق السعفة) أي: يكون مرور اليوم سريعاً جداً كاحتراق السعفة، فهي أربع وعشرين ساعة لكن المرور سريع، ونزع البركة كما قلنا قبل ذلك. وقلنا: أول الآيات الدجال، ثم نزول عيسى، ثم خروج يأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من المغرب يكون بعد ذلك؛ لأن نزول عيسى سيكون فيه إسلام أناس كفار، ولا يبقى في الأرض كافر مطلقاً إما قتل وإما إسلام، والجزية لا تؤخذ ولا تقبل، هذا من خصائص عهد عيسى ﵇، لا تقبل الجزية من الكتابيين، وإنما إما إسلام وإما قتل، فهناك سينتفع ناس بالإسلام على يد عيسى ﵇. فمعنى ذلك أن طلوع الشمس من مغربها سيكون بعد عيسى ﵇، ومن تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه، فالذي يتوب بعدها لا يتوب الله عليه، فلا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت طبع الله على كل قلب بما فيه وكفى الناس العمل، فهذا بالنسبة لمسألة انتهاء مصائر الناس في الإيمان والكفر، بطلوع الشمس من مغربها. وقد حث النبي ﷺ على التوبة وقال: (لا تقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها)، (التوبة مفروضة قبل أن تطلع الشمس من مغربها) (إن بالمغرب باباً مفتوحاً للتوبة مسيرة سبعين سنة، لا يغلق حتى تطلع الشمس من نحوه)، رواه الترمذي وقال: حسن صحيح (فإذا طلعت الشمس من مغربها رد مصراعا الباب، فيلتئم ما بينهما فتغلق) يغلق باب التوبة بالكلية. والشمس طلوعها من مغربها الذي ورد في الحديث يكون بناءً على أمر من الله ، ومنعٍ منه ، فإن الشمس إذا غربت سلمت وسجدت، هكذا جاء في الحديث، وإن كنا نحن لا نراها تسجد ولا نراها تسلم، ولكن هذا ما يحدث، لأنه من عالم الغيب الذي لا ندركه: (إن الشمس إذا غربت سلمت وسجدت، واستأذنت في الطلوع من المشرق فيؤذن لها، حتى إذا كانت ذات ليلة -التي نتحدث عنها الآن- فلا يؤذن لها وتحبس ما شاء الله تعالى، ثم يقال لها: اطلعي من حيث غربتي، قال: فمن يومئذ إلى يوم القيامة لا ينفع نفساً إيمانُها لم تكن آمنت من قبل). وورد في بعض الآثار والله أعلم بصحتها: أنه يطول ليل المتهجدين، ويستغرب الناس من طول الليل، وأن الشمس ما طلعت، وأن ذلك يكون قدر ثلاث ليال ونحوه، وأن الجار ينادي جاره: يا فلان! ما شأن الليلة، لقد نمت حتى شبعت، وصليت حتى أعييت؟! فيفاجئون بأن الشمس قد طلعت من مغربها. وقد جاء عن يزيد بن شريح وكثير بن مرة: أنه إذا طلعت الشمس يطبع على القلوب بما فيها، وترتفع الحفظة، وتؤمر الملائكة ألا يكتبوا عملاً، وهذا الكلام يؤيده حديث عائشة عنها موقوفاً، والحديث هذا وإن كان موقوفاً على عائشة

