← Джавами‘

Джавами‘ · id 7704

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (7 040 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.

стр. 4236

استعمالات كلمة الأدب في كتب أهل العلم وقال ابن القيم ﵀: الأدب اجتماع خصال الخير في العبد، ومنه المأدبة: الطعام الذي يجتمع عليه الناس، فإذاً ففيه معنى الدعاء إلى الشيء والاجتماع عليه، وكذلك يطلق الأدب في اللغة على الجمع، وسمي الأدب أدباً لأنه يأدب الناس، يعني: يجمعهم إلى المحامد، والأدب هو: الخصال الحميدة، أما استعمالات هذه الكلمة في كتب أهل العلم، فإنها تأتي بمعنى خصال الخير مثل: آداب الطعام وآداب الشراب، وآداب النكاح وآداب القضاء، وآداب الفتيا، وآداب المشي، وآداب النوم ونحو ذلك، وللعلماء في هذا مصنفات، ويطلق بعض الفقهاء كلمة آداب على كل ما هو مطلوب سواء كان واجباً أو مندوباً، ولذلك بوبوا فقالوا: آداب الخلاء والاستنجاء، مع أن منها ما هو مستحب ومنها ما هو واجب، فكلمة أدب أو آداب أو أن هذا الشيء من الآداب لا يعني أنه فقط مستحب بل ربما يكون واجباً، ويطلق الفقهاء لفظة أدب بمعنى الزجر والتأديب كما جاء في حديث: (اجعل السوط في البيت فإنه أدبٌ لهم) يعني: لأهل البيت، تعليق السوط في البيت فإنه أدبٌ لهم، وحسنه الشيخ ناصر بطرقه، فإذا قيل: أدبه، بمعنى: عاقبه وزجره (عزره) فهذه من معاني كلمة الأدب كذلك. وقد نثر الفقهاء الآداب على أبواب الفقه، فذكروا في كل باب ما يخصه من الآداب، ففي الاستنجاء مثلاً ذكروا آداب الاستنجاء غير الأحكام الفقهية مما يجوز ولا يجوز، وفي الطهارة كذلك بأقسامها ذكروا آدابها، وفي القضاء ذكروا آداب القضاء في كتب الفقه.

стр. 4237

مصنفات العلماء الخاصة بالأدب وصنفت كتبٌ خاصة بالأدب مثل: كتاب: أدب الدنيا والدين للماوردي، ونظم ابن عبد القوي ﵀ منظومته المشهورة في الأدب والآداب، وشرحها السفاريني ﵀، ومن قبله ابن مفلح الذي صنف كتاب الآداب الشرعية، فإذاً هناك كتب مجموعة في الآداب عموماً، ومن أشهرها الآداب الشرعية لـ ابن مفلح، وغذاء الألباب شرح منظومة الآداب المنظومة لـ ابن عبد القوي والشرح للسفاريني وكتاب أدب الدنيا والدين للماوردي، وهناك كتبٌ تتكلم بشكلٍ مخصوص عن آداب معينة، مثلاً تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم لـ ابن جماعة ﵀، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، هذه آداب تتعلق بطلب العلم للخطيب البغدادي ﵀، أدب الإملاء والاستملاء للسمعاني، وهو إملاء الحديث وكتابته، كيف يملي المحدث الحديث وكيف يكتبه عنه الطلاب، هذا له آداب، هذا مصنف خاص في أدب الإملاء والاستملاء. آداب الفتيا كتب منها: كتاب آداب المفتي للسيوطي، وكذلك آداب الأكل للأقفاسي وآداب الأطفال للهيثمي وفي آداب الزكاة كتب، وفي آداب البحث والمناظرة مثل: كتاب الشنقيطي، وفي الصحبة كتب مثل: كتب الصحبة للسلمي، وفي آداب العشرة كتب مثل: كتاب أبي البركات الغزي، وفي التجارة أيضاً آداب التجارة، وآداب الحوار، وآداب الزفاف، وآداب معاملة اليتيم، وآداب الطبيب، وهناك عدة كتب تتكلم في آداب مخصوصة، الكتاب في أدبٍ معينٍ من الآداب.

стр. 4238

اصطلاح آخر لكلمة الأدب أما بالنسبة لأهمية الأدب فلا شك أنه أمرٌ مهمٌ جداً، وبالمناسبة قبل أن ندخل في أهميته، فإنه أيضاً يطلق على شيءٍ يتعلق باللغة من إصلاح اللسان والخطاب وتحسين الألفاظ، والصيانة عن الخطأ والزلل، كما صنف ابن قتيبة ﵀ أدب الكاتب. إذاً كلمة الأدب المستعملة في اللغة مثل: ما يرتبط بالشعر والنثر الأدب، هذه لفظة مولدة حدثت في الإسلام، أطلقوا على بعض الأشياء المتعلقة باللسان من الشعر والنثر أدباً، فهذا إطلاق في اعتبار لغوي، الأديب بهذا المعنى إطلاقٌ خاص يتعلق باللغة وإصلاح اللسان والخطابة، لاشك أن الأدب في الإسلام أمرٌ مهمٌ جداً، وأنه يحتم على الإنسان المسلم الالتزام بالآداب الشرعية في جميع الأمور.

стр. 4239

بعض الآداب في النصوص الشرعية وقد حث الإسلام المسلم أن يعتني بالآداب في أولاده وذويه، لا يتغافل عنهم ويذكرهم ويؤدبهم بآداب الإسلام، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ [التحريم:٦] قال علي ﵁: علموهم وأدبوهم، وقال مجاهد ﵀: أوقفوا أنفسكم وأهليكم بتقوى الله وأدبوهم. ومما جاء في النصوص الشرعية في معاني ما يتعلق بالأدب والتأديب قول النبي ﷺ كما جاء في الحديث الصحيح: (ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين فذكر منهم: ورجلٌ كانت له أمةٌ فغذاها فأحسن غذائها، ثم أدبها فأحسن تأديبها، وعلمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها وتزوجها فله أجران). وكذلك فقد جاء في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : (كل شيءٍ ليس من ذكر الله فهو لهوٌ ولعب إلا أن يكون أربعة، ذكر منها: تأديب الرجل فرسه) ترويضه وتعليمه، والحديث بتمامه: (كل شيءٍ ليس من ذكر الله لهوٌ ولعب إلا أن يكون أربعة: ملاعبة الرجل امرأته، وتأديب الرجل فرسه ومشي الرجل بين الغرضين، وتعليم الرجل السباحة) تعلم السباحة رواه النسائي وهو حديثٌ صحيح. والأدب بهذه اللفظة جاءت في حديث جابر ﵁ عندما تزوج ثيباً وسأله النبي ﷺ ، فأخبره أنه تزوج بثيب، فقال ﵊: (فهلا تزوجت بكراً تلاعبها وتلاعبك! قال يا رسول الله: توفي والدي، أو استشهد، ولي أخواتٌ صغار، فكرهت أن أتزوج مثلهن فلا تؤدبهن -يعني: أتزوج صغيرة لا تستطيع التأديب- فلا تؤدبهن ولا تقيم عليهن، فتزوجت ثيباً لتقوم عليهنّ وتؤدبهن) رواه البخاري ﵀ في كتاب الجهاد.

стр. 4240

أنواع الأدب والأدب أنواع: فمنه أولاً: أدبٌ مع الله ، وثانياً: أدبٌ مع رسول الله ﷺ ، وثالثاً: أدبٌ مع الخلق.

стр. 4241

الأدب مع الله أما الأدب مع الله فله أمثلةٌ كثيرة، فمنها: نهي المصلي عن رفع بصره إلى السماء، كما قال شيخ الإسلام ﵀: هذا من كمال أدب الصلاة أن يقف العبد بين يدي ربه مطرقاً خافضاً طرفه إلى الأرض، ولا يرفع بصره إلى السماء، قال: والجهمية لم يفقهوا هذا الأدب ولا عرفوه، لأنهم ينكرون أن الله فوق سماواته، وهذا من جهلهم، إذ من الأدب مع الملوك أن الواقف بين أيديهم يطرق إلى الأرض ولا يرفع بصره إليهم، فما الظن بملك الملوك !! وقال شيخ الإسلام في مسألة النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود: إنها من الأدب مع الله ، لأن القرآن كلام الله، قال: وحالتا الركوع والسجود، حالتا ذلٍ وانخفاضٍ من العبد، فمن الأدب مع كلام الله ألا يقرأ في هاتين الحالتين، يعني: في الركوع والسجود، لأنهما حالتا ذلٍ وانخفاض. وكذلك من الأدب مع الله: ألا يستقبل بيته في قضاء الحاجة ولا يستدبره، كما ثبت عن النبي ﷺ ، ورجح ابن القيم ﵀ أن هذا الأدب يعم الفضاء والبنيان. ومن الأدب مع الله: الوقوف بين يديه في الصلاة مع وضع اليمنى على اليسرى حال قيام القراءة، ولا شك أن هذا من أنواع الأدب أن يضع يديه اليمنى على اليسرى على صدره ويقف يبن يدي ربه، وكذلك الأدب مع الله: السكون في الصلاة، ولما ذكر أهل العلم قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج:٢٣] ذكروا فيها معنيين: الأول: دائمون، بمعنى: مستقرون ثابتون، لا يكثرون الحركة كما يفعل كثيرٌ من الناس من تحريك النظارة والساعة وغطاء الرأس واللعب، أو العبث بالأنف والجيب ونحو ذلك من الأشياء، ولا شك أن هذا لا يعطي معنى الديمومة: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المعارج:٣٤] المحافظة على السكون في الأطراف والطمأنينة، وكذلك المحافظة على الوقت، لا يخرجونها عن وقتها، فهم دائمون على الصلوات في أوقاتها ويحافظون عليها في أوقاتها، كما أنهم دائمون في الخشوع والطمأنينة، والأدب مع الله في الظاهر والباطن، ولا يستقيم إلا بمعرفة أسمائه ومعرفة دينه وشرعه وما يحب وما يكره.

