Полный текст (7 040 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.
стр. 4026
موقف قتل خبيب بن عدي
لما أخرج خبيب خارج الحرم ليقتلوه، وكانوا لا يقتلون داخل الحرم قال: دعوني أصلي ركعتين، فكان أول من سن الركعتين عند القتل خبيب ﵁، فمن السنة لمن يُقدم للقتل أن يصلي ركعتين، سواءً للأعداء أو لقتل القصاص أو أي قتل، فلما صلى ركعتين قال لكفار قريش - وهذا طبعاً من الحرب النفسية عليهم- لولا أن تروا أن ما بي جزعٌ من الموت لزدت، أي: أخشى إن صليت أربع وست وعشر تقولون: هذا خائف من الموت وجالس يؤخر القتل بالصلاة، ثم قال: اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا - أي: متفرقين- ولا تبق منهم أحداً، ومن ثم قال: اللهم إني لا أجد من يبلغ رسولك مني السلام فبلغه.
وكذلك وقع في رواية: فلما رفع على الخشبة، استقبل الدعاء، فلبد رجلٌ في الأرض خوفاً من دعائه، واحد من الكفار التصق بالأرض، ونزل مباشرة فقال: اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا، فلم يحل الحول ومنهم أحدٌ حي -وهذه كرامة أخرى- كلهم ماتوا غير ذلك الرجل الذي لبد بالأرض.
وقال معاوية بن أبي سفيان كنت مع أبي فجعل يلقيني إلى الأرض حين سمع دعوة خبيب، لأنه يدعو على هؤلاء، فهذا نزل لكي لا يكون من هؤلاء، فيقول معاوية: جعل أبو سفيان يلقيني إلى الأرض حين سمع دعوة خبيب، وكانوا يرون أن الدعوة في الحرم مستجابة، وقيل إنه ﵊ بلغه سلام خبيب ورد ﵇، المهم أنه نظم هذه القصيدة العظيمة الأبيات:
ما إن أبالي
أو في رواية أخرى
فلست أبالي حين أقتل مسلماً
وقيل إنه قد قال قبل ذلك:
لقد أجمع الأحزاب حولي وألبوا قبائلهم واستجمعوا كل مجمعِ
إلى الله أشكو غربتي بعد كربتي وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي
في ثلاثة عشر بيتاً ساقها ابن إسحاق، ومنهم من يُنكر نسبتها لـ خبيب، ولكن قد ثبت في صحيح البخاري أنه قال هذه الأبيات:
ولست أبالي حين أقتل مسلماً على أي شقٍ كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلوٍ ممزع
أما الأوصال: جمع وصل وهو العضو، والشِلو بكسر السين: هو الجسد، والممزع: المقطع، فهو يقول: لست أبالي إذا قطعوا جسدي قطعة قطعة، ما دام ذلك في سبيل الله.
ثم قام إليه بعد هذه الأبيات عقبة بن الحارث فقتله، وقيل إنهم لما وضعوا فيه السلاح وهو مصلوب نادوه وناشدوه: أتحب أن محمداً مكانك؟ قال: لا والله العظيم، ما أحب أن يفديني بشوكة في قدمه.
стр. 4027
حماية الله لأوليائه
وبعثت قريش إلى عاصم ليأتوا بشيءٍ من جسده يعرفونه وكان قد قتل عظيماً من عظمائهم، ولكن الله حماه بالظلة من الدبر، الظلة: السحابة، والدبر: ذكور النحل، فجاءت سحابة من الزنابير فظللت على عاصم فوفد أصحاب قريش الذين ذهبوا ليقتطعوا رأس عاصم ويأتوا به، ومنعتهم هذه السحابة من الزنابير، فلم يقدروا على أن يقطعوا من لحمه شيئاً، فجعلت تطير في وجوههم فتلسعهم، فلم يستطيعوا أن يأتوا منه بشيء، وذلك أن عاصماً أعطى الله عهداً ألا يمسه مشرك، ولا يمس مشركاً أبداً.
ولذلك لما بلغ عمر ﵁ قال: [يحفظ الله العبد المؤمن بعد حياته كما حفظه في حياته].
стр. 4028
فوائد هذا الحديث
وهذا الحديث يدل على جواز رفض أمان المشرك؛ لأن المشرك قد يخدع كما حصل هنا، ولذلك لو قالوا نعطيك الأمان وتسلم نفسك فله أن يقاتلهم ويرفض الأمان، وله أن يأخذ بالأمان حسب ما يرى المسلم ويشتهي، فلو قالوا له سلم نفسك أو نقتلك، فقاتلهم ورفض الأمان، قالوا: نعطيك الأمان سلم نفسك، فله الحق، أن يقاتلهم إلى أن يُقتل، أو أنه يسلم نفسه حسب ما يرى.
عاصم قد أخذ بالشدة، وبالعزيمة ورفض الأمان، وقاتلهم حتى مات.
وفيه كذلك التورع عن قتل أولاد المشركين لأنهم أطفال، والمولود يولد على الفطرة، وكذلك صلاة الركعتين عند القتل، وإثبات كرامات الأولياء كما تقدم.
وكذلك فيه هز معنويات الكفار، كما فعل خبيب رحمه الله تعالى، والحرب النفسية عليهم، وأن الله تعالى يبتلي المسلمين بما يشاء.
وكذلك فيه إجابة دعاء المسلم حياً وميتاً وإكرامه، استجاب الله دعاء المسلم بعد موته، فما وصلوا إليه.
كذلك في هذا الحديث ما كان عليه المشركون من تعظيم الأشهر الحرم، وهذا يعني أن المسلم ينبغي أن يكون أولى بالحفاظ أو المحافظة على الأشهر الحُرم.
стр. 4029
الأسئلة
стр. 4030
معنى (أجود من الريح المرسلة)
السؤال
ما معنى أن جبريل ﵇ عندما كان يأتي النبي ﷺ في رمضان كان ﵊ أجود من الريح المرسلة.
الجواب
الريح المرسلة تأتي بالسحاب وفيه مطر، خير عظيم، فالنبي ﵊ كان أجود بالخير من الريح المرسلة.
стр. 4031
ركعتي طواف الوداع
السؤال
هل لطواف الوداع ركعتين؟
الجواب
نعم في كل طواف وداع ركعتين، وفضل الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة والمدينة بألف صلاة.
стр. 4032
كيفية الصلاة لكبير السن
السؤال
كيف يصلي كبير السن جداً؟
الجواب
إن لم يستطع قائماً فقاعداً متربعاً، فإن لم يستطع فعلى جنبه، وإذا كان لا يستطيع الوضوء يتيمم.
стр. 4033
زكاة الأسهم
السؤال
هل هناك زكاة في الأسهم؟
الجواب
بالنسبة للأسهم إذا اتخذت للبيع والشراء فالزكاة في قيمتها كلها وأرباحها عند حلول الحول، وإذا كانت هذه لأجل أخذ الأرباح فقط وتبقى الأصول، فالزكاة في الأرباح فقط إذا حال عليها الحول، فإذا كان قد اتخذها للاستثمار ثم نوى البيع فيبدأ الحول من نية البيع، كعروض التجارة.
стр. 4034
سؤال الشهادة
السؤال
هل يجوز للإنسان أن يسأل الشهادة له وللمسلمين؟
الجواب
لا بأس أن يسأل الإنسان الشهادة له ولإخوانه المسلمين.
стр. 4035
من أدرك الإمام وقد قام من الركوع في الركعة الأخيرة
السؤال
إذا أتيت المسجد والإمام قد قام من الركوع في الركعة الأخيرة؟
الجواب
إذاً لم تدرك الجماعة ولكن لك أجر نية حضور الجماعة.
стр. 4036
دخول النساء في تحديد الأربعين يوماً لحلق العانة
السؤال
النساء هل يدخلن في تحديد الأربعين يوماً؟
الجواب
مثل الرجال بطبيعة الحال.
стр. 4037
حكم الدعاء على شاهد الزور
السؤال
ما حكم الدعاء على شاهد الزور؟
الجواب
جائز، ولكن إذا دعوت له أفضل من أن تدعو عليه.
стр. 4038
(عود الضمير في قوله تعالى: (وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ
السؤال
إلى أين يعود الضمير في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة:٣٢] ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الأنفال:٨]؟
الجواب
الضمير يعود إليهم، أي: ولو كرهوا فإن الله سيأتي بوعده .
