← Джавами‘

Джавами‘ · id 7704

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (7 040 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.

стр. 4271

تكرار الوقوع في المعصية ومن عوائق الهداية: تكرار الوقوع في المعصية، فإن بعض الناس يقول في نفسه: أنا أدخن وأترك ثم أدخن وأترك، ثم أدخن وأترك، أنا أحلق اللحية ثم أعفيها، أحلقها ثم أعفيها، ثم أحلقها ثم أعفيها، أنا أسمع الأغاني ثم أترك، وأسمع الأغاني ثم أترك، فيقول: أنا لستُ مستعداً لهذا التردد؛ فيفلت العنان لنفسه وهواه، ويرجع إلى الضلال ويستمر فيه، فنقول له: يا هذا! لا شك أنك عند رجوعك عن الباطل، وإن كان لفترة مؤقتة فإنك أحسن من الذي يستمر عليه دائماً! إذا رجعت فأنت أحسن من الذي يدخن دائماً أو يحلق دائماً أو يسمع المحرمات دائماً، ثم إن الازدواجية التي وقعت فيها ينبغي أن تدفعك إلى الثبات على الحال الحسن، واختيار الخير، وليس أن ترجع وتستقر على الحال السيئ، ثم إن الإنسان إذا وقع في معصية فإن ذلك لا يعني أن يترك بقية الطاعات، هب أنك وقعت في معصية، هل تترك بقية الطاعات، وتقول: ما دام ارتكبت بعض المعاصي، إذاً سأسلك سبيل المعاصي المفتوح بجميع ما فيه؟ كلا. ثم إن هذا الحديث يدل على أن الإنسان إذا فعل معصية، فإنه يرجع ويتوب، وليس أن يقول: وقعت فأكمل فيما وقعت فيه، لا. عن ابن مسعود قال: (جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! وجدت امرأةً في بستان ففعلت بها كل شيء، غير أني لم أجامعها، قبلتها ولزمتها ولم أفعل غير ذلك، فافعل بي ما شئت، فلم يقل الرسول ﷺ شيئاً، فذهب الرجل، فقال عمر: لقد ستر الله عليه لو ستر نفسه، فأتبعه رسول الله ﷺ النظرة ثم قال: ردوه علي، فردوه عليه، فقرأ عليه قول الله : ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤] فقال معاذ ﵁ -وفي رواية: عمر -: يا رسول الله! أله وحده أم للناس كافة؟ قال: بل للناس كافة). فنقول: إذا وقع الإنسان في معصية لا يستسلم، بل يقبل على الله ويتوب، يذهب ويتوضأ ويصلي ركعتي التوبة، وإذا كانت جريمة يذهب فيعمل عمرة أو يحج من أجل هذه المعصية، فإن عمر قال عن ذنبٍ فعله: [فعملت لذلك أعمالاً من أجل هذا الذنب].

стр. 4272

القنوط من رحمة الله ومن عوائق الهداية: أن بعض الناس يعتقد أن الله لا يمكن أن يغفر له، وأن ذنوبه كثيرة جداً، من كثرة سيئاته لا يمكن أن يغفر الله له، وهذا باطل، وهذا سوء ظن بالله، وهو شكٌ في قدرة الله، بل إن الله قد قال في الحديث القدسي: (من علمَ أني ذو قدرةٍ على مغفرة الذنوب غفرتُ له ولا أبالي، ما لم يشرك بي شيئاً). إذاً لا يمكن للإنسان أن يقول: لن أدخل الهداية؛ لأن ذنوبي أكثر من أن يغفرها الله، هذا باطل وهذا اعتقادٌ محرم، بل ينبغي أن يتوب إلى الله، ويقبل على الله ما دام لا يشرك بالله شيئاً: (لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً، لأتيتك بقرابها مغفرة).

стр. 4273

النظرة الخاطئة للالتزام ومن عوائق الهداية: اعتقاد أن جو الهداية شدة وتزمت ووسوسة ورهبنة وحرمان وتحريم الضحك ونحو ذلك من الأشياء الباطلة. الجواب كلا. فإن جو الهداية على عكس من ذلك، هو اطمئنان وسكون وسرور وحبور وفرح نفسي وطمأنينة يقذفها الله في قلوب المهتدين، ويحصل في قلوبهم من أنواع السرور ما يحمد به العبد ربه على نعمة الهداية، وليست الهداية تحريماً للطيبات، فإن الله قد قال: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف:٣٢] من الذي حرمها؟ الله أباحها فمن الذي يجرؤ على تحريمها؟!

стр. 4274

التسويف ومن عوائق الهداية: التسويف؛ فإن بعض الناس يخطر في باله خاطر الهداية، يأتيه خاطر من الملك أن يهتدي؛ لأن الله جعل مع الإنسان ملكاً وشيطاناً، الملك يأمره بالخير والشيطان يأمره بالشر. يأتيه الخاطر من الملك أن يتوب ويهتدي، ويترك ما هو فيه من الباطل، فبعض الناس يسوف يقول: سوف أفعل ذلك إن شاء الله في المستقبل سوف أفعل ذلك، فنقول: هذا شيءٌ لا تعرف نهايته، فقد تموت قبل ذلك، وتقول نفسٌ: ﴿يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّه﴾ [الزمر:٥٦] لو أن الله هداني: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ:٥٤] وقد يقال له عند موته: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠] وهذا التسويف من أضر الأشياء على العبد، فبسببه تؤخر التوبة وتؤخر مشاريع الانتقال إلى طريق الخير والهداية بسبب التسويف، كلما جاء بواب الخير كلما جاء طارق الخير صرفه بواب لعلّ وعسى، ثم إن الإنسان إذا استمر في الشر صار الشر عادة، فصار ترك الشر صعباً عليه، كمثل رجلٍ خرجت له نبتةٌ في بيته، في مكان غير مناسب مؤذٍ، فقال: اليوم أقتلعها، غداً أقتلعها وهي تنمو وتكبر اليوم أقتلعها غداً أقتلعها، حتى إذا كبرت وصارت جذورها ضاربةً في الأرض وقويت صار هو في المقابل أضعف وأعجز، والشجرة صارت أقوى وأكبر فأنى له أن يقتلعها؟! ولذلك من البداية غير ولا تسوف.

стр. 4275

ربط الالتزام بأشياء أخرى ومن معوقات الهداية: ربط الأشياء بعضها ببعض، وترتيب الأشياء بعضها على بعض، وهذا من حيل الشيطان، كما قال بعضهم مرةً قال لي: أنا أشتهي وأريد أن أعفي لحيتي، قلتُ: ما الذي يمنعك من ذلك؟ قال: لأنني عقدت العزم على أن أفعل ذلك بعد حدوث شيءٍ معين، وما هو؟ قال: إنني الآن في مرحلة الخطوبة يعني: الآن أخطب وأتقدم إلى الناس لأتزوج، فإذا تزوجت أنوي أن أحج بالمرأة، فإذا حججت بها فمن ذلك الوقت -من بعد الحج- سأترك المنكرات وأعفي لحيتي، فهذا علق قضية هذه الطاعة على الزواج! ثم يعلق الزواج على الحج، فيربط الأشياء بعضها ببعض، ويقول: أريد شيئاً نهائياً، فنقول: ابدأ من الآن حتى إذا دخلت سهل عليك، لكن أن تقول: سأفعل ذلك إذا تزوجت وحججت وعند ذلك عصمت نفسي وعند ذلك صرتُ عفيفاً، والحج يهدم ما قبله، وابدأ عند ذلك صفحةً جديدة، نقول: يا أخي! التوبة تفتح لك صفحة جديدة، ليس بشرط أن تتزوج وتحج حتى تفتح صفحة جديدة! ممكن أن تفتح صفحة جديدة الآن، وما يدريك فقد يأتيك ملك الموت قبل أن تتزوج أو قبل أن تحج، فما عذرك عند الله؟!.

стр. 4276

الاحتجاج بواقع بعض الملتزمين ومن عوائق الهداية أيضاً: الاحتجاج بواقع بعض الناس الذين ظاهرهم الالتزام، لكنهم عندهم معاصٍ وإساءات، فيقول لك: انظر هذا فلان، لحيته هذا طولها، ومع ذلك رأيته ينظر إلى النساء، أو أنه يلعب بفواتير الشركة، أو أنه ليس بنظيف، أو أن فلانة محجبة، لكن أنها تفعل من وراء الحجاب أشياء، نقول: وما لك ولهم، إذا كان ظاهرهم الطاعة، وباطنهم عندهم فسق؟ هل هذه حجة أمام الله تحتج بها يوم القيامة؟ إذا سألك: لماذا لم تسلك سبيل الاستقامة والهداية قلت: فلان هذا ظاهر الهداية، لكن في الحقيقة عنده أمور أخرى؟! نعلم بأن هناك منافقين بالمجتمع هل ألوان النفاق هي حجةٌ لك على ترك الهداية؟ أبداً لا يمكن أن تكون حجة: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥] الحق نفسك، قبل أن تؤتى فلا تستطيع الحراك. وكذلك فإن الإنسان يلجأ إلى المنهج، ولو انحرف الأشخاص، فهو لا يربط هدايته بفلان أو فلانة، فإذا ضل فلان ضل معه، وإذا اهتدى فلان اهتدى معه، كلا. بل هو دائماً مع المنهج مع القرآن والسنة يدور معهما حيثما دارا، ولا عليه من تصرفات الناس وأخطائهم؛ أخطاء الناس ليست بحجة على الشريعة، الشريعة هي حجة على الناس، ونحن نعرف الرجال بالحق، ولا نعرف الحق بالرجال.

стр. 4277

اعتقاد أن النية الطيبة وحدها تكفي وكذلك من معوقات الهداية: اعتقاد أن النية الطيبة وحدها تكفي، وأن الأعمال لا داعي لها ما دام أن القلب طيبٌ وسليم، فنقول: هذا زعمٌ فاسد، الله قال لأهل الجنة: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٣٢] فالأعمال سبب لدخول الجنة، فإذا لم تعمل، فبأي شيءٍ تدخل الجنة، والله مدح الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فإذا لم تعمل الصالحات، فبأي شيءٍ تنجو يوم القيامة؟!: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البروج:١١]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ [يونس:٩] ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾ [مريم:٩٦]. هؤلاء الناجون، لكن إذا لم تعمل الصالحات؟ فبأي شيءٍ أو على أي حالٍ تكون يوم القيامة، الإيمان قولٌ وعمل، أما الضلال هم الذين يقولون الإيمان هو: الاعتقاد بالقلب والتصديق فقط.

стр. 4278

النظر إلى من هو دونه في الالتزام ومن معوقات الهداية أيضاً: أن ينظر الشخص إلى من هو دونه في الدين، فيقول: أنا أصلي الصلوات الخمس، فلان يقطع الصلوات، وإذا كان يقطع الصلوات قال: أنا أفضل من فلان؛ فلان لا يصلي أبداً، وإذا كان لا يصلي أبداً، قال: أنا أفضل من البوذي وعابد البقر، فنقول: هذا مفهوم خاطئ وهذه نظرة منحرفة، فإن الإنسان في الدين ينظر إلى من هو أعلى منه، ثم أنه قد جعل لنا قدوة نقتدي به وأمرنا باتباعه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]، ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١] ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:٩٠]. لكن متى تنظر إلى من هو دونك؟ في أمور الدنيا، كما قال النبي ﷺ : (انظروا إلى من هو أسفل منكم في أمور الدنيا، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم) رواه أحمد ومسلم وغيرهما. فعلى الإنسان أن ينظر إلى من هو دونه في الدنيا، فيرى من هو أسوأ منه حالاً فيحمد الله على النعمة التي هو فيها، لكن في الدين، لا يقارن نفسه بمن هو أدنى منه، وإلا فإنه سينزل درجات أو دركات.

