← Джавами‘

Джавами‘ · id 7704

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (7 040 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.

стр. 4061

النهي عن الاختلاف في مسائل حكم فيها الشرع قال: (وكان يعيب كثرة الكلام والفتيا، ويقول: يتكلم أحدهم وكأنه جمل مغتلم، يقول: هو كذا هو كذا، ويهدر في كلامه، وكان -رحمه الله تعالى- يكره الجواب في كثرة المسائل، ويقول: قال الله : ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:٨٥]). لما خاض بعض الناس في الروح، وقالوا: الروح جسم لطيف وأجسام نورانية شفافة ونحو ذلك من الكلام الذي لا يجوز أن يقال، لأن الله اختص بعلم الروح، فما بالك إذا علمت أن الأقوال في الروح وصلت إلى ألف وثمانمائة قول كما قال الشوكاني ﵀، فمسألة الروح محسومة، لأن الله اختص بعلم الروح، ولا يمكن أحد منا يعلم هذا؛ قال سبحانه: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:٨٥]. فلو جاء شخص من الخارج، وقال: عندنا علم جديد فتحنا له كلية، ما هو؟ قال: علم الروح! نحن نبحث في المحتضرين، ونزن المحتضر قبل الموت ونزنه بعد الموت، ونفحصة بالأشعة الحمراء وفوق الحمراء وتحت الحمراء، وفوق البنفسجية وفوق القرمزية، ونعمل أبحاثاً لنعرف الروح، نقول: سلفاً نعطيكم الجواب كل ما أنفقتم في هذه الكلية وفتحها وطلابها من الأموال والأوقات فإنكم لن تجنوا من ورائه إلا حرث بذر في الهواء. فالذي ينطلق من الشريعة والعقيدة الصحيحة، غير الذي ينطلق من الثقافات الأخرى الأجنبية عن الدين، والغربيون الآن لهم أبحاث في الروح، فلم يصلوا إلى أي شيء فيها، بل عادوا إلى الصفر مرة أخرى، مثل تبه بني إسرائيل، كانوا يخرجون في الصباح يبحثون عن المخرج، ويأتي عليهم المغرب ويجدوا أنفسهم في نفس المكان الذي خرجوا منه، ضلوا على ذلك أربعين سنة.

стр. 4062

زيادة التفريعات في المسائل انتشر في بعض العصُور الخصومات والجدالات، وتفريع الفروع الفقهية والخصومات وافتراض الاحتمالات فيها: فلو كان كذا ولو كان كذا، ولو كان كذا، وتجد هذا في كثير من كتب الفروع المذهبية، ويتباهى بها بعض المتعصبين للمذاهب. فيقولون: أئمتنا ﵏ ما تركوا شيئاً، بحثوا كل شيء، وشققوا المسائل، وفرعوا التفريعات، وقد قال النبي ﷺ : (إن الله قد كره لكم قيل وقال) والتشقيق والتفريع في الكلام وفي هذه المسائل داخل في قيل وقال. ويذكرون المسائل التي لا تحصل، ووجد في بعض كتب فروع الشافعية: لو صلى في أرجوحة معلقة بين السماء والأرض، ففرضوها مع أنها غير موجودة، أرجوحة معلقة بين السماء والأرض، ثم قالوا: الجواب لا يجوز، لأنه لا بد أن يصلي على شيء مستقر متصل بالأرض، وجاءت الفروع والنتيجة أنه لا يجوز، وسأل الناس عن حكم الصلاة في الطائرة بعد اختراع الطائرة، فقيض الله من هذه الأمة من يبين الحكم بعد أن وجدت المسألة وهنا يحصل التوفيق. ولذلك فإن بعض السلف يرفض أن يجيب على المسائل الافتراضية، ويقول: دعه حتى يكون، لماذا؟ لأنه إذا كان وإذا حصل بذل أهل العلم وسعهم عند ذلك واجتهادهم؛ لأن المسألة صارت موجودة، فيأتي التوفيق من الله . ولما صارت القضية الآن وتنادى أهل العلم لبحث الصلاة في الطائرة، وقالوا: إن الصلاة في الطائرة جائزة، إذا احتاج إلى ذلك فلا حرج، وصلاته صحيحة، وما خرجوا بالنتيجة التي خرج بها ذلك المتمذهب الذي فرَّع الفروع الدقيقة ومنها هذا، وخرج بتلك النتيجة، على مسألة افتراضية لم تكن واقعة. قال: (قال النبي ﷺ : (إن الله لم يبعث نبياً إلا مبلغاً، وإن تشقيق الكلام من الشيطان) وتشقيق الكلام مذموم، وكذلك فإنه قد ورد النهي عن كثرة المسائل وعن الأغلوطات. والأغلوطات: هي شرار المسائل التي يُغالط فيها العلماء؛ ليزلوا بذلك، فيأتي شخص يتحذلق في سؤال -كما فعل بعضهم، وبعض المسلمين نقلوه عن بعض النصارى- هل يستطع الله أن يخلق إلهاً مثله؟ فأنت انظر إلى السؤال لتعرف كيف يأتون بالأغلوطات التي ورد النهي عنها؟ هذا السؤال غلط أصلاً، لأنه إذا خلق إلهاً فالإله لا بد ألا يكون له بداية، وكيف يكون إلهاً وله بداية؟ فالسؤال غير وارد، وهل يوجد جواب صحيح على سؤال خطأ؟ صحح سؤالك حتى نأتي لك بالجواب. هذه قضية الأغلوطات والفرضيات التي يريدون أن يزلوا بها العلماء، ويتقعرون في الألفاظ والمسائل والفرضيات للجدال، فصارت القضية قضية جدال، أوقات تضيع في الجدل، افتراض أشياء ثم الجدال بناءً عليها.

стр. 4063

علم السلف كان كبيراً وكلامهم كان قليلاً كانت مؤلفات الأولين قليلة ولكنها كثيرة البركة، ومؤلفات المتأخرين كثيرة ولكن بركتها قليلة، وكذلك كلام السلف قليل، لكن مدلوله كبير ومبارك ونافع، وكلام المتأخرين كثير وكثير، تفريعات كثيرة جداً ولكن بركته قليلة. ومن يتأمل في بعض كتب المذاهب التي فيها هذه الفروع الكثيرة: فصلٌ، فصلٌ، فصلٌ، والمجلدات تزيد، وبعض الناس يقول: أين كان علم مالك والشافعي وأحمد وابن المبارك والثوري والأوزاعي، أين كان عن هذه المسائل؟ فيقال له: قال ابن رجب ﵀: (وما تكلم من تكلم وتوسع من توسع بعدهم باختصاصه بعلم دونهم، ولكن حباً للكلام، وقلة ورع، كما قال الحسن وسمع قوماً يتجادلون: "هؤلاء قوم ملوا العبادة، وخف عليهم القول، وقلّ ورعهم فتكلموا". وقال مهدي بن ميمون: سمعت محمد بن سيرين وماراه رجلاً-جادل محمد بن سيرين - ففطن له، فقال: "إني أعلم ما يريد، إني لو أردت أن أماريك كنت عالماً بأبواب المراء " -أنا أعلم بالمناظرة والجدال والأصول، لكن لماذا أضيع وقتي معك؟ وقال جعفر بن محمد: "إياكم والخصومات في الدين، فإنها تشغل القلب وتورث النفاق". وقال عمر بن عبد العزيز: "إن السابقين عن علم وقفوا، وببصر نافذ قد كفوا، وكانوا هم أقوى على البحث لو بحثوا". وقد فتن بعض المتأخرين بهذا، وظنوا أن من كثُر كلامه وجداله وخصامه في مسائل الدين فهو أعلم ممن ليس كذلك، وكذلك فإن من كثرت مسائله وتفريعاتها، فهو أعلم ممن قلَّ كلامه وبحثه، وكانت مؤلفاته أقل وأوراقها أقل- وهذا جهل محض، وانظر إلى أكابر الصحابة وعلمائهم كـ أبي بكر وعمر وعلي ومعاذ وابن مسعود وزيد بن ثابت كيف كانوا؟ كلامهم أقلّ من كلام ابن عباس وهم أعلم منه، وكذلك كلام التابعين أكثر من كلام الصحابة، والصحابة أعلم منهم). فعلاً: لو جربت الآن المنقولات عن السلف لوجدت كلام الصحابة أقل من كلام التابعين، وكلام التابعين أقل من كلام تابعي التابعين، وتابعي التابعين كلام أكثر من كلام التابعين، وكلام التابعين أكثر من كلامهم الصحابة، من الأعلم؟ الصحابة، ثم من؟ جيل التابعين بالتأكيد. فكيف نجدهم أعلم وكلامهم أقل؟ هذه الملاحظة التي يجب أن ننتبه لها. قال: (فليس العلم بكثرة الرواية، ولا بكثرة المقال، ولكن نور يُقذف في القلب يفهم به العبد الحق، ويميز به بينه وبين الباطل، ويعبر عن ذلك بعبارات وجيزة محصلة للمقاصد، وقد كان النبي ﷺ أوتي جوامع الكلم واختُصر له الكلام اختصاراً). فإذاً: تجد الآن فيها قول عن ابن مسعود كلمة كلمتين جملة سطر، وتجد في كلام بعض المتأخرين صفحات وأبحاثاً طويلة جداً جداً، من الذي كلامه أكثر بركة وأصوب وأنفع؟ طبعاً كلام الصحابة مع قلته ووجازته، ولذلك العلم ليس بكثرة تسويد الصفحات، ولا بكثرة الآراء والأقوال، لكنه نور يقذفه الله في قلب العالم خاصة الذي يسير ويمشي على الكتاب والسنة، فيأتي لك بالحكم.