стр. 4012

جملة مما حدث وسيحدث من أشراط الساعة هذا الحديث الذي أخبرنا به ﷺ لأجل الاستعداد ليوم المعاد، وذكر لنا أشياء بعضها حصلت، ومن الأدلة على أن الأشياء الكبيرة ستحصل، أن الأشياء الأخرى التي أخبرنا بها قد حصلت، فقد أخبرنا ﷺ بأشراط كثيرة للساعة، أخبر أن بعثته أول شرط من أشراط الساعة، وموت النبي ﵊ من أشراط الساعة وقد حصل، وفتح بيت المقدس حصل، والطاعون حصل، وفيض المال قد حصل، وظهور الفتن من قبل المشرق حصل، والمقتلة بين الصحابة حصلت، واتباع الأقوام الأخرى حصل، وإدعاء النبوة حصل، وانتشار الأمن ولا يخاف الرجل إلا الذئب على غنمه حصل شيء من ذلك. وظهور النار العظيمة في الحجاز وقرب المدينة في عام ستمائة وأربعة وخمسين قد حصل، وكتب عنه المؤرخون وفصلوا عنه تفصيلاً كثيراً، وقتال الترك وأن الترك يقاتلونا قد حصل، وقتال العجم حصل، وضياع الأمانة حصل، وقبض العلم وصار كثرة الشرط وأعوان الظلمة ما أكثرهم، وانتشار الزنا والربا وقع، وظهور المعازف وقع، وكثرة شرب الخمر كذلك، وزخرفة المساجد مملوءة، والتطاول في البنيان قام، وولدت الأمة ربتها وقع ذلك فعلاً، وكثرة القتل ما أكثره، وتقارب الزمن نحن نحسه، وتقارب الأسواق فيشتري في هونج كونج والسلعة في أمريكا، وظهر الشرك في الأمة والفواحش وقطعت الأرحام، وأسيء الجوار، وتشبب المشيخة حصل، وكثرة الشح ولا أكثر منه، وكثرة التجارة وما أكثرها، وتعين المرأة زوجها على التجارة؛ فقد أخرجوا سجلات تجارية بأسماء زوجاتهم حصل، وكثرة الزلازل نسمع عنها، وظهور الخسف والمسخ والقلب نحن منه قريب، وذهاب الصالحين، وارتفاع الأسافل، وأن يكون السلام للمعرفة فهذا منتشر، والتماس العلم عند الأصاغر، وظهور الكاسيات العاريات؛ اذهب إلى السوق لتراه في الشوارع، وصدق رؤيا المؤمن: (تكاد رؤيا المؤمن لا تكذب)، وفشوا القلم؛ انتشار الكتاب والمطابع والجرائد والأجهزة التي تنشر الكتابات شيء لا يصدق، وانتفاخ الأهلة يرى الهلال لليلة، فيقال: عمره ليلتان، وذاك لا يعول رأيته كبيراً، هذا معناه أنهم أخطئوا في رؤية الهلال، نقول: لا، من أشراط الساعة انتفاخ الأهلة، يمكن إذا رأيته أنت منتفخاً على أشراط الساعة الواقعة، وكثرة الكذب وعدم التثبت في الأخبار لا يوجد أكثر منه فشواً، وكثرة النساء وقلة الرجال، ترى في البيت سبعة بنات وولداً وربما لا يوجد، وعودة أرض العرب مروجاً وأنهاراً، هاهي الآن في طريقها إلى الحصول، لأن النبي ﷺ كان مر بـ تبوك، فقال: (يا معاذ! يوشك أن ترى ما على هاهنا وهاهنا مروجاً وأنهاراً)، والآن الزراعة في تبوك والانتشار متوسع وآخذ، وتمني الإنسان الموت، وكثرة الروم وقتال المسلمين. بقيت أشياء من الأشراط الصغرى نحن ننتظرها، كما قلنا مثلاً: القذف والمسخ، يمسخ ناس قردة وخنازير من هذه الأمة، سيقع قطعاً ولابد، وربما يقع في عصرنا، وربما ندركه نحن في أعمارنا، حدوث قذف من السماء يقذهم الله، ويمسخ ناساً قردة وخنازير سيقع قطعاً، ستفتح القسطنطينية فتحاً غير هذا الفتح الذي حصل، وستفتح روما أيضاً، وسيخرج القحطاني، وكذلك سيحسر الفرات عن جبل من ذهب، وتكلم السباع الإنسان، فهذه أشياء نحن ننتظرها. فالسباع تكلم الإنسان وقد حصل في عهد النبي ﷺ أن كلم الذئب راعياً، فقد كان النبي ﷺ وأصحابه في المسجد بـ المدينة، فدخل راع وسأل عن النبي ﷺ فدل عليه، وأخبره بقصته، وقال: إنه كان معه غنمه في البادية، فجاء الذئب فعدا على شاة، فأخذها فتبعته فاستنقذتها منه، فأقعى الذئب على ذنبه، يقول: تأتي على رزق ساقه الله إلي فتأخذه مني، فقلت: واعجباً! ذئب يتكلم كلام الإنس، فقال: ألا أنبئك بما هو أعجب من ذلك؟ نبي بـ يثرب يخبر الناس بأنباء من قد سبق، وجاء الراعي ودخل المدينة، وفعلاً رأى النبي ﷺ يخبر الناس بأنباء من قد سبق. وكذلك أخبر النبي ﷺ عن البقرة التي تكلمت، وأخبر أنه يؤمن بذلك هو وأبو بكر وعمر، فحصل قطعاً كلام للبقرة وللذئب ولا يستبعد أن تحصل أشياء أخرى، من أن تكلم السباع الإنسان، فقد نطق الحديد: المسجلات والميكرفونات والكمبيوتر. فإذاً أكثر الأشراط الصغرى حصلت، وبقي شيء واحد من الأشياء الصغرى، مثل -كما قلنا- فتح روما، وحسر الفرات عن جبل من ذهب، وغير هذه الأشياء باقية، وبقي بعد ذلك الأشياء الكبيرة التي تبدأ بخروج الدجال. فأقول: هذه الأشراط التي أخبرنا عنها النبي ﷺ هي موعظة ليستعد الناس، لأنها إذا حصلت قامت الساعة -كما قلنا- لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل، هذا والله تعالى أعلم، وننتقل للإجابة على بعض الأسئلة.

стр. 4013

الأسئلة

стр. 4014

السحر وعلاجه الشرعي السؤال نعيش في مجتمع يكثر فيه السحر، فما هو العلاج الشرعي؟ الجواب العلاج الأساسي للسحر هو المعوذات التي رقى بها جبريل النبي ﷺ لما سحره لبيد اليهودي وقد حصل من النبي ﷺ معاناة قبل أن يشفيه الله تعالى ويرسل جبريل بهاذين السورتين العظيمتين المعوذتين، وذكر بعض السلف أيضاً أخذ سبع ورقات من السدر الجاف تطحن، وتجعل في أناء، ويقرأ فيها آيات السحر الموجودة في البقرة والأعراف وطه، ويشربها ويبرأ بإذن الله. أما الذي يزيد انتشار السحر هو الذهاب إلى السحرة، وكانت الشريعة في غاية الحكمة لما حرمت الذهاب إلى السحرة، لأنه إذا ما ذهب الناس إلى السحرة يفلسون ويغلقون ولا يعملون، لكن مادام الناس يذهبون إلى السحرة فالسحر في انتشار، أحدهم يعمل السحر والثاني يفكه، تجارة الآن، والسحرة عندهم مقاولات، شخص يعمل السحر والثاني يفكه بالنقود، والأجرة بينهما.

