← Джавами‘

Джавами‘ · id 7704

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (7 040 стр.). Показаны 4516–4555 · переход к 4521.

стр. 4516

تذكرة للمشتاقين إلى التوبة نختم هذا الكلام بتذكرة إلى الذين كانوا في يوم من الأيام مستقيمين على طاعة الله فانحرفوا وتلوثوا بالمعاصي فرجعوا إلى أنفسهم رجعةً تذكروا فيها جمال الماضي وحلاوة الإيمان التي سلبوها، فتشوقت أنفسهم للرجوع، إلى هؤلاء الناس الذين كانوا مستقيمين ثم فعلوا أشياء وهم يتوقون للعودة إلى الماضي وربما لا يعودون لأسباب، وهذا الموضوع بالذات قضية الانتكاس وظروفه ما هي الأسباب والعلاج وحال الناكص على عقبيه قد ذكرناها في محاضرة منفصلة بعنوان: لا ترتدوا على أدباركم. إلى هذا الشخص نقول هذا الكلام الذي ذكره ابن القيم ﵀: وصاحب هذا المشهد يشهد نفسه كرجل كان في كنف أبيه يغذيه بأطيب الطعام والشراب، ويلبسه أحسن الثياب، ويربيه أحسن التربية ويعطيه النفقة وهو القيم بمصالحه كلها، فبعثه أبوه في حاجة له -الأب بعث الابن في حاجة له- فخرج عليه -على الولد- في طريقه عدو فأسره وكتفه وشد وثاقه، ثم ذهب به إلى بلاد الأعداء فسامه سوء العذاب وعامله بضد ما كان أبوه يعامله به، فهو يتذكر تربية والده وإحسانه إليه الفينة بعد الفينة فتهيج في قلبه لواعج الحسرات كلما رأى حاله، ويتذكر ما كان عليه وكل ما كان فيه، فبينما هو في أسر عدوه يسومه سوء العذاب ويريد ذبحه في نهاية المطاف إذ حانت منه التفاتة نحو ديار أبيه، فرأى أباه منه قريباً، فسعى إليه وألقى نفسه عليه وانطرح بين يديه يستغيث: يا أبتاه! يا أبتاه! يا أبتاه! انظر إلى ولدك وما هو فيه ودموعه تسيل على خديه، قد اعتقنه والتزمه، وعدوه في طلبه حتى وقف على رأسه، وهو ملتزم لوالده ممسك به، فهل تقول إن والده يسلمه مع هذه الحالة إلى عدوه مرةً أخرى ويخلي بينه وبينه؟ -تظنون هذا يا جماعة؟ - فما الظن بمن هو أرحم بعبده من الوالد بولده ومن الوالدة بولدها؟ إذا فرَّ عبدٌ إليه وهرب من عدوه إليه. شخص يكون ماشياً في طريق الاستقامة ويأتي الشيطان ويستحوذ عليه ويحرفه عن سبيل الله، ثم يبصر طريق الهداية مرة أخرى يريد أن يرجع، فإذا رجع إلى الله رجع صادقاً وصحيحاً، تظنون أن الله يسلمه إلى الشيطان مرة أخرى إذا كان صادقاً. إذا فرَّ عبدٌ إليه وهرب من عدوه إليه وألقى بنفسه طريحاً ببابه يمرغ خده في ثرى أعتابه باكياً بين يديه يقول: يا رب! يا رب ارحم من لا راحم له سواك، ولا ناصر له سواك، ولا مؤوي له سواك، ولا مغيث له سواك، مسكينك وفقيرك وسائلك ومؤملك، لا ملجأ له ولا منجى منك إلا إليك، أنت معاده وبك ملاذه: يا من ألوذ به فيما أؤمله ومن أعوذ به مما أحاذره لا يجبر الناس عظماً أنت كاسره ولا يهيضون عظماً أنت جابره إذا خاف الواحد من أحد من البشر فإنه يهرب منه، لكن أنت إذا خفت الله تذهب إلى من؟ ترجع إليه وهو الذي خفت منه، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك. اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى، اللهم إنا نسألك أن تغفر لنا وترحمنا، وأن ترزقنا التوبة النصوح، وأن تعفو عنا، وأن تتجاوز عن سيئاتنا بمنك ورحمتك يا أرحم الراحمين! أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد.

стр. 4517

الجهل بالأحكام من معوقات التوبة الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد. هذا الدرس الذي اقترح عنوانه بعض الإخوان "أريد أن أتوب ولكن" أساس الدرس الكلام على العوائق التي تحول بين بعض الناس وبين التوبة، يعني: يقول: أريد أن أتوب ولكن كيف يغفر الله هذه الذنوب كلها؟ أريد أن أتوب ولكن أصدقاء السوء لا يدعوني سيشهرون بي، أريد أن أتوب ولكن لا أعرف كيف أتوب؟ أنا تركت صلوات وتركت زكاة وتركت كذا، وسرقت مالاً وعندي أموال ربوية، لا أعرف كيف أتوب. فإذاً: نحن -أيها الإخوة- ركزنا أصلاً في الدرس حول هذه النقاط التي هي تشكل عقبة في طريق التائبين، أو أمور تزيل ذلك الحرج الذي لا يجعل الشخص ينتج في المجتمع المسلم نتيجة الكابوس الذي يبقى فوق رأسه، وقبل أن نبدأ بأسئلتكم، وأنا لا أنوي الإطالة بالأسئلة حتى لا يحصل الملل أكثر مما حصل. أريد أن أذكر بعض الأحكام قبل أن تأتي الأسئلة لأن الأحكام التي سنذكرها ربما تجيب أصلاً عن بعض الأسئلة المطروحة، وهذه الإجابات على هذه الأسئلة قد جمعتها من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وتلميذه ابن القيم وبعض الأشياء سألت فيها الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله، والشيخ محمد بن صالح بن عثيمين، والشيخ عبد الله بن جبرين.

стр. 4518

أحكام توبة تارك الصلاة أو الصيام بعض الناس يحول بينهم وبين التوبة عدم معرفتهم بالأحكام فمثلاً: رجلٌ كان تاركاً للصلاة ثم اهتدى، ماذا يفعل بصلواته الماضية؟ هذه المسألة فيها نزاعٌ بين أهل العلم، والأرجح والله أعلم أنه لا يلزمه القضاء ولكنه يكثر من التوبة والاستغفار وصلوات النوافل لعلها تعوضه عما فاته، لأن الوقت لا يمكن إرجاعه مرة أخرى وهذا ليس معذوراً كالنائم والناسي، الخلاف طويل، هذا الملخص فقط. أو كذلك رجل ترك الطمأنينة في الصلاة، رجل صلاته كنقر الغراب، ثم تاب إلى الله وعرف أن الطمأنينة ركن كيف يفعل؟ استدلالاً بحديث المسيء صلاته لا يجب عليه أن يعيد وإنما يستأنف الآن الصلاة بطمأنينة. ورجل ترك الصيام، هذا الرجل إن كان تركه للصيام حاصلاً وهو يصلي ولم يرتكب مكفراً، يعني: ترك الصيام ولم يزل مسلماً، فهذا عليه أن يقضيه الآن، يقضي الصيام الماضي الذي تركه، أما إذا كان أصلاً كافراً مستهزئاً بالدين مرتداً عن الإسلام تاركاً للصلاة بالكلية، فهذا لا يؤمر بإعادة الصيام لأنه كان عند تركه للصيام كافراً، والرسول ﷺ ما طلب من الصحابة الذين أسلموا أن يعيدوا الصيام الذي فاتهم مثلاً، وكذلك الزكاة، ولكن نضرب مثالاً بمسألة تحصل ويسأل عنها بعض النساء، تقول المرأة مثلاً: أنا عندما بلغت لم أخبر أحداً ببلوغي لأني خجلت ممن حولي، وتظاهرت بالإفطار وأفطرت حتى لا يحسوا بأنها قد بلغت لأنه أمرٌ مخزٍ عندها، وما أعلمتهم وتركت الصيام، وبعد مرور سنوات طويلة تقول: ماذا أفعل بصيامي الذي تركته، ف الجواب إن توبتها إلى الله تقضي بأن تصوم هذه المرأة ما فاتها من الأيام في بداية بلوغها أو بعده مثلاً: تركت الصيام سنتين فتصوم شهرين، فهذه تصوم أيام الحيض التي تقضيها أصلاً [كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة] تصوم أيام الحيض وغيرها، يعني: تصوم الشهر كاملاً الذي تركته، وإن كانت صامت بعضاً وأفطرت بعضاً، فإنها تصوم ما فاتها منها. ولكن إذا أخرت ذلك الصيام حتى جاء رمضان الذي بعده ولما تقضه بعد، فعليها بالإضافة إلى قضاء الصيام إطعام مسكين عن كل يوم، يقول الشيخ عبد العزيز: وهذه فتوى ستة من صحابة الرسول ﷺ أن من أخر صيام رمضان حتى دخل رمضان الذي بعده، فإن عليه بالإضافة إلى قضاء الصيام إطعام مسكين عن كل يوم أخره من رمضان هذا إلى الذي بعده، وقد يقول قائل: أنا مر علي عشرون رمضاناً، ولم أصم منها إلا ثلاثة، فهل تتضاعف الكفارة؟ فنقول: لا. كما أجاب عن ذلك أهل العلم، لا تتضاعف الكفارة، تقضي ما فاتك في الماضي وتطعم عن كل يومٍ مسكيناً.

стр. 4519

أحكام التوبة المتعلقة بالزكاة بالنسبة للزكاة، إن كان قد ترك الزكاة وهو مسلم أو ترك بعضها، أو مثلما يفعل بعض الناس الآن، يأتي على الزكاة يأخذ من عرض ماله عشرين ألفاً وعنده ملايين الملايين، ربما تكون الزكاة مليوناً، لكن هذا الرجل مستهتر بالزكاة عد عشرين ألفاً وأخرجها زكاة، وعليه أكثر من ذلك، فعليه أن يقدر كم الذي تركه من الزكاة وهو الآن يتوب إلى الله، كم الذي تركه من الزكاة فيخرجه، باقٍ في ذمته دين عليه لله . امرأة تركت زكاة ذهب الحلي، فيقول الشيخ عبد العزيز حفظه الله: إن كانت تركته لشبهة كأن تركتها لعلمها أنه لا زكاة فيه، كانت مقتنعة من قبل أنه لا زكاة فيه، فهذه ليس عليها إعادة إخراجها للشبهة التي حصلت عندها في الحكم، لكن لما تغيرت قناعتها وعرفت بالدليل على وجوب الزكاة في الحلي، فإنه يجب من عند تلك اللحظة أن تخرج الزكاة التي عليها ولو لسنوات مضت تقدرها تقديراً إن استحال تعيين المبلغ.

стр. 4520

توبة أهل الأفكار المنحرفة فبعض الناس الآن يتوبون وقد نشروا بين الناس أفكاراً ضالة، كرجل علماني أو رجل مخرف في العقيدة أو حامل لواء بدعة يضل الناس، أو رجل يكتب قصصاً لكنها سم ضد الدين أو يؤلف الأشعار وينظم الأشعار الساقطة مثلاً، هذا الرجل إذا هداه الله ماذا يفعل؟ يقول الله : ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ [البقرة:١٦٠] فلا تكفيه التوبة المجردة وإنما يجب أن يزيد عليها تبرؤه مما فعل في الماضي، يعلن للناس الذين أعلن لهم الشرك والكفر والبدعة والفساد يعلن لهم أنه قد تاب منها وأنه بريءٌ من كل ما كتب في الماضي، وليس ذلك فقط، بل إنه يرد على نفسه، يعني: يقول: أنا قلت كذا وأحذركم إن كلامي كان خطأ ضد الدين، أو أني زللت فيه في النقطة الفلانية والفلانية والفلانية، والرد عليها إن كان قد أثار في كتبه شبهات، بعض الناس يؤلفون كتباً فيها شبهات تطعن في الدين، فلو تاب إلى الله عليه أن يؤلف أو ينشر في أي مكان آخر ما يصل إلى الناس الذين قرءوا الكلام الأول على الأقل بغلبة الظن يرد على الشبهات التي سبق أن طرحها حتى تكتمل توبته. وقضية البيان مهمة، وبها نرد على من قال: إن ابن سينا الملحد تاب -طبعاً هناك أناس أصلاً لا يعرفون أنه ملحد- لكن إذا قال شخص: ابن سينا تاب، كيف ندري أنه تاب؟ وطه حسين عميد الأدب العربي -أستغفر الله، عميد قلة الأدب العربي- تاب، كيف نعرف ذلك؟ هل قدم لنا شيئاً مكتوباً أنه تاب، هل كتب شيئاً نقض فيه ما كان يعتقده وينشره بين الناس، وأن يسخر قلمه هذا من كمال التوبة، وأن يسخر قلمه لنصرة هذا الدين والرد على أعداء الله وعلى شبه الكفار والملاحدة، وأنه لو كان نشر في الرذيلة فيكتب الآن في الفضيلة، ولو نشر في البدعة فيكتب الآن في السنة، ولو نشر في الشرك فيكتب الآن في التوحيد وغيره، لكن هذه بالتركيز لأنه كان قد قصدها في الماضي، هذا من كمال توبته، ولو أن إنساناً ضلل شخصاً آخر مثلاً: أقنعه باللواط والعياذ بالله، أو بمقدماته، قال: هذه لا شيء فيها، فذاك المسكين كان قد غرر به، يجب عليه أن يبين له: يا أخي ما قلته لك سابقاً خطأ وكان من الشيطان، وأنا أستغفر الله منه وهذا حرام، وهذه لا تجوز، لأنه كان قد ضلله، إذا لم ينتبه الشخص الآن ولم تتغير الفكرة لديه وما زالت في ذهنه أنها ليس فيها شيء وأنه شيء شرعي مثلاً، فعليه عليه أن يبين له ما قد أقنعه به في الماضي.