стр. 4039
الزكاة في الأراضي
السؤال
عندي ثلاث أراضٍ الأولى للسكن، والثانية سوف أبيعها، والثالثة أجعلها استراحة، فعلى أيها أزكي؟
الجواب
إذاً الزكاة في التي ستبيعها فقط.
стр. 4040
مكان قتل خبيب
السؤال
هل قتلوه في المسجد الحرم أم في التنعيم؟
الجواب
في التنعيم خارج الحرم.
стр. 4041
حكم إتيان الزوجة الحائض
السؤال
توقف دم الحيض فتطهرت المرأة وجامعها زوجها، وبعد ذلك تبين أن هناك دماً لا زال ينزل؟
الجواب
إذا حصل ذلك عن خطأ فالاستغفار فقط، وإذا حصل عن عمد فالكفارة، وهي مثقال من الذهب يخرجه (دينار أو نصف دينار) كما جاء في الحديث الحسن عند الترمذي وغيره.
стр. 4042
إقرار النبي ﷺ للركعتين قبل القتل
السؤال
هل أقر النبي ﷺ ركعتي القتل؟
الجواب
نعم أقرهما ولم ينكرهما، وقد بلغته القصة ولم ينكرها.
стр. 4043
الكفاية في الزكاة
السؤال
ما هي الكفاية في الزكاة؟
الجواب
نفقة سنة، يقول العلماء في تعريفها في باب الزكاة هي: نفقة سنة.
стр. 4044
جواز صلاة المفترض بعد المتنفل
السؤال
هل أصلي مع الإمام التراويح بنية العشاء أو أصلي مع الجماعة الثانية؟
الجواب
أنت مخير، وللتشويش قلنا يصلي مع الإمام.
стр. 4045
تربية الأولاد
السؤال
يأخذ أولادي وقتاً كثيراً مني في تربيتهم؟
الجواب
نعم.
لأنك مكلفٌ بهم: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ [التحريم:٦] ولعلك تدمج تربيتهم بحفظك ومراجعتك القرآن معهم، حتى تُوفر وقتاً لذلك مع تربيتهم.
стр. 4046
حكم إخراج الزكاة من البلد
السؤال
هل يجوز إرسال الزكاة إلى بلد آخر؟
الجواب
إذا وجد سبب كشدة فقر، أو قريب فقير.
стр. 4047
ما يقال عند الرفع من الركوع
السؤال
بعد الرفع من الركوع ماذا يُقال؟
الجواب
يكرر ربنا ولك الحمد يكررها مراتٍ كثيرة.
стр. 4048
حكم من خلع الإحرام ولم يقصر
السؤال
اعتمر رجلٌ معنا وبعد السعي خلع الإحرام ولبس الملابس ولم يُقصر؟
الجواب
إذا كان جاهلاً أو ناسياً يتجرد من المخيط فوراً، ويقصر ويلبس المخيط بعد ذلك.
стр. 4049
فضل علم السلف على علم الخلف
اشتملت هذه الرسالة الموجزة على أمور عدة، وهي في وجازتها مهمة لكل طالب علم وعالم؛ لأنها تضع له خط سير ينتهجه في حياته العلمية؛ وهي كذلك توضح لطالب العلم أي العلمين طلب: النافع أم الضار؟ وذلك من خلال نتائج هذا العلم وصفات حامليه.
стр. 4050
العلم النافع والعلم الضار
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد: فبين أيدينا رسالة لعلمٍ من الأعلام الذين سبق التعريف بهم، وهو العلامة: زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن بن محمد بن مسعود السلامي البغدادي الدمشقي الحنبلي، المولود في بغداد سنة (٧٣٦هـ) والمتوفى سنة (٧٩٥هـ)، وعنوان هذه الرسالة عنوان مهم، ألا وهو: بيان فضل علم السلف على علم الخلف وهذه الرسالة من الرسائل التي تهم طالب العلم كيف لا وهي تبين الأولويات في طلب العلم، وعمن يأخذ الإنسان، وصفات العالم الذي يؤخذ عنه، مع إرشاد الطالب إلى حفظ وقته كي لا يضيع في أمور لا يستفيد منها، أو تكون الفائدة قليلة.
قال ابن رجب رحمه الله تعالى في مطلع هذه الرسالة: (بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: فهذه كلمات مختصرة في معنى العلم، وانقسامه إلى: علم نافع، وعلم غير نافع، والتنبيه على فضل علم السلف على علم الخلف).
-إذاً: فإن الفهرس المبسط المختصر لهذه الرسالة قد صدّر بها كلامه ﵀، قال: (فنقول وبالله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله).
ثم بدأ يتكلم على تقسيم العلم إلى نافع وغير نافع، وأن الله مدح العلم في مواضع من كتابه وذمه في مواضع أخرى، فمن المواضع التي مدح فيها العلم وأهله: قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩].
وقوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:١٨] أشهد الله نفسه وملائكته، وأشهد هذه الطائفة -وهم أهل العلم- على أعظم حقيقة وهي التوحيد (لا إله إلا الله).
وقوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه:١١٤].
وقوله : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨].
وكذلك لما مدح آدم فذكر أنه علَّمه، وأنه عرض الأسماء على الملائكة فلم يعرفوا: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة:٣٢].
وكذلك لما قال موسى للخضر: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً﴾ [الكهف:٦٦].
وفي مواضع أخرى من كتابه العزيز أخبر عن قوم أوتوا علماً فلم ينفعهم علمهم، فقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ [الجمعة:٥]، وقال أيضاً: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الأعراف:١٧٥].
وقال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الأعراف:١٧٦].
وقال : ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية:٢٣].
إذاً: هذا العلم نافع لكن هؤلاء نماذج من الناس الذين لم ينتفعوا بالعلم النافع، فعندهم علم نافع، ويحفظون علماً، لكنهم لم ينتفعوا به.
وهناك علم ذكره الله على جهة الذم.
إذاً هناك علم ذكره الله على جهة المدح ومدح أهله، وذم بعضهم وهم الذين لم يعملوا به ولم ينتفعوا به، وهناك علم مذموم بحد ذاته، كما قال في السحر: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة:١٠٢].
وقال : ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر:٨٣] وماذا عندهم؟ عندهم ما يخالف النبوة والرسالة: ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [غافر:٨٣].
стр. 4051
سؤال الله العلم النافع والتعوذ من غيره
قال: (ولذلك جاءت السنة بتقسيم العلم إلى: علم نافع وعلم غير نافع) وهذا واضح من قوله ﷺ : (اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع) فهناك علم ينفع وعلم لا ينفع، فهو استعاذ بالله من العلم الذي لا ينفع، وكذلك فإنه ﷺ قال في الحديث الصحيح أيضاً: (اللهم إني أسألك علماً نافعاً، وأعوذ بك من علم لا ينفع) أخرجه ابن حبان والآجري، وإسناده حسن.
فالعلم الذي يضر ولا ينفع جهل، والجهل به خير من العلم به، هذا العلم الذي لا ينفع أو العلم الضار الجهل به أفضل من تعلمه ولا شك، وإذا كان الجهل به أفضل فيكون هو شر من الجهل، أي: أن تجهل أحسن من أن تتعلم هذا العلم، مثل: علم السحر -مثلاً- وهو العلم الضار، وقد يكون الضرر في الدين وقد يكون في الدنيا.
هناك آثار تنهى عن تعلم علم الأنساب، وهناك أحاديث معروفة تحث على تعلم علم الأنساب، مثل قوله ﷺ : (تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم) رواه الإمام أحمد وإسناده حسن.
فالمقصود هو تعلم الأنساب المفيدة في أشياء، مثل: صلة الأرحام، وتعلم الأنساب غير المفيدة ما يُفضي -مثلاً- إلى الفخر والخيلاء أو إضاعة الأوقات في تتبع السلالات وما شابه ذلك.
فأما ما ينفع فيُتعلم له، ولذلك جاء في بعض الآثار: (تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم ثم انتهوا، وتعلموا من العربية ما تعرفون به كتاب الله ثم انتهوا، وتعلموا من النجوم ما تهتدون به في ظلمات البر والبحر ثم انتهوا) إذاً: هناك علوم مفيدة إلى حد معين ودرجة معينة، وبعد ذلك يكون صرف الوقت فيما لا يفيد ضياعاً للوقت.
