Полный текст (7 040 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.
стр. 4306
جواز ترك التسليم مع الإمام في صلاة الوتر للقيام بركعة
السؤال
هل يجوز لأحد المأمومين ألا يسلم مع الإمام في صلاة الوتر ويأتي بركعة أخرى؟
الجواب
نعم.
ولكن الأفضل أن يسلم مع الإمام وينصرف معه حسب الحديث: (من صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة) ثم بعد ذلك يصلي مثنى مثنى إذا أراد الزيادة في بيته.
стр. 4307
حكم لبس الجوربين دون طهارة كاملة
السؤال
ما حكم من توضأ وعند غسل القدم اليمنى نزع جوربه الأيمن ثم لبسه ثم نزع الجورب الأيسر ثم لبسه، وعندما أتى وقت الصلاة مسح على جوربيه؟
الجواب
هو يقصد -والله أعلم- أنه غسل القدم اليمنى ثم لبس عليها الجورب الأيمن، ثم غسل القدم اليسرى ولبس عليها الجورب الأيسر، فهو لما غسل القدم اليمنى ولبس عليها الجورب الأيمن هل لبسه على طهارة كاملة أم لا؟ لا.
بل لبسه على طهارة ناقصة، حيث بقي عليه غسل القدم اليسرى، ولذلك لا يجوز له أن يلبس الجوربين إلا على طهارة كاملة: (دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين) بطهور كامل، فهذا الشخص ماذا عليه أن يفعل إذا لبس الجورب اليسرى على طهارة كاملة؟ إن عليه أن ينزع اليمنى ويعيد لبسها على طهارة تامة، وأبى شيخ الإسلام ﵀ ذلك؛ وهذا رأيه، وقال: إن ذلك عبث لا تأمر به الشريعة، ويرجع إلى كلامه رحمه الله تعالى من شاء، هذا ما أراه في هذه المسألة، والأحرى بالإنسان ألا يمسح إلا على جوربين قد لبسهما على طهارة تامة.
стр. 4308
حكم لعب الزهر
السؤال
ما حكم لعب الزهر إذا كان في حدود المعقول؟
الجواب
أما قضية حدود المعقول وغير المعقول هذا ما عرفناه؛ كيف يكون معقولاً وغير معقول؟ يعني: عشرين مرة في اليوم معقول أو عشرة أو ثلاثة أو واحدة، كم المعقول وغير المعقول؟ هناك ضوابط للعب في الشريعة، فأما بالنسبة للزهر فلا يجوز اللعب به ولا مرة واحدة بسبب واضح وهو أن الرسول ﷺ قال: (من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم الخنزير ودمه) رواه مسلم، وكذلك أخبر ﷺ : (أن من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله) فالنرد: هو المكعب الذي يكون محفوراً في كل وجه منه دوائر لعدد معين من الواحد إلى الستة ثم ترمى، وبناء على الرقم الذي يكون في النرد يتحرك اللاعب أو يفعل شيئاً في اللعبة، فإن هذا النرد هو من صميم الميسر والمقامرة، وفكرة الميسر والمقامرة موجودة في رمي الزهر بالحظ؛ لكي يخرج لك الرقم وبعد ذلك يحدث ما يحدث تبعاً له، فإذاً: فكرة المقامرة موجودة في حجر الزهر وفي النرد، فكل الألعاب الموجودة فيها حجر النرد والزهر كالطاولة والملكلي وغير ذلك من الألعاب التي لا يجوز استعمالها، ما دام حجر الزهر موجوداً فيها لأجل الحديث، فالمهم في الألعاب أن تضبط بضوابط شرعية: أولاً: لا تصد وتبعد عن ذكر الله، ولا تلهي عن الصلاة.
ثانياً: ألا تؤدي إلى إيقاع العداوة والبغضاء بين اللاعبين واللعن والسب والشتم.
ثالثًا: ألا تؤدي إلى الغش، لأن كثيراً من لعب الورق من أشهر الألعاب التي فيها غش.
رابعاً: ألا يكون فيها صليب؛ كلعب الشطرنج وكثير من ألعاب الكمبيوتر.
خامساً: ألا يكون فيها ما يخالف العقيدة من جهة إحياء الميت ونحو ذلك؛ كما تدل بعض الألعاب في الكمبيوتر، يدخل ميتاً ويخرج حياً ويقول: هذا بقي له ثلاثة أرواح، وسبعة أرواح، وخمسة أرواح، وذهبت روح الذي اخترع اللعبة، فإذا بعضها واضح المصادمة للعقيدة، والأطفال يتربون على هذا (مات ثم يعيش).
سادساً: ألا يكون فيها ضرب على الوجه؛ كلعبة الملاكمة فهي حرام قطعاً (١٠٠%)، والآن يفكرون بإعادة النظر فيها عالمياً بعدما أصيب كذا واحد بنزيف، وكذا واحد كُسِر وتهشم رأسه، وكذا واحد فقئت عينه، وكذا واحد أصيب بعاهة، الآن يفكرون والحكم عندنا من زمان وهو: النهي عن ضرب الوجه.
سابعاً: ألا يكون فيها تحريش بين البهائم كنطاح الأكباش ومناقرة الديوك ومصارعة الثيران؛ فمصارعة الثيران حرام؛ لأنهم يغرسون فيها السهام، وهذا تعذيب واضح للحيوان واعجبا لهم! يقولون: نحن نعترف بالحيوان ويفعلون هذا بالثيران! وهم الثيران في الحقيقة.
ثم -أيضاً- من ضوابط الألعاب ألا يكون فيها صور ذوات الأرواح، فإن اتخاذ صور ذوات الأرواح محرم لا يجوز، وألا يكون فيها كشف للعورات مثل لعبة كرة القدم بالشورت فإن العورة تبان وهو هذا التبان وهو البنطلون القصير فهذا فيه كشف للعورة والرسول ﷺ قال لـ جرهد: (غط فخذك فإن الفخذ عورة).
عاشراً: ألا يكون فيها ما يؤذي البدن، ذكرنا مثالاً الضرب على الوجه، لكن -أيضاً- قضية التكسير أثناء اللعب كما يقع في بعض ألعاب كرة القدم، فإن الإصابات تقريباً شبه مؤكدة، ونادراً ما ينتهي الشوط من غير إصابات، وقد ذكر الشيخ/ محمد بن إبراهيم ﵀ في أسباب النهي عنها، قال: يجعلون سيارة إسعاف في الملعب دائماً، لكن على أي حال يمكن أن تلعب كرة القدم بضوابط شرعية، كأن لا يكون فيها تكسير ولا كشف عورات، ولا تلهي عن الصلاة، ولا تأخذ بالألباب، ولا تسبب التعصب وتفريق الناس على الأندية ونحو ذلك، وهذا من شروط اللعب (ألا تسبب التعصب وتفريق القلوب) وبعضهم قد يطلق زوجته، وبعضهم يطلق على الهدف إنه صحيح وهو ليس كذلك، وبعضهم يتشاجر حتى يكون العراك بالأيدي في حسم القضية، ومعروف ما يحدث بين مشجعي الفرق من المشاجرات واللعن والسب والحلف أنه هدف وليس بهدف ونحو ذلك.
فالمهم أنهم يتفرقون تعصباً للأندية وهذه لاشك أنها حرام؛ لأنها مخالفة لما أمر الله تعالى به المسلمين من أن تكون قلوبهم مؤتلفة، فالشاهد أن هناك عدداً من الضوابط الشرعية يجب أن تتوفر في الألعاب حتى تصبح مباحة، وقد أخبر النبي ﷺ عن أربعة ليست من اللهو: (ملاعبة الرجل امرأته، وتأديبه فرسه، وتعلمه السباحة، ومشيه بين الغرضين) ملاعبة الرجل امرأته معروف، تأديب الرجل فرسه: لأن هذا شيء يعين على الجهاد والفروسية وهو محبب في الإسلام (والخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة) كما جاء في الحديث الصحيح، وإلى الآن حتى الجيوش الكبرى والدول المتقدمة في جيوشها فرق للخيالة باعتراف منهم بأهميتها.
وثالثاً: قال: (وتعليم الرجل السباحة) لأنه يحتاج إليها، وبعض المعارك البحرية يحتاج فيها إلى غطاس؛ كما كان للمسلمين غطاس وكانوا يرسلون معه الرسائل والذهب من صلاح الدين إلى المسلمين المحاصرين في عكة فيغطس بها قبل سفن الصليبيين ويخرج بها من الجانب الآخر إلى أن توفاه الله غريقاً، ولم يكن قد أدى الأمانة وقذفه البحر إلى عكة بالذهب وبالخطابات بعدما غرق في البحر فأدى الأمانة بعد موته ﵀، فالشاهد أن تعلم السباحة مفيد في كل الحالات، قال: (ومشي الرجل بين غرضين) يعني: التدرب على الرماية وإطلاق السهام، والغرض: الأهداف التي يطلق إليها السهم ويرمى، فهذا يفيد -أيضاً- في الجهاد في سبيل الله، فلذلك تعلم الرماية من العبادات، ومن تعلم الرمي فتركه فكأنما هي نعمة كفرها يعني: أوتي نعمة ثم كفرها، فحذر النبي ﷺ في الحديث الصحيح من أن ينسى الإنسان الرماية إذا تعلمها، فإنه إذا نسيها فكأنما هي كنعمة كفرها.