стр. 4521

أحكام التوبة من جريمة القذف ومن ذلك أيضاً في قضية التبيين يلتحق بها القاذف، فإذا قذف شخص شخصاً مثلاً بالفاحشة بالزنا وذلك المقذوف بريء، فإن عليه الآن أن يبين أن ذلك المقذوف بريء، وليس مجرد أن يستغفر الله ويتعرف بأن القذف حرام، بل إن عليه أن يبين سلامة ذلك الشخص مما قذفه به، وأن يكذب ما قاله عنه، يقول: يا جماعة أنا رميت فلاناً بكذا وأنا أشهدكم أنه بريء وأني كذبت عليه وأن الشيطان أزلني وأنا أستغفر الله، فيبين براءة الشخص. وأحياناً تجد من يفتري على إنسان مستقيم فيقول: هذا يفرق صفوف المسلمين، هذا صاحب بدعة -أي تهمة من التهم- فإذا أراد أن يتوب إلى الله عليه أن يبين، يقول: لا يا جماعة، أنا كنت قد رميته بأنه يفرق صفوف المسلمين كلا، إنه يجمعها، رميته بأنه مبتدع، كلا. إنه صاحب سنة، قلت إنه كذاب، لا، إنه صادق، أو إني لا أعرف حاله أنا افتريت عليه، عليه أن يبين، لاحظوا هذه الأشياء قد يقع فيها طائفة من الناس الذين ظاهرهم الاستقامة، بل وحتى الدعوة إلى الله عليهم أن ينتبهوا إلى كيفية التوبة من هذه الأشياء وهذه قضية خطيرة وحساسة. وكذلك إذا كان الذنب في حق آدمي مثل القذف الذي بدأنا به الآن، أو الاتهام بأشياء باطلة سواء رجل اتهم امرأة، أحياناً يتهم امرأة يقول: فلانة فيها كذا، فلانة كذا، يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات، فعليه أن يتوب إلى الله وأن يبين سلامة تلك المرأة من القذف الذي قذفها به، أو امرأة كذبت على رجل، فتبين سلامة الرجل، أو أن شخصاً شكك في شخص ليس بناءً على أشياء محسوسة وواقعية، فعليه الآن أن يبين: يا جماعة أنا شككت فيه عن هوى، عن تسويل الشيطان، وليس عندي في الحقيقة مستند لظن السوء.

стр. 4522

أحكام التوبة من انتهاك الأعراض فإذا كانت السيئة في حق الآدمي فيجب على التائب أن يخرجها من نفسه بأدائها إلى المظلوم، أو باستحلاله منها على الأقل بعد إعلامه بها، فإن كانت حقاً مالياً أو جناية على بدنه فيجب عليه أن يتحلل من أخيه المسلم الذي ظلمه؛ لأن الرسول ﷺ يقول في الحديث الصحيح: (من كان لأخيه عنده مظلمة من مال أو عرض فليتحلله اليوم قبل ألا يكون دينارٌ ولا درهم إلا الحسنات والسيئات). فإذاً: حقوق الآدميين إما في العرض أو في المال، فيجب عليه أن يتحلل منهم. وهناك أشياء تتعلق بالعرض فلو أن رجلاً زنى أو فعل الفاحشة بشخص ويريد الآن أن يتوب، فإن كان الشخص المقابل راضياً فلا يتحلل منه لأنه راض وتكفيه توبته فقط، أما إن كان مغصوباً فيجب عليه أن يتحلل منه بطريقة لا تؤدي إلى المفسدة، فقد يقول تائب: أنا غصبت امرأة مثلاً، فهل أتحلل منها بأن أكلمها وأراسلها حتى أتحلل منها؟ وقد أقع فيها، نقول: لا. إذا كنت ستقع لا تطرق هذا الباب، فهذه المسألة فيها حساسيات معينة، وفيها إحراجات كثيرة، ولذلك لا أرى الآن من المناسب أن أطرح هذا الموضوع وأتوسع فيه لأنه غير مناسب، فالمسألة فيها أشياء، وقد يخون شخص جاره في زوجته، فهل يذهب إلى الجار ويكلم المرأة، ماذا تفعل مع زوجها؟ هذه مشكلة المعاصي والفواحش، وبعد هذا تصبح مشكلة كبيرة جداً، ولذلك الذي عنده سؤال خاص بهذا الموضوع، فعليه أن يسأل أهل العلم عن هذه الجزئية في الموضوع، لأن هذه ستدور في الأذهان كيف أفعل؟ ماذا أقول؟ كيف أعمل؟ إنما أكتفي بما قلت فيكفي التوبة بينه وبين الله، يتوب إلى الله ويستقيم. وأما إن كانت المعصية في غيبة أو نميمة، يعني: في العرض أيضاً فحصل أيضاً خلاف بين أهل العلم في المسألة هل يجب عليه أن يخبره أم لا؟ وحتى لا نطيل فالقول الوسط كما ذكر شيخ الإسلام ابن القيم ﵀: لا يشترط الإعلام بما ناله في عرضه من قذف واغتياب، بل يكفي توبته بينه وبين الله، وأن يذكر المغتاب والمقذوف في مواضع غيبته وقذفه بضد ما ذكره به من الغيبة، فيبدل بغيبته مدحاً وثناءً عليه وذكراً لمحاسنه، ويبدل قذفه للشخص الآخر بذكر عفته وإحصانه ويستغفر له بقدر ما اغتابه وهذا اختيار شيخنا أبي العباس ابن تيمية ﵀؛ لأن إعلام الشخص بالغيبة والنميمة والقذف الذي فعلته في حقه وفي عرضه إذا جئت وعلمته بالمسألة قلت: فعلت كذا وقلت عليك كذا وكذا، فإنها مفسدة محضة لا تتضمن مصلحة، فإنه لا يزيده إلا أذى وحنقاً وغماً، وقد كان مستريحاً قبل سماعه، فإذا سمعه ربما لم يصبر على حمله، وربما كان إعلامه به سبباً للعداوة، فلا يصفو له أبداً، وينتج عنه شر أكبر من الغيبة نفسها، ويوجد التقاطع بين المسلمين. خلاصة المسألة: إذا كنت تظن أنك إذا أخبرت الشخص أنك قلت عنه كذا وكذا وكذا، فتزيد الأمور تعقيداً وسوءاً فلا تفعل، أما إذا كنت تعتقد أنه من النوع المتسامح، أنه لن يأخذ في نفسه، فقل له: يا أخي! أنا أخطأت عليك -بكلام عام- سامحني! وإذا عرفت أنه يقول: ما هو الكلام بالضبط، وقد إذا قلته وأخبرته بالتفصيل تتفاعل المسألة في نفسه وتقع العداوة، فلا يجب عليك إخباره ولكن تجب عليك أشياء أخرى، أن تذكره بضد ما اغتبته فيه، وأن تدافع عنه في المجالس التي يغتاب فيها وأن تستغفر له، وأن تبين محاسنه، وبهذا تكون قد استكملت توبتك من الغيبة أو القذف.

стр. 4523

كيفية التحلل فيما يتعلق بالأموال والجنايات أما بالنسبة للأشياء المالية والجنايات البدنية فهناك فرق بينها وبين الغيبة لأن الحقوق المالية والجنايات البدنية ينتفع بها صاحبها إذا أخبرته عنها، فلا يجوز إخفاؤها عنه ويجب أداؤها إليه بخلاف الغيبة والقذف، فإنه ليس هناك شيء ينفعه يؤديه إليه إلى الإضرار والتهييج، والشيء الثاني: إذا أعلمت شخصاً أنك سرقت منه مثلاً ولم تؤذه وتجرح شعوره وتسبب غضباً وعداوة، بل ربما سره ذلك في الغالب، ينبسط أنك الآن اعترفت له، وبالنسبة لقضية الجنايات نبدأ الآن نفصل في قضايا الجنايات والأموال: بالنسبة للجنايات لو جنيت على شخص مثلاً: قتلت إنساناً وهربت ولم يقبض عليك ويقتص منك، هربت أنت وأخفيت أثر الجريمة، فالآن القاتل يتعلق عليه ثلاثة حقوق: الأول: حق لله. الثاني: وحق للقتيل. الثالث: وحق لورثة القتيل. فأما حق الله فبالتوبة، إذا تبت إلى الله قضي عنك حق الله، وأما بالنسبة للورثة فإنك يجب عليك أن تسلم نفسك إليهم لأن لهم حقاً وهم يستوفون حقهم منك إما بالمال (الدية) أو بالعفو مجاناً يطلقونك لوجه الله، أو يقولون: لابد لنا من القصاص، لابد أن نقتص منك وتقتل أنت لأنك قتلت صاحبنا، فحق الورثة لا يسقط إلا إذا سلم نفسه إليهم وهم الآن بالخيار إما أن يعفوا عنه مجاناً، أو يأخذوا منه مالاً، أو أن يطلبوا القصاص، وبقي حق القتيل، حق القتيل كيف تقضيه؟ لا يمكن، ولذلك حصل خلاف بين العلماء في هذه المسألة، الأوسط فيها أن الإنسان القاتل إذا تاب إلى الله توبة صادقة صحيحة فإن الله يتحمل عنه حق القتيل ويعطي القتيل في الآخرة من الحسنات أو من العوض ما يعوضه عن حقه على القاتل، هذه رحمة الله .