стр. 4015

ميقات الإحرام السؤال أريد العمرة إن شاء الله، وقبل الذهاب سوف أزور أحد الأقارب في جدة، فمن أين الإحرام؟ الجواب الإحرام من الميقات لاشك، وإذا جاوزت الميقات إلى جدة ولم تحرم منه يجب عليك أن تعود إليه لتحرم منه، وإلا فقد أسأت ويلزمك دم، ولذلك الإحرام من الميقات.

стр. 4016

كيفية السجود السؤال بعض الناس لا يسجد على الأعضاء السبعة هل تصح صلاته؟ الجواب لا، إذا رفع قدميه في الهواء أثناء السجود، وما وضع كفيه على الأرض فإن سجوده باطلٌ، وبالتالي صلاته باطلة.

стр. 4017

مواضع جلسة الاستراحة السؤال متى وأين تكون جلسة الاستراحة؟ الجواب بين الركعة الأولى والثانية، وبين الثالثة والرابعة، قبل أن يقوم إلى الثانية، وقبل أن يقوم إلى الرابعة، جلسة خفيفة يستوي قاعداً فيها لا ذكر فيها ثم يقوم بعدها، كما جاء في حديث مالك بن حويرث: (أن النبي ﷺ كان يستوي قاعداً في وتر من صلاته) رواه البخاري.

стр. 4018

وضع المأموم بجانب الإمام السؤال كيف يكون وضع المأموم مع المصلي ووضع قدميهما إذا كانا اثنين فقط؟ الجواب إذا كانا اثنين فقط يقومان بجانب بعضهما البعض لا يتقدم المأموم على الإمام ولا يتأخر، لحديث ابن عباس ﵄: (أنه قام بجانب النبي ﷺ فتأخر ابن عباس، فقدمه النبي ﷺ ، فتأخر ابن عباس، فقال له بعد الصلاة: ما لي أجعلك حذائي في الصلاة فتخنس)، أي: ترجع إلى الخلف، فـ ابن عباس أخبره أنه ما كان ينبغي له أن يقوم بمقام النبي ﷺ وهو أقل منه فضلاً ولذلك رجع، فدعا له النبي ﷺ ، ولكن علمه أن المأموم إذا كان مع الإمام وحدهما فقط يصف المأموم بجانب الإمام بالضبط في مستوى واحد، وهذا الحديث في الصحيح الذي يثبت هذه السنة.

стр. 4019

لفظة: (وبركاته) في التسليمتين السؤال ما حكم قولي: وبركاته مع التسليمتين؟ الجواب هذا ثابت فيهما إن شاء الله كليهما، وقد ذكر بعض المحدثين المعاصرين أنها لم تثبت في الثانية، ولكن من تتبع بعض نسخ أبي داود وجدت لفظة: (وبركاته) في التسليمة الثانية أيضاً وليس في الأولى فقط، فالتحقيق إن شاء الله في هذه المسألة ثبوت لفظة: (وبركاته) في التسليمتين جميعاً.

стр. 4020

زكاة الأموال السؤال عندي شقة أتملكها منذ عشر سنين، ومازال علي أقساط رمزية لعشر سنوات أخرى، والشقة لدي بغرض الاستثمار في العمل أو البيت قمت بتأجيرها منذ سنين لتغطية الأقساط، هل علي زكاة؟ الجواب مادمت أجرتها إذاً الزكاة في الإيجار إذا حال عليه الحول، وإذا استلمت الإيجار وصرفته، ولم تنو بيع الشقة فليس عليك زكاة لا في الشقة ولا في إيجارها.

стр. 4021

معنى حديث (إن حوسب هلك) السؤال ما معنى قوله: (إن حوسب هلك)؟ الجواب معنى قوله: (إن حوسب هلك) أن هناك أناساً لا يحاسبون أبداً، وهم السبعون ألفاً الذين تكلمنا عنهم، مع كل ألف سبعون ألفاً، وهناك أناس يحاسبون حساباً يسيراً، لا يدخلون في هذا الحديث، وينقلبون إلى أهلهم مسرورين، وهناك طائفة ثالثة تحاسب حساباً دقيقاً يفتش عنه واحدة بواحدة، هذا يهلك؛ لأنه إذا وصل إلى هذه المرحلة للحساب يعني أنه سيدخل النار، من نوقش الحساب عذب، إذا صار النقاش في كل واحدة هذا يوقن أنه سيدخل النار، لكن إذا عفا الله عنه ومنّ عليه، وصارت حسناته أكثر من سيئاته، وشملته الرحمة والمغفرة، سيكون من الذين يحاسبون حساباً يسيراً، وينقلب إلى أهله مسروراً.