стр. 4052
الفرق بين علم التأثير وعلم التسيير
قال: (وكان النخعي ﵀ لا يرى بأساً أن يتعلم الرجل من النجوم ما يهتدي به)، وجاء عن عمر ﵁ أنه قال: [تعلموا من النجوم ما تعرفون به القبلة والطريق]؛ لأن بعض النجوم مهم معرفتها كمسافر حتى لا يضل فيعرف الاتجاهات، وكمصلي يحتاج أن يعرف بعضها، مثل: تعيين القطب الشمالي لتعيين القبلة، فمعرفة القطب الشمالي وأين يوجد القطب الشمالي، وما هو القطب الشمالي، وما هو شكله مثلاً، وأن هذه العلامة مثل علامة الاستفهام أو الملعقة، لو أخذت طرفيها أو جهة الرأس النجم الأول والثاني ثم مددت خطاً بقدر ستة أميال ما بين النجمين سيكون في اتجاه، أو سيصلك إلى النجم القطبي الشمالي مثلاً، أو ما يسمونه بمجموعة الدب الأكبر والدب الأصغر للوصول إلى قضية تعيين القطب الشمالي، وهذا لا شك أن فيه فائدة.
ولكن هناك بعض العلوم المتعلقة بالنجوم حرام، وقد قال طاوس ﵀: [رب ناظرٍ في النجوم ومتعلم حروف (أبا جاد) ليس له عند الله خلاق] وهذا قد جاء أيضاً عن ابن عباس ﵁، وإسناده صحيح.
فعلم النجوم يقسمه العلماء إلى قسمين: القسم الأول: علم التأثير.
القسم الثاني: علم التسيير.
وعلم التسيير: هو العلم الذي يتوصل به إلى معرفة الاتجاهات وهذا علم طيب، والله كما قال قتادة: [خلق الله النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجوماً للشياطين، وعلامات يهتدى بها: ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل:١٦] ﴿لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام:٩٧]].
أما علم التأثير: فهو الربط بين النجوم والكواكب وحركة الأفلاك ومنازل القمر إلخ، وبين الحوادث الأرضية؛ بحيث يعتقد أنه إذا جاء النجم الفلاني في المكان الفلاني، أو طلع النجم الفلاني في المكان الفلاني ونحو ذلك فسوف يحدث كذا وكذا في الأرض، وأن هذا دليل على أن عظيماً قد ولد، وهذا دليل على أن عظيماً قد مات، وهذا يدل على أن كارثة وحرباً ستقع، وهذا كذا.
ومن هذا -أيضاً- قضية الأبراج المملوءة بها -الآن- المجلات وبعض السيارات من الجرائد وغيرها، فهذه مكتوب فيها بالنص، الربط بين أشياء متعلقة بولادة إنسان في برج معين، أو أمور متعلقة بظهور نجم أو أفلاك معينة، وبعض الناس يقول الآن: إذا ظهر النيزك الفلاني فيقع كذا وكذا في الأرض، فهذا حرام، وتعلمه حرام، ونشره حرام، وقراءته حرام حتى للتسلية، لأنه لا يجوز التسلي بقراءة الشرك.
وعن قبيصة: (إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت) ومثل هذا الأثر الذي معناه: "العيافة: هي زجر الطير، والتفاؤل بأسمائها وصفاتها، وما هي العلاقة بين ذهاب الطير يميناً أو شمالاً وبين حصول نحس أو شقاء في الأرض، أو حوادث في حياة الإنسان؟! والطرق هو: الضرب بالحصى أو الخط بالرمل، أو ما يفعله بعض العجائز من رمي الودع، ثم الاستدلال بشكل الودع الذي قد ألقي على الأرض على أمرٍ معين في المستقبل مثلاً، أو حوادث معينة، ذلك كله حرام، وتعلمه حرام، وتعلم علم الفلك من هذه الجهة حرام، والعمل بمقتضاه كُفر.
فأما علم التسيير الذي يتوصل به ولمعرفة القبلة والطرق ومعالم الزراعة فهو جائز عند الجمهور، وما زاد فلا حاجة إليه، فقد لا يكون كفراً ولا شركاً بل مباحاً، لكن الإكثار منه مشغلة للوقت، وصرف فيما لا ينفع.
стр. 4053
إنكار السلف على من توسع في علم النجوم
لفت الإمام أحمد ﵀ النظر إلى مسألة، وهي: أن التدقيق في بعض ذلك ربما يؤدي إلى إساءة الظن بمحاريب المسلمين في أمصارهم، مما يؤدي إلى اتهام أو اعتقاد خطأ الصحابة والتابعين في صلاتهم الفترة الماضية.
ولذلك قال: إنما ورد: (بين المشرق والمغرب قبلة).
ولذلك نلاحظ أن بعض الدكاترة أو المتخصصين في أمور معينة تتعلق بالفلك مثلاً يأتي هؤلاء إلى المساجد -مسجد قديم مثلاً- ويقولون: هذا فيه انحراف ينبغي أن يحرف قليلاً، وكل صلاة الذين مضوا في المسجد خطأ، وهذا من العمى الفقهي.
فنقول: إن من صلى وهو يعتقد أن القبلة هكذا ولم يدرِ أن الاتجاه خطأ فصلاته صحيحه، فيأتي ويقول: هؤلاء صلاتهم كلها باطلة، ويغيرون الخطوط، ويحدثون البلبلة عند الناس، وهذه مسألة مشاهدة وواقعة، أما كوننا نستفيد من العلم الحديث في ضبط قبلة المساجد حتى ولو أشعة الليزر فلا بأس في ذلك، لكن أن نعمل ما يؤدي إلى اتهام الأولين في صحة صلاتهم فهذا غلو.
وقد يكون في الاشتغال ببعض هذه الأشياء فيه فساد عريض، ولا شك أن هناك الآن كتباً تطبع وتُشترى، وبعض الناس يسافرون ويأتون بها وفيها تعليم السحر والشعوذة، وتجد بعض الناس يشتري شمس المعارف ويفتح ويطبق ثم تظهر له أفاعي ونحو ذلك، ويقوم في الليل فزعاً؛ لأنه بدأ في الطريق ولم يُحسن!! وقد جيء إلى بعض الأخيار بفتاة ليقرأ عليها، فلما قرأ عليها وسألها عم بها؟ قالت: إنني سافرت إلى البحرين واشتريت كتاباً وطبقت ما فيه، وبدأت الأشياء تتحرك، فأضع الشيء على المنضدة، أقرأ: الكلمات التي في الكتاب؛ فينحرف يميناً أو ينحرف شمالاً، وهناك -فعلاً- بعض الألعاب التي رُوجت وفيها أشياء من هذا القبيل، فيسألها لتجيب نعم أو لا، بعدما يقرأ أشياء ويتمتم بكلمات ونحو ذلك، فعندما ندمت الفتاة وبكت قالت: لكن المشكلة أنني علَّمت بنات الصف كلهن.
فالمهم أن هذا الضرب من الشعوذة وتحضير الجن والشياطين والكتب التي تتعلق بالسحر وترويجها لا شك أنها من أخطر الأشياء، وهذه قضية قائمة موجودة في الواقع، يجب على طلبة العلم الموحدين القيام لله تعالى لإنكار المنكر، ونصح العباد في هذه الأشياء.
وقد يكتشف الإنسان -أحياناً- بعض أقرب الناس إليه من يتعامل في مثل هذه الأمور، ويبيع مثل هذه الكتب، ويطبق بعض ما فيها.
стр. 4054
النهي عن التوسع في دقائق غير مهمة
والتوسع في علم الأنساب كما ضرب ابن رجب رحمه الله تعالى مثلاً في قضية العلوم المشغلة عما هو أهم منها، لكن إذا كان منها فائدة فتتعلم.
أحياناً يكون منها فوائد، مثلاً: حسان بن ثابت لما أراد أن يهجو المشركين، سأله النبي ﷺ : كيف سيخلص نسبه من بينهم؟ حتى لا يهجوهم هجاءً يشمل النبي ﷺ ، فـ أبو بكر الصديق نسابة العرب تولى تعليم حسان في قضية الأنساب دقائق حتى قال: [أسلك كما تسل الشعرة من العجين] أي: يخلصه من بينهم بكلام لا يشمله، فيكون الهجاء لهم دونه، وهذا يحتاج إلى شيء من العلم بالأنساب، فإذا كان هناك حاجة له فيتعلم.
ثم إن تعلم بعض العلوم فرض كفاية، أي: إذا عرفها بعض الأمة فلا داعي أن يتعلم كل طالب علم، ونقول: لكل طالب علم: تعال وتعلم هذا العلم؛ لأن هذا خطأ أن كل طالب علم يضع في برنامجه وجدوله في طلب العلم أن يتعلم مثل هذا، بل يكفي أن يوجد في الأمة من يعلمه عند الحاجة ويدل عليه ويأتي بالمقصود.