стр. 4279

النظر إلى المكاسب والمغانم الدنيوية ومن عوائق الهداية: هواة المكاسب والمغانم الدنيوية، فبعض الناس يعملون في أعمال محرمة كرجلٍ يعمل في مؤسسة ربوية، أو في عمل محرم في فندقة أو سياحة يشارك في المحرمات كالفواحش والخمور، ونحو ذلك من الأعمال المحرمة، فإذا جاءه خاطر الهداية، قال: الآن لو اهتديت، وجب علي ترك العمل؛ لأنه محرم يتناقض مع الهداية، فإذا تركت العمل فات المرتب والمرتبة! وأين أجد عملاً آخر؟ أو فاتني الجاه والمنصب، كما وعظ أبو العتاهية الشاعر الخليع أبا نواس فماذا رد عليه أبو نواس، قال: أتراني يا عتاهي تاركاً تلك الملاهي أتراني مفسداً بالنسك عند القوم جاهيِ تريدني أن أصبح متنسكاً فأفسد جاهي عند القوم، أنا محدثهم أو أنا مضحكهم والذي أقص عليهم القصص التي ترفه عنهم ونحو ذلك، فكان مقرباً من بعض السلاطين، وكان يحبه الوجهاء والأغنياء ونحو ذلك من السفهاء والفسقة، فيأتون به يحدثهم ويقص عليهم، فإذا اهتدى معناه أنه سيترك هذه الأجواء وتفوته الأعطيات، أو يكون الإنسان في مكان يأخذ الرشاوى والعمولات، فإذا جاء خاطر الهداية، قال: سيفوتني هذا الدخل وهذه الأموال، هذه أشياء دنيوية زائلة، والدنيا كلها ملعونة بنص الحديث: (الدنيا ملعونة؛ ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، أو عالمٌ ومتعلم) ثم نقول: إن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣]. فاتركها لله يعوضك الله خيراً منها.

стр. 4280

حب التحرر وعدم التقيد ومن عوائق الهداية: حب التحرر وعدم التقيد، وإن بعض الناس يعتقد أن الهداية تقييدات وكبت للحريات، وتعتقد بعض الفتيات بأن الالتزام كبتٌ لحريتها، وتركٌ للزينة والخروج والكلام في الهاتف، كما يعتقد ذلك أيضاً بعض الفسقة من الناس يقولون: هذا تقييد، هذه قيود نحن لا نريد القيود، نصافح النساء والأقارب وغير المحارم، نتبرج، نسافر إلى بلاد الكفار، نسيح في الأرض، نسمع ما نشاء، نرى الأفلام، لا نريد الهداية؛ الهداية تقيدنا، وتكبلنا، وهي ثقيلة على النفس. نقول: هذا صحيح، لكن اعلم أنك أن تكون عبداً لله خيرٌ من أن تكون عبداً لشهواتك، وأن الجنة قد حفت بالمكاره، ولا شك أن هذه الأشياء المحرمات تقييد لا شك، لكن من قيد نفسه بالشريعة في الدنيا، أخذ حريته يوم القيامة، ومن كان عبداً لشهواته في الدنيا، فهو من أهل النار يوم القيامة، ثم إن الطاعة فيها حلاوة، وهذا شيء ثابت ومجرب، قاله العلماء والزهاد والعباد، كما قال بعضهم: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة! وقال بعض السلف: إنه لتمر بالقلب ساعة أقول فيها لنفسي: إن كان أهل الجنة دائماً في مثل هذا، فهم في نعيمٍ كبير. فإذاً الإيمان له حلاوة، والحلاوة هذه تنسيك جميع التقييدات التي تتصورها أنت عائقاً عن الهداية.

стр. 4281

الخوف من اضطهاد المجتمع والأهل وأذيتهم ومن عوائق الهداية: خوف الاضطهاد والأذية التي قد تكون من بعض الأقرباء أو أهل البيت، بل قد تكون من الأب والأم والإخوان، أو من زملاء العمل، أو الدراسة، أو الجيران، ونحوهم من أهل الشارع، فيمر المتمسك بالدين بينهم فيستهزئون ويسخرون ويلمزون ويغمزون بمظهره أو لحيته وثوبه، أو حجابها، وربما تعدت الأذية إلى أن يسجن أو يفصل أو يضرب ونحو ذلك من أنواع الاضطهاد والأذية، فنقول: هذه طبيعة هذا الدين: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢]. هذا طريق الأنبياء، الجنة حفت بالمكاره، وليس من الصحيح أن تتصور أنك إذا اهتديت فلابد أن تجد الطرق معبدة مذللة، وكل الناس يضربون لك تحية احترام، لا. فإنك ستصاب بسبب التزامك بالدين بأنواع من الأذى، هذا ما حصل للنبي ﵊، سبوه وشتموه وخنقوه وبصقوا في وجهه، وجعلوا الشوك في طريقه، وضعوا سلى الجزور على رقبته عذبوا أصحابه وسلسلوهم بالسلاسل قتلوا بعضهم جرحوهم وحاصروهم في الشعب جوعوهم حملوا السلاح عليهم، إذاً الإنسان الذي يتصور أنه إذا اهتدى سيعيش في أمان وسلام، هذا تصور عن هذا الدين وهو تصور ناقص مشوه ليس بصحيح. نعم. ليس بالضرورة أن تحدث لك مشكلات، لكن إذا حدثت فينبغي لك أن تتوقع ذلك، خصوصاً في هذا الزمان الذي هو زمان الغربة؛ غربة الدين، وغربة الإسلام، وبعض الناس يقول: أنا سأجرب الالتزام والدخول في الهداية وأرى، إذا صارت أموري جيدة والناس احترموني أكملت الطريق، وإلا رجعت، هذا الذي يعبد الله على حرف: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج:١١]. كان بعضهم يأتي إلى المدينة يسلم، يقول: نجرب هذا الإسلام، فإن نتجت خيله ورزق ولداً وجاءه مال، قال: هذا دينٌ حسن، وإذا لم تنتج خيله ولا جاءه ولد، ولا رزق مالاً، قال: هذا دين سوء قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج:١١]. فنقول: التزامك بالدين هذا يكلفك أشياء كثيرة، فيه مصاعب، وفتن، لا شك في ذلك، يتفاوت الناس فيها، ولذلك لابد من توطين النفس على هذا، أما أن نفر من الواقع ونفر من الزحف لأي أذى نصادفه ونرجع وننتكس ونقول: مالنا وللمشاكل؟ ودعونا من الالتزام بهذا الدين فإنه مشاكل ومصائب، فلا شك أن صاحب هذا مسكين، وهو الخاسر؛ لأن هذه الدنيا زائلة وماضية وعابرة بكل ما فيها من الفتن والاضطهادات والمشكلات، فهي زائلة وعابرة، والحياة الحقيقية في الآخرة: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٦٤]. الحيوان: الحياة الأبدية الدائمة المستقرة. وبعد ما عبرنا على بعض الأمور التي تتعلق بالهداية، فإننا نتكلم -إن شاء الله- في الشق الثاني من هذا الموضوع عن قضية الانتكاس.

стр. 4282

الانتكاس قد سبق الكلام في موضوع الانتكاس في بعض المحاضرات الماضية، ونريد أن نجدد بعض المفاهيم والتصورات، وأن نعيد إلى الأذهان بعض القضايا المتعلقة بذلك، ولأبدأ هذا الشق معكم ببعض الرسائل التي جاءتني متنوعة، اخترت منها رسالة من عامل ورسالة من فتاة، ورسالة من شاب، ورسالة من داعية، كلها تتعلق بموضوع الانتكاس. فلنقرأ بعض هذا، ثم نبين بعض الأسباب والعلاجات.

стр. 4283

رسالة من شاب منتكس هذه رسالةٌ من شابٍ تائهٍ يتخبط، فأرجو أن تقرأ رسالتي بدون ملل لأهميتها القصوى وأرجو الرد عليها بسرعة. أنا شابٌ عمري ثمانية وعشرون سنة، حاصل على الشهادة الفلانية ومتزوج وعندي طفلان، وأتيت للعمل، وراتبي كذا، وقد انقلبت حياتي رأساً على عقب، فأنا كنتُ في بلدي شاباً ملتزماً جداً، وأصلي الصلوات الخمس في وقتها، وفي الشتاء والليل والبرد القارس وأصلي الفجر، وأقوم الليل، وأقرأ وأحفظ القرآن وأزور في الله وأتصدق. ولا يفوتني درسٌ علميٌ ديني، وكنتُ أدعو الله ولا أسمع الأغاني، وإذا رأيت تلفازاً أدرت له ظهري والنساء عندنا عاريات وبرغم ذلك كنتُ أغض بصري، وغير ذلك من أعمال الخير ولا أزكي نفسي على الله، ولكن ماذا حدث لي الآن؟ انظر الفارق بين القلب الخير والقلب القاسي أصبحتُ لا أصلي في المسجد سوى وقتين أو ثلاثة، ولا أصلي الفجر إلا قليلاً، أستمع إلى الغناء، وأشاهد التلفاز، بل في بعض الأحيان الفيديو، ولم أحضر درساً علمياً واحداً سوى خطبة الجمعة، ومع أن النساء في حجاب أحسن حالاً في المكان الذي أنا فيه، رغم ذلك أنظر إليهن، ونسيت ما حفظته من القرآن، وألغو في كلامي، وأتحدث ما كنتُ أستحي منه قبل ذلك، وغير ذلك من الأمور التي أستغرب أنا شخصياً من فعلها، وهذا التحول له أسباب منها: أولاً: أنا أسكن مع شابين لا يحلون حلالاً ولا يحرمون حراماً إلا نادراً، ويستمعون الغناء والموسيقى والتلفاز بكثرة، وقد جاهدتهم ولكن أصبحت أخوض معهم، ليس عندي وقت لحضور دروس العلم، ووجدت الناس قلوبهم مغلقة وقاسية ولا هم له سوى جمع المال، لا أجد أصدقاء يعينوني على طاعة الله، وكذلك فإنني أبيع العطورات، وتدخل علي النساء وهن على كل شكلٍ وقد تطلب الواحدة مني وتقول: هل تبغي؟ فإذا وجدتني أصمت من هول الصدمة تلاحقني، وتقول: هات مائتين ريال وهيا، وفي مواجهة هذه الفتنة قمت بأعمال العادة السرية التي لم أستعملها في حياتي، وأنا الآن بعيدٌ عن أهلي إلى آخر الرسالة.

стр. 4284

فتاة تشكو الانتكاس وهذه رسالة من فتاةٍ تقول: كنتُ أعيش في هذه الدنيا في طاعة الله، وأصلي وأتصدق وأذكر الله ، وكنتُ أقوم بأعمالٍ كثيرة من الطاعات، ولكن الآن انقلب أمري رأساً على عقب، فصرتُ لا أصلي وأكره الصلاة، وقطعت رحمي ونسيتُ أهلي وتشاحنت مع أخواتي على دنيا فانية، واغتبت أختي، وكذلك فإنني الآن حزينة على نفسي أشد الحزن، ولا أدري كيف لا أعود عن خطئي، وأنا الآن غافلة وتراودني المشاعر للتوبة الصادقة، ولقد ظلمت نفسي وضيعتها وأهويتُ بها في الجحيم كل ذلك حدث خلال سنةٍ واحدة، أقطع الصلوات، وصيامي عن الطعام والشراب فقط، كنتُ أقسم مصروف المدرسة بيني وبين الصدقة، والآن لا أخرج شيئاً، وإن سألتني عن لساني فلقد اتخذت الكذب هواية، والغيبة فاكهة، والنميمة وسيلة لأعيش بها، والشتائم والمسبات صارت روتيناً دارجاً لا أستطيع تركه، وإن سألت عما أرى فإنني أرى الأفلام ولا أغض بصري، وأسهر على المسلسلات، وأذني لسماع الموسيقى والأغاني، والحسد قائم، وأنا عاقةٌ لوالدي، وأهملت حتى في الدراسة إلى آخر هذه الرسالة الطويلة. ورسالة أخرى من شاب من المغرب يقول: كنتُ في بيتٍ تربيت فيه تربية دينية وأحافظ على الصلوات منذُ الصغر، وأرافق والدي إلى المسجد وأنا ابن ثلاث سنين، وأتقنت كل العبادات، وأحسست برضا الله ورضا الناس، وكنت الوحيد الذي يدخل المسجد في سن مبكرة كسني، وكانت تلك السنوات أحسنها ما في تاريخ ميلادي، لكن ما أن وصلت إلى سن المراهقة بدأت أتأخر في صفوف المصلين، وفجأةً انقطعت عن الصلوات، ورافقت أصدقاء السوء من حولي، وفارقت بلدي للدارسة فانقطعت عن أهلي ووالدتي، وتولد عندي مرضان خبيثان، مرض حب المال وحب الشهوة! واستعملت ذلك فيما حرم الله ووقعت على الأخص في فواحش الزنا واللواط حتى بالحيوانات والسرقة من الأسرة، وأكل أموال أصحاب الدين، والغش وإلى آخره. وعرضتُ عن كتاب الله، وانكببت على قراءة الكتب الخليعة ومشاهدة أفلام الجنس، ولم أعمل بأحكام كتاب الله، مع العلم أنني أعرفها تمام المعرفة، وأعرف الفرق بين الحلال والحرام، والمكروه والمستحب، كلما تذكرت ذلك يحترق قلبي ألماً وحزناً حتى دراستي التي كنتُ متفوقاً فيها أصبحت في هذه السنة أنفر منها إلى آخر الرسالة الطويلة.

