Полный текст (7 040 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.
стр. 4096
انتقاء الزوجة الصالحة
كذلك في هذا الحديث: الحث على انتقاء الزوجة الصالحة القنوعة التي تعرف النعمة وتشكر الزوج، ولذلك المرأة الأولى قالت: نحن بِشَرٍّ نحن بضيق نحن في كذا، وتشتكي، فهذه امرأة سيئة الخُلُق، ولم تكرم الغريب، ولم تقدم له خدمة، ولما جاء غريب إليها شَكَتْ زوجها إليه، ما هذه المرأة التي تشكو زوجها إلى الغريب؟! لو شكت زوجها إلى أبيه وهي تعرفه أنه أبوه، لقلنا: إنها تريد حلاً في نطاق الأسرة والعائلة، لكنها تشكو زوجها إلى الغريب، هذه امرأة خير فيها من جهة حق الزوج، ولذلك أمره أن يطلقها.
стр. 4097
حكم أمر الأب ابنه بطلاق زوجته
هنا نأتي إلى مسألة وهي: ما هو الحكم الشرعي فيما لو أمر الأب أو الأم الابن بطلاق زوجته هل يجب عليه الطلاق أم لا؟ لو أمر الأب أو الأم الولد بطلاق زوجته، هل يجب عليه تنفيذ الأمر أم يكون من عقوق الوالدين إذا رفض؟ الجواب فيه تفصيل: - إن كانت الزوجة سيئة الدين، سيئة الخُلُق؛ وجب عليه أن يطيع أبويه، مثل إسماعيل، لما رأى إبراهيم سوء خُلُق زوجته، قال: غير عتبة بابك.
فإذا كانت الزوجة سيئة الخُلُق تتبرم لا يعجبها شيء، وتشتكي زوجها إلى الأغراب، ولا كرم عندها، ولا عندها شيء، فهذه تُغَيَّر، مثلاً: زوجة لا تصلي زوجة ترى المنكرات زوجة تقول: انظر! إما أنا وإما التلفاز، أي: أعطني تلفازاً أجلس معك، وإذا لم تعطني تلفازاً فسأرمي لك الأولاد وأمشي، فهذه عندها استعداد أنها تضحي به وبأولاده من أجل التلفاز، أين السكينة؟ ﴿خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم:٢١] أين السكن والسكينة والإيمان؟ مفقود، فربما يكون له من الخير أن يطلقها، كيف يحتفظ بامرأة مثل هذه! هذه ستكون وبالاً عليه وجحيماً في الدنيا.
وإذا كانت سيئة في الدين ربما تكون عليه -أيضاً- جحيماً في الآخرة، لِمَا تَجُرُّ عليه من المعاصي والمصائب.
- أما إذا كانت المرأة حسنة الدين حسنة الخُلُق، جاء الأب قال لولده: طلقها، لماذا؟ قال: لأنها لا تعطيني حذائي، أنا أدخل البيت ولا تأتي لي بحذائي وتمشي ورائي!! والآن أنا أطلق الزوجة، وأخرب البيت، وأشرد الأولاد لأنها لا تأتي لك بالحذاء وتمشي وراءك؟! فبعض الآباء عندهم عقد نفسية وعناد وعصبية وعنجهية، وكأنه لا يبالي أن الولد يخرب بيته وتتفكك أسرته؛ لأن مزاج الأب أنه لا بد على الزوجة أن تمسح نعليه وتحملها، ولذلك لا يطاع الأب في مثل هذه الحالة.
وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لما سئل سؤالاً مشابهاً عن امرأة تأمر ولدها بطلاق زوجته مع أن الزوجة صاحبة دين؟ قال: هذه الأم من جنس هاروت وماروت، لماذا هاروت وماروت؟ ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾ [البقرة:١٠٢] وقبلُ ماذا قال؟ ﴿مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة:١٠٢] هذا السحر.
ولذلك هذه المرأة التي تقول: أنا غضبانة عليك إذا لم تطلق زوجتك لماذا؟ لسبب تافه.
أو تقول: فقط مزاج، لا تناقشني، طلق! هذه من جنس هاروت وماروت.
ولذلك لما جاء رجل إلى عمر بن الخطاب قال: [إن أبي يأمرني بطلاق امرأتي، فسأله عن امرأته وحال امرأته، ثم قال: لا تطلق، قال: إن إبراهيم لما قال لولده طلِّقْها طلَّقَها، قال: حتى يكون أبوك مثل إبراهيم] عندما يصير أبوك بمستوى إبراهيم في الحكمة، وبُعد النظر، ووزن الأشياء بميزان الشرع بعد ذلك عليك أن تطبق الكلام.
هذا هو الحكم بالنسبة إذا قال لولده: طلق زوجتك، يَعتمد على دين المرأة وخُلُق المرأة.
стр. 4098
المرء مدني بطبعه
وكذلك في هذا الحديث من الفوائد أيضاً: أن الإنسان مدني بطبعه، وأن الإنسان الوحيد المنعزل إنسان غير عادي (غير طبيعي) ولذلك (ألْفَى أمَّ إسماعيل وهي تحب الأُنس فنزلوا) وبطبيعة الحال وافقت أن ينزلوا عندها.
وفيه كذلك: أن العربية الفصحى كانت من نطق إسماعيل ﵇.
стр. 4099
الكنابة في الطلاق
وكذلك في هذا الحديث: أن بعض العلماء استدلوا على أن الإنسان لو قال: غَيَّرتُ عتبةَ بابي أنه إذا قصد الطلاق أنه يقع طلاقاً، لأن هذا اللفظ من ألفاظ الكناية.
الطلاق له ألفاظ صريحة، لو قال: أنتِ طالق، فهذا طلاق صريح.
ولو قال: أطعمتكِ حنظلاً، هذا كناية، يحتمل الطلاق ويحتمل عدم الطلاق، فالمرجع فيه إلى نية الشخص.
لو قال: أطعمتك خبزاً، لا يحتمل الطلاق.
ولو قال: احتجبي مني، يحتمل الطلاق.
غَيَّرْتُ عتبةَ بابي، بناء على هذا الحديث فهو لفظ يحتمل الطلاق، من الكنايات.
стр. 4100
طاعة الوالدين في الخير والإتيان بالطيب مكان الخبيث
وكذلك: فيه طاعة الوالدين في الخير، عندما قال: (أمرني أن أفارقكِِ، الحقي بأهلك فطلقها).
وكذلك: أن الإنسان عليه أن يستبدل بدل الخبيث بالطيب، ولا يجلس من غير زواج، لأن بعض الناس يطلق زوجته، وفعلاً يكون فيها شر، ثم يجلس عَزَباً بدون زوجة، وهذا خطأ، فإسماعيل ﵇ طلقها وتزوج أخرى مباشرة، لا يصبر الإنسان بدون زواج خصوصاً في هذا الزمان، وهذا يفضي إلى الفساد.
وفي عدد من الحالات بعض الناس طلق زوجته فبقى بغير زوجة، ثم لعب الشيطان بعقله، وبعد ذلك مشى في الحرام وصار لا يريد يتزوج، وهذا الإنسان حكمه في الشريعة الرجم؛ لأنه قد تزوج وأُحْصِن ثم زنا.
стр. 4101
فضل مكة وبر الوالد والاعتناء به والعطف على الولد
وكذلك في هذا الحديث: فضل مكة، وأن من يأكل اللحم والماء فيها لا يصاب بالضرر كما يصاب في غيرها.
وفيه: بر الوالد والاعتناء به والعطف على الولد، كما قال في الحديث: (كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد).
стр. 4102
التعاون على البر والتقوى
وفي هذا الحديث كذلك: التعاون على البر والتقوى، لأن إسماعلي قد أعان إبراهيم على بناء البيت الحرام.
وكذلك فيه: مساعدة الأب في العمل، فإن إسماعيل كان يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، ولما شق على إبراهيم البناء أتاه إسماعيل بالمقام (الحجر) قام عليه وصار يبني، فما هو مقام إبراهيم؟ الحجر الذي وقف عليه إبراهيم حتى يعتلي ويبني.
كان المقام مُلْصَقاً بالكعبة، والناس يصلون خلف المقام: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً﴾ [البقرة:١٢٥] في عهد عمر بن الخطاب اشتد الزحام، وكثُر الحجاج والطائفون، فاستخار عمر اللهَ، واستشار الصحابة أن يؤخر الحجر عن مكانه إلى الخلف، حتى يتمكن الطائفون أن يطوفوا والناس يصلون خلف المقام، وفعلاً هذا ما حصل، وأُخِّر الحجر (مقام إبراهيم) وكان ملتصقاً بالكعبة، حينما كان إبراهيم يقف عليه ويبني، أُخِّر إلى الخلف، وصار بعيداً عن جدار الكعبة: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي).
стр. 4103
عدم الاغترار بالأعمال الصالحة
وفي الحديث كذلك: أن الإنسان إذا عمل الصالحات عليه أن يبقى على وجل أن الله لا يقبل منه، ولا يغتر بعمله، ولذلك في الحديث قال: (وهو يناوله الحجارة وهُما يقولان: ((رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)) [البقرة:١٢٧]).
إذاً: الإنسان إذا عمل أعمالاً صالحة فعليه أن يَسأل الله القبول.
وفي الحديث فوائد كثيرة، ولكن نكتفي بهذا القدر منها.
والله أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد.
стр. 4104
قصص جميلة عن تأثير هذا الدين
القرآن معجزة باقية إلى قيام الساعة، وله تأثير عجيب على قلوب العباد؛ فقد يسمعه الأعجمي فتذرف عيناه دون أن يعرف ما هو سبب ذلك.
وهناك قصص جميلة لمن أثر فيه دين الله جل وعلا، فمن ذلك: قصة رجل أعجمي من بلاد بخارى أتى مشتاقاً إلى بيت الله العتيق، وأول ما رأت عينه ذلك البيت ذرفت عيناه من الفرح.
وقصة أخرى لفتاة أمريكية تسلم بسبب رؤيتها لامرأة مسلمة ترتدي الحجاب.
وقصة أخرى لثبات سعيد الحلبي أمام الظالم إبراهيم باشا، ومن القصص التي تدل على عظمة هذا الدين عودة كثير من الفنانات إلى الله جل وعلا.
стр. 4105
القرآن المعجزة الدائمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضل له، ومَن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.
عباد الله: إن الله قد أنزل هذا الدين مهيمناً على سائر الأديان، وشرع هذه الشريعة لتكون الناسخة لجميع الشرائع، وجعل معجزة النبي ﷺ -القرآن الكريم- باقيةً على مر الدهر، بخلاف معجزات الأنبياء السابقين: فإن عصا موسى قد ذهبت، وناقة صالح لا توجد، وغيرهم من الأنبياء قد ذهبت آياتهم ومعجزاتهم.
لم تبقَ إلا معجزة نبينا محمد ﷺ ، حيث بقيت معجزته بعد وفاته؛ لتمتد هذه السنوات الطويلة جداً؛ دليلاً على بقاء هذا الدين، فإن الله قد أنزله ليبقى، وبرغم ما تعرض له المسلمون من الفتن الكثيرة وأنواع العذاب الذي صبّ عليهم صباً، وبرغم ما تعرض له هذا الدين من حملات التشويه، والتحريف، وقصد الإساءة، وتشويه سُمْعَته وسُمْعَة حَمَلَتِه؛ إلا أن الله تعالى أبقاه.
ولو تعرض دينٌ آخر لمثل ما تعرض له ديننا لفني وزال منذ زمن بعيد.