كذلك مسألة التوسع في علم العربية لغةً ونحواً مما يُشغل عن العلم الأهم، وطرح هذا الكلام عند طلبة العلم ينبغي أن يُؤخذ بحجمه الصحيح، حتى لا ينفروا من اللغة العربية، مع أنهم من أضعف ما يكونون في اللغة العربية على مرَّ العصور إذا ما قورنت بالعصور السابقة، فما وصلنا إلى درجة أن عموم طلبة العلم قد أتقنوا اللغة العربية وبدءوا يتبحرون، وصرنا نخشى عليهم من التوسع والانشغال عن الأهم، وعن الفقه والحلال والحرام ونحو ذلك، فنقول لهم كفوا: لا.
لكن لا يوجد بعض الناس عندهم حب للغة العربية بحيث إنهم ينصرفون إلى تعلم دقائق هذه اللغة بما يصرفهم عن الأهم وتعلم الحلال والحرام والتفسير والحديث ومعاني السنة.
مثلاً: تجد دكتوراً نحوياً كبيراً لغوياً لكنه في الفقه والحديث والتفسير ضعيف، بسبب أنه انصرف بكليته إلى هذا العلم، ولذلك هذا علم يؤخذ منه بقدر ما يفهم به القرآن والسنة فقط.
ما هو المطلوب من اللغة العربية؟ المطلوب أن نفهم القرآن والسنة بواسطتها، ولذلك كره أحمد التوسع في معرفة اللغة وغريبها، وأنكر على أبي عبيد توسعه في ذلك، وقال: "هو يشغل عما هو أهم منه"، وتجد في بعض الكتب كلاماً تقرأه بالطول وبالعرض، وبالزاوية وبالمقلوب، ما هذا؟! هذا النوع لا شك أنه مضيعة للوقت، فالذي فعل هذا، والذي يهتم به، والذي يريد أن يؤلف على منواله في أشياء قد يكون صرف عمره في شيء، ولكن ما هي الفائدة؟! قال: (ولهذا يُقال: إن العربية في الكلام كالملح في الطعام) أي: أنه يؤخذ منها ما يُصلح الكلام، فإذا زاد الملح في الطعام أفسده.
стр. 4055
خذ من كل شيء شيئاً
وقال: (كذلك علم الحساب يحتاج منه إلى ما يُعرف به حساب ما يقع من قسمة الفرائض والوصايا والأموال التي تُقسم بين المستحقين لها، والزائد على ذلك مما لا يُنتفع به إلا في مجرد رياضة الأذهان لا حاجة إليه، ويشغل عما هو أهم منه).
في الغالب علم الرياضيات يفيد في علم المواريث، فمعرفة الكسور وتوحيد المقامات هذه مهمة في علم المواريث، فلا بد أن تعرف الثلث والربع والسدس والثلثان والثمن، والأنصبة التي جاءت في المواريث، فلو اكتشفنا لعلم الرياضيات تطبيقات معاصرة مفيدة في الأمور الدنيوية مثلاً، فهل نأخذ؟
الجواب
نعم.
الآن من أهم الأشياء حتى لو أردت الجهاد في سبيل الله، مثلاً المعادلات التي تنبني عليها قضية المقذوفات، ومعرفة المواقع، وانطلاق القذيفة، وعندما تذهب بهذا الشكل القوسي إلى المكان، هذه مسألة مهمة جداً، يجب أن تعرف؛ لأن لها ارتباط واضح بقضية تفيد وتنفع المسلمين.
وهناك مثلاً الطب: فالرياضيات لها بعض التطبيقات الطبية، مثل: المعادلات التفاضلية لها علاقة بالتكاثر السكاني، أو تكاثر البكتيريا، أو انتشار مرض الإيدز، أو تلوث مياه البحر، هذه كلها قائمة على معادلات رياضية.
وكذلك أشعة الرنين المغناطيسي للتصوير المقطعي ثلاثي الأبعاد، هذا قائم على مسلسلات فوريير في الرياضيات القائم على نظرية التكامل والتفاضل وذهاب الأشعة وانطلاقها وتشعبها أو تفرقها أو تشتتها، واستخدام الرياضيات لعمل شفرات المعلومات التي تقي البريد الإلكتروني والمعلومات التي تذهب في البريد الإلكتروني.
فالمسلمون عندما اخترعوا الصفر -وكان غير معروف عند من قبلهم- كان ذلك اختراعاً عظيماً أدَّى إلى تطور كبير في العلوم، لكن هناك بعض الأشياء حتى في بعض علوم الرياضيات والطبعيات التي تُدّرس غير مفيدة؛ بل إنها مشغلة، وأقصى ما فيها لذة الذهن أحياناً.
بعض الأشياء تتعلق أحياناً بالعدد والزمرة والوحدة والفئات الخالية، والإغراق في نظريات المجموعات، والمنطق المشوش، فهذه الأشياء موجودة في الرياضيات الآن، ولكن دراستها لم يظهر فيها أشياء مفيدة، فدراستها والإغراق فيها عبارة عن ضياع وقت.
على أي حال، قد يقول ابن رجب ﵀ كلاماً في الرياضيات أو في الحساب من قديم على أشياء معروفة في زمانهم، فالآن الأمور اختلفت.
فنقول ونحن في زماننا: ما كان مفيداً منها يُدرس وما لا فائدة فيه لا يُدرس، فهو إضاعة وقت، ولكن أحياناً الشخص قد يكون مكرهاً؛ لأن المنهج واحد، والامتحان سيأتي على جميع المنهج، وأنت مطالب بأن تدرس المنهج بما فيه مفيد أو غير مفيد، وهنا لا بد أن يكون المدرس حكيماً ومسئولاً، فمثلاً: التركيز على ما ينفع وعدم تشتيت أوقات الطلاب والحصص في أمور لا تفيد.
وبعض الناس -كما قلنا- يدرسون العلم للعلم، وليس من أجل الإستقادة منه، ويقولون: العلم للعلم، والثقافة للثقافة، وهذا شعار جاهلي مطلق؛ لأن الغربيين يدرسون كل شيء، عندهم، كل جانب من جوانب العلوم والمعرفة هذا جانب مقدس يجب أن يُدرس، فقد لا يكون مفيداً، ما الفائدة أن شخصاً يأخذ دكتوراه في اللغة الهيربروفية؟ أو لغة اندثرت من زمان ولم يعد أحد يستعملها الآن، ليكتشف بعض الأشياء التي يعلمونها في بعض الآثار، وعلوم الآثار يأتي ويذهب، وتركز الأضواء والأنوار والأشياء على استخراج شيء يؤخذ بعناية ويلف وتوضع له مواد تنظيف، وفي النهاية ما هي النتيجة؟ استخرجوا صنماً، ويعتبروا هذا اكتشافاً كبيراً وهائلاً وتنشر نشرات وإعلانات وسبق علمي وصحفي "استخراج صنم"، هذا أول شيء ينبغي أن يُكسر ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء:٥٢] ولكن يقولون: هذا علم.
فبعض المتأثرين بالذين درسوا في الخارج أو المنهج الغربي عندهم مشكلة، وهي التي يشير لها ابن رجب حقاً وحقيقة في قضية الانشغال بالعلوم غير النافعة، بل منها علوم ضارة في هذا الزمان على البشرية.
стр. 4056
النهي عن الخوض في القدر
أما إذا رجعنا إلى قضية العلوم المتعلقة بالشريعة، فإن بعض الناس قد اخترعوا علوماً ونسبوها إلى العلوم الشرعية، ولا علاقة لها بالعلوم الشرعية.
قال ابن رجب ﵀: (وأما ما أحدث بعد الصحابة من العلوم التي توسع فيها أهلها وسموها علوماً، وظنوا أن من لم يكن عالماً بها فهو جاهل أو ضال فكلها بدعة، وهي من محدثات الأمور المنهي عنها، فمن ذلك: ما أحدثته المعتزلة من الكلام في القدر وضرب الأمثال لله).
علم الكلام من العلوم الضارة التي لا يحتاج إليها الذكي، ولا ينتفع بها البليد- والمعتزلة يقسمون الأشياء إلى العرض والجوهر، ثم يطبقون قواعد هذه التفسيرات على الله ، ويضربون الأمثال لله -تعالى الله عن ذلك-.