стр. 4524

إرجاع الأموال المسروقة فإذا سرق شخص عليه أن يرد المسروق، فلو جاء وأخبر الشخص أنه قد سرق منه، قال: وهذا المال الذي أنا سرقته منك، فلو كان المال قد تلف، وليس عنده الآن مالٌ يعطيه إياه، شخص سرق وسرق وسرق وأتلفها وبذرها وأفلس، والآن أراد أن يتوب، فعليه أن يتحلل من المسروق منه، يذهب إليه يقول: يا فلان! يا مديري! يا رئيس الشركة! أنا سرقت منك، يقول ذلك بأسلوب معين، مثلاً يقول: الشيطان وكذا ونفسي الأمارة بالسوء أخذت منك أموالاً بغير علمك، تحللني؟ فإن حلله فالحمد لله، وإذا لم يحلله فتبقى هذه الأموال ديناً في ذمته، فإذا فتح الله عليه وأغناه الله يعيدها إليه مع الأيام. قد يقول بعض الناس: أنا أتحرج، أنا عندي المسروق، عندي المبلغ لكن أتحرج أن أرده إلى المسروق منه، فقد يسأل شخص سؤال يقول: أنا كنت أسرق من جيب أبي، وأنا الآن كبرت وأنا موظف وعندي مال، لكن من الصعب أن أذهب إلى أبي، وأقول: يا أبي أنا كنت أسرق منك، أو مثلاً: موظف في شركة يستحي أن يقول لمدير الشركة: أنا قد سرقت من الشركة، فكيف هذا؟ فيقول أهل العلم: لا يجب عليه الذهاب والمصارحة وإنما يرده إليهم بطريقة حتى لو لم يعلموا، مثلاً: يذهب إلى جيب أبيه فيضع فيه المبلغ الذي سرقه ولو أراد أن يضعه على مراحل حتى لا يكتشفه الأب فهذا ممكن، أو مثلاً: يذهب إلى الشركة يقول: إن فلاناً واحد من الناس لا يريد ذكر اسمه -وهو يعني نفسه- قد سرق منكم والمبلغ هذا وأنا الآن أرده بالنيابة عنه، أو إنه أعطاني إياه لأرده إليكم، فخذوه، أو أرسله بظرف مختوم، أو أي شيء آخر بطريقة من الطرق فهذا حسن، إذا كان لا يستطيع أن يقول لهم: سرقت منكم، فالمهم الآن هو إرجاع الحق لأصحابه، أو مثلاً: شركة مساهمة، كيف يذهب ويدور على المساهمين يعتذر منهم واحداً واحداً؟ هذا أمر صعب، فالمهم الآن أن يرجع المال المسروق إلى الشركة بطريقة من الطرق. ولو غصب مالاً، شخص غصب مال أيتام وأخذه بالقوة فاتجر به وربح ونما المال، فماذا عليه؟ بعض العلماء يقولون: النماء للمالك الأصلي، وبعضهم يقولون: النماء للمنمي (السارق) وبعضهم يقول وهو القول الوسط: رأس المال يعني: المبلغ المسروق أو المغصوب الأصلي يرجع لصحابه مع نصف الأرباح، وهو يأخذ النصف الآخر، الغاصب يأخذ نصف النماء أو نصف الأرباح ويرجع رأس المال مع نصف الأرباح ونصف النماء إلى صاحب المال الأصلي للتوبة، وهو رواية عن أحمد واختيار شيخنا ﵀ يعني: يقصد ابن تيمية، وهو أصح الأقوال. وهذا مثل شخص غصب ناقة أو غصب شاة فأنتجت أولاداً فإنه يردها ونصف أولادها إلى صاحب المال الأصلي، لو ماتت هذه المغصوبة مثلاً الناقة أو الشاة، فيدفع ثمنها مع نصف النتاج إلى صاحب المال الأصلي، وهذا أيضاً ما ذكره الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله في هذه المسألة، يرجع أصل المال ونصف النماء. وإذا ما وجد الرجل صاحب الشركة أو الرجل المغصوب قد مات، فهذه الأموال لمن ترجع؟ ترجع إلى الورثة، وإن مات الورثة فإلى ورثتهم، فالحق باقٍ.

стр. 4525

حكم الأموال المحرمة حين يتعذر إرجاعها ومن الفتاوى في هذه المسألة: غلَّ رجل من الغنيمة، جيش غزا وواحد من الناس أخذ من الغنيمة قبل أن تجمع وتقسم، سرق من الغنيمة ثم تاب فجاء بما غله إلى أمير الجيش، فأبى أن يقبله منه، وقال: كيف لي بإيصاله إلى الجيش، أمير الجيش قال: لا. هذه القصة حصلت أيام السلف، قال أمير الجيش: كيف آخذه وقد وزعنا الغنائم؟ ولو وزعته الآن كيف أجمع الجيش مرة أخرى وقد تفرقوا وأوزعه عليهم؟ وربما كان شيئاً لا يتوزع، فرفض أخذه، فأتى هذا الشخص الذي غلَّ أتى حجاج بن الشاعر، فقال له هذا الشيخ: يا هذا إن الله يعلم الجيش وأسماءهم وأنسابهم فادفع خمسه إلى صاحب الخمس وتصدق بالباقي عنهم، تصدق عنهم وانو هذه الصدقة لأفراد الجيش، ففعل فلما أخبر معاوية قال: لأن أكون أفتيتك بذلك أحب إلي من نصف ملكي، يعني: من شدة ما أعجبه من الفتوى. وقال ابن القيم ﵀: ولقد سئل شيخنا أبو العباس ابن تيمية قدس الله روحه، سأله شيخٌ فقال: هربت من أستاذي وأنا صغير -ما معنى أستاذي؟ أستاذي كانت تطلق على مالك العبيد أو صاحب العمل أو رئيس الخدم في الماضي، من إطلاقاتها، وأيضاً تطلق على العالم الكبير، ولذلك الشافعية عندهم أبو إسحاق يلقب بالأستاذ عند الشافعية- فقال: هربت من أستاذي وأنا صغير، وإلى الآن لم أطلع له على خبر، -عبد هرب من سيده، الآن كبر وصار عمره خمسين أو ستين سنة ويريد أن يتوب، لكن ما وجد السيد، بحث عنه فلم يجده كيف يكون- وأريد براءة ذمتي وقد خفت الله ، وأريد براءة ذمتي من حق أستاذي من رقبتي، يعني: أنا ما زلت ملكاً له، وقد سألت جماعة من المفتين فقالوا لي: اذهب فاقعد في المستودع -ما دمت لم تجده- فاذهب اجلس هناك، فضحك شيخنا ابن تيمية ﵀، وقال: تصدق بقيمتك أعلى ما كانت عن سيدك، ولا حاجة لك بالمستودع تقعد فيه عبثاً في غير مصلحة، إضراراً بك وتعطيلاً عن مصالحك، ولا مصلحة لأستاذك في هذا ولا لك ولا للمسلمين، أو نحو هذا الكلام. ولو أن زانيةً أخذت أموالاً على الزنا أو مغنياً أخذ أموالاً على الغناء، أو بائع خمر مثلاً، أو رجلاً يتاجر بالمخدرات أخذ أموالاً على تجارته، أو شاهد زور أخذ مقابلاً، فهل هذه الأموال أموال حلال أم حرام؟ إنها حرام، فإذا كانت معهم الآن فيجب عليهم إخراجها، يتخلصون منها. وهل ترجع الزانية للزاني ماله؟ والذي اشترى الخمر يرجع إلى تاجر الخمر ماله؟ والذي شهد الزور يرجع للذي رشاه حتى يشهد الزور ماله؟ وهل يرجعون المال إليهم؟ الجواب لا. أولاً: فيه إعانة لهم على المعصية. ثانياً: جمعوا لهم بين العوض والمعوض وهذا غير ممكن. فلذلك ماذا يفعلون به؟ يتصدقون به، ويتخلصون منه. ولو أن إنساناً اختلط ماله الحلال بماله الحرام وتعذر عليه تعيينه فإنه يقدر كم الحرام هل بقدر خمسين بالمائة من المال أو ثلاثين بالمائة أو عشرين بالمائة ويتخلص منه. وإذا قم مرتش بأخذ رشوة، فينظر هل أخذها والراشي له حق أو أنه ليس له حق؟ فإن كان للراشي حق ولا وسيلة لتحصيل الحق إلا دفع الرشوة فدفعها، والآن المرتشي تاب فماذا يفعل بالمال؟ يعيده إلى صاحبه، لأنه دفعه مرغماً في تحصيل حق له، فإن كان المرتشي قد أخذ المال من الراشي بغير حق، يعني: الراشي ليس له حق ودفع رشوة لتحصل مكاسب، فهل يعيده إليه؟ لا. وإنما يتصدق به. هذه طائفة من الأحكام المتعلقة بالتوبة لعلها تكون قد أجابت عن بعض الأسئلة في أذهان بعض الإخوان، وعلى العموم نسمع الآن بعض الأسئلة.

стр. 4526

الأسئلة

стр. 4527

بطلان أسباب التردد في التوبة السؤال يقول بعضهم: إنه قد وقع مع بعض أصدقاء السوء في بعض الفواحش، وأنه يتردد في التوبة لسببين: الأول: الخوف من هؤلاء الأصدقاء. الأمر الثاني: أنه يلتذ بالمعاصي ويشعر بعدم استغنائه عن أصدقائه ويقول: إنه يأنس بهم ويرتاح إليهم، لا لشيء إلا لمجرد المعصية التي تقع بينهم، فما رأيكم في كيفية التخلص في مثل هذا؟ الجواب الحمد لله، هذا السؤال يا أخي فيه غرابة، شخص يريد أن يتوب بصدق وهو يقول بلسانه يمنعني من التوبة أني ألتذ بالمعصية، وأني جالس مع هؤلاء لأني ألتذ معهم بالمعصية؟! فإذا كنت تلتذ معهم بالمعصية يجب عليك أن تكره هذا الأمر وتنفر منه نفوراً شديداً، بعض السلف يقولون: إذا رأيت امرأة فأعجبتك فتذكر مناتنها، يعني: فلو رأى شخص امرأة فنظر في السوق نظرة من نظرات إبليس، فرأى امرأة فأعجبته فليتذكر على سبيل المثال عرقها ووخمها والخارج منها من السبيلين ويشغل باله فيه، وهذا سيذهب الأثر بالكلية، صحيح، تأمل مناتنها كما قال بعض السلف: إذا رأيت امرأة فأعجبتك فتذكر مناتنها، فعليك أن تطبق هذا، لو أنك -لو سمح الله- وقعت على نظرة، ثم تذكرت مناتنها، لنفرت منها، أو فاحشة اللواط، أصحاب الفطرة السليمة لاشك أنه سينفر، فإذا بدأ يكره المعصية، هذا بداية التصحيح، بداية طريق التصحيح أن تكره المعصية لا أن تلتذ بها ثم تقول: أريد أن أتوب، وعلى العموم: المسألة هكذا أو هكذا تحتاج إلى مجاهدة. النقطة الأخرى يا أخي: قاتل مائة نفس ماذا قال له العالم؟ واذهب إلى بلدة كذا وكذا فإن فيها أناساً صالحين يعبدون الله فاعبد الله معهم، لم يقل له: اجلس في الوسط السيئ، فلا يمكن أن تتوب وأنت جالس في الوسط السيئ وأنت فلان زميلك وفلان زميلك وفلان، هم الذين يزينون لك الفاحشة، عليك أن تقطع علاقتك بهم نهائياً، لا تكلمهم ولا تسلم عليهم، وإذا اتصلوا بك فأغلق السماعة، إذا قاطعتهم هنا تكون البداية، أما أن تجلس في الوسط السيئ ثم تقول: كيف أتوب! هذا أولاً. ثانياً: أنا ذكرت في بداية المحاضرة قلت: بعض الناس يضغطون على الشخص يقولون: لو تبت، لو خرجت من عندنا من وسطنا سننشر عنك وسنفضحك ونخبر الناس عن مخازيك وأفعالك، فالمؤمن لا يهمه كلام الناس مهما قالوا عنه وإن الله سيدافع عنه، ولذلك فإن عمر بن الخطاب كان يفعل ويفعل ثم تاب فتاب الله عليه، دع الأمور هذا خير لك يا أخي من أن تستمر في المعصية لأنهم سيضغطون عليك من نواحي ويعلمون الناس عنك بأشياء، فارجع إلى الله ولا عليك من هذه الضغوط، وأنت لو صبرت في البداية تنتهي المشكلة، اصبر عند الصدمة الأولى تنتهي المشكلة، مهما كلفتك الأمور فأقدم ولا يرهبك هذا الضغط الذي يمارسونه معك.

стр. 4528

نصيحة للموسوسين السؤال تكرر السؤال عن قضية الوسواس مثلاً: من ضمن الإخوة من يقول: أنا شاب ألتزم بحمد الله بالأوامر، لكن تواجهني عقبات منها أنه لا يخرج مني الريح إلا في وقت الصلاة مما يجعلني أتوضأ ثلاث مرات أو أربع، وأني مصاب بالسلس، ويقول: إني كلما أقبلت على طاعة أدخل الشيطان إلي باب النفاق؟ الجواب بالنسبة للوسوسة هذا مرض، تكلم عنه ابن القيم ﵀ في إغاثة اللهفان، وذكره ابن قدامة ﵀ في رسالة مستقلة أيضاً عن الوسوسة وذم الموسوسين، وممن أعرف أنهم تكلموا عنه في هذه الأيام الشيخ سلمان العودة حفظه الله في شريط "رسالة إلى موسوس" فأنا أوجهك يا أخي إلى هذين الكتابين وهذا الشريط ولعل الله أن يبرئك مما أنت فيه. وعلى العموم: هذه مسألة شديدة وخطيرة فبعض الناس فعلاً عنده وسواس يعني: غير وضوء الطهارة تصل إلى أشياء مضحكة أحياناً، يعني: بقضايا الطلاق بعض الناس يوسوس هل طلق زوجته أم لا؟ ويجلس يوسوس، هل قلت: طالق؟ وبعضهم يغلق أذنيه حتى لا يسمع كلمة طالق من كثرة الوسوسة التي في نفسه، يقول: أنا طلقت أم لا؟ ويغلق أذنيه يقول: حتى لا أسمعها، فهذا مرض نفسي ناتج عن أمور تتعلق بالإيمان ليست فقط قضية مرض نفسي، القضية هذه تتعلق بالإيمان والجزم والهمة والعزيمة التي ينتجها الإيمان. وعليك أن ترجع إلى ما ذكرته لك من الأشياء. وختاماً أيها الإخوة: قضية العلم الشرعي مهمة جداً في علاج كثير من المسائل، فأوصي نفسي ثم أوصيكم بتقوى الله وطلب العلم الشرعي. ونسأل الله أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح وحسن الخاتمة وصلى الله على نبينا محمد.