стр. 4022

غزوة الرجيع في هذا الدرس نعيش من بطولات الصحابة رضوان الله عليهم، وما أصابهم من الأذى في سبيل تبليغ هذا الدين، وما نالوه من الأجر والشهادة، مع أحداثها وما فعل المشركين بالصحابة فيها، وموقف الصحابة الأبطال. ولقد ذيلها الشيح بشيء من البسط والشرح، وذِكْر بعض الفوائد المستفادة منها.

стр. 4023

مقتل الصحابة في غزوة الرجيع الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. أما بعد: فنحن في هذه الليلة -أيها الإخوة- مع قصة من بطولات الصحابة رضوان الله تعالى عليهم وما أصابهم من الأذى، وما حصل لهم من الشهادة في سبيل الله، وصبر النبي ﷺ على هذا المصاب العظيم هو والمسلمون معه، وذلك في هذه القصة التي حصلت في غزوة الرجيع، وقد رواها أبو هريرة ﵁ قال: بعث النبي ﷺ سرية عيناً، وأمّر عليهم عاصم بن ثابت وهو جد عاصم بن عمر بن الخطاب، فانطلقوا حتى كانوا بين عسفان ومكة ذُكروا لحيٍ من هذيل يُقال لهم بنو لحيان فتبعوهم بقريبٍ من مائة رامٍ واقتصوا آثارهم حتى أتوا منزلاً نزلوه فوجدوا فيه نوى تمرٍ تزودوه من المدينة، فقالوا: هذا تمر يثرب، فتبعوا آثارهم حتى لحقوهم، فلما انتهى عاصم وأصحابه لجئوا إلى فدفد وجاء القوم فأحاطوا بهم، فقالوا: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا ألا نقتل منكم رجلاً. فقال: عاصم: أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر، فقاتلوهم حتى قتلوا عاصماً في سبعة نفرٍ بالنبل، وبقي خبيب وزيد ورجلٌ آخر، فأعطوهم العهد والميثاق، فلما أعطوهم العهد والميثاق نزلوا إليهم، فلما استمكنوا منهم حلو أوتار قسيهم فربطوهم بها، فقال الرجل الثالث: أي المسلم الذي كان معهما: هذا أول الغدر، فأبى أن يصحبهم، فجروه على أن يصحبهم فلم يفعل فقتلوه. وانطلقوا بـ خبيب وزيد حتى باعوهما بـ مكة، فاشترى خبيباً بنو الحارث بن عامر بن نوفل، وكان خبيب هو الذي قتل الحارث يوم بدر، فمكث عندهم أسيراً حتى إذا أجمعوا قتله، استعار موسى من بعض بنات الحارث ليستحد بها، فأعارته، قال: فغفلت عن صبيٍ لها فدرج إليه حتى أتاه، فوضعه على فخذه فلما رأته فزعتُ منه وفي يده الموسى فقال: أتخشين أن أقتله، ما كنت لأفعل ذلك إن شاء الله. وكانت تقول: ما رأيت أسيراً قط خيراً من خبيب، لقد رأيته يأكل من قطف عنب وما بـ مكة يومئذٍ ثمرة، وإنه لموثقٌ في الحديد، وما كان إلا رزقٌ رزقه الله، فخرجوا به إلى الحرم ليقتلوه فقال: دعوني أصلي ركعتين ثم انصرف إليهم فقال: [لولا أن تروا أن ما بي جزعٌ من الموت لزدت] فكان أول من سن الركعتين عند القتل هو، ثم قال: [اللهم أحصهم عددا]. ولست أبالي حين أقتل مسلماً على أي شقٍ كان لله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلوٍ ممزع ثم قام إليه عقبة بن الحارث فقتله، وبعثت قريشٌ إلى عاصم ليأتوا بشيءٍ من جسده يعرفونه، وكان عاصم قد قتل عظيماً من عظمائهم يوم بدر، فبعث الله عليه مثل الظلة من الدبر فحمته من رسلهم، فلم يقدروا منه على شيء. هذه القصة هي غزوة الرجيع، والرجيع اسم موضع من بلاد هذيل كانت فيه هذه الوقعة، وتُسمى أيضاً رعلٍ وذكوان، وهذان البطنان من بطون العرب نسبت الغزوة إليهما، وتسمى أيضاً قصة بئر معونة وهو موضع بين مكة وعسفان وهذه الأسماء الثلاثة لهذه الوقعة التي تُعرف بسرية القراء، وكانت مع بني رعل وذكوان المذكورين. أما بالنسبة