стр. 4242

أدب الأنبياء مع الله أما بالنسبة للأدب مع الله : فقد كان كثيراً وعظيماً في أنبيائه ، ومن تأمل أحوال الرسل عرف ذلك، وكذلك الصالحون، ألم ترَ أن المسيح ﵇ حين يسأله الله يوم القيامة: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ﴾ [المائدة:١١٦] فماذا أجاب عيسى ﵇؟ ما قال: لم أقل ذلك! وإنما قال: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة:١١٦] من أدبه مع ربه أنه قال: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة:١١٦]، ثم قال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة:١١٦ - ١١٧] إلى آخر الآيات. وكذلك أدب إبراهيم مع ربه، لما قال: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ [الشعراء:٧٨ - ٧٩] لم يقل: والذي يمرضني ويشفين، وإنما قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ﴾ [الشعراء:٨٠] فنسب المرض إليه، ونسب الهداية والطعام والسقاء والشفاء إلى الله رب العالمين، مع أن الله هو الذي يمرض ولا شك!! وهو الذي يشفي، لكن لم يرد أن ينسب المرض إليه أدباً مع الله ، هذا من كمال أدب الخليل، فإنه قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٨٠] وكذلك الخضر ﵇، على الراجح أنه كان نبياً: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف:٨٢] كان يفعل بالوحي، فإنه لما ذكر السفينة قال: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف:٧٩] ولما ذكر الجدار قال: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا﴾ [الكهف:٨٢] ولم يقل: فأراد ربك أن أعيبها، وإنما قال: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف:٧٩] لما صارت المسألة فيها عيب نسبه لنفسه، قال: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف:٧٩] مع أن كل ذلك بأمر الله وقدر الله. وكذلك الصالحون من الجن قالوا: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً﴾ [الجن:١٠] ما قالوا: أشرٌ أراده ربهم بهم أم أراد بهم ربهم رشداً وإنما قالوا: ﴿أَشَرٌّ أُرِيدَ﴾ [الجن:١٠] فجعلوا الفعل مبنياً للمفعول. وكذلك موسى ﵇ لما نزل مدين قال: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص:٢٤] أنا فقيرٌ إلى خيرك يا رب ومحتاج، ولم يقل: أطعمني مثلاً، وآدم ﵇ لما أهبط من الجنة إلى الأرض قال: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣] ولم يقل: ربي قدرت عليَّ هذه المعصية، وقضيت عليَّ بها ونحو ذلك، وإنما قال: ظلمت نفسي فاغفر لي. وكذلك قول أيوب ﵇: ﴿رَبِّ إِني مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣] وهذا أكثر أدباً من أن يقول: فعافني واشفني، قال: ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣]. والأدب كذلك مع أنبياء الله طويل لا ينتهي، ولكن من أدب يوسف ﵇ مع أبيه وإخوته، وهو نوع من أنواع الأدب مع المخلوقين، والأدب مع الأنبياء، قال: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ [يوسف:١٠٠] ولم يقل: أخرجني من الجب، مع أنه أخرجه من الجب، لأنه لا يريد أن يجرح مشاعر إخوانه فقال: ﴿أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ [يوسف:١٠٠] ولم يذكر الجب، وكذلك فإنه لما جاء بإخوته وأهله، قال: ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ [يوسف:١٠٠] ما قال مثلاً: رفع عنكم الجهد والجوع والحاجة، أو أنني فعلت ذلك لكم، أو أنني أنقذتكم من الجوع والجهد، ثم قال: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ [يوسف:١٠٠] فنسب الفعل إلى الشيطان، ولم يقل من بعد أن فعل بي إخواني ما فعلوا وظلموني ونحو ذلك، وإنما قال: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ [يوسف:١٠٠]. وكذلك من الأدب مع الله : أن يستر الرجل عورته وإن كان خالياً، أما نبينا ﷺ فقد ضرب المثل العظيم في الأدب مع ربه، كما يذكر المفسرون عند قوله : ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٧] أن النبي ﷺ لما ارتفع إلى السماء ما زاغ بصره وما طغى، فإنه لم يزغ يميناً أو شمالاً، ولا طغى فنظر أمام المنظور، وإنما كان مطرقاً: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٧] فهذا وصفٌ لمقامه ﷺ ، وهذا من كمال الأدب.

стр. 4243

الأدب مع النبي ﷺ وكذلك فإنه ينبغي أن يعلم المسلم أن الأدب مع النبي ﷺ من أنواع الأدب العظيمة، وهذا يشمل أشياء كثيرة جداً، فمن الأدب مع النبي ﷺ : التسليم له، والانقياد لأمره، وتصديق خبره وتلقيه بالقبول، وعدم معارضته، لا يستشكل قوله وإنما تستشكل الأفهام، ولا يقدم بين يدي رسول الله ﷺ شيئاً، ولا يدعي نسخ سنته، وكذلك لا ترفع الأصوات فوق صوته ﷺ ، لأن ذلك سبب لحبوط العمل، وبعد وفاته ﵊، لا ترفع الأصوات فوق حديثه إذا قرئ، ولا عند قبره.

стр. 4244

الأدب مع الخلق والأدب مع الخلق وهو النوع الثالث: معاملتهم على اختلاف مراتبهم بما يليق بهم، فالأدب مع الوالدين يختلف، الأدب مع العالم يختلف، الأدب مع الأقران، الأدب مع الأجانب، الأدب مع النساء الأجنبيات، الأدب مع الضيف، الأدب مع أهل البيت، هذا من جهة ما يتعلق بمن حولك من المخلوقين. أما الأحوال ففيها آداب حتى لو كنت لوحدك وما عندك أحد مثل: آداب النوم مثلاً، فإذاً للمخلوقين آداب وللأحوال آداب، فمن آداب الأحوال: آداب الأكل، ولو كنت لوحدك فتأكل بيمينك، تسمي الله ولو كنتَ لوحدك، لا تأكل من وسط الطعام ولو كنت لوحدك، آداب الطعام، آداب الشراب، آداب الركوب، آداب الدخول، آداب الخروج، آداب السفر، آداب النوم، آداب البول، آداب الكلام، آداب السكوت، آداب الإنصات وهكذا.

стр. 4245

ثمرة التمسك بالآداب الشرعية ولأجل عظم هذا الموضوع صنف العلماء فيه تصنيفاتٍ عظيمة، ولنعلم أن التمسك بالآداب الشرعية يقود إلى التمسك بالدين كله، ولذلك يقول الشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني ﵀ في مقدمته لكتاب الأدب المفرد للبخاري، قال: قد أكثر العارفون بالإسلام المخلصون له من تقرير أن كل ما وقع فيه المسلمون من الضعف والخور والتخاذل وغير ذلك من وجوه الانحطاط إنما كان لبعدهم عن حقيقة الإسلام، وأرى أن ذلك يرجع إلى أمور: الأول: التباس ما ليس من الدين بما هو منه، أي: مثل إدخال البدع فيه. ثانياً: ضعف اليقين بما هو من الدين حقاً. ثالثاً: عدم العمل بأحكام الدين. هذه الأشياء الثلاثة التي عليها مدار أسباب انحطاط المسلمين. ما هي أسباب تخلف المسلمين التي أشار إليها الشيخ المعلمي اليماني ﵀؟ ثلاثة أشياء: أولاً: إدخال ما ليس من الدين في الدين. ثانياً: عدم اليقين بما هو من الدين. ثالثاً: ضعف العمل بهذا الدين. هذه أسباب تخلف المسلمين وانحطاطهم، ثم قال رحمه الله تعالى: وأرى أن معرفة الآداب النبوية الصحيحة في العبادات والمعاملات، والإقامة والسفر، والمعاشرة والوحدة، والحركة والسكون، واليقظة والنوم، والأكل والشرب، والكلام والصمت، وغير ذلك مما يعرض للإنسان في حياته، مع تحري العمل بها كما يتيسر هو الدواء الوحيد لتلك الأمراض، فإن كثيراً من تلك الآداب سهلٌ على النفس، فإذا عمل الإنسان بما يسهل عليه منها تاركاً لما يخالفها، لم يلبث إن شاء الله تعالى أن يرغب في الازدياد، فعسى ألا تمضي عليه مدة إلا وقد أصبح قدوةً لغيره في ذلك. وبالابتداء بذلك الهدي القويم والتخلق بذلك الخلق العظيم، يستنير القلب وينشرح الصدر وتطمئن النفس، فيرسخ اليقين ويصلح العمل، وإذا كثر السالكون في هذا السبيل، لم تلبث تلك الأمراض أن تزول إن شاء الله. ثم أشار إلى قضية تصنيف البخاري ﵀ لكتاب الأدب المفرد وقد أفرده عن صحيحه وجعل له أبواباً خاصة، وقد ذكر ابن حجر ﵀ في أهمية هذا الكتاب، قال: وكتاب الأدب المفرد يشتمل على أحاديث زائدة على ما في الصحيح، وفيه قليلٌ من الآثار الموقوفة، وهو كثير الفائدة. وقد شرحه الشيخ فضل الله الجيلاني وخرج أحاديثه، وحققه الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، فهذا الكتاب الآن مشروح ومحقق كتاب صحيح الأدب المفرد للبخاري ﵀ وحسبك به، ويكفيك مؤلفه.