стр. 4064

كثرة الكلام لا يدل على العلم قال: (فيجب أن يُعتقد أنه ليس كل من كثُر بسطه للقول وكلامه في العلم كان أعلم ممن ليس كذلك، وقد ابتلينا بجهلة من الناس يعتقدون في بعض من توسع في القول من المتأخرين أنه أعلم ممن تقدم، فمنهم من يظن في شخصٍ أنه أعلم من كل من تقدم من الصحابة ومن بعدهم، لكثرة بيانه ومقاله، ومنهم من يقول: هو أعلم من الفقهاء المشهورين المتبوعين). ومنهم من يقول: من المتأخرين من هو أعلم من أصحاب المذاهب الأربعة، أعلم من الشافعي وأحمد ومالك، لا! لا يمكن أن يكون هذا! لكن هنا نقطة مهمة وهي: أن المسألة قد لا تكون وجدت أسبابها في عهد الصحابة والتابعين، ووجدت أسبابها في عهد الإمام أحمد مثلاً، فتكلم فيها الإمام أحمد وما وجدنا فيها كلام الصحابة لماذا؟ لأنها لم تكن في عهدهم. مثلاً: خلق القرآن هل تجد فيه كلاماً للصحابة موسعاً؟ لا. ولماذا تكلم الإمام أحمد ومن معه في الرد على المعتزلة؟ لأن المشكلة نشأت في عصره، فعندما تدعو الحاجة إلى الكلام والرد على أهل البدع نرد هل نقوم الآن ونتكلم في قضية الصحابة؟ نقول: إذا كان عندك الوسط سليم، والناس صدورهم سليمة، وقضايا الصحابة غير مثارة، والفتن التي بينهم غير مذكورة ومنتشرة، هل تتكلم عن الفتن التي حصلت بينهم، وتتوسع فيها، وتنشرها بين العامة؟ هذا خطأ؛ لأن الواحد يكون صدره سليماً، فيصبح غير سليم. مثال واقعي: لو قال رجل: ظهرت أشرطة عن الفتنة بين الصحابة وسمعها وقال: والله هذا محمد بن أبي بكر الصديق إنسان مجرم سفاح وظالم وباغٍ، وهو ما كان يعرف محمد بن أبي بكر، ولم يسمع به إطلاقاً والآن لما سمع الكلام قال: هذا كذا وكذا وكذا. كانت صدورهم سليمة، فصارت هكذا، وذلك بسبب فتح موضوع لا توجد أسبابه أو الحاجة لفتحه، لكن من أثيرت عنده القضية، كأن يجلس مع رجل من أهل الرفض أو أهل البدعة وأثار عنده أشياء كثيرة، وهذا مسكين، هذا الذي يُعطى كتاب العواصم من القواصم، أو شيء يسمعه ويفيده ويعالج ما حصل عنده في هذه النقطة. فإذن المسألة مهمة جداً، وهي: عدم إثارة الشيء والكلام فيه إلا بعد وجود أسبابه، فلا تتكلم عن قضية خلق القرآن؛ لأنها غير مثارة، ما رأيكم نخطب خطبة ودرس وسلسلة على العامة في قضية خلق القرآن، ونورد أقوال المعتزلة ثم الرد عليها، هل هذا صحيح؟! لا. لأن المسألة أصول ومنطلقات وثوابت، فالذي يفهم طريقة السلف لا يزيغ في الكلام ولا في توقيت طرح الكلام، وأما الذي ليس عنده علم بذلك فهو يخبط خبط عشواء، فالموضوع جذاب، وقصصي فيمشي بين الناس، وبعض المكتبات والتسجيلات تبحث عن الأرباح، والمسألة هذه لها سوق وشيقة، لكن يترتب عليها مفاسد في الدين، أنت تتكسب من وراء مفاسد على الدين؟! قال: (وقد صدق ابن مسعود ﵁ في قوله في الصحابة: [إنهم أبر الأمة قلوباً، وأعمقها علوماً، وأقلها تكلفاً] وقال ابن مسعود ﵁: [إنكم في زمان كثير علماؤه، قليل خطباؤه، وسيأتي بعدكم زمان قليل علماؤه، كثير خطباؤه]. وقد شهد النبي ﷺ لأهل اليمن بالإيمان والفقه، وأهل اليمن أقل الناس كلاماً وتوسعاً في العلوم، لكن علمهم علم نافع في قلوبهم، ويقدرون بألسنتهم عن القدر المحتاج إليه من ذلك. وهذا قيل عن الزمن الذي كان في ذلك الوقت، وإلا فقد يطرأ على بعض الناس وبعض البلدان، أشياء وتغيرات كثيرة. ولا شك أيها الإخوة! أن الاهتمام بكلام السلف أنفع من الاهتمام بكلام الخلف، وإن كان الذين يسيرون على كلام السلف من الخلف ينبغي الاعتناء بكلامهم، فمثلاً: إذا جئت إلى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وابن القيم وغيرهما تجد أنهم يبنون كلامهم على كلام السلف، وكثير من الكلام الذي يقولونه إنما هو استشهاد بكلام السلف، فـ المغني مثلاً كثير من عباراته جمع لكلام السلف، قال عطاء وقال أيوب وقال إبراهيم النخعي وقال فلان فهذا هو علم السلف، فالكتب التي تجمع علم السلف بغض النظر عن المؤلف عاش في أي عصر، المهم الاهتمام بعلم السلف، والخلف الذين شرحوا كلام السلف، وساروا على هديهم، هذا هو المطلوب.

стр. 4065

الإعجاز العلمي ومضادته لكلام السلف قال: (فضبط ما روي عن السلف أفضل العلم مع تفهمه وتعقله والتفقه فيه، وما حدث بعدهم من التوسع لا خير في كثير منه إلا أن يكون شرحاً لكلامهم، وأما ما كان مخالفاً لكلامهم فأكثره باطل أو لا منفعة فيه). وهذا مثال ذكره بعض الإخوان وهو قضية الإعجاز العلمي في القرآن، بعض الناس يفسرون آيات في القرآن بتفسيرات ليست واردة، بل مخالفة لما قاله السلف. مثلاً: افترض أنك جئت إلى آية: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن:٣٣] وفتحت تفسير ابن كثير، وميزته أنه يجمع تفاسير السلف: مجاهد، وقتادة، وسعيد بن جبير، وابن عباس، وابن مسعود. ستجد مثلاً أن الله إذا جمع الأولين والآخرين يوم القيامة يتحداهم ويجعلهم في صعيد واحد تحيط بهم الملائكة صفوفاً، ويقول: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن:٣٣]، ولا يوجد سلطان ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦] فيأتي من يقول: اكتشفنا إعجازاً علمياً في القرآن؟ ما هو؟ قال: (لا تنفذون إلا بسلطان) أي: سلطان العلم، أي: صواريخ الدفع النفاثة، هذه التي تخرج، فكر في المعنى القبيح الذي فسرت به، ماذا ترتب على هذا الكلام من قُبح؟ أن الله يتحدى الإنس والجن، ثم بعضهم يقبلون التحدي ويخترعون أشياء وينفذون، هل من المعقول أن الله يتحدى الجن والإنس ويقبلون التحدي، ويتغلبون فعلاً، ويصعدون من أقطار السماوات والأرض، هل هذا كلام يقبل؟! فالجن من قبل قد خرجوا من أقطار الأرض، ويصعدون إلى السماء: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ [الجن:٩] فكيف يتحداهم وكان قد عملوا بالتحدي وهذا إنما يوم القيامة. فكثير من الكلام الذي في الإعجاز العلمي للقرآن مخالفة لكلام السلف، ثم تتغير النظرية فيتغير التفسير، فيكون قد ركَّب تفسير الآية على نظرية معينة، والنظرية قد يكتشف خطأها ماذا نفعل وقد فسرنا القرآن على هذا؟! فلا بد أن يقال ما يوافق كلام السلف، لا ما يخالف كلام السلف. افترض أنهم قالوا مثلاً: اكتشفنا أن القمر انشق من ألف وأربعمائة سنة، زادونا شيئاً جديداً؟ لا! هل خرجوا عن كلام السلف؟ لا. لكن يأتي رجل يحدث قولاً جديداً، ويخالف السلف، ويقول: أنا توصلت إلى ذلك، ويخالف السلف، فاعلم أنه لا خير فيه. والمشكلة في قضية الإعجاز العلمي أنه طرح قضايا، وبعد سنة سيأتي مؤتمر آخر لا بد أن يقدم ورقة بحث جديدة، الآن نريد سبق صحفي جديد في اكتشافات قرآنية جديدة فسوف تقل الضوابط عندهم، وكان أولاً يأخذ بالمسلمات وبالحقيقة، وصار الآن يأخذ بالنظريات، ثم صار يتعسف الورقة الثالثة والرابعة والخامسة. ولذلك المسألة تنفلت وما هي الفائدة؟ أن نخالف تفاسير السلف، الله لما أنزل القرآن أنزله للعرب والعجم، يا أخي! يكفي التفكر في السماء وما فيها من النجوم، فالله عندما قال: ﴿رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد:٢] ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ﴾ [الحج:٦٥] ألا يكفي إعجازاً أن السماء لا تقع على الأرض؟! وبعض الأشياء لو لم تشرح فيها إلا الكلام الموجود في التفاسير لكفى إعجازاً، يملؤنا إيماناً. إذاً: ما يسمى بالإعجاز العلمي منه ما هو حق، ومنه ما هو باطل، ومنه ما هو كلام مشكوك فيه، أي: مثل الإسرائيليات، شيء يُوافق ما عندنا، فنقول: نعم، وشيء يخالف ما عندنا، فنقول: لا، وشيء لا يوافق ولا يخالف، نقول: الله أعلم به، لا نعتقد به اعتقادنا في العقائد، ولا نكذبه، ونقول: إذا كانت هذه الأشياء اكتشافات علمية إذا صدقوا فيها فهي صحيحة. افرض -الآن- أنه لا يوجد نص من آية أو حديث على أن هناك حياة على كوكب غير الأرض، وغداً أخرجوا هذه المركبات والتلسكوبات، وقالوا: إنا وجدنا حياة ووجدنا دواب تمشي بأربعة عشر رجلاً ورأسين وخمسة قرون، وثلاث أعين على كوكب ما! فكان ماذا؟ ليس عندنا ما يدعو للتكذيب، وجدتموه وصارت القضية موجودة، الحمد لله ليس هناك مانع، ولا محظور في قبوله، إذا صار حقيقة وصار موجوداً، لأنه لا يوجد في القرآن والسنة ما يرده. قال رحمه الله تعالى: (فمن لم يأخذ العلم من كلامهم فاته ذلك الخير كله، مع ما يقع في كثير من الباطل متابعة لمن تأخر عنهم، ويحتاج من أراد جمع كلامهم -أي: كلام السلف - إلى معرفة صحيحه من سقيمه، وذلك لمعرفة الجرح والتعديل والعلل، فمن لم يعرف ذلك فهو غير واثق بما ينقله من ذلك، ويلتبس عليه حقه بباطله، ولا يثق بما عنده من ذلك). عندما نقول: نأخذ كلام السلف ونبحث عن كلام السلف أيضاً يكون عندنا ميزان وهو قضية صحة العبارة، هل صح أن فلاناً من السلف قالها، صحيح قالها ابن مسعود، وصحت عن ابن عباس، وصحت عن فلان وفلان من السلف.

стр. 4066

العلم هو ما جاء به الصحابة قال الأوزاعي: " العلم ما جاء به أصحاب محمد ﷺ ، فما كان غير ذلك فليس بعلم". وكذا قال الإمام أحمد، وقال في التابعي: أنت مخير، يعني في كتابته وتركه، وقد كان الزهري يكتب ذلك، وخالفه صالح بن كيسان ثم ندم. وفي زماننا يتعين كتابة كلام أئمة السلف المقتدى بهم، إلى زمن الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد؛ وليكن الإنسان على حذر مما حدث بعدهم، فإنه حدث بعدهم حوادث كثيرة، وحدث من انتسب إلى متابعة السنة والحديث من الظاهرية ونحوهم وهو أشد مخالفة لها لشذوذ عن الأمة. بعض أتباع المذهب الظاهري يدعون الانتساب إلى طريقة السلف، ولكن بعض كلامهم بعيد عن كلام السلف.

стр. 4067

علوم الصوفية الباطلة وكذلك من العلوم التي أحدثت وليست بعلم إطلاقاً: علوم الصوفية المتعلقة بالرأي والذوق والكشف والإلهام ونحو ذلك. ويقولون: شيخنا يقرأ من اللوح المحفوظ، وأنتم تأخذون علمكم ميتاً عن ميت، فأسانيد البخاري ومسلم: فلان عن فلان وكذا، عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة كلهم ماتوا، ونحن نأخذ عن الحي الذي لا يموت، علم الصوفية هو: حدثني قلبي عن ربي، وهذه علومهم مدونه وفيها كتب، هذه قضية. مثلاً: الكشف، يقولون: كشف الله له الحُجب وأستار السماوات فنظر إلى طوبى، ومكتوب عند العرش كذا، وقرأ العبارة الفلانية، أي: شيخهم قرأ العبارة الفلانية. ثم الإلهام: ألهمني كذا، ثم الرؤى، وهي من مصادر العلم عند الصوفية، ولذلك قال ابن عربي الملحد الأفاك الذي له قبر يزار ويحج إليه في الشام يقول: " فرب حديث صحيح-أي: صحيح في البخاري - يرى الولي النبي ﷺ في المنام فيقول له: لم أقله، ورب حديث غير صحيح -أي: سند الحديث ضعيف أو موضوع- يرى فيه الولي النبي ﷺ فيقول: هو من كلامي وأنا قلته ". بهذه الطريقة ضاع الحديث تماماً؛ لأن القضية صارت على المنام، إذا قال: قلته في المنام، فقد قاله، وإذا قال: ما قلته، فمعناه ما قاله، حتى لو كان الحديث في البخاري، وبهذا ضاعت الأصول. ولذلك الأئمة الذين ينسب المتصوفون إليهم كلامهم بعضهم من أهل الحق ومن أهل السنة، ولو رأيت كلامهم لناقض ما عليه أهل التصوف هؤلاء الضلال. قال: (قال الجنيد: علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة، من لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يُقتدى به في علمنا هذا). قضية الكشف وقضية الذوق ونحوها دخل فيها الزنادقة، فحركة الزندقة استغلت التصوف ودخلت فيه، وكانوا من أشد الناس بلاء على أهل الإسلام وأذىً للمسلمين، ثم أدت القضية بهم إلى الوقوع في الحلول والاتحاد ووحدة الوجود، حتى إن شيخ الإسلام لما ناقشهم قال: النصارى خير منكم، النصارى يقولون: إن الله حلَّ في عيسى في واحد، وأنتم تقولون: الله حل في كل شيء، ولذلك يقولون: وما الكلب والخنزير إلا إلهنا وما الله إلا راهب في كنيسة يقولون: الله في كل مكان، في الجدار وفي كذا وفي كذا، وفرعون كان على حق عندما قال: (أنا ربكم الأعلى)، لكن موسى استعجل وأنكر عليه هكذا قالوا. ثم لما ناظر يهودي قبل أن يُسلم ابن تيمية قال: حكى لي عبد السيد فلان من اليهود قبل أن يُسلم، قال: إنه ناظر واحداً من هؤلاء الضلال الصوفية فقال له: ما تقول في كذا. قال: الله في كل شيء حتى قال: وكلام فرعون صحيح لما قال: (أنا ربكم الأعلى)، فقال له اليهودي: إذاً فرعون كلامه أصح من كلام موسى، وفرعون غرق ومات وموسى نجَّاه الله، فأنا مع موسى، فبهت الصوفي.