стр. 4285

رسالة من داعية يشكو كثرة المنتكسين وهذه الرسالة الأخيرة من داعية من إحدى المدن يقول: أكتب إليك هذه الرسالة بمدادٍ من الأسى والحزن، ومزيد من التحرق والتأسف بسبب الواقع المرير الذي تعيشه مدينتنا، الذي يتألم منه كل من في قلبه غيرة على دين الإسلام، ويبكي منه كل من يرى تدهور هذا الحال والرجوع إلى الخلف، وكأننا نسير بعكس ما يسير عليه العالم من الصحوة والرجوع إلى الله، وألخص هذا الواقع في النقاط التالية: أولاً: منذُ فترة ونحن نرى حالات كثيرة من الانتكاس والانحراف بين شباب هذه المدينة، فهذا شابٌ سلك الصراط المستقيم منذُ سنتين أو ثلاث، وفي هذه الأيام الأخيرة انتكس وانحرف إلى حالةٍ شديدة، سهر على الحرام ومشاهدة الخنا والفجور وسماع الغناء والمعازف وترك الصلاة، وعقوق الوالدين، وجولات على السيارات في الأسواق معاكسات تفحيط في الشوارع فعل الفواحش إلى آخره.

стр. 4286

انتكاس شاب عمره خمس عشرة سنة وهذا شابٌ آخر عمره خمس عشرة سنة تقريباً كان في جاهليةٍ وفسق، فبدأ يماشي الشباب الملتزم فترةً ليست بالقصيرة منذُ صغره، وفي هذه الأيام استطاع الشباب الفاسد أن يذهبوا به إلى صفوفهم، وأن يجعلوه واحداً منهم، وصار أسوأ مما كان عليه أولاً، والحالات كثيرة جداً يطول عدها وسردها في هذا المقام: ولكن هذه مجرد أمثلة لهذا التساقط المؤلم، وكثرة الانحرافات التي جعلتنا نتوقع أن أي ملتزم وتائب جديد قد ينحرف بعد فترة قصيرة لما يراه من الواقع المرير، وأصبحنا نخشى على كثيرٍ من الشباب مهما كان عهدهم بالالتزام قديماً. ثانياً: لم تنفع المناصحة لمثل هؤلاء المنحرفين ولا الرسالة ولا الشريط الإسلامي ولا المكالمة الهاتفية ولم تجد معهم طريقة. في أول الأمر: يبدأ بالمجاملات والمداهنة معنا في أول انحرافه ثم يعلنها أخيراً أنه ترك الالتزام وسلك طريق الفسق. وكثيرٌ من هؤلاء يعطيهم آباؤهم السيارات ويطلقون العنان لهم في الفساد. ثالثاً: ونحن نعتقد أن هناك بعض الأشياء المدبرة من بعض أصحاب السوء من المنافقين، حتى أن بعضاً من الشباب الفاسد يظهر الالتزام مدة قصيرة، ويدخل بين أوساط الملتزمين، ولكنه ينحرف ساحباً معه اثنين أو ثلاثة، وخاصةً من الصغار إلى آخر هذه الرسالة. وهذه الرسائل تعبر عما نريد أن نتكلم عنه في قضية الانتكاس.

стр. 4287

أسباب الانتكاس لما تكلمنا عن موضوع الهداية -أيها الإخوة- والأسباب التي تجعل الإنسان يهتدي إلى الله ، لابد أن نتحدث في المقابل عن قضية الانتكاس التي تصيب بعض الذين يدخلون في هذا الدين ويسلكون سبيل الاستقامة، ونحن لا نريد أن نهول الأمر، ونقول: ليست هذه هي الأكثرية والحمد لله، بل إنه ولله الحمد الذي يدخل في هذا الدين، ويعرفه، قلما يتركه، وإنما الترك يكون من الذين في قلوبهم مرض ولا شك في ذلك، ممن في قلبه مرض من الأمراض فيترك الالتزام بهذا الدين، أما إنسان دخل الدين وعرفه وعرف الحق وذاق حلاوة الإيمان وجاهد نفسه، فإن الله لا يضله، فالله رحيم بعباده. ومسألة الانتكاس هذه مسألة نسبية، فمن الناس من يرتد عن الدين، بمعنى يخرج منه بالكلية، فيصبح كافراً بعد إسلامه: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة:٢١٧] وبعض هؤلاء قد يكفرون بترك الصلاة بالكلية مثلاً، أو سب الدين والاستمرار على ذلك، أو غير ذلك من المكفرات، وبعض الناس يترك الالتزام إلى الفسق فيعمل بعض المنكرات والمحرمات يقع فيها مرةً أخرى، فيعود إلى أمور من الشهوات المحرمة، أو الأشياء الأخرى كأن يحلق لحيته ويدخن ويسمع الأغاني ويشاهد الأفلام وهكذا. ومن الناس من لا يفعل المحرمات لكنه يبرد بروداً ويفتر فتوراً مذموماً، فبعد أن كان داعية إلى الله نشيطاً يطلب العلم، أصبح غير طالب للعلم ولا داعية إلى الله، يعني: يترك واجبات من الدين، فيكون مقصراً ويقول: أنا أريد أن أصبح مسلماً عادياً، وطبعاً هذا في الغالب يترك النوافل والمستحبات كقيام الليل وقراءة القرآن والصدقة والذكر تخف عنده جداً، وبعض الناس قد يترك المستحبات فترة لفتور ثم يعود مرةً أخرى، هذا وضع طبيعي، أقصد: أنه في دائرة المقبول: (فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى) إذا كان الفتور لا يجعلك تترك واجباً، أو ترتكب محرماً فأنت بخير، لكن النظر الآن في الانتكاس في هؤلاء الذين يعودون ويرتدون على أدبارهم. لقد حفل التاريخ بقصص وأنواع من الناس الذين ارتدوا على أدبارهم، كالكاتب النصراني الذي أسلم وكان عند النبي ﷺ فترة ثم ارتد، والناس الذين ارتدوا بسبب حادثة المعراج التي لم تقبلها عقولهم وتصدقها فارتدوا، وبعض الناس الذين ذهبوا إلى مكانٍ بعيد، كما تنصر عبيد الله بن جحش لما ذهب إلى الحبشة، إن هؤلاء ومثلهم الذين دخلوا في هذا الدين هو ينطبق عليهم قول الله : ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الأعراف:١٧٥ - ١٧٦] إذاً هو الذي اتبع هواه: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف:١٧٦] لابد أن يعلم المنتكس أن الله ناصرٌ دينه مهما حصل من حالات الانتكاس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة:٥٤]. وهدد الله هؤلاء المنتكسين المرتدين على أدبارهم بقوله: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨]. نقول: أيها الإخوة! إن اتساع الصحوة وانتشارها جعل هناك حالات كثيرة من الدخول في طريق الهداية، وتسببت بعض الأشياء في خروج بعض الذين دخلوا من طريق الهداية مرةً أخرى.

стр. 4288

عدم معرفة الدين كاملاً يسبب الانتكاس ونريد أن نتكلم عن بعض الأسباب التي تؤدي إلى هذا الأمر، ونتحدث ونحن نعلم أن الله لا يضل إنساناً يريد الهداية، ولعل من أعظم الأسباب: أن بعض هؤلاء المنتكسين لما دخلوا في طريق الهداية دخلوا في أوله، لم يدخلوا فيه بالكلية، وإنما ذاقوا شيئاً من الحلاوة، عرفوا شيئاً من الحق، عرفوا شيئاً من العلم، لكنهم لم يسلكوه كما ينبغي وكما يجب، ولذلك الذي بدأ في أول الطريق يسهل عليه أن يعود، بخلاف الذي دخله دخولاً تاماً، فنجد أكثر هؤلاء المنتكسين الذين ينتكسون بعد فترة وجيزة من التزامهم، وليس الأكثرية الذين ينتكسون بعد فترة طويلة من الالتزام، أناس تغير واقعهم فترة وجيزة من الزمن، أطلق لحيته، حافظ على الصلوات في المسجد، بدأ يقرأ بعض الكتب، يسمع بعض الأشرطة، يحضر بعض الدروس، ثم بعد ذلك يرجع مرةً أخرى وينتكس، هذا الشخص ما فقه دين الله ، ولا دخل نور الإيمان في قلبه كما ينبغي، هذا عرف طرفاً وعرف شيئاً وذاق شيئاً، ثم رجع مرةً أخرى.

стр. 4289

خطأ الاقتداء والتعلق بغير المنهج الإسلامي ونقول: إن السبب في كثير من الحالات هو خطأ الاقتداء، فبعض هؤلاء دخل في طريق الهداية لارتياحٍ عاطفي، أو تعلقٍ بشخص (بشخصه) لا بمنهجه ودينه، تقبل الأحكام؛ لأنه خرجت من فم فلان، يصبح فلان كأنه هو الوسيط بينه وبين الله، فإذا ابتعد فلان أو سافر حدثت المشكلات وصار الانقلاب، وإذا رجع فلان تحسنت أحواله، نقول: إن فساد الاقتداء هو سبب انتكاس هذا الشخص، وبعض الناس يكون عنده من يسانده من قريب أو صاحب فإذا غادره ابتعد عنه وحصلت الزلزلة والانتكاس، إن هذا لم يعتصم بالله، ولم يقبل على الله، إنه لم يأوِ إلى ركنٍ شديد، ولذلك تراجع، ولذلك قضية التعلق بالأشخاص دائماً من الأسباب التي تكون في الانتكاس: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً﴾ [آل عمران:١٤٤] ينبغي أن يكون التدين لله.

стр. 4290

سلوك طريق الهداية لأغراض فانية ومن الأسباب أيضاً التي تكون الانتكاس: أن يكون دخول بعض الناس في هذا المشوار طريق الهداية لأجل تحصيل منفعة دنيوية، كما يدخل بعضهم في جمعيةٍ أو نشاطٍ إسلامي، يبتغي السمعة أو الدرجات ونحو ذلك، أو أنه يريد أن يخطب فتاةً أو امرأةً فيتبين فترة من الزمن حتى إذا سألوا عنه قالوا: صاحب دين، أو أنه يريد أن يدرس في كليةٍ شرعية ولا يناسب الحال أن يكون مظهره منحرفاً فهو يريد أن يتوصل إلى وظيفة في القضاء أو غير ذلك، فيغير من شكله أو طريقته لأجل المنصب والوظيفة، هذا الشخص ما غير لله، إنما غير لطمع ومنفعة دنيوية، ولذلك فإن الانتكاس غالب في حال مثل هؤلاء الأشخاص. والذين يدخلون الدين ويتوقعون أن ينتفعوا، وأن يقدم لهم الآخرون الخدمات، هؤلاء الأشخاص ما دخلوا في الدين لله، ولذلك فإن رجوعهم متوقع وليس بغريبٍ أبداً، بل هو الأقرب، لذا لابد للإنسان إذا دخل في الدين أن يدخل لله، وأن يجرد نفسه من جميع المطامع الدنيوية، ليس الدخول في البداية -أيها الإخوة- تجربة لكي يقول الشخص: أفعل وأقرر بعدها ماذا أفعل؟! بل هو الخيار الوحيد الذي ليس لك غيره، لأنه ليس ثم إلا النار بعد ذلك.