стр. 4246

أقوال بعض العلماء في الأدب ومن بعض أقوال العلماء في الأدب؛ يقول النبي ﷺ ، وهو إمام العلماء: (إن الهدي الصالح والسمت والاقتصاد جزءٌ من خمسة وعشرين جزءاً من النبوة) فإذاً من الأدب السمت الصالح، حسن السمت، والهدي الصالح يدخل في النبوة. وقال النخعي ﵀: " كانوا إذا أتوا رجلاً ليأخذوا عنه، نظروا إلى سمته وصلاته وإلى حاله، ثم يأخذون عنه " أول شيء ينظرون إلى أدب العالم والمحدث، فإن وجدوه أديباً مؤدباً، أخذوا عنه، ولذلك كان مجلس الإمام أحمد ﵀ يجتمع فيه من الزهاد خمسة آلاف أو يزيدون، خمسمائة يكتبون الحديث، والباقون يتعلمون منه حسن الأدب والسمت. وقال ابن عباس: [اطلب الأدب فإنه زيادةٌ في العقل ودليلٌ على المروءة، ومؤنسٌ في الوحدة، وصاحبٌ في الغربة، ومالٌ عند القلة]. وقال أبو عبد الله البلخي: " أدب العلم أكثر من العلم ". وقال ابن المبارك ﵀: " لا ينبل الرجل بنوعٍ من العلم ما لم يزين علمه بالأدب ". وكذلك قال ابن المبارك أيضاً: " طلبت العلم فأصبت منه شيئاً، وطلبت الأدب فإذا أهله قد بادوا ". وقال بعض الحكماء: لا أدب إلا بعقل، ولا عقل إلا بأدب. وقال بعضهم: رأيتُ من أراد أن يمد يده في الصلاة إلى أنفه فقبض على يده، خرجت واحدة بنحو الأنف والثانية قبضت عليها، فكفتها. وقال يحيى بن معاذ: " من تأدب بأدب الله، صار من أهل محبة الله ". وقال ابن المبارك أيضاً: " نحن إلى قليلٍ من الأدب أحوج منا إلى كثيرٍ من العلم ". هناك أناس عندهم علم كثير لكن ليس عندهم أدب، ولذلك نفروا الناس وما أخذ عنهم أحد، بسبب عدم الأدب، وسئل الحسن البصري ﵀ عن أنفع الأدب فقال: "التفقه في الدين، والزهد في الدنيا، والمعرفة بما لله عليك". وبعدما ذكرنا طرفاً من الأدب وتعريفه، فنقول أيها الإخوة وقد يحصل السؤال عن منهج هذا الدرس ومن أي كتابٍ يكون، فرأيت ألا يكون هناك كتابٌ محدد لأن بعض الآداب التي سنتكلم عنها قد لا توجد في كتابٍ محدد، أو موجودة في أكثر من كتاب، ولكن من أحسن الكتب في الآداب وأكثرها تنظيماً وأجودها تصنيفاً: غذاء الألباب شرح منظومة الآداب للسفاريني يقع في مجلدين، وقد شرح منظومة ابن عبد القوي وأكثر الآداب التي سنتكلم عنها من هذه المنظومة، فإذا كان الشخص يريد أن يأخذ كتاباً في موضوع الآداب، فليأخذ كتاب غذاء الألباب شرح منظومة الآداب. نعم يوجد كتاب الآداب الشرعية لـ ابن مفلح، مباحث نفيسة وجيدة، توسع في بعض الأشياء، لكن في جودة الترتيب وحسن التصنيف كتاب غذاء الألباب أحسن، فإن السفاريني قد جاء بعد ابن مفلح وأخذ أشياء كثيرة، واستفاد من كتابه، لكنه رتب كتابه، وإن كان يوجد فيه عبارات صعبة على المبتدئ في طلب العلم، كتاب غذاء الألباب. ولعلنا في بقية هذا الدرس نلقي نظرة سريعة على منظومة الآداب لـ ابن عبد القوي ونذكر أطرافاً عامة من الأدب قبل أن نشرع في الكلام عن الآداب بالتفصيل، وسنتكلم إن شاء الله في موضوع الآداب على آداب تلاوة القرآن، آداب الضيف، آداب العطاس والتثاؤب، آداب الانفعال، آداب توقير الكبير ورحمة الصغير، وكذلك أدب الجار، أدب الحوار والمناظرة، ما يتعلق بالرؤى والأحلام، آداب النكاح، آداب الطعام الشراب، آداب الأكل، آداب الضحك والمزاح، آداب المريض، آداب المساجد، آداب المشي، آداب المصافحة والمعانقة والتقبيل، آداب النوم، وآداب الهدية، وآداب الوليمة، إن شاء الله في خلال الدروس القادمة نتعرض لكل واحد من هذه الأنواع بالشرح والتفصيل مع الأدلة وأقوال العلماء، وفروع أدب كل جانب من هذه الجوانب، وسيكون الدرس ثلاثة أيام في الأسبوع، في السبت والأحد والإثنين إن شاء الله بين صلاتي المغرب والعشاء.

стр. 4247

بعض وصايا منظومة ابن عبد القوي والتعليق عليها أما منظومة ابن عبد القوي ﵀، فإنه افتتحها بقوله: بحمدك بالإكرام مارُمت أبتدي كثيراً كما ترضى بغير تحددِ وصلِّ على خير الأنام وآله وأصحابه من كل هادٍ ومهتدِ وبعد فإني سوف أنظم جملةً من الأدب المأثور عن خير مرشدِ من السنة الغراء أو من كتاب من تقدس عن قول الغواة وجحدِ ومن قول أهل العلم من علمائنا أئمة أهل السلم من كل أمجدِ لعل إله العرش ينفعنا به وينزلنا في الحشر في خير مقعدِ ألا من له في العلم والدين رغبةٌ ليصغي بقلبٍ حاضرٍ مترصد ويقبل نصحاً من شفيقٍ على الورى حريصٍ على زجر الأنام عن الردِ فعندي من علم الحديث أمانةٌ سأبذلها جهدي فأهدي وأهتدي ألا كل من رام السلامة فليصن جوارحه عما نهى الله يهتدِ

стр. 4248

صون الجوارح عما حرم الله فكانت أول وصية في هذه المنظومة: صون الجوارح عما حرم الله ثم قال: يكب الفتى في النار حصد لسانه وإرسال طرف المرء أنكى فقيدِ هذا إشارة إلى قول النبي ﷺ : (وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصاد ألسنتهم) والشطر الثاني معناه: قيد طرفك لا تصب بطرفك الحرام، ولا تنظر إلى ما حرم الله. وطرف الفتى يا صاح رائد فرجه ومتعبه فاغضضه ما اسطعت تهتدِ يعني إطلاق النظر يؤدي إلى الوقوع في الزنى، يعني الذين وقعوا في العشق والتعلق بالصور والأشكال من أي جهةٍ أُتو؟ من النظر، فتعب نفسياً لأنه أصيب بالعشق، تعب نفسياً تعب جداً، وخصوصاً إذا عشق امرأةً متزوجةً لا قدرة له على الوصول إليها، لأنها ذات زوج، فماذا يكون حاله، في غاية التعب، ولذلك قال: وطرف الفتى يا صاح رائد فرجه ومتعبه فاغضضه ما اسطعت تهتدِ ويحرم بهت واغتيابٌ نميمة وإفشاء سرٍ ثم لعن مقيدِ البهتان حرام، إذا قلت في أخيك ما فيه فقد اغتبته، وإذا قلت ما ليس فيه فقد بهته. قال: ويحرم بهت واغتيابٌ؛ وهذه الغيبة، نميمةٌ؛ أيضاً يحرم المشي بين اثنين بالإفساد بينهما بالكلام، وإفشاء سرٍ لأن النبي ﷺ قال: (إذا حدث الرجل حديثاً ثم التفت فهي أمانة، فإذا استودعك سراً لا يجوز افشاؤه). وإفشاء سرٍ ثم لعن مقيدِ يعني: لا يجوز أن تلعن المعين، إذا كان ممن لعنه الله كإبليس وأبي جهل وأبي لهب الذين ماتوا على الكفر، فيجوز لعنهم، لكن لا يجوز لعن الحي المعين، ولو كان كافراً على الصحيح لأنه قد يموت على الإسلام، فيكون غير مستحق للعنة، فإذاً لا تلعن المعين، لكن لو لعنت الجنس، فقلت: ألا لعنة الله على الكافرين، ألا لعنة الله على الظالمين، ألا لعنة الله على الكاذبين، فلا بأس، لكن لعنة الله على فلان، أو لعن الله فلاناً، لا يجوز، إلا إذا لعنه الله ورسوله، فإذاً المعين المقيد لا تلعنه. وفحشٌ ومكرٌ والبذا وخديعة وسخريةٌ والهزء والكذب قيد البذا: الألفاظ البذيئة، يعني قيد نفسك عن هذه الأشياء ولا تطلق لسانك فيها. بغير خداع الكافرين بحربهم أو العرس أو إصلاح أهل التنكدِ إذاً الكذب يجوز إذا كان في خداع الكافرين في الحرب، لأن النبي ﷺ قال: (الحرب خدعة). ومعنى: أو العرس أو إصلاح أهل التنكدِ، جواز كذب رجل على زوجته، إذا خشي شقاقها أو أن تغضب عليه، وإصلاح أهل التنكدِ: الإصلاح بين المتخاصمين. ويحرم مزمارٌ وشبابةٌ وما يضاهيهما من آلة اللهو والردِ إذاً هذا ذكر تحريم آلات اللهو والمعازف، سواءً كانت لها أوتار أو ليس لها أوتار، مزمار، طبل، شبابة، كله حرام، حتى لو لم يكن معها غناء، ولذلك قال في البيت الذي بعده: ولو لم يقارنها غناءٌ جميعها فمنها ذوي الأوتار دون تقيدِ لاتقيد بالأوتار، لكن ذوات الأوتار كالعود والكمنجة، داخلةٌ فيها، والشبابة والربابة داخلةٌٌ فيها.