стр. 4309
الإنفاق على الأولاد من راتب أبيهم بعد موته
السؤال
يقول: توفي أبي وكان له راتب من التقاعد فأخذه أخي الأكبر وجمعه لنا ليقسمه بيننا إذا كبرنا وكان ينفق على البيت من راتبه الخاص؟
الجواب
هذا محسن إذا فعل ذلك، وإذا أنفق عليهم من راتب التقاعد فإن هذا الإنفاق يكون في محله.
стр. 4310
عدد المسلمين في معركة الخندق
السؤال
هل كان عدد المسلمين في معركة الخندق ألف أو ثلاثة آلاف؟
الجواب
في معركة الخندق كان ثلاثة آلاف -العدد الإجمالي- لكن الذين كانوا عند الخندق في ذلك الوقت كان عددهم ألف.
стр. 4311
ليس على من نسي التقصير شيء
السؤال
امرأة طافت وسعت ولم تقص من شعرها إلا بعد أسبوع لأنها نسيت؟
الجواب
ما دام أنها نسيت ثم قصت فليس عليها شيء.
стр. 4312
ترك المسجد القريب طلباً لحسن صوت القارئ
السؤال
هل علي شيء إذا تركت المسجد الذي في حينا وذهبت إلى مسجد آخر في صلاة التراويح لحسن الصوت؟
الجواب
لا بأس إذا لم يكن يحدث بينك وبين الإمام أو الجماعة شحناء أو بغضاء.
стр. 4313
جواز دخول الكافر المسجد للمصلحة
السؤال
في بعض المساجد يكون فيها إفطار جماعي لعدد من العمال، وربما دخل بينهم من غير المسلمين لأجل الإفطار، هل نمنعهم من دخول المسجد لأنهم غير مسلمين؟
الجواب
أما مسألة دخول الكافر المسجد فإن الراجح جواز دخوله للمصلحة كما أدخل ثمامة ﵁ وكان مشركاً إلى المسجد وربط فيه، فيجوز دخول الكافر المسجد لمصلحة.
ثانياً: لا يأكل مع المسلمين إذا كان الطعام مخصصاً لهم؛ لأن بعض الناس يأتي إلى المسجد ويقول: هذا إفطار صائم، أو يعطي الإمام مالاً ويقول: هذا المال أريد به إفطار صائم، والكافر ليس بصائم، إذاً لا يأكل معهم، لكن إذا كان الطعام صدقة عامة فإن السماح للكافر بالمجيء ربما يكون فيه فائدة من جهة دعوته وتأثره بهذا الاجتماع، وهو عندما يفطر مع المسلمين، ويرى هذه العبادة واجتماعهم عليها، فربما يؤثر ذلك في نفسه، فإذا كانت صدقة عامة رئي فيها مصلحة لهذا الكافر من الدخول أدخلناه وأطعمناه، وإذا كان لا مصلحة فيها لا ندخله المسجد، وكذلك إذا كان الطعام مختصاً بالمسلمين أو بالصائمين.
стр. 4314
الإحرام من الميقات عند قصد العمرة
السؤال
سافرت إلى جدة لهدفين: للعمل والعمرة، والهدف الأساسي هو العمل، فأحرمت من جدة وعملت العمرة؟
الجواب
إذا كنت قاصداً العمرة سواءً كان هدفاً أول أو هدفاً ثانياً فلا بد أن تحرم من الميقات، وإذا لم تحرم من الميقات فإن عليك دم يذبح في مكة ويوزع على فقراء الحرم، وإذا كنت تقصد العمل فقط وتقول: إذا تهيأ لي وقت اعتمرت وإذا لم يتهيأ لي وقت رجعت من دون عمرة، فتحرم من حيث ما تهيأ لك، سواء جزمت بالعمرة من جدة أو من غيرها.
стр. 4315
حسن التعامل مع الناس
إن من الميزات العظيمة لهذا الدين أنه جاء بالتعامل الحسن والأخلاق الحسنة، وقد حث هذا الدين على حسن التعامل مع الوالدين والأقرباء والأولاد والجيران والأيتام والخدم، ومع الإخوان والأصدقاء والسائلين والمحتاجين وكبار السن، حتى الحيوانات والبهائم، وكل صنف من هذه الأصناف ورد فيه حديث عن النبي ﷺ أو قصة.
стр. 4316
عظمة الدين الإسلامي
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدا ً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي نبينا محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالة في النار.
عباد الله! إن من الميزات العظيمة لهذا الدين، أنه جاء بالتعامل الحسن، والخلق الحسن، وأنه يكفل السعادة للمنتسبين إليه، إنه دين فيه أخذ وعطاء، واجتماعية وتعايش، إنه دين قائم على الاحترام وإعطاء الحقوق، وهذه قضيةٌ غفل عنها كثير من المسلمين فأصبح تعامل بعضهم مع بعض فضاً أجوف غليظاً، حتى أصبح كثير منهم يقطع بعضاً، وكثير منهم يظلم بعضاً، ويهجر بعضاً، ولا يوجد في كثير من الأحيان أخلاق إسلامية في التعامل، فأصبحت الحقوق ضائعة، والعلاقات متقطعة، وصار الواحد همه في حاله وماله وشأنه ولا يهمه الآخرون.
عباد الله! إن حسن التعامل مع الناس ميزة عظيمة في هذا الدين، وقد جاء هذا الدين بحسن التعامل مع الوالدين والأقرباء والأولاد والجيران والأيتام والخدم، ومع الإخوان والأصدقاء والسائلين والمحتاجين والجلساء وكبار السن والعمال، وحتى الحيوانات والبهائم، فما أعظمه من دين، جاء بهذا الخلق العظيم: حسن التعامل مع الناس.
عباد الله: إن ربنا جل وعلا قد ندبنا في كتابه الكريم إلى الاهتمام بالتعامل مع الخلق وقال الله تعالى عن القريب إذا سأله أقرباؤه نفقة أو صدقةً أو معونة، ولم يجد شيئاً يساعدهم به فلا أقل من كلمة طيبة، واعتذار حسن، قال ربنا ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا﴾ [الإسراء:٢٨] تعرض عن الأقرباء ليس عندك ما تعطيهم وتنتظر غنىً من الله ﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً﴾ [الإسراء:٢٨] قولاً حسناً، وعدهم وعداً حسناً، إن أيسرت أعطيتك وبذلت لك وسددت حاجتك ونحو ذلك، وقال الله : ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ [البقرة:٨٣] هذه عبارة قرآنية من كلام الرب جل وعلا ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ [البقرة:٨٣] كم من الناس يمتثلها اليوم؟ كم من الناس يتعاملون بالقول الحسن فيما بينهم؟
стр. 4317
حقوق وردت في السنة النبوية
وننتقل -يا عباد الله- إلى سنة النبي ﷺ لنذهب وإياكم في جولة تشهد لهذا الأصل العظيم وهو حسن التعامل مع الخلق في هذه الشريعة.
стр. 4318
حق الوالدين
فأما حق الوالدين فمعلوم ومعروف، والأمر ببرهما مشتهر ومألوف في هذه النصوص الشرعية، لقد حدثنا أبو بردة أنه شهد ابن عمر ورجلاً يمانياً يطوف بالبيت حمل أمه وراء ظهره وهو يقول:
إني لها بعيرها المذلل إن أذعرت ركابها لم أذعر
ثم قال: [يا بن عمر! أتراني جزيتها؟ قال: لا، ولا بزفرة واحدة] اذكر آلام الطلق لما حملت أمك بك، وعند وضعها لك، قال: لا.
ولا بزفرة واحدة [ثم طاف ابن عمر فأتى المقام فصلى ركعتين ثم قال: يا بن أبي موسى إن كل ركعتين تكفران ما أمامهما].
وعن أبي مرة مولى أم هانئ بنت أبي طالب، أنه ركب مع أبي هريرة -وأبو هريرة له شأن عظيم في بر الوالدة، حتى توسل إلى النبي ﷺ أن يدعو ربه لهدايتها فهداها الله من أجل ذلك- ركب هذا الراوي مع أبي هريرة إلى أرضه بـ العقيق، حتى إذا دخل أرضه صاح بأعلى صوته: [السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا أمتاه! فتقول: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، يقول: يرحمك الله كما ربيتني صغيراً، فتقول: يا بني! وأنت جزاك الله خيراً ورضي عنك كما بررتني كبيراً] إحسان متبادل، وعاطفة منسجمة بين الوالدة وولدها.
والأب حقه عظيم، وكان أبو هريرة يوصي بالوالد أيضاً، فعن عروة أو غيره أن أبا هريرة أبصر رجلين فقال لأحدهما: [ما هذا منك -أي: ما علاقته بك وما علاقتك به؟! - فقال: أبي، قال: لا تسمه باسمه، ولا تمشِ أمامه، ولا تجلس قبله] لابد أن يظهر عليك حتى في مشيتك أنه أبوك.