لقد بقي هذا الدين حياً في نفوس أتباعه رغم الاضطهاد، وبقيت آثاره في صمود مَعْلَمٍ من معالم الإسلام، أو ظهور عزةٍ لأحد علماء الإسلام، أو انجذاب كافرٍ لهذا الدين لشَرْعٍ أو شعيرةٍ من شعائر الإسلام، أو تأثُّر غير مسلم بكتاب الله ، أو عودة فاسقٍ من الفسقة بعد أن طالت غربته عن هذا الدين إلى هذا الدين مرة أخرى.
إن هذه الشواهد وغيرها لتدل دلالة واضحة على أن الله قد أنزله ليَبْقَى، وأنه لا أمل للكفار مهما حاولوا إطفاء نوره أو العبث به، لكي يصدُّوا الناس عن سبيله، مهما خططوا وقدَّروا، فقُتِلوا كيف قدَّروا! فإن الله مُبْقٍ دينه، ومُعْلٍ كلمته، ولو كره الكافرون.
وفي هذه الخطبة -أيها الإخوة- نتناول بعض الشواهد من هذا العصر لبقاء الدين وعزة أهله، مشاهد تدلُّك على أنه دين الله حقاً، وعلى أنه الباقي إلى قرب قيام الساعة صدقاً، مشاهد سندور فيها بين أعجميٍ وعربيٍ، ندور فيها بين عالمٍ وجاهلٍ بعيدٍ عن الدين، بين إنسان قد اطَّلع عليه وآخر من العوام ليس في قلبه إلا العاطفة؛ لنرى -يا إخواني- ما نزيد به إيماننا من أثر هذا الدين في النفوس.
стр. 4106
رجل من الأعاجم امتلأ قلبه شوقاً إلى بيت الله
والمشهد الأول: مع رجلٍ من الأعاجم، من بلاد الإمام البخاري رحمه الله تعالى: جاء إلى مكة بعد عشرات السنين من الستار الحديدي الذي أقامته الشيوعية حائلاً بين أهل تلك الديار والاحتكاك ببقية المسلمين.
يقول أحد المسلمين الذي يعرفون شيئاً من لسان أولئك القوم وهو في مكة، يقول: وأنا أسير في ساحة الحرم متجهاً إلى الكعبة سمعت صوتاً ينادي: يا حاج! يا حاج! فالتفت فإذا بحاجٍّ قد بدت في وجهه آثار الجهد والإرهاق، كانت هيئته وملامح وجهه تدل على أنه من بلاد ما وراء النهر، قال لي بالأوزبكية مع حركات يديه الكثيرة محاولاً إفهامي: كم عليَّ أن أطوف بالبيت؟ فأجبته بالأوزبكية وهي كل ما تبقى لنا من ذكريات بلادنا المنسية: عليك أن تطوف بالبيت سبعة أشواط.
فرأيت السرور داخله بمعرفتي لغته.
ثم ما لبث أن قال باستعجاب: سبعة أشواط؟! وهل تستطيعون ذلك؟! لقد بلغ الجهد مني مبلغه من أول شوطٍ حول البيت.
وأشار إلى مبنى الحرم الخارجي.
ففهمت سبب التعجب، ومدى ما أصابه من الإرهاق، لقد ظن هذا المسكين أن هذا المبنى كله (الحرم) هو الكعبة، فشرع في الطواف حول الحرم دون تردد من الخارج؛ لأنه لم يَرَ البيت العتيق من قبل، فهو منذ أن جاء إلى جدار الحرم الخارجي، شرع بالطواف.
فقطع تفكيري صوتُه قائلاً: أستعين بالله، وأكمل الطواف.
ثم أخذ بالانصراف، فوجدتها فرصةً سانحةً للتعرف على ما يدور داخل بلاد المسلمين، فاستوقفته عارضاً عليه المساعدة، فرحب مسروراً.
ذهبنا سوياً إلى داخل الحرم، وأشرت إلى الكعبة المشرفة، وقلت له: هذا بيت الله، لا الذي طفت حوله من قبل.
فما هي إلا لحظات حتى رأيت الدموع تنهمر من عينيه، وقال: يا ألله! هذا هو بيت الله؟! سمعتُ به كثيراً، ولَمْ أَرَه إلا الآن.
فأسرع الخطى نحو البيت، وأسرعتُ معه قائلاً: هذا من فضل الله عليك أن يسَّر إليك القدوم إلى بيته، وقد حُرِم منه الكثير.
فقال بصوت منتحب: كم سمعتُ أبي ﵀ وهو يدعو ويتمنى رؤية بيت الله؛ ولكن الشيوعيين لم يُمَكِّنوه من ذلك، فمات وفي قلبه حسرةٌ وألم، لقد ذقنا الكثير مما لا أظن أن أحداً قد لاقاه، دَعْنا نطوف بالبيت أولاً، ثم أفصِّل لك شيئاً مما نلناه.
وبعد طواف رقَّ له قلبي، وذرفَت عيناي مما شاهدت من عجيب انكساره بين يدي الله، وبعد تعارفٍ جرى بيننا قال لي: لم يترك لنا الروس شيئاً يَمُتُّ إلى الإسلام بِصِلَة إلا وحاولوا إبادته، حتى أسماؤنا لم يتركوها لنا، والدي أسماني عبد الحكيم، ولكنني لا أُعْرَف بهذا الاسم إلا في البيت، أما رسمياً فاسمي حكيموف، إن الروس قد فعلوا هذا بالأسماء، وهي أسماء لا تضرهم، ولا تقاومهم، فماذا تظن أنهم قد فعلوا بعلمائنا ومشايخنا الذين يعلموننا القرآن والسنة؟! دعني أقص عليك طريقة بعض علمائنا.
يتبعونهم في تعليم الصبية كتاب الله، ويراقبونهم في كل شيء، ومنعوا من كل وسيلة من وسائل التعليم، حتى كان الشيخ يصعد فوق سقف المنزل من الداخل بسلم، ويصعد الطلاب خلفه، ثم يرفع السلَّم إليه ويخبئه، ويلقي الدرس بصوت خافت؛ لكيلا يعلم أحد بهم.
وقل مثل ذلك في مخازن تحت المنزل، كان الشباب في المصانع إذا أرادوا المذاكرة ومراجعة شيء من العلم، اجتمع كل أربعة، أو خمسة في وقت تناول الطعام، ويتحدث كل واحد بما عنده دون أن يلتفت إليه الباقون؛ لكي لا يُعْلَم بأمرهم.
حتى الصلاة التي هي عماد الدين، كان الواحد منا يذهب ويختبئ بعيداً ويصليها سريعة، ويعود لكي يذهب الآخر، لم نكن نعرف صلاة الجماعة، وما عرفناها منذ زمن بعيد.
كم أشعر بالأسى على مشايخنا وعلمائنا الذين كان لهم الفضل بعد الله في بقاء دينه في بلادنا، لم نستطع أن نقدم لهم أبسط حقوق المسلم، لم نستطع أن نغسِّلهم ونكفِّنهم، وأن نشيع جنائزهم، فماتوا ودُفِنوا حسب مراسم الدفن الشيوعية، وهكذا.
والشاهد -أيها الإخوة- أن دين الله بقي في تلك البلاد بمثل هذه الوسائل التي عاشت تحت الضغط والقهر والإكراه والحصار؛ لكن بقي دين الله، لو أن ديناً آخر في بلاد الشيوعيين حصل له ما حصل لهذا الدين، لكان فَنِي منذ زمنٍ بعيدٍ، أليس في هذا دليل على عظمة هذا الدين؟! أليس في هذا دليل على أن الله قد اختاره ليبقى؟!
стр. 4107
قصة تبين غيرة العلماء
ومع موقف آخر لأثر من آثار هذا الدين في نفس أحد العلماء في هذا العصر، الذي يتبين لك به -يا أيها المسلم- عزة العالِم وتعففه وجرأته وعدم رضوخه للترهيب، ولا استجابته للترغيب: كان الشيخ سعيد الحلبي من كبار الأساتذة في القرن الماضي، كان يلقي مرة درساً في جامعٍ من جوامع دمشق، فجاء إبراهيم باشا -الحاكم في وقته، وهو من القسوة والعنف والجبروت والاعتداء والقتل والبطش بمكان- ودخل المسجد مع بعض شرطته وعساكره، ووقف أمام الباب، وكان الشيخ يشكو ألماً في رجله، وكان مادَّاً رجله إلى الأمام؛ لأنه كان مستنداً إلى جدار المحراب ويلقي الدرس، ورجله ممدودة للعلة إلى باب المسجد.
فدخل هذا الوالي المعروف بظلمه ومعه العسكريون والشرطة، ووقف بالباب ينظر إلى الشيخ، وانتظر أن يقبض الشيخُ رجلَه احتراماً له؛ لكن الشيخ لم يفعل، فخاف التلاميذ على شيخهم من السيف، وقبضوا ثيابهم لئلا تصاب بدمه؛ ولكن الوالي وقف برهةً ثم انصرف ورجع.
وبعد ذلك استدعى أحداً من خدمه، وأعطاه صُرَّةً من الدنانير الذهبية، وقال له: تقدم إلى سيدنا الشيخ، وقل له: هذه هديةٌ من إبراهيم باشا.
فلما جاء بها الخادم إليه، قال الشيخ كلمته المشهورة التي تغني عن ألف كتاب، قال له: قل لسيدك: إن الذي يمد رجله لا يمد يده.
وهذا مثال من أمثلة علماء الحق وعلماء الشريعة الذين زخرت بهم هذه الأمة، وهو شاهدٌ آخر من الشواهد على أن الله يقيض لهذا الدين مَن يقوم به، وأن الله سبحانه يَخْلُق رجالاً، يصطنعهم للمواقف، تجري بسِيَرِهم الركبان.
إنه دليلٌ على أن هذا الدين باقٍ، وأن الله سيبعث له من يجدده في كل رأس مائة سنة، فاستبشروا برحمة ربكم يا أيها المسلمون!
стр. 4108
رجل ألماني يسلم بسبب ضيافة رجل ألباني مسلم
ثم ننتقل إلى مشهد ثالثٍ من رجلٍ عاميٍ من عوام المسلمين، ليس بفقيه، بل ليس بسوي الخِلْقَة، إنه أعمى، لم يُبْصِر، ولم يكلم ذلك الرجل، لكنه كان سبباً في هدايته: وُجِّه السؤال التالي إلى رجلٍ ألمانيٍّ قد اعتنق الإسلام، وهو يحمل شهادات عليا في أحد المجالات، فقال: إن أول معرفتي بالإسلام تعود إلى أيام الشباب، عندما كان في رحلة إلى ألبانيا أثناء عطلة دراسية، وبينما هو يسير في أحد الشوارع الضيقة اصطدم بأحد الرجال، ولَمَّا تبينه واعتذر له، عرف أنه أعمى لا يبصر، ولم يفقه الأعمى شيئاً من اعتذار الرجل؛ لأنه لا يفقه لغته، ومع ذلك فإن هذا الكفيف يمسك بيد الرجل الذي اصطدم به بإصرار ويسير به حتى المنزل، منزله هو، ويقدم له الضيافة وما تيسر من الطعام.
يقول هذا الرجل الألماني: لقد جلستُ في بيت هذا الألباني المسلم معجَباً به! كيف أضافني وهو لا يعرفني؟! وأكرمني بمجرد أنني قد اصطدمت به في الطريق؛ لكن أمراً قد انطبع في حسي؛ إنها تلك الحركات التي كان الرجل يأتي بها في زاوية من منزله بعد أن أضافني، لقد علمت فيما بعد أنها صلاة المسلمين.
ومنذ أن رأيت ذلك الرجل الذي أكرمني واحترمته، سألت عن هذا الذي يفعله، فعلمت أنها الصلاة، وأنها من دين الإسلام، فكان ذلك سبباً في إسلامي.
يبقى هذا الدين في نفوس الخيرين وبعض العامة محركاً لهم.