لهذه القصة فقد ذكر أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ بعث سرية عيناً، وهذه السرية كانت عشرة أشخاص عيناً تتجسس للنبي ﷺ ليأتوه بخبر قريش، وكانوا: عاصم بن ثابت، ومرثد بن أبي مرثد، وخبيب بن عدي، وزيد بن الدثنة، وعبد الله بن طارق، وخالد بن البكير، وزاد بعض أهل السير معتب بن عبيد وكذلك معتب بن عوف، هؤلاء الذين أمّر رسول الله ﷺ عليهم عاصم بن ثابت. أرسلهم النبي ﷺ في هذه الغزوة التي قيل إنها غزوة الرجيع أو بئر معونة ولكن الصحيح أن هذه الغزوة تسمى غزوة الرجيع، وكانت سرية عاصم وخبيب في عشرة أنفس، وحصل القتال فيها مع عضل والقارة، وهذه عضل: بطن من بطون مُضر، وأما القَاَرة فهي أيضاً بطن من بطون العرب، ويُقال أن القَاَرة أكمة سوداء فيها حجارة نزلوا عندها فسميت القبيلة بها، ويضرب بهم المثل في إصابة الرمي، وقال الشاعر: قد أنصف القارة من راماها فالصحيح والراجح كما ذكر ابن حجر ﵀ أن قصة عضل والقارة كانت في غزوة الرجيع، وليس في بئر معونة، فإذاً غزوة الرجيع وبئر معونة، هما غزوتان منفصلتان، غزوة الرجيع في آخر سنة (٣هـ) وبئر معونة في أول سنة (٤ للهجرة) وبالنسبة ليوم الرجيع قدم على النبي ﵊ رهط من عضل والقارة، فقالوا: يا رسول الله إن فينا إسلاماً فابعث معنا نفراً من أصحابك يفقهوننا -انظر الغدر- فأرسل إلينا أناس من أصحابك يفقهوننا، فبعث معهم ستةً من أصحابه، وعليهم عاصم بن ثابت. إذاً هذه القصة هي غزوة الرجيع التي فيها سرية عاصم بن ثابت كانت مع عضل والقارة، أما سرية القراء السبعين التي كانت مع رعل وذكوان فإنها تسمى بئر معونة. فإذاً هما غزوتان منفصلتان، وإن كان الإمام البخاري رحمه الله تعالى قد ترجم ترجمةً تُشعر أنهما شيء واحد، ولكن على التحقيق فإنهما غزوتان منفصلتان، والنبي ﵊ أرسل ستة من أفاضل أصحابه إلى هؤلاء العرب الذين ادعوا أن فيهم إسلاماً، وأنهم يريدون أناساً يفقهونهم في الدين، أرسل لهم هؤلاء الأفاضل وأمّر عليهم عاصم بن ثابت، وكانوا معهم حتى إذا كانوا بين عسفان ومكة، قال في الرواية: " ذُكروا لحيٍ من هذيل يقال له بنو لحيان، فتبعوهم بقريب من مائة رامٍ " وقد جاء أنهم مائتا رجل، فيحمل على أنهم مائة رامٍ، ومائة غير رماة، فاقتصوا آثارهم حتى أتوا منزلاً نزلوه، فوجدوا فيه نوى تمرٍ، نزل هؤلاء الصحابة بـ الرجيع وأكلوا تمر عجوة، فسقطت نواة في الأرض، وكان هؤلاء يسيرون في الليل ويكمنون بالنهار، فقيل إن امرأة من هذيل ترعى الغنم رأت النواة، فأنكرت صغرها وقالت: هذا تمر يثرب، أي: هذا النوى صغير ليس بأرضنا، فصاحت في قومها أُتيتم، فجاءوا في طلبهم فوجدوهم قد كمنوا في الجبل، فلحقوهم والتجأ الصحابة إلى فدفد، والفدفد هو الرابية المشرفة المرتفع من الأرض. فأراد هؤلاء خداع الصحابة، قالوا: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا ألا نقتل منكم رجلاً، الصحابة ستة والكفار مائتا رجل، قالوا: والله ما نريد قتالكم إنما نريد أن نصيب منكم شيئاً من أهل مكة. فقال عاصم وهو أميرهم: أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر، ولا أقبل اليوم عهد مشرك، ولما حصل هذا دعا الله فقال: اللهم اخبر عنا رسولك، فاستجاب الله دعاء عاصم وأخبر رسوله ﷺ بالخبر في ذلك اليوم أن هؤلاء قد أصيبوا، ورفض عاصم ﵁، فأخذوا هؤلاء فقاتلوهم فقتل من قتل، وبقي خبيب وزيد ورجلٌ آخر.