стр. 4319
حق الأرحام
وأما الأرحام فحسن التعامل معهم هو صلتهم، والصلة أعلى من المعاملة بالمكافأة، فإن صلة من قطع أعلى درجة من مكافأة يظهرها من عومل بمثلها، عن أبي هريرة قال: (أتى رجل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي, ويجهلون وأحلم عنهم) هذه معاملتي وهذه معاملتهم، هذا أذاهم وهذا إحساني، هذا ما أقابلهم به حتى اشتد ذلك على الرجل، (فقال النبي ﷺ : لئن كان كما تقول -لئن كان الأمر كما تقول- كأنما تسفهم المل) أي: تطعمهم الرماد الحار، وهو تعبير ينبئ عن علو كعبه، وارتفاع أمره عليهم أن له الحجة فوقهم وأنه قد أدانهم (ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك) أي: المعونة من الله.
стр. 4320
حق الأولاد
وأما الأولاد فإحسان التعامل معهم بالرحمة بهم والشفقة عليهم، عن أنس بن مالك قال: (جاءت امرأة إلى عائشة ﵂ فأعطتها عائشة ثلاث تمرات فأعطت كل صبي لها تمرة وأمسكت لنفسها تمرة، فأكل الصبيان التمرتين ونظرا إلى أمهما فعمدت إلى التمرة المتبقية فشقتها فأعطت كل صبي نصف تمرة وبقيت هي بلا شيء، فجاء النبي ﷺ فأخبرته عائشة فقال: وما يعجبك من ذلك؟ لقد رحمها الله برحمتها صبييها).
الإحسان إلى الأولاد والأطفال بملاطفتهم وتقبيلهم، فعن عائشة ﵂ قالت: (جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: أتقبلون صبيانكم فوالله ما نقبلهم، فقال النبي ﷺ : أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة) فدل ذلك أن عدم تقبيل الصبيان نزع للرحمة من القلب، وذلك الرجل الذي تباهى بأن له عشرة من الولد ما قبلهم، فقال النبي ﷺ : (من لا يرحم لا يرحم) وكان فضله وملاطفته وبشاشته ﷺ متعدية إلى أحفاده، فعن أبي هريرة قال: (ما رأيت حسناً إلا فاضت عيناي دموعاً، وذلك أن النبي ﷺ خرج يوماً فوجدني في المسجد فأخذ بيدي، فانطلقت معه فما كلمني حتى جئنا سوق بني قينقاع، فطاف فيه ونظر ثم انصرف وأنا معه حتى جئنا المسجد فجلس فاحتبا ثم قال: أين لكاع ادع لي لكاع فجاء حسن يشتد -جاء الولد الصغير المدعو- فجاء حسن يشتد فوقع في حجره ﷺ ثم أدخل يده في لحيته -الولد متعود على الملاطفة والملاعبة أدخل يده في لحية جده ﷺ ثم جعل النبي ﷺ يفتح فاه فيدخل فاه في فيه، ثم قال: اللهم إني أحبه فأحبه وأحب من يحبه) وعن يعلى بن مرة قال: خرجنا مع النبي ﷺ ودعينا إلى طعام فإذا حسين يلعب في الطريق فأسرع النبي أمام القوم ثم بسط يديه، فجعل الغلام يفر هاهنا وهاهنا ويضاحكه النبي ﷺ حتى أخذه، فجعل إحدى يديه في ذقنه والأخرى في رأسه ثم اعتنقه ثم قال النبي ﷺ : (حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسيناً، الحسين سبط من الأسباط).
стр. 4321
حق الجيران
أما الجيران, وما أدراك ما الجيران، وماحق الجار؛ فإن الشأن عظيم والتقصير والتفريط كبير، فعن ابن عمر قال: [لقد أتى علينا زمان -أو قال حين- وما أحد أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم] كله إيثار لا أحد يرى أنه أحق بماله من أخيه فالمال للجميع، ثم يقول ابن عمر: (ثم الآن الدينار والدرهم أحب إلى أحدنا من أخيه المسلم، سمعت رسول الله ﷺ يقول: كم من جار متعلق بجاره يوم القيامة، يقول: يا رب! هذا أغلق بابه دوني فمنع معروفه، والله تعالى يمنع عنه المعروف يوم القيامة بما منع المعروف عن جاره) وأوصى أبا ذر، قال: أوصاني خليلي بثلاث فمنها: (يا أبا ذر! إذا طبخت مرقة فأكثر ماء المرقة وتعاهد جيرانك أو أقسم في جيرانك).
فبمن يبدأ؟ تقول عائشة ﵂ قلت: (يا رسول الله! إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: إلى أقربهم منك باباً) وعن الحسن أنه سئل عن الجار: منهم الجيران وإلى أين ينبغي أن يكون الفضل؟ -إلى كم من الجيران؟ - فقال الحسن ﵀: أربعين داراً أمامه، وأربعين خلفه، وأربعين عن يمينه، وأربعين عن يساره.
وأما إيذاؤه فشنيع وعظيم، فعن أبي هريرة ﵁ قال: (قيل للنبي ﷺ يا رسول الله! إن فلانة تقوم الليل وتصوم النهار وتفعل وتتصدق ولكنها تؤذي جيرانها بلسانها، فقال الرسول ﷺ : لا خير فيها هي من أهل النار).
وعن أبي هريرة قال: (قال رجل: يا رسول الله! إن لي جاراً يؤذيني فقال: انطلق فأخرج متاعك في الطريق، فانطلق فأخرج متاعه فاجتمع الناس عليه قالوا: ما شأنك؟ قال: لي جار يؤذيني -أي: أنه ما أطاق البقاء في بيته وأخرج المتاع إلى الشارع- فجعلوا يقولون: اللهم العنه، اللهم أخزه -يدعون على جاره اللهم أخزه- فبلغ الجار ما يفعل الناس، فأتاه فقال: ارجع إلى منزلك فوالله لا أؤذيك) اتعظ وارتدع ورجع إلى الإحسان.
وكان ثوبان يقول: [ما من جار يظلم جاره ويقهره حتى يحمله ذلك على أن يخرج من منزله إلا هلك] وكم من الناس اليوم غيروا سكنهم وخرجوا من بيوتهم بسبب جيرانهم فكان أذى الجار حاملاً لهم على الخروج من المسكن، وتغيير البيت من أجل أذى الجار.
وربما انتقل إلى بيت إيجاره أعلى، أو بيت أضيق من أجل الهروب من جاره، ومن أجل أذى الجار.
стр. 4322
حق الأيتام
وأما الأيتام فالإحسان إليهم ومعاملتهم بلطف والإنفاق عليهم من هذه الشريعة، فعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (الساعي على الأرملة والمساكين كالمجاهد في سبيل الله، وكالذي يصوم النهار ويقوم الليل) ولذلك كان عبد الله -كما يقول أبو بكر بن حفص - لا يأكل طعاماً إلا وعلى خوانه يتيم، لابد أن يدعو يتيماً في كل وجبة من وجبات طعامه ليأكل معه إحساناً إلى اليتامى.
وأما العبيد والخدم فالإحسان إليهم بالرفق بهم والتخفيف عنهم وترك إيذائهم: عن أبي أمامة قال: (أقبل النبي ﷺ ومعه غلامان فوهب أحدهما لـ علي صلوات الله عليه وقال: لا تضربه، فإني نهيت عن ضرب أهل الصلاة، وإني رأيته يصلي منذ أقبلنا، وأعطى أبا ذر غلاماً وقال: استوصِ به معروفاً، فأعتقه، فقال: ما فعل؟ -يسأل أبا ذر بعد ذلك- ماذا فعلت بالغلام؟! قال: أمرتني أن أستوصي به خيراً فأعتقته).
وعن أبي مسعود ﵁ قال: (كنت أضرب غلاماً لي فسمعت من خلفي صوتاً!! اعلم أبا مسعود.
اعلم أبا مسعود.
لله أقدر عليك منك عليه، لله أقدر عليك منك عليه، فالتفت فإذا هو رسول الله ﷺ قلت: يا رسول الله! هو حر لوجه الله، فقال: أما لو لم تفعل لمستك النار أو للفحتك النار) وعن عمار بن ياسر قال: [لا يضرب أحد عبداً له وهو ظالم له إلا أقيد منه يوم القيامة] هذا في العبد الذي يملكه صاحبه، فكيف إذا كان خادماً لا يملكه ولم يشتره بماله؟ وإنما هو حرٌ أو حرةٌ من الأحرار ومع ذلك يضربونهم ويجرحونهم ويكسرونهم وقد يذهبون إلى المستشفيات من شدة الضرب، حال بعض الناس مع الخدم في الإهانة والإيذاء والشدة لا يعلمه إلا الله، مع أنهم لا يملكونهم وهذا الذي يملكه يقول عمار: [لا يضرب أحد عبداً له وهو ظالم له إلا أقيد منه يوم القيامة] فماذا سيفعل بعض الخدم ببعض المخدومين يوم القيامة؟ وعن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال: (خرجت أنا وأبي نطلب العلم في هذا الحي من الأنصار قبل أن يهلكوا، فكان أول من لقينا أبا اليسر صاحب رسول الله ﷺ ، ووصفوا معه حال غلامه وحسن لباسه مع سيده، فكلموا أبا اليسر في حال هذا الغلام في هذه اللبسة الجميلة الجيدة، فقال: يا بن أخي! بصرت عيني هاتين، وسمعت أذني هاتين، ووعاه قلبي -وأشار إلى مناط قلبه- سمعت النبي ﷺ يقول: أطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون) وكان أن أعطيته من متاع الدنيا أهون علي من أن يأخذ من حسناتي يوم القيامة.