تبقى الأخلاق الإسلامية في نفوس بعض الطيبين -ولو كانوا من العامة- دليلاً على بقاء هذا الدين في الواقع، وأن الله قد اصطفاه ليبقى.
стр. 4109
الحجاب سبب في هداية فتاة أمريكية
ولننتقل الآن إلى شعيرة من الشعائر الإسلامية التي فرَّط فيها كثير من المسلمات، والتي أعرض عن التنبيه عليها كثيرٌ من أولياء الأمور والآباء والإخوان، ألا وهي: الحجاب: لنعرف -أيها الإخوة- كيف يكون الحجاب -وهو أمر من الشريعة- سبباً في إدخال امرأة كافرة في دين الله! هي فتاة أمريكية، يميزها حجابها الشرعي الذي ترتديه، وحرصها على حضور الحلقات التي يتم عقدها في مسجد المدينة الأمريكية التي تقطنها، وتستعير كتباً باستمرار من مكتبة المسجد، فهي حريصةٌ على ذلك.
كيف أسلمت؟! لقد أسلمت تلك الفتاة وكانت تعمل على صندوق قبض الثمن في إحدى المحلات.
وتقول: في بلدتنا توجد جامعة، وفيها بعض الطلاب المسلمين المتزوجين الذين جاءوا بزوجاتهم معهم إعفافاً لأنفسهم، وفي فصل الصيف كنت في زاوية المحاسبة في المحل، حيث الكل هنا يرتدي الملابس القصيرة والعارية والخفيفة جداً.
إن الذي أدهشني وأصابني بالذهول أنني رأيت بعض المتسوقات يرتدين حجاباً كاملاً يغطي جميع الجسد بما فيه الوجه، ولم تكن تبدو سوى أعينهن أحياناً، فاستغربت هذا المنظر، فاستوقفت إحداهن حينما كانت تحاسب لديَّ على أغراضها، وسألتها عن السر الكامن في هذا اللباس، فأخبرتني أن دينها الإسلامي يفرض عليها ذلك صيانةً لها وحفاظاً عليها، واسترسَلَت بالشرح عن منافع الحجاب وأهميته وفائدته للمرأة حتى اشتد شوقي وانبعثت من فطرتي تلك الحاجة التي تتكلم عنها هذه المرأة، بالرغم من صعوبته وعدم تخيل لباسه في مجتمعنا.
فرجعتُ إلى البيت، وأخذت قطعة قماش، ووضعتها على رأسي، ولبستُ ملابس ذات أكمام طويلة، فأعجبني شكلها، وخرجت بها في اليوم التالي إلى مركز إسلامي قريب، أبحث عن هذا الدين، أبحث عن كتب تتكلم عنه وعن أناسٍ يشرحونه لي فعمل لي بعض المسلمات مناسبة دعونني فيها إلى الإسلام، فأسلَمْتُ، فأهدتني إحداهن هدية، وكانت الهدية حجاباً، وكنت أستصعب لبسه في المكان الذي أنا فيه؛ ولكنني حاولت لبسه، وكنت خائفةً جداً من الحجاب، شأني في ذلك شأن كثيرٍ من الأمريكيات اللاتي ينظرن إلى الحجاب على أنه سجنٌ للحرية، ولكن بعد أن اعتدت عليه زال كل شيء.
وكان الامتحان في اليوم الأول الذي ذهبتُ فيه لمقابلة المجتمع باللباس الجديد.
أما أبي: فإنه لم يبالِ؛ لأنه شعر أن الأمر ليس بيده.
وأما أمي: فهي إنسانة اعتادت على احترام آراء الآخرين وتَقَبُّلِها؛ لهذا لم تُعر أمر إسلامي شيئاً؛ لكنها كانت خائفةً عليَّ من الحجاب، وحينما رأت إصراري راعت شعوري، بل إنها أصبحت تشتري لي الحجاب وتهديني إياه.
وأذكر أن ابن خالي جاء لزيارتنا ذات يوم، فأمرته والدتي أن ينتظر حينما تعطيني خبر قدومه حتى أضع الحجاب.
وذات مرة زارنا عمي، فأسرعت لتناولني الحجاب حتى أضعه قبل أن يدخل، فضحكتُ، وشرحتُ له الأمر.
الشاهد -أيها الإخوة- أن هذه الشعيرة من شعائر الإسلام وهي الحجاب كانت سبباً في إسلام تلك المرأة وغيرها من النساء.
على أي شيء يدل هذا؟! وما هو المغزى؟! هل رأيتم شيئاً في النصرانية المحرَّفة يدعو شخصاً للدخول فيها؟! هل رأيتم شيئاً في اليهودية المحرَّفة يدعو شخصاً للدخول فيها؟! هل رأيتم شيئاً في البوذية، أو الهندوسية يدعو شخصاً للدخول فيها؟! إلا الإسلام، فإن شعائر الإسلام تدعو الناس للدخول فيه، ولو كانت الدعوة صامتة، ولو كان حجاباً يُرتَدَى بين الكفار، ولذلك ننعي على أولئك المسلمين الذين يذهبون إلى الخارج، ثم يطالِبون زوجاتهم بكشف الوجه والشعر وغيره من أجل ألا يُنْظَر إليهم نظرة السخرية والاستهزاء، ما عندهم الشجاعة الكافية أن يظهروا بمظاهر دينهم، وأولئك الكفرة قد يُعْجَبون به، بل يدخلون في الدين بناءً عليه.
стр. 4110
القرآن وأثره العجيب في قلوب الأعاجم
وهذه قصة تدلُّك كيف أن هذا الكتاب العزيز الذي أنزله الله وهو القرآن الكريم، كيف أن له تأثيراً عجيباً حتى على الكفار: أثر القرآن في النفوس غريب! وفعله في القلوب عجيب! والأعجب والأغرب -وإن كان لا عجب ولا غرابة؛ فالقرآن كلام الله- أن يثير القرآن مشاعر امرأة أعجمية! ويجعل عينيها تفيضان بالدمع، وهي لا تعرف من العربية شيئاً!! يحكي الأستاذ سيد قطب رحمه الله تعالى تلك الحكاية التي عاشها على ظهر سفينة تتجه به إلى أمريكا.
يقول ﵀: كنا ستة نفر من المنتسبين إلى الإسلام على ظهر سفينة مصرية، تَمْخُرُ بنا عُباب المحيط الأطلسي إلى نيويورك، من بين عشرين ومائة راكب وراكبة أجانب ليس فيهم مسلم، وخطر لنا أن نقيم صلاة الجمعة في المحيط على ظهر السفينة، وقد سمح ووافق قائد السفينة الكافر على إقامة الصلاة، وسمح لبحَّارة السفينة وطهاتها وخدمها أن يصلوا معنا -ممن لا يكون منهم في وقت العمل- وقد فرحوا بهذا فرحاً شديداً؛ لأنها كانت المرة الأولى التي تقام فيها صلاة الجمعة على ظهر هذه السفينة.
وقمت -يقول ﵀ بخطبة الجمعة، وإقامة الصلاة، والركاب الأجانب معظمهم متحلقون يرقبون صلاتنا.
وبعد الصلاة جاءنا كثيرون منهم يهنئوننا على نجاح القُدَّاس، فقد كان هذا أقصى ما يفهمونه من صلاتنا (قُدَّاس)، فشرحنا لهم الحال، وأنه لا يُسَمَّى قُدَّاساً، وإنما هي صلاة الجمعة؛ ولكن امرأة من بين ذلك الحشد عَرَفْنا فيما بعد أنها أوروبية، كانت شديدة التأثر والانفعال، تفيض عيناها بالدمع، ولا تتمالك مشاعرها، جاءت لتسألنا عن شيء معين، وهي تبدي إعجابها بما فعلنا من نظام وخشوع.
وليس هذا موضع الشاهد.
جاءت لتسأل عن شيء معين وهي تقول: أي لغةٍ هذه التي كان يتحدث بها قِسِّيْسُكم؟ وهي لا تتصور أن يقيم مثل هذا إلا قِسِّيْس، فصحَّحنا لها هذا الفهم وأجبناها.
قالت: إن اللغة التي يتحدث بها ذات إيقاع عجيب، وإن كنت لم أفهم منها شيئاً! ثم كان المفاجأة الحقيقية لنا وهي تقول: ولكن ليس هذا هو الموضوع الذي أريد أن أسأل عنه! إن الموضوع الذي لفت انتباهي وأثر في حسي، وانطبع في قلبي هو: أن الإمام -بعد أن تصَحَّحَت الكلمة، وصُحِّحَت- كانت ترد في أثناء كلامه فقرات من نوعٍ آخرٍ، يختلف عن بقية كلامه، نوعٌ أكثر عمقاً، وأشد إيقاعاً في النفس، إن هذه الفقرات التي كان يقولها أثناء الخطبة أحدثت في نفسي قشعريرة ورعشة، إنها شيء آخر.
وتَفَكَّرنا قليلاً، ثم أدركنا ماذا تعني، إنها تعني الآيات القرآنية التي وَرَدَت في أثناء خطبة الجمعة وأثناء الصلاة، وكانت مع ذلك مفاجأة لنا تدعو إلى الدهشة من امرأة أعجمية لا تفهم شيئاً من اللسان العربي.
﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ [الطارق:١٣ - ١٤].
﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الواقعة:٧٧ - ٨٠].
هذا القرآن سببٌ عظيمٌ جداً لإدخال كثير من الكفرة في الإسلام، وحتى الآن يُقَدَّم لهم القرآن المترجم، فيكون سبباً في دخولهم في الدين.
أليس هذا دليلاً -أيها الإخوة- على أن هذا الدين باقٍ، وعلى أنه يملك في طياته مقومات بقائه وجذب الناس إليه.
اللهم أحينا مسلمين، وتوفنا مسلمين، واجعلنا من الدعاة إلى سبيلك القويم.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 4111
توبة الفنانات دليل على عظم هذا الدين
الحمد لله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ، وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، خلق فسوى، وقدر فهدى، هو الأحد الصمد، الذي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ.
وأشهد أن محمداً رسول الله حقاً، والمبلغ عن الله صدقاً، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع هديه إلى يوم الدين.
عباد الله: أن يخرج الناس متأثرين من خطبة، أن تكون الهداية منبعها من المسجد؛ شيءٌ مُتَصَوَّرٌ، وأن يخرج شخصٌ متأثراً من مدرسةٍ لموعظة أستاذ؛ شيءٌ قريبٌ إلى الذهن، أن يكون الإنسان في محاضرة أو درس، فيتأثر؛ شيءٌ مقبولٌ في الأذهان.
لكن أن يخرج أناسٌ يهديهم الله من أحط أوساط الرذيلة والفساد، فهذا هو الشيء المدهش؛ أن تكون الهداية في وسط أناسٍ قد تمرغوا في أوحال الرذيلة والفواحش والشهوات والمجون دهراً طويلاً، ثم يتجهون بعد ذلك إلى هذا الدين، هذا أمرٌ محيرٌ فعلاً لمن لا يعرف السر في هذا الدين!.
إنني أشير بهذه الكلمات إلى تلك الطائفة من الفنانات المعتزلات اللاتي قد اشتغلن ردحاً من الزمن بعرض أجسادهن ومفاتنهن في الأفلام والصور والرقصات والأغاني، أن توجد الهداية في الوسط الفني العفِن هذا أمرٌ فعلاً عجيب! إنها توبة الفنانات التي نسمع عنها في هذه الأيام، وفي كل فترة، حيث تَنْظَمُّ إلى تلك القافلة الكريمة من التائبات امرأة أخرى من النساء اللاتي كنُّ قد عملن في تلك الرذائل دهراً من حياتهن.
إن توبة هؤلاء الفنانات فعلاً أمرٌ مدهشٌ ومحيرٌ؛ لأن هؤلاء خرجن من مستنقع الرذيلة، فإن المعروف أن أحط وسط من أوساط المجتمع هو الوسط الفني، بما يَمْخُر به من عُباب الرذيلة، وألوان الفساد وأمواجه.