стр. 4024

أسر خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة فأما خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة، وعبد الله بن طارق فسلموا أنفسهم فربطوهم فقال الرجل الثالث: هذا أول الغدر، أي: إذا كان من أولها أنهم ربطوهم، فهذا بداية الغدر، ولذلك لما كانوا بـ مر الظهران انتزع الرجل الثالث وهو عبد الله بن طارق، انتزع يداه وأخذ سيفه وقاتلهم وقُتل، وبقي اثنان: خبيب وزيد، حتى باعوهما بـ مكة، فلما أتى هؤلاء الكفار إلى مكة وباعوا زيد بن الدثنة وخبيب بن عدي إلى كفار قريش، فاشترى خبيباً بنو الحارث بن عامر بن نوفل. وكان لبني الحارث بن عامرثأر من خبيب؛ لأن خبيباً كان قد قتل كبير العائلة يوم بدر، وهو الحارث بن عامر، قتله يوم بدر، إذاً: خبيب بن عدي ﵁ شهد بدراً، فهو من أفاضل الصحابة لأنه بدري، ثم إنه قتل الحارث بن عامر القرشي. وكانت القضية في الجاهلية هي الثأر، فأرادوا أن يقتلوا خبيباً مكان قتيلهم الذي قتله، فاشتروه وأسروه عندهم وربطوه في بيتٍ لهم، ومكث عندهم أسيراً حتى إذا أجمعوا قتله، قيل أنهم كانوا في شهر حرام، وأرادوا أن ينتظروا حتى يخرج الشهر الحرام ثم يقتلوه، انتظروا حتى يخرج الشهر الحرام وأخذوهما إلى التنعيم -والتنعيم خارج الحرم كما هو معروف؛ المكان الذي فيه مسجد عائشة - هذا المكان الذي قُتل فيه خبيب وزيد ﵄، فقيل أنهم أساءوا إليه في أسره، فقال لهم وهو أسير: [ما تصنع القوم الكرام هذا بأسيرهم] فأحسنوا إليه بعد ذلك، وجعلوه عند امرأة تحرسه، فيقال أن خبيباً قال لهذه المرأة واسمها موهب، قال لها: [أطلب إليك ثلاثاً: أن تسقيني العذب، وأن تجنبيني ما ذبح على النصب، وأن تعلميني إذا أرادوا قتلي]. فالصحابي يطلب أن يأتوا له بطعام حلال، لا يأتوا له بشيءٍ ذُبح على النصب، والنصب: هي الأصنام، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة:٣] فهو من المحرمات، فأبقوه عندهم حتى انتهت الأشهر الحرم وأجمعوا على قتله، حتى إذا أجمعوا على قتله أراد ﵁ أن يتجهز ويستحد، والاستحداد: هو حلق شعر العانة، وهو من سنن الفطرة الذي أخبر عنها النبي ﷺ : (خمسٌ من الفطرة وذكر منها: الاستحداد) وحلق الشعر بالموسى، ولذلك سميت العملية بالاستحداد وهو حلق شعر العانة بالحديد، أو بالموسى وهي من سنن الفطرة التي قيل أن الله تعالى قد أمر بها إبراهيم الخليل: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة:١٢٤] قال ابن عباس ﵁: [خمسٌ في الرأس وخمسٌ في الجسد، فمنها الاستحداد، ومنها المضمضة والاستنشاق، واللحية، ونتف الإبط، وقص الأظفار، وحلق العانة، والختان]. ويدخل أيضاً في سنن الفطرة غسل البراجم والأشاجع وهي مفاصل الأصابع ومعاقب الأصابع، وكذلك يدخل فيها قص الشارب، وهو قص ما طال عن الشفة العليا مع تخفيف الشارب، فأما قص الأظفار وحلق العانة ونتف الإبط فقد وقت النبي ﷺ للمسلمين أربعين يوماً لا تجوز الزيادة عليها، كما جاء في حديث أنس بن مالك وهو حديثٌ صحيح. إذاً هذه الثلاثة: قص الشارب، ونتف الإبط، وحلق العانة، وقص الأظفار السنة جاءت بأن لا يُزاد على أربعين يوماً فلا يجوز تركها أكثر من أربعين يوماً، وذكر بعض أهل العلم أن الشعر والأظفار يتعاهد كل أسبوع، وذكر بعضهم أنه يكون في الجمعة. والشعر والأظفار يختلف باختلاف الأشخاص، فبعض الأشخاص تطول أظفاره وشعره بسرعة، وبعضهم ببطئ المهم أنه لا يترك أكثر من أربعين يوماً، هذه ثلاثة لا تترك أكثر من أربعين يوماً وهذا توقيت النبي ﷺ ، وهذا يفيد أنه لو ترك أكثر من أربعين يوماً فإنه يأثم. فأما الاستحداد: وهو حلق العانة فيكون بالحديد أو الموسى أو الشفرة أو ما شابه ذلك، هذه هي السنة وهذا هو الأفضل، لكن إذا استعمل أي مزيلٍ آخر جاز ذلك، والمقصود الإزالة، والسنة أن يكون حلقاً لأنه يؤدي إلى اشتداد الموضع وهذا من مصلحة البدن في هذا المكان. وأما بالنسبة لنتف الإبط فإن نتف الشعر يؤدي إلى إضعاف الجلد، وهذا مصلحة الجلد في هذا المكان، حيث الإبط فيه رائحة العرق الكريهة، فإذا ضعف المكان بالنتف صارت الرائحة أخف والعرق أقل، ولذلك كانت السنة في النتف، ولكن قد لا يقوى بعض الناس على ذلك، ولا بأس أن يحلقها أو يزيلها بالنُورة أو أي مزيلٍ آخر، كل ذلك لا بأس به بالنسبة للإبط والعانة. ومن تعاهده بالنتف فإنه يستمر على هذا ولا يكاد يؤلمه أو يؤذيه، ولكن من تركه وكبر عليه ربما أنه يؤلمه، على أية حال فالمقصود الإزالة. وأما بالنسبة لقص الأظفار؛ فقد ذكر بعض أهل العلم أنه يبدأ بأظافر اليد اليمنى ثم اليسرى، وقال بعضهم يبدأ بالمسبحة لأنها موضع الشهادة لكن لا دليل عليه، ولكن استحسنه بعض أهل العلم، ثم ما على يمينها ثم إبهام اليمنى، ثم بعد ذلك اليسرى، وأما قص الشارب فإنه يقص ما طال عن الشفة العليا ولا يتركه يطول، وهو مؤذ وربما كان مجلبةً للجراثيم عند الشرب. قال هذا: حتى إذا أجمعوا على قتله استعار موسى ليستحد بها - خبيب ﵁ تقول المرأة: حُبس خبيب في بيتي وقد اطلعت عليه يوماً وإن في يده لقطفاً من عنب مثل رأس الرجل يأكل منه، من كرامة الله لـ خبيب أوتي قطفاً من عنب كرامة من الله ، واستعار الموسى ليستحد بها، فغفلت المرأة التي تحرسه عن صبيٍ لها، قيل أن هذا الصبي هو أبو حسين بن الحارث بن عدي بن نوفل والصبي هذا دّب وحبا إلى خبيب على حين غفلة من المرأة، فأخذه خبيب فأجلسه عنده. وفي رواية فأخذ خبيب بيد الغلام فقال: هل أمكن الله منكم؟ فقالت: ما كان هذا ظني بك فرمى لها الموسى وقال: إنما كنت مازحاً، وفي رواية ما كنت لأغدر، وفي رواية: إن هذه المرأة قال لها خبيب حين حضره القتل: ابعثي لي بحديدة أتطهر بها، أي: ليلاقي الله وقد تنظف وتطهر، فأراد أن يزيل الشعر قبل القتل، فأعطته هذه الحديدة، وغفلت عن الصبي فدرج إليه حتى أتاه فوضعه على فخذه تقول المرأة: لقد رأيته يأكل من قطفٍ من عنب وما بـ مكة يومئذ ثمرة، وما كان إلا رزقٌ رزقه الله، أي: رزقه الله خبيباً، وهذا من الأدلة على كرامات أولياء الله .