وعن أبي ذر قال: (إني ساببت رجلاً فشكاني إلى النبي ﷺ فقال لي -أي: الرسول ﵊: أعيرته بأمه؟! قلت: نعم.
قال: إن إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يديه فليطعمه مما يأكل ويلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم).
стр. 4323
الإحسان إلى صانع المعروف
والإحسان إلى من صنع إليك معروفاً فمكافأته على معروفه، وكم من الناس يجحد المعروف ويتنكر لمن صنع إليه معروفاً، حتى إذا رآه كأنه لم يقابله من قبل، فجاحدو المعروف في هذه الدنيا كُثر، عن جابر بن عبد الله قال: قال النبي ﷺ : (من صُنعِ إليه معروف فليجزيه، فإن لم يجد ما يجزيه فليثن عليه، فإنه إذا أثنى عليه فقد شكره وإن كتمه فقد كفره، ومن تشبع بما لم يعط كأنما لبس ثوبي زور) إذاً: إذا لم تستطع مكافأته فاذكر معروفه بين الناس واثنِ عليه، فإذا كتمت ذلك فقد كفرت بمعروفه، وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (من أتى إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا فادعوا له حتى يعلم أن قد كافأتموه).
стр. 4324
الإحسان إلى صديقات الزوجة
وأما الإحسان إلى الأصدقاء، وصديقات الزوجة، وأصدقاء الأبوين فإنه من حسن التعامل مع الخلق، فعن أنس قال: كان النبي ﷺ إذا أتي بالشيء يقول: (اذهبوا به إلى فلانة فإنها كانت صديقة خديجة، اذهبوا إلى بيت فلانة فإنها كانت تحب خديجة) كان ﷺ يتذكر الغابر، ويتذكر الدهر الماضي، ويتذكر العلاقات القديمة، حسن العهد من الإيمان.
أما الإخوان والأصدقاء، فإنه لابد أن يكون الإنسان على صلة ورحمة بهم، وهذا ما سنعرف بعض أمثلته بعد قليل.
أسأل الله تعالى أن يهب لنا من أمرنا رشداً، وأن يعيننا على حسن التعامل مع الخلق، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 4325
الإحسان إلى الإخوان
الحمد لله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ويشركون، نحمدك اللهم ونثني عليك ونشكرك ونوحدك ولا نكفرك ونخلع كل من يكفرك.
وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، هو رسول الله الرحمة المهداة والبشير النذير والسراج المنير، صلى الله عليه وعلى آله وذريته الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه والتابعين.
عباد الله! قال ﷺ : (خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه) وقال ﵊: (المؤمن مرآة أخيه، المؤمن أخو المؤمن يكف عليه ضيعته، ويحوطه من ورائه فيحفظه في ماله، ويتعاهد حاله، ويصلح شأنه ويرعى مصلحته) ولذلك لا تجوز المصارمة بين الإخوان، القطيعة والهجران من المحرمات، فعن هشام بن عامر الأنصاري -ابن عم أنس بن مالك، وكان أبوه قد قتل يوم أحد - أنه سمع رسول الله ﷺ قال: (لا يحل لمسلم أن يصارم مسلماً فوق ثلاث، فإنهما ناكبان عن الحق ما داما على صرامهما، وإن أولهما فيئاً يكون كفارته عند سبقه بالفيء -إذا سبق بالرجوع إلى صاحبه كان ذلك الرجوع كفارة لما حصل- وإن ماتا على صرامهما، لم يدخلا الجنة جميعاً أبداً، فإن سلم عليه فأبى أن يقبل تسليمه وسلامه رد عليه الملك ورد على الآخر الشيطان) رد عليه الملك على المسلم البادئ، ورد على الآخر الشيطان، قاله ﵊.
فانظر الآن في أحوالنا الاجتماعية وتقاطع بعضنا مع بعض، وهذا لم يدخل بيت قريبه منذ كذا سنة، وآخر يمر بالمجلس فلا يسلم عليه لما بينه وبينه من القطيعة، حقوق الأخوة عظيمة، والإعداد للقاء الإخوان من الدين، فعن ثابت البناني قال: [إن أنساً كان إذا أصبح دهن يده بدهن طيب لمصافحة إخوانه] كان أنس إذا أصبح وضع الطيب في يده لأنه سيمشي ويشاهد ويقابل إخوانه وسيصافحهم، فليكن ما ينتقل من كفه إلى كف أخيه طيباً.
حتى توزيع النظر في الجلسات مع الإخوان، فعن حبيب بن ثابت قال: كانوا يحبون إذا حدث الرجل لا يقبل على الرجل الواحد ولكن ليعمهم، يعمهم بنظره فيوزع عليهم نظرات يشرك فيها الجميع، ولا يجوز ترويع الأخ المسلم أبداً، ولذلك قال ﷺ : (لا يأخذ أحدكم متاع صاحبه لاعباً ولا جادا فإذا أخذ أحدكم عصا صاحبه فليردها إليه).
стр. 4326
الإحسان إلى كبار السن
وأما كبار السن فإن إحسان التعامل باحترامهم وتوقيرهم، فعن أبي موسى الأشعري قال: [إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم] إذا أردت أن تجل الرب فأكرم ذي الشيبة المسلم.
وأما قضاء حوائج الناس ووعدهم خيراً فقد كان صفة من صفات نبينا ﷺ فعن أنس قال: (كان النبي رحيماً، وكان لا يأتيه أحد إلا وعده -يعده خيراً- وأنجز له إن كان عنده، وأقيمت الصلاة وجاءه أعرابي بعد إقامة الصلاة فأخذ بثوبه فقال: إنما بقي من حاجتي يسيرة -بقي سؤال- فقام معه حتى فرغ من حاجته ثم أقبل فصلى).
стр. 4327
التجاوز عن المحتاجين والمساكين والمدينين
والتجاوز عن المحتاجين والمساكين والمدينين -أصحاب الديون- أمر عظيم من إحسان تعامل الخلق، فعن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : (حوسب رجل ممن كان قبلكم فلم يوجد له من الخير شيء إلا أنه قد كان رجلاً يخالط الناس، وكان موسراً فكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر، قال الله : نحن أحق بذلك منه تجاوزوا عنه -يقول للملائكة- تجاوزوا عنه) بعد أن لقي الله وكان موحداً لكن ليس له من الخير إلا ذلك، قال: تجاوزوا عنه.
مواساة الناس في السنة المجاعة وفي القحط والشدة، تنزل حيث بالناس ظروف صعبة فيحتاجون وتضيق أحوالهم، فما هو حسن التعامل مع الخلق في هذه الحالة؟ المواساة والبذل لهم، ولذلك قال الأنصار: اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل، مع أن المهاجرين ما تعبوا في شيء، قال: لا.
لا يعرفون الزراعة، فقالوا: تكفونا المؤنة ونشرككم في الثمرة، قالوا: سمعنا وأطعنا.
وعن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب ﵁ قام عام الرمادة وكانت سنةً شديدة مؤلمة بعدما اجتهد عمر في إمداد الأعراب بالإبل والقمح والزيت من الأرياف كلها مما أجهده ذلك فقام عمر يدعو فقال: [اللهم اجعل رزقهم على رءوس الجبال، فاستجاب الله له وللمسلمين فقال حين نزل به الغيث: الحمد لله فوالله لو أن الله لم يفرجها ما تركت أهل بيت من المسلمين لهم سعة إلا أدخلت معهم أعدادهم -إذا كانوا خمسة أدخل معهم خمسة، وإذا كان أهل البيت ميسورين وكانوا أربعة أدخل معهم أربعة- إلا أدخلت معهم أعدادهم من الفقراء، فلم يكن اثنان يهلكان من الطعام على ما يقيم الواحد] يعني: طعام الواحد يكفي الاثنين.
قال محمد بن زياد: أدركت السلف -انظروا إلى التعامل بين الجيران والناس في ذلك الوقت رحمة الله على أهل ذلك الوقت- أدركت السلف وإنهم ليكونون في المنزل الواحد بأهاليهم فربما نزل على بعضهم الضيف وقدر أحدهم على النار -يكون قدر أحدهم على النار، والثاني نزل عنده ضيوف- فيأخذها صاحب الضيف لضيفه، يأتي صاحب الضيف إلى القدر التي لصاحبه ويأخذها لضيفه، فيفقد القدر صاحبها!! فيقول: من أخذ القدر؟! فيقول صاحب الضيف: نحن أخذناها لضيفنا، فيقول صاحب القدر: بارك الله لكم فيها، قال محمد: والخبز إذا خبزوا مثل ذلك، وليس بينهم جدر من قصب -الحدود جدار من قصب- فالواحد لا يجد حرجاً أن يأخذ من أخيه وأخوه يفرح إذا أخذ منه؛ لأن الأول يأخذ برضا الثاني وهو يعلم أنه راضٍ، فأين هذه الأخلاق؟! وكان على الضيوف من التعامل مع صاحب البيت ألا يحرجوه، فقد قال ﷺ لما ذكر (جائزة الضيف ثلاثة أيام فما كان وراء ذلك فهو صدقة عليه، ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه) لا يحل له أن يقيم عنده حتى يحرجه، ويضيق عليه.