стр. 4249

نظم الشعر وسماعه ولا بأس بالشعر المباح وحفظه وصنعته من رد ذلك يعتدِ القاعدة في الشعر أن حسنه حسن وقبيحه قبيح، وإذا كان لنصرة دين الله، فيكون عبادة، كما قال النبي ﷺ لـ حسان: (اهجهم وروح القدس معك) يعني جبريل يؤيدك ويثبتك ويناصرك، وصنعته: يعني لو صنعه ونظمه أيضاً. من رد ذلك يعتدي: يعني يحرم الشعر كله حتى المباح فهو معتدٍ. فقد سمع المختار شعر صحابةٍ وتشبيبهم من غير تعيين خردِ يعني لو أن بعض الأبيات فيها غزل، لكن ما عين امرأةً بعينها، ولا وصل إلى درجة الكلام عن العورات، وإثارة الشهوات. وحَظر الهجاء والمدح بالزور والخنا وتشبيبه بالأجنبيات أكدِ الهجاء: حرام في الشعر، والمدح: وهو عمل الشعراء، لأنهم يمدحون للأموال بالباطل، والمدح قيده بالزور، لأن من المدح ما لا بأس به، كمدح النبي ﷺ والصحابة والخلفاء. ووصف الزنا والخمر والمرد والنسا الفتِيَّاتِ أو نَوح التسخط موردِ كشعر نزار قباني وغيره من الضالين في هذا الزمان، ولو عمل الشعر نياحه، فهو حرام.

стр. 4250

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأمرك بالمعروف والنهي يا فتى عن المنكر اجعل فرض عين تسددِ اجعله فرض عين. على عالمٍ بالحظر والفعل لم يكن سواه به مع أن عدوان معتدِ ينبغي أن يكون عالماً فيما يأمر عالماً فيما ينهى، فبين أنه لو كان الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر مهدداً بالضرب أو السجن أن يفعل به ذلك، فإذا سكت عن الأمر والنهي لا يأثم، لأنه مكره، لكن لو صبر وأمر ونهى فهو مأجور، لأن النبي ﵊ قال: (سيد الشهداء حمزة، ورجلٌ قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله) وأنكر على الصبيان كل محرمٍ لتأديبهم والعلم في الشرع بالردي فإذاً لو أن أحداً من الناس رأى مع صبي مزماراً، هل يقول: هذا صغير ليس مكلفاً أو يأخذه منه؟ يأخذه منه لابد، لو رأى على ذكرٍ ذهباً نزعه منه، وأعطاه لوليه، وقال له: لا يجوز لك أن تلبسه ذهباً، ولا يجوز للصبي كذلك أن يلبس ثوباً مسبلاً، لا يجوز لوليه أن يفعل به ذلك، فالصبيان هل ينكر عليهم؟ الجواب نعم. وبالأسهل ابدأ ثم زد قدر حاجة فإن لم يزل بالنافذ الأمر فاصددِ يعني لا تبدأ مباشرة بالضرب، أولاً ابدأ بالكلام الطيب بالحكمة والرفق، ثم زد قدر حاجة: على قدر الحاجة تعلو الوتيرة في الإنكار، فإن لم يزل بالنافذ الأمر فاصددِ، إذا لم يستجب لك ولا استطعت أن تغير بيدك، فاصدد عنه، لا تجلس معه في مكان المنكر، تقول: نهيت عن المنكر وفعلت الذي عليَّ وما استجاب، فسأواصل الجلوس، لا يجوز. إذا لم يخف في ذلك الأمر حيفه إذا كان ذا الإنكار حتم التأكدِ لأن بعض الناس قد يكون له سلطان، فإذا فعل به ما فعل في مجلسه، أو أنكر عليه آذاه، فيسقط وجوب الإنكار حينئذٍ. ولا غرم في دف الصنوج كسرته ولا صورٍ أيضا ولا آلة الددِ الصنوج: هذا الطار الذي له حلق معدنية، إذا هزها ضربت الحلق ببعضها فأصدرت صوتاً، فهذا لا يجوز، الدف المباح للنساء في الأعراس هو الذي ليس له حلقٌ، هو الدف العادي، هذا الذي ليس له حلقٌ معدنية متصلةٌ به، فإذا استعمل دفاً آخر لم يجز، وإذا كسر الطبل أو العود لا غرم عليه، لا يستطيع صاحبه أن يشتكي للقاضي ويقول: اضمنه لي، كسرت عودي كسرت طبلي، فلا غرم في ذلك، ولا صور ٍ أيضاً: يعني التماثيل لو أتلفها، فإنه لا يضمن الثمن ولا يستطيع أن يقول: كسرت تمثالي أعطني قيمته، والدد: هو آلة اللهو.

стр. 4251

لعبة منكرة وآلة تنجيمٍ وسحرٍ ونحوه وكتبٍ حوت هذا وأشباه فاقددِ مثل: لعبة الآن موجودة في الأسواق، حدثونا عنها في المدارس، أو أن بعض النساء أتين بها إلى المدارس فيها أحرف باللغة الإنجليزية وأرقام، وسهم من البلاستيك يشير إلى اتجاه، وأنه يضع إصبعيه عليها، ويستحسن أن يكون معه امرأة، هكذا يقولون في تعليمات اللعبة، تضع إصبعيها أيضاً على هذه القطعة من البلاستيك، ثم تنادي الجنية، ويقول: يا فلانة هل حضرت؟ فستشير هذه إلى إشارة نعم أو لا، يعني مكتوب على اللوحة نعم ولا، وبعد ذلك يقول مثلاً: ما اسمي؟ فيتحرك المؤشر تلقائياً إلى الحرف الأول من اسمه، كم عمري؟ فتتحرك إلى الثلاثة والسبعة مثلاً، أو إلى الأربعة والصفر لتشير إلى عمرك، كم عدد أولادي؟ ونحو ذلك، وهذه اللعبة قد افتتن بها أشخاص مع أنها من السفاهات والسذاجات ولا تدخل في عقل عاقل، وهي تباع في بعض المحلات هنا، وكان سعرها سبعين ريالاً، ولما صار الطلب عليها من الناس الذين عندهم قلة دين وعقل، صارت الآن بمائة وأربعين، بل أكثر من مائة وأربعين، وقد أتى لي واحد منهم بهذه اللعبة، طيب الآن لو أننا قمنا بتشغيله تشتغل، قال: لا، من يوم ما قالوا نذهب بها إلى الشيخ ما اشتغلت، فهذا طبعاً من الخرافات والخزعبلات الموجودة، وبعض الناس يصدقون بها فعلاً، وعندهم كذلك بالفرجار والإبرة، وفيها: نعم ولا، وينادون الجنية بزعمهم أو الجن على أساس أنها تشير لهم للأجوبة، ويقولون: طالبة سألت اللعبة ما هي أسئلة اختبار القرآن غداً؟ فأعطت لها أرقام السور وجاءت مثلما قالت، كلام كثير فيقول الناظم ﵀ في إتلاف آلات المنكر: وآلة تنجيمٍ وسحرٍ ونحوه وكتبٍ حوت هذا وأشباه فاقددِ فاقدد: يعني: مزق، مثل: كتاب شمس المعارف وغيره من الأشياء التي فيها تعليم السحر وتحضير الأرواح وتحضير الجن، وغير ذلك.

стр. 4252

إضافة للشيخ السلمان وأضاف الشيخ السلمان لنظم القصيدة أبياتاً من عنده قال: وقلت كذاك السينماء ومثله بلا ريب مذياع وتلفاز معتدِ وأوراق ألعاب بها ضاع عمرهم وكوراتهم مزق هديت وقددِ كذا بكماتٌ والصليب ومزمرٌ وآلة تصوير بها الشر مرتدِ كذلك دخان وشيشة شربه وآلة طفات لهُ اكسر وبددِ

стр. 4253

هجران أهل المعصية ثم يقول الناظم ﵀ مرةً أخرى (عودة إلى المنظومة الأصلية): وهجران من أبدى المعاصي سنةٌ وقد قيل إن يردعه أوجب وأكدِ كما دل عليه حديث كعب وغيره، يعني إذا كان الهجران يردع صاحب المعصية، فإنه يصير واجباً. وقيل على الإطلاق ما دام معلناً فلاقه بوجهٍ مكفهرٍ معربدِ يعني: ما دام معلناً بالفسق سواءً كان يؤثر فيه الهجر أو لا يؤثر فيه اهجره، ولاقه بوجهٍ مكفهرٍ معربدِ؛ يعني: غيّر وجهك عليه، لأنه صاحب منكر ومعلن بالمنكر، فإذا كان الهجر لا يزيد إلا سوءاً، فما حكم الهجر؟ لا يجوز، لأن الهجر دائماً مع قاعدة المصالح والمفاسد، قال: ويحرم تجسيسٌ على متسترٍ بفسقٍ وماضي الفسق إن لم يجددِ يعني المتستر بالفسق لا يجوز التجسس عليه في بيته، واحد عنده فسق سابق ماض ما دام ما ترك الفسق لا يجوز أن نقول: نتجسس عليه ربما يعود، كان صاحب سوابق، أظهر التوبة، ربما يعود.