стр. 4025

كرامات الأولياء بين أهل السنة والمبتدعة وقد كانت هذه آية للكفار ليروا كرامة الله تعالى للمسلمين، وكرامة المسلمين لا شك أنها من اتباعهم لنبوة النبي محمد ﷺ ، فخرق الله العادة، وجعل في يد خبيب قطفاً من العنب، وأكرمه الله بذلك، كما ظهرت الكرامة لـ عاصم، لما أراد كفار قريش أن يأتوا بقطعة منه، فلكي لا تنتهك حرمته ويأخذ العدو شيئاً منه أرسل الله مثل النحل فأحاطه وظلله فلم يستطع أحد أن يقترب منه، وهذا دليلٌ على كرامات أولياء الله تعالى. وكرامات أولياء الله عند أهل السنة والجماعة ثابتة بخلاف المعتزلة، وهي دون معجزات الأنبياء مخالفاً بذلك لمذهب الأشاعرة، الذين يقولون: كل ما كان معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لولي. والمعتزلة نفوا الكرامات بالكلية، والأشاعرة قالوا: المعجزات والكرامات يمكن أن تكون سواء، وأهل السنة قالوا: بإثبات الكرامات ولكن الكرامات أقل من منزلة معجزات الأنبياء، والكرامة عبارة عن خرق للعادة، يخرقه الله كرامة لأهل طاعته وولايته، مثل بعض الصحابة الذين مشوا على الماء، والعادة أن الإنسان لا يمشي على الماء، ومثل غلام أصحاب الأخدود، مشى على الماء لما غرق القارب وجاء يمشي إلى الملك. وكذلك الجبل اضطرب وتدهده بهم وماتوا وهو جاء يمشي إلى الملك، وكلما حاولوا قتله لم يستطيعوا، فهذه كرامة. ومريم: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً﴾ [آل عمران:٣٧] كانت تؤتى بفاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف، هذه من كرامات الأولياء. وخبيب رضي الله تعالى عنه أوتي عنباً في مكة وليس في مكة شيء منه، وعاصم بعث الله له هذا الدبر لكي يحميه ولا يستطيع أحد أن يأخذ منه شيئاً، فإن قال قائل: ما هو الفرق بين خوارق كرامات الأولياء وبين الخوارق التي هي للدجالين والمشعوذين، فإننا ربما نرى لهم خوراق؟ فنقول: الفرق هو أن الخوارق كرامة للأولياء، وأما للمشعوذين أو الدجالين أو السحرة أو الكهنة، أو أتباع الشياطين فهي استدراج، والفرق المهم جداً جداً هو حال هذا وحال هذا، حال الولي وحال المشعوذ، هذا موحد وهذا مشرك، هذا يتبع سبيل الأنبياء، وهذا يتبع سبيل الشياطين، هذا هو الفرقان بين أولياء الشيطان وأولياء الرحمن.