стр. 4529

إطلالة على السيرة العمرية لقد أخرج لنا هذا الدين أفذاذاً عرفهم التاريخ، منهم في عهد الصحابة ومنهم من كان في التابعين وتابع التابعين، بل إنهم يكادون يظهرون في كل عصر، ومن هؤلاء العظماء عمر بن الخطاب ﵁ الذي انتشرت سيرته حتى أصبح يتكلم عنه الناس مسلمهم وكافرهم.

стр. 4530

إسلام عمر ﵁ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله: إن هذا الدين لما نزل وعلمه النبي ﷺ للناس، وربى عليه من ربى من الناس، أخرج لنا أفذاذاً ورجالاً عرفهم التاريخ، وتكلم عنهم الناس مسلمهم وكافرهم، خلف هذا الدين رجالاً حملوا لواءه وحكموه في العالمين، وصاروا قدوات ومنارات يهتدي بهم من بعدهم، وإن من حق هؤلاء علينا أن نعرف سيرهم، ونبلو أخبارهم، أولاً لنعرف عظمة هذا الدين الذي أخرج هؤلاء الرجال، وثانياً: لأننا نقتدي بسلفنا، ونقتدي بأئمتنا، وهؤلاء الأئمة الأعلام منارات يهتدى بها في دجى الظلمات، ونعلم -أيضاً- بأن هذه النماذج يمكن أن تتكرر بدرجات أقل ولا شك إذا ما وجدت البيئة الإسلامية والتربية التي تصقل النفوس وتهذبها، فتغرس العقيدة وتصقل النفوس وتخلقها بأخلاق النبوة. ولا شك أن شخصية عمر بن الخطاب ﵁ شخصية مثالية من الشخصيات العظيمة التي مرت في تاريخنا الغني الذي غفل عنه الكثيرون، وإن استرجاع سير مثل هذه الشخصية، يذكر الغافلين منا الذين خدعهم الغرب والشرق بسير عظماء عندهم؛ لو نظر الناظر لعرف أن واحدهم لا يخلو من انتهازيةٍ أو فسقٍ أو شرب خمرٍ، أو ظلمٍ أو بغيٍ وجور، ويبقى أعلام الإسلام لا يوجد لهم مثيل. إن عمر ﵁ كان في الجاهلية يعبد الأصنام، وكان يئد ابنته، ويفعل الأفاعيل، ويظلم الناس، وظلم المسلمين حتى قال سعيد بن زيد: [لقد رأيتني وإن عمر لموثقي وأخته على الإسلام] ولكنه أسلم وشاء الله أن ينتقل عمر من ظلام الجاهلية إلى نور الإسلام، فتغيرت الشخصية وانقلبت تمام الانقلاب، وكان لذلك بادرة، وما سيأتي من الأحاديث الصحيحة والحسنة في سيرة هذا الرجل تدل على جوانب من عظمته، لقد كان المسلمون يستبعدون إسلام عمر، حتى قالت أم عبد الله بنت أبي حثمة: [والله إنه لنرتحل إلى أرض الحبشة إذ أقبل عمر حتى وقف علي، وهو على شركه، قالت: وكنا نلقى منه أذىً لنا وشراً علينا، فقالت: فقال عمر لما رآهم يتأهبون للجلاء عن مكة: إنه الانطلاق يا أبا عبد الله! قالت: قلت: نعم. والله لنخرجن في أرض الله، آذيتمونا وقهرتمونا حتى يجعل الله لنا مخرجاً، قالت: فقال: صحبكم الله، ورأيت له رقةً لم أكن أراها، ثم انصرف، وقد أحزنه فيما أرى خروجنا، قالت: فجاء عامر بن ربيعة فقلت له: يا أبو عبد الله! لو رأيت عمر آنفاً ورقته، وحزنه علينا، قال: أطمعتِ في إسلامه؟ قالت: قلت: نعم. قال: لا يسلم الذي رأيتِ حتى يسلم حمار الخطاب] هل يسلم الحمار؟ قالها يأساً لما كان يرى من غلظته وقسوته على الإسلام، ولكن الله إذا أراد أن يهدي هدى، ولو كان الرجل أقسى الناس قلباً وأبعدهم عن الله، وهذا درسٌ للدعاة إلى الله ، ألا ييأسوا من الناس، ولو كان من يرون أمامهم من أغلظ الناس قلباً، لكن الله إذا أراد بعبدٍ خيراً هيأه له ووفقه له، ويسر الأسباب إليه، وهكذا حصل. فلما أسلم عمر ونطق بالشهادتين كان إسلامه فتحاً ولم يكن إسلامه سراً، بل إنه قد جاء في الحديث الحسن بطرقه أنه لما أسلم قال: [أي قريشٍ أنقل للحديث؟ قيل له: جميل بن معمر الجمحي، قال: فغدا عليه عمر، قال عبد الله: وغدوت أتبع أثره أنظر ما يفعل وأنا غلام، أعقل كل ما رأيت حتى جاءه، فقال: أما علمت يا جميل! أني قد أسلمت ودخلت في دين محمدٍ ﷺ ؟ قال: فوالله ما راجعه حتى قام يجر رجليه فتبعه عمر وتبعت أبي، حتى إذا قام على باب المسجد - جميل المشرك الإذاعة- وقف على باب المسجد وصرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش! -وهم في أنديتهم حول الكعبة- ألا إن عمر قد صبأ، قال: يقول عمر من خلفه: كذبت ولكن قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، فأعلنها صراحةً أمامهم، هذه العزة التي دخلت قلبه فأورثته هذه الصراحة وهذه الجرأة على الكفرة، إعلان المبادئ، قال: وثاروا عليه، فما برح يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس على رءوسهم، قال: وتعب وأرهق، فقعد وقاموا على رأسه وهو يقول: افعلوا ما بدا لكم، فأحلف أن لو كنا ثلاثمائة رجل لقد تركتموها لنا، قال: فبينما هم على ذلك، إذ أقبل شيخٌ من قريش وهو العاص بن وائل، فصرفهم عنه وإلا كانوا قتلوه].

стр. 4531

سعة علم عمر ﵁ لما أسلم عمر أعز الله به المسلمين وأذل الله به المشركين، وطاف المسلمون حول الكعبة لما أسلم عمر علانيةً جماعةً فأعز الله به الدين، أراد الله بـ عمر خيراً ففقه في دينه وعلمه وهو العليم ، حتى قال النبي ﷺ في علم عمر وفقهه وفضله أحاديث جمعها العلماء، فمن ذلك أربعة ساقها الزهري في نسقٍ واحد، قد وردت في سياقات صحيحة، قال: قال رسول الله ﷺ : (رأيت لـ عمر أربعة رؤيا: رأيت كأني أُتيت بإناءٍ فيه لبن فشربت حتى رأيت الري يخرج من أناملي، ثم ناولت فضلي -ما بقي في الإناء- عمر، قالوا: يا رسول الله! فما أولت ذلك؟ قال: العلم، ورأيت كأن أمتي عليهم القمص إلى الثدي وإلى الركب وإلى الكعبين ومرَّ عمر يسحب قميصاً سابغاً من طوله، قالوا: يا رسول الله! ما أولت ذلك؟ قال: الدين، قال: ودخلت الجنة، فرأيت فيها قصراً أو داراً، فقلت: لمن هذا؟ قالوا: لرجلٍ من قريش، فرجوت أن أكون أنا هو، فقيل: لـ عمر بن الخطاب، فأردت أن أدخل فذكرت غيرتك يا أبا حفص! فبكى عمر، وقال: يا رسول الله! أويغار عليك؟ ورأيت كأني وردت بئراً، فورد ابن أبي قحافة فنزع ذنوباً أو ذنوبين ونزعه فيه ضعف والله يغفر له، ثم وردها عمر، فاستحالت غرباً فاستقى، فأروى الظمأة وضرب الناس بعطن، فلم أر عبقرياً نزع كنزعه) قال العلماء: هذا تأويل خلافة الشيخين، فإن أبا بكر استخلف سنة أو سنتين، فكانت خلافته قصيرة، وكان منشغلاً عن الفتوحات بحروب الردة، فلما جاء عمر صارت خلافته أطول، ففتح الله في عهده من الفتوحات، وأدخل الله من الناس في عهده في الإسلام ما لا يحصى من الخلق كثرةً، فنشر العدل في تلكم البلاد بعد أن أسس الصديق قاعدتها، فأعاد القاعدة وأبلى بلاءً حسناً، فمهد الطريق لـ عمر، فجاء عمر فولى الولاة وفتح الفتوحات، وأتى للمسلمين بالخير من عند الله. وقال النبي ﷺ : (إن الله جعل الحق على قلب عمر ولسانه) هذا الهادي المهدي، الذي علمه الله، وهداه، وبالعلم يهتدي الإنسان للحق والصواب، فلابد من الاعتناء بالعلم والبحث عنه -يا أيها المسلمون! - وإن في اكتساب العلم هدىً، وإن العلم يهدي صاحبه في الظلمات، ويكشف له عندما يحتار، ويوقظه من المحرمات، ويجنبه الشبهات، فتعلموا هذا الدين يهديكم به الله. فلما جعل الله الحق على لسان عمر وقلبه، وافق ربه في آياتٍ نزلت من القرآن على ما قال عمر، فيما ثبت في الصحيحين: [وافقت ربي في ثلاث: قلت: يا رسول الله! لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى -نصلي وراءه- فنزلت: ((وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً)) [البقرة:١٢٥] وقلت: يا رسول الله! يدخل على نسائك البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن فنزلت آية الحجاب، واجتمع نساء النبي ﷺ في الغيرة، حصل منهن كلام اشتدت وطأته على النبي ﷺ ، -يقول عمر - فقلت وهو يعظ أمهات المؤمنين ويزجرهن: ((عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ)) [التحريم:٥] فنزلت كذلك]. تأملوا يا عباد الله: آية تنزل على كلام عمر، يلهم الله عمر أن يقول كلاماً، فتنزل الآية بألفاظ عمر وتصبح قرآناً يتلى إلى يوم القيامة، وافق عمر ربه بأمور أخرى كذلك كما ورد في أسارى بدر وهكذا.

стр. 4532

هيبة عمر ﵁ كان عمر ﵁ مهيباً، هيبة تفتقدها كثير من شخصيات المسلمين اليوم، لأن الله نزع منهم الهيبة، فلا يُهابون، ونزع الله من قلوبهم خوفه، فصاروا يخافون من الناس، كان عمر شخصية رفيعة يهابه الناس فيرتعدون منه، ومن ذلك ما حصل لما استأذن على رسول الله ﷺ وعنده جواري قد علت أصواتهن على صوته، فأذن له ﵊، فبادرن الحجاب -هربن فذهبن- فدخل عمر ورسول الله ﷺ يضحك، فقال: (أضحك الله سنك يا رسول الله! بأبي أنت وأمي، ما الخبر، علام تضحك؟ قال: عجبت لجوارٍ كن عندي، فلما سمعن حسك بادرن فذهبن، فأقبل عمر عليهن من وراء حجاب فقال: أي عدوات أنفسهن، والله لرسول الله ﷺ أحق أن تهبن منه، فقال رسول الله ﷺ : دعهن عنك يا عمر! فوالله ما لقيك الشيطان بفجٍ قط إلا أخذ فجاً غير فجك). هذا الرجل المهيب، هذا الرجل العظيم الشديد في دين الله، كما قال النبي ﵊ عن أصحابه: (أرأف أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم بأمر الله عمر) هذا الرجل الشديد المهيب لما تولى الخلافة ظهرت المعاني التي كانت مخبوءة في نفسه، معاني الشفقة والعفو والإحسان والرحمة، لقد كان رحيماً في عهد النبي ﵊، لكن لما ولي الخلافة ظهرت رحمته أكثر، هذا الرجل الذي جمع في شخصيته بين الهيبة والرحمة، وبين الشدة في دين الله والرقة حتى كان يبكي عندما يتلو القرآن، ويمرض من قراءة القرآن الكريم أحياناً، فيعاد من مرضه الذي حصل بسبب تأثره بالقرآن. ليست الهيبة -يا أيها الناس! - أن يكون الإنسان صلفاً فظاً غليظ القلب، ليست الهيبة أن يكون متعجرفاً قاسياً، وإنما الهيبة في مكانها محمودة، هذا الرجل الذي شهد التاريخ بفضله ورحمته لرعيته، هذه هي القيادة المثلى التي خلفها النبي ﷺ من بعده من أصحابه.