стр. 4254

آداب السلام وضوابطه ثم قال: وحظر انتفا التسليم فوق ثلاثةٍ على غير من كان بهجرٍ فأكدِ لا يجوز أن تهجر أخاك فوق ثلاثة أيام لا تسلم عليه، وأما المعلن بالمعصية والمبتدع فتهجر فوق الثلاثة والشهر والسنة حتى يرتدع. وكن عالماً أن السلام لسنةٌ وردك فرضٌ ليس ندبٌ بأوقدِ ويجزئ تسليم امرئٍ من جماعةٍ ورد فتىً منهم على الكل يعدِد لو سلم واحد من الجماعة على قومٍ جالسين، فرد واحد من الجالسين، أجزأ هذا عن هؤلاء، وهذا عن هؤلاء، ثم قال: وتسليمٌ نزرٍ والصغير وعابرٍ سبيلٍ وركبانٍ على الضد أيد يعني يسلم القليل على الكثير، النزر يعني: القليل، والصغير يسلم على الكبير وعابر سبيلٍ وركبانٍ على الضد أيدِ: يعني العابر الماشي يسلم على القاعد، والراكب يسلم على الماشي، على الضد. وإن سلم المأمور بالرد منهمُ فقد حصل المسنون إذ هو مبتدي وسلم إذا ما قمت عن حضرة امرئٍ وسلم إذا ما جئت بيتك تهتدِ إذا زرت شخصاً وأردت أن تغادر سلم عند المغادرة، فإذا دخل البيت ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور:٦١]. وإفشاؤك التسليم يوجد محبةً من الناس مجهولاً ومعروفاً اقصد ولذلك يخطئ كثير من الناس اليوم إذا لم يسلم إلا على من يعرف، إنما يجب إفشاء السلام على من عرفته ومن لم تعرفه، ولذلك إفشاؤك التسليم يوجد المحبة، والسلام على الذي تعرفه فقط من أشراط الساعة، فهو شيءٌ مذموم، ثم قال: وتعريفه لفظ السلام مجوزٌ وتنكيره أيضاً على نص أحمدِ يعني لو قلت سلامٌ عليكم، أو السلام عليكم كل ذلك صحيح.

стр. 4255

أدب الاستئذان قبل الدخول وسنةٌ استئذانه لدخوله على غيره من أقربين وبعدِ يعني لو أردت أن تدخل غرفة أمك التي هي أمك وهي فيها، فلا تدخل حتى تستأذنها، هل تحب أن تراها على عري، وكذلك الأبعدين لا تدخل عليهم حتى تستأذنهم. ثلاثاً ومكروهٌ دخولٌ لهاجمٍ ولا سيما من سفرةٍ وتبعدِ يعني الاستئذان ثلاثاً، لهاجمٍ: يهجم (يدخل) من غير استئذان ولو كان الزوج، فلا يهجم على البيت، وإنما يستأذن، وخصوصاً إذا جاءِ من سفر، حتى لا يقع على ما يكرهه من زوجته، وإنما يمهل حتى تستحد المغيبة، يعني تأخذ من شعرها الذي يسبب الرائحة الكريهة، وتتمشط الشعثة، وتتهيأ لتتزين لزوجها، حتى لا يراها في حالٍ ربما تشمئز نفسه منها. ووقفته تلقاء بابٍ وكوةٍ فإن لم يجب يمضي وإن يخف يزددِ يعني هذا منهي عنه، أن يقف تلقاء الباب مباشرة حتى إذا انفتح رأى من داخل البيت، يقف على جنب، بحيث لو انفتح الباب لا يرى أهل البيت، وكوةٍ: أيضاً الطاقة والثقب، وإن يخف يزددِ: وإذا خاف أنهم ما سمعوا؛ عندئذ ضربت الجرس ثلاث مرات، أو قلت السلام عليكم ثلاث مرات، تمشي إذا ما أذنوا لك، ولكن لو غلب على ظنك أنهم ما سمعوا؛ عندئذ تزيد على الثلاث. وتحريك نعليه وإظهار حسه بدخلته حتى لمنزله اشهدِ كما جاء عن ابن مسعود، أنه كان إذا جاء عند باب بيته تنحنح، حتى يعلم أهل البيت أنه داخل.

стр. 4256

سنة المصافحة وحرمة السجود ثم قال: وصافح لمن تلقاه من كل مسلمٍ تناثر خطاياكم كما في المسند وليس لغير الله حل سجودنا ويكره تقبيل الثرى بتشددِ المصافحة سنة، وفيها تناثر خطايا بين المسلمين، أما السجود فلا يجوز لغير الله، وإذا قبل الأرض وسجد يصير الحرام أكثر وأشد، كان سجود التحية في شرع من قبلنا كما سجد أهل يوسف ليوسف، وفي شرعنا حرم، لما رجع معاذ من الشام وسجد للنبي ﷺ قال: (ما هذا؟ -سأله النبي ﷺ قال: رأيتهم يسجدون لعظمائهم وأنت أعظم من العظماء، فأنت أولى بالسجود، فنهاه ﵊ عن السجود، وقال: لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحدٍ لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها؛ من عظم حقه عليها). ويكره منك الإنحناء مسلماً وتقبيل رأس المرء حل وفي اليد الانحناء عند السلام منهيٌ عنه، ولفظه: (تكره) تأتي بمعنى يحرم، ولكن يستخدمها كما استخدم الإمام أحمد ﵀ ورعاً، مثل ما يحدث الانحناء في بعض الألعاب الرياضية، كالكاراتيه وغيرها، ينحني بعضهم في بداية اللعبة، هذا حرامٌ لا يجوز، ويجوز تقبيل رأس العالم والوالد وكبير السن، وكذلك تقبيل اليد. ونزع يدٍ ممن يصافح عاجلاً وأن يتناجى الجمع من دون مفردِ يعني مكروه إذا سلمت على واحدٍ أن تنزع يدك قبله مستعجلاً، أيضاً النهي عن تناجي جماعة دون واحد. وأن يجلس الإنسان عند محدثٍ بسرٍ وقيل احضر وإن يأذن اقعدِ لا تدخل بين اثنين يتناجيان، إذا استأذنت جاز أن تجلس، وقيل لا تأتي أصلاً.

стр. 4257

صلة الأرحام وطاعة الوالدين وكن واصل الأرحام حتى لكاشحٍ توفر في عمرٍ ورزقٍ وتسعدِ كاشح يعني: صاحب عداوة، يطول عمرك وتزداد رزقاً ويحسن تحسينٌ لخلق وصحبةٍ ولا سيما للوالد المتأكدِ تحسن الصحبة ومع الوالدين أوكد ولو كان ذا كفرٍ واجب طوعه سوى في حرامٍ أو لأمرٍ مؤكدِ ولو كان ذا كفرٍ: يعني هذا الوالد، لا بد أن تطيعه إلا إذا أمرك بمعصية. كتطلاب علمٍ لا يضرهم به وتطليق زوجاتٍ برأيٍ مجردِ يعني لا تطعه إذا أمرك بترك شيءٍ مؤكد شرعاً كطلب العلم، قال لك: لا أسمح لك أن تطلب العلم، فما يضرهما إذا طلبت العلم، وأنت تحتاج إليه؟ وتطليق زوجاتٍ برأيٍ مجردِ: ولو قال لك طلق زوجتك برأيٍ مجرد، ما فعلت زوجتك شراً، ولا هي سيئة خلق، فلا يلزمك طاعة والديك في هذه الحالة. وأحسن إلى أصحابه بعد موته فهذا بقايا بره المتعودِ أصحاب أبيك وأمك، هل بقي من بر أبوي شيءٌ أفعله بعد موتهما؟ ماذا أخبره ﵊؟ (أن تصل صديقهما من بعدهما). ويشرع إيكاء السقا وغطا الإنا وإيجاف أبوابٍ وطفئٌ لموقدِ يعني تغطية الإناء بعد الشرب، إغلاق الباب بعد ما تدخل البيت، إطفاء السرج. وتقليم أظفارٍ ونتفٌ لإبطه وحلق وبالتنوير للعانة اقصدِ التنوير: وضع النورة لإزالة الشعر، والمقصود الإزالة سواءٌ كانت بالحلق، أو المقص، أو المرهم، أو النورة أو غيرها. ويحسن خفض الصوت من عاطسٍ وأن يغطي وجهاً لاستتارٍ من الردِ عند العطاس كما سيأتي.

стр. 4258

خاتمة المنظومة ثم ذكر ﵀ بقية الآداب في المريض وعيادته، وحكم قتل الحيوانات للمحرم، وحكم قتل النمل، وحكم قتل الحية، وبعض أحكام الشرب والأكل وغير ذلك من الأحكام، إلى أن قال في آخر هذه القصيدة الجيدة البليغة التي لو حفظت، فيكون في حفظها خيرٌ عظيم، لأنه بواسطة حفظها يصل إلى معرفة آداب كثيرة جداً، قال: وهاقد بذلت النصح جهدي وإنني مقرٌ بتقصير وبالله اهتدي تقضت بحمد الله ليست ذميمةً ولكنها كالدر في عقد خردِ تقضت: يعني القصيدة انقضت يحار لها قلب لذيذ وعارفٌ كريمان إن جالا بفكرٍ منضدِ ثم قال: فخذها بدرسٍ ليس بالنوم تدركن لأهل النهى والفضل في كل مشهدِ وقد كملت والحمد لله وحده على كل حالٍ دائمٍ لم يصددِ وسنبدأ في الدرس القادم إن شاء الله بالكلام عن آداب تلاوة القرآن، والله أعلم: وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 4259

بين الهداية والانتكاس الهداية منة من الله على كثير من عباده، ولها أسباب منها: العلم الإيمان التوبة المجاهدة الرفقة الصالحة كما أن للهداية عوائق كثيرة منها: الاحتجاج بالمشيئة تكرار الوقوع في المعصية التسويف... وقد تحدث الشيخ عن قصص بعض التائبين، ثم انتقل إلى موضوع الانتكاس، وعرض في بداية كلامه عن الانتكاس بعض الرسائل التي يشكو أصحابها الانتكاس، ثم تحدث عن أسباب الانتكاس.