إن هذه الظاهرة التي اضطر العلمانيون والكتاب الفسقة والمجلات المنحرفة للكتابة عنها، وظهرت في بعض أغلفة المجلات المنحرفة بدلاً من صورة فتاة الغلاف الماجنة صورة فنانة متحجبة، لقد اضطروا إلى الاعتراف بالقضية؛ لأن المسألة لا يمكن تغطيتها، فإن هؤلاء المهتديات مشهورات، وليست القضية واحدة أو اثنتين، فإن المسألة عدد؛ حتى أُحْرِج المخرجون، واضطُروا للاستعانة بالممثلات من الدرجة الثانية، أو من ممثلات الكومبارس لإخراج وجوهٍ جديدة، تملأ الفراغات التي خلفتها توبة أولئك الفنانات، وشُنَّت الحرب بطبيعة الحال، وهذا متوقع؛ لأنه مكتوبٌ، لأنه منزلٌ في القرآن: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا إِنَّ ذَلِك مِنْ عَزْمِ الأمُور﴾ [آل عمران:١٨٦].
قيل: إنه قد دُفِعَت لهن الأموال، وكُتِبَ في أحد المجلات عبارة: مَن الذي دفع لـ فاتن حمامة سبعة ملايين جنية حتى تتحجب؛ لكنها رفضت؟! كذب وافتراء.
ولذلك قالت بعضهن: إنه يُدْفَع لنا الآن المبالغ الطائلة؛ لكي تتحجب الواحدة.
أشاعوا الإشاعات، وقالوا: إن فلانة أصيبت بالمرض، وهذه فَقَدت الجمال؛ لكن مردودٌ عليهم بهذا التوالي والتتابع لبعضهن، وهن في قمة الشهرة والجمال وفي سن الشباب.
إنها دليلٌ فعلاً -الهداية الموجودة في الوسط الفني العفِن- على عَظَمَة هذا الدين.
إن هذه القافلة من الأسماء المشهورة: شمس البارودي، وشادية، وهالة فؤاد، وكامليليا العربي، وهناء ثروت، وشهيرة، وفريدة سيف النصر، ونسرين، وسوسن بدر، وسهير البابلي، وغيرهن من المعروفات جيداً لكثير من العوائل الإسلامية مع الأسف، من الناس الذين يأتون إلى صلاة الجمعة، وهم يشاهدون تلك المسلسلات الهابطة التي صار من الحرب على هؤلاء الفنانات إعادة عرضها، وتكثيف عرضها في صالات العرض، محاولة للضغط والحرب، هذه الأسماء وغيرها مَن ثبت منهن على الهداية، إنها صفعةٌ قويةٌ موجهةٌ لتجار الغرائز، وإنه إعلانٌ فعلاً أن هذا الدين باقٍ، وأن الله يهدي من يشاء، ولو كان الناس يستبعدون هدايتهم.
إنه فعلاً سرٌ عجيبٌ في هذا الدين أن يهدي به الله مَن شاء، بهذا القرآن، بهذا التوحيد، بهذا النور، مَن شاء من عباده.
إنه -فعلاًَ- عجبٌ! إنه عجبٌ أيها الإخوة! والآن: هل لنا في عودة صادقة إلى هذا الدين؟! هل لنا أن نتمثل هذه المواقف، أو هذه المبادئ الموجودة في هذا الدين؟! هل لنا أن نكون دعاةً إليه؟!: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً، خير لك من الدنيا وما عليها).
هل لنا على الأقل أن ندعو بالثبات لأولئك الذين اهتدوا: أن يزيدهم الله هدىً وثباتاً؟ وأن نستحي من الله أن ننظر إلى تلك الأفلام وقد تاب مَن يمثِّل فيها؟ اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت.
اللهم اشف مريضنا، وارحم ميتنا، وأهلك عدونا، وانصر ديننا، واجمع كلمتنا، ورد غائبنا، واهدِ ضالنا إلى الحق يا رب العالمين.
سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
стр. 4112
كيف تروض نفسك ؟
النفس تحتاج إلى ترويض حتى يفلح صاحبها وينجح، وهي كالمرأة -كما قال ابن القيم ﵀ في المداراة والسياسية، فهي تدارى عند نشوزها بالوعظ، فإذا لم تصلح فبالهجر، فإن لم تصلح فبالضرب، وليس في سياط التأديب أنفع من العزم والمجاهدة والمنع، فالإنسان لديه وسائل يستطيع من خلالها أن يروض نفسه.
стр. 4113
الحديث عن موضوع ترويض النفس
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الإخوة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
تحية عطرة تلك التحية التي حيّا بها أبونا آدم ﵇، وهي تحية أهل الجنة فيما بينهم، وهي التحية التي هي من أسباب المحبة فيما بيننا، فإذا أراد عباد الله أن يتحابوا فيما بينهم فليفشوا السلام.
أيها الإخوة! نفوسنا ملك لله تعالى خلقها وسواها ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:٧ - ١٠] نفسك التي بين جنبيك خلقها الله ، وهداها ودلها، وأرشدها إلى الخير والشر ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠] هذه النفس إذا زكيتها بطاعة الله أفلحت ونجحت، وإذا دسيتها بمعصية الله خابت وخسرت.
هذه النفس يمكن أن تكون أعدى الأعداء ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف:٥٣] ويمكن أن تكون نفساً عزيزة كريمة مطمئنة ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠].
وإذا كانت تلومك على ما فعلت من الشر فهي نفس طيبة لوامة أقسم الله بها ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة:٢] هذه النفس تحتاج إلى ترويض لكي تزكو فتفلح أنت يا صاحبها وتنجح.
قال ابن الجوزي: " والنفس كالمرأة العاصية في المداراة والسياسة، فهي تدارى عند نشوزها بالوعظ، فإذا لم تصلح فبالهجر، فإن لم تصلح فبالضرب، وليس في سياط التأديب أنفع من العزم والمجاهدة والمنع ".
стр. 4114
الوسائل التي تروض النفس
الوسائل التي تروض النفس فتجعلها من الناجين المفلحين كالآتي:
стр. 4115
الوعظ
فالوعظ أول هذه الوسائل، أن نعظ أنفسنا ونذكرها بالله ، فنحن محتاجون إلى الوعظ جداً، فالنبي ﷺ كان يعظ أصحابه كما في الحديث: (وعظنا النبي ﷺ موعظة بليغة، وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله! كأنها موعظة مودع فأوصنا) وكل واحد من المؤمنين يعظ نفسه ويحاسبها، فنحن نحتاج إلى كتب وعظ نقرأها لنعظ أنفسنا، وأن نذهب إلى من نسمع منه كلاماً يرقق قلوبنا، والموعظة الطيبة قصيرة خفيفة مؤثرة بعيدة عن التعقيب، والواعظ إذا فرغ يقوم، كما أن موسى نبي الله ذكر الناس يوماً حتى إذا رقت القلوب، وفاضت العيون ولى؛ حتى تبقى الموعظة في النفوس.
هنا مسألة: لماذا إذا سمعنا الموعظة تأثرنا، فإذا غاب الواعظ وانقطعت الموعظة، أو خرجنا من خطبة الجمعة زال التأثر؟ أكثر العامة إذا وعظوا تأثروا وتراهم يبكون في رمضان في دعاء القنوت إذا كان مؤثراً، فالمواعظ عندهم كالسياط، والسياط لا تؤلم بعد انقضائها كما تؤلم وقت وقوعها، والموعوظ لا يحضر مجلس الوعظ في الغالب وهو جائع أو به حاجة، ولذلك يكون مقبلاً مستجمعاً نفسه، وإذا أتى المسجد يكون قد تخلى بجسمه وفكره عن أسباب الدنيا، فإذا غادر وعاد إلى الشواغل عادت إليه الغفلة، فكيف يبقى على ما يكون؟ فإذا استمعنا الموعظة ينبغي أن يكون عندنا عزم بلا تردد ولا التفات، ولو أحسسنا نقصاً عادياً كما شعر حنظلة فلسنا بملومين، لكن أن نغادر فنعصي أو نترك الواجبات هذه هي المصيبة.
وبعض الناس لا يتأثرون مطلقاً لا في حال الموعظة ولا بعدها، وبعضهم يتأثرون وقت الموعظة وينسى بعدها، وبعض الناس يريد الله بهم خيراً فيتأثرون وقت الموعظة ويستمر هذا التأثر بعد الموعظة.
كيف تعظ نفسك؟ إذا أرادت نفسك أن تنشغل بالدنيا ذكرها بقول الله: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً﴾ [آل عمران:١٧٨].
إذا هوت نفسك متاعاً زائلاً عظها بقول الله تعالى: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٣٣ - ٣٥].
وقل لها: ألم يدخل عمر ﵁ إلى رسول الله وهو يتقلب على رمال الحصير قد أثر في جنبه، وبكى عمر وقال: (كسرى وقيصر في الديباج والحرير وأنت يا رسول الله في هذا! فقال: ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا).
وذكرها بقول الله، وعظها بسنة رسوله ﷺ .
لو انشغلت نفسك في الدنيا فقل لها: ألم يقل النبي ﷺ : (لو أن الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء).
وتقول: لقد ثبت الأجر من الله للمؤمن، وزمن التكليف قصير فاصبري، ولا ينبغي للعامل في الطين أن يلبس نظيف الثياب، لو أنك تعمل بالطين -تعمل في البناء- هل تلبس الثياب النظيفة؟ فأنت الآن في الدنيا وفي العمل فلا تنشغل بالدنيا - وليس المقصود أنك لا تلبس الملابس النظيفة - بل ينبغي على العبد أن يصابر ساعات العمل، فإذا فرغ من العمل تنظف ولبس أجود ثيابه، ومن ترفه وقت العمل ندم وقت توزيع الأجرة، وعوقب على التواني.
وتعظ نفسك فتقول:
وكيف تنام العين وهي قريرة ولم تدر في أي المحلين تنزل
في الجنة أم في النار؛ ينبغي لمن رأى نفسه تنجر إلى الرذائل أن يعظها ويذكرها؛ تذكرها إذا دنت إلى الرذائل ومالت إليها بكرامتها عند الله، وكيف أن الله خلق آدم بيده، وأسجد له الملائكة وارتضاه للخلافة في الأرض، وراسله بالكتب والرسل، فإذاً تقول: يا نفس! هذا الرب كرمك: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء:٧٠] وهذه البهائم تمشي على أربع ورأسها إلى أسفل وأنتِ تمشين على رجلين ورأسك إلى الأعلى؛ كرمك خلقةً، وكرمك بإنزال الكتب وإرسال الرسل من أجلك، واقترض منك: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ [البقرة:٢٤٥] واشترى منك: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [التوبة:١١١].
فإذا رأيت نفسك تتكبر فروضها بموعظتها وبتذكيرها وبحقارة أصلها، وأنها خلقت من ماء مهين، وتقول لها: هل أنت إلا قطرة من ماء مهين تقتلك شرقة، وتؤلمك بقة (بعوضة) وإذا رأيت تقصيراً من نفسك فعرفها بحق سيدها ومولاها وربها .
وإن توانت عن العمل في الصلاة وفي غيرها فذكرها بحق سيدها وبقصر الأجل، وجزالة الثواب.
وإن مالت إلى الهوى فخوفها الإثم وعاجل العقوبة كقول الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ﴾ [الأنعام:٤٦] هذه العقوبات المعنوية، والعقوبات الحسية: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف:١٤٦] هذه العقوبة أن الله لا يمكن بعض الناس من أن يتدبروا في آياته: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف:١٤٦].