стр. 4291

عدم التخلص من شوائب الماضي وبعض الناس يكون من أسباب انتكاسهم أنهم لا يخلصون أنفسهم من شوائب الجاهلية بالكمال، فيدخل في الدين ويدخل معه أنواعاً من المنكرات يقيم عليها وتكون هذه المنكرات سبب انتكاسهم في المستقبل، فمن ذلك ألا يقطع الصلة بأصحاب السوء، مع أن قطعها واجب، والرجل العالم لما نصح قاتل المائة بالخروج من البلد بماذا نصحه؟ لأن البلد بلد سوء، اذهب إلى قرية كذا وكذا فإن فيها أناساً يعبدون الله، فاعبد الله معهم، لا يصلح أن يكون الشخص كالشاة الحائرة بين الغنمين، يذهب إلى هؤلاء ثم إلى هؤلاء، يلقى هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه، هذا لا يجوز، لابد أن يقطع الصلة بأصحاب السوء والماضي السيئ، لا يجوز أن يبقي شيئاً يذكره بالماضي السيئ، فإن بقاءه سبب من أسباب الغواية والرجوع إلى الفساد. ثم إن الشخص الذي يدخل في الهداية لابد أن يوطن نفسه على التربية، لا بد أن يتربى على هذا الدين، يتعلم هذا الدين، يمارس العبادات، يدخل مع الرفقة الطيبة، يعمل للإسلام، العمل للإسلام من أكبر المثبتات التي تثبت الشخص؛ لأنه يكون في حالة هجوم، بينما لو قعد وقال: أنا أريد أن أكون مسلماً عادياً هذا ستتناوشه المهلكات من كل جانب، ولذلك ينبغي أن يمارس الإنسان التربية في نفسه طلب العلم الدعوة إلى الله ، إذا مارس ذلك حافظ على نفسه من الانتكاس.

стр. 4292

عدم الإكثار من سماع المواعظ وكذلك فإنه لا يصلح أن يكون السبب الذي يبقينا في دائرة الهداية هو أثر من موعظةٍ سابقة دون ازدياد من مواعظ أخرى، أو أثر من علمٍ سمعناه دون ازدياد من العلم، أو أثر من أخوةٍ طيبة دون الازدياد منها، لابد من الازدياد وتأسيس النفس على تقوى من الله ورضوان.

стр. 4293

الانعزال عن الرفقة الصالحة ثم إن بعض الناس الذين يميلون إلى الفردية، ولا يريدون أن يعيشوا في جو الأخوة الإسلامية والجماعة الطيبة والرفقة الصالحة، هؤلاء من أكثر الناس تعرضاً للانتكاس، فهذا الدين قائم على أن يكون المؤمنون كالجسد الواحد، والله امتن على عباده بأن ألف بين قلوبهم، ولذلك يا أيها الإخوة! قلنا في أول محاضرة عندما تكلمنا عن تذكير النبي ﷺ للأنصار: (كنتم ضلالاً فهداكم الله بي) كانوا متفرقين فألفهم الله وجمعهم بالنبي ﷺ ، فهذا دين جماعي، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية. ولابد أن يعلم الشخص كذلك أن الالتزام ليس له حدٌ محدد والهداية ليس لها حدٌ محدد، فلابد أن يستمر في العمل، لسنا كـ الصوفية الذين يقولون: إذا وصلت إلى مرتبة اليقين سقطت عنك التكاليف، لا شيء اسمه سقوط التكاليف، لابد أن نستمر في العبادة.

стр. 4294

الآفات القلبية سبب للانتكاس وكذلك من الأمور المهمة: أن نطهر أنفسنا من الآفات القلبية؛ فالآفات القلبية خطيرة جداً، فمثلاً: العجب الغرور الكبر، هذه الأمور التي تكون عند بعض الناس ولا تظهر؛ لأنها خفية خصوصاً إذا صار معها شهوات خفية، كحب الرئاسة، وحب الظهور، لابد أن تؤدي إلى قضايا من مراءاة الخلق، وإلى التعاظم والانتكاس في النهاية، كما حصل لبعض الناس الذين كان بعضهم من أهل العلم، لكن بسبب ما كان في قلوبهم من هذه الآفات، حصلت عندهم هذه الانتكاسات، وقد ذكر العلماء حالات من ذلك، قالوا: كان فلان من الذين يطلبون الورع والزهد وقيام الليل واقتفاء آثار العباد، وكنا نجتنب المزاح بحضرته، وبعد ذلك فتن وتراجع وسقط، فتنته إحدى بنات الحرس وألقت عصاها به، فافتتن الرجل وانتكس ورجع، وفلان اختصر كتاب كذا، كان يعلم في القراءات ونحو ذلك وكان مجتهداً ومثابراً على النسخ، ولكن حصل له خذلان وتراجع، جاءت فترة ضعف والرجل ما جاهد نفسه ولا قاوم نفسه، فنسي كل شيء. وآخر عشق فتىً نصرانياً حتى ترك العلم وأهل العلم، حتى ألف لهذا النصراني كتاباً في تفضيل التثليث على التوحيد. فإذاً هذه القضايا الداخلية قضايا خطيرة جداً، لابد أن تعالج من البداية، فإذا تركت قضية العجب والغرور وحب الرئاسة فإنها تستفحل وتستشري وتقضي على الشخص في النهاية.

стр. 4295

الشعور بالكمال سبب في الانتكاس وكذلك من أسباب الانتكاس إحساس بعض الناس أنه صار كاملاً لا ينقصه شيء، ولذلك يكون هذا من أسباب كبره وعجبه بنفسه، فيسقط بعد فترة من الزمن. وكذلك الحسد، فكم تسبب في فتنة أناس، والتساهل واتباع الرخص واحتقار الصغائر من الأسباب التي تؤدي إلى الانتكاس، قيل لبعض أهل العلم: إن فلاناً يبيح الغناء، وفلاناً يبيح النبيذ وفلاناً يبيح كذا، قال: إن الذي يبيح الغناء لا يبيح النبيذ، والذي يبيح النبيذ لا يبيح الغناء، ونحو ذلك، فهذا يتتبع سقطات العلماء ويأخذ بالرخص، ويجمعها معاً فيتبعها. فهذا العالم أخطأ، سواء أخطأ لجهل أو هوى أو أخطأ لاجتهادٍ خاطئ، وإذا تتبعت الرخص خرجت من الدين، ولذلك فالذي يقول: والله فلان رخص في الأخذ من اللحية، وفلان رخص في الغناء إذا كان ما فيه أشياء من وصف النساء، والموسيقى إذا صارت هادئة لا بأس ونحو ذلك من الأشياء، فإن هذا هو بداية الانتكاس بل هو الشروع في الانتكاس فعلاً، إن تتبع الرخص من المشكلات والقضايا الخطيرة التي أودت بأشخاصٍ كثيرين وأوصلتهم إلى معسكر أهل الباطل.

стр. 4296

عدم هجر قرناء السوء ومن الأمور التي ينبغي الحرص عليها كذلك وتجنبها: عدم مخالطة أهل السوء والاستئناس بهم، وعدم القعود معهم، لا يجوز أن نقعد معهم لغير حاجة شرعية، مصلحتها راجحة، وبعض الطيبين يتساهلون في الجلوس مع أهل الفسق والفجور، ولابد أن يأخذ منهم وأن يتأثر بهم، ولو سألته وقلت: أجبني بصدق: عندما خرجت منهم هل قلبك على الحال التي كان عليها قبل الدخول عليهم؟ أبداً لا يمكن أن يكون كذلك، وهذه المسألة -الجلوس مع الفسقة إيناساً لهم أو استئناساً بهم- هي من أسباب الانتكاس ولا شك. فلا يجوز الجلوس معهم، الله نهانا عن الجلوس مع هؤلاء. وقلنا قبل قليل قضية التهاون بالصغائر، مثل نظرة إلى امرأة أجنبية، تكون هذه هينة، أو مشاهدة شيء محرم يستهين به، ثم يستمر شيئاً فشيئاً كما قال بعضهم: كنت أولاً أرفض أي نوع من أنواع الرشوة ولا أقبل أي هدية، ثم قال: صرت أنتقي أقول: هذا يمكن ما يتأثر ولا يطلب مني شيئاً يتعلق بالوظيفة فآخذ منه، ثم فتحت المجال قليلاً فصرت آخذ بشروط، أقول: هات هدية هات كذا لكن بشرط أن لن أفعل خدمة، ثم تنازلت عن الشرط وفي النهاية قال: صرت أنتقي الهدايا انتقاءً وأشترط في النهاية، أقول: لا بد أن تأتي لي بكذا. فالناس الذين يتساهلون في البداية يتسع الخرق عليهم في النهاية، ولذلك لنجتنب الصغائر وهي محقرات الذنوب؛ لأن الإنسان يحتقرها وهي التي تورد المهالك: (يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه) وبعض الناس يقول: أترك حضور اجتماع العمل لأجل الصلاة ماذا يقولون عني؟ قد يكتب فينا المدير تقريراً سيئاً، قد يخصم علي كذا، أو أمنع من الترقية، طالب يحضر فيلماً في موسيقى ويتساهل في ذلك يقول: يخصم علي درجات أو يسجلني غائباً أو يستهزئ بي الطلاب في الفصل، نقول: هذه بداية التنازلات، أيها الإخوة! سلم التنازلات لا ينتهي، والإنسان إذا تعود واستمرأت نفسه التنازل سهل الذي يليه، وهكذا حتى يقع في النهاية.

стр. 4297

الاشتغال بالدنيا من أسباب الانتكاس: الاشتغال بالدنيا، فبعض الناس كانوا عباداً زهاداً أتقياءً دعاة، يطلبون العلم، اشتغلوا بالتجارة، وبعضهم ربما اشتغل بالتجارة لسبب ديني أن يقول: أكسب عيشاً حلالاً وأتصدق وأدعم المسلمين بدلاً من أن أترك الفسقة يعملون أنا أدخل في التجارة، لكن لا يدخل بمقدمات صحيحة، ولا بعهدٍ متين مع الله، ولا بنفسية خالية من الشح، ولكنه يدخل على وهنه، ويتغير شيئاً فشيئاً، حتى يكون في النهاية بعض الناس المتساهلين من التجار أحسن منه وأكثر صدقاتٍ منه، ويتوسع ويتوسع حتى يقع في الحرام، ويترك الواجبات وقد لا يخرج صدقة فصدقاته شحيحة، لو قارنت نسبة الصدقات التي كان يتصدق بها وهو طالب لوجدت رصيد التصدق وهو طالب أكثر مما تصدق وهو تاجر: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [التوبة:٧٥ - ٧٦]. فانتبهوا يا أيها المشتغلون بالتجارة المقبلون على الدنيا أو طلب الوظائف الكثيرة، أو العمل في أكثر من وظيفة، لربما تكون هذه الوظائف سبباً في فتنتك وانتكاستك، ولا تجد وقتاً للعبادة، إن الضرورة لها حالات، لكن الذي يقبل للتوسع في الدنيا يكون هذا من أسباب انتكاسه، وبعض الناس ينتكسون بسبب التخويف والإرجاف، فيسمع عن حالات، أو يسمع عن تعذيب، وسجن ونحو ذلك وابتلاءات وقعت لبعض الناس فيخاف ويخشى الناس وينسحب! ينبغي أن يكون حالنا كما قال الله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣]، هذا هو الحال، لا أننا إذا سمعنا الأخبار أو تطايرت الأنباء، خفنا وجبنا وتراجعنا وانسحبنا، أو إذا حصل لأحدٍ شيء خاف الآخرون وتركوا التمسك بالدين، هذا فعل الذي لم يثبت، ولم يشأ الله أن يثبت قدميه على طريق الهداية.