وأما مشاركة العمال والموظفين فاسمع ما قال نافع بن عاصم أنه سمع عبد الله بن عمرو قال لابن أخ له خرج من الوهط -بستان وأرض كانت لـ ابن عمرو -[أيعمل عمالك؟ قال: لا أدري، قال: أما لو كنت ثقفياً لعلمت ما يعمل عمالك، ثم التفت إلينا فقال: إن الرجل إذا عمل مع عماله في داره، وقال أبو عاصم مرةً في ماله -في الشركة أو المؤسسة أو الدكان أو البيت- كان عاملاً من عمال الله ] كأنما يعمل لله، من عمال الله .
стр. 4328
حسن التعامل مع الحيوانات
حتى حسن التعامل يصل إلى البهائم والحيوانات وليس إلى الآدميين فقط، فعن قرة قال رجل: (يا رسول الله! إني لأذبح الشاة فأرحمها، أو أني لأرحم الشاة أن أذبحها، قال: والشاة إن رحمتها رحمك الله -مرتين- والشاة إن رحمتها رحمك الله) وعن عبد الله بن مسعود قال: (إن النبي ﷺ نزل منزلاً -في طريق- فأخذ رجل بيض حمرة -نوع من الطيور، تسلق الرجل فأخذ بيضها من عشها- فجاءت الحمرة ترف على رأس رسول الله ﷺ -تحوم وترف بجناحيها- فقال ﵊: أيكم فجع هذه بيضتها؟ أيكم فجع هذه بيضتها؟ فقال رجل: يا رسول الله! أنا أخذت بيضتها، فقال النبي ﷺ : أردده رحمةً لها، أردده رحمةً لها) حتى البهائم والحيوانات.
هذا جانب من حسن التعامل مع الخلق، استفدنا كل ما ورد من الأحاديث والآثار الصحيحة من كتاب الإمام العظيم أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ﵀، فالله يغفر له ويرحمه على ما نفعنا به من هذه العلوم في كتابه العظيم (الأدب المفرد) وفيه خير كبير، وهذا الجانب منتقى منه فقط في قضية الإحسان إلى الخلق في التعامل مع الناس.
اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من عبادك الأخيار، اللهم إنا نسألك أن تغفر ذنبنا وتلم شعثنا وتثبت أمننا، اللهم اقضِ ديوننا، واكبت عدونا، وارحم ميتنا، اللهم سد جوعتنا، اللهم استر عيوبنا يا رب العالمين، اللهم من أراد الإسلام وأهله بسوء في هذه البلد وسائر بلدان المسلمين فاجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا رب العالمين، اللهم آمنا في الأوطان والدور وأرشد الأئمة وولاة الأمور، اللهم ارحمنا برحمتك يا عزيز يا غفور ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠].
стр. 4329
زيد بن عمرو موحد في الجاهلية
أيها الإخوة: ضمن سلسلة من قصص الصحابة في عهد النبوة، يتناول الشيخ في هذا الدرس أحد المؤمنين الموحدين وهو زيد بن عمرو بن نفيل، فيذكر جانباً من سيرته ورحلته في طلب الدين الحق ثم يذيلها ببعض المسائل المستفادة من هذه القصة.
стр. 4330
سيرة زيد بن عمرو بن نفيل
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
ففي هذه السلسلة الجديدة -أيها الإخوة- من قصص الصحابة في عهد النبوة، نتناول واحداً من المؤمنين الموحدين الذي ربما يدخل في شرط هذه السلسلة، وربما لا يدخل، ولكنه -على أية حال- رجل من الموحدين ينبغي التعريف به، ومعرفة سيرته التي اعتنى الإمام البخاري رحمه الله تعالى من بين أصحاب الكتب التسعة جميعاً بذكر سيرته، حتى لا يكاد يوجد في كتابٍِ غير صحيح الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل مثل هذه الروايات المجموعة، وهذا الرجل هو زيد بن عمرو بن نفيل رحمه الله تعالى ورضي الله عنه وأرضاه.
روى البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه، عن عبد الله بن عمر ﵄: (أن النبي ﷺ لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح قبل أن ينزل على النبي ﷺ الوحي، فقدم له النبي ﷺ سفرة، فأبى أن يأكل منها، ثم قال زيد: إني لست آكل مما تذبحون على أنصابكم، ولا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه، وأن زيد بن عمرو كان يعيب على قريش ذبائحهم، ويقول: الشاة خلقها الله، وأنزل لها من السماء الماء، وأنبت لها من الأرض؛ ثم تذبحونها على غير اسم الله!!) إنكاراً لذلك وإعظاماً له.
وعن ابن عمر ﵄: [أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام يسأل عن الدين ويتبعه -قبل البعثة النبوية- فلقي عالماً من اليهود، فسأله عن دينهم، فقال: إني لعلِّي أن أدين بدينكم فأخبرني، فقال: لا تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله، قال زيد: ما أفر إلا من غضب الله، ولا أحمل من غضب الله شيئاً أبداً، وأنى أستطيعه! فهل تدلني على غيره؟ قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفا، قال زيد: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم؛ لم يكن يهودياً ولا نصرانياً ولا يعبد إلا الله، فخرج زيد، فلقي عالماً من النصارى، فذكر مثله، فقال النصراني: لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله، قال: ما أفر إلا من لعنة الله، ولا أحمل من لعنة الله ولا من غضبه شيئاً أبداً، وأنى أستطيع! فهل تدلني على غيره، قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفاً، قال: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم؛ لم يكن يهودياً ولا نصرانياً ولا يعبد إلا الله، فلما رأى زيد قولهم في إبراهيم ﵇، خرج، فلما برز رفع يديه، فقال: اللهم إني أشهدك أني على دين إبراهيم].
وعن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: [رأيت زيد بن عمرو بن نفيل قائماً مسنداً ظهره إلى الكعبة، يقول: يا معشر قريش! والله ما منكم على دين إبراهيم غيري، وكان يحيي الموءودة، يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته: لا تقتلها، أنا أكفيك مؤنتها، فيأخذها، فإذا ترعرعت، قال لأبيها: إن شئت دفعتها إليك، وإن شئت كفيتك مؤنتها].
هذا الرجل زيد بن عمرو بن نفيل هو والد سعيد بن زيد أحد العشرة المبشرين بالجنة، وزيد بن عمرو بن نفيل هو ابن عم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، كان ممن طلب التوحيد، وخلع الأوثان، وجانب الشرك، لكنه مات قبل البعثة النبوية.
قال زيد بن عمرو: إني خالفت قومي، واتبعت ملة إبراهيم وإسماعيل وما كانا يعبدان، وكانا يصليان إلى هذه القبلة، وأنا أنتظر نبياً من بني إسماعيل يبعث ولا أراني أدركه -هذا إحساسه- وأنا أؤمن به وأصدقه وأشهد أنه نبي.
فمن قبل البعثة يشهد أنه نبي؛ لأنه قد علم أنه سيبعث، لكنه ما بعث، فأشهد الله والناس أنه يؤمن ببعثة النبي ﷺ ولم يعرفه.
قال زيد بن عمرو لـ عامر بن ربيعة: "وإن طالت بك حياةٌ، فأقرئه مني السلام".
أنا أحس يا عامر أني لن أدركه، فإذا أدركته أنت، فأقرئه مني السلام.
قال عامر: فلما أسلمت أعلمت النبي ﷺ بخبره، قال: فرد ﵇ وترحم عليه، وقال: (ولقد رأيته في الجنة يسحب ذيولا) مما أسبغ الله عليه من الثياب والنعيم.
стр. 4331
زيد بن عمرو يبحث عن الحقيقة
كان من خبر زيد ما روى البزار والطبراني من حديث سعيد بن زيد ولده، قال: خرج زيد بن عمرو وورقة بن نوفل يطلبان الدين -يبحثان عن الحق، وعن الدين الصحيح قبل البعثة- حتى أتيا الشام، فتنصر ورقة بن نوفل -دخل في دين النصارى- لكن على دين التوحيد -أي: تابع عيسى بن مريم- وامتنع زيد، فأتى الموصل فلقي راهباً، فعرض عليه النصرانية، فامتنع.
وقد سأل سعيد بن زيد هو وعمر بن الخطاب؛ باعتبار أن عمر ابن عمه، يهمه أمره أيضاً، سأل رسول الله ﷺ عن زيد؟ فقال: (غفر الله له ورحمه، فإنه مات على دين إبراهيم).
وعن عروة قال: [بلغنا أن زيداً كان بـ الشام، فبلغه مخرج النبي ﷺ ، فأقبل يريده، فقتل بمضيعة من أرض البلقاء].
قال ابن إسحاق: لما توسط بلاد لخم قتلوه، وقيل: إنه مات قبل البعثة بخمس سنين عند بناء قريش للكعبة.
стр. 4332
هل زيد بن عمرو من الصحابة ؟
بناءً على ما تقدم فإن هذا الرجل يحتمل أن يكون من الصحابة ويحتمل ألا يكون.
لماذا؟ لأنه إذا جاء على أحد الاحتمالين في تعريف الصحابي دخل وإلا فلا.
أما تعريف الصحابي، فهو: من لقي النبي ﷺ مؤمناً به ومات على ذلك.