стр. 4068

ما يدل عليه العلم النافع قال ﵀: (وغير ذلك من أصول الكفر والفسوق والعصيان كدعوى الإباحة وحلّ محظورات الشرائع، وأدخلوا في هذا الطريق أشياء كثيرة ليست من الدين في شيء، فبعضها زعموا أنه يحصل به ترقيق القلوب كالغناء والرقص). يقولون: المولد الذي فيه أذكار وغناء ورقص، ويقوم بعضهم يرقصون في المجلس هذا يسبب ويُحدث رقة في القلب. قال: (وبعضها زعموا أنه يراد لرياضة النفوس، كعشق الصور المحرمة ونظرها) وقالوا: عشق المردان ينقي النفس وفيه شفافيه في الروح ويجعلك تتسامى إلى الملأ هكذا يقولون. قال: (وبعضها زعموا أنه لكسر النفوس والتواضع، كشهرة اللباس وغير ذلك مما لم تأتِ به الشريعة، وبعضه يصد عن ذكر الله وعن الصلاة، كالغناء والنظر المحرم). اتخذوا دينهم لعباً ولهواً، فالعلم النافع من هذه العلوم ما انضبط من الكتاب والسنة، وفُهِمَ على حسب الكتاب والسنة، من معاني القرآن والحديث، وكذلك مسائل الحلال والحرام والزهد والرقائق، فهذه كلها من العلم النافع، وينبغي الاجتهاد في تمييز الصحيح من السقيم، ثم الاجتهاد في الوقوف على معاني الشيء الصحيح. قاعدتان مهمتان جداً لطالب العلم: تمييز الصحيح من السقيم، ثم العكوف والوقوف لمعرفة معاني الصحيح. قال: (وفي ذلك كفاية لمن عقل، وشغل لمن بالعلم النافع عنى واشتغل، ومن وقف على هذا وأخلص القصد فيه لوجه الله ، واستعان عليه أعانه وهداه، ووفقه وسدده وفهمه وألهمه، وحينئذٍ يُثمر له هذا العلم ثمرته الخاصة وهي خشية الله كما قال : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]. إذاً: هناك شيء مهم جداً وهو الخشية، وهو رأس العلم، من خشي الله فهو عالم، ومن عصاه فهو جاهل، العلم النافع يدل ويقود إلى أمرين: أولاً: إلى معرفة محبة الله، وما يستحقه من الأسماء الحسنى والصفات العلا، وإجلاله وإعظامه وخشيته ومحبته ورجائه والتوكل عليه والرضا بقضائه والصبر على بلائه، العلم النافع يُوصل إلى هذا، وإذا لم يصل الإنسان إلى هذا معناه أن هناك مشكلة، إما أنه ليس عنده علم نافع وإما أنه ما عنده إخلاص. ثانياً: يقود إلى المعرفة بما يحبه الله ويرضاه من الاعتقادات والأعمال الظاهرة والباطنة والأقوال، فعند ذلك يسارع العبد في رضا المولى ، لأنك إذا عرفت أن هذا حلال، وهذا حرام، وهذا مستحب، وهذا واجب، وهذا مكروه، عرفت ماذا تعمل. فالعلم النافع يقود إلى هذا، فإذا انساق العبد إلى هذا كان العلم نافعاً ووقر في القلب وخشع قلبه لله، وانكسر له وذل له هيبة وإجلالاً وخشية ومحبة وتعظيماً، وعند ذلك تقنع النفس باليسير من الحلال وتشبع به، فتزهد في الدنيا وفي كل ما هو فانٍ. وعندما يصل العبد إلى هذه الدرجة يكون قد وصل إلى المرحلة المذكورة في الحديث الإلهي في العلاقة الخاصة بين العبد وربه: (لئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه) هذه هي العلاقة الخاصة: (احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة) هذه المعرفة الخاصة والعلاقة الخاصة بين العبد والرب. فيستأنس العبد بذكر ربه في خلوته، ويجد حلاوة لذكره ودعائه ومناجاته وعبادته، ويستوي عنده سره وعلانيته، ويجد حلاوة الطاعة، فمتى وجد العبد هذا عرف أنه قد وصل وحصَّل المقصود. ولذلك قال بعضهم للفضيل يذكره: أما بينك وبين ربك ما إذا دعوته أجابك؟ أي: هل علاقتك بالله وصلت إلى درجة أنك إذا دعوت الله أجابك؟ فغُشي عليه. قال: (فالعبد لا يزال يقع في شدائد وكرب في الدنيا وفي البرزخ وفي الموقف). ليست القضية فقط في الدنيا يقع في كرب، بل في البرزخ وفي الآخرة يقع في كرب، فإذا كان بينه وبين الله علاقة خاصة، كفاه الله ذلك، كربات الدنيا والبرزخ والآخرة، قال: (وهذا هو المشار إليه بوصية النبي ﷺ لـ ابن عباس: (تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة). بعض الناس يعرفك في الشدة، أي: إذا غرقت في بحر أو صرت في اضطرار وفقر، لا! ليس هذا فقط، يعرفك في الشدة حتى في شدائد القبر، وفي شدائد المحشر، يعرفك في الشدة. فالعلم النافع هو ما عرف به العبد ربه، واستدل عليه، وأنس به واستحيا منه، واقترب إليه وخشع له، وهذا علم بحد ذاته، ولذلك جاء في الأثر: (أول ما يرفع من الناس الخشوع). قال: (قال الحسن ﵀: " العلم علمان: فعلم في اللسان، فذاك حجة الله على ابن آدم -أنت تتكلم به فإذا ما طبقت كان حجة عليك- وعلم في القلب: فذاك العلم النافع "). وكان السلف يقولون: العلماء ثلاثة: ١ - عالم بالله عالم بأمر الله: يخشى الله، ويعرف الله، ويعرف أحكام الله. ٢ - عالم بالله وليس عالم بأمر الله. يخشى الله لكن لا يعلم الحلال والحرام والأحكام. ٣ - عالم بأمر الله وليس عالم بالله: أي: يعرف الأحكام والفقه، لكن خشية الله لا توجد تقوى غير موجودة, وهذا خطير جداً، لأن هذا الصنف هو الذي يضل الناس، الذي عنده علم وليس عنده تقوى، فيستعمل ما عنده من العلم في إضلال الخلق، ويلقي عليهم الشبهات والأشياء، يحرفهم بها: (إن أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلين). أما الذي لا عنده علم بالله ولا بأمر الله، فهذا كالحمار يحمل أسفاراً وليس عنده شيء، فالشأن كل الشأن في أن يعرف العبد ربه ويعلم أمره ونهيه، وكان الإمام أحمد ﵀ يقول: " أصل العلم خشية الله، أصل العلم العلم بالله " هذا العلم النافع يقود إلى خشية الله ، هذا هو العلم الحقيقي. أما لو لاحظ الشخص أن علمه يتعلمه ليماري به العلماء، ويجادلهم ويجاريهم في الكلام، ويعرف بعض ما عندهم، ويماري به السفهاء، ويصرف به وجوه الناس إليه، ويريد به شرفاً ومنصباً وذكراً وثناءً، فهذا من أول خلق الله الذين تسعر بهم النار يوم القيامة.

стр. 4069

علامات صاحب العلم النافع ثم إن ابن رجب ﵀ في نهاية رسالته شرع يذكر علامات تدل على صاحب العلم النافع. ما هي علاماته؟ ما هي أوصافه؟ قال: (من علامات ذلك: قبول الحق والانقياد له) فإذا كان لا يقبل الحق ولا ينقاد له ويتكبر ويُصّر على الباطل فهذا علمه ليس بالعلم النافع. وكذلك من العلامات: إذا كان بعيداً عن الرياء لا يريد ثناء الناس ولا الرفعة بينهم، فهذا مخلص وعلمه نافع، فإذا كان يقبل المدح ويستجلبه، فمعنى ذلك أن علمه لم ينفعه. فالصادق يخاف النفاق على نفسه، ويخشى من سوء الخاتمة، فلذلك كان من علامات أصحاب العلم النافع أنهم لا يرون لأنفسهم مقاماً، ويكرهون بقلوبهم التزكية والمدح، ولا يتكبرون على أحد، لا يحسدون من فوقهم، ولا يسخرون ممن دونهم، ولا يأخذون على علمهم أجراً، هذه من علاماتهم. ومن علاماتهم: أنهم كلما ازدادوا في هذا العلم ازدادوا لله تواضعاً. ومن علاماتهم: أنهم يهربون من الدنيا ومن الرئاسة والشهرة والمدح ويتباعدون عن ذلك. ومن علاماتهم: أنهم لا يدعون العلم ولا يفخرون به على أحد ولا يجهلون غيرهم، إلا الجاهل الحقيقي. وكذلك فإنهم يتواضعون لمن سبقهم من أهل العلم ولا يخطئون السلف ولا يعتدون عليهم، تجد الآن العقلانيين يعتدون على السلف ويجهلون السلف، ويقولون: علمنا أشياء لم يعلمها السلف، وأين كان السلف عن كلامنا ونحو ذلك؟ فاحترام السلف ومدحهم، وعدم الكلام فيهم من القرون الثلاثة المفضلة، هذا من علامات أهل العلم النافع. لما سُئل أبو حنيفة عن علقمة والأسود وهما من كبار السلف: أيها أفضل؟ قال: "والله ما نحن بأهل أن نذكرهم فكيف نفضل بينهم". أي: أنا أستحي أن أذكر اسمه على لساني من علو منزلته وأنني دونه، أستحي أن أذكر اسمه فقط، فكيف أفضل بينهم؟ لا تعرضن لذكرنا في ذكرهم ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد لا تقارن بيننا وبين السلف، ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد، فشبه السلف بالصحيح، وشبه نفسه بالمقعد. ومن علمه غير نافع يرى لنفسه فضلاً على السلف وأنه فاقهم، وأنه أتى بكلام خفي عليهم ونحو ذلك. ثم عاود التأكيد على أن القضية ليست تشقيق في الكلام والتفاصح في الألفاظ، قال: (فإن الحياء والعي -عدم القدرة على الكلام الفصيح- شعبتان من الإيمان، والبذاء والبيان شعبتان من النفاق) وإسناده صحيح عن النبي ﷺ والحديث مرفوع. وطبعاً هذا ليس على اطراده، فكم من السلف كان فصيحاً لكن لا يظن بالإنسان أنه إذا رأى من لا يستطيع أن يتكلم بفصاحة أنه جاهل، فقد يكون عالماً. وخذوا مثالاً! الآن مثلاً الشيخ عبد العزيز بن باز كلامه ومنطقه وحروفه لا تُحس فيها بالحروف البليغة الفصيحة، وربما غيره فاقة كثيراً في قضية الألفاظ والسجع وجمال الأسلوب، لكن لا يعني أن الذي عنده أسلوب جميل أنه عالم، وأن الذي ليس عنده أسلوب جميل أنه جاهل! أبداً، بل إن الحديث يقول: (الحياء والعي شعبتان من الإيمان، والبذاء والبيان شعبتان من النفاق). قال: (فمن عرف قدر السلف عرف أن سكوتهم عما سكتوا عنه من ضروب الكلام وكثرة الجدال والخصام، والزيادة في البيان على مقدار الحاجة لم يكن عياً ولا جهلاً ولا قصوراً، وإنما كان ورعاً وخشية لله تعالى واشتغالاً عما لا ينفع بما ينفع). فنسأل الله تعالى علماً نافعاً، ونعوذ به من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعاء لا يسمع. هذا كان ملخصاً لما عرضه ابن رجب ﵀ في رسالته العظيمة المحتوية على الأصول الجامعة النافعة لطالب العلم، بعنوان: (بيان فضل علم السلف على علم الخلف) والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد.