ولو أن نفسك تاقت لما عليه بعض أهل الدنيا والمعصية من الزخارف والبهجة والنعيم فذكرها بأنه يزول ﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص:٧٩] ماذا قال الذين أوتوا العلم؟ انظروا -أيها الإخوة- ماذا يفعل العلم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ [القصص:٨٠] ولكن لا يلقاها إلا الصابرون.
ذكرها أن بسط يد العاصي هو قبض في الحقيقة؛ لأن هذا البسط يوجب له عقاباً، وذكرها أن قبض يد الطائع -لو رأيت مسكيناً عابداً زاهداً متمسكاً بدينه لكنه ضعيف مستضعف مسكين- فذكرها أن قبض يد الطائع يوجب بسطاً في الحقيقة؛ لأن هذا القبض يوجب أجراً جزيلاً.
فإذا دعتك نفسك لارتكاب المحرمات والمعاصي، وانجذبت إليها ففسر لها لماذا تنجذب إلى الممنوعات؟ ولماذا كل ممنوع مرغوب؟ إذا عرفنا السر سهل علينا الصمود، إذا عرفنا الحقيقة هانت المسألة، فالنفس تحب الممنوع، وتهفو إليه، ويزيد حرصها كلما زاد المنع، وتستلذ بالحرام ولا تستطيب المباح؛ لأنه يشق عليها أن تمنع ويحظر عليها، وتأمل حال أبينا آدم وأمنا ﵉ لما نهيا عن الشجرة حرصا عليها مع كثرة أشجار الجنة -سبحان الله! - كل هذه الجنة بأشجارها أصبحت متروكة واتجهت الهمة إلى هذه الشجرة بالذات، ولماذا أكلا من هذه الشجرة بالذات؟ لأنها ممنوعة فانجذبت النفس إليها، ولولا المنع ما أكلا منها، ولا سألا عنها، ولا انجذبا إليها، ولا حرصا على الأكل منها؛ لكن لأجل المنع.
ولهذا فإن الله يبتلي الناس بالممنوعات وبالمحرمات لينظر كيف تعملون؟ هل تمتنعون أو ترتكبون؟ هل ستتركون وتجتنبون أم ستلجون وترتكسون في أوحال هذه المعاصي؟ فماذا قال الشيطان لهما؟ ﴿وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف:٢٠] مؤكد أن فيها سراً، الشجرة فيها سر.
﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف:٢٠].
ولذلك قيل: لو أمر الناس بالجوع لصبروا، ولو نهوا عن تفتيت البعر لرغبوا فيه، وقالوا: ما نهينا عنه إلا لشيء، هناك سر فيرغبون في تفتيت البعر، مع أن البعر ما قيمته؟! وقد قيل: أحب شيء إلى الإنسان ما منع منه، فالمؤمن صاحب البصيرة إذا منع من شيء فإنه يعلم أن في منعه حكمة، مثل المنع من الزنا والمنع من النظر إلى المرأة الأجنبية؛ لأن النظر سيعقبه عذاب في الدنيا والآخرة؛ عذاب في الدنيا كأن تتعلق النفس بهذا الشخص أو بهذه المرأة وتنجذب إليها، فإن وصل إليها بالحرام كانت العقوبة بالحرام، وإن لم يستطع الوصول إليها؛ لأنها ذات زوج أو غير ذلك صار له عذاب بالعشق، ولذلك لا يوجد محرم حرمته الشريعة إلا وفيه ضرر علينا، فالله من رحمته بنا لم يحرم علينا أشياء مفيدة لنا وليس فيها ضرر، أي شيء: خمر، خنزير، ربا، ميتة، زنا، سرقة، رشوة، غصب، كذب، فأي شيء محرم علينا فيه ضرر علينا، وإذا فسرت هذا لنفسك هانت المحرمات والممنوعات، وعرفت كيف تتعامل معها، وذكر نفسك أن الجنة حفت بالمكاره وأن النار حفت بالشهوات.
فالنفس تشتهي ما يؤدي إلى النار، وتكره القيود والتكاليف، ولكن من لاح له فجر الأجر هانت عليه مشقة التكليف، وهان عليه الليل؛ لأن الفجر قريب، فذكر نفسك بذلك يا عبد الله إذا دعتك إلى فعل ممنوع.
стр. 4116
تسلية النفس بآيات الوعد
ومن الوسائل: تسلية النفس بآيات الوعد (حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح).
يقول ابن الجوزي ﵀: مر بي حمالان تحت جذع ثقيل وهما يتجاذبان بإنشاد الشعر، فأحدهما يصغي إلى ما يقوله الآخر ثم يعيده أو يجيبه بمثله والآخر مثل ذلك، فرأيت أنهما لو لم يفعلا هذا زادت مشقة الطريق وثقل الأمر، وكلما فعلا هذا هان الأمر، فتأملت السبب في ذلك فإذا به تعليق فكر كل واحد منهما بما يقوله الآخر، وانشغال فكره في الجواب على صاحبه فينقطع الطريق وينسى ثقل المحمول نحن كلفنا بأمور صعبة فيها مشقة مثل صلاة الفجر وإسباغ الوضوء، وإخراج المال -الزكاة والصدقة- والصيام فيه مشقة، وكذلك الحج، والصدق، والتعفف عن الحرام، وغض البصر، وعدم سماع الغناء؛ فالنفس تحب الألحان والطرب، ولتقطع الحياة -وهي الزمن والوقت- بتحمل المشاق لا بد أن يكون لك حادٍ، فإن الإبل في طريق السفر إذا كلت وملت ماذا يفعل سائق البعير -الراحلة-؟ ينشد لها، والعرب تسمي هذا النشيد حُداءً، والحادي يحدو بالإبل، فإذا حدا بها نشطت وأسرعت وذهب عنها الكلل والملل، نحن الآن نسير إلى الله، والعمر يمضي وفيه مشاق وتكاليف، وفيه صعوبات، وخاصة في هذا الزمان زمان الفتن، فتن الصور والمجلات وفتن التلفزيون، وفتن الملابس وفتن السوق وغيرها من الفتن الكثيرة.
وأنت تمشي في هذا الطريق عليك صلوات، وعليك صيام، وعليك التزام بالأخلاق الإسلامية والصدق والأمانة إلى آخره، والنفس تدعو إلى الروغان والمحرمات والوقوع في الممنوعات والكذب والخيانة، وأخذ المال من أي طريق، وإطلاق البصر، وإطلاق العنان للأذن تسمع ما تشاء.
لكي يمضي العمر وأنت تتحمل مشاق التكليف ماذا ينبغي عليك أن تفعل لتسوس نفسك وتروضها على قطع الطريق؟ تحدو بنفسك في مسيرها بآيات الله وذكره، وأحاديث رسوله ﷺ ، ليست مثل ألحان الإبل، فالإبل لا تعقل ولا تفهم الكلام لكن تأنس بالصوت وتسرع لأجل الصوت، رغم أنها لا تفقه الكلمات.
الله ضرب مثلاً للذين يسمعون ولا يفهمون: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ [البقرة:١٧١] لا يفهم الكلام، لكنه يسمع صوتاً بدون فهم كلام، مثل الدابة ومثل الشاة عندما يدعوها الراعي تستجيب لكن بدون فهم للكلام، فنحن نحدو بأنفسنا في سيرها إلى الله بآيات وأحاديث ترفع الهمة وتنشط العزيمة، وتكبت الحرام، وتثبط الرغبة إليه، وهكذا نندفع في الطاعات ونحجم عن المعاصي، ونحن نسير إلى الله تعالى.
فتسلية النفس بآيات الوعد لتكون هذه الآيات والأحاديث في بيان الأجر والثواب مثل: الحادي (حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح).
стр. 4117
فطم النفس عن المألوفات
والنفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم
ومن وسائل ترويض النفس فطمها عن المألوفات، مهم أن يكون لدينا انقطاع عن المألوفات أحياناً، ونحن لا نحتاج أن نتكلف ذلك؛ لأن عندنا من العبادات ما يفطم نفوسنا عن مألوفاتها.
من أمثلتها: عبادة تعود النفس على ترك المألوفات: الصيام، وقيام الليل، والحج، إذاً: عندنا في الدين عبادات تساعد النفس على ترك المألوفات فتنفطم النفس وتتقي، وهذا يساعد على ترك الحرام؛ لأنك إذا تركت الحلال المتعود عليه كالنوم والطعام لله وهو حلال، فأحرى أن تترك الحرام.
стр. 4118
إدراك إقبال النفس وإدبارها
كذلك من وسائل ترويض النفس العظيمة إدراك إقبالها وإدبارها فتلتمس إقبالها للزيادة من الطاعات، وإدبارها لإلزامها بالواجبات والامتناع عن المحرمات.
قال عمر ﵁: [إن لهذه القلوب إقبالاً وإدباراً، فإذا أقبلت فخذوها بالنوافل، وإذا أدبرت فألزموها بالفرائض] أقل شيء إذا انحدرت وانحدرت ألا تصل إلى مستوى تترك فيه واجباً أو تفعل فيه محرماً.
ولذلك قال ﵊: (إن لكل عمل شرة) نهاية عظمى علوية، وكل شرة وكل نهاية علوية وصعود لابد أن يقابله هبوط: (ولكل شرة فترة) النفس لا تستطيع أن تستمر على حالة واحدة: (فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى) من كان في حال فتوره لا يترك واجباً ولا يعمل محرماً فقد اهتدى.
ولذلك كان من سياسة النفس: عدم إملالها، فقد جاء في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ بلغه أن عبد الله بن عمرو بن العاص يقوم الليل ويصوم النهار، فأراد النبي ﷺ أن يبين له اتباع السنة، والتوسط في الأمور، فقال له: (ألم أخبر أنك تقوم الليل وتصوم النهار؟ قلت: إني أفعل ذلك، قال: فإنك إذا فعلت ذلك هجمت عينك، ونفهت نفسك، وإن لنفسك عليك حقاً، ولأهلك حقاً، فصم وأفطر، وقم ونم) رواه البخاري.
معنى هجمت عينك أي: غارت وضعفت لكثرة السهر.
ونفهت نفسك: كلَّت، وملَّت، وتعبت.
إن لنفسك عليك حقاً: تعطيها ما تحتاج إليه ضرورة البشرية مما أباح الله من الأكل والشراب والراحة، الذي يقوم به بدنه ليكون أعون على عبادة ربه - هذا كلام الحافظ ابن حجر ﵀ في شرح هذا الحديث.
стр. 4119
منع النفس عن الصغائر
وكذلك فإن من سياسة النفس لجمها عن الذنوب الصغيرة واحتقار الذنوب، إياكم ومحقرات الذنوب، قال ﷺ : (فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن وادٍ، فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود حتى حملوا ما أنضجوا به خبزهم، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه) حديث صحيح.
بعض الناس يتساهلون بنظرة محرمة، وكلمة غيبة في عرض مسلم، ودرهم من شبهة أو حرام، يذهب إلى وليمة لم يدع إليها، لا يرد كتاباً استعاره يقول: هذه أشياء بسيطة.
فقد ضرب لنا مثلاً بالأعواد التي تجمع فتحرق.
وهكذا الذنوب الصغيرة تجتمع فتحرق صاحبها، وقد تحرق الشرارة بلداً.
ومعظم النار من مستصغر الشرر
ويتبع هذا في وسائل ترويض النفس لجمها عن التساهل وعدم التحرج من المعاصي، مثلما يفعل بعض الناس الآن من التوسع في قضية الضرورة، فيجعلون أموالهم في بنوك ربا وهم يقدرون على استعمالها بغير ذلك.
المرأة تتوسع في الكشف عند الطبيب، والطبيب يتوسع في الكشف على المريضة، والناس يتوسعون في التصوير، كذلك ما يحدث من التوسع في الخادمات، وليست متحجبة كما ينبغي، والسائقين، والتساهل في لباس البنات الصغيرات.