стр. 4533

عمر والرعية عندما يرى الإنسان حاله ويرى المسلمون واقعهم يشتاقون لخلافة مثل خلافة عمر، ويتوقون لقيادةٍ مثل قيادة عمر، الذي كان يخرج ليتفقد رعيته، قال أسلم: [خرجت مع عمر بن الخطاب ﵁ إلى السوق، فلحقت عمر امرأة، فقالت: يا أمير المؤمنين! هلك زوجي وترك صبيةً صغاراً، والله ما يجدون كراعاً، ولا لهم زرعٌ ولا ضرعٌ، وخشيت أن تأكلهم الضبع، وأنا بنت خفاف بن إماء الغفاري -صحابي جليل- وقد شهد أبي الحديبية مع النبي ﷺ ، فوقف معها عمر ولم يمض، ثم قال: مرحباً بنسبٍ قريب، ثم انصرف إلى بعيرٍ ظهيرٍ كان مربطاً في الدار، فحمل عليه غرارتين ملأهما طعاماً وحمل بينهما نفقةً وثياباً، ثم ناولها البعير وما عليه، ثم قال: اقتاديه فلن يغني حتى يأتيكم الله بخير، فقال رجل: يا أمير المؤمنين! أكثرت لها، قال عمر: ثكلتك أمك، والله إني لأرى أبا هذه وأخاها قد حاصرا حصناً زماناً فافتتحاه ثم أصبحنا نستفيء سهمانهما فيه. لا ينسى لأصحاب الفضل فضلهم، هذه امرأة أبوها وأخوها من كبار المجاهدين، بسبب قتالهم غنم المسلمون وأكلوا، هذا الرجل هو الذي كان يخرج في الليل يعس على رعيته، قال أسلم: خرجنا مع عمر بن الخطاب إلى حرة واقم (وهي الحرة الشرقية من المدينة) حتى إذا كنا بصرارٍ -مرتفع من الأرض- إذا نارٌ، فقال: يا أسلم! إني لأرى هاهنا ركباً قصر بهم الليل والبرد، انطلق بنا، فخرجنا نهرول حتى دنونا منهم، فإذا بامرأة معها صبيان صغار وقدرٌ منصوبة على نار، وصبيانها يتضاغون -يصيحون ويبكون- فقال عمر: السلام عليكم يا أصحاب الضوء! -وكره أن يقول: يا أصحاب النار! هم يوقدون ناراً، وعمر ينتقي الألفاظ- قال: السلام عليكم يا أهل الضوء! فقالت: وعليك السلام، فقال: أدنو؟ فقالت: ادن بخيرٍ أو دع، فدنى، فقال: ما بالكم؟ قالت: قصر بنا الليل والبرد، قال: فما بال هؤلاء الصبية يتضاغون؟ قالت: الجوع، قال: فأي شيءٍ في هذه القدر؟ قالت: ما أسكتهم به حتى يناموا، والله بيننا وبين عمر -تقول المرأة: والله بيننا وبين عمر - فقال: أي رحمك الله، وما يدري عمر بكم؟ -المرأة تقول: الله بيننا وبين عمر، نحن في الصحراء لوحدنا لا نجد طعاماً، وعمر يقول وهي لا تدري من هو: أي رحمكِ الله وما يدري عمر بكم وأنتم في هذه البقعة النائية؟ - قالت: يتولى عمر أمرنا ثم يغفل عنا؟ قال: فأقبل عليَّ، فقال: انطلق بنا، فخرجنا نهرول حتى أتينا دار الدقيق -دار اتخذها عمر خاصة لتخزين الدقيق- فأخرج عدلاً من دقيق وكبةً من شحم، فقال: احمله عليَّ، فقلت: أنا أحمله عنك، قال: أأنت تحمل عني وزري يوم القيامة؟ لا أم لك، فحملته عليه، -الخليفة يحمل على ظهره، ويمشي والطعام على ظهره من المدينة إلى الحرة الشرقية، إلى المكان النائي الذي فيه المرأة، ويهرول من أجل الأولاد- فانطلق وانطلقت معه إليها نهرول، فألقى ذلك عندها وأخرج من الدقيق شيئاً فجعل يقول لها: ذُري عليَّ وأنا أحرك لكِ، وجعل ينفخ تحت القدر -الخليفة منبطح على الأرض صدره في التراب ينفخ على الحطب حتى يشتعل- ثم أنزلها فقال: أبغيني شيئاً أسكب فيه، فأتته بصحفةٍ فأفرغها فيه، ثم جعل يقول لها: أطعميهم وأنا أطبخ لهم، فلم يزل حتى شبعوا، وترك عندها فضل ذلك -بقية الكيس- وقام وقمت معه، فجعلت تقول: جزاك الله خيراً، كنت أولى بهذا الأمر من أمير المؤمنين، فيقول: قولي خيراً إذا جئت أمير المؤمنين وحدثيني هناك إن شاء الله، ثم تنحى ناحية عنها -ابتعد ثم استقبلها ينظر إلى مكانها من بعيد- فربض مربضاً فقلنا له: إن لنا شأناً غير هذا، ولا يكلمني -يقول: لابد أن تكون الوقفة لهدف، وعمر لا يتكلم- حتى رأى الصبية يضطجعون، ثم ناموا وهدءوا، فقال: يا أسلم! إن الجوع أسهرهم وأبكاهم، فأحببت ألا أنصرف حتى أرى ما أرى] إسناده حسن. هذا عمر في الرعية، هذا عمر في تفقده للمساكين وعطفه، هذا عمر ورحمته وإشفاقه بالرغم مما عنده من الشدة في دين الله، والهيبة التي كان يهابه بها الأقرباء والبعداء. اللهم ارحم عمر واغفر له، وأعل شأنه وارفع درجته في المهديين. اللهم إنا نسألك أن تجعلنا ممن يحب نبيك محمداً ﷺ وأصحابه، وممن يقتدي بنبيك ﷺ وأصحابه، واغفر لنا أجمعين وتب علينا يا أرحم الراحمين. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 4534

وفاة عمر ﵁ الحمد لله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، لم يتخذ صاحبةً ولا ولداً. لقد كانت وفاة عمر فاجعة، فُجع بها القريب والبعيد، كان عمر هو الباب الذي يدرأ عن المسلمين الفتن، فلما كسر الباب باغتيال عمر دخلت الفتن على المسلمين من كل جانب. عن عوف بن مالك الأشجعي أنه قال: رأيت في المنام كأن الناس جُمعوا، فكأني برجلٍ قد صرعهم سوطهم بثلاثة أذرع -أطول من الجميع- قال: قلت من هذا؟ قالوا: عمر بن الخطاب، قال: قلت لِمَ؟ قال: إنه لا تلومه في الله لومة لائم، وإنه خليفةٌ مستخلف وشهيدٌ مستشهد، قال: فأتيت أبا بكر فقصصتها عليه، قال: فأرسل إلى عمر يبشره، فقال لي: اقصص رؤياك، فلما بلغ إلى خليفةٍ قال: زجرني وانتهرني، قال: تقول هذا وأبو بكر حي، قال: فسكت، فلما ولي عمر كان بعد بـ الشام مررت به وهو على المنبر فدعاني فقال لي: اقصص رؤياك، قال: فلما بلغت لا يخاف في الله لومة لائم، قال: إني لأرجو أن يجعلني الله منهم، وأما خليفةٌ مستخلف فقد والله استخلفني فأسأله أن يعينني على ما ولاني، قال: فلما بلغت وشهيداً مستشهد، وأنى الشهادة وأنا في جزيرة العرب، ثم قال عمر مستدركاً: يأتي الله بها أنى شاء، يأتي الله بها أنى يشاء. ورأى عمر في منامه أن ديكاً ينقره نقرات، وكان لا يُدخل الأعاجم إلى جزيرة العرب، فدخل بعضهم متسترين بالإسلام، وكان من سياسة عمر، ألا يدخلهم، دخلوا فأقاموا، فكان منهم الحاقد الفارسي المجوسي أبو لؤلؤة الذي قال لـ عمر متوعداً: لأصنعن لك رحىً يتحدث بها الناس، فقال عمر: توعدني العبد، وبعد أيام اختبأ له وراء باب المسجد في الظلام في صلاة الفجر، فلما سجد عمر قفز عليه فطعنه في كتفه وخاصرته، فقال عمر: قتلني الكلب، ثم صمت، ثم سمع الناس قراءة ابن عوف وطار العلج في الناس -في صفوف المصلين- ينحر يميناً وشمالاً، فقتل ستة من الصحابة، وحمل عمر مطعوناً، وجعلوا يشربونه اللبن فيخرج من الجرح، فعلموا أن الأمر قد انتهى، فأوصى عمر ووعظ الناس وذكرهم بالله وانتقل إلى الرفيق الأعلى، في قصة مشهودة عظيمة جداً أخرجها الإمام البخاري في صحيحه. كانت وفاة عمر شديدة الوطأة على القريب والبعيد، قال المسيب بن رافع: سار إلينا عبد الله بن مسعود سبعاً من المدينة، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن غلام المغيرة أبا لؤلؤة قتل أمير المؤمنين عمر، قال: فضج الناس وصاحوا واشتد بكاؤهم، قال: ثم قال ابن مسعود: إنا اجتمعنا أصحاب محمد ﷺ فأمرنا علينا عثمان بن عفان، فأخبرهم الخبر والمكيدة، قال عبد الله بن مسعود: لقد أحببت عمر حباً حتى لقد خفت الله -من شدة حب عمر خفت الله- ولو أني أعلم أن كلباً يحبه عمر لأحببته، ولوددت أني كنت خادماً لـ عمر حتى أموت، ولقد وجد فقده كل شيءٍ حتى العضاة -شجرة الشوك-. إن إسلامه كان فتحاً، وإن هجرته كانت نصراً، وإن سلطانه كان رحمة، ذلكم عمر ومناقبه كثيرة جداً وهذا شيءٌ قليل منها، والمقصود: أن لهؤلاء حقاً علينا في معرفة سيرهم، وإن هؤلاء منارات نقتدي بهم، وإن في تذكر هؤلاء سبباً لحنين المسلم إلى أيام الخلافة ورغبته في عدلٍ كعدل عمر، وقد طبق الأرض اليوم الظلم والجور، فنسأل الله أن يعيد للإسلام عزه، وأن يقيم الخلافة في أرجاء الأرض. اللهم ردنا إلى الإسلام رداً جميلاً، اللهم اجعلنا ممن أقاموا الشريعة وعملوا بها، اللهم اجعل بلدنا هذا آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين في تحكيم شرعك يا رب العالمين، اللهم ارفع الظلم عن المظلومين، اللهم انصر من نصر الدين.

стр. 4535

الأذكار الشرعية بين الاهتمام والإهمال أمر الله المؤمنين بالإكثار من ذكره، وحمده وشكره، وأخبرهم أن ذلك أكبر، وأثنى على مجالس فيها يذكر، وعلى من ذكره خالياً فاتعظ واعتبر. تتمحور هذه المادة حول أسباب إهمال الأذكار، مع نقاش مستفيض عن كل سبب. وقد اشتملت أيضاً على كثير من الأذكار الواردة في السنة، مع بيان فوائد الأذكار في الدنيا والآخرة، وأهميتها، وغير ذلك مما يتعلق بها.