стр. 4070

قصة بناء البيت العتيق تكلم الشيخ حفظه الله في هذه المحاضرة عن كرامات ومعجزات وفضائل، أكرم الله بها إبراهيم ﵇ وأهله وذريته، حين أن أطاعوا ربهم واستجابوا لندائه، ومن هذه الكرامات والفضائل: نبوع ماء زمزم تفضيل مكة المكرمة ببناء البيت العتيق حج بيت الله الحرام تشريع الأضحية وغير ذلك. ثم استخرج الشيخ فوائد عدة من رحلة إبراهيم بهاجر وابنه إسماعيل إلى مكة.

стр. 4071

نص حديث قصة بناء البيت العتيق الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فالقصة التي سنتحدث عنها في هذه الليلة -أيها الإخوة- قصة قصها علينا النبي ﷺ من أخبار الأنبياء ممن كان قبلنا ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى﴾ [يوسف:١١١]. وهذه القصة هي قصة بناء الكعبة، وما وقع قبلها من الأحداث لإبراهيم الخليل ﵇ مع أهله. وقد ساق الإمام البخاري رحمه الله تعالى هذا الحديث مطولاً، وهذه إحدى روايات الحديث: عن ابن عباس ﵄ قال: (لما كان بين إبراهيم وبين أهله ما كان خرج بإسماعيل وأم إسماعيل ومعهم شَّنَّة - وهي القربة- فيها ماء، فجعلت أم إسماعيل تشرب من الشَّنَّة فيدر لبنها على صبيها، حتى قدم مكة فوضعها تحت دوحة، ثم رجع إبراهيم إلى أهله، فاتَّبَعته أم إسماعيل حتى لما بلغوا كَدَاء نادته مِن ورائه: يا إبراهيم! إلى مَن تتركنا؟ قال: إلى الله، قالت: رضيتُ بالله. قال: فرَجَعَت، فجعلت تشرب من الشَّنَّة ويدر لبنها على صبيها، حتى فَنِي الماء. قالت: لو ذهبتُ فنظرتُ لعلي أحس أحداً، فذهبت فصعدت الصفا، فنظَرَت ونظَرَت هل تحس أحداً، فلم تحس أحداً، فلما بلغت الوادي سعت وأتت المروة -كان بين العَلَمَين الأخضرَين في الصفا والمروة كان يوجد وادٍ سعت فيه هاجر سعياً حثيثاً ومشت المسافة الباقية- فلما بلغت الوادي سعت وأتت المروة، ففعلت ذلك أشواطاً, ثم قالت: لو ذهبتُ فنظرتُ ما فعل -أي: الصبي- فذهبت فنظرت فإذا هو على حاله كأنه ينشغ للموت -يشهق- فلم تُقِرها نفسها، فقالت: لو ذهبتُ فنظرتُ لعلي أحس أحداً، فذهَبَت فصعدت الصفا فنظَرَت ونظَرَت فلم تحس أحداً، حتى أتمت سبعاً، ثم قالت: لو ذهبتُ فنظرتُ ما فعل، فإذا هي بصوت، فقالت: أغث إن كان عندك خير، فإذا جبريل قال: فقال بعقبه هكذا، وغمز عقبه على الأرض، قال: فانبثق الماء، فدهشت أم إسماعيل! فجعلت تحفز -أي: تجمع وتضم هذا الماء- فقال أبو القاسم ﷺ : لو تَركَتَه كان الماء ظاهراً. قال: فجعلت تشرب من الماء ويدر لبنها على صبيها، فمر ناس من (جُرْهم) ببطن الوادي، فإذا هم بطير كأنهم أنكروا ذاك، وقالوا: ما يكون الطير إلا على ماء، فبعثوا رسولهم، فنظر فإذا هم بالماء، فأتاهم فأخبرهم، فأتوا إليها، فقالوا: يا أم إسماعيل! أتأذنين لنا أن نسكن معك؟ فبلغ ابنها -أي: إسماعيل شَبَّ- فنكح فيهم امرأة. قال: ثم إنه بدا لإبراهيم فقال لأهله: إني مُطلع تركتي، قال: فجاء فسلم، فقال: أين إسماعيل؟ فقالت امرأته: ذهب يصيدُ، قال: قولي له إذا جاء غيِّر عتبة بابك، فلما جاء أخبَرَتْه، قال: أنتِ ذاك، فاذهبي إلى أهلك، قال: ثم إنه بدا لإبراهيم، فقال لأهله: إني مُطلِع تركتي قال: فجاء فقال: أين إسماعيل؟ فقالت امرأته -أي: الثانية-: ذهب يصيد، فقالت: ألا تنزل فتطعم وتشرب، فقال: وما طعامكم؟ وما شرابكم؟ قالت: طعامنا اللحم وشرابنا الماء، قال: اللهم بارك لهم في طعامهم وشرابهم، فقال أبو القاسم ﷺ : بَرَكةٌ بدعوة إبراهيم -صلى الله عليهما وسلم- قال: ثم إنه بدا لإبراهيم فقال لأهله: إني مُطلِع تركتي، فجاء فوافق إسماعيلَ مِن وراء زمزم يُصْلِح نبلاً له، فقال: يا إسماعيل! إن ربك أمرني أن أبني له بيتاً، قال أَطِعْ ربك، قال: إنه قد أمرني أن تعينني عليه، قال: إذاً أفعل -أو كما قال- قال: فقاما، فجعل إبراهيم يبني وإسماعيل يناوله الحجارة، ويقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:١٢٧] حتى ارتفع البناء، وضعف الشيخ عن نقل الحجارة، فقام على حجر المقام فجعل يناوله الحجارة، ويقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:١٢٧]). هذه إحدى روايتَي البخاري اللتين ساقهما رحمه الله تعالى في صحيحه.

стр. 4072

شرح حديث ابن عباس الطويل في قصة بناء البيت العتيق أما الرواية الأخرى فإنها رواية أطول من هذه، وفيها تفاصيل، وسنأتي الآن إلى شرحها، وأخذ العبر والدروس مما يتيسر بمشيئة الله تعالى.

стр. 4073

سبب إيراد سعيد بن جبير لقصة بناء البيت العتيق هذه القصة رواها سعيد بن جبير، وهو تابعي أخذ التفسير عن ابن عباس، وأخذ الحديث عنه أيضاً، وقد قتله الحجاج ظلماً، ولما حضرت الحجاج الوفاة جعل سعيد يعرض له، يرى الحجاج نتيجة الظلم وهو على فراش الموت، فكان يقول: ما لي ولـ سعيد، ما لي ولـ سعيد!! سعيد بن جبير من سادات التابعين، ومن كبار العلماء، وكان في ليلة بأعلى المسجد، فقال لمن حوله من الطلاب: [سلوني قبل ألا تروني -ولعله كان ﵀ يتوقع مَنِيَّتَه، فسأله القوم وأكثروا السؤال لما أحسوا أنه يودعهم- فكان مما سُئِل عنه أن قال رجلٌ: أحقٌ ما سمعنا في المقام -مقام إبراهيم- أن إبراهيم حين جاء من الشام حلف لامرأته ألا ينزل بـ مكة حتى يرجع] أي: كان بين سارة -أو سارَّة لأنها كانت تَسُرُّ زوجَها إذا نظر إليها تَسُرُّ مَن نظر إليها- كان بينها وبين هاجر غيرة، فإبراهيم عندما أراد أن يذهب من عند سارة من الشام إلى مكة إلى الوادي الذي ترك فيه هاجر كأنه حلف لامرأته ألا ينزل بـ مكة حتى يرجع، حتى لا يطيل المقام عند الأخرى، فقرَّبت إليه أم إسماعيل المقام فوضع رجله عليه حتى لا يحنث في يمينه، بل ينزل على الحجر. الآن هذا سائل يقول لـ سعيد بن جبير: هل هذا الكلام صحيح؟ هل قصة المقام هكذا؟ - فقال سعيد بن جبير: ليس هكذا، حدثنا ابن عباس وساق الحديث. وفي رواية قال: [يا معشر الشباب! سلوني، فإني قد أوشكت أن أذهب من بين أظهركم، فأكثر الناس مسألته، فقال له رجل: أصلحك الله، أرأيت هذا المقام هو كما نتحدث؟ وأورد له سؤالاً مشابهاً، فقال: ليس كذلك] ثم ساق القصة.

стр. 4074

هجرة أم إسماعيل إلى مكة القصة الأخرى التي رواها البخاري ﵀ في السياق الآخر: عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: (أول ما اتخذ النساءُ المِنْطَقَة مِن قِبَل أم إسماعيل -المِنْطَق الذي يُشد على الوسط، لماذا اتخذت أم إسماعيل المنطق؟ - قال ﵊: اتخذت منطقاً لتعفي أثرها على سارة). كانت هاجر أمة لـ سارة، لأن الجبار عندما أراد أن يمس سارة بسوء، أراد أن يأخذها، دعت الله فأصيب بالشلل، ثلاث مرات يحاول أن يمس سارة بسوء، والله يصيبه بالشلل، وفي النهاية قال لمن أتاه بها: إنك لم تأتني بإنسان، إنما أتيتني بشيطان، فخلى سبيل سارة وأعطاها هاجر وهاجر كانت عند الجبار الملك الظالم. وعندما رجعت سارة إلى إبراهيم قالت له: أخزى الله الفاجر وأخدم هاجر، ثم إن سارة وهبت هاجر لزوجها إبراهيم، ثم حصل بين سارة وهاجر من الغيرة ما يقع بين النساء، وإن سارة لما اشتدت بها الغيرة خرج إبراهيم بإسماعيل وأمه هاجر إلى مكة لأجل ذلك، وقد أمره الله تعالى بالخروج إلى مكة، واجتمع مع ذلك سبب الغيرة. فحتى لا تعرف سارة اتجاه هاجر وأثرها أين ذهبت، اتخذت منطقاً يشد على الوسط. (ويزحف وراءها على الأرض ليخفي أثر مشيها، فجاء إبراهيم بـ هاجر من الشام إلى مكة، وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت -الكعبة لم تكن مبنية ولا موجودة، وإنما مكان البيت- عند دوحة -أي: الشجرة الكبيرة- فوق زمزم في أعلى المسجد -مكان المسجد الذي لم يكن قد بُنِي حينئذٍ- وليس بـ مكة يومئذٍ أحد، وليس بها ماء، فوضعهما هنالك ووضع عندهما جراباً فيه تمر وسقاءً فيه ماء -ماء وطعام لأهله الذين تركهم بأمر الله- ثم قَفَّى إبراهيم منطلقاً -أي: وضع هاجر وابنه إسماعيل في هذا المكان الوادي المقفر ورجع إلى الشام - فتبعته أم إسماعيل -لما ولى راجعاً إلى الشام تبعته أم إسماعيل- فأدركته بـ كَدَاء) كداء موضع معروف في مكة غير كُدَى، هناك في مكة مكانان: كداء وكُدَى، وكلاهما مكان معروف، أم إسماعيل لما ولى زوجها إبراهيم خرجت وراءه تطلبه.