وكذلك الخوض في القدر: فبعضهم يعتبره علماً ويؤلف فيه، قال: (وقد ورد النهي عن النبي ﷺ : (لا يزال أمر هذه الأمة موافياً ومقارباً ما لم يتكلموا في الولدان والقدر) صححه الذهبي وقال الهيثمي: ورجال البزار رجال الصحيح، وأخرجه البزار وإسناده جيد).
فالنبي ﷺ حذَّر من الخوض في القدر، وهؤلاء خاضوا في القدر وألفوا وغاصوا فيه، واعتبروه (علم قواعد) ينبغي أن يؤلف فيه ويكتب.
وقد قال النبي ﷺ : (إذا ذُكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكر النجوم فأمسكوا) والمقصود علم التأثير لا علم التسيير، و (إذا ذكر أصحابي): أي الفتنة بينهم، أما إذا ذكروا بالخير وبالفضائل وأحاديثهم فحيهلا بهذا العلم.
стр. 4057
ضرر علم الكلام على الأمة
مع الأسف! أن علم الفلسفة وعلم الكلام وقواعد المنطق يُدرس في بعض الكليات الشرعية والدينية في بعض أنحاء العالم الإسلامي على أنه مقدمة في علم المنطق وعلم المنطق وقواعد علم المنطق وتُصرف فيه أوقات، ولا يوجد في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ علم المنطق، ولا حتى يحتاج إلى تقسيمه إلى جوهر وعرض، والجوهر يقوم بذاته، والعرض لا يقوم بذاته، ولا بد أن يقوم العرض بجوهر، وغير ذلك من الكلام الفارغ الذي لا يحتاج إليه، ولكن من التأثر ممن فتح على المسلمين من علوم اليونان، وأخذ المنطق اليوناني، هو الذي أوردهم في هذه المهالك، وقد قيل: إن المسلمين لما فتحوا بعض البلدان وحقد أهلها عليهم، قال بعض النصارى لأحد ملوكهم: إن في هذه الخزائن كتباً كانت قد أورثت فينا التقتيل فيما مضى -النزاعات والخصومات- فإنك لو أرسلتها إلى المسلمين تكون فيهم النكاية، ففعل ذلك، فبعض المسلمين من غفلتهم أخذوا ذلك وترجموه، وقالوا: هذا علم ما كان عندنا، وهو علم المنطق والفلسفة.
فأقول: إن بعض المناهج في بعض البلدان في العالم الإسلامي في الجامعات وغيرها يضطر المتخرج أن يدرس كل العلوم التي فيها، بل وأحياناً تجد في بعض المدارس في الجامعات، تُحذف العلوم النافعة وتُضاف علوم غير نافعة، وهذا من أسوأ الأشياء، كما زعم بعضهم أنه من المربين، درس علم التربية في الخارج، فنظر في الجدول، وقال: قرآن وتفسير لماذا؟ أليسا شيئاً واحداً، لماذا حصة قرآن وحصة تفسير ادمجوها مع بعض، ثم قال: ولماذا الإكثار من حصص القرآن؟ انظروا إلى الكلام الحق الذي أريد به باطل.
قال ابن عمر: [كنا لا نتجاوز عشر آيات حتى نتعلمها ونعمل بما فيها].
إذاً: لماذا تتعبوا الطلاب وتضيعوا حصتين أو ثلاث حصص في الجدول، احذفوا حصص القرآن!! كانوا يقفون عند عشر آيات ويعملون بما فيها، فأعطونا حصة واحدة للعلم وحصصاً للعمل، وماذا كانت حياتهم إلا موقوفة على العلم بالقرآن والعمل به، وأنت تريد فقط أن تتعلم عشر آيات في سنة، وبدون شيء آخر غير حفظ عشر آيات.
إن هؤلاء الذين يريدون تنحية العلوم الشرعية النافعة ووضع العلوم غير النافعة، أو الخطط التي أُريد بها محو العلم الديني كما فعل كرومر ودنلوب وغيرهما في مخططاتهم في العالم الإسلامي، حتى أصبحت عقول الجيل مثل إطارات دنلوب فارغة من الداخل، بسبب هذا.
وكما تكلم العلماء في خطة تطوير الأزهر -أو بالأحرى تغيير الأزهر- حذف مادة معينة ينبغي أن يدرسها الطالب، وبالتالي يكون تكوينه ضعيفاً، والعلوم التي كانت تدرس تذهب عليه، فنحن مأساتنا ما بين: أولاً: حذف العلوم الدينية.
ثانياً: تقرير علوم غير نافعة.
ثالثاً: تقصير مدة التعليم الديني.
ولا يخفاكم ما يكون من أعداء الله من العلمانيين الذين يشنون في بعض بلدان المسلمين الحرب على التعليم الديني باعتباره هو سبب التطرف فلا بد من إزالته ومحوه بالكلية.
стр. 4058
وجوه النهي عن الخوض في القدر
قال ﵀: (والنهي عن الخوض في القدر يكون على وجوه: منها: ضرب كتاب الله بعضه ببعض، فينزع المثبت للقدر بآية، والنافي له بأخرى، ويقع التجادل في ذلك والخوض في القدر إثباتاً ونفياً بالأقيسة العقلية.
كقول القدرية: لو قدَّر وقضى ثم عذب كان ظالماً -هذه قاعدة استنبطوها من عقولهم- وقول من خالفهم، ومنهم من قال في الطرف المقابل: إن الله جبر العباد على أفعالهم ونحو ذلك).
وهذا كله انحراف وبدعة وخروج عما أراده الله .
وأيضاً يدخل في العلوم المحرمة الخوض في سر القدر، ومنها: الخوض في ذات الله، وكيفية صفاته ، وهذا أشد خطراً من الكلام في القدر، لماذا؟ لأن الكلام في القدر هو كلام في أفعال الله، والكلام في الصفات هو كلام في ذات الله، ولا شك أن الانحراف في الكلام في ذاته أبشع من الانحراف في الكلام في أفعاله.
فالذين يريدون أن يخوضوا في ذات الله وكيفية الصفة، هؤلاء يخوضون بالباطل، وهذا شيء محرم ولا يُعتبر علم؛ لأنه لا يمكن للإنسان أن يتخيل أو يعرف كيفية صفات الله، لكنه يجب أن يُؤمن بالصفة كما جاءت وهو يعلم معناها في اللغة، ويعلم معنى اليد ومعنى الوجه في اللغة، ثم يثبتها لله ، فيثبت الوجه لله كما يليق بجلاله وعظمته.
وصار الانحراف أن بعض الناس نفوا أشياء كثيرة مما ورد في القرآن والسنة لاستلزامه التشبيه عندهم بالمخلوقين، مثل قول المعتزلة مثلاً عندما نفوا الرؤية: الله لا يرى لماذا؟ قالوا: لأنه لو رؤي لكان جسماً، والله منزه أن يكون جسماً، إذاً لا يُرى، وهل وجدت في القرآن والسنة أن الله جسد أو غير جسد، فلماذا نتكلم؟ وجدت أن الله يرى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين:٣٥] فأنت تنفي وتجحد وتكذب بهذه الآية، لأجل قاعدة عقلية عندك: [أن ما رؤي لا بد أن يكون جسماً، وأن الله منزه عن الجسمية؛ فإذاً هو لا يرى].
فهذا هو العلم الضار الذي يسبب إذهاب العلم النافع، والكفر بما أنزل الله .
وفي الطرف الآخر: هناك من غالى في الإثبات أكثر مما ورد، وأكثر مما جاء في الكتاب والسنة، فأثبتوا لله أشياء ما ثبتت في الكتاب والسنة فغلوا فيها.
стр. 4059
كلام السلف وما يحتوي من الفقه
كذلك من العلوم -أيضاً- التي نبه ابن رجب ﵀ على إحداثات فيها، قال: (ومن ذلك -أعني: محدثات العلوم- ما أحدثه فقهاء أهل الرأي من ضوابط وقواعد عقلية وردوا فروع الفقه إليها، وسواء خالفت السنن أم وافقتها؛ طرداً لتلك القواعد المقررة).
إذاً: أنتم وضعتم قاعدة عقلية، ثم حكمتم النصوص، وأرجعتم فروع الفقه بناءً على القواعد، فقد يأتي استثناء، لأن السنة فيها استثناءات.
مثلاً: بعض أنواع اللحوم المحرمة ما عرفناها إلا من السنة، فلو قلت مثلاً: كل آكل للعشب مباح، فما رأيك بالحمار؟ يأكل العشب لماذا حرام؟ ما حكمه؟ يقول على قاعدتي: هو حلال، وقد ورد في السنة تحريمه، والحمار الأهلي بخلاف الحمار الوحشي، أو لو جاء من قال: كلهم حمير، والشارع فرق بين الحمار الأهلي والحمار الوحشي، فأنت لا بد أن تفرق بينهما، فإما أن تجمع بين ما فرقه الشارع أو تفرق بين ما جمعه الشارع على قاعدتك وإلا فلا.