والتساهل له صور كثيرة ولذلك سنخصه إن شاء الله بمحاضرة.
لكن من وسائل ترويض النفس لجمها عن التساهل؛ لأن هذا انزلاق وتحته واد سحيق، وإذا انزلق في البداية فالجاذبية لن تساعده على التوقف، وإنما ستجذبه إلى الهاوية ولا شك.
стр. 4120
إصلاح الخواطر
أيها الإخوة! إن من الوسائل العظيمة في ترويض النفس وجعلت هذا الجزء الأخير من الكلام وخصصته بتركيز معين، لأهميته وهو إصلاح الخواطر.
فإن هذا الكلام فيه شيء من العمق يحتاج إلى تأمل خطورة الخواطر.
أولاً: الله تعالى يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، يعلم السر وأخفى، يعلم الكلام الجهري والكلام السري، والكلام الذي في نفسك، والخواطر التي في عقلك وذهنك وقلبك، والشيء الذي لم يخطر بعد أو أنه سيخطر.
فهو الحي القيوم الذي لكمال حياته وقيوميته لا تأخذه سنة ولا نوم، ملك السماوات والأرض، الذي لكمال ملكه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، العالم بكل شيء الذي لكمال علمه يعلم ما بين أيدي الخلائق وما خلفهم، فلا تسقط ورقة إلا بعلمه، ولا تتحرك ذرة إلا بإذنه، يعلم دبيب الخواطر في القلوب، حيث لا يطلع عليها إلا الله -أورد هذا الكلام ابن القيم في كتابه طريق الهجرتين.
وهو الرقيب على الخواطر واللواحظ كيف بالأفعال بالأركان
وهو الحفيظ عليهم وهو الكفيل بحفظهم من كل أمر عاني
فالقلب لوح فارغ، والخواطر نقوش تنقش فيه، ولا بد من الخواطر، أي: هل تستطيع أن تمنع نفسك من الخواطر؟ هل تستطيع أن تغلق ذهنك وتبقى بدون خواطر؟ لا يمكن.
حاول أن تقفل عقلك ولا يخطر في بالك أي شيء وأنت صاح، وقد خلق الله النفس شبيهة بالرحى الدائرة -الرحى: آلة الطحن- التي لا تسكن ولا بد لها من شيء تطحنه، فإن وضع فيها حب طحنته، وإن وضع فيها تراب أو حصى طحنته، فالأفكار والخواطر التي تجول في النفس هي بمنزلة الحَبِّ الذي يوضع في الرحى، ولا تبقى تلك الرحى معطلة قط، بل لا بد لها من شيء يوضع فيها، فمن الناس من تطحن رحاه حباً يخرج دقيقاً ينفع به نفسه وغيره، وأكثرهم يطحن حصىً ورملاً وتبناً ونحو ذلك، فإذا جاء وقت العجن والخبز تبين له حقيقة طحينه، ذكره ابن القيم في كتاب الفوائد.
ومعلوم أنه لم يعط الإنسان إماتة الخواطر ولا القوة على قطعها، فإنها تهجم عليه هجوم النفس، إلا أن قوة الإيمان والعقل تعينه على قبول أحسنها ورضاه به ومساكنته له، وعلى دفع أقبحها وكراهته له ونفرته منه، كما قال الصحابة: (يا رسول الله! إن أحدنا يجد في نفسه ما أن يحترق حتى يصير حممة أحب إليه من أن يتكلم به، فقال: أو قد وجدتموه؟ قالوا: نعم.
قال: ذاك صريح الإيمان) وفي لفظ: (الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة).
أورده ابن القيم ﵀.
ولذلك من رحمته تعالى -لما كانت الخواطر لا بد منها- أنه لا يؤاخذنا على ما حدثتنا به نفوسنا ما لم نتكلم أو نعمل، وما حدثنا به أنفسنا، وما كان من الخواطر والأفكار لا نؤاخذ عليه ولكن لو لم نصلح الأمر من بدايته فإن الخراب هو المصير.
فمبدأ كل علم نظري وعمل اختياري هو الخواطر والأفكار، فالخاطرة: تتحول إلى فكرة، والفكرة إلى تصور، والتصور إلى إرادة، والإرادة إلى فعل، وكثرة الفعل يصير عادة.
قال ﵀: واعلم أن الخاطرات والوساوس تؤدي متعلقاتها إلى الفكر، فيأخذها الفكر فيؤديها إلى التذكر، فيأخذه الذكر فيؤديها إلى الإرادة، فتأخذه الإرادة فتؤديها إلى الجوارح والعمل، فتستحكم فتصير عادة، وهذه الخطورة الكبرى أن يصبح الشر عادة.
وكلام ابن القيم في الخواطر لا يكاد يوجد له مثيل في كلام العلماء، فقد أبدع في كتبه في ذكرها.
قال ﵀: الخواطر والهواجس ثلاثة أنواع: رحمانية، وشيطانية، ونفسانية.
الخواطر الرحمانية: في فعل الخير كأن تريد أن تذهب عمرة أو تتصدق أو تذهب إلى الجهاد.
الخاطرة الشيطانية: أن تمشي إلى حرام وتفعل الحرام، وكأن تكون جالساً في غرفتك لوحدك ليس معك أحد فتأتيك خاطرة شيطانية فتقوم وتعمل عملاً محرماً.
الخواطر النفسانية: مثل الرؤيا، والإنسان معه شيطانه ونفسه لا يفارقانه إلى الموت: (والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم).
والخواطر الباطلة: النوع الأول: منها في الحرام والفواحش، كم من الشباب لو قدر لنا أن نرى ما في أذهانهم وهم في حال الوحدة، شخص وحيد فماذا يدور في باله الآن؟ لربما ترى أكثرهم تدور في أذهانهم خواطر الفاحشة والحرام من كثرة الصور، ومن كثرة ما يرون وما يسمعون يخطر في بالهم الحرام والفواحش.
النوع الثاني من الخواطر الباطلة: خيالات وهمية لا حقيقة لها، أو أشياء باطلة أو فيما لا سبيل في إدراكه من أنواع ما طوي عنا علمه، فإذا كان هذا مجال التفكير ومسرح الخواطر فالعاقبة وخيمة، ولذلك فإن التمني واحد قال: رأى أحدهم رجلاً عنده مال يذهب به إلى الحرام ويسافر في الحرام، فقال: لو أن لي مال فلان لعملت بعمله فهما في الإثم سواء كما في الحديث، ولذلك فإن تمني الخيانة وإشغال الفكر والقلب بها ربما يكون أضر على القلب من الخيانة نفسها، فإذا جعل الإنسان الخيانة هي تفكيره وهمه، وانشغل تفكيره بالخيانة، وكيف يستدرج امرأة أو يخرج إلى سوق أو مكان فيظفر بفريسة، وكيف يخون الأمانة ويعتدي على ما استؤمن عليه، فإن هذا عاقبته وخيمة فإذا علمت هذا -يا عبد الله! - فماذا ينبغي أن تفعل من أجل إصلاح الخواطر؟ إذا علمت الآن أن المشكلة تبدأ من الخواطر فكيف تعالج مسألة الخواطر؟ أن تشغل هذا البال بطاعة الله، وأن تفرغ قلبك لله بكليته، وتقيمه بين يدي ربه مقبلاً بكليته عليه، يصلي لله تعالى كأنه يراه، قد اجتمع همه كله على الله، وصار ذكره ومحبته والأنس به في محل الخواطر والوساوس.
وهذا الكلام الذي قاله ابن القيم نفيس جداً جداً، إذا تأملته وطبقته سنجد عواقب حميدة وأنواراً وأبواباً من الخير تنفتح عليك؛ أن تجعل عقلك وذهنك وقلبك منشغلاً بالله وذكره، والتفكير في جنته وناره، وعذابه ونعيمه، وعقابه وحسابه، والموت وما بعده.
أشغل نفسك بالله، إذا أشغلت فكرك بالله فإنك ستكون بمنأى عن هذه الترهات والمحرمات، وتستريح نفسياً وقلبياً وذهنياً وجسمياً.
стр. 4121
علاج الخواطر
فعلاج الخواطر إشغالها بالله وحمايتها عن الحرام، قال ﵀: وهاهنا نكتة ينبغي التفطن لها: وهي أن القلوب الممتلئة بالأخلاط الرديئة، فالعبادات والأذكار والتعوذات أدوية لتلك الأخلاط، كما يثير الدواء أخلاط البدن، فإذا لم يقبل الدواء وبعده حمية لم يزد الدواء على إشارته، وإن أزال منه شيئاً فمدار الأمر على شيئين: الحمية، واستعمال الأدوية إذاً: إذا تخلصنا من الخواطر الشريرة، وأسكنا الخواطر الخيرة في أذهاننا فهذا من أعظم الوسائل إن لم يكن هو أعظم الوسائل (ترويض النفس) ورد القضية من مبادئها أسهل من قطعها بعد قوتها وتمامها، وقد ضربنا مثلاً في التسلسل السابق، أولاً: خواطر؛ الخواطر تتحول إلى أفكار، والأفكار تتحول إلى إرادات، والإرادات تتحول إلى عمل، والعمل يتحول إلى عادة.
ومن المعلوم أن إصلاح الخواطر أسهل من إصلاح الأفكار، وإصلاح الأفكار أسهل من إصلاح الإرادات، وإصلاح الإرادات أسهل من تدارك فساد العمل، وتداركه أسهل من قطع العوائد، كيف تقطع عادة؟ قد تنقل جبلاً ولا تستطيع أن تغير عادة، إلا من رحم الله.
وأول ما يطرق القلب الخطرة، فإن دفعها استراح مما بعدها، وإن لم يدفعها قويت فأصبحت وسوسة وكان دفعها أصعب، فإن بادر ودفعها وإلا قويت وأصبحت شهوة، فإن عالجها وإلا أصبحت إرادة -استعمل ابن القيم هنا اصطلاحات مشابهة للاصطلاحات الأولى ومقاربة لها- أصبحت إرادة، فإن عالجها وإلا أصبحت عزيمة، ومتى وصلت إلى هذا الحال لم يمكن دفعها واقترن بها الفعل ولا بد.
وعند ذلك لا بد من العلاج الأقوى وهو التوبة النصوح.
стр. 4122
دفع الخاطر من أوله
ولا ريب أن دفع مبادئ هذا الداء من أوله أيسر وأهون من استفراغه بعد حصوله إن ساعد القدر وأعان التوفيق، والدفع أولى وإن آلم النفس مفارقة المحبوب.
إذاً: لماذا ننتظر حتى نوشك أن نقع في الحرام؟ لماذا لا نستدرك القضية ونصلح من البداية، إن مسايسة النفس وترويضها يقتضي أن تتدارك المسألة من أولها، وأول المسألة الخواطر، فاطرد الخواطر السيئة ولا تسمح لها بالاستقرار، واجعل مكانها خواطر طيبة.
فإذا دفعت الخاطر الوارد عليك اندفع عنك ما بعده، وإن قبلته أصبح فكراً جوالاً، فاستخدم الإرادة فإنها تساعد الفكر على استخدام الجوارح، فإن تعذر استخدامها رجع إلى القلب بالمنى والشهوة، وتوجه إلى جهة مراده، ولأهمية هذا الموضوع فقد كان الصالحون يعتنون بالخواطر، ذكر ابن كثير في ترجمة أبي صالح قال: كنت أطوف وأطلب العُبَّاد، فمررت برجل وهو جالس على صخرة مطرق رأسه، فقلت له: ما تصنع هاهنا؟ قال: أنظر وأرعى، فقلت له: لا أرى بين يديك شيئاً ولا ترعى إلا هذه العصاة والحجارة! فقال: بل أنظر خواطر قلبي وأرعى أوامر ربي، وبالذي أطلعك عليَّ إلا صرفت بصرك عني، فقلت له: نعم.