стр. 4260

مقدمة في الهداية وفضلها إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: أحييكم -أيها الإخوة- في مطلع هذا الموسم من الدروس وأقول لكم: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسأل الله أن يجعل لقاءنا هذا لقاءً في طاعته، وأن يجعل مجلسنا هذا مجلساً مباركاً ونافعاً لنا جميعاً، وأن يجعل ما نسمع حجة لنا لا علينا. يجدد الإنسان إيمانه بحلق الذكر وملاقاة إخوانه، والعودة لما كان متعوداً عليه من الطاعات والعبادات التي كان يمارسها في مكانٍ معين، كالمدرسة أو الجامعة، ونحو ذلك من الأنشطة الإسلامية، ولا شك أن مثل هذه العودة في بداية العام الدراسي لها أثرٌ في النفس، والعبد دائماً ينبغي أن يتقلب في مواسم الطاعات والعبادات، فسواء كان في عملٍ أو وظيفةٍ أو إجازةٍ فإنه يعبد الله . ودرسنا في هذه الليلة: بين الهداية والانتكاس، هذا الدرس هو انطلاقٌ من الحقيقة التي أقسم الله عليها بعدة أقسام في كتابه الكريم فقال الله : ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس:١] يعني: ضوءها ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس:١ - ٥] أي: ذات البناء أو ومن بناها؟ فيكون قد أقسم بنفسه: ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾ [الشمس:٦] يعني: دحاها وبسطها وقسمها: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس:٧] يعني: خلقها مستقيمة على الفطرة القويمة: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس:٨] بين لها طريق الخير والشر، وهنا يأتي جواب القسم: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:٩ - ١٠]. قال بعض أهل العلم من المفسرين: زكاها: أي: زكى نفسه بطاعة الله وطهرها من الأخلاق الرديئة والرذائل، ودساها: يعني: أخملها بخزيانه إياها عن الهدى حتى ركب المعاصي وترك طاعة الله ، فالشاهد قوله سبحانه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:٩ - ١٠]. فمن زكاها: فهذه هي الهداية، ومن دساها: فهذا هو الانتكاس، بين الهداية والانتكاس.

стр. 4261

هداية النفس تزكيتها ونتحدث أولاً عن الهداية في هذه التزكية التي كان النبي ﷺ يسألها ربه كما جاء في صحيح مسلم: (اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنتَ خير من زكاها، أنت وليها ومولاها) الهداية المقصودة: هي الهداية التوفيقية التي هي من الله، وهي أعظم نعم الله على العبد، وهي التي اختص الله بها: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦]. يحبب إلى العبد الإيمان، ويكره إليه الكفر والفسوق والعصيان، هذه هي الهداية التي لا يملكها إلا الله ، وهي المقصودة لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩] وهي المعنية في قوله : ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس:٢٥]. والهداية يا إخواني منةٌ من الله على عباده، كما قال : ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات:١٧] ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٩٤]. وقد استشعر الصحابة هذا المعنى وهو أن الهداية منة من الله ونعمة، ولذلك جاء في صحيح البخاري عن سلمة بن الأكوع ﵁، قال: (خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى خيبر فسرنا ليلاً، فقال رجلٌ من القوم لـ عامر بن الأكوع، ألا تسمعنا من هنيهاتك؟ -وكان عامر رجلاً شاعراً- فنزل يحدو بالقوم يقول: اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فاغفر فداءً لك ما اقتفينا وثبت الأقدام إن لاقينا فلما سمعه النبي ﷺ ، قال: من هذا؟ قالوا: عامر، فقال: يرحمه الله). وأعظم منةٍ من الله على نبيه ﷺ هي الهداية كما قال الله وعدد نعمه على نبيه ﷺ : ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى﴾ [الضحى:٧ - ٨]. وبين النبي ﷺ للصحابة هذا فقال عندما جمع الأنصار في الخطبة المؤثرة المشهورة: (يا معشر الأنصار! ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟ وعالةً فأغناكم الله بي؟) فبدأ أولاً بذكر الهداية من الضلالة، فالضلالة هي: الشرك، والهداية: الإيمان، وثنى بالتأليف والجمع وثلث بالغنى والمال، فرتب النعم ترتيباً بالغاً. وأهل الجنة حينما يدخلون الجنة يحمدون الله على نعمة الهداية التي هداهم في الدنيا: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣]. قال الطبري ﵀: الحمد لله الذي وفقنا للعمل الذي أكسبنا هذا الذي نحن فيه من كرامة الله وفضله وصرف عذابه عنا، هذه الهداية من الله يقذفها في قلوب من يشاء من عباده، وأحياناً يهتدي الشخص فجأةً بين عشيةٍ وضحاها كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح في شأن المهدي قال: (المهدي منا أهل البيت يصلحه الله في ليلة) فـ المهدي حقاً سيخرج وهو من أشراط الساعة ويحكم سبع سنين، يملأ الأرض عدلاً، كما ملئت ظلماً، ويعطي المال بدون عدٍ ولا إحصاء، وإنما يحثو حثيه، هذا الرجل يصلحه الله في ليلة، الهداية ليست لها قاعدة ولا مكان، فإن الله قد يهدي الرجل في أفسق الأماكن، وقد يضل بعضهم في مكة، فكثيرون من الناس ذهبوا إلى أمريكا فأضلهم الله، وبعضهم ذهبَ إلى هناك فهداه الله، فهذا شيء من الله لا يملكه أحد: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦].

стр. 4262

أسباب الهداية لكن للهداية أسباب كثيرة فمنها: أولاً: العلم؛ العلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته، فمن أراد الهداية فلا بد أن يكون عالماً بالله وأسمائه وصفاته: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩] وأن يعلم حق الرب على عبده وهو: أن يعبده لا يشرك به شيئاً. ثانياً: الإيمان، فهو من أعظم أسباب الهداية، الإيمان الذي هو الاعتقاد والتصديق بالجنان، والنطق باللسان، والعمل بالأركان، الذي يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان، وقال الله : ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١]. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ [يونس:٩] فالإيمان من أعظم أسباب الهداية. ثالثاً: الدعاء: وهو العبادة ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] ونحن نقول في الصلاة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] دلنا على الصراط المستقيم، وفقنا لطريقة الشرع وزدنا هدى، وكان النبي ﷺ قد قال لـ علي ﵁: (يا علي! سل الله الهدى والسداد، واذكر بالهدى هدايتك الطريق، وبالسداد تسديدك السهم) فضرب له المثل الحسي: إذا سألت الله الهداية تذكر كيف إذا خرجت إلى مدينة أو بلد سلكت طريقاً فإنك تجتهد في معرفة الطريق والاستدلال إلى المكان، وعدم الضياع عن هذا الطريق وفقدانه، وتذكر بطلبك السداد، تذكر بالسداد تسديدك السهم، فإن الذي يسدد يصوب ويجتهد. ومن أسباب الهداية: التوبة، كما قال الله : ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ [الرعد:٢٧] فإذا أناب العبد هداه الله . السبب الخامس من أسباب الهداية: المجاهدة؛ يقول الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩] والمجاهدة على نوعين: مجاهدة النفس، ومجاهدة الشيطان، وأيضاً جهاد أعداء الله، فأما مجاهدة النفس فهي أنواع، فمنها: مجاهدة النفس على تعلم الهدى، وثانياً: مجاهدة النفس على العمل بالعلم، وثالثاً: مجاهدة النفس على الدعوة لهذا العلم، ورابعاً: مجاهدتها على الصبر على الأذى في سبيل الدعوة إلى الله . وأما مجاهدة الشيطان فإنها تكون بأمرين: مجاهدة الشيطان بالشبهات التي يلقيها في نفس العبد، وكذلك مجاهدته على الشهوات التي يلقيها في نفس العبد ويثيرها. ومن أسباب الهداية أيضاً: الجماعة الطيبة، قال الله : ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ [الأنعام:٧١] وكيف يقتنع الشخص بأن الهداية هي مصلحته؟ بأن يعلم أنه هو المستفيد من الهداية ليس الله ، وأنه هو المتضرر من الضلالة وليس الله : ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ [يونس:١٠٨]. وجاء في الحديث القدسي: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجلٍ واحدٍ منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً). وهذه الهداية التي يقذفها الله في قلب من يشاء من عباده قد تكون عقب أمرٍ من الأمور وشيءٍ من الأشياء، فبعض الناس قد يهتدي من خطبة أو محاضرة، أو موعظة، أو دعاء تراويح، أو بعد حجٍ أو عمرةٍ، وبعضهم يهتدي لرؤيا يراها أو حادث يصيبه أو مصيبة كفقد وظيفته، أو موت قريبٍ، أو يمرض مرضاً تضعف نفسه فيه فيرجع إلى حقيقة أمره، ويفكر في شأنه فيهتدي، وبعضهم يهتدي بنصيحة أو دعوة يدعو بها رجل، وبعضهم يهتدي من رؤيةٍ نكبات المسلمين وما أصابهم، وبعضهم يهتدي بمرافقة الرفقة الطيبة، وبعضهم يكون مهتدياً من صغره، لتربيةٍ طيبةٍ في البيت. وأسباب الهداية كثيرة والتي يجعلها الله سبباً لدخول هذا النور إلى قلب العبد، وربما لو أنكم عدتم بأذهانكم إلى الوراء كل واحدٍ منكم، ففكر في السبب -إذا كان مستقيماً- الذي به أدخل الله الإيمان إلى قلبه، لوجد قصةً أو حادثةً كانت كذلك، ويمكنكم المشاركة بكتابة هذا الأمر من سببٍ عجيبٍ أو قصةٍ مؤثرة كانت سبباً في هدايتك أو هداية شخصٍ تعرفه، لنرى في الختام أمثلة واقعية من هذه الأشياء فيتعجب العبد من أقدار الله ، وقد تكون الهداية بحدث تعقبه الهداية فوراً، وقد يهتدي الإنسان تدريجياً كما إذا دخل في وسطٍ طيب، فإنه يبدأ بالتأثر وممارسة العبادات وهكذا حتى يصل إلى الهداية والاستقامة والالتزام بشريعة الله ، فقد لا يحس بالنقل المفاجئ بين عشية وضحاها ولكن يصل إلى المطلوب.