стр. 4026

موقف قتل خبيب بن عدي لما أخرج خبيب خارج الحرم ليقتلوه، وكانوا لا يقتلون داخل الحرم قال: دعوني أصلي ركعتين، فكان أول من سن الركعتين عند القتل خبيب ﵁، فمن السنة لمن يُقدم للقتل أن يصلي ركعتين، سواءً للأعداء أو لقتل القصاص أو أي قتل، فلما صلى ركعتين قال لكفار قريش - وهذا طبعاً من الحرب النفسية عليهم- لولا أن تروا أن ما بي جزعٌ من الموت لزدت، أي: أخشى إن صليت أربع وست وعشر تقولون: هذا خائف من الموت وجالس يؤخر القتل بالصلاة، ثم قال: اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا - أي: متفرقين- ولا تبق منهم أحداً، ومن ثم قال: اللهم إني لا أجد من يبلغ رسولك مني السلام فبلغه. وكذلك وقع في رواية: فلما رفع على الخشبة، استقبل الدعاء، فلبد رجلٌ في الأرض خوفاً من دعائه، واحد من الكفار التصق بالأرض، ونزل مباشرة فقال: اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا، فلم يحل الحول ومنهم أحدٌ حي -وهذه كرامة أخرى- كلهم ماتوا غير ذلك الرجل الذي لبد بالأرض. وقال معاوية بن أبي سفيان كنت مع أبي فجعل يلقيني إلى الأرض حين سمع دعوة خبيب، لأنه يدعو على هؤلاء، فهذا نزل لكي لا يكون من هؤلاء، فيقول معاوية: جعل أبو سفيان يلقيني إلى الأرض حين سمع دعوة خبيب، وكانوا يرون أن الدعوة في الحرم مستجابة، وقيل إنه ﵊ بلغه سلام خبيب ورد ﵇، المهم أنه نظم هذه القصيدة العظيمة الأبيات: ما إن أبالي أو في رواية أخرى فلست أبالي حين أقتل مسلماً وقيل إنه قد قال قبل ذلك: لقد أجمع الأحزاب حولي وألبوا قبائلهم واستجمعوا كل مجمعِ إلى الله أشكو غربتي بعد كربتي وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي في ثلاثة عشر بيتاً ساقها ابن إسحاق، ومنهم من يُنكر نسبتها لـ خبيب، ولكن قد ثبت في صحيح البخاري أنه قال هذه الأبيات: ولست أبالي حين أقتل مسلماً على أي شقٍ كان في الله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلوٍ ممزع أما الأوصال: جمع وصل وهو العضو، والشِلو بكسر السين: هو الجسد، والممزع: المقطع، فهو يقول: لست أبالي إذا قطعوا جسدي قطعة قطعة، ما دام ذلك في سبيل الله. ثم قام إليه بعد هذه الأبيات عقبة بن الحارث فقتله، وقيل إنهم لما وضعوا فيه السلاح وهو مصلوب نادوه وناشدوه: أتحب أن محمداً مكانك؟ قال: لا والله العظيم، ما أحب أن يفديني بشوكة في قدمه.

стр. 4027

حماية الله لأوليائه وبعثت قريش إلى عاصم ليأتوا بشيءٍ من جسده يعرفونه وكان قد قتل عظيماً من عظمائهم، ولكن الله حماه بالظلة من الدبر، الظلة: السحابة، والدبر: ذكور النحل، فجاءت سحابة من الزنابير فظللت على عاصم فوفد أصحاب قريش الذين ذهبوا ليقتطعوا رأس عاصم ويأتوا به، ومنعتهم هذه السحابة من الزنابير، فلم يقدروا على أن يقطعوا من لحمه شيئاً، فجعلت تطير في وجوههم فتلسعهم، فلم يستطيعوا أن يأتوا منه بشيء، وذلك أن عاصماً أعطى الله عهداً ألا يمسه مشرك، ولا يمس مشركاً أبداً. ولذلك لما بلغ عمر ﵁ قال: [يحفظ الله العبد المؤمن بعد حياته كما حفظه في حياته].

стр. 4028

فوائد هذا الحديث وهذا الحديث يدل على جواز رفض أمان المشرك؛ لأن المشرك قد يخدع كما حصل هنا، ولذلك لو قالوا نعطيك الأمان وتسلم نفسك فله أن يقاتلهم ويرفض الأمان، وله أن يأخذ بالأمان حسب ما يرى المسلم ويشتهي، فلو قالوا له سلم نفسك أو نقتلك، فقاتلهم ورفض الأمان، قالوا: نعطيك الأمان سلم نفسك، فله الحق، أن يقاتلهم إلى أن يُقتل، أو أنه يسلم نفسه حسب ما يرى. عاصم قد أخذ بالشدة، وبالعزيمة ورفض الأمان، وقاتلهم حتى مات. وفيه كذلك التورع عن قتل أولاد المشركين لأنهم أطفال، والمولود يولد على الفطرة، وكذلك صلاة الركعتين عند القتل، وإثبات كرامات الأولياء كما تقدم. وكذلك فيه هز معنويات الكفار، كما فعل خبيب رحمه الله تعالى، والحرب النفسية عليهم، وأن الله تعالى يبتلي المسلمين بما يشاء. وكذلك فيه إجابة دعاء المسلم حياً وميتاً وإكرامه، استجاب الله دعاء المسلم بعد موته، فما وصلوا إليه. كذلك في هذا الحديث ما كان عليه المشركون من تعظيم الأشهر الحرم، وهذا يعني أن المسلم ينبغي أن يكون أولى بالحفاظ أو المحافظة على الأشهر الحُرم.

стр. 4029

الأسئلة

стр. 4030

معنى (أجود من الريح المرسلة) السؤال ما معنى أن جبريل ﵇ عندما كان يأتي النبي ﷺ في رمضان كان ﵊ أجود من الريح المرسلة. الجواب الريح المرسلة تأتي بالسحاب وفيه مطر، خير عظيم، فالنبي ﵊ كان أجود بالخير من الريح المرسلة.
следующие страницы →