ولكن عظني بشيء أنتفع به حتى أمضي عنك، فقال: من لزم الباب أثبت في الخدم -إذا لزمت طاعة الله تعالى أثبتك الله في أوليائه- ومن أكثر ذكر الموت أكثر الندم، ومن استغنى بالله أمن العدم، ثم تركني ومضى.
والخواطر السيئة هي بذور يبذرها الشيطان في نفسك -يا عبد الله- فانتبه؛ بذر الشيطان في أرض القلب فإن تمكن من بذرها تعاهدها الشيطان بسقيها مرة بعد مرة حتى تصير إرادة.
يقول: الخواطر السيئة إذا لم تدفعها من البداية فهي بذور تصبح في أرض قلبك مزروعة يتعاهدها الشيطان بالسقيا، ويغذيها مرة بعد مرة حتى تصير إرادات، ثم يسقيها (يعدك ويحفزك ويمنيك ويدفعك ويحثك) حتى تكون عزائم، ثم لا يزال بها حتى تثمر الأعمال، ولا ريب أن دفع الخواطر أيسر من دفع الإرادات والعزائم، فيجد العبد نفسه عاجزاً أو كالعاجز عن دفعها بعد أن صارت إرادة جازمة، وهو المفرط إذ لم يدفعها وهي خاطر ضعيف، كمن تهاون بشرارة من نار وقعت في حطب يابس، فلما تمكنت منه عجز عن إطفائها.
لو قلت لي: إن الخواطر السيئة لذيذة وأنت تريد أن أترك هذه اللذة وهذا الشيء المحبوب إلى النفس، يعني: أتخيل في الإجازة أني أسافر إلى أماكن معصية، وأسكر وأفعل الفواحش، كيف تريديني أن أترك هذه الأشياء المحبوبة ولا أفكر فيها؟ الشخص لا يترك محبوباً إلا لمحبوب أعلى منه وأقوى، ولذلك إذا كانت محبة الله فوق كل شيء هانت كل المحبوبات الأخرى، إذا كانت محبة الله أعلى من كل شيء ذهبت محبة الزنا والخمر والشهوات المحرمة، ومحبة صور النساء والمردان؛ لأن محبة الله أصبحت فوق كل هذه وهذا الكلام لأصحاب العقول -العناصر المفكرة العاقلة- فالعقل يمنع ويعقل ويحجز عن كل شيء ضار،.
فهناك موازنات، فإذا وازنت اقتنعت، وإذا اقتنعت تركت، فخذ هذه الموازنة ووازن بين فوات المحبوب الأخس المنقطع النكد المشوب بالآلام والهموم، وبين فوات المحبوب الأعظم الدائم الذي لا نسبة لهذا المحبوب الخسيس إليه البتة؛ لا في قدره ولا في بقائه.
فمحبوب المعصية إذا قارنتها بما سيفوتك، مثلاً: قارن الزنا بما يفوتك من الحور العين، وقارن شرب الخمر في الدنيا إذا فعلته بما سيفوتك من خمر لذة للشاربين، لا فيها غول (لا يذهب عقلك، ولا يصاب رأسك بالصداع، ولا بطنك بالمغص) ولا هم عنها ينزفون.
قارن إذا شربت الخمر بين هذه الخمر الخسيسة النجسة التي يعقبها زوال العقل، والتي تسبب في النهاية النكد، وربما طلاق الزوجة واحتقار الناس، والسكران حتى عند الكفار يعتبر صورة مزرية، وحادث السيارة وما ترتب على السكر والمخدرات من الأشياء، وممكن أن يكون في أوله لذة ولكن في آخره حسرة وألم.
إذا استعملته قارن بينه وبين ما سيفوتك في الآخرة؛ قارن ووازن واخرج بنتيجة.
ثم قارن بين ألم فوت هذا المحبوب وبين ألم فوت المحبوب الأعظم والأكبر، فأنت تفوت محبوباً عظيماً من أجل محبوب خسيس، وليوازن بين لذة الإنابة والإقبال على الله تعالى، والتنعم بحبه وذكره وطاعته، ويقارن بين هذا ولذة الإقبال على الرذائل والإتيان بالقبائح، وليوازن لو انتصرت على نفسك والانتصار على الشيطان -الانتصار على الشيطان فيه لذة- وليوازن بين لذة الظفر بالذنب ولذة الظفر بالعدو، وبين لذة الذنب ولذة العفة، المشكلة الآن أن العفة والصدق والأمانة فيها لذات، وليست اللذة فقط في الكذب والخيانة والزنا، لا.
هناك لذة في المقابل، لكن المشكلة أن الناس لا يعيشون لذة الطهارة، والأمانة، والصدق، ويعيشون لذة الكذب ولذة الخيانة، كثيرٌ منهم هذا حالهم، قارن بين لذة الطاعة ولذة المعصية، قارن بين ما سيفوتك من ثناء الله وملائكته وبين لذة هذه المعصية، قال ذلك الكلام النفيس وهذا معناه واختصار له، قاله: ابن القيم في التبيان في أقسام القرآن.
стр. 4123
الجمع بين خواطر الخير وخواطر الشر
فموضوع الخواطر موضوع مهم جداً، فأنت الآن مدعو إلى التدبر في مسائل العلم، ومدعو إلى التدبر في معاني الآيات والأحاديث؛ كيف ترضى أن تجمع في عقلك بين معاني ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٢ - ٥] وبين خواطر سيئة وخسيسة ودنيئة؟ كيف تجمع بين تدبر خواطر الخير وبين خواطر الشر؟ قال: فالقلب لوح فارغ، والخواطر نقوش تنقش فيه، فكيف يليق بالعاقل أن تكون نقوش لوحه ما بين كذب وغرور وخداع وأماني باطلة، وسراب لا حقيقة له، فأي حكم وعلم وهدى ينتقش مع هذه النقوش؟ وإذا أراد أن ينتقش ذلك في لوح قلبه كان في منزلة كتابة العلم النافع في محل مشغول بكتابة ما لا منفعة فيه لو أتيت بخنزير ووضعت في عنقه قلادة من الجواهر ما رأيك بهذا المنظر؟ هل ترى أن الجواهر تصلح أن تكون على الخنزير، إذا كان لا يصلح فكيف تجعل عقلك مستودعاً للخواطر الشيطانية الخسيسة والدنيئة، ومستودعاً للذنوب والمعاصي الحقيرة التافهة والسيئة، وتجمع معها خواطر القرآن والقيامة والجنة وصفات الله تعالى تدبراً؟! فإن كل واحد يطلب علماً لا بد أن يسأل نفسه هذا
السؤال
كيف أطلب العلم وأفكر في مسائل الطهارة والصلاة والزكاة والحج، وقبلها مسائل العقيدة وأسماء الله وصفاته، واليوم الآخر والسيرة النبوية والأحاديث إلى آخره.
أفكر بهذا كله ثم أدخل عليها خواطر في الزنا والعشق، والأشياء المحرمة والصور العارية الخ.
فكيف ينطبق هذا على هذا، وإذا أراد أن ينتقش ذلك في لوح قلبه كان بمنزلة كتابة العلم النافع في محل مشغول بكتابة ما لا منفعة فيه، فإن لم يفرغ القلب من الخواطر الرديئة لم تستقر فيه خواطر نافعة، فإنها لا تستقر إلا في محل فارغ لتتمكن.
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلباً خالياً فتمكنا
هذه قضية -يا إخوان- مهمة جداً أن يكون هناك تفريغ للقلب من الخواطر السيئة، نعم.
لا يمكن أن نمنعها من الورود لكن إذا وردت لا نجعلها تعشعش، ولا نترك لها مجالاً للاستقرار في القلب، والإنسان إذا كان قريباً من الله أصبحت الخواطر التي ترد عليه خواطر رحمانية، كما قال ابن القيم ﵀: الخواطر التي مبعثها الملك -أي: أيُّ خاطر طيب فإن مبعثه الملك- إذا أصبحت الخواطر الطيبة تأتي إلى ذهنك باستمرار وتتزاحم حتى في العبادات، وهذا ما حصل لـ عمر بن الخطاب ﵁ حين تزاحمت عليه الخواطر في مرضاة الرب فربما استعملها في صلاته، فتزاحم عنده تجهيز الجيش في سبيل الله مع قراءة القرآن أو الذكر في الصلاة، انظر إلى أي درجة وصل الفاروق، أصبحت تتدافع خواطر في الآيات وخواطر في الجهاد، وهو المسئول الأول في المسلمين والخليفة، وهو المنشغل جداً، فهو أول واحد يهمه الموضوع.
стр. 4124
كيفية إصلاح الخواطر
فصلاح الخواطر بأن تكون مراقبة لوليها وإلهها صاعدة إليه دائرة على مرضاته ومحبته، فإنه سبحانه عنده كل صلاح، ومن عنده كل هدى ومن توفيقه كل رشد، ومن توليه لعبده كل حفظ، ومن إعراضه كل ضلال وشقاء، فيظفر العبد بكل خير وهدى ورشد بقدر إثبات عين فكرته في آلاء ربه ونعمه، وتوحيده وطرق معرفته وعبوديته، وهو يستحضر أنه مشاهد له، ناظر إليه، رقيب عليه، مطلع على خواطره وإرادته وهمه، فحينئذ يستحيي منه ويجله أن يطلع منه على عورة يكره أن يطلع عليها مخلوق مثله.
لو أنك فكرت بحرام أو فاحشة هل تستحي أن أباك يطلع عليها؟ أو يطلع عليها أستاذك أو إمام المسجد؟ فكيف والله مطلع على خواطرك، فما كنت مستحياً من مخلوق أن يطلع عليه فاطرده من ذلك؛ لأنك تعلم أن الله مطلع عليك، فمتى أنزل العبد ربه هذه المنزلة رفعه وقربه منه، وأكرمه واجتباه وتولاه، وبقدر ذلك يبتعد عن الأوساخ والدناءات والخواطر الرديئة والأفكار الدنيئة، كما أنه كلما بعد منه وأعرض عنه قرب من الأوساخ والدناءات والأقذار، ويقطع عن جميع الكمالات ويصل بجميع النقائص، فالإنسان خير المخلوقات إذا تقرب من بارئه والتزم أوامره ونواهيه وعمل بمرضاته وآثره على هواه، وشر المخلوقات إذا تباعد منه ولم يتحرك قلبه لقربه وطاعته وابتغاء مرضاته، وكذلك فإن الإنسان ينبغي عليه أن يشتغل بمصلحته وما يعنيه، ويجعل الخواطر حول ما يصلحه وما يعنيه، فأنفع الدواء أن تشغل نفسك بالفكر فيما يعنيك دون ما لا يعنيك.
فالفكر فيما لا يعنيك باب كله شر، ومن فكر فيما لا يعنيه فاته ما يعنيه، واشتغل عن أنفع الأشياء له بما لا منفعة فيه، فالفكر والخواطر والإرادة والهمة أحق شيء بإصلاحه من نفسك، فإن هذه خاصتك وحقيقتك التي تبتعد بها أو تقرب من إلهك ومعبودك الذي لا سعادة لك إلا في قربه ورضاه عنك، وكل الشقاء في بعدك عنه وسخطه عليك، ومن كان في خواطره ومجالات فكره دنيئاً خسيساً لم يكن في سائر أمره إلا كذلك.