стр. 4263

أناس عادوا إلى الله لنتحدث عن بعض القصص من الماضين الذين هداهم الله ، كيف هداهم، وأمثلة عن هذه الأسباب.

стр. 4264

جبير بن مطعم وكيف اهتدى فمن ذلك هداية جبير بن مطعم الصحابي رضي الله تعالى عنه وكان قد جاء في أسارى بدر، وهؤلاء من حكمة النبي ﵊ وفطنته أنه جعله في مكانٍ قريبٍ من المسجد، وكان ربما جعل الأسير في المسجد حتى يسمع القرآن وصوت النبي ﷺ به، قال جبير: (سمعت رسول الله ﷺ قرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور:٣٥ - ٣٧] قال جبير: كاد قلبي أن يطير، وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي) يعني: سكن وثبت، وهذا الحديث في صحيح البخاري ﵀. قال ابن كثير: فكان سماعه هذه الآية من هذه السورة من جملة ما حمله على الدخول في الإسلام بعد ذلك، فقد تكون الهداية نتيجة أسباب تجتمع وقد لا تكون في وقتٍ واحد، لكن هذا السبب الآن مع سبب آخر بعده بشهر أو شهرين، أو سنة أو سنتين تحصل الأسباب التي تؤدي بالشخص إلى الهداية.

стр. 4265

زاذان وسبب هدايته ومن التابعين: زاذان ﵀ قال الذهبي في سير أعلام النبلاء: زاذان أبو عمر الكندي مولاه الكوف البزاز الضرير أحد العلماء الكبار، قال ابن عدي: تاب على يد ابن مسعود وعن أبي هاشم قال: قال زاذان: كنتُ غلاماً حسن الصمت جيد الضرب على الطمبور -وهو آلة من آلات العزف- فكنت مع صاحبٍ لنا وعندنا نبيذ -خمر- وأنا أغنيهم فمر ابن مسعود فدخل وضرب الباطية -يعني: إناء الخمر- فبددها وكسر الطمبور، ثم قال: [لو كان ما يسمع من حسن صوتك يا غلام بالقرآن كنتَ أنت أنت]-أي: لو كنت بدلاً من أن تصرف هذه الطاقة الصوتية الجميلة بهذا الغناء المحرم جعلته في القرآن كنتَ أنتَ أنتْ- ثم مضى فقلت لأصحابي: من هذا؟ قالوا: هذا ابن مسعود، فألقي في نفسي التوبة فسعيت أبكي وأخذت بثوبه فأقبل علي فاعتنقني وبكى وقال: [مرحباً بمن أحبه الله، اجلس ثم دخل وأخرج تمراً] وكثير من الأسانيد تجد فيها هذا الرجل زاذان ﵀.

стр. 4266

القعنبي ورجلٌ آخر من أهل الحديث وهو القعنبي من الرواة المشهورين قال أحد أولاده: كان أبي يشرب النبيذ ويصاحب الأحداث -أي: جماعةٌ من الفسقة- فدعاهم يوماً وقد قعد على الباب ينتظرهم -ينتظر هذه الشلة من أهل السوء- فمر شعبة بن الحجاج -المحدث المشهور الثقة المتقن الضاد- على حماره والناس خلفه يهرعون فاستغرب من المنظر فقال: من هذا؟ قيل: شعبة، قال: وماذا شعبة؟! قالوا: محدث، فقام إليه هذا القعنبي وعليه إزارٌ أحمر -معروف أن هذا اللبس ليس من لبس المؤمنين، فلقد نهينا عن لبس الأحمر الخالص للرجال- فقام إليه وعليه إزارٌ أحمر، فقال له: حدثني، فقال له: ما أنتَ من أصحاب الحديث فأحدثك! -لا سيماك سيما أصحاب الحديث ولا الهيئة ولا المنظر- ما أنت من أصحاب الحديث فأحدثك! فأشهر سكينه وقال: تحدثني أو أجرحك، فقال له: حدثنا منصور عن ربعي عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت). فرمى سكينته ورجع إلى منزله، فقام إلى جميع ما كان عنده من الشراب فأراقه وقال لأمه: الساعة يأتون أصحابي، فأدخليهم وقدمي الطعام إليهم، فإذا أكلوا فخبريهم بما صنعت بالشراب حتى ينصرفوا، ومضى من وقته إلى المدينة فلزم مالك بن أنس فأثر عنه ثم رجع إلى البصرة -وقد مات شعبة - فما سمع منه غير هذا الحديث.

стр. 4267

الفضيل بن عياض والفضيل بن عياض ﵀ توبته مشهورة نقلها الذهبي ﵀ أيضاً فقال: عن الفضل بن موسى: كان الفضيل بن عياض شاطراً -يعني: لصاً، الشاطر: هو اللص يقطع وينهب- يقطع الطريق بين أبي ورد وسرخس وكان سبب توبته أنه عشق جاريةً فبينما هو يرتقي الجدران إليها إذ سمع تالياً يتلو قول الله : ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد:١٦]. هذا جاره يقوم الليل بالقرآن، وهذا يتسور إلى المرأة الجدار ليفعل بها الفاحشة، فلما سمعها قال: بلى يا رب -وقعت في قلبه موقعاً، إذا شاء الله أن يهدي رجلاً كشف الحجب الكثيفة التي كانت تغطي قلبه، فدخل النور: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد:١٦] قال: بلى يا رب قد آن، فرجع فآواه الليل إلى خيمة، فإذا فيها أناس مسافرون، فقال بعضهم: نرحل، وقال بعضهم: حتى نصبح، لا نرحل الليلة، فإن فضيلاً على الطريق يقطع علينا، وقد سمعهم بالمصادفة قال: ففكرت وقلت: أنا أسعى بالليل بالمعاصي وقوم من المسلمين هاهنا يخافونني، وما أرى الله ساقني إليهم إلا لأرتدع، اللهم إني قد تبتُ إليك وجعلت توبتي مجاورة البيت الحرام.

стр. 4268

توبة لص في بيت مالك بن دينار والأمثلة كثيرة جداً من الهداية، لكن هذه قصة أخيرة عن توبة أحد اللصوص: جاء في سيرة مالك بن دينار، في سير أعلام النبلاء، قيل: دخل عليه لصٌ -أي: على مالك بن دينار وكان معروفاً بالزهد- فما وجد اللص ما يأخذه فانتبه مالك فنادى اللص قائلاً له: لم تجد شيئاً من الدنيا، فهل ترغب في شيءٍ من الآخرة؟ قال: نعم. قال: توضأ وصلِّ ركعتين، ففعل ثم جلس وخرج إلى المسجد فسئل مالك: من ذا؟ قال: جاء ليسرق فسرقناه. فهذا مثال عن ما يمكن أن ينتقل إليه الشخص من الإجرام إلى الاستقامة، ومن الضلالة إلى الهداية وهذا هو المطلوب، إذا صفت النفوس وأقبلت على الله فإن الله يهدي، وإذا ابتغى العبد أسباب الهداية فإن الله لا يضله، الله رحيمٌ بعباده، لا يضل من أراد الهداية، لكن الناس أنفسهم يظلمون بعدم إرادتهم الهداية.

стр. 4269

معوقات الهداية وقد مر معنا من أسباب الهداية: المجاهدة: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩]. وهذه المجاهدة هي التي خالفها الكثير من الناس فلذلك لا يهتدون؛ أو أنهم يعلمون شيئاً من الشريعة والدين، لكنهم لا يعلمون الكثير ولا يطبقون.