стр. 4298

السفر إلى بلاد الكفار ثم إن من الأمور المهمة التي ينبغي أن تجتنب حتى لا يقع الانتكاس: ترك الصحبة الطيبة والابتعاد عنهم، كم كانت الإجازات والسفر إلى الخارج والابتعاد عن أهل الخير في هذه السياحة ونحوها من الأمور التي أردت بأشخاص كان لهم فضل ودين وعلم ودعوة في أسفل السافلين! ورجعوا وقد تغيروا بعضهم أسبوعين، أحدهم ذهب إلى أمريكا دورة أسبوعين فقط، كان يعبد الله وحالته طيبة ورجع مقلوباً رأساً على عقب، معجب بالكفار أيما إعجاب، ماسك للشوكة باليسار والسكين باليمين، وقد كان قبل قليل -أسبوعين- يعرف السنن ويقوم بالعبادات، وهو الآن رجع منقلباً تمام الانقلاب، فنقول: لا شك أن الذهاب إلى بلاد الكفار بشكل عام وكذلك الابتعاد عن الطيبين بشكل خاص من أسباب الانتكاس. بعض الأقارب يكون فيهم فسق، فيضغطون على الإنسان وينتقدونه ويهاجمونه ويقاطعونه ويحرمونه من العطايا وربما من الإرث ومن المصروف وربما طردوه من البيت وتعاونوا عليه، وجعلوا المغريات أمامه، وجلبوا الأفلام إليه والصور وأمروه بمصافحة بنت عمه أو بنت خاله ونحو ذلك، أو أن هذه تشد أمها الحجاب من على رأسها، وتراقبها عند الخروج من البيت تتأكد هل هي مستمرة في عدم الحجاب أم لا، هذا الإكراه الذي يحدث لابد أن يستعين فيه الإنسان بالله، وأن يعتصم بالله . نعم. إنه لا يأثم إذا أكره، لكن لابد أن يكرهه بقلبه، بعض الناس يزول كراهية المنكر بقلبه إذا أجبر عليه وهذه خطورة، نحن لا نقول: يأثم إذا أكره لكن لابد أن يستمر على كره هذا المنكر في قلبه، وأن يصبر على هذه الفتن وعلى هذه المحاكمات التي قد يعملونها له، أو يشهرون به في المجالس ويستهزئون به فيعلم أن هذه سنة المرسلين، وتعلم المرأة التي هددها زوجها بالطلاق لنزع الحجاب أن الدنيا ابتلاءات وأنها فتن، فتصبر على ذلك. وكذلك أيها الإخوة: فإننا أيضاً نذكر في هذا المجال بقضية طاعة الله إذا خلا الإنسان بنفسه، وأن الخلوة بالنفس ينبغي أن يكون الإنسان فيها مستحضراً لمراقبة الله له، وأن يعلم أن الله مطلعٌ عليه، ناظرٌ إليه، يرى حركاته وسكناته، ولابد على الإنسان إذا أحس بشيءٍ أن يرجع، إذا قصر في صلاة الفجر أن يعود مرةً أخرى، ثم إننا نوصي الدعاة إلى الله بالحكمة في معالجة المنتكسين بالصبر والمواصلة والتذكير بالماضي وانتقاء الأشخاص المؤثرين الذين لا يكرههم الشخص ولا زالت تربطهم به علاقةٌ طيبة. ونذكر بالقاعدة في الهجر، القاعدة الشرعية: إذا أدى الهجر إلى منكرٍ أكبر وساءت أحوال الشخص أكثر لا يجوز الهجر، وإذا كان الهجر علاجاً يرده فالهجر يكون هجراً شرعياً، وقلَّ من الناس من يفقه ذلك. ولابد لأهل التربية أن يربوا الناس على دين الله ، وليس على التعلق بالشخصيات، لابد أن تكون الأسس قوية، والإنسان كذلك أن يذكر الناس الذين فيهم ضعف، أنه مهما رأى المنتكسين من حوله والمتساقطين، فإن ذلك لا يصلح أن يدفعه للتشبه بهم أو أن يبرر انتكاسه بهذا أبداً. إذا نوقش واحد من هؤلاء يفوته الظهر والعصر لينام وقد يكلم النساء بالهاتف فإذا نوقش قال: فلان كذا أنت تكلمني بينما فلان يفعل ذلك، وفلان انتكس، وفلان كان ملتزماً وانتكس، فنقول: هذه محاولة التبرير فاشلة لا تصلح أبداً ولا تكون عذراً عند الله . ونسأل الله أن يهدينا وإياكم الصراط المستقيم. وأن يثبتنا على الدين القويم، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا. وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 4299

حديث علي وفاطمة ﵄ في الذكر قبل النوم ورد في السنة كثير من الأحاديث التي فيها بيان لأذكار النوم والحث على المداومة عليها، ومن هذه الأحاديث حديث علي وفاطمة ﵄، وهذا الحديث هو عنوان هذا الدرس، وقد شرحه الشيخ ذاكراً الروايات المختلفة التي وردت في الحديث، وقام باستنباط كثيراً من الفوائد منه.

стр. 4300

شرح حديث علي وفاطمة الحمد لله والصلاة والسلام على نبي الله محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: فحديثنا في هذه الليلة -أيها الإخوة- في سلسلة الرقائق، وهو حديث علي ﵁: (أن فاطمة ﵍ شكت ما تلقى في يدها من الرحى فأتت النبي ﷺ تسأله خادماً، فلم تجده فذكرت ذلك لـ عائشة فلما جاء أخبرته قال: فجاءنا وقد أخذنا مضاجعنا فذهبت أقوم فقال: مكانك، فجلس بيننا حتى وجدت برد قدميه على صدري، فقال: ألا أدلكم على ما هو خير لكما من خادم؟ إذا أويتما إلى فراشكما أو أخذتما مضاجعكما فكبرا أربعاً وثلاثين، وسبحا ثلاثاً وثلاثين، واحمدا ثلاثاً وثلاثين فهذا خير لكما من خادم). وهذا الحديث رواه الإمام البخاري رحمه الله تعالى في ثلاثة مواضع من كتابه الصحيح أو في أربعة. والقصة يقول فيها علي ﵁: إن فاطمة شكت ما تلقى في يدها من الرحى، والرحى: هو آلة الطحن التي كان يطحن بها، وأرته أثراً في يدها من الرحى، واشتكت فاطمة ﵂ مجل يدها، والمجل: هو التقطيع الذي يحصل لليد نتيجة العمل، وهو غلظ اليد الذي يحدث عند مباشرة الأعمال، فكل من عمل عملاً بكفه تجد فيه تقطيعاً إذا كان يمارس العمل بكفه دائماً، فيقول علي ﵁ -وهو الزوج المشفق على زوجته ولاشك أن النبي ﵊ عرف من ينتقي لابنته- يقول علي ﵁، قلت لـ فاطمة: لو أتيت النبي ﷺ فسألته خادماً فقد أجهدك الطحن والعمل، وفي رواية: أن رسول الله ﷺ لما زوجه فاطمة، قال علي لـ فاطمة ذات يوم: [والله لقد سنوت حتى اشتكيت ظهري، فقالت: وأنا والله لقد طحنت حتى مجلت يداي] ومعنى سنوت: يعني: عملت مكان السانية، والسانية: هي الناقة التي تسحب الماء من البرك فيقول علي ﵁: من الحاجة عملت عمل الناقة في سحب المياه من الآبار بالدلاء لأجل الأجرة، فقالت فاطمة: [وأنا والله لقد طحنت حتى مجلت يداي] فهذه فاطمة ﵂ جرت بالرحى حتى أثرت في يدها، واستقت بالقربة حتى أثرت في عنقها، وقمت البيت حتى اغبرت ثيابها كما جاء في رواية أبي داود لهذا الحديث. وفي رواية: وخبزت حتى تغير وجهها؛ لأن الخباز مع لفح نار الفرن يتغير لون وجهه كل ذلك حصل لـ فاطمة ﵂، فاقترح عليها علي ﵁ أن تذهب إلى أبيها تطلب خادماً، حيث إن علياً لم يستطع أن يوفر لها خادماً، وسمعوا أن النبي ﷺ جاءه سبي فاقترح عليها أن تطلب جارية تخدمها من أبيها من هذا السبي الذي جاء، فقال لها: [لقد جاء أباك سبي فاذهبي إليه فاستخدميه -الألف والسين والتاء تجيب الطلب- أطلبي خادماً وجارية تخدمكِ، فذهبت فاطمة ﵂ إلى أبيها محمد ﷺ فلم تجده، ووجدت جماعة يتحدثون فاستحيت ورجعت] وفي رواية: (فذكرت ذلك لـ عائشة فلما جاء أخبرته عائشة أن ابنتك فاطمة جاءت تسأل عنك). وفي رواية مسلم: (حتى أتت منزل النبي ﷺ فلم توافقه فذكرت ذلك له أم سلمة بعد أن رجعت فاطمة) فهذا معناه أن فاطمة ﵂ ذهبت تبحث عنه في بيتين، ذهبت إلى حجرة عائشة وذهبت إلى أم سلمة تبحث عن أبيها لتسأله خادماً، وجاء في رواية: أنها أتت النبي ﷺ فقال: (ما جاء بك يا بنية؟ فقالت: جئت لأسلم عليك، واستحيت أن تسأله ورجعت) يقول علي ﵁: [ما فعلت؟ قالت: استحييت] ما استطعت أن أطلب، فلعلها ﵂ ذهبت أولاً للبحث عن أبيها فلم تجده، ثم جاءت مرة ثانية فوجدته لكن استحيت أن تطلب، ثم بعد ذلك تشجعت فأتت النبي ﷺ فسألته الخادم، فقال: (ألا أخبرك ما هو خير لك؟) وفي رواية: قال علي ﵁ لزوجته: (أن تنطلق معه فانطلقت معه فسألاه فقال: ألا أدلكما) وجاء في هذا الحديث الذي قرأناه أن النبي ﷺ هو الذي جاءهما وقد أخذا مضجعهما فقال علي: (بأبي يا رسول الله! والله لقد سنوت حتى اشتكيت صدري، وقالت فاطمة: لقد طحنت حتى مجلت يداي -وقد جاءك الله بسبي وسعة فأعطنا خادماً من هذه السبي- فقال ﵊: والله لا أعطيكما وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم لا أجد ما أنفق عليهم ولكني أبيعهم وأنفق عليهم أثمانهم) يقول: كيف أعطيك وهذا السبي الذي جاءنا نبيعه ونأخذ ثمنه وننفقه على أهل الصفة الفقراء الذين كانوا يأوون إلى مسجد النبي ﷺ ، أهل الصفة ليس عندهم أهل ولا مال ولا بيوت، وإنما كانوا يأتون إلى النبي ﷺ يلازمونه على شبع بطونهم. وجاء في رواية قال: (فأتانا وعلينا قطيفة إذا لبسناها طولاً خرجت منا جنوبنا وإذا لبسناها عرضاً خرجت منها رءوسنا وأقدامنا، ولما دخل ﵊ قالت: فذهبت أقوم -وفي رواية: فذهبنا نقوم- فقال ﷺ : مكانك أو مكانكما -أي: الزما مكانكما لا تقوما- فجلس بيننا ﷺ فقال: إني أخبرت أنك جئت تطلبين، فما حاجتك؟ قالت: بلغني أنه قدم عليك خدم فأحببت أن تعطيني خادماً يكفيني العجن والخبز، فإنه قد شق علي، قال: فما جئت تطلبين أحب إليك أو ما هو خير منه؟ قال علي: فغمزتها، فقلت: قولي ما هو خير منه أحب إلي، فقالت ذلك، فقال: فإذا كنتما على مثل حالكم اليوم الذي أنتما عليه ثم ذكر التسبيح) وفي رواية: (أنه لما دخل عليها أدخلت رأسها في اللفاع حياء من أبيها) ويحمل هذا أنها فعلت ذلك أولاً فلما تآنست به رفعت وجهها إليه وكلمته. وفي بعض الروايات: قال: (ما كان حاجتك أمس؟ فسكتت، مرتين، فقال علي: أنا والله أحدثك يا رسول الله! فذكرته له) فهذا يحمل على أنه سأل فاستحيت أولاً فكلمه علي ثم لما زال الخجل تكلمت هي وأنشطها للكلام زوجها فتكلمت وطلبت. وفي رواية: أنه ﷺ أتاهما فقال: (ما الذي أتى بكما، قال علي: شق علينا العمل، فقال: ألا أدلكما) وذكر الحديث، وفي رواية: قال: (ما جاء بك يا بنية؟ قالت: جئت أسلم عليك واستحيت حتى إذا كانت القابلة، قال: ائت أباكِ وذكر مثلها، حتى إذا كانت الليلة الثالثة قال لها علي ﵁: امشي فخرجا معاً). فهذه الأحاديث وهذه الروايات تدل على أنه ربما حصل ذلك بإتيانهما ثم بإتيانه إليهما، المهم أنه ﵊، قال: (ألا أدلكما على ما هو خيرٌ لكما من خادم -خير مما سألتماني-؟ قالا: بلى. فقال: كلمات علمنيهن جبريل، إذا أويتما إلى فراشكما أو أخذتما مضاجعكما من الليل تسبحان) فذكر لهما التسبيح ثلاثاً وثلاثين والتحميد ثلاثاً وثلاثين والتكبير أربعاً وثلاثين، قال: (فتلك مائة باللسان وألف في الميزان) أي أن الأجر عند الله الحسنة بعشرة أمثالها، وفي رواية: (فأمرنا عند منامنا بثلاثٍ وثلاثين وثلاثٍ وثلاثين وأربعٍ وثلاثين من تسبيحٍ وتحميدٍ وتكبير) سبحان الله ثلاثاً وثلاثين قبل النوم، والحمد لله ثلاثاً وثلاثين، والله أكبر أربعاً وثلاثين مرة يقول ذلك.