стр. 4536

أثر الأذكار في تقوية الإيمان الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أيها الإخوة! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فإن من عوامل تقوية الإيمان وتقوية الصلة بالله ذكر الله تعالى، وما حصل الضعف والوهن في علاقتنا بالله تعالى إلا من وراء نسيان أسباب كثيرة، منها: إهمال الأذكار الشرعية التي شرعها الله لنا في كتابه، وعلمنا إياها نبيه محمد ﷺ ، ولأجل ذلك صارت الأذكار مجهولة منسية مهملة عند الكثيرين من المسلمين، ولأجل هذا صار درسنا هذه الليلة للتذكير بهذا الموضوع الذي نحتاج إليه جميعاً بلا استثناء. وقد أمرنا الله في كتابه بالإكثار من ذكره فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [الأحزاب:٤١ - ٤٢] وأخبر أن ذكره أكبر من كل شيء، فقال : ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت:٤٥]، وأخبر بأنه سبب لطمأنة القلوب: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] وامتدح الله أقواماً من المؤمنين لأنهم ﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٩١] وهكذا كان رسولنا ﷺ يذكر الله على كل أحيانه، وقال ﵊: (ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأرضاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إعطاء الذهب والورق، ومن أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: ذكر الله) فجعله مفضلاً في وجه العموم على الإنفاق وعلى الجهاد، يعني: أن جنس الذكر أفضل من جنس الإنفاق ومن جنس الجهاد، وهو وصية رسول الله ﷺ لمن كثرت عليه شعائر الإسلام: (لما شكا الرجل حاله قال: يا رسول الله! إن شعائر الإسلام قد كثرت عليَّ فأخبرني بأمر أتشبث به، قال: لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله).

стр. 4537

ذكر المنفرد وذكر المجالس والذكر من علامات الإخلاص، فإن الرجل الذي ذكر الله خالياً ففاضت عيناه كان في ظل الرحمن يوم القيامة. ومجالس أهل الذكر محفوفة بالملائكة، مغشاة بالرحمة، منزل عليها السكينة، مذكور أهلها عند الله، وهو سبب نجاة يونس ﵇، فلولا أنه كان من المسبحين -قبل الحوت وفي بطن الحوت- ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات:١٤٣ - ١٤٤].

стр. 4538

أثر الذكر في الوقاية من الشيطان وهو سبب لفك عقد الشيطان ونجاة المسلم منها، فمثلاً: عند القيام لصلاة الفجر إذا ذكر الله انحلت عقدة، فإذا توضأ انحلت الثانية، فإذا صلى انحلت الثالثة. وهذا الذكر حصن حصين إذا دخله العبد نجا من الشياطين إنسهم وجنهم، ولذلك لما جمع يحيى بن زكريا بني إسرائيل كان مما قال لهم: وآمركم بذكر الله كثيراً، ومثل ذلك كمثل رجل طلب العدو سراعاً في أثره، فأتى حصناً حصيناً، فأحرز نفسه فيه، (وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله تعالى) حديث صحيح. وقال ﵊: (مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت، أو مثل الحي والميت) وفي رواية لـ مسلم: (مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثل الحي والميت)، (ما من ساعة تمر بابن آدم لا يذكر الله فيها إلا حسر عليها يوم القيامة) حديث صحيح، وليس يتحسر أهل الجنة على شيء إلا على ساعة مرت عليهم في الدنيا لم يذكروا الله تعالى فيها. وهو أرجى عمل ينجي العبد من عذاب الله: (ما عمل آدمي عملاً أنجى له من عذاب الله من ذكر الله) أنجى عمل ينجي الإنسان من عذاب الله، وأرجى عمل ينجي الإنسان من عذاب الله ذكر الله . وقال ﵊ لرجل من الصحابة: (ألا أعلمك كلمات إذا قلتهن غفر الله لك وإن كنت مغفوراً لك؟ قل: لا إله إلا الله العلي العظيم، لا إله إلا الله الحكيم الكريم، لا إله إلا الله سبحان الله رب السماوات السبع ورب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين) حديث صحيح.

стр. 4539

من أسباب إهمال الأذكار عدم معرفة فوائدها فإذا جلسنا نتأمل الآن أيها الإخوة في الأسباب الباعثة للناس على إهمال ذكر الله وعلى إهمال الأذكار الشرعية، فالأذكار الشرعية مهملة منسية عند كثير من المسلمين، لماذا؟ ما هو السبب؟ كيف نعالج الأمر؟ كيف نتدارك أنفسنا؟ من الأسباب أيها الإخوة: عدم معرفة فوائد هذا الذكر، ونستطيع أن نتوصل إلى حمل أنفسنا على ذكر الله بالأذكار العامة أو بالأذكار الخاصة، الأذكار العامة مثل: (لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله)، (لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنز الجنة) أذكار عامة، هناك أذكار خاصة عند النوم، وعند الوضوء، وفي السفر، وفي الصباح والمساء، وأذكار خاصة بمناسبات معينة، فكلا الأمرين صار فيهما غفلة، ينبغي أن نعرف أولاً فوائد الذكر، حتى نشعر بأهمية هذا الموضوع، فنستطيع أن نرتقي بأنفسنا منازل للأخذ بزمام هذه الأذكار، فلو لم يكن الذكر مهماً ما شدد عليه في القرآن والسنة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٤١] وأمر بالذكر في أصعب المواقف عند المعركة، إذا احتدمت الحرب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأنفال:٤٥]. وصدأ القلب الذي نحس به في كثير من الأحيان، هذه السحابة التي نحس بها تظلل قلوبنا في كثير من الأوقات، لا يقشعها إلا ذكر الله بأنواعه، فالغفلة والذنب لا يزيلها إلا ذكر الله ، وهذا الران الأسود الذي يعلو القلوب لا يمكن أن يزال إلا بذكر الله ، وهناك أناس من الغافلين طبع الله على قلوبهم، قال الله في التحذير منهم: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف:٢٨] كيف تفارط أمره؟ لما أعرض عن أمر الله : ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ [الكهف:٢٨] هناك أيها الإخوة في المكاتب والمدارس والمستشفيات والقاعات المختلفة، والأروقة والدهاليز أناس كثيرون لا يذكرون الله، من الأغنياء، والرؤساء، والوجهاء، والكبراء أناس لا يذكرون الله، ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ [الكهف:٢٨] عاقبهم الله على إعراضهم عن شريعته بأن حرمهم من ألذ شيء للروح والقلب وهو ذكر الله : ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ [الكهف:٢٨] فأية عقوبة أسوأ من هذه العقوبة؟!

стр. 4540

ذكر ابن القيم لفوائد الذكر وفي الذكر فوائد كثيرة، عدها ابن القيم رحمه الله تعالى وغيره: فمنها: أنه يطرد الشيطان. ومنها: أنه يرضي الرحمن. ومنها: أنه يزيل الهم والغم عن القلب. ومنها: أنه يفرح القلب ويجعله مسرورا. ومنها: أنه ينور الوجه. ومنها: أنه من الأسباب الجالبة للرزق. ومنها: أنه يورث القلب محبة الله ، ومن أحب شيئاً أكثر من ذكره. ومنها: أنه يجعل العبد منيباً إلى ربه، رجاعاً إليه، فيكون الله ملاذه وملجأه . ومنها: أن الله يفتح للذاكر أبواب العلوم والمعارف، فيفقه في أنواع من العلم لا يفقهها بدون ذكر الله ، ولذلك كان الناس من الصالحين والعلماء يستعينون على فهم المسائل بذكر الله، والابتهال إليه، والتضرع عنده، والتذلل على أعتابه ، طالبين منه أن يفتح عليهم: يا معلم إبراهيم علمني، ويا مفهم سليمان فهمني. بل إن الله أمر القضاة، أمر الناس الذين يفصلون في المسائل، أمر رسوله ﷺ إذا فصل في المسألة أن يقول: ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ * وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً﴾ [النساء:١٠٤ - ١٠٥] لذلك قال أهل العلم: يشرع للقاضي إذا فصل في مسألة أن يقول بعد حكمه فيها: أستغفر الله.

стр. 4541

فائدة الذكر في تقوية القلب ومن فوائده أيضاً: أنه يقوي القلب ويجرئه في مواجهة أعتى المواقف. ولذلك ثبت عن الصحابة رضوان الله عليهم في قتال فارس والروم مع أنهم أعظم أجساماً وأقوى أسلحة وأكثر عدداً وعدة كيف صبر الصحابة أمامهم، ومع الكفار الفيلة، ومعهم أنواع من المنجنيقات وآلات الحرب لم يكن العرب يعرفونها أو يعرفون مثل عظمها؟ كيف ثبتوا أمامهم؟ ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأنفال:٤٥] فغلبوهم بإذن الله. وذكر الله يورث أن يذكرك الله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢]، (من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه).

стр. 4542

فائدة الذكر في علاقة العبد بربه وكذلك فإن ذكر الله يزيل الوحشة بين العبد وربه، هذه الظلمة أو هذا البعد الذي نحسه أحياناً في علاقتنا بالله هذا لا يزيله إلا ذكر الله تعالى، وقال ﷺ : (إن ما تذكرون من جلال الله من التهليل والتكبير والتحميد يتعاطفن حول العرش لهن دوي كدوي النحل يذكرن بصاحبهن، أفلا يحب أحدكم أن يكون له ما يذكر به؟!) الناس يحبون في الدنيا أن يعملوا أعمالاً يذكرون بها بعد ذلك، وأهل الصلاح أيضاً يحبون أن يكون لهم ما يذكرون به في الدنيا وفي الآخرة؛ في الدنيا لكي يترحم عليهم الناس ألم يقل نبي الله: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء:٨٤] يذكرني الناس به، فيدعون لي فأزداد أجراً وثواباً، هذه الأذكار عند الله تحمي صاحبها في أوقات الشدة، في أهوال يوم القيامة، هذا التحميد، وهذا التكبير، وهذا التهليل، يكون عوناً لصاحبه في الشدائد يوم القيامة. وكذلك فإن مجالس الذكر مجالس الملائكة، ويأمن العبد من الحسرة يوم القيامة كما قدمنا بذكره لله في جميع الساعات، ومع أن الذكر باللسان حركته خفيفة لا يأخذ جهداً إلا أنه عند الله ثقيل جداً: (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) كم تأخذ منك جهداً لتقولها؟ كم تأخذ منك وقتاً لتقولها؟ لكنها أثقل عند الله من الجبال الرواسي. وكذلك فإن غراس الجنة ذكر الله، وقد جاء في الحديث الصحيح عنه ﷺ أنه قال: (لقيت ليلة أسري بي إبراهيم الخليل ﵇، فقال: يا محمد! أقرئ أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) رواه الترمذي وهو حديث صحيح. ولذلك: (من قال: سبحان الله وبحمده، غرست له نخلة في الجنة) كما ورد في الحديث الصحيح. وكذلك فإن قسوة القلب كما قدمنا يذيبها ذكر الله كما جاء رجل إلى أحد السلف، فشكا إليه قسوة قلبه، فقال: أذبها بذكر الله. أذب هذه القسوة بذكر الله. وما استجلبت نعمٌ للعبد بمثل ما تستجلب بذكر الله، الأسباب الجالبة للنعم كثيرة، ومن أعظمها ذكر الله: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧] ورأس الشكر هو ذكر الله . وكذلك فإن ذكر الله يجعل للعبد الذاكر صلوات عليه من ربه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ [الأحزاب:٤١ - ٤٣] فأتى بهذه: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب:٤٣] بعد أي شيء؟ بعد الأمر بالذكر. وكذلك فإن الله يباهي بالذاكرين الملائكة، روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي سعيد قال: (خرج معاوية ﵁ على حلقة في المسجد فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله تعالى، قال: آالله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك، قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، وما كان أحدٌ بمنزلتي من رسول الله ﷺ أقل عنه حديثاً مني، وإن رسول الله ﷺ خرج على حلقة من أصحابه، فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله تعالى، ونحمده على ما هدانا للإسلام ومن به علينا، قال لهم رسول الله ﷺ : آالله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك، قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله ﵎ يباهي بكم الملائكة) ما هو المجلس أيها الإخوة؟ يذكرون الله تعالى ويتذكرون نعمة الله فيما من الله به عليهم من الهداية إلى الإسلام، ولذلك ينبغي أن يكون هذا الموضوع مما يكثر طرقه في المجالس، ذكر الله وحمده على نعمة الهداية إلى هذا الدين، أناس في غياهب الشرك يعبدون بقراً وحجراً ونجوماً وكواكب وأناساً وأصناماً وشياطين وجنا، وبعضهم وصل به إلى أن عبد فرج المرأة، أفلا تكون هذه النعمة العظيمة نعمة الهداية إلى الله للإسلام من الأمور التي ينبغي أن يكثر من طرقها في المجالس؟

стр. 4543

نيابة الذكر عن بعض التطوعات وكذلك فإن دوام ذكر الله ينوب عن التطوعات الكثيرة التي تأخذ جهداً ووقتاً، وتعوض الذي لا يستطيع أن يفعل بعض الأعمال فتعوضه، ولذلك ورد في الحديث الصحيح: (أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله! ذهب أهل الدثور من الأموال بالدرجات العلى والنعيم المقيم، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل أموالهم -هم أغنياء يتصدقون، ونحن فقراء ليس عندنا ما نتصدق به، فحرمنا من أجر الصدقة، يحجون ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون بالأموال- فقال ﷺ : ألا أعلمكم شيئاً تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا أحد يكون أفضل منكم إلا من صنع ما صنعتم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة الخ). وذكر الله يسهل الصعب وييسر العسير، ويخفف المشاق، وما ذكر عبد ربه في شدة إلا زالت، ولا مشقة إلا خفت، ولا كربة إلا فرجت، وهو الجالب للفرج بعد الشدة، واليسر بعد العسر، وبعد الغم والهم.