من رأى النبي ﷺ مؤمناً به، هل يشترط في كونه مؤمناً به أن تقع رؤيته له بعد البعثة، أم لا؟ الآن: زيد بن عمرو لقي النبي ﷺ مؤمناً به، لكنه لا يعرف أن هذا هو النبي، لقي النبي ﷺ وجلس وتحدث معه ولم يكن النبي ﷺ قد بعث بعد، لكنه لقيه وهو يشهد أن لا إله إلا الله، وأن هناك نبيٌ سيبعث هو رسول الله ولم يكن يعلم أنه هو، فهل يشترط في الصحابي أن يكون قد لقي النبي ﷺ مؤمناً به بعد البعثة؟ أو أنه يكفي أن يراه قبل البعثة وهو يؤمن أنه سيبعث؟ فعلى الأول: لا يدخل في تعريف الصحابي، وعلى الثاني يدخل في تعريف الصحابي.
ولا شك أنه كان حنيفاً مؤمناً موحداً ﵀ ورضي عنه، فإنه كان قد رفع يديه يقول: اللهم إني أشهدك أني على دين إبراهيم.
وقد جاء عن أسامة بن زيد عن أبيه أنه قال: خرجت مع رسول الله ﷺ في يوم حار من أيام مكة، وهو مردفي- أنا وراءه- فلقينا زيد بن عمرو، فقال له: يا زيد: ما لي أرى قومك سبقوك، فقال: خرجت أبتغي هذا الدين، فذكر الحديث المشهور باجتماعه مع اليهودي وقوله: لا تكن من ديننا حتى تأخذ نصيبك من غضب الله، واجتماعه مع النصراني وقوله: لا تكن من ديننا حتى تأخذ نصيبك من لعنة الله.
وفي آخر الأثر: [إن الذي تطلبه قد ظهر ببلادك -قد بعث نبيٌ طلع نجمه- وجميع من رأيت في ضلال].
فهذا يعني: أنه ﵀ قد مات على التوحيد، وهو يؤمن بالنبي ﵊ قبل أن يخرج النبي ﷺ .
стр. 4333
موقف زيد بن عمرو مما ذبح لغير الله
الحديث الأول: (أن النبي ﷺ لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح).
قوله: بلدح: مكان في طريق التنعيم، ويقال: هو وادٍ، التقى فيه زيد بن عمرو بن نفيل بالنبي ﷺ قبل البعثة، فقدّم إليه النبي ﷺ سفرة قبل أن يكون نبياً؛ وهي: المائدة التي عليها الطعام، وقيل: إن السفرة كانت لقريش قدموها للنبي ﷺ ، فقدمها هو لـ زيد بن عمرو، واللحم الذي في السفرة ذبحه القرشيون وكانوا مشركين، ذبحوه على عادتهم وهي الذبح على الأنصاب والأوثان والأصنام، فلما قدم اللحم لـ زيد بن عمرو بن نفيل رفض أن يأكله، وقال: إنا لا نأكل ما ذبح على أنصابكم.
والأنصاب جمع نصب: وهي أحجار كانت حول الكعبة يذبحون عليها.
قيل: إن النبي ﷺ كان لا يأكل مما كانوا يذبحون عليها، ويأكل ما عدا ذلك، وإن كانوا لا يذكرون اسم الله عليه؛ لأن الشرع لم يكن نزل بعد.
فالطعام الذي قُدّم لـ زيد بن عمرو بن نفيل كان قد ذبح على النصب، وكان زيد يعلم كيف يذبحون، وكان موحداً لا يعبد إلا الله ويفهم أن الذبح عبادة، وأنه ما دام ذبح على النصب، فلا يجوز أن يؤكل لأنه شرك، وهو موحد على ملة إبراهيم، ولذلك رفض زيد بن عمرو بن نفيل أن يأكل، وكان يقول: عذت بما عاذ به إبراهيم، ثم يخر ساجداً للكعبة.
لا يعرف كيف الصلاة، ولا الركعات، ولا الأوقات، لكن يعرف أن السجود تعظيم، وأنه يعبد الله، فكان يسجد للكعبة التي بناها إبراهيم لله ، ساجداً لله إلى جهة الكعبة هكذا كان يفعل.
فمر زيد بن عمرو بـ زيد بن حارثة والنبي ﷺ وهما يأكلان فدعياه، فقال: يا بن أخي! لا آكل مما ذبح على النصب.
قال زيد بن حارثة: [فما رئي النبي ﷺ يأكل مما ذبح على النصب من يومه ذلك].
وجاء أيضاً أن النبي ﷺ لقيه وكان على بقايا دين إبراهيم الذي كان في قريش، وكان في شرع إبراهيم تحريم الميتة، وتحريم ما ذبح على النصب، فكان زيد يفهم أنه لا يجوز له أكلها؛ ولذلك امتنع عن أكلها.
وكذلك كان من أَمرِه أنه خرج يسأل عن التوحيد؛ فلقي عالماً من اليهود كما جاء في القصة وسأله، وكانت هذه القصة مما جاء أن النبي ﷺ سمعها من زيد بن عمرو، وقال له: (مالي أرى قومك قد سبقوا عليك -أي: أبغضوك، النبي ﷺ يسأل زيداً قبل البعثة- قال: خرجت أبتغي الدين، فقدمت على الأحبار فوجدتهم يعبدون الله ويشركون به) لقي اليهودي قال: لن تدخل في ديننا حتى تأخذ بنصيبٍ من غضب الله، ولقي عالماً من النصارى، وفي رواية: قال لي شيخٌ من أحبار الشام: إنك لتسألني عن دينٍ ما أعلم أحداً يعبد الله به إلا شيخاً في الجزيرة، قال: فقدمت عليه، فقال: إن الذي تطلبه -التوحيد- قد ظهر ببلادك، وجميع من رأيتهم في ضلال وفي رواية: وقد خرج في أرضك نبيٌ أو هو خارج، فارجع وصدقه وآمن به- قال زيد: فلم أحس بشيء بعد.
إذاً: هذا يدل على أن زيداً رجع إلى الشام حين بعث النبي ﷺ ، فسمع به، فرجع فمات، لكنه لم يدرك النبي ﷺ ، وهذا عندما بحث عنه في الشام، لما برز وخرج من أرضهم، قال: اللهم إني أشهدك أني على دين إبراهيم.
وكان يقول لقريش: ما منكم على دين إبراهيم غيري، وفي رواية كان يقول: إلهي إله إبراهيم، وديني دين إبراهيم، وكان قد ترك عبادة الأوثان، وترك أكل ما يذبح على النصب، وفي رواية ابن إسحاق أنه كان يقول: اللهم لو أعلم أحب الوجوه إليك لعبدتك به.
أي: لو أعلم أحب الطرق التي تحب أن تعبد بها، وكيفية عبادة معينة، ووجه معين من أوجه التعبد لعبدتك به، ولكني لا أعلمه، ثم يسجد على الأرض براحته.
стр. 4334
زيد بن عمرو وموقفه من وأد البنات
كان من كريم أخلاق هذا الرجل أنه كان يحيي الموءودة كما جاء في الحديث، والمقصود بإحياء الموءودة، أي: إبقاؤها حية، وإلا فلا يحيي من العدم إلا الله، ومعنى يحيي الموءودة: أي: يبقيها على قيد الحياة، يفتديها أن تقتل، ويمنع عنها القتل، ووأد الشيء: إذا أثقله، وأطلق على دفن البنات وهن على قيد الحياة.
стр. 4335
سبب وأد البنات في الجاهلية
يقال: إن أصل وأد البنات كان نتيجة الغيرة على البنت؛ لأن بعض العرب سبيت ابنته عندما أغار عليه رجل من العرب وسبى ابنته وأخذها، فاستفرشها ووطئها وصارت عنده، فلما أراد أبوها أن يفتديها منه، خيرها الذي سباها، قال: أتريدين أن ترجعي إلى أبيك أو تمكثي عندي؟ فاختارت الذي سباها -كل هذا الكلام في الجاهلية- فحلف أبوها عندما رأى هذا الأمر ليقتلن كل بنتٍ تولد له، قال: ما دام أن هذه البنت استغنت عني واختارت الذي سباها، فإن كل بنت تأتيني سأقتلها -جاهلي- فتبعه العرب على هذا المبدأ.
يعني: هذه كانت بداية وأد البنات عند العرب نتيجة -كما قيل- لهذه القصة.
ثم إن منهم من كان يفعل ذلك من إملاق؛ أي: خوف الفقر، ولذلك قال الله : ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام:١٥١] فكان العرب يئدون بناتهم خشية الفضيحة، وخشية الإملاق.
ويقولون: الذكر والولد يدافع عن نفسه وأهله ويعين أباه، ويعمل ويكسب ويصيد، لكن البنت ضعيفة، فإما أن تسبى فتصبح عاراً علينا، أو أنها تكون عالةًً علينا، فإما عار وإما عالة، فالحل قتل البنات وإزهاق أرواحهن.
стр. 4336
طرق الجاهلية في وأد البنات
كانت العرب تقتل البنات بطريقتين: الطريقة الأولى: أن تأتي المرأة الحامل على وشك الوضع إلى حفرة -تحفر فتكون عند الحفرة- وتأتي القابلة التي تستلم المولود، فتولد المرأة، فإذا خرج ذكراً أبقته، وإذا خرجت أنثى ألقتها في الحفرة مباشرة.