стр. 4075

مراجعة أم إسماعيل لإبراهيم وتعرض ولدها للهلاك (فأدركته بـ كداء، فقالت: يا إبراهيم! أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مراراً وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: آللهُ الذي أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذاً لا يضيعنا وقالت في رواية: رضيتُ بالله -حسبي يكفيني الله ثم رجعت، فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية من طريق كداء -الموضع الذي دخل النبي ﷺ مكة منه، لما بلغ الثنية حيث لا يرونه -لا تراه هاجر - استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الكلمات، ورفع يديه فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم:٣٧] حتى بلغ: ﴿يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم:٣٧] ودعا لهم بأن يرزقهم الله من الطيبات والثمرات، وجعلت أم إسماعيل تُرْضِع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفذ ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى أو قال يتلبط -أي: يتقلب ظهراً لبطن وبطناً لظهر من العطش- فانطلقت كراهيةَ أن تنظر إليه -أي: من الشفقة التي جعلها الله في قلبها تركت ولدها وانطلقت, ما بيدها حيلة، المهم ألا ترى الولد يتلبط ولا تتحمل المنظر- فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه -صعدت على الصفا - ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحداً فلم ترَ أحداً وفي رواية عطاء بن السائب: والوادي يومئذٍ عميق. الآن لا يوجد هناك وادٍ، الوادي أُزِيل وصار فيه بلاط بدلاً منه؛ لكن بقي العَلَمان الأخضران في أول الوادي وآخر الوادي، فنعلم أن ما بين العَلَمَين الأخضرَين كان هناك وادٍ عميق، هاجر عندما نزلت من الصفا مشت إلى الوادي، وانحطت من الوادي وأسرعت. (فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود -الذي أصابه الجهد والأمر الشاق- حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة، فقامت عليها -صعدت جبل المروة - ونظرت هل ترى أحداً فلم ترَ أحداً -لأن الإنسان إذا أراد أن يستكشف هل يوجد في المكان أحد يصعد إلى مرتفع، وهذا ما فعلته رحمها الله صعدت ونظرت- فلم ترَ أحداً، ففعلت ذلك سبع مرات. قال ابن عباس: قال النبي ﷺ : فذلك سعي الناس بينهما). لماذا يسعى الناس بين الصفا والمروة سبع مرات؟ مثلما سعت هاجر بين الصفا والمروة سبع مرات. وكذلك عندما كانت في الوادي سعت سعياً شديداً، ونحن نسعى سعياً شديداً بين العَلَمَين الأخضرين مكان الوادي.

стр. 4076

بحث أم إسماعيل عن الماء وكرامة الله لها قال: (فلما أشرفت على المروة -في ختام الشوط السابع- سمعت صوتاً، فقالت: صَهْ وفي رواية: أنها كانت كل مرة تتفقد إسماعيل، وتنظر ماذا حدث له بعدها وترجع، ولكن لم تقرها نفسُها -أي: لم تتركها نفسها مستقره فتشاهده في حال الموت، وكانت في كل مرة تلقي نظرة على إسماعيل وترجع تأخذ شوطاً وتصعد، وفي نهاية الشوط السابع وهي فوق المروة -سَمِعَت صوتاً فقالت: صَهٍ صَهْ -أي: اسكت، فكأنها من حرصها تقول لنفسها: اسكتي وأنصتي، لعلك تهتدي إلى مصدر الصوت- تريد نفسها -وإلا فصَهْ كلمة تقال لإسكات الشخص المتكلِّم، فهي قالت لنفسها: صَهْ- تريد نفسها، ثم تسمَّعت فسمعت أيضاً -صوتاً- فقالت: قد أسمعتَ -مصدر الصوت- إن كان عندك غِواث أو غُواث -تريد به هذا المستغيث- فأَغِث -أي: إن كان عندك معونة أغث- فإذا هي بالملك وهو جبريل ﵇ -وعند الطبري بسند حسن- فناداها جبريل، فقال: من أنتِ؟ قالت: أنا هاجر، أو أم ولد إبراهيم -أم ولد، أمة إبراهيم أم ولده- قال: فإلى من وَكَلَكُما؟ قالت: إلى الله، قال: وَكَلَكُما إلى كافٍ -أي: يكفيكما- حسبكما مَن وَكَلَكُما إليه -وَكَلَكُما إلى عظيم يكفيكما- فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه أو قال: بجناحه -شكٌّ من الراوي، هل ضرب جبريل الأرض بمؤخر قدمه وهو العَقِب، أو ضرب الأرض بجناحه؟ - لما فعل ذلك جبريل ظهر الماء وفي رواية: نبعت زمزم -نبعت زمزم من هذه الضربة- حتى ظهر الماء، ففاض وانبثق، وأول ما رأت هاجر هذا المنظر -من حب التملك، والحرص على الماء ألَّا يذهب- جعلت تحوِّضُه -تجعله مثل الحوض، وتقول بيدها هكذا، تحبس الماء. فقال النبي ﷺ قال: يرحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم، أو قال: لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عيناً معيناً) أي: لو أن هاجر تركت زمزم كما هي مثلما ضَرَبها جبريل وانبثقت، لصارت زمزم نهراً جارياً يمتد ويجري على ظاهر الأرض، لكن حرصها الزائد جعلها تحوط الماء، فبقي في مكانه، وإلا لأصبح الآن نهراً يجري، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور -بعد ما تغرف- فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملَك: (لا تخافوا الضيعة -يطمئنها، لا تخافي أن ينفد الماء، لا تخافي الظمأ- فإنها عين يشرب منها ضيفان الله وفي رواية: قالت: بشرك الله بخير وفي رواية البخاري فقال لها الملك: لا تخافوا الضيعة، فإن هاهنا بيت الله يَبْنِي هذا الغلام وأبوه وفي رواية: يبنيه هذا الغلام وأبوه -وأشار إلى موضع البيت على مدرة حمراء -تربة حمراء- قال: أشَّر لها إلى موضع البيت، وقال: هذا بيت الله العتيق، واعلمي أن إبراهيم وإسماعيل يرفعانه -بشرها ببناء البيت العتيق- وكان موضع البيت لم يُبْنَ بعد- وكان البيت مرتفعاً من الأرض) يقال: إن آدم قد بناه في هذا الموضع، ولكن البيت قد ذهب بعد ذلك، وأن بعض الأنبياء بعد آدم كانوا يحجون إلى المكان ولا يعرفون موضعه، حتى جاء إبراهيم الخليل فبناه.

стр. 4077

نزول قبيلة جرهم عند أم إسماعيل بمكة قال: (فإن هاهنا بيت الله يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله، وكان البيت مرتفعاً من الأرض كالرابية -مكان البيت مرتفع كالرابية- تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم -وهي قبيلة مشهورة- فبقيت هاجر على هذا الحال تتغذى وولدها على هذا الماء المبارك) ماء زمزم الذي هو طعام طُعْم وشفاء سُقْم، يغني عن الماء. حتى أن أبا ذر ﵁ لما جاء مكة جلس عند زمزم يشرب من زمزم فقط شهراً حتى تكسرت عُكَنُ بطنه، أي: سَمِن حتى ذهبت عُكَنْ بطنه مِن السِّمَن ولذلك يقول النبي ﷺ عن زمزم: (ماء زمزم طعام طُعْم وشفاء سُقْم) يقوم مقام الطعام، وهو سبب للشفاء من الأمراض والأسقام فإذن الله. عندما أتى هؤلاء الرفقة من قبيلة جرهم (مقبلين من طريق كداء، فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائراً عائفاً -أي: رأوا طائراً يحوم فوق الموضع- فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء -العرب كانوا يعرفون أنهم إذا رأوا الطائر يدور في موضع معناه: أنه يوجد ماء في هذا الموضع- فاستغربوا -استغرب هؤلاء الجرهميون- قالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء، وعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء -متى صار هناك ماء في الوادي، عهدُنا ما فيه ماء- فأرسلوا جَرِيَّاً قبيلة (جرهم) من العرب كان مكانهم قريباً من مكة، ويقال: إن أصلهم من العمالقة، هؤلاء عرب يتكلمون العربية، ولما نزلوا جاءوا على عادتهم في التنقل في هذا الموضع ورأوا طائراً عائفاً. فأرسلوا جَرِيَّاً -وهو الرسول، أرسلوه ينظر لهم الخبر، وسمي الرسول جَرِيَّاً؛ لأنه يجري مسرعاً في حوائجه ليأتي بالخبر بسرعة- فإذا هم بالماء، فرجع، فأخبرهم بالماء -رجع الرسول وأخبر قبيلة جرهم أن المكان فيه ماء- فأقبلوا وأم إسماعيل عند الماء، فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك، فقالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء -الماء ملكي فقط وليس لكم حق فيه- قالوا: نعم -نرضى وننزل عندكِ، والعرب كانوا ينزلون في المكان الذي فيه ماء. قال ابن عباس: قال النبي ﷺ : فألفى ذلك أمَّ إسماعيل، وهي تحب الأنس) فالأُنس ضد الوحشة، والإِنس جنس هاجر من الإِنس، تحب جنسها، أو تحب الأُنس الذي هو ضد الوحشة، رأت هاجر من مصلحتها أن ينزل هؤلاء عندها، لماذا تبقى وحيدة في الصحراء؟! وافقت على أن ينزلوا عندها وشرطت عليهم أنه لا حق لهم في الماء. فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم -استدعوا هؤلاء الجرهميون أهاليهم- فنزلوا معهم، حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم -من جرهم- وشبَّ الغلام -أي: إسماعيل ﵇ وتعلَّم العربية منهم) إذاً: إسماعيل بن إبراهيم لم يكن أبوه عربياً ولا أمه هاجر عربية، فتعلم العربية من جُرْهم، لكن عندنا حديث حسن عن النبي ﷺ يقول فيه: (أول مَن فَتَقَ الله لسانه بالعربية المبينة إسماعيل) فكيف نجمع بين هذا وهذا؟! نقول: إن إسماعيل تعلَّم العربية مِن جُرهم، لكن الله رزق إسماعيل الفصاحة المتناهية في اللغة العربية، ولذلك يقول الحديث: (أول مَن فَتَقَ الله لسانه بالعربية المبينة إسماعيل) فجرهم عرب وعلموه العربية، لكن ليست العربية الفصيحة المبينة مَن الذي ألهم إسماعيل العربية الفصيحة المبينة؟ الله . إذاً: أصل اللغة تعلمها من جرهم، ثم إن الله أَلْهَم إسماعيل العربية الفصيحة المبينة فنطق بها، ولذلك صار إسماعيل أفصح العرب، ثم صارت اللغة الفصيحة بعد ذلك تُتَناقَل. لذلك الذين قالوا: إن اللغة العربية مصدرها الوحي لهم حظ من الدليل. ويمكن أن يقال: إن أصل اللغة كانت موجودة عند جرهم، لكن مستوى الفصاحة والبيان في اللغة كان بوحي أو بإلهام من الله، هو الذي ألهم إسماعيل وعلمه العربية الفصحى، فالعربية الفصحى إلهام من الله لإسماعيل، وبعد إسماعيل انتقلت هذه العربية الفصحى التي يرفض اليوم بنو قومنا استعمالها، ويصرون على الكلام بالأجنبية، والتاريخ بالأجنبية، والعمل باللغة الأجنبية، وهذه اللغة العربية مصدرها إلهام من الله لإسماعيل، فلماذا العدول عنها؟!