стр. 4544

فائدة الذكر في تقوية البدن ومن فوائده: فذكر الله يعطي الذاكر بالإضافة إلى قوة القلب قوة في بدنه، وهذا ما استدللنا به قبل قليل على صمود الصحابة أمام الكفار، وهزيمتهم للكفرة مع أنهم أقوى أبداناً، وقال ابن القيم ﵀: وقد شاهدت من قوة شيخ الإسلام ابن تيمية في مشيته وكلامه وإقدامه وكتابته أمراً عجيبا، فكان يكتب في اليوم من التصنيف ما يكتبه الناس في جمعة أو أكثر، وقد شاهد العسكر من قوته في الحرب -لما حارب التتار- أمراً عظيماً. ومن الأدلة على أن الذكر يقوي الجسد: أن فاطمة وعلياً شكيا إلى رسول الله ﷺ الضعف، فاطمة عليها شغل كثير في البيت، طلبت خادماً فعلمهما ﷺ أن يسبحا ويهللا ويكبرا قبل النوم ثلاثاً وثلاثين يغنيهم عن الخادم. فاستدل منه بعض أهل العلم على أن ذكر الله للمرأة التي تعمل في البيت تستفيد من هذا إذا كثر عليها الأولاد، ونظافة البيت والطبخ والغسيل، ونحو ذلك، فإن من أهم ما تستعين به على هذا؛ هذا التسبيح والتكبير والتهليل قبل النوم. ولا أعظم من فوائد الذكر من أن يصدق الرب عبده حين يذكره، يقول ﷺ في الحديث الصحيح: (إذا قال العبد: لا إله إلا الله والله أكبر، يقول الله ﵎: صدق عبدي لا إله إلا أنا وأنا أكبر، وإذا قال: لا إله إلا الله وحده، قال: صدق عبدي لا إله إلا أنا وحدي، وإذا قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قال: صدق عبدي لا إله إلا أنا لا شريك لي، وإذا قال: لا إله إلا الله له الملك وله الحمد، قال: صدق عبدي لا إله إلا أنا لي الملك ولي الحمد، وإذا قال: لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، قال: صدق عبدي لا إله إلا أنا ولا حول ولا قوة إلا بي) هؤلاء أيها الإخوة من رزقهن عند موته لم تمسه النار. وكذلك فإن ذكر الله يبعد عن مشابهة المنافقين، فإن من صفاتهم أنهم لا يذكرون الله إلا قليلا.

стр. 4545

شهادة الأرض للذاكر ومن فوائده: أن تضاريس الأرض تشهد للذاكر عند الله عندما يذكر الله عندها، (فما من عبد يذكر ربه في سهل ولا جبل، ولا طريق ولا بقعة أرض في سفر ولا في حضر -في بيت أو خارج البيت، على أريكة أو كرسي أو على الأرض، قائماً أو قاعداً أو نائماً يذكر الله- إلا شهدت له هذه البقاع عند الله) ولو أنه صعد في الطائرة فذكر الله في ذلك الموضع لشهد له ذلك الموضع عند الله، ألم يقل الله : ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة:١ - ٥] وما هو تحديثها لأخبارها؟ (أنها تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها تقول: عمل يوم كذا كذا وكذا) حديث حسن بشواهده، ولذلك كان الرسول ﷺ إذا ذهب من طريق يوم العيد رجع من طريق آخر، ولذلك أمر المسافر أن يكبر عندما يصعد ويسبح عندما ينزل، كل هذه المرتفعات والمنخفضات تشهد للذاكر عند الله. ونختم هذه الفوائد المختصرة: أنه لو لم يكن في ذكر الله من الفائدة إلا أن يشغل اللسان عن الكذب والغيبة والنميمة والقول بلا علم إلى غير ذلك من آفات اللسان لكان كافياً، أليس كذلك؟ عندما ينشغل الإنسان بذكر الله لا يشتغل بالمصائب والمعايب.

стр. 4546

فوائد الأذكار في الوقاية من الأمراض وهناك فوائد كما قدمنا شرعية دينية، وفوائد بدنية للأذكار، فمثلاً: عندما يرى الإنسان مبتلى فيقول: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلا، فعندما يرى مشلولاً أو أعمى، أو مجنوناً، أو معتوهاً، أو عجوزاً بلغ به الخرف كل مبلغ، أو أبرص، أو أي عيب من العيوب، فيقول: (الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلا، لم يصبه ذلك البلاء) هذا من الفوائد الدنيوية. ومثلاً: ذكر الله يحمي من صرع الجن، وعامة من يتلبس بهم الجان فيصرعهم، وتأتيهم نوبات الصرع من الذين كانوا غافلين عن ذكر الله، ويبعد تأثير السحر، وكثير من الناس في هذا الزمان انتشرت فيهم قضية الإضرار بالسحر، والتضرر به ويقولون: ماذا نفعل؟ ويلجئون إلى العرافين، والكهان والمشعوذين والدجالين ويقولون: ماذا نفعل؟ نقول: أين أنتم من ذكر الله؟ لو ذكرتم ربكم لذهبت عنكم هذه الآفات ولما حصلت بكم أصلاً. ومن الفوائد أيضاً البدنية أو الدنيوية: عن أبي هريرة ﵁ قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! ما لقيت من عقربٍ لدغتني البارحة -لدغة عقرب شديدة- قال ﵊ معلماً: أما لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم تضرك) انظر ما تضرك لدغة العقرب مع أنها طبياً مميتة قاتلة، لكن لو قلت حين أمسيت: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم تضرك) وقال ﵊: (من قال حين يمسي ثلاث مرات: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم تضره حمة تلك الليلة) الحمة: كل ما يلدغ ويؤذي من العقارب والحيات ونحوها، قال سهيل أحد السلف: فكان أهلها تعلموها -علمناها لأهلنا هذا الذكر- فكانوا يقولونها كل ليلة، فلدغت جارية منهم -بنت صغيرة- فلم تجد لها وجعاً حديث صحيح. وانظر كيف تقرب الأذكار بين المسلمين فإن لها فوائد اجتماعية، فمثلاً: السلام ورد السلام، وما يقوله المسلم عند العطاس والرد على ذلك ورد العاطس بعده، وقول الرجل لأخيه: إني أحبك في الله، ورد أخيه عليه: أحبك الله الذي أحببتني فيه. هذه الأشياء أيها الإخوة تقرب بين المسلمين، هذه من فوائد الأذكار.

стр. 4547

الأذكار فيها تفاعل الحواس مع الأحداث وتأمل كيف أن الأذكار تجعل اشتراك الحواس قوياً فيها، ولذلك مثلاً: (إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله فإنها رأت ملكاً) فجاء الذكر بعد ماذا؟ بعد السماع. (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول)، من رأى مبتلى فقال كذا (إذا سمعتم نهيق الحمار فتعوذوا بالله من الشيطان فإنها رأت شيطاناً)، (إذا سمعتم نباح الكلب ونهيق الحمار بالليل فتعوذوا بالليل فإنهن يرين ما لا ترون)، عند سماع الرعد: يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته، اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك. فإذاً: هذه الأذكار عبارة عن مشاركة عبارة عن تفاعل حواس المسلم مع ما يحدث يومياً من الأشياء، وهي ليست عبارة عن نصوص تقال فقط، وإنما بعض الأذكار عبارة عن ردة فعل من المسلم لما يراه أو يسمعه أو يحسه، فهذه نقطة مهمة جداً في الأذكار، إن الأذكار ليست نصوصاً تقال وتسمع فقط، أشياء روتينية، لا، وإنما بعض الأذكار عبارة عن تفاعل إحساس المسلم مع الأشياء التي تحدث حوله، فإذا رأى أو سمع أو أحس قال أذكاراً معينة، مالها وقت محدد، إذا حدث ذكر، وهذا يعني أن الأذكار توقظ في نفس المسلم الحس بذكر الله في الأحداث المختلفة، وتأمل أيضاً أن بعض الأذكار تقال في مواضع عجيبة، تدل فعلاً على أن شرعية الأذكار هذه شرعت لأجل إيقاظ حس المسلم، أول شيء يقوله الإنسان إذا قام من النوم، الموتة الصغرى أول شيء: (الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور) تقال الأذكار في مواضع بعض الناس يستغرب، مثلاً الذكر عند الجماع جماع الزوجة، وعند اشتداد شهوة الإنسان، يطالب بأن يقول: (بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا) هذا موضع غريب يلفت الأنظار أن يكون في ذلك الموضع ذكر الله. عند دخول الخلاء موضع غريب لكن يقول عند دخول الخلاء: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) فأنت إذا تأملت أيضاً المواضع التي تحصل فيها الأذكار فإنك تحس بأنها في أوقات مختلفة أحياناً لكونها في وقت معين وأحياناً لا يكون لها وقت معين، وفي أحوال مختلفة من الحزن والفرح والشهوة والغم والضعف والقوة والموت -الموتة الصغرى- والبعث منه ونحو ذلك. هذه قضية واحدة: معرفة فوائد الأذكار تحمس المسلم وتدفعه للذكر.

стр. 4548

الجهل من أسباب إهمال الأذكار ثانياً: إن كثيراً من المسلمين قد فرطوا في الأذكار وأهملوا فيها بسبب جهلهم بالأذكار، ببساطة لا يعرف ما هي الأذكار، لا يدري ماذا يقول، يقول واحد من الناس: والله لا أدري يا أخي ماذا أقول عند النوم إذا سألتني ماذا أقول عند النوم فإني لا أدري! لو قلت لي: ماذا تقول عند دخول المسجد؟ أقول لك: لا أدري، لو قلت لي: ماذا تقول عند الكرب والهم؟ أقول لك: لا أدري، فالجهل بها من أسباب الإهمال، ولذلك لا بد من تعلم الأذكار، لا بد من تعلم ماذا يقال في المناسبات المختلفة، وها نحن نعرض لكم بسرعة طائفة من الأذكار في مناسباتها المختلفة: (إذا سمعتم النداء فقولوا مثلما يقول المؤذن) وعندما يقول: حيّ على الصلاة، ماذا نقول؟ لا حول ولا قوة إلا بالله، وإذا قال: الصلاة خير من النوم، ماذا نقول؟ الصلاة خير من النوم، (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول)، وعند الشهادتين إذا قال أشهد أن لا إله إلا الله نقول: أشهد أن لا إله إلا الله (رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ رسولاً. من قالها غفر له ذنبه) حديث صحيح. (من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت سيدنا محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة). قبل الوضوء ماذا نقول؟ بسم الله (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) صحيح بشواهده. وبعد الوضوء ماذا نقول؟ (أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين) وماذا أيضاً؟ (سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك. من قالها وضعت في رق فختم عليه بطابع فيجعل عند الله -لا يكسر- إلى يوم القيامة ليجزي الله به صاحبه)، وعندما يكون المسلم في الخلاء يقول: بسم الله، في نفسه لا يجهر بها، وإذا نسي فوضوءه صحيح. وعند دخول المسجد: (أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم، إذا قالها العبد قال الشيطان: حفظ مني سائر اليوم)، وإذا دخل أيضاً المسجد يقول: (اللهم افتح لي أبواب رحمتك) وإذا خرج: (اللهم إني أسألك من فضلك).