стр. 4301

الخوارج وقتال علي لهم هذه هي الوصية أي: أن الذكر أنفع من الخادمة، وأفضل. علي ﵁ حافظ على هذا الذكر ولم يتركه أبداً، جاء في رواية أن علياً ﵁ قال: [فما تركتها بعد، فقالوا له: ولا ليلة صفين؟ قال: ولا ليلة صفين] وهذا الرجل الذي قال له ذلك جاء في رواية: أنه: ابن الكواء يقول لـ علي ﵁: ولا ليلة صفين؟ فقال: [قاتلكم الله يا أهل العراق! نعم ولا ليلة صفين. ] عبد الله بن الكواء من أصحاب علي ﵁ لكنه كان متعنتاً في السؤال، وقد ابتلي علي ﵁ بأشخاص ما شفوا غليله ولا صبروا معه، ولا حققوا ما يريد، كان يريد أن يقر الأمر وتستقر الخلافة، ولكنهم ما شفوا غليله ولذلك قال في نهاية حياته: [اللهم مللتهم وملوني فاقبضني إليك]. لم يكن مع علي من الرجال مثلما كان مع أبي بكر وعمر، ولذلك لم يكن الأمر مستتباً له، فكان ابن الكواء نموذجاً ممن كان مع علي ﵁، وكان معه أفاضل وعلماء وصحابة ولا شك؛ لكن ابتلي -أيضاً- بأشخاص فيهم ما فيهم منهم عبد الله بن الكواء لما حدثهم علي بالقصة، قال: [فما تركت بعد فجاء عبد الله بن الكواء يقول: ولا ليلة صفين؟ قال: ولا ليلة صفين، ويحك! ما أكثر ما تعنتني لقد أدركتها من السحر]. وفي رواية: [فإني ذكرتها من آخر الليل فقلتها] وفي رواية: [إلا ليلة صفين فإني أنسيتها حتى ذكرتها من آخر الليل فقلتها] فهذا يدل على لزومه للذكر ﵁ وأنه حتى ليلة صفين وهي المعركة التي جرت بين علي ﵁ وأهل الشام، حتى أنهم اقتتلوا مقتلة عظيمة وأقاموا بـ صفين عدة أشهر وكانت المعركة عبارة عن وقعات كثيرة؛ لكنهم ما قاتلوا في الليل إلا مرة وهي ليلة الهرير، سميت بذلك لكثرة ما كان الفرسان يهرون فيها، وقتل من الفريقين في تلك الليلة عدة آلاف. وقد أوشك علي ﵁ على النصر حتى رفع أهل الشام المصاحف وطالبوا بتحكيم القرآن، وحدث بعد ذلك توقف المعركة، وكانت سنة سبع وثلاثين وخرج الخوارج عقب التحكيم في أول سنة ثمانية وثلاثين، وقتلهم علي ﵁ في النهروان وحاول علي رضي الله أن يحسم الأمر لكنه لم يتهيأ له ذلك، ولم يكتب الله له ذلك، وكان الخوارج هم السبب في عدم حسم الأمر حيث انقلبوا عليه، وقالوا: حكم الرجال في كتاب الله، وأرسل علي ﵁ ابن عباس فناقشهم وناظرهم ورجع من الإثنا عشر ألفاً ثمانية آلاف وهؤلاء كان عندهم سرعة في الرجوع وسرعة في الرد، وهؤلاء الذين قاتلهم علي ﵁ في سنة ثمانية وثلاثين للهجرة بـ النهروان كان منهم ذو الثدية الذي كان مقطوع اليد، في عضده مثل حلمة ثدي المرأة أسود، فأخبر النبي ﵊ علياً أنه سيقاتل الخوارج وأنه سيقتلهم، وأن آيتهم ذو الثدية هذا، ولذلك فإن علياً ﵁ بعد المعركة طلب البحث عن ذي الثدية فلم يوجد، فأمر بالبحث فلم يوجد، ثم حلف أنه يوجد، وأن النبي ﷺ ما كذب، فبحثوا عنه بين القتلى حتى وجودوه فخر علي ﵁ ساجداً لله شكراً. وكان هؤلاء قد أفسدوا في الأرض حتى أنهم خرجوا على علي ﵁ وعلى المسلمين يكفرون مرتكب الجريمة، حتى كفروا علياً ومعاوية وعمرو بن العاص وغيرهم من الصحابة حتى أنه اجتمع ثلاثة منهم قبل عام أربعين للهجرة في موسم الحج، قالوا: ما هي سبب مشكلات المسلمين؟ فخرجوا من الاجتماع بأن سبب مشكلات المسلمين ثلاثة: علي ومعاوية وعمرو بن العاص، فما هو الحل؟! قالوا: نقتلهم ونريح المسلمين من شرهم، فتفرقوا في البلدان على أساس أن واحداً منهم يغتال علياً، وآخر يغتال معاوية وآخر يغتال عمرو بن العاص، فأما معاوية ﵁ فقد طعن فاكتوى منها فبرأ، وعمرو لم يصل في تلك الصلاة إماماً صلى غيره فطعن غيره، وأما علي ﵁ فإنه خرج عليه عبد الرحمن بن ملجم بسيف ظل يسقيه السم شهراً، فخرج عليه في الظلام واختبأ له فخرج عليه فضربه على جبهته بهذا السيف المسمم وسال الدم من جبهته على لحيته فتذكر حديث النبي ﷺ : (أشقى الناس عاقر الناقة والذي يضربك يا علي على هذه حتى يبل منها هذه) يعني: لحيه رضي الله تعالى عنه، وقتل أشقى الناس خير الناس في ذلك الوقت وهو علي ﵁، وبعد ذلك حمل علي ثم توفي فيما نحسبه شهادة له ﵁ وذهب إلى ربه. ومن ضلال الخوارج أن عبد الرحمن بن ملجم لما أخذوه فربطوه قطعوا يديه فلم يتكلم، ورجليه كذلك، فلما أرادوا أن يقطعوا لسانه كما جاء في بعض الروايات صرخ، فقالوا: مالك؟ قال: لساني أذكر به الله، وهو الذي قتل خير الناس في ذلك الوقت علياً ﵁. فهؤلاء خرجوا على المسلمين فكفروا المسلمين، فكل من ليس معهم فهو كافر وقتلوا خير المسلمين، وذهبوا إلى أحد المسلمين وكان معتزلاً الفتنة ومعه مصحف يقرأ به، وعنده وليدة حامل، فأخذوه وأخذوا المصحف منه وقتلوه وذبحوه وأراقوا دمه في النهر، وأخذوا الوليدة وبقروا بطنها وأخذوا الجنين الذي في بطنها وقتلوه، ثم مشوا إلى بستان كتابي نصراني فأراد بعضهم أن يأخذ منه تمراً، فقال بعضهم لبعض: لا. هؤلاء أهل كتاب أوصانا بهم النبي ﷺ خيراً، ولا يجوز أن تأخذه إلا بحقه، فجاءوا إلى صاحب البستان يفاوضونه، فقال: واعجبا لكم تقتلون صاحبكم المسلم ثم تأتون تفاوضونني على التمر؟ حتى هذا النصراني تعجب من صنيعهم، فهؤلاء بقية الخوارج الذين كان أحدهم قد قتل علياً ﵁، وكان علي ﵁ قد قتل معظمهم وأراح المسلمين من شرهم، ولكن بقيت منهم بقية ثم بعد ذلك تفرقوا في البلدان تسعة منهم: عبد الله بن إباظ التي تنسب إليه فرقة الأباظية ويقولون: هؤلاء من مكفري مرتكب الكبيرة، وتطوروا بعد ذلك فأنكروا رؤية الله في الجنة وقالوا: إن القرآن مخلوق، وقد أخذوا من المعتزلة خلق القرآن وهكذا عندهم بدع في الدين، ولازالوا هكذا إلى الآن. المهم أن علياً ﵁ مع شدة وهول المعركة لم ينس هذا الذكر تلك الليلة مع أن المعركة تنسي كل شيء لكنه ما نسي أن يقوله وتذكر قبل الفجر وقال به، فهذا الذكر العظيم يدل على أن ذكر الله يقوي البدن كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ﵀، فأن رسول الله لما علم فاطمة قال: إنه خيرٌ من خادم، معناها أن ذكر الله يقوي الأبدان. وكذلك فإنه ﷺ قد اختار لابنته أن تبقى على حالها ولم يعطها ذاك الخادم، وإنما أعطاها بديلاً وهو ذكر الله. وكذلك فإنه اختار لابنته ما أحب لنفسه من إيثار التحمل والصبر على الشدة والقلة، تعظيماً لأجرها، وقد كان يستطيع أن يعطيها من الذهب ما شاء، ولكنه اختار لها ما اختار لنفسه، واختار لها ما هو أكثر نفعاً لها في الآخرة، وآثر أهل الصفة لأنهم فقراء قد وهبوا أنفسهم لسماع العلم وضبط السنة على شبع بطونهم منهم: أبو هريرة ﵁ من زهران يرجع نسبه إليه، هذا الذي وقف نفسه على العلم على شبع بطنه فقط، ومع ذلك كان لا يجد في كثير من الأحيان ما يشبع به بطنه، فأهل الصفة وقفوا أنفسهم للعلم والجهاد يخرجون في جيوش المسلمين لا همَّ لهم إلا العلم والجهاد، اشتروا أنفسهم من الله بالقوت، وأخذ العلماء من الحديث تقديم نفقة طلبة العلم على غيرهم، لأنه أنفق عليهم.