لماذا قال علي بن أبي طالب ﵁: [لو كان الدين بالرأي لكان مسح باطن الخف أولى من أعلاه] ليس كل الأحكام تجري على عقولهم، الضبع قد أبيح في السنة، مع أن له أنياب.
إذاً ننتهي ونتوقف ما دام قد ثبتت إباحته، وكذلك ما دام قد ثبت تحريم لحم الحمار الأهلي نؤمن به ونسلم.
بعض فقهاء أهل الرأي كان من خطئهم أنهم وضعوا ضوابط وقواعد عقلية وردوا فروع الفقه إليها، غير آبهين هل وافقت السنة أم لم توافق السنة؟ أما الأئمة والفقهاء من أهل الحديث فإنهم يتبعون الحديث الصحيح حيث كان، إذا كان معمولاً به عند الصحابة ومن بعدهم فإنهم يعملون به.
وأما ما لم يعمل به الصحابة، فإنهم لا يعملون به؛ لأنه بالتأكيد عندهم منسوخ، ولكننا ما عرفنا أنه منسوخ.
إذاً: القاعدة هي: العمل بالحديث الصحيح ما دام الصحابة قد عملوا به، وهذا ينفي لك الأحاديث الشاذة التي قد يظن بعض الناس أنها صحيحة وهي ليست كذلك.
وهناك قسم من الأحاديث الشاذة إسناده صحيح، لكنه حديث شاذ، فبعض الناس الذين يدّعون السلفية، ويقولون: نعمل بالحديث الصحيح، ولو قلت له: ما معنى الصحيح؟ يقول لك: ابحث عنه في تقريب التهذيب إذا كان رجاله ثقات أو لا بأس بهم فهو حجة ونعمل به.
وما رأيك في قضية المتن؟ وكلام العلماء في المتن؟ لا تنظر إليه!! إذاً: هنا يُوجد عند بعضهم نقصٌ في العلم يؤدي بهم إلى اتهام الصحابة والسلف.
стр. 4060
النهي عن الجدال والخصام في الدين
قال ﵀: (ومما أنكره أئمة السلف: الجدال والخصام والمراء في مسائل الحلال والحرام أيضاً، ولم يكن ذلك طريقة أئمة الإسلام، وإنما أحدث ذلك بعدهم كما أحدثه فقهاء العراقين في مسائل الخلاف بين الشافعية والحنابلة، وصنفوا كتب الخلاف، ووسعوا البحث والجدال فيها) حتى القارئ لا يسلم صدره.
فتجد بعضهم قال: خصومنا، وقلنا، وقال خصومنا، ومن هم الخصوم؟ وهل يجوز أن تكون هناك خصومات بين المسلمين؟ لماذا تعرض القضية على أنهم خصومنا؟ لماذا يقال عن طائفة من الفقهاء: إنهم خصوم للطائفة الآخرى؟ هل القضية قضية خصومات وعداوات.
قال: (وكل ذلك محدث لا أصل له، وصار ذلك علمهم حتى شغلهم عن العلم النافع، وقد أنكر ذلك السلف، وورد في الحديث المرفوع في السنن: (ما ضل قوم بعد هدىً إلا أوتوا الجدل، ثم قرأ: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف:٥٨]).
وجاء في حديث مرفوع -أيضاً- رواه الإمام أحمد وإسناده حسن، قال النبي ﷺ : (ما ضل قوم بعد هدىً إلا أوتوا الجدل، وقرأ ﷺ : ((مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ)) [الزخرف:٥٨]).
قال: (وقال بعض السلف: [إذا أرد الله بعبد خيراً فتح له باب العمل وأغلق عنه باب الجدل، وإذا أرد بعبد شراً أغلق عنه باب العمل وفتح له باب الجدل] وقال مالك: " أدركت أهل هذه البلدة وإنهم ليكرهون هذا الإكثار الذي فيه الناس اليوم".
يريد المسائل) أي: المخاصمات والمحاجات والمناظرات والمناقشات، وكذلك التشقيق والتفريع الدقيق للأشياء التي قد لا تحصل ولا توجد.
стр. 4061
النهي عن الاختلاف في مسائل حكم فيها الشرع
قال: (وكان يعيب كثرة الكلام والفتيا، ويقول: يتكلم أحدهم وكأنه جمل مغتلم، يقول: هو كذا هو كذا، ويهدر في كلامه، وكان -رحمه الله تعالى- يكره الجواب في كثرة المسائل، ويقول: قال الله : ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:٨٥]).
لما خاض بعض الناس في الروح، وقالوا: الروح جسم لطيف وأجسام نورانية شفافة ونحو ذلك من الكلام الذي لا يجوز أن يقال، لأن الله اختص بعلم الروح، فما بالك إذا علمت أن الأقوال في الروح وصلت إلى ألف وثمانمائة قول كما قال الشوكاني ﵀، فمسألة الروح محسومة، لأن الله اختص بعلم الروح، ولا يمكن أحد منا يعلم هذا؛ قال سبحانه: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:٨٥].
فلو جاء شخص من الخارج، وقال: عندنا علم جديد فتحنا له كلية، ما هو؟ قال: علم الروح! نحن نبحث في المحتضرين، ونزن المحتضر قبل الموت ونزنه بعد الموت، ونفحصة بالأشعة الحمراء وفوق الحمراء وتحت الحمراء، وفوق البنفسجية وفوق القرمزية، ونعمل أبحاثاً لنعرف الروح، نقول: سلفاً نعطيكم
الجواب
كل ما أنفقتم في هذه الكلية وفتحها وطلابها من الأموال والأوقات فإنكم لن تجنوا من ورائه إلا حرث بذر في الهواء.
فالذي ينطلق من الشريعة والعقيدة الصحيحة، غير الذي ينطلق من الثقافات الأخرى الأجنبية عن الدين، والغربيون الآن لهم أبحاث في الروح، فلم يصلوا إلى أي شيء فيها، بل عادوا إلى الصفر مرة أخرى، مثل تبه بني إسرائيل، كانوا يخرجون في الصباح يبحثون عن المخرج، ويأتي عليهم المغرب ويجدوا أنفسهم في نفس المكان الذي خرجوا منه، ضلوا على ذلك أربعين سنة.
стр. 4062
زيادة التفريعات في المسائل
انتشر في بعض العصُور الخصومات والجدالات، وتفريع الفروع الفقهية والخصومات وافتراض الاحتمالات فيها: فلو كان كذا ولو كان كذا، ولو كان كذا، وتجد هذا في كثير من كتب الفروع المذهبية، ويتباهى بها بعض المتعصبين للمذاهب.
فيقولون: أئمتنا ﵏ ما تركوا شيئاً، بحثوا كل شيء، وشققوا المسائل، وفرعوا التفريعات، وقد قال النبي ﷺ : (إن الله قد كره لكم قيل وقال) والتشقيق والتفريع في الكلام وفي هذه المسائل داخل في قيل وقال.
ويذكرون المسائل التي لا تحصل، ووجد في بعض كتب فروع الشافعية: لو صلى في أرجوحة معلقة بين السماء والأرض، ففرضوها مع أنها غير موجودة، أرجوحة معلقة بين السماء والأرض، ثم قالوا:
الجواب
لا يجوز، لأنه لا بد أن يصلي على شيء مستقر متصل بالأرض، وجاءت الفروع والنتيجة أنه لا يجوز، وسأل الناس عن حكم الصلاة في الطائرة بعد اختراع الطائرة، فقيض الله من هذه الأمة من يبين الحكم بعد أن وجدت المسألة وهنا يحصل التوفيق.
ولذلك فإن بعض السلف يرفض أن يجيب على المسائل الافتراضية، ويقول: دعه حتى يكون، لماذا؟ لأنه إذا كان وإذا حصل بذل أهل العلم وسعهم عند ذلك واجتهادهم؛ لأن المسألة صارت موجودة، فيأتي التوفيق من الله .
ولما صارت القضية الآن وتنادى أهل العلم لبحث الصلاة في الطائرة، وقالوا: إن الصلاة في الطائرة جائزة، إذا احتاج إلى ذلك فلا حرج، وصلاته صحيحة، وما خرجوا بالنتيجة التي خرج بها ذلك المتمذهب الذي فرَّع الفروع الدقيقة ومنها هذا، وخرج بتلك النتيجة، على مسألة افتراضية لم تكن واقعة.