стр. 4270

الاحتجاج بالمشيئة من معوقات الهداية: الاحتجاج بالمشيئة، هذا الذي نسمعه كثيراً من الناس، الذين يقولون: لو شاء الله لهدانا، وهؤلاء قد سبقهم الكفار بالاحتجاج بالمشيئة، فقال الله عنهم: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف:٢٠] لو شاء الرحمن ما عبدنا هؤلاء وأشركنا في الله، وقال في آية أخرى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام:١٤٨]. احتج المشركون بالمشيئة، كلامهم في الظاهر صحيح، لو شاء الله ما أشركوا لا شك في ذلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٠]، لكن الله كذبهم، وقال في آية الأنعام: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الأنعام:١٤٨] وقال في آية الزخرف: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الزخرف:٢٠]. فكيف كذبهم وظاهر كلامهم صحيح؟! الجواب لأن مرادهم بكلامهم: لو شاء الله ما أشركنا، قولهم: إن الله لما كان قادراً على منعهم ولم يمنعهم دل ذلك عندهم على أنه راضٍ عنهم وعن الشرك، قالوا: لو لم يكن راضياً لصرفنا، فكذبهم الله على هذا الزعم، وأن الله لو شاء شيئاً لا يعني أنه يحبه، ولو قدر شيئاً ليس يقتضي ذلك أنه يحبه، فإن الله يشاء الخير ويشاء الشر ، ولا يمكن أن تقول: ما دام الله شاء هذا، يعني: أن الله يحبه وأن الله يقره، أبداً. ولذلك هؤلاء العصاة الذي يقولون: لو شاء الله لصرفنا عن هذا الشرك، لو شاء الله لهدانا، نقول: إذا كنتم تحتجون بواقعكم على أنه صحيح، بأن الله شاء ذلك فأنتم ضلال، فالله شاء كل ما يقع، لا يقع شيءٌ إلا بمشيئته قطعاً، خلافاً لمن ضل في ذلك من القدرية، وإذا كنتم تقولون: إننا مجبورون على الفعل، ولو شاء الله لأخرجنا، لكنه جبرنا على المعصية، فنقول: أنتم ضلالٌ أيضاً، فإن الله قد أعطاكم الإرادة. قدر الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض، وكتب أهل الجنة وأهل النار، وأقام الحجة على الجميع بإرسال الرسل وإنزال الكتب، ووفق من شاء توفيقه، ولم يوفق من سبق عليه الكتاب الشقاء، وخلق لكل إنسانٍ قدره، فلا يحتج أحد بأنه مجبور؛ لأن له قدرة وإرادة، ولا يحتج أحد على الغواية بأنه لا يعرف الحق، فالله قد أرسل الرسل وأنزل الكتب، وبين طريق الخير والشر: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠] وهذا الفاسق الذي يفعل ما يفعل يفعله مختاراً ليس مجبوراً، طائعاً غير مكره هو الذي اختار شرب الخمر فشرب، وهو الذي اختار الزنا فزنى، وهو الذي اختار سماع الغناء فسمع، وهو الذي اختار الإسبال فأسبل ونحو ذلك، فهو الذي اختار بإرادته وقدرته التي أعطاه الله إياها ولذا اختار الشر، فلا يصح بعد ذلك لإنسان أن يقول: أنا مجبور! أو أن يحتج بمشيئة الله على أن الله يرضى واقعة السيئ، كلا. بعد هذا كله لو خالف فهو يستحق العقاب، والهداية لا تصل إلى الناس من الشباك وهم يتفرجون أو وهم نائمون، تصل إليهم الهداية يقولون: نحن ننتظر الهداية تظن أن الهداية شيءٌ سيأتي من خلفك فيقذف فيك بدون أي عملٍ منك؟! بل إن الإنسان لو رأى أمامه أشد الحوادث تأثيراً! لو كان قلبه مغلفاً لا يريد التأثر فإنه لن يتأثر.

стр. 4271

تكرار الوقوع في المعصية ومن عوائق الهداية: تكرار الوقوع في المعصية، فإن بعض الناس يقول في نفسه: أنا أدخن وأترك ثم أدخن وأترك، ثم أدخن وأترك، أنا أحلق اللحية ثم أعفيها، أحلقها ثم أعفيها، ثم أحلقها ثم أعفيها، أنا أسمع الأغاني ثم أترك، وأسمع الأغاني ثم أترك، فيقول: أنا لستُ مستعداً لهذا التردد؛ فيفلت العنان لنفسه وهواه، ويرجع إلى الضلال ويستمر فيه، فنقول له: يا هذا! لا شك أنك عند رجوعك عن الباطل، وإن كان لفترة مؤقتة فإنك أحسن من الذي يستمر عليه دائماً! إذا رجعت فأنت أحسن من الذي يدخن دائماً أو يحلق دائماً أو يسمع المحرمات دائماً، ثم إن الازدواجية التي وقعت فيها ينبغي أن تدفعك إلى الثبات على الحال الحسن، واختيار الخير، وليس أن ترجع وتستقر على الحال السيئ، ثم إن الإنسان إذا وقع في معصية فإن ذلك لا يعني أن يترك بقية الطاعات، هب أنك وقعت في معصية، هل تترك بقية الطاعات، وتقول: ما دام ارتكبت بعض المعاصي، إذاً سأسلك سبيل المعاصي المفتوح بجميع ما فيه؟ كلا. ثم إن هذا الحديث يدل على أن الإنسان إذا فعل معصية، فإنه يرجع ويتوب، وليس أن يقول: وقعت فأكمل فيما وقعت فيه، لا. عن ابن مسعود قال: (جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! وجدت امرأةً في بستان ففعلت بها كل شيء، غير أني لم أجامعها، قبلتها ولزمتها ولم أفعل غير ذلك، فافعل بي ما شئت، فلم يقل الرسول ﷺ شيئاً، فذهب الرجل، فقال عمر: لقد ستر الله عليه لو ستر نفسه، فأتبعه رسول الله ﷺ النظرة ثم قال: ردوه علي، فردوه عليه، فقرأ عليه قول الله : ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤] فقال معاذ ﵁ -وفي رواية: عمر -: يا رسول الله! أله وحده أم للناس كافة؟ قال: بل للناس كافة). فنقول: إذا وقع الإنسان في معصية لا يستسلم، بل يقبل على الله ويتوب، يذهب ويتوضأ ويصلي ركعتي التوبة، وإذا كانت جريمة يذهب فيعمل عمرة أو يحج من أجل هذه المعصية، فإن عمر قال عن ذنبٍ فعله: [فعملت لذلك أعمالاً من أجل هذا الذنب].

стр. 4272

القنوط من رحمة الله ومن عوائق الهداية: أن بعض الناس يعتقد أن الله لا يمكن أن يغفر له، وأن ذنوبه كثيرة جداً، من كثرة سيئاته لا يمكن أن يغفر الله له، وهذا باطل، وهذا سوء ظن بالله، وهو شكٌ في قدرة الله، بل إن الله قد قال في الحديث القدسي: (من علمَ أني ذو قدرةٍ على مغفرة الذنوب غفرتُ له ولا أبالي، ما لم يشرك بي شيئاً). إذاً لا يمكن للإنسان أن يقول: لن أدخل الهداية؛ لأن ذنوبي أكثر من أن يغفرها الله، هذا باطل وهذا اعتقادٌ محرم، بل ينبغي أن يتوب إلى الله، ويقبل على الله ما دام لا يشرك بالله شيئاً: (لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً، لأتيتك بقرابها مغفرة).

стр. 4273

النظرة الخاطئة للالتزام ومن عوائق الهداية: اعتقاد أن جو الهداية شدة وتزمت ووسوسة ورهبنة وحرمان وتحريم الضحك ونحو ذلك من الأشياء الباطلة. الجواب كلا. فإن جو الهداية على عكس من ذلك، هو اطمئنان وسكون وسرور وحبور وفرح نفسي وطمأنينة يقذفها الله في قلوب المهتدين، ويحصل في قلوبهم من أنواع السرور ما يحمد به العبد ربه على نعمة الهداية، وليست الهداية تحريماً للطيبات، فإن الله قد قال: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف:٣٢] من الذي حرمها؟ الله أباحها فمن الذي يجرؤ على تحريمها؟!

стр. 4274

التسويف ومن عوائق الهداية: التسويف؛ فإن بعض الناس يخطر في باله خاطر الهداية، يأتيه خاطر من الملك أن يهتدي؛ لأن الله جعل مع الإنسان ملكاً وشيطاناً، الملك يأمره بالخير والشيطان يأمره بالشر. يأتيه الخاطر من الملك أن يتوب ويهتدي، ويترك ما هو فيه من الباطل، فبعض الناس يسوف يقول: سوف أفعل ذلك إن شاء الله في المستقبل سوف أفعل ذلك، فنقول: هذا شيءٌ لا تعرف نهايته، فقد تموت قبل ذلك، وتقول نفسٌ: ﴿يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّه﴾ [الزمر:٥٦] لو أن الله هداني: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ:٥٤] وقد يقال له عند موته: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠] وهذا التسويف من أضر الأشياء على العبد، فبسببه تؤخر التوبة وتؤخر مشاريع الانتقال إلى طريق الخير والهداية بسبب التسويف، كلما جاء بواب الخير كلما جاء طارق الخير صرفه بواب لعلّ وعسى، ثم إن الإنسان إذا استمر في الشر صار الشر عادة، فصار ترك الشر صعباً عليه، كمثل رجلٍ خرجت له نبتةٌ في بيته، في مكان غير مناسب مؤذٍ، فقال: اليوم أقتلعها، غداً أقتلعها وهي تنمو وتكبر اليوم أقتلعها غداً أقتلعها، حتى إذا كبرت وصارت جذورها ضاربةً في الأرض وقويت صار هو في المقابل أضعف وأعجز، والشجرة صارت أقوى وأكبر فأنى له أن يقتلعها؟! ولذلك من البداية غير ولا تسوف.

стр. 4275

ربط الالتزام بأشياء أخرى ومن معوقات الهداية: ربط الأشياء بعضها ببعض، وترتيب الأشياء بعضها على بعض، وهذا من حيل الشيطان، كما قال بعضهم مرةً قال لي: أنا أشتهي وأريد أن أعفي لحيتي، قلتُ: ما الذي يمنعك من ذلك؟ قال: لأنني عقدت العزم على أن أفعل ذلك بعد حدوث شيءٍ معين، وما هو؟ قال: إنني الآن في مرحلة الخطوبة يعني: الآن أخطب وأتقدم إلى الناس لأتزوج، فإذا تزوجت أنوي أن أحج بالمرأة، فإذا حججت بها فمن ذلك الوقت -من بعد الحج- سأترك المنكرات وأعفي لحيتي، فهذا علق قضية هذه الطاعة على الزواج! ثم يعلق الزواج على الحج، فيربط الأشياء بعضها ببعض، ويقول: أريد شيئاً نهائياً، فنقول: ابدأ من الآن حتى إذا دخلت سهل عليك، لكن أن تقول: سأفعل ذلك إذا تزوجت وحججت وعند ذلك عصمت نفسي وعند ذلك صرتُ عفيفاً، والحج يهدم ما قبله، وابدأ عند ذلك صفحةً جديدة، نقول: يا أخي! التوبة تفتح لك صفحة جديدة، ليس بشرط أن تتزوج وتحج حتى تفتح صفحة جديدة! ممكن أن تفتح صفحة جديدة الآن، وما يدريك فقد يأتيك ملك الموت قبل أن تتزوج أو قبل أن تحج، فما عذرك عند الله؟!.
следующие страницы →