стр. 4078

إبراهيم ﵇ يتفقد تركته في مكة قال: (وشب الغلام، وتعلم العربية منهم وأنْفََسَهُم -مِن النَّفاسَة، أي: رغبوا فيه، وأعجبهم؛ لأنه صار ينطق بلسانٍ عربيٍ أحسن منهم، تفوق عليهم في اللغة- فلما أدرك -أي: بلغ- زوجوه امرأة منهم، وماتت أم إسماعيل -رحمة الله عليها، هاجر ماتت، بعدما تزوج إسماعيل- فجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل يُطالِع تَرِكَتَه) جاء يتفقد مَن تركهم بعد سنوات طويلة. يقال: إن إبراهيم ترك إسماعيل رضيعاً وعاد إليه وهو متزوج. وقيل: إنه جاء في بعض الروايات: أنه كان إذا أراد أن يأتي ليتفقد التركة، يأتي من الشام على البراق إلى مكة في الصباح، ويقيل في الشام، يأتي على البراق غُدْوَة من الشام إلى مكة، ويقيل القيلولة بعد الظهر في الشام مرة أخرى على البراق. قال ابن حجر: وروى الفاكهي من حديث علي بإسناد حسن نحوه، وأن إبراهيم كان يزور إسماعيل وأمه على البراق. وعلى هذا فقوله: (فجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل -أي: بعد مجيئه قبل ذلك مراراً، كان يتردد ويتفقد، لكن بعدما تزوج إسماعيل جاء يتفقد التركة- فلم يجد ولده إسماعيل في البيت، فسأل امرأته عنه: أين إسماعيل؟ فقالت: خرج يبتغي لنا -يطلب لنا الرزق- وكان عيش إسماعيل الصيد -يخرج فيتصيد، كان إسماعيل يرعى ماشيته ويخرج متَنَكِّباً قوسه فيرمي الصيد- ثم سألها عن عيشهم -إبراهيم سأل زوجة ابنه في غيابه عن عيشهم وهيئتهم- فقالت: نحن بِشَرٍّ، نحن في ضيق وشدة وفي رواية أنه قال لها: هل من منزل؟ قالت: لاهى اللهُ إذاً -لا يوجد منزل- قال: فكيف عيشكم؟ فذكرت جهداً، فقالت: أما الطعام فلا طعام، وأما الشاة فلا تحلب إلا المُصَرَّة -أي: مثل الشخب، تسيل سيلاناً فقط، شيء قليل- وأما الماء فعلى ما ترى من الغِلَظ) امرأة متأففة، غير راضية ولا قانعة، وتشكو زوجها إلى الأغراب، لا تعرف من هو هذا الرجل، بمجرد ما جاء وسأل عن عيشهم وقعت في عيشهم: نحن في ضيق وشدة، فشكت إليه. (قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي ﵇، وقولي له يغير عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئاً -أحس كأن أحداً جاء- فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم. جاءنا شيخٌ كذا وكذا -وصفته كالمستخفة بشأنه- فسألنا عنك فأخبرته، وسألنا كيف عيشنا، فأخبرته أنا في جهد وشدة، قال: فهل أوصاكِ بشيء؟ قالت: نعم. أَمَرَني أن أقرأ عليك السلام، ويقول: غير عتبة بابك، قال: ذاك أبي، وقد أمرني أن أفارقكِ، الحقي بأهلك، فطَلَّقَها). لماذا كنَّى إبراهيم بالعتبة عن المرأة؟ وما هو وجه العلاقة بين العتبة والمرأة؟ عتبة الباب ما هي وظيفتها؟ حفظ الباب، وصون ما هو داخل الباب، وهي محل الوطء، العتبة محل الوطء، فشبَّه إبراهيم المرأة بعتبة الباب، قال: هذه العتبة لا تصلح، فغيِّر العتبة.

стр. 4079

دعاء إبراهيم ﵇ لأهل مكة بالبركة قال: (قال: وتزوج منهم أخرى -تزوج إسماعيل من جرهم امرأة أخرى- فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله -انقطع بعد ذلك إبراهيم ما شاء الله- ثم أتاهم بعدُ، فلم يجده -لم يجد إسماعيل- فدخل على امرأة ابنه، فسألها عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا، قال: كيف أنتم؟ -وسألها عن عيشهم وهيئتهم- فقالت: نحن بِخَيْرٍ وسَعَة -نحن في خير عيش والحمد لله، وعندنا لبن كثير، ولحم كثير، وماء طيب- وأثنت على الله، فقال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم، قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء، قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء، قال النبي ﷺ : ولم يكن لهم يومئذٍ حَب -لا يوجد إلا اللحم والماء، لا يوجد حَب، لا يوجد قمح، لا يوجد أرز، لا يوجد شيء إلا اللحم والماء- ولو كان لهم دعا لهم فيه) لا يوجد في مكة إلا اللحم والماء، لو كان فيها شيء آخر لقال إبراهيم: اللهم بارك لهم في مدهم في صاعهم في كيلهم في حَبهم في برهم، لا يوجد إلا اللحم والماء. قال ﵊: (فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة، إلا لم يوافقاه) يقول ﵊: لو اقتصر أحد على اللحم والماء بغير مكة لاشتكى بطنه، أي: يمرض، إلا مكة لا يمرض، لماذا؟ قال أبو القاسم ﷺ : (بركة بدعوة إبراهيم) لأن إبراهيم دعا وقال: (اللهم بارك لهم في اللحم والماء) صار الآن اللحم والماء في مكة لا يضر، وفي غيرها يضر الاقتصار على اللحم والماء وهذه من خصائص مكة. قال: (فإذا جاء زوجك فاقرئي ﵇، ومُرِيْه يثبت عتبة بابه) وجاء في رواية: قالت: (انزل رحمك الله، فاطعم واشرب، قال: إني لا أستطيع النزول، قالت: فإني أراك أشعث، أفلا أغسل رأسك وأدهنه، قال: بلى، إن شئتِ، فغسلت شِق رأسه وهو على دابته الأيمن والأيسر ثم انصرف، فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم. أتانا شيخ حسن الهيئة -تلك ماذا قالت؟ شيخ كذا وكذا- وهذه قالت: أتانا شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه، فسألني عنك فأخبرته، فسألني كيف عيشنا، فأخبرته، أنا بِخَيْرٍ، قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم. هو يقرأ عليك السلام، ويأمرك أن تُثْبِتَ عتبة بابك، قال: ذاك أبي، وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك).

стр. 4080

قيام إبراهيم وإسماعيل ﵉ ببناء الكعبة جاء في بعض الروايات: (أن إسماعيل لما رجع وجد ريح أبيه، فقال: هل جاءكِ أحد -فهذا الذي أشعره بأن أحداً قد جاء، ولذلك سأل- قال: ثم لبث عنهم ما شاء الله -انقطع عنهم ما شاء الله- ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلاً -أي: يقلم النبل قبل تركيب النصال والريش عليها يبريها- يبري نبلاً له تحت دوحة قريبة من زمزم -دوحة: أي شجرة قريبة من زمزم- فلما رآه -إبراهيم الآن رأى إسماعيل، تقابلا الآن المرة الثالثة- فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد -من الشوق والحماءة واللقاء الحار، اعتناق، ومصافحة، وتقبيل اليد ونحو ذلك. وفي رواية معمر قال: سمعتُ رجلاً يقول: بَكَيا حتى أجابهما الطير -كان اللقاء حاراً جداً بعد هذه السنوات الطويلة من الفراق- قال ﵊: فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد -بعد طول الغيبة كيف يكون اللقاء حاراً وعناقاً ومصافحةً وتقبيلاً! - ثم قال: يا إسماعيل! إن الله أمرني بأمرٍ، قال: فاصنع ما أمرك ربك، قال: وتعينني؟ قال: وأعينك، قال: فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتاً، وأشار إلى أكمة مرتفعة -هضبة مرتفعة- على ما حولها، قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء، جاء بهذا الحجر فوضعه له، فقام عليه وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:١٢٧] قال: فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت -يبني ويدور يبني ويدور- وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:١٢٧]) فقيل: إن إبراهيم بلغ أساس آدم وجعل طوله في السماء تسعة أذرع، وعرضه ثلاثين ذراعاً -ارتفاع البيت وعرض البيت- وجعل الحجر داخل البيت، الآن الحجر خارج البيت كما قلنا في تفصيل القصة في المرة الماضية: إن الحجر الآن هو جزء من الكعبة، لكنه خارج البيت، وأما إبراهيم الخليل فعندما بناها كان الحجر هذا كله داخل البيت (وكان إبراهيم يقوم على المقام -الذي جاء له به ولده- ولما جاء موضع الركن وضع فيه هذا الحجر الأسود الذي نزل من الجنة -قيل: أتاه به جبريل- وبعد ذلك قام إبراهيم على الحجر، فقال: يا أيها الناس! كُتِب عليكم الحج، فأسمع من في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فأجابه مَن آمن ومَن كان سبق في علم الله أنه يحج إلى يوم القيامة: لبيك اللهم لبيك). قال ابن حجر: روى الفاكهي بإسناد صحيح من طريق مجاهد عن ابن عباس، أن إبراهيم عندما انتهى من بناء البيت نادى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج:٢٧] نادى من مكانه بدون مكبرات، أو أي شيء آخر: يا أيها الناس! كُتِب عليكم الحج. فالله تكفل بإبلاغ صوته إلى الناس كلهم في الأرض في ذلك الوقت، سمع صوتَه كل أهل الأرض، وليس فقط ذلك، وإنما أسمع الله من في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فأجابه كل مَن كتب الله له أن يحج إلى يوم القيامة، قائلين حتى الذين في أصلاب الرجال، حتى الذين ما خُلِقوا بعد، أجابوا: (لبيك اللهم لبيك) بقدرة الله . هذه قصة بناء البيت العتيق.

стр. 4081

فوائد مستفادة من قصة بناء البيت العتيق هذه القصة فيها فوائد كثيرة جداً، وسوف نذكر بعض هذه الفوائد، فمن ذلك:

стр. 4082

الحرص على سؤال أهل العلم أولاً: الحرص على سؤال العلماء، وأن العلم يُفْقَد بموت العلماء، وأن سعيد بن جبير عندما قال: [سلوني فإنه يوشك أن تفقدوني] أنه يجوز للعالم أن يقول للناس: سلوني، ويجيب بما علمه الله، والذي لا يدري عنه يقول: الله أعلم.

стр. 4083

الغيرة بين النساء في هذا الحديث أيضاً: أن الغيرة بين النساء تقع حتى بين الصالحات، سارة مع أنها حُرَّة وهاجر أَمَة؛ لكن صار عند سارة غَيرة من هاجر، فـ هاجر أنجبت وسارة تأخر إنجابها، حتى أنجبت إسحاق، تأخَّر إنجابها حتى حصلت الغَيرة.