قال: (قال النبي ﷺ : (إن الله لم يبعث نبياً إلا مبلغاً، وإن تشقيق الكلام من الشيطان) وتشقيق الكلام مذموم، وكذلك فإنه قد ورد النهي عن كثرة المسائل وعن الأغلوطات.
والأغلوطات: هي شرار المسائل التي يُغالط فيها العلماء؛ ليزلوا بذلك، فيأتي شخص يتحذلق في سؤال -كما فعل بعضهم، وبعض المسلمين نقلوه عن بعض النصارى- هل يستطع الله أن يخلق إلهاً مثله؟ فأنت انظر إلى السؤال لتعرف كيف يأتون بالأغلوطات التي ورد النهي عنها؟ هذا السؤال غلط أصلاً، لأنه إذا خلق إلهاً فالإله لا بد ألا يكون له بداية، وكيف يكون إلهاً وله بداية؟ فالسؤال غير وارد، وهل يوجد جواب صحيح على سؤال خطأ؟ صحح سؤالك حتى نأتي لك بالجواب.
هذه قضية الأغلوطات والفرضيات التي يريدون أن يزلوا بها العلماء، ويتقعرون في الألفاظ والمسائل والفرضيات للجدال، فصارت القضية قضية جدال، أوقات تضيع في الجدل، افتراض أشياء ثم الجدال بناءً عليها.
стр. 4063
علم السلف كان كبيراً وكلامهم كان قليلاً
كانت مؤلفات الأولين قليلة ولكنها كثيرة البركة، ومؤلفات المتأخرين كثيرة ولكن بركتها قليلة، وكذلك كلام السلف قليل، لكن مدلوله كبير ومبارك ونافع، وكلام المتأخرين كثير وكثير، تفريعات كثيرة جداً ولكن بركته قليلة.
ومن يتأمل في بعض كتب المذاهب التي فيها هذه الفروع الكثيرة: فصلٌ، فصلٌ، فصلٌ، والمجلدات تزيد، وبعض الناس يقول: أين كان علم مالك والشافعي وأحمد وابن المبارك والثوري والأوزاعي، أين كان عن هذه المسائل؟ فيقال له: قال ابن رجب ﵀: (وما تكلم من تكلم وتوسع من توسع بعدهم باختصاصه بعلم دونهم، ولكن حباً للكلام، وقلة ورع، كما قال الحسن وسمع قوماً يتجادلون: "هؤلاء قوم ملوا العبادة، وخف عليهم القول، وقلّ ورعهم فتكلموا".
وقال مهدي بن ميمون: سمعت محمد بن سيرين وماراه رجلاً-جادل محمد بن سيرين - ففطن له، فقال: "إني أعلم ما يريد، إني لو أردت أن أماريك كنت عالماً بأبواب المراء " -أنا أعلم بالمناظرة والجدال والأصول، لكن لماذا أضيع وقتي معك؟ وقال جعفر بن محمد: "إياكم والخصومات في الدين، فإنها تشغل القلب وتورث النفاق".
وقال عمر بن عبد العزيز: "إن السابقين عن علم وقفوا، وببصر نافذ قد كفوا، وكانوا هم أقوى على البحث لو بحثوا".
وقد فتن بعض المتأخرين بهذا، وظنوا أن من كثُر كلامه وجداله وخصامه في مسائل الدين فهو أعلم ممن ليس كذلك، وكذلك فإن من كثرت مسائله وتفريعاتها، فهو أعلم ممن قلَّ كلامه وبحثه، وكانت مؤلفاته أقل وأوراقها أقل- وهذا جهل محض، وانظر إلى أكابر الصحابة وعلمائهم كـ أبي بكر وعمر وعلي ومعاذ وابن مسعود وزيد بن ثابت كيف كانوا؟ كلامهم أقلّ من كلام ابن عباس وهم أعلم منه، وكذلك كلام التابعين أكثر من كلام الصحابة، والصحابة أعلم منهم).
فعلاً: لو جربت الآن المنقولات عن السلف لوجدت كلام الصحابة أقل من كلام التابعين، وكلام التابعين أقل من كلام تابعي التابعين، وتابعي التابعين كلام أكثر من كلام التابعين، وكلام التابعين أكثر من كلامهم الصحابة، من الأعلم؟ الصحابة، ثم من؟ جيل التابعين بالتأكيد.
فكيف نجدهم أعلم وكلامهم أقل؟ هذه الملاحظة التي يجب أن ننتبه لها.
قال: (فليس العلم بكثرة الرواية، ولا بكثرة المقال، ولكن نور يُقذف في القلب يفهم به العبد الحق، ويميز به بينه وبين الباطل، ويعبر عن ذلك بعبارات وجيزة محصلة للمقاصد، وقد كان النبي ﷺ أوتي جوامع الكلم واختُصر له الكلام اختصاراً).
فإذاً: تجد الآن فيها قول عن ابن مسعود كلمة كلمتين جملة سطر، وتجد في كلام بعض المتأخرين صفحات وأبحاثاً طويلة جداً جداً، من الذي كلامه أكثر بركة وأصوب وأنفع؟ طبعاً كلام الصحابة مع قلته ووجازته، ولذلك العلم ليس بكثرة تسويد الصفحات، ولا بكثرة الآراء والأقوال، لكنه نور يقذفه الله في قلب العالم خاصة الذي يسير ويمشي على الكتاب والسنة، فيأتي لك بالحكم.
стр. 4064
كثرة الكلام لا يدل على العلم
قال: (فيجب أن يُعتقد أنه ليس كل من كثُر بسطه للقول وكلامه في العلم كان أعلم ممن ليس كذلك، وقد ابتلينا بجهلة من الناس يعتقدون في بعض من توسع في القول من المتأخرين أنه أعلم ممن تقدم، فمنهم من يظن في شخصٍ أنه أعلم من كل من تقدم من الصحابة ومن بعدهم، لكثرة بيانه ومقاله، ومنهم من يقول: هو أعلم من الفقهاء المشهورين المتبوعين).
ومنهم من يقول: من المتأخرين من هو أعلم من أصحاب المذاهب الأربعة، أعلم من الشافعي وأحمد ومالك، لا! لا يمكن أن يكون هذا! لكن هنا نقطة مهمة وهي: أن المسألة قد لا تكون وجدت أسبابها في عهد الصحابة والتابعين، ووجدت أسبابها في عهد الإمام أحمد مثلاً، فتكلم فيها الإمام أحمد وما وجدنا فيها كلام الصحابة لماذا؟ لأنها لم تكن في عهدهم.
مثلاً: خلق القرآن هل تجد فيه كلاماً للصحابة موسعاً؟ لا.
ولماذا تكلم الإمام أحمد ومن معه في الرد على المعتزلة؟ لأن المشكلة نشأت في عصره، فعندما تدعو الحاجة إلى الكلام والرد على أهل البدع نرد هل نقوم الآن ونتكلم في قضية الصحابة؟ نقول: إذا كان عندك الوسط سليم، والناس صدورهم سليمة، وقضايا الصحابة غير مثارة، والفتن التي بينهم غير مذكورة ومنتشرة، هل تتكلم عن الفتن التي حصلت بينهم، وتتوسع فيها، وتنشرها بين العامة؟ هذا خطأ؛ لأن الواحد يكون صدره سليماً، فيصبح غير سليم.
مثال واقعي: لو قال رجل: ظهرت أشرطة عن الفتنة بين الصحابة وسمعها وقال: والله هذا محمد بن أبي بكر الصديق إنسان مجرم سفاح وظالم وباغٍ، وهو ما كان يعرف محمد بن أبي بكر، ولم يسمع به إطلاقاً والآن لما سمع الكلام قال: هذا كذا وكذا وكذا.
كانت صدورهم سليمة، فصارت هكذا، وذلك بسبب فتح موضوع لا توجد أسبابه أو الحاجة لفتحه، لكن من أثيرت عنده القضية، كأن يجلس مع رجل من أهل الرفض أو أهل البدعة وأثار عنده أشياء كثيرة، وهذا مسكين، هذا الذي يُعطى كتاب العواصم من القواصم، أو شيء يسمعه ويفيده ويعالج ما حصل عنده في هذه النقطة.
فإذن المسألة مهمة جداً، وهي: عدم إثارة الشيء والكلام فيه إلا بعد وجود أسبابه، فلا تتكلم عن قضية خلق القرآن؛ لأنها غير مثارة، ما رأيكم نخطب خطبة ودرس وسلسلة على العامة في قضية خلق القرآن، ونورد أقوال المعتزلة ثم الرد عليها، هل هذا صحيح؟! لا.