стр. 4302

زهد السلف ﵃ وكان بـ السلف الصالح من شغف العيش وقلة ذات اليد وشدة الحال، وأن الله حماهم من الدنيا مع إمكان أن تحصل لهم الدنيا صيانة لهم من تبعاتها؛ لأن يوم القيامة فيه وقوف للسؤال عن كل درهم من أين اكتسبته وفيما أنفقته؟ ولذلك فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام، ويوقفون في الحساب فيقولون: على أي شيء نحاسب وإنما كانت سيوفنا على عواتقنا في سبيل الله؟ أي: كل الذي كان عندنا هي سيوفنا على عواتقنا نجاهد في سبيل الله، ولذلك يقال لهم: ادخلوا الجنة، فيدخلون قبل الأغنياء بخمسمائة عام وأصحاب الجد -الغنى- محبوسين، ولكن هذا الحبس لا يشترط أن يكون عذاباً، فإذا كان أهل الغنى قد أنفقوا في سبيل الله وصرفوه فيما يرضي الله فإنه يكون لهم زيادة في الحسنات، وقد ترتفع مراتبهم في الجنة فوق الفقراء بعد ما يدخلون، لكن الدخول أولاً للفقراء، ثم أهل الغنى إذا بذلوه في طاعة الله يدخلون متأخرين؛ لكن ربما تكون مرتبة بعضهم فوق مرتبة الفقراء من أجل الصدقات التي تصدقوا بها.

стр. 4303

من فوائد حديث علي وفاطمة وفي هذا الحديث أن الإنسان يحمل أهله على ما يحمل عليه نفسه من إيثار الآخرة على الدنيا إذا كانت له القدرة على ذلك، لأن بعض النساء قد لا تكون لها القدرة، فربما لو أنه أراد أن يحملها على شيء من الشدة طلبت الطلاق وخرجت من البيت وتركت له البيت والأولاد، وكثير من النساء بفعل ما في المجتمع من الانحرافات والترف ترسخ في ذهنها قضية البحث عن الماديات (طلب الخدم) وأنها ربما لا تعمل شيئاً وتلقي بكل شيء على الخدم، وتتفرغ هي لذهابها خارج البيت ومشاويرها وسهراتها، والنبي ﷺ لما أوصى بذات الدين لأجل أنها تحرص على الدين وتقيم له الوزن العظيم، ولذلك فإن الإنسان لابد أن يكون حكيماً، قد يجد أحياناً في نفسه شيئاً من الزهد لكن أهله لا يطيقون، لكن إذا كانوا يطيقون حملهم معه على الزهد. كذلك استدلوا بالحديث على جواز دخول الرجل على ابنته وزوجها بغير استئذان، لكن هذا فيه نظر؛ لأنه جاء في بعض طرق الحديث أنه استأذن. وكذلك في هذا الحديث: أنه ﷺ معصوم فلا يقاس على غيره من غير المعصومين، كما إذا جاء ودخل وجلس بينهما، ثم إن هذا الحديث فيه إظهار الشفقة على البنت والصهر، فإنه أتاهما في بيتهما وجلس بينهما، وقال: ألا أعلمكما؟ فيؤخذ منه أن على الإنسان أن يبر بصهره، فلو قال أحدهم: زوج البنت ليس من الأرحام، لقلنا: نعم. ليس من الأرحام لأن الرحم قرابة الرجل من جهة أبيه وأمه، لكن كونه ليس من الرحم لا يعني أنه لا يبر ولا يحسن إليه، فإن الأصهار لهم -أيضاً- معاملة حسنة في الإسلام، فمن ذلك هذا الحديث. ومن ذلك أنه ﷺ جاء مرة المسجد فوجد علياً ﵁ مضطجعاً على التراب فجعل ينفض عنه التراب وقال له: (قم يا أبا تراب) يداعبه، فصار علي ﵁ لا يحب إلا هذه الكنية، لأن النبي ﷺ كناه بها لما لاصق التراب، وكان قد خرج من البيت عندما حصل بينه وبين فاطمة ﵄ شيء، فخرج إلى المسجد فجاء النبي ﷺ إليه ليطيب خاطره. وكذلك: فإن مواقف النبي ﵊ مع علي وفاطمة متعددة تدل على أنه كان يبر بصهره كما يبر بابنته ﷺ ، وعلى أن الإنسان إذا كان عنده زوج بنت أو زوج أخت أن عليه أن يصلح من شأنهما وألا يقول: ليس لي دخل فيهما ولا في حياتهما، بل إنه كلما استطاع أن يحسن العلاقة ويدخل السرور، وأن يسعى في دوام الألفة، ويزيل سوء التفاهم، وأن عليه أن يفعل ذلك وهو من الواجبات. وكذلك في هذا الحديث: أن من واظب على هذا الذكر لم يصبه الإعياء، لأن فاطمة شكت التعب فأحالها النبي ﷺ على هذا، أفاد هذا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀؛ وهذا يدل على أن الذكر له أثر في تقوية البدن كما تقدم، فإذاً من فوائد الذكر أنه يقوي البدن كما أنه يقوي القلب، فهو يزيد النفس ثباتاً، والقلب طمأنينة، والإنسان رباطة جأش، كما أنه يقوي الجسد وهذا دليل على ذلك. وكذلك: فإن النبي ﷺ كان يعتني بزيارة بنته في بيتها، ولا يقطعها بعد الزواج كما يفعل بعض الناس إذا تزوجت ابنته كأنما هو شر ألقاه عن عاتقه، ولا يسأل عنها ولا عن بيتها ولا عن حالها، فهذا تفقد منه ﷺ . وكذلك في هذا الحديث: أن الإنسان يعطي الأوكد فالأوكد والأكثر استحقاقاً، وبعض الناس الآن إذا جاء يعطي الزكاة ربما حابى بها قريباً أو أعطى شخصاً ليس بفقير ذاك الفقر، مع وجود شخص مستحق وأشد حاجة وأفقر؛ لكن بالمحاباة يترك الأفقر والأحوج ويعطي الأقرب أو من له علاقة به ونحو ذلك، والرسول مع أنها ابنته وزوج ابنته لكن قدم الأوكد -الأفقر الأحوج- فمع أن هذه ابنته وزوجها لكن ما أعطاهما على حساب الأحوج، وإنما قدم الأحوج. وفي هذا الحديث كذلك: أنه إذا حصل ازدحام في الحقوق فإنه يؤثر صاحب الحق الأقوى، وفيه جواز أن تشتكي البنت لأبيها ما تلقاه من الشدة، ولم ينكر عليها أنها اشتكت، فلو اشتكت -مثلاً- تعب العمل في البيت، واشتكت من أذى أطفالها وأنها تلقى شدة في تربيتهم، أو أنهم يتمردون عليها أو أنهم يعاندون ونحو ذلك فإن لها أن تشتكي لأبيها، وأن الأب عليه أن يقوم بدور الناصح الموجه، وأن مسئوليته عن ابنته لم تنته بتزويجها، وإنما هي مستمرة في التسديد والإصلاح والنصيحة وتخفيف ما يصيب البنت من نتيجة أعباء الزواج؛ لأن البنت في بيت أبيها قد تكون مدللة، وقد يكون عندها من يخدمها، فإذا انتقلت إلى بيت رجل آخر صار حمل البيت عليها، وأيضاً بالإضافة إلى ذلك وخدمة الزوج الجديد وما يضاف من الحمل والوحام، وهو ما يصيب من الإرهاق والتعب، ثم الوضع والرضاعة مع الخدمة، البنت يختلف عليها الجو جداً، فعلى الأب أن يكون حكيماً في نصح ابنته في مواجهة الواقع الجديد بعد الزواج هذه مسألة مهمة, وكثير من البيوت تنجح بسبب مواصلة الأب فلا يقول الأب: أنا انتقيت لها الكفء وانتهت مسئوليتي، لا. يجب أن يواصل القيام بالمسئولية وأن يواصل الاعتناء بالبنت حتى بعد زواجها، وكثير من الأباء من خيرهم وبرهم أنهم لا زالوا يشرفون على بناتهم ويعتنون بهن حتى بعد الزواج بسنوات طويلة، وربما يكون هناك من أشرف على ابنته وجلب الطعام إليها في بيت زوجها، وخدمتها والاعتناء بأولادها، وهكذا لا تزال الرعاية مستمرة. والحديث فيه منقبة لـ علي ﵁ من جهة منزلته عن النبي ﷺ ، وأنه دخل عنده وجلس بينه وبين زوجته، وأنه اختار له أمر الآخرة على أمر الدنيا وآثر ذلك له. وكذلك في هذا الحديث: أن هذه الكلمات التي تقال مائة مرة قبل النوم يشبهها كذلك ما يقال بعد الصلوات، فقد ورد في بعض كيفيات الأذكار التي بعد الصلوات مثل أذكار قبل النوم: سبحان الله ثلاثاً وثلاثين، والحمد لله ثلاثاً وثلاثين، والله أكبر أربعاً وثلاثين، هذه كيفية صحيحة من كيفيات الأذكار بعد الصلاة، وكذلك وردت قبل النوم، وبعد الصلاة الكيفية المشهورة: سبحان الله ثلاثاً وثلاثين، والحمد لله ثلاثاً وثلاثين، والله أكبر ثلاثا ًوثلاثين، وتمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. وفيه ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم من الشدة وأنهم احتملوا ذلك وخرجوا من الدنيا في نظافة، وأنهم لم يتقذروا بما فيها. وفيه -أيضاً- تسلية لكل من اشتدت حاله أن من هو أفضل منه لاقى ما هو أشد، فلعل أن يكون فيه درس له أيضاً على الصبر. نسأل الله أن يجعلنا من الذين يسيرون على خطاهم، ويتأثرون بسيرتهم ويعملون بها، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 4304

الأسئلة

стр. 4305

أقوال ليست من السنة السؤال ما حكم قول بعضهم عند القيام في التراويح: ﴿رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء:٨٩]؟ الجواب إذا لم يثبت في هذا حديث فهي بدعة فبعض الناس -مثلاً- إذا قام للصلاة قال: أقامها الله وأدامها، هل ورد في هذا شيء؟ لم يرد حتى حديث ضعيف، إذاً لا نقوله، أو إذا قام للتراويح للوتر يقول هذا الدعاء، الدعاء صحيح لكن توقيته غير صحيح، الدعاء صحيح قاله زكريا ﵇: ﴿رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء:٨٩] بعض الناس بعد السلام من الصلاة يقول: تقبل الله، ويحافظ عليها، وبعضهم يقول: حرماً يعني: يصلي في الحرم فيقال: جمعاً أي: أجمعين. وبعضهم بعد الوضوء يقول: زمزم، ونحو ذلك من عبارات معينة لم ترد في الشرع إذا واظب عليها تتحول إلى بدعة، لأنك كأنك اخترعت ذكراً، بل هو كذلك اختراع لذكر لم يرد في الشريعة بقصد التعبد إلى الله، فهذا هو تعريف البدعة: اختراع في الدين يقصد به التقرب إلى الله، أحداث في الدين يقصد بها التقرب إلى الله. جاء أبو موسى إلى عبد الله بن مسعود ﵁ فقال: [يا أبا عبد الرحمن! إني جئت من مسجد الكوفة ورأيت فيه عجباً، قال: وما رأيت؟ قال: رأيت قوماً حلقاً حلقاً على رأسهم واحد يقول: سبحوا مائة فيسبحون مائة، كبروا مائة فيكبرون مائة وهكذا قال: وما قلت لهم؟ قال: ما قلت لهم شيئاً انتظار أمرك، قال: هلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم وأنا ضامن لهم ألا ينقص من حسناتهم شيء، ثم تلثم وخرج فدخل المسجد فوجدهم على هيئتهم حلقاً حلقاً، وقائل يقول: سبحوا مائة فيسبحون مائة، كبروا مائة فيكبرون مائة، فكشف اللثام عن وجهه وقال: أنا أبو عبد الرحمن صاحب رسول الله ﷺ ؛ ما أسرع هلكتكم يا أمة محمد! هذه ثياب نبيكم لم تبل وآنيته لم تكسر] ثم زجرهم ووبخهم وأمرهم أن يكفوا عن هذا الصنيع المبتدع قال بعد ذلك: [فلقد رأيت عامة هؤلاء يطاعنون يوم النهروان] يعني: مع الخوارج أي: فهم أصول الخوارج، إذاً: أصول الخوارج كانت لهم بدعة خرجوا بها على المسلمين. فإذاً: لا يجوز إحداث شيء في الدين أو ذكر من الأذكار لم يرد في الشريعة ومن فعل ذلك يأثم؛ لأنه يزيد على الدين وكأنه يقول: إن الإسلام ناقص وأنا جئت وأكملته، أو يقول: إن رسول الله خفيت عليه وأنا علمته، لأنك تلزم المبتدع تقول له: هذا الشيء الذي تفعله -احتفال بالمولد أو ذكر من الأذكار، وأي بدعة من البدع، أو صلاة أول خميس من رجب، تقول: هذا الشيء الذي تفعله هل أنت تفعله بنية التقرب إلى الله أم لا؟ هو لا يستطيع أن يكابر ويقول: لا. أنا أفعله مثل الأكل أو الطعام؛ لأنه أكيد يفعله تقرباً إلى الله، إذاً أنت تقول: أنت تعمله تقرباً إلى الله وهذا دين فأين الدليل؟ فيقول: لا دليل فتقول: (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد) ثم تقول له: هل علمه رسول الله ﷺ ؟ فإذا قال: لا. اتهم رسول الله بالجهل، وأنه فاته هذا الشيء حتى علمه هذا، ثم إذا قال: نعم. علمه رسول الله فما بلغنا معناه، فإنه اتهم النبي ﷺ بكتمان العلم. وهكذا المبتدع من جميع الجهات آثم متضرر من جميع الجهات، كلما جئت من جهة وجدت خرقاً، والدين يزول بأن يزيد فيه كل واحد حتى يصبح متغيراً، والقاعدة: كلما أحييت بدعة أميتت سنة، وكلما أحييت سنة أميتت بدعة، ولذلك فالبلاد التي فيها بدع كثيرة السنة فيها ميتة، وما عندهم من العلم بالسنة إلا قليل، عندهم مجموعة كبيرة من البدع، والبلاد التي فيها السنة ظاهرة تجد البدع فيها قليلة، وهذا قانون المدافعة الإلهي، إذا انتصرت السنة وهيمنت؛ زالت البدعة وخفت، والعكس بالعكس.