стр. 4084

المباعدة بين الزوجتين حل من حلول الغيرة مِن حكمة الزوج أن المباعدة بين الزوجتين حلٌّ مِن حلول الغيرة، المباعدة بين الزوجتين حلٌّ من الحلول لمواجهة الغيرة، والغيرة من شأن النساء، وأن غيرة المرأة لا تقدح في صلاحها إذا لم تتعدَّ حدود الله، وأن المرأة يغتفر لها من الغيرة ما لا يغتفر لغيرها: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] لأن المرأة أحياناً تكون خارجة عن إرادتها. لما جيء للنبي ﵊ وهو عند عائشة بإناء فيه طعام من إحدى زوجاته، بمجرد ما رأت عائشة الإناء قالت: في بيتي؟ -ترسله في بيتي- فأخذت الإناء ورمته في الأرض، وانكسر، والنبي ﵊ بكل حكمه، لَمْلَمَ الطعام وجمعه، وأخذ فلقتَي الإناء، وقال: (كلوا، غارت أمُّكم) أي: عائشة أم المؤمنين ﵂، وأخذ من بيت عائشة إناءً، وأرسل به إلى تلك بدل الإناء المكسور، واحدٌ بواحد، وقال: (كلوا، غارت أمُّكم) ولا عنَّف ولا شتم ولا سب ولا هجر. وكذلك عائشة ﵂ لها مشاهد كثيرة، تغار فيها غيرة شديدة، وغارت من خديجة مع أن خديجة ميتة، ماتت قبل عائشة بزمن، ومع ذلك تقول: [ما غرت من امرأة ما غرت من خديجة]، وكانت تقول: (ما تريد من عجوز حَمْراء الشِّدْقَين، قد أبدلك الله خيراً منها -كل شيء خديجة وخديجة وخديجة - قال: إنها كانت وكانت، وكان لي منها ولد). فالغيرة تقع حتى بين كبار الصالحات، وهكذا وقع بين سارة وهاجر غَيرة، لكن الأمر المهم هو التصرف الحكيم للزوج، هو الذي يضع الأمور في نصابها، رأى إبراهيم بحكمته أن يباعد بينهما، فوضع سارة في الشام وهاجر في مكة.

стр. 4085

مسئولية الحفاظ على الأهل والأولاد كذلك في هذا الحديث: أن الإنسان لا يضيع أهله، مع أن إبراهيم مأمور بأن يضع هاجر في مكة: (آلله أمرك بذلك؟ قال: نعم) أمر من الله، لكن مع ذلك وضع عندها جراباً من تمر، وسقاءً فيه ماء، ولما ولى وابتعد عنهم دعا لهم الله . فمسئولية شعور الزوج والأب بمسئوليته نحو زوجته وولده، هذا الذي يجعل الأمور تسير سيراً حسناً. أما إذا كان الإنسان مهملاً -كما هي عادة بعض الأزواج- لا يحسب حساب زوجته ولا أولاده، وربما أنهم يأخذون الطعام من الجيران، أو لا يجدون شيئاً في البيت ولا الطعام ولا حتى الخبز، يسافر ولا يترك لهم لا مالاً ولا أكلاً. تقول إحدى النساء: يأتي إلى البيت بنماذج وعَيِّنات من الأكل تنتهي بعد يومين أو ثلاثة أيام، ويقول: هذا حق شهر، وربما أنه لا يجد طعاماً في البيت فيأكل في المطعم ويترك زوجته جائعة، هناك أناسٌ عندهم طباع عجيبة، البخل والإهمال في البيت في أسوأ ما يكون. إبراهيم الخليل ترك جراباً من تمر وسقاءً من ماء، ودعا الله لهما.

стр. 4086

قوة الثقة بالله كذلك في هذا الحديث: الثقة بالله تعالى، والثقة بالنفس لا تجوز، وإنما الثقة بالله، ويظهر إيمان هاجر عندما قالت له: (آلله الذي أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذاً لا يضيعنا. وفي رواية قالت: رضيت بالله) ولا يتم هذا الكلام إلا إذا كان هناك إيمان قوي بالله ، وإلا فإن الإنسان ربما ينهار ويموت ويُجن ويصاب بما يصاب به، لكن الذي يثق بالله تعالى وبأمر الله ما دام الأمر من الله إذاً الله لن يضيعهم، لأنه لا يمكن أن يقول لإبراهيم: ضعهم في مكان حتى يموتوا من الجوع! لا، ليس هذا من حكمة الله، ولذلك أمر إبراهيم أن يضع هاجر وإسماعيل في مكان ويتركهما، وهذا من عظيم الابتلاء.

стр. 4087

ابتلاء الأنبياء إبراهيم ما صار أبو الأنبياء، ولا خليل الله، ولا أفضل نبي بعد نبينا ﵊ إلا بصبره، ابتلاه الله بابتلاءات عظيمة وصبر، فكون الواحد يترك زوجته وولده في وادٍ غير ذي زرع، لا يوجد فيه أحد، ويمشي وقلبه متعلق بالولد، ويؤمر بتركه ويمشي، هذا ابتلاء عظيم، ولا يصبر عليه إلا من رزقه الله الصبر، وهذا درس آخر. وابتلاه الله بذبح هذا الولد، ابتلاه الله بتركه في صحراء ما فيها أحد وهو رضيع، ولما كبر وبلغ معه السعي وشَبَّ ابتلاه الله بذبح ولده. وفعلاً: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ [الصافات:١٠٣] استسلما لله: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات:١٠٣] وقلبه على وجهه ليذبحه من القفا حتى لا يرى آلام إسماعيل على الوجه وهو يذبح، فربما يتردد، ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات:١٠٣] وقلبه وبدأ في الذبح، فإذا بالله تعالى يبطل مفعول السكين: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ [الصافات:١٠٤ - ١٠٥] وبعد ذلك فداه الله بذبح عظيم، وشُرِعت لنا الأضحية. بسبب إبراهيم شرعت لنا عبادات: - الحج: من إبراهيم. - بناء البيت: من إبراهيم. - السعي بين الصفا والمروة: من هاجر أَمَة إبراهيم. - زمزم: من إبراهيم، بسبب ما تركه هناك، رزق الله ولده وأمه زمزم، وبركة زمزم. - الأضحية: صيغة الخليل إبراهيم ﵇.

стр. 4088

السعي في بذل الأسباب وكذلك في هذا الحديث من الفوائد: السعي في الأسباب؛ لأن هاجر عندما انتهى ما عندها من الزاد قالت: لو ذهبتُ فنظرتُ لعلي أحس من أحدٍ، وذهبَت صعدت الصفا ثم صعدت المروة سبع مرات بينهما تجري وتستنصت، وهي امرأة لا تملك شيئاً، لكنها فعلت كل ما في وسعها، ولم تقل: أبقى في مكاني حتى ينزل الله عليَّ من السماء رزقاً، ولذلك لا بد من الأخذ بالأسباب. والله تعالى قادر على أن ينزل على مريم الرُّطَب من النخل بدون أن تهز النخل، لكنه قال: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً﴾ [مريم:٢٥ - ٢٦] إذاً: أمرها بهز النخلة، مع أنه -بالعقل- النخلة من أقوى الأشجار، لا يمكن للرجال أن يهزوها، كيف تهزها امرأة؟! كيف إذا كانت المرأة في وضعٍ بعد وضع الولد؟! أضعف ما تكون: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً﴾ [مريم:٢٤] السَّرِي: النهر: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم:٢٥] كيف تهز بجذع النخلة؟! لتعليم العباد الأخذ بالأسباب، والله قادر على أن ينزل عليها الرطب من غير هز. وهذه هاجر رحمها الله تتطلب الأسباب، وتذهب وتصعد وتنظر وتستنصت لعل الله أن يقيِّض لها شيئاً.

стр. 4089

الفرج بعد الشدة في هذا الحديث أيضاً: أن الفرج يأتي بعد الشدة، وأنه إذا بلغ الأمر منتهاه في الشدة جاء الفرج، قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ [الشرح:٥ - ٦]. والإنسان إذا وصل إلى حالة يأس جاء الفرج من الله، وجاء الملَك، وليس بعد المرة الأولى أو الثانية، بل بعد المرة السابعة، وتعب، وسعي الإنسان المجهود بين الصفا والمروة، تصعد جبلاً وتنزل جبلاً سبع مرات، وتصعد جبلاً وتنزل جبلاً، وتجري في الوادي جرياً، وجاء بعد ذلك الفرج، وهذه من عادة الله تعالى أن يأتي بالفرج بعد أن ﴿يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤].

стр. 4090

حرص الإنسان قد يمنعه من زيادة الخير وكذلك في هذا الحديث: أن حرص الإنسان ربما قد يمنعه من مزيد من الخير، (ولو أن أم إسماعيل تَركَتَها لكانت عيناً معيناً لا ينضب يمشي) نهراً جارياً يمشي.

стр. 4091

من حكمة الرجل كتم القلق عن أهله كذلك فإن في هذا الحديث: أن راعي الأسرة من حكمته أن يكتم القلق عن أهله، فقد تكون عنده أسباب وبواعث للقلق كبيرة، لكن لا تكون الحكمة أن يخبرهم بها فيزدادوا قلقاً. فهذا إبراهيم متى دعا؟ لما ترك أهله، وانطلق حتى إذا كان عند الثنية بحيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ودعا، ولو أنها رأته يدعو وهو يظهر الحاجة ربما ازدادت قلقاً؛ لكن أخفى عنهم ذلك، وهذا أيضاً من إخلاصه، ولكن عندما يتماسك أمامها ويظهر لها التجلد، ثم إن إبراهيم عندما مشى لم يرجع إلى الوراء، وإنما انطلق وذهب، حتى إنها ذهبت وراءه، ولم تدركه إلا عند كداء.

стр. 4092

تقييض الله لصاحب النية الحسنة من يعينه ويؤنسه وكذلك في هذا الحديث: أن الله يقيض لصاحب النية الحسنة من يعينه ويؤنسه، ولهذا قيض جرهم قبيلة كاملة لأجل هاجر يؤنسوها وينزلوا عندها، والماء ملكها، تعطيهم وتأخذ منهم مقابله أشياء.

стр. 4093

حنان الأم وعطفها البالغ كذلك في الحديث حنان الأم وعطفها البالغ، عندما رأت الولد ينشغ للموت لم تستطع أن تتحمل هذا المنظر، وذهبت تبحث عن حل، ورجعت تطمئن، وما تحملته وذهبت تبحث عن ماء ولكنها ذهبت بمفردها وكانت تعود لتطمئن عليه وهكذا. وبعض النساء اليوم تترك الولد عند الخدامة ولا تدري عنه شيئاً، أهو صاحٍ؟ أهو نائم؟ أهو جائع؟ أهو شبعان؟ أبه مرض؟ أصحيح هو أو غير صحيح؟ أحي أم ميت؟ لا تدري عنه شيئاً، فأين هذا من هذا؟! ولذلك قال النبي ﷺ : (خير نساء ركبن الإبل صالحوا نساء قريش، أحناه على ولدٍ في صغره) من ميزات صالحات نساء قريش: أنهن أحناه على ولدٍ في صغره. والآن مع وجود الخادمات ووجود السخط في الأسواق والمناسبات والزيارات، بعض النساء -فعلاً- فرطن في الأولاد، فلذلك لا تعرف عن خبر ولدها إلا كما يعلم البعيد عن البيت، وعهدن بالأولاد إلى الخادمات، ولذلك صار من القصور في التربية، وحتى الشفقة والحنان التي هي مدعاة وسبب للاستقرار النفسي عند الولد قليل جداً. تقول الدراسات الطبية الآن وتثبت: أن لبن المرأة وضم المرأة لولدها إلى صدرها ومناجاتها له وهو صغير رضيع من الأسباب التي تشبع غريزة العطف والحنان، إظهار العطف والحنان من أسباب الثبات والاستقرار النفسي للولد، وترك الولد وتضييعه مما يسبب نشأته من الصغر على حال من فقدان الحنان وفقدان الاستقرار النفسي، فتنشأ الاضطرابات النفسية عند الأطفال منذ سن مبكرة، والسبب هو ترك الولد عند الخادمة والذهاب للأسواق والمناسبات تعطي الولد حليب صناعي؛ لأنها تريد أن تحافظ على شكلها ومنظرها. والله يقول: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ [البقرة:٢٣٣] أي: لا يجوز للمرأة أن تفطم الولد دون مشاورة الأب مشاورة أهل الخبرة: ﴿عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا﴾ [البقرة:٢٣٣] من الأبوين، ﴿وَتَشَاوُرٍ﴾ [البقرة:٢٣٣] مشاورة أهل الخبرة، ليس على مزاج الأم أن تفطم الولد في أي وقت تريد! لا، ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً﴾ [البقرة:٢٣٣] فطام الولد: ﴿عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا﴾ [البقرة:٢٣٣] اثنين: ﴿وَتَشَاوُرٍ﴾ [البقرة:٢٣٣] بعد ذلك تفطم الولد، وحليب الأم مهم للولد. ولذلك هاجر رحمها الله عندما جلست عند ولدها كانت تأكل وتشرب وترضع ولدها، قال في الحديث: (فجعلت تشرب من الشَّنَّة ويدر لبنها على صبيها).