فإن قلت: وبماذا أشغل عقلي؟ اشغله في باب العلوم في معرفة ما يلزمك من التوحيد وحقوق الله تعالى، وفي الموت وما بعده إلى دخول الجنة والنار، وفي آفات الأعمال والتحرز منها، وكيف تنفذ العبادات على الوجه المطلوب، وفكر في مصالح دنياك كيف تتزوج وما هي الطريقة للزواج؟ في معاشك وكسب مالك، فكر في هذا ولا بأس به على الإطلاق، إذا كان الذي يشغلك الله والعلم به والشريعة، ومسائل العلم المفيد والتفكير فيما يعنيك وترك ما لا يعنيك، والتفكير في عيوب نفسك وكيف تتخلص منها، والتفكير بهموم المسلمين وما يصلح حالهم، والتفكير في معاشك وفيما يصلحك في الدنيا؛ إذا صار فكرك في هذا فإنك على حال طيب.
وتصبح في حصن حصين وفي بيت السلطان عليك الحراس قال إبليس: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص:٨٢ - ٨٣] وقال تعالى له: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر:٤٢] وقال: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل:٩٩ - ١٠٠].
وقال في حق الصديق: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف:٢٤] فما أعظم سعادة من دخل هذا الحصن الحصين، لقد أوى إلى حصن لا خوف على من تحصن به، ولا ضيعة على من أوى إليه، ولا مطمع للعدو من الدنو منه: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة:٤] ذكره ابن القيم في بدائع الفوائد.
فإذا كانت معاني القرآن مكان الخواطر من القلب وكانت على كرسي عرش القلب، وكان له التصرف، وكان هو الأمير المطاع، استقام أمر الإنسان وسيره، واتضح له الطريق فتراه ساكناً ولكنه يباري الريح: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل:٨٨].
стр. 4125
خلاصة موضوع كيف تروض نفسك
فإذاً نلخص موضوع الخواطر وهو الموضوع الأساسي والكبير في سياسة النفس وترويضها: أن تعلم أن الله مطلع على خواطرك.
أن تستحي منه.
أن تجله أن يرى ويعلم هذه الخواطر أنها ما زالت عندك موجودة.
أن تخاف أن يطردك من جنابه.
أن تساكن محبته قلبك لا محبة غيره.
أن تخشى من شرر الخواطر.
أن تعلم أن تلك الخواطر بمنزلة الحَب الذي يلقى للطائر ليصاد به، فاعلم أن كل خاطر منها حبة في فخ منصوب لصيدك وأنت لا تشعر، فالخاطرة حبة ألقاها الشيطان لصيدك.
أن تعلم أن تلك الخواطر الرديئة لا تجتمع هي وخواطر الإيمان ودواعي المحبة بل إنها تضادها من كل وجه.
أن تعلم أن الخواطر بحر من بحور الخيال لا ساحل له، إذا دخل القلب في غمراته غرق فيه وتاه في ظلماته، فإذا أشغلت نفسك بالخواطر الطيبة كانت ساحل نجاة.
أن الخواطر السيئة وادي الحمقاء وأماني الجاهلين لا تثمر إلا الندامة والخزي.
أن تجعل مكان الخواطر السيئة خاطر الإيمان والمحبة والإنابة والتوكل والخشية، وأن تفرغ قلبك لها، وإذا أتاك الخاطر السيئ نفيته، لا تؤويه ولا تسكنه، لأنها أماني وهي رءوس أموال المفلسين، ومتى ساكن الخواطر صار مفلساً، وإياك إياك -يا أخي- أن تمكن الشيطان من بيت أفكارك، فإنه يفسده عليك ويلقي بالوساوس الضارة.
وأخيراً: فإن موضوع سياسة النفس ومعالجة النفس وترويضها وإصلاحها، والبداية من الخواطر التي جعلناها الجزء الثاني من الموضوع هي قضية جديرة بالاهتمام والعناية.
نسأل الله أن يجعلنا ممن زكوا أنفسهم وممن طهروها وعمروها بذكر الله وعبادته.
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم إنا نسألك فعل الخيرات وترك المنكرات، وحب المساكين، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 4126
الأسئلة
стр. 4127
شدة الوساوس في الصلاة
السؤال
الشيطان يشتد علينا بالوساوس في الصلاة، فلماذا؟
الجواب
يقول النبي ﷺ : (إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضى النداء أقبل، حتى إذا ثوب بالصلاة أدبر، حتى إذا قضي التثويب أقبل، حتى يخطر بين المرء ونفسه، فيقول: اذكر كذا اذكر كذا لما لم يكن يذكر قبل، حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى) هذا الحديث الذي رواه البخاري رحمه الله تعالى يبين لنا أن الأذان ثقيل على الشيطان، وإذا أذن المؤذن هرب الشيطان خارجاً، فإذا انتهى الأذان رجع، فإذا أقيمت الصلاة هرب، وإذا انتهت الإقامة رجع يوسوس للمصلي، ويخطر بينه وبين نفسه ويذكره بأشياء لم تكن على باله.
ولذلك أبو حنيفة لما جاءه رجل فقال له: إني أضعت مالاً قال: اذهب فصل ركعتين وجاهد نفسك ألا تأتي عليك الوساوس، فجاء الشيطان وذكره في الصلاة ومنها مكان المال المفقود.
لأن النبي ﷺ قال إنه يقول: (اذكر كذا اذكر كذا، لما لم يكن يذكر) فيذكره به الشيطان حتى لا يعود الشخص يذكر كم صلى، هذه هيبة الأذان الإقامة، وكذلك فعل الشيطان.
فإذا جاءك الشيطان يوسوس لك؛ لأنه يحرقه أن يراك منتصباً قائماً لربك، فاتفل عن يسارك ثلاثاً وتعوذ منه في الصلاة، فإنه يذهب عنك إن شاء الله.
стр. 4128
معنى (لا) في قوله تعالى: (لا أقسم)
السؤال
لا أقسم بيوم القيامة ما معنى " لا "؟
الجواب
لا هنا فيها أقوال للعلماء، ومن هذه الأقوال أنها للتأكيد، أي: في لغة العرب إذا جاءت (لا) هنا فإنها تفيد تأكيد القسم.
стр. 4129
حب النساء والوقوع في الزنا
السؤال
أنا يا شيخ ممن يحب النساء حب شهوة، وقد زللت أكثر من مرة فوفقني الله بالتوبة، وأرى من نفسي حب الرجوع مرة أخرى فحاولت أن أدفع نفسي وأحاول أن أتزوج؟
الجواب
هذا الكلام ذكرناه في المحاضرة فلو أنك تتبع كلام ابن القيم في موضوع الخواطر، وجاهدت نفسك من الخواطر من بداية الأمر ألا يرد على نفسك، وتشغل نفسك بما يفيدك في الدنيا والآخرة، فلن تصل إلى مستوى الانزلاق إن شاء الله، ولذلك تتبع المسألة من بدايتها، هذه نصيحتي لك والله، تتبع القضية من بدايتها، وأشغل نفسك بالطاعة تنشغل عن المعصية.
стр. 4130
الثقة بالنفس
السؤال
هل يجوز الثقة بأنفسنا وما حكم الثقة بالنفس؟
الجواب
سئل الشيخ العلامة المفتي/ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله تعالى هذا السؤال هل تجب الثقة بالنفس؟ فقال: لا تجب ولا تجوز، بل تجب الثقة بالله تعالى، والنبي ﷺ يقول: (ولا تكلني إلى نفسي) وقال ابن أبي مليكة: " أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه " لا يوجد منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل.
فلا بد أن تخاف على نفسك ولا تثق بنفسك؛ بل ثق بالله ، فإذا وثقت بنفسك أوكلك الله إلى ضعف وعجز وعورة، وإذا وثقت بالله كفاك الله وجعلك تأوي إلى ركن شديد.
стр. 4131
الاستهزاء ببعض الأحاديث والتشريعات
السؤال
هناك بعض الزملاء يستهزئون ببعض الأحاديث النبوية وبعض التشريعات؛ ظناً منهم أنه ليس لذلك خطر كبير؟
الجواب
﴿ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦] أظن الآية فيها موعظة بليغة وتجيب عن حال هؤلاء الذين يستهزئون بأحاديث وتشريعات ظناً منهم أن المسألة سهلة، الآية نزلت في من؟ قارن فيمن نزلت فيهم الآية وبين هؤلاء الشباب.
الآية كما يروي ابن جرير ﵀ -والحديث حسن- أن الآية نزلت في بعض الذين كانوا في جيش تبوك قالوا: ما رأينا مثل قرائنا -من يقصدون بالقراء؟ النبي ﷺ والصحابة- أرغب بطوناً ولا أجبن عند اللقاء، بطونهم كبيرة أصحاب أكل، وإذا جاء الجد ولوا الأدبار.
فنزلت الآيات فيهم: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦] وهؤلاء يستهزئون بالآيات والأحاديث والتشريعات مباشرة، والاستهزاء بأي شيء علم المستهزئ أنه من الله ورسوله فهو كافر خارج عن الملة، يجب أن يجدد إسلامه ويتوب إلى الله تعالى.
стр. 4132
زكاة الراتب
السؤال
هل يجب علي زكاة المال مع العلم أني لا أملك إلا راتبي؟
الجواب
إذا كنت لا توفر شيئاً من راتبك وتصرفه أولاً بأول فما عليك زكاة؛ لأنه لا يوجد عندك شيء يحول عليه الحول؛ لكن إذا كانت عندك مدخرات تجب فيها الزكاة، فإذا كانت عندك مدخرات فأسهل طريقة أن تنظر إلى أول راتب استلمته، لنقل: أول راتب استلمته في ١ محرم ١٤٢٠هـ تنظر ماذا لديك من المال فتخرج في كل ألف خمسة وعشرون ريالاً وهذا فيه راحة نفس وفيه سماحة، وتكون قد عملت ما عليك وزيادة.
стр. 4133
حكم سماع الأغاني في السفر
السؤال
أنا لا أحب سماع الأغاني والموسيقى، لكن في حالة السفر مع الأصحاب يجبرونني في رفقتهم مع طول الطريق والملل بأن أسمع الأغاني؟
الجواب
يقول النبي ﷺ بين في الحديث الحسن: (ماخلا راكب بذكر الله إلا ردفه ملك، وما خلا راكب بشعر ونحوه إلا ردفه شيطان) كيف إذا خلا بالأغاني؟! فلا تقطع الطريق بالأغاني وحاول أن تنصحهم، ومن شروط الرفقة في السفر أن تنتقي الرفقة قبل أن تسافر معهم، وليس أن تسافر معهم ثم تقول: تورطت، وإذا أكرهت وفوجئت، فمرهم بإغلاقه، فإذا لم يمتثلوا فاخل أنت بذكر الله بينك وبين نفسك.
стр. 4134
المجاهرة بالمعصية
السؤال
بعض الإخوان يجاهرون بالمعصية؟
الجواب
هذه مصيبة عظيمة؛ لأن النبي ﷺ يقول: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين) من المجاهرة: أن الواحد يعمل العمل ثم يستره الله في الليل ثم يقول في النهار: يا فلان أنا عملت كذا وكذا! يا فلان أنا سافرت لكذا! يا فلان هذه صورة كانت معي ويريه إياها والعياذ بالله، هذا المجاهر يفضحه الله يوم القيامة، والفضيحة يوم القيامة ليست مثل فضيحة الدنيا؛ لأن الفضيحة أمام الناس من آدم إلى الراعي المزني (آخر واحد يصعق عندما تقوم الساعة) مع الجن والملائكة وكل الحاضرين يوم الدين أشد من فضيحة اليوم.
стр. 4135
غسل الثوب من المني
السؤال
المني إذا بقي على الثوب يوجب غسل الثياب؟
الجواب
لا يوجب غسل الثياب، ولكن يفركه إذا كان جافاً، وينضحه بالماء إذا كان رطباً، والأفضل أن يغسله بالنسبة للثوب، أما البدن فلا بد إذا خرج المني من الغسل كاملاً، أن يعمم جسده كاملاً مع المضمضة والاستنشاق إذا أراد أن يصلي.
следующие страницы →