стр. 4549

أذكار الصباح والمساء وفي الصباح والمساء يقول أذكاراً كثيرة: عن خبيب قال: (خرجنا في ليلة مطيرة وظلمة شديدة نطلب رسول الله ﷺ يصلي لنا، قال فأدركته، قال: قل، فلم أقل شيئاً، ثم قال: قل، فلم أقل شيئاً، قال: قل، قلت: ما أقول؟ قال: قل هو الله أحد، والمعوذتين حين تمسي وتصبح، ثلاث مرات تكفيك من كل شيء) اعتبرها مثل الدواء، وهي أعظم من الدواء، إن الناس يحافظون على الأدوية بمقاديرها وعدد مرات أخذها أكثر مما يحافظون على الأذكار بكثير، ويتفطنون للدواء الذي يعالج الجسد وقد لا يعالج الجسد، ولا يتفطنون لذكر الله الذي يعالج القلب والجسد. ومن أذكار الصباح والمساء: سبحان الله وبحمده مائة مرة، سيد الاستغفار: (بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء) ثلاث مرات، (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق) ثلاث مرات، (اللهم بك أصبحنا وبك أمسينا وبك نحيا وبك نموت)، (أمسينا وأمسى الملك لله، والحمد لله، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير) الخ، (اللهم عالم الغيب والشهادة فاطر السماوات والأرض رب كل شيء ومليكه أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه، وأن أقترف على نفسي سوءاً أو أجره إلى مسلم)، (اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، اللهم أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي، واحفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني ومن شمالي ومن فوقي وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي). (لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت. عشر مرات). (إذا أصبح أحدكم فليقل: أصبحنا وأصبح الملك لله رب العالمين، اللهم إني أسألك خير هذا اليوم، فتحه ونصره ونوره وبركته وهداه -وفي رواية: فتحه ونصره وتأييده- وأعوذ بك من شر ما فيه وشر ما قبله وشر ما بعده) حديث صحيح. عند النوم ماذا نقول؟ (باسمك اللهم أموت وأحيا) وإذا قام من النوم: (الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور)، عند النوم قراءة المعوذات والنفث في اليدين ومسح الوجه والجسد بهما ثلاث مرات. (التكبير أربعاً وثلاثين، والتحميد ثلاثاً وثلاثين، والتسبيح ثلاثاً وثلاثين، خير لكما من خادم) كما قال ﵊. (باسمك ربي وضعت جنبي وباسمك أرفعه إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين، رب قني عذابك يوم تبعث عبادك)، (اللهم اغفر لي ذنبي واخسئ شيطاني، وفك رهاني، وثقل ميزاني واجعلني في الندي الأعلى)، (اللهم أنت خلقت نفسي وأنت تتوفاها، لك مماتها ومحياها، إن أحييتها فاحفظها، وإن أمتها فاغفر لها، اللهم إني أسألك العافية)، (اللهم إني أسلمت وجهي إليك ووجهت وجهي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت). إذا انتبه الإنسان من الليل استيقظ من الليل فجأة ماذا يقول؟ (من تعار من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، الحمد لله وسبحان الله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال: اللهم اغفر لي، أو دعا إلا استجيب له، فإن توضأ وصلى قبلت صلاته).

стр. 4550

أذكار السفر والنكاح والطعام عند السفر أنتم تعلمون الأذكار التكبير ثلاث مرات ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف:١٣] (اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى) الخ، (اللهم أنت الصاحب في السفر)، والاستعاذة من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب، وعند الصعود يكبر، وعند النزول يسبح، سمع سامع بحمد الله وحسن بلائه علينا، ربنا صاحبنا وأفضل علينا عائذاً بالله من النار في بداية النكاح خطبة الحاجة المعروفة، وإذا دخل بزوجته: (اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه)، ماذا نهنئه؟ (بارك الله لك وبارك عليك وجمع بينكما في خير)، ماذا نقول له أيضاً؟ (على الخير والبركة وعلى خير طائر) كما قالت نساء الأنصار. عند الجماع قدمنا الذكر فيه، وإذا رزقنا بمولود فتأسى ببنت عمران: وأعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم، كان حسناً. وعند الطعام: بسم الله، وإذا نسي: أضاف: أوله وآخره، وبعده: الحمد لله، وأيضاً: (اللهم إنك أطعمت وسقيت، وأغنيت وأقنيت، وهديت واجتبيت، اللهم فلك الحمد على ما أعطيت، الحمد لله الذي كفانا وأروانا -وفي رواية: وآوانا- غير مكفي ولا مكفور)، (الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه غير مكفي ولا مودع -يعني متروك- ولا مستغنىً عنه ربنا، الحمد لله حمداً طيباً مباركاً فيه، الحمد لله الذي كفانا وآوانا). (إذا أكل أحدكم طعاماً فليقل: اللهم بارك لنا فيه وأبدلنا خيراً منه، وإذا شرب لبناً فليقل: اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه فإنه ليس شيءٌ يجزي من الطعام والشراب إلا اللبن).

стр. 4551

أذكار المطر والريح والفزع عند المطر: (مطرنا بفضل الله ورحمته)، وكان ﵊ إذا رأى المطر يقول: (رحمة رحمة) ويقول: (اللهم صيباً نافعاً) وإذا رئي القمر قال لـ عائشة: (استعيذي بالله من شر هذا الغاسق إذا وقب). وإذا جاء لمريض: (طهور، لا بأس إن شاء الله) بالإضافة للأدعية الأخرى. وإذا بدأ صلاح الثمرة -الثمر بدأ الآن ينضج ويستوي- (اللهم بارك لنا في مدينتنا وفي ثمارنا، وفي مدنا وفي صاعنا، بركة مع بركة)، وإذا جيء به إلى شخص يعطيه إلى أصغر الصبيان عنده ليأكله كما هي السنة. وإذا عصفت الريح: (اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به)، وإذا اشتدت قال: (اللهم لقحاً لا عقيماً) يعني: مفيدة لا ضارة. وإذا فزع من النوم: (أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون، فلو قالها: لا يضره شيء)، وكان إذا تضور من الليل قال: (لا إله إلا الله الواحد القهار، رب السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفار).

стр. 4552

أذكار الغضب والمصائب وعند الغضب ماذا يقول؟ (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، وإذا جاءه الشيطان في الصلاة: (يستعيذ ويتفل عن يساره ثلاثاً)، وإذا نزل منزلاً في رحلة في بر في سفر: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق)، وإذا ذكر رسول الله ماذا يقول؟ ﷺ ، وفي كل مجلس يقول: ﷺ ، وقبل الدعاء يصلي على الرسول ﷺ ، يوم الجمعة في التشهد الأول أحياناً ثبت أنه يصلي على الرسول ﷺ ، وفي الأخير وجوباً يصلي على الرسول ﷺ . وعند المصيبة: (اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها، إنا لله وإنا إليه راجعون)، في التعزية: (إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب).

стр. 4553

أذكار أخرى متفرقة وعند وضع الميت في القبر: (بسم الله وعلى ملة رسول الله)، وعند التعجب من أمر: سبحان الله، وعند السرور من أمر: الله أكبر، لما أخبرهم قال: (أنتم ربع أهل الجنة فكبروا، أنتم نصف أهل الجنة فكبرنا)، عند السرور بشيء، وعند البشارة بشيء: الله أكبر، عند اللقاء: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وردها، وأيضاً: مرحباً، كان يقولها ﷺ ، وإذا تعثرت الدابة يقول: بسم الله، والمسافر يقول: (استودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك)، ماذا يرد؟ (أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه) فإن قال المودع: (أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه) ورد في السنة أيضاً. وعند لبس الثوب الجديد: (البس جديداً وعش حميداً ومت شهيداً)، ويقال: ابلي واخلقي، وماذا يقول اللابس؟ (اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه، أسألك من خيره وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له)، وإذا رأى رؤيا طيبة يحمد الله، وإذا رأى حلماً سيئاً يستعيذ بالله من الشيطان ومن شر ما رأى ثلاث مرات، ويتفل عن يساره ثلاثاً. وإذا سبك أحد عند الصيام تقول: (إني صائم إني صائم). أذكار الحج في طوافه وسعيه وتلبيته ورميه ووقوفه كثيرة جداً، وإذا خاف قوماً: (حسبنا الله ونعم الوكيل، اللهم إني أجعلك في نحورهم، وأعوذ بك من شرورهم)، وإذا قدم إنسان بصدقة ماذا نقول له؟ (اللهم صل على آل أبي فلان) لو كان اسمه عبد الرحمن نقول: اللهم صل على آل عبد الرحمن كما ورد في السنة. إذا خاف إنسان أن يصيب نفسه بالعين أو أولاده أو صديقه أو مالاً من الأموال ماذا يقول؟ (إذا رأى أحدكم من نفسه أو ماله أو من أخيه ما يعجبه فليدع له بالبركة فإن العين حق)، (استعيذوا بالله من العين فإن العين حق) حديثان صحيحان. إذا عطس يقول: الحمد لله رب العالمين، فيقول له صاحبه: يرحمك الله، فيقول هو: يغفر الله لنا ولكم، هذه إحدى الصيغ. الصيغة الأخرى: الحمد لله على كل حال، يقول له من حوله: يرحمك الله، يقول هو: يهديكم الله ويصلح بالكم. صيغة ثالثة: يقول: الحمد لله، يقول له صاحبه: يرحمك الله، يقول هو: يهديكم الله ويصلح بالكم، وهي المشهورة، وكل الثلاثة صحيحة ومن ينكر على من يفعل واحدة منها فإنه جاهل. إذا عطس الكافر وقال: الحمد لله، ماذا نقول له؟ نقول: يهديكم الله ويصلح بالكم. كما رد ﵊ على اليهود الذين كانوا يتعاطسون عنده. في كفارة المجلس: (سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك)، إذا رأيت شيئاً ساراً ماذا تقول؟ إذا جاءك خبر طيب، إذا جاءك الخبر كما تريد: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. إذا رأيت شيئاً مكروهاً وحصل لك ما ليس مرغوباً تقول: الحمد لله على كل حال. إذا نزل بك كرب أو هم أو غم أو بلاء (ألا أخبركم بشيء إذا نزل بأحد منكم كرب أو بلاء من أمر الدنيا دعا به ففرج عنه دعاء ذي النون: ((لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)) [الأنبياء:٨٧])، (دعوة ذي النون إذ دعا بها وهو في بطن الحوت ((لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)) [الأنبياء:٨٧] لم يدعُ بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب له). (ألا أعلمك كلمات تقولهن عند الكرب: الله الله ربي لا أشرك به شيئاً)، (كان إذا راعه شيءٌ قال: الله الله ربي لا أشرك به شيئا). (كان إذا كربه أمر قال: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث). دعوات المكروب: (اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت). (من أصابه هم أو غم أو سقم أو شدة فقال: الله ربي لا شريك له، كشف عنه). كلها أحاديث صحيحة. إذا صابك دين هم من الدين وأصبح الدائنون يطاردونك ويقضون مضجعك ويقلقون راحتك: (ألا أعلمك كلمات لو كان عليك مثل جبل صبير ديناً أداه الله عنك قل: اللهم اكفني بحلالك عن حرامك وأغنني بفضلك عمن سواك) حديث صحيح. هذه -أيها الإخوة- طائفة من الأذكار التي تقال عند الأحوال المختلفة، فلماذا يقصر الناس في الأذكار؟ لأنهم لا يعلمون ماذا يقولون، ما هو الواجب؟ قراءتها وحفظها، واستعمالها دائماً لترسخ في الذهن.

стр. 4554

من أسباب إهمال الأذكار

стр. 4555

الجهل بأجر الأذكار ومن الأسباب التي نعالج بها قضية الإهمال في الأذكار: معرفة الأجر؛ لأنك إذا عرفت الأجر يحصل حماس للعمل. فمثلاً: إذا قلت بعد الوضوء الذكر الذي ذكرناه تفتح أبواب الجنة الثمانية من أيها شاء دخل، وإذا خرجت من المنزل وقلت الدعاء المعروف في خروجك من المنزل حفظت من الشيطان، وإذا قلت: آمين، في الصلاة (من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه)، (من وافق قوله: اللهم ربنا لك الحمد، قول الملائكة بعد الرفع من الركوع غفر له ما تقدم من ذنبه)، من قال: (ربنا ولك الحمد حمداً كثيرً طيباً مباركاً فيه، قال ﷺ : رأيت بضعاً وثلاثين ملكاً يبتدرونها أيهم يكتبها أولاً)، (