الطريقة الثانية: أن بعضهم كان يتأني بها وينتظر ولا يدفنها مباشرة، فإذا بلغت سبع سنين، قال لأمها: زينيها؛ لأزور بها أقاربها، فإذا زينتها وجملتها أخذها في الطريق إلى بئرٍ، ثم قال: انظري فيه، فإذا نظرت دفعها من الخلف فوقعت على رأسها وطم عليها الحجارة والتراب وتموت، قال الله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النحل:٥٨ - ٥٩] وجاء الله تعالى بالإسلام، وحرَّم وأد البنات وقتل الأولاد عموماً، قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:٨ - ٩] وسؤالها يوم القيامة ليس سؤال محاسبة؛ لأنها صغيرة غير مكلفة، لكن تسأل توبيخاً لمن قتلها، فتسأل الوليدة: لم قتلت؟ والمقصود بالسؤال توبيخ القاتل؛ وهو أبوها: ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:٨ - ٩] وبالإضافة إلى ذلك جاء الإسلام بالأجر العظيم لمن أحسن تربية البنات: (من عال جاريتين أو ثلاثاً وأطعمهن وكساهن من جذته -من ماله ومما أعطاه الله- وصبر عليهن، كن له ستراً من النار).
وجاء في فضل تربية البنات، وأجر تربية البنات ما لم يأتِ في أجر تربية الذكران؛ لأن النفوس قد تثقل عليها البنت، وبعض الناس يكرهون البنات، وربما إذا كانت المرأة قائمةً فجاءها خبر ولادة بنت من أحد أهلها قعدت، أو دعت عليها مباشرة أن يعجل الله أخذها، وترى بعضهم إذا سأل الآخر: ماذا أتى لك؟ فإذا قال: أتاني ذكر، جعل يهنئه ويظهر الفرح والاستبشار بقدوم المولود الذكر لصاحبه، وإذا قال: جاءتنا بنت؟ قال: يا الله! الحمد لله على سلامة الأم، أي: المهم أن الأم سلمت، ولا يظهر الفرح بالبنت والاستبشار مثلما يظهر للولد، ولذلك نهينا عن تهنئة الجاهلية: بالرفاء والبنين.
لماذا نهينا عن هذه التهنئة؟ الرفاء هو: الالتحام والارتفاق والتوافق؛ وهذا جيد ولا بأس أن تدعو للمتزوج بالرفاء، فليست المشكلة في قولهم: بالرفاء، لكن المشكلة والمصيبة في قولهم: بالبنين؛ لأن أهل الجاهلية كانوا يكرهون البنات، فأي إنسان من المتزوجين الجدد يقال له: بالرفاء والبنين، لماذا البنين؟ جمع ابن؛ لأنهم يكرهون البنات، فيقولون: الرفاء والبنين؛ هذه التهنئة الجاهلية انتقلت إلينا، مع أنه قد ورد النهي عنها، فتجد بعض الناس إذا كتب بطاقة تهنئة لمتزوج قال: بالرفاء والبنين.
إذاً: كل ما أتى من عند الله، فحياه الله ومرحباً وأهلاً وعلى الرحب والسعة، واحتساب الأجر في الإنفاق على البنات ربما يفوق الإنفاق على الذكور؛ بحسب ما ورد في الأحاديث من فضل الإنفاق على البنات.
وكان هذا الرجل يقول للعربي الجاهلي إذا جاءته بنت: أنا أكفيك مؤنتها، وقد جاء أن النبي ﷺ سئل عن زيد؟ فقال: (يبعث يوم القيامة أمةً وحده بيني وبين عيسى بن مريم).
وكان زيد بن عمرو بن نفيل يذكر أشعاراً في مجانبة الأوثان، وكان يدعو كفار قريش إلى التوحيد، وقد فارق قومه واتبع ملة إبراهيم، وكان ينتظر نبياً من ولد إسماعيل، ولكن شاء الله وقدَّر أن يموت قبل ذلك، ولكن النبي ﷺ ترحم عليه، وبشَّر أهله أنه من أهل الجنة.
هذا طرف من سيرة هذا الرجل ﵀ ورضي عنه وأرضاه.
стр. 4337
الدروس المستفادة من قصة زيد بن عمرو
يؤخذ من هذه القصة فوائد متعددة: أولاً: أهمية البحث عن الحق، وأن الإنسان ما دام أنه يبحث عن الحق فإنه مأجور.
ثانياً: ركوب المشاق للبحث عن الحق، ولذلك سافر ورجع، وسافر مرة أخرى، وكلما دله شخص على شخص ذهب إليه وسافر إليه يبحث عن الحق.
ثالثاً: استعمال مخاطبة العقول في الدعوة، ولذلك كان يقول لكفار قريش: الشاة خلقها الله، وأنزل لها من السماء الماء، وأنبت لها من الأرض، ثم تذبحونها على غير اسم الله؛ على اسم هبل واللات والعزى ومناة، تذبحون هذه الشاة على أسماء الأوثان، واعجباً لكم!! وكان ينكر ذلك جداً.
رابعاً: أن من عُرِضَ عليه شيء منكر فلا يقبله، فهذا زيد بن عمرو من سلامة فطرته لما قال له اليهودي: لا تكن على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله؛ لأنهم قوم مغضوب عليهم، رفض، ولم يقل: أدخل في دينكم وإنما قال: ما أفر إلا من غضب الله؛ أنا فررت من غضب الله تريديني أدخل في غضب الله!! وكذلك النصراني لما عرض عليه أن يدخل في دينه على أن يأخذ بنصيبه من لعنة الله، قال: ما أفر إلا من لعنة الله، كيف أدخل في لعنة الله؟!! خامساً: أن الإنسان إذا عثر على الحق تمسك به، فقصار ما وصل إليه أن دين إبراهيم هو التوحيد، إذاً يبقى على دين إبراهيم لا يغير الإنسان الحق الذي يعثر عليه بل يبقى عليه ويتمسك به ولا يتركه.
سادساً: أن الإنسان يحارب المنكرات الاجتماعية الموجودة عنده في بني قومه، فهذا زيد بن عمرو كان يحارب المنكرات الاجتماعية كوأد البنات.
стр. 4338
واجب الداعية نحو المنكرات الاجتماعية
يوجد عندنا كثير من المنكرات الاجتماعية، فيجب على الدعاة والمصلحين، ويجب علينا جميعاً محاربة المنكرات الاجتماعية التي تكون موجودة في المجتمع، كان عندهم وأد البنات؛ وهي من المنكرات الاجتماعية، وهي خصلة ذميمة جداً، فيقوم هذا الرجل المصلح بأخذ البنت، وإنقاذها من أبيها، وإحيائها بعد أن كادت تموت وتدفن حية.
فمن وظيفة المصلح: أن ينظر في المنكرات الاجتماعية فيتولى إصلاحها؛ لأن المجتمع -يا إخوان- تنتشر فيه انحرافات بسبب بعد الناس عن الدين، وقد يكون شخص واحد هو سبب الانحراف.
الآن هذا العربي الأول الذي أُخذت ابنته واختارت أن تبقى عند الذي سباها، فغضب وأخذته الحمية، وعاهد نفسه أن يقتل كل بنتٍ تأتيه، واحد هو الذي سبب المنكر، واخترعه ثم فشا في المجتمع.
كثير من المنكرات الموجودة، قد يكون الذي دعا إليها واخترعها شخص واحد، ثم انتشرت في المجتمع، ووظيفة الدعاة والمصلحين هي مجابهة المنكرات الموجودة، ودعوة الناس إلى تركها، وبيان خطرها، وإنقاذ الموقف، فتجد -مثلاً- في المجتمع أشياء كثيرة من أنواع الفواحش، أو أشياء من التقصير في الحجاب، أو أشياء من انتشار الخمر أو المخدرات، سوس من السوس الذي ينخر في عظم المجتمع.
فوظيفة الداعية إلى الله أن يقوم بالمواجهة.
ومشكلة المنكرات الاجتماعية أن الناس قد تآلفوا عليها، وأن عليها خلقٌ كثير، فتكون المواجهة صعبة؛ لأنك تواجه عدداً كبيراً لا تواجه شخصاً واحداً.
ومشكلة المنكرات الاجتماعية أن الذي يرتكبها يحتج بالأغلبية وينطلق من منطلق الأغلبية؛ فإذا أتيت وأنكرت على واحدٍ منهم، يقول: كل العالم يفعلون هذا، وهذه الحجة التي ابتلينا بها، كلما دعوت شخصاً إلى شيء يقول: كل العالم هكذا، بعض منكرات الأعراس من المنكرات الاجتماعية تفشت، مثلاً: إدخال الرجل على النساء تصوير النساء، تفشت.
فإذا أتيت تنكر، يقولون: كل الأعراس هكذا كل الناس يفعلون هذا.