стр. 4306

جواز ترك التسليم مع الإمام في صلاة الوتر للقيام بركعة السؤال هل يجوز لأحد المأمومين ألا يسلم مع الإمام في صلاة الوتر ويأتي بركعة أخرى؟ الجواب نعم. ولكن الأفضل أن يسلم مع الإمام وينصرف معه حسب الحديث: (من صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة) ثم بعد ذلك يصلي مثنى مثنى إذا أراد الزيادة في بيته.

стр. 4307

حكم لبس الجوربين دون طهارة كاملة السؤال ما حكم من توضأ وعند غسل القدم اليمنى نزع جوربه الأيمن ثم لبسه ثم نزع الجورب الأيسر ثم لبسه، وعندما أتى وقت الصلاة مسح على جوربيه؟ الجواب هو يقصد -والله أعلم- أنه غسل القدم اليمنى ثم لبس عليها الجورب الأيمن، ثم غسل القدم اليسرى ولبس عليها الجورب الأيسر، فهو لما غسل القدم اليمنى ولبس عليها الجورب الأيمن هل لبسه على طهارة كاملة أم لا؟ لا. بل لبسه على طهارة ناقصة، حيث بقي عليه غسل القدم اليسرى، ولذلك لا يجوز له أن يلبس الجوربين إلا على طهارة كاملة: (دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين) بطهور كامل، فهذا الشخص ماذا عليه أن يفعل إذا لبس الجورب اليسرى على طهارة كاملة؟ إن عليه أن ينزع اليمنى ويعيد لبسها على طهارة تامة، وأبى شيخ الإسلام ﵀ ذلك؛ وهذا رأيه، وقال: إن ذلك عبث لا تأمر به الشريعة، ويرجع إلى كلامه رحمه الله تعالى من شاء، هذا ما أراه في هذه المسألة، والأحرى بالإنسان ألا يمسح إلا على جوربين قد لبسهما على طهارة تامة.

стр. 4308

حكم لعب الزهر السؤال ما حكم لعب الزهر إذا كان في حدود المعقول؟ الجواب أما قضية حدود المعقول وغير المعقول هذا ما عرفناه؛ كيف يكون معقولاً وغير معقول؟ يعني: عشرين مرة في اليوم معقول أو عشرة أو ثلاثة أو واحدة، كم المعقول وغير المعقول؟ هناك ضوابط للعب في الشريعة، فأما بالنسبة للزهر فلا يجوز اللعب به ولا مرة واحدة بسبب واضح وهو أن الرسول ﷺ قال: (من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم الخنزير ودمه) رواه مسلم، وكذلك أخبر ﷺ : (أن من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله) فالنرد: هو المكعب الذي يكون محفوراً في كل وجه منه دوائر لعدد معين من الواحد إلى الستة ثم ترمى، وبناء على الرقم الذي يكون في النرد يتحرك اللاعب أو يفعل شيئاً في اللعبة، فإن هذا النرد هو من صميم الميسر والمقامرة، وفكرة الميسر والمقامرة موجودة في رمي الزهر بالحظ؛ لكي يخرج لك الرقم وبعد ذلك يحدث ما يحدث تبعاً له، فإذاً: فكرة المقامرة موجودة في حجر الزهر وفي النرد، فكل الألعاب الموجودة فيها حجر النرد والزهر كالطاولة والملكلي وغير ذلك من الألعاب التي لا يجوز استعمالها، ما دام حجر الزهر موجوداً فيها لأجل الحديث، فالمهم في الألعاب أن تضبط بضوابط شرعية: أولاً: لا تصد وتبعد عن ذكر الله، ولا تلهي عن الصلاة. ثانياً: ألا تؤدي إلى إيقاع العداوة والبغضاء بين اللاعبين واللعن والسب والشتم. ثالثًا: ألا تؤدي إلى الغش، لأن كثيراً من لعب الورق من أشهر الألعاب التي فيها غش. رابعاً: ألا يكون فيها صليب؛ كلعب الشطرنج وكثير من ألعاب الكمبيوتر. خامساً: ألا يكون فيها ما يخالف العقيدة من جهة إحياء الميت ونحو ذلك؛ كما تدل بعض الألعاب في الكمبيوتر، يدخل ميتاً ويخرج حياً ويقول: هذا بقي له ثلاثة أرواح، وسبعة أرواح، وخمسة أرواح، وذهبت روح الذي اخترع اللعبة، فإذا بعضها واضح المصادمة للعقيدة، والأطفال يتربون على هذا (مات ثم يعيش). سادساً: ألا يكون فيها ضرب على الوجه؛ كلعبة الملاكمة فهي حرام قطعاً (١٠٠%)، والآن يفكرون بإعادة النظر فيها عالمياً بعدما أصيب كذا واحد بنزيف، وكذا واحد كُسِر وتهشم رأسه، وكذا واحد فقئت عينه، وكذا واحد أصيب بعاهة، الآن يفكرون والحكم عندنا من زمان وهو: النهي عن ضرب الوجه. سابعاً: ألا يكون فيها تحريش بين البهائم كنطاح الأكباش ومناقرة الديوك ومصارعة الثيران؛ فمصارعة الثيران حرام؛ لأنهم يغرسون فيها السهام، وهذا تعذيب واضح للحيوان واعجبا لهم! يقولون: نحن نعترف بالحيوان ويفعلون هذا بالثيران! وهم الثيران في الحقيقة. ثم -أيضاً- من ضوابط الألعاب ألا يكون فيها صور ذوات الأرواح، فإن اتخاذ صور ذوات الأرواح محرم لا يجوز، وألا يكون فيها كشف للعورات مثل لعبة كرة القدم بالشورت فإن العورة تبان وهو هذا التبان وهو البنطلون القصير فهذا فيه كشف للعورة والرسول ﷺ قال لـ جرهد: (غط فخذك فإن الفخذ عورة). عاشراً: ألا يكون فيها ما يؤذي البدن، ذكرنا مثالاً الضرب على الوجه، لكن -أيضاً- قضية التكسير أثناء اللعب كما يقع في بعض ألعاب كرة القدم، فإن الإصابات تقريباً شبه مؤكدة، ونادراً ما ينتهي الشوط من غير إصابات، وقد ذكر الشيخ/ محمد بن إبراهيم ﵀ في أسباب النهي عنها، قال: يجعلون سيارة إسعاف في الملعب دائماً، لكن على أي حال يمكن أن تلعب كرة القدم بضوابط شرعية، كأن لا يكون فيها تكسير ولا كشف عورات، ولا تلهي عن الصلاة، ولا تأخذ بالألباب، ولا تسبب التعصب وتفريق الناس على الأندية ونحو ذلك، وهذا من شروط اللعب (ألا تسبب التعصب وتفريق القلوب) وبعضهم قد يطلق زوجته، وبعضهم يطلق على الهدف إنه صحيح وهو ليس كذلك، وبعضهم يتشاجر حتى يكون العراك بالأيدي في حسم القضية، ومعروف ما يحدث بين مشجعي الفرق من المشاجرات واللعن والسب والحلف أنه هدف وليس بهدف ونحو ذلك. فالمهم أنهم يتفرقون تعصباً للأندية وهذه لاشك أنها حرام؛ لأنها مخالفة لما أمر الله تعالى به المسلمين من أن تكون قلوبهم مؤتلفة، فالشاهد أن هناك عدداً من الضوابط الشرعية يجب أن تتوفر في الألعاب حتى تصبح مباحة، وقد أخبر النبي ﷺ عن أربعة ليست من اللهو: (ملاعبة الرجل امرأته، وتأديبه فرسه، وتعلمه السباحة، ومشيه بين الغرضين) ملاعبة الرجل امرأته معروف، تأديب الرجل فرسه: لأن هذا شيء يعين على الجهاد والفروسية وهو محبب في الإسلام (والخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة) كما جاء في الحديث الصحيح، وإلى الآن حتى الجيوش الكبرى والدول المتقدمة في جيوشها فرق للخيالة باعتراف منهم بأهميتها. وثالثاً: قال: (وتعليم الرجل السباحة) لأنه يحتاج إليها، وبعض المعارك البحرية يحتاج فيها إلى غطاس؛ كما كان للمسلمين غطاس وكانوا يرسلون معه الرسائل والذهب من صلاح الدين إلى المسلمين المحاصرين في عكة فيغطس بها قبل سفن الصليبيين ويخرج بها من الجانب الآخر إلى أن توفاه الله غريقاً، ولم يكن قد أدى الأمانة وقذفه البحر إلى عكة بالذهب وبالخطابات بعدما غرق في البحر فأدى الأمانة بعد موته ﵀، فالشاهد أن تعلم السباحة مفيد في كل الحالات، قال: (ومشي الرجل بين غرضين) يعني: التدرب على الرماية وإطلاق السهام، والغرض: الأهداف التي يطلق إليها السهم ويرمى، فهذا يفيد -أيضاً- في الجهاد في سبيل الله، فلذلك تعلم الرماية من العبادات، ومن تعلم الرمي فتركه فكأنما هي نعمة كفرها يعني: أوتي نعمة ثم كفرها، فحذر النبي ﷺ في الحديث الصحيح من أن ينسى الإنسان الرماية إذا تعلمها، فإنه إذا نسيها فكأنما هي كنعمة كفرها.

стр. 4309

الإنفاق على الأولاد من راتب أبيهم بعد موته السؤال يقول: توفي أبي وكان له راتب من التقاعد فأخذه أخي الأكبر وجمعه لنا ليقسمه بيننا إذا كبرنا وكان ينفق على البيت من راتبه الخاص؟ الجواب هذا محسن إذا فعل ذلك، وإذا أنفق عليهم من راتب التقاعد فإن هذا الإنفاق يكون في محله.

стр. 4310

عدد المسلمين في معركة الخندق السؤال هل كان عدد المسلمين في معركة الخندق ألف أو ثلاثة آلاف؟ الجواب في معركة الخندق كان ثلاثة آلاف -العدد الإجمالي- لكن الذين كانوا عند الخندق في ذلك الوقت كان عددهم ألف.
следующие страницы →