стр. 4094

الأخذ بالقرائن والإشارات وتفقد الأولاد وفي هذا الحديث: الأخذ بالقرائن والإشارات، وأن جرهم عرفوا أن هناك ماءً نتيجة رؤية الطير الذي يحوم، وهذا فيه العمل بالقرائن والأدلة. وكذلك في هذا الحديث: تفقد الأولاد، وأن إبراهيم كان يأتي من الشام يسافر عدة مرات يتفقد تَرِكَتَه، وعدم تضييع الأولاد، ويؤخذ هذا بالنسبة للإخوان من العمال الذين يعملون في هذا البلد وتركوا أهاليهم وأولادهم في بلدهم، أن عليهم ألا تأتي فرصة يستطيعون فيها الذهاب إلى زوجاتهم وأولادهم في بلادهم إلا وينتهزوها لتفقد الأولاد والنساء. لأن المرأة إذا تُرِكت فإن تركها لوحدها سنة أو أكثر بعيدة عن زوجها يسبب أموراً منها: أولاً: أنها تشعر بالخوف، المرأة تشعر بالأمان مع الزوج، وبدون زوج كيف يكون وضعها؟ ثانياً: ربما احتاجت إلى الناس ومدت يدها إليهم، ليس عندها أحد يأتي لها بالأغراض وما تحتاجه. ثالثاً: ربما يكون فيه مدعاة للفساد، خصوصاً في هذا الزمن، وكم حدثت من كوارث. ثم: الولد والأولاد إذا كبروا والأب غير موجود، الأب يعمل في السعودية صحيحٌ، لكن الأولاد كيف ينشئون؟! ولذلك بعض الناس عندما يرجع قد يجد ولده صار مدخناً، وبعضهم أصبح يستعمل المخدرات، وبعضهم يعمل المنكرات؛ لأنه لا يوجد أب بجانب الأولاد، صحيحٌ أن المادة مهمة؛ لكن أيضاً بقاء الأب بجانب الأم والأولاد أهم. فعلى الإنسان ألا تأتيه فرصة إلا وينتهزها للذهاب إلى أهله. ولا يجوز للإنسان شرعاً أن يترك زوجته أكثر من أربعة أشهر أو ستة أشهر إلا برضاها، إذا قالت: أنا لا أرضى أن تتركني أكثر من أربعة أو ستة أشهر، فعند ذلك لها أن تطلب الطلاق أو يرجع إلى زوجته. نعم. هناك صعوبات تكون في بعض الأحيان ليس للإنسان فيها يد، يريد أن يجتمع بزوجته ويأتي بزوجته، لكن يحول بينه وبين ذلك عوائق، لا يكون له يد فيها، فيشكو أمره إلى الله، ويأخذ بأقل المفاسد، إن كان أقل المفاسد أن يعمل بعيداً عنهم يعمل، وإن كان أقل المفاسد أن يذهب إليهم يذهب. وربما كان العيش على شيء من الضيق وهو مع أهله وأولاده خير من توفير ثمن أرض أو بناء وهو تارك لأهله، يعني: الراعي بعيد عن الرعية.

стр. 4095

سعي الزوج لإعطاء العائلة والأولاد كذلك: إسماعيل ﵇ كان يخرج ليصيد، وهذا يؤخذ منه سعي الزوج لإعطاء العائلة والأولاد والأهل حقهم والقيام عليهم، وبعض الناس كسالى، يقول بعضهم لزوجته: اذهبي واشتغلي أنتِ ليأخذ راتب الزوجة وهو نائم، يوجد أناس كسالى فعلاً، الواحد تقول له: ما هو دخلك؟ يقول لك: راتب زوجتي، ما شاء الله! وأنت أين دخلُك؟! فهناك أناس من كسلهم أنهم يعيشون على مرتبات زوجاتهم، ولو أنه لم يجد وظيفة، أو أنه حاول، لقلنا: هذا معذور، لكن أن يتكاسل ويجلس فلا. هذا إسماعيل ﵇ يبري النبل ويذهب ليصيد يخرج يبتعد مسافة ويأتي فيها أبوه ويرجع ولم يره.

стр. 4096

انتقاء الزوجة الصالحة كذلك في هذا الحديث: الحث على انتقاء الزوجة الصالحة القنوعة التي تعرف النعمة وتشكر الزوج، ولذلك المرأة الأولى قالت: نحن بِشَرٍّ نحن بضيق نحن في كذا، وتشتكي، فهذه امرأة سيئة الخُلُق، ولم تكرم الغريب، ولم تقدم له خدمة، ولما جاء غريب إليها شَكَتْ زوجها إليه، ما هذه المرأة التي تشكو زوجها إلى الغريب؟! لو شكت زوجها إلى أبيه وهي تعرفه أنه أبوه، لقلنا: إنها تريد حلاً في نطاق الأسرة والعائلة، لكنها تشكو زوجها إلى الغريب، هذه امرأة خير فيها من جهة حق الزوج، ولذلك أمره أن يطلقها.

стр. 4097

حكم أمر الأب ابنه بطلاق زوجته هنا نأتي إلى مسألة وهي: ما هو الحكم الشرعي فيما لو أمر الأب أو الأم الابن بطلاق زوجته هل يجب عليه الطلاق أم لا؟ لو أمر الأب أو الأم الولد بطلاق زوجته، هل يجب عليه تنفيذ الأمر أم يكون من عقوق الوالدين إذا رفض؟ الجواب فيه تفصيل: - إن كانت الزوجة سيئة الدين، سيئة الخُلُق؛ وجب عليه أن يطيع أبويه، مثل إسماعيل، لما رأى إبراهيم سوء خُلُق زوجته، قال: غير عتبة بابك. فإذا كانت الزوجة سيئة الخُلُق تتبرم لا يعجبها شيء، وتشتكي زوجها إلى الأغراب، ولا كرم عندها، ولا عندها شيء، فهذه تُغَيَّر، مثلاً: زوجة لا تصلي زوجة ترى المنكرات زوجة تقول: انظر! إما أنا وإما التلفاز، أي: أعطني تلفازاً أجلس معك، وإذا لم تعطني تلفازاً فسأرمي لك الأولاد وأمشي، فهذه عندها استعداد أنها تضحي به وبأولاده من أجل التلفاز، أين السكينة؟ ﴿خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم:٢١] أين السكن والسكينة والإيمان؟ مفقود، فربما يكون له من الخير أن يطلقها، كيف يحتفظ بامرأة مثل هذه! هذه ستكون وبالاً عليه وجحيماً في الدنيا. وإذا كانت سيئة في الدين ربما تكون عليه -أيضاً- جحيماً في الآخرة، لِمَا تَجُرُّ عليه من المعاصي والمصائب. - أما إذا كانت المرأة حسنة الدين حسنة الخُلُق، جاء الأب قال لولده: طلقها، لماذا؟ قال: لأنها لا تعطيني حذائي، أنا أدخل البيت ولا تأتي لي بحذائي وتمشي ورائي!! والآن أنا أطلق الزوجة، وأخرب البيت، وأشرد الأولاد لأنها لا تأتي لك بالحذاء وتمشي وراءك؟! فبعض الآباء عندهم عقد نفسية وعناد وعصبية وعنجهية، وكأنه لا يبالي أن الولد يخرب بيته وتتفكك أسرته؛ لأن مزاج الأب أنه لا بد على الزوجة أن تمسح نعليه وتحملها، ولذلك لا يطاع الأب في مثل هذه الحالة. وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لما سئل سؤالاً مشابهاً عن امرأة تأمر ولدها بطلاق زوجته مع أن الزوجة صاحبة دين؟ قال: هذه الأم من جنس هاروت وماروت، لماذا هاروت وماروت؟ ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾ [البقرة:١٠٢] وقبلُ ماذا قال؟ ﴿مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة:١٠٢] هذا السحر. ولذلك هذه المرأة التي تقول: أنا غضبانة عليك إذا لم تطلق زوجتك لماذا؟ لسبب تافه. أو تقول: فقط مزاج، لا تناقشني، طلق! هذه من جنس هاروت وماروت. ولذلك لما جاء رجل إلى عمر بن الخطاب قال: [إن أبي يأمرني بطلاق امرأتي، فسأله عن امرأته وحال امرأته، ثم قال: لا تطلق، قال: إن إبراهيم لما قال لولده طلِّقْها طلَّقَها، قال: حتى يكون أبوك مثل إبراهيم] عندما يصير أبوك بمستوى إبراهيم في الحكمة، وبُعد النظر، ووزن الأشياء بميزان الشرع بعد ذلك عليك أن تطبق الكلام. هذا هو الحكم بالنسبة إذا قال لولده: طلق زوجتك، يَعتمد على دين المرأة وخُلُق المرأة.

стр. 4098

المرء مدني بطبعه وكذلك في هذا الحديث من الفوائد أيضاً: أن الإنسان مدني بطبعه، وأن الإنسان الوحيد المنعزل إنسان غير عادي (غير طبيعي) ولذلك (ألْفَى أمَّ إسماعيل وهي تحب الأُنس فنزلوا) وبطبيعة الحال وافقت أن ينزلوا عندها. وفيه كذلك: أن العربية الفصحى كانت من نطق إسماعيل ﵇.

стр. 4099

الكنابة في الطلاق وكذلك في هذا الحديث: أن بعض العلماء استدلوا على أن الإنسان لو قال: غَيَّرتُ عتبةَ بابي أنه إذا قصد الطلاق أنه يقع طلاقاً، لأن هذا اللفظ من ألفاظ الكناية. الطلاق له ألفاظ صريحة، لو قال: أنتِ طالق، فهذا طلاق صريح. ولو قال: أطعمتكِ حنظلاً، هذا كناية، يحتمل الطلاق ويحتمل عدم الطلاق، فالمرجع فيه إلى نية الشخص. لو قال: أطعمتك خبزاً، لا يحتمل الطلاق. ولو قال: احتجبي مني، يحتمل الطلاق. غَيَّرْتُ عتبةَ بابي، بناء على هذا الحديث فهو لفظ يحتمل الطلاق، من الكنايات.

стр. 4100

طاعة الوالدين في الخير والإتيان بالطيب مكان الخبيث وكذلك: فيه طاعة الوالدين في الخير، عندما قال: (أمرني أن أفارقكِِ، الحقي بأهلك فطلقها). وكذلك: أن الإنسان عليه أن يستبدل بدل الخبيث بالطيب، ولا يجلس من غير زواج، لأن بعض الناس يطلق زوجته، وفعلاً يكون فيها شر، ثم يجلس عَزَباً بدون زوجة، وهذا خطأ، فإسماعيل ﵇ طلقها وتزوج أخرى مباشرة، لا يصبر الإنسان بدون زواج خصوصاً في هذا الزمان، وهذا يفضي إلى الفساد. وفي عدد من الحالات بعض الناس طلق زوجته فبقى بغير زوجة، ثم لعب الشيطان بعقله، وبعد ذلك مشى في الحرام وصار لا يريد يتزوج، وهذا الإنسان حكمه في الشريعة الرجم؛ لأنه قد تزوج وأُحْصِن ثم زنا.
следующие страницы →