لأن المسألة أصول ومنطلقات وثوابت، فالذي يفهم طريقة السلف لا يزيغ في الكلام ولا في توقيت طرح الكلام، وأما الذي ليس عنده علم بذلك فهو يخبط خبط عشواء، فالموضوع جذاب، وقصصي فيمشي بين الناس، وبعض المكتبات والتسجيلات تبحث عن الأرباح، والمسألة هذه لها سوق وشيقة، لكن يترتب عليها مفاسد في الدين، أنت تتكسب من وراء مفاسد على الدين؟! قال: (وقد صدق ابن مسعود ﵁ في قوله في الصحابة: [إنهم أبر الأمة قلوباً، وأعمقها علوماً، وأقلها تكلفاً] وقال ابن مسعود ﵁: [إنكم في زمان كثير علماؤه، قليل خطباؤه، وسيأتي بعدكم زمان قليل علماؤه، كثير خطباؤه].
وقد شهد النبي ﷺ لأهل اليمن بالإيمان والفقه، وأهل اليمن أقل الناس كلاماً وتوسعاً في العلوم، لكن علمهم علم نافع في قلوبهم، ويقدرون بألسنتهم عن القدر المحتاج إليه من ذلك.
وهذا قيل عن الزمن الذي كان في ذلك الوقت، وإلا فقد يطرأ على بعض الناس وبعض البلدان، أشياء وتغيرات كثيرة.
ولا شك أيها الإخوة! أن الاهتمام بكلام السلف أنفع من الاهتمام بكلام الخلف، وإن كان الذين يسيرون على كلام السلف من الخلف ينبغي الاعتناء بكلامهم، فمثلاً: إذا جئت إلى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وابن القيم وغيرهما تجد أنهم يبنون كلامهم على كلام السلف، وكثير من الكلام الذي يقولونه إنما هو استشهاد بكلام السلف، فـ المغني مثلاً كثير من عباراته جمع لكلام السلف، قال عطاء وقال أيوب وقال إبراهيم النخعي وقال فلان فهذا هو علم السلف، فالكتب التي تجمع علم السلف بغض النظر عن المؤلف عاش في أي عصر، المهم الاهتمام بعلم السلف، والخلف الذين شرحوا كلام السلف، وساروا على هديهم، هذا هو المطلوب.
стр. 4065
الإعجاز العلمي ومضادته لكلام السلف
قال: (فضبط ما روي عن السلف أفضل العلم مع تفهمه وتعقله والتفقه فيه، وما حدث بعدهم من التوسع لا خير في كثير منه إلا أن يكون شرحاً لكلامهم، وأما ما كان مخالفاً لكلامهم فأكثره باطل أو لا منفعة فيه).
وهذا مثال ذكره بعض الإخوان وهو قضية الإعجاز العلمي في القرآن، بعض الناس يفسرون آيات في القرآن بتفسيرات ليست واردة، بل مخالفة لما قاله السلف.
مثلاً: افترض أنك جئت إلى آية: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن:٣٣] وفتحت تفسير ابن كثير، وميزته أنه يجمع تفاسير السلف: مجاهد، وقتادة، وسعيد بن جبير، وابن عباس، وابن مسعود.
ستجد مثلاً أن الله إذا جمع الأولين والآخرين يوم القيامة يتحداهم ويجعلهم في صعيد واحد تحيط بهم الملائكة صفوفاً، ويقول: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن:٣٣]، ولا يوجد سلطان ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦] فيأتي من يقول: اكتشفنا إعجازاً علمياً في القرآن؟ ما هو؟ قال: (لا تنفذون إلا بسلطان) أي: سلطان العلم، أي: صواريخ الدفع النفاثة، هذه التي تخرج، فكر في المعنى القبيح الذي فسرت به، ماذا ترتب على هذا الكلام من قُبح؟ أن الله يتحدى الإنس والجن، ثم بعضهم يقبلون التحدي ويخترعون أشياء وينفذون، هل من المعقول أن الله يتحدى الجن والإنس ويقبلون التحدي، ويتغلبون فعلاً، ويصعدون من أقطار السماوات والأرض، هل هذا كلام يقبل؟! فالجن من قبل قد خرجوا من أقطار الأرض، ويصعدون إلى السماء: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ [الجن:٩] فكيف يتحداهم وكان قد عملوا بالتحدي وهذا إنما يوم القيامة.
فكثير من الكلام الذي في الإعجاز العلمي للقرآن مخالفة لكلام السلف، ثم تتغير النظرية فيتغير التفسير، فيكون قد ركَّب تفسير الآية على نظرية معينة، والنظرية قد يكتشف خطأها ماذا نفعل وقد فسرنا القرآن على هذا؟! فلا بد أن يقال ما يوافق كلام السلف، لا ما يخالف كلام السلف.
افترض أنهم قالوا مثلاً: اكتشفنا أن القمر انشق من ألف وأربعمائة سنة، زادونا شيئاً جديداً؟ لا! هل خرجوا عن كلام السلف؟ لا.
لكن يأتي رجل يحدث قولاً جديداً، ويخالف السلف، ويقول: أنا توصلت إلى ذلك، ويخالف السلف، فاعلم أنه لا خير فيه.
والمشكلة في قضية الإعجاز العلمي أنه طرح قضايا، وبعد سنة سيأتي مؤتمر آخر لا بد أن يقدم ورقة بحث جديدة، الآن نريد سبق صحفي جديد في اكتشافات قرآنية جديدة فسوف تقل الضوابط عندهم، وكان أولاً يأخذ بالمسلمات وبالحقيقة، وصار الآن يأخذ بالنظريات، ثم صار يتعسف الورقة الثالثة والرابعة والخامسة.
ولذلك المسألة تنفلت وما هي الفائدة؟ أن نخالف تفاسير السلف، الله لما أنزل القرآن أنزله للعرب والعجم، يا أخي! يكفي التفكر في السماء وما فيها من النجوم، فالله عندما قال: ﴿رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد:٢] ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ﴾ [الحج:٦٥] ألا يكفي إعجازاً أن السماء لا تقع على الأرض؟! وبعض الأشياء لو لم تشرح فيها إلا الكلام الموجود في التفاسير لكفى إعجازاً، يملؤنا إيماناً.
إذاً: ما يسمى بالإعجاز العلمي منه ما هو حق، ومنه ما هو باطل، ومنه ما هو كلام مشكوك فيه، أي: مثل الإسرائيليات، شيء يُوافق ما عندنا، فنقول: نعم، وشيء يخالف ما عندنا، فنقول: لا، وشيء لا يوافق ولا يخالف، نقول: الله أعلم به، لا نعتقد به اعتقادنا في العقائد، ولا نكذبه، ونقول: إذا كانت هذه الأشياء اكتشافات علمية إذا صدقوا فيها فهي صحيحة.
افرض -الآن- أنه لا يوجد نص من آية أو حديث على أن هناك حياة على كوكب غير الأرض، وغداً أخرجوا هذه المركبات والتلسكوبات، وقالوا: إنا وجدنا حياة ووجدنا دواب تمشي بأربعة عشر رجلاً ورأسين وخمسة قرون، وثلاث أعين على كوكب ما! فكان ماذا؟ ليس عندنا ما يدعو للتكذيب، وجدتموه وصارت القضية موجودة، الحمد لله ليس هناك مانع، ولا محظور في قبوله، إذا صار حقيقة وصار موجوداً، لأنه لا يوجد في القرآن والسنة ما يرده.
قال رحمه الله تعالى: (فمن لم يأخذ العلم من كلامهم فاته ذلك الخير كله، مع ما يقع في كثير من الباطل متابعة لمن تأخر عنهم، ويحتاج من أراد جمع كلامهم -أي: كلام السلف - إلى معرفة صحيحه من سقيمه، وذلك لمعرفة الجرح والتعديل والعلل، فمن لم يعرف ذلك فهو غير واثق بما ينقله من ذلك، ويلتبس عليه حقه بباطله، ولا يثق بما عنده من ذلك).
عندما نقول: نأخذ كلام السلف ونبحث عن كلام السلف أيضاً يكون عندنا ميزان وهو قضية صحة العبارة، هل صح أن فلاناً من السلف قالها، صحيح قالها ابن مسعود، وصحت عن ابن عباس، وصحت عن فلان وفلان من السلف.
следующие страницы →