ولذلك فينبغي علينا الصبر، وأن نبين للناس أن الأكثرية ليست دليلاً على الحق؛ وهذا مبدأ مهم جداً، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣]، ويقول الله : ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦] فعمر الأكثرية ما كانت دليلاً على الحق، بالعكس الأكثرية في الأرض كفار، انظر إلى التعدادات، كم مليون نصراني؟ كم مليون بوذي؟ كم مليون هندوسي؟ كم مليون مشرك؟ حتى من المحسوبين على المسلمين، كم منهم من المبتدعة أصحاب البدع المكفرة؛ الخارجين عن الدين، كـ القاديانية، والبهائية، والبابية، والإسماعيلية، والأغاخانية، والباطنية، وفرق الباطنية كلهم محسوبون على المسلمين، حتى في بعض البلدان يكتب: مسلم قادياني، مسلم باطني، مسلم إسماعيلي، مسلم دورزي، مهزلة، فإذا حذفت هؤلاء وجئت بعد ذلك إلى المحسوبين على المسلمين، وأيضاً تصفي منهم الذين يطوفون بالقبور، والأضرحة، ويسألون الأموات، ويستشفعون بالموتى، ويطلبون من الميت ما لا يقدر عليه إلا الله؛ إذا صفيت هؤلاء، ماذا يبقى؟!! ولذلك قال ابن القيم ﵀: "أهل الإسلام في الأرض غرباء، وأهل السنة في المسلمين غرباء، والداعين إلى السنة المطبقين للسنة الحريصين على السنة، أهل الحديث وأتباع الدليل غرباء، كلما نشدت الحق الصافي ضاقت الدائرة".
ليست الأكثرية أبداً معياراً للتوصل إلى الحق؛ وهذه حجة باطلة أن أكثر الناس يفعل ذلك، خصوصاً عندما يتنفس في المجتمع المنكرات والانحرافات، ولو كنا في مجتمع الصحابة، لقلنا: والله أكثر أهل المدينة هكذا، الاحتجاج بعمل أهل المدينة، كان ذلك في عصر من العصور؛ عصر النقاء والصفاء، عصر المجتمع الإسلامي الأول الذي أسسه محمد بن عبد الله ﷺ .
لو قلت: أكثر أهل المدينة كذا، لكن الآن لا يمكن أن تحتج بأكثرية الناس على شيء، ولذلك كان المذهب الغربي الفاسد قضية التعيين بالأغلبية، واختيار القوانين بالأغلبية، وسن التشريعات بالأغلبية، واختيار الانتخاب بالأغلبية؛ هذا مبدأ فاسد، لأن الأغلبية أصحاب هوى، وإذا ترك الناس أن يشرعوا بالأغلبية لا شك أنهم سيشرعون الكفر المحض.
أقول: إن مواجهة المنكرات الاجتماعية يجب أن يبين الشخص للناس قضية الاحتجاج بالأغلبية؛ لأن المنكرات الاجتماعية من طبيعتها كثرة توالي الناس عليه وعلى اتباعها، كذلك فإن إنكار المنكرات الاجتماعية يحتاج إلى تكوين بيئات صالحة لتقاوم هذه المنكرات الاجتماعية، فعندما يكثر في المجتمع مثلاً: البيئات الصالحة التي لا توجد في بيوت أهلها أجهزة اللهو المحرمة، ولا الشاشات البيئات الصالحة التي يحرص فيها أهلها على إتيان المساجد مع أولادهم، أو تحفيظ القرآن لأبنائهم، أو عندما ينتشر الحجاب؛ وينتشر الغطاء الشرعي، والقفازات والجوارب ونحو ذلك؛ هذا فيه مقاومة ومزاحمة للشر، وكذلك عندما يكثر الملتزمون بالسنة الحريصون عليها يكون فيه مزاحمة للمتساهلين بها وهكذا ينتشر الخير، فهذه وسيلة أخرى: تكوين البيئات الصالحة، لأن مواجهة الأكثرية التي جانبت الصواب بدعوات فردية من هنا ومن هنا لا تكاد تنجح، أما مواجهتها بتأسيس بيئات قوية هي بذاتها تكون دعوة بالقدوة، وعندما يرى الناس أن نموذجاً مطبقاً فهذا خير دعوة، وأحسن من ألف خطبة، وألف كتاب، وألف شريط، وألف شخص يتكلمون.
ثم إن هذه البيئات النظيفة تستقطب من فيهم بذرة خير يأتون إليها، ولذلك خذ مثلاً: مراكز تحفيظ القرآن الكريم للنساء على سبيل المثال، عندما توجد البذرة يوجد المجتمع يقوم مجتمع مصغر فيه العلم، وتحفيظ القرآن، والوعظ والتذكير؛ هذا هو الذي يصلح الناس يصلحهم إقامة البيئات التي تجذبهم، وتصهرهم إقامة البيئة التي تحتويهم وتحميهم إقامة البيئة التي تعلمهم وتساندهم وتقويهم إذا اهتدوا، فيجد الشخص سنداً، عنده اثنين أو ثلاثة أو أربعة أو عشرة من المتدينين على مثل حاله، فعند ذلك سنشد عضدك بأخيك، وعند ذلك تكون المواجهة قوية مثمرة، وإلا فإننا نجلس على أفراد وعلى كلام، فهذا لا يكون من المقاومة ولا من الاستمرار على الحق إلا أمر في غاية الصعوبة.
فـ زيد بن عمرو بن نفيل واحد، ورقة بن نوفل واحد، قس بن ساعدة واحد، كانوا آحاداً فلم يعملوا شيئاً من ناحية التغيير، ولم يستطيعوا أن يصلوا إلى التغيير، لكن النبي ﷺ لما بعث أقام المجتمع الإسلامي الذي ترابط أفراده، وتعاقدوا وتعاهدوا وتعاونوا على البر والتقوى، الذين أقاموا الدين في أنفسهم، وبرهنوا للناس ولمجتمع قريش أن الإنسان يتغير، وكانوا يرونهم نماذج أمامهم، عندما ترى المرأة المشركة التي جعل خبيب عندها أسيراً في بيتها ترى ولدها يدب الرضيع إلى خبيب؛ خبيب سيُقتل حتماً، محكوم عليه بالإعدام، وهذا الطفل هذا ولد المشركة جاء إلى خبيب فأخذه خبيب وأقعده في حجره وجلس يلاطفه، فلما انتبهت المرأة فزعت؛ لأنه كان بيد خبيب موسى يستحد بها -الاستحداد هو حلق شعر العانة- فهو استعار الموسى ليستحد بها؛ وهذه من سنن الفطرة، فبقيت عنده الموسى وهو موثق، فدب إليه الولد فأقعده عنده وبيده الموسى، فلما انتبهت فزعت ورعبت هذا محكوم عليه بالإعدام، والآن فرصة لينتقم، وبيده الموسى وهذا الولد، لكنه ألغى هذه الفكرة من رأسه، أتظن أنه سيقتله؟ كلا، قالت: والله ما رأيت أسيراً خيراً من خبيب؛ كان بـ مكة يأكل قطفاً من عنب وما في مكة عنب؛ وهذه من كرامات أولياء الله.
إذاً: الناس عندما يرون النموذج يتأثرون ويقتنعون وقد لا يُطبق في البداية، ولكن تبقى المشاهدة في نفسه بانتظار الوقت المناسب، تظهر وعلى شكل تنفيذ لما استقر في النفس من التأثر المسبق.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 4339
الأسئلة
стр. 4340
مفهوم التمتع في الحج
السؤال
شخص ينوي أداء العمرة بعد العيد، ويرجع إلى المنطقة الشرقية وعنده نية أداء الحج.
هل يعتبر متمتعاً؟
الجواب
التمتع ينقطع بالعودة إلى بلده، فإذا اعتمر في شوال؛ وشوال من أشهر الحج، فإن التمتع ينقطع إذا رجع إلى بلده.
стр. 4341
أول ليالي العشر
السؤال
أول ليالي العشر هل هي بعد غدٍ؟ أم بعدها؟
الجواب
ليلة واحد من ذي الحجة هي أول ليالي العشر؛ فإذا انتهت العشر الأول تبدأ العشر الثانية، وآخر العشر الثانية يوم عشرين، وأول العشر الثانية يوم الحادي عشر، وأول العشر الثالثة ليلة واحد وعشرين.
стр. 4342
السترة في الصلاة
السؤال
هل يجوز أن يكون خط السجاد الذي أمامي سترة؟
الجواب
السترة من طبيعتها وصفتها: أنها مرتفعة عن الأرض، والسنة أن تكون مثل مؤخرة الرحل وأعلى، ولذلك كان ﵊ يستتر وراء الجدار في الصلاة؛ يصلي وراء الاسطوانة، فالسنة ألا تنزل عن مؤخرة الرحل؛ وهو المرتفع الذي يكون في آخر الرحل الذي يوضع على الدابة.
стр. 4343
البنين أم البنون
السؤال
بالرفاء والبنين؟ أم بالرفاء والبنون؟
الجواب
بالرفاء والبنين؛ لأن البنين معطوفة على الرفاء؛ والرفاء مجرورة بالباء.
فكأنه يقول: بالرفاء وبالبنين.
стр. 4344
حكم من اختل عقله بمرض ونحوه
السؤال
أصيب الوالد بنزيف في الدماغ وهو الآن طريح الفراش، وعقله ليس كاملاً، وأحياناً يكون في حالة جيدة، وأحياناً في حالة سيئة، فهل يصلي أم لا؟
الجواب
إذا رجع إليه عقله صلى، وإذا كان يستطيع الصيام صام، وإذا غاب عنه العقل، فإنه ليس بمكلف، فلا يجب عليه لا الصلاة ولا الصيام.
стр. 4345
صحة حديث: (شيبتني هود وأخواتها)
السؤال
ما صحة هذا الحديث: (شيبتي هود وأخواتها) ومن أخوات هود؟
الجواب
حسن بعضهم الحديث بمجموع طرقه، وبعضهم قال: إنه ليس بصحيح.
وأخوات هود هي: المرسلات، وعم، وإذا الشمس كورت.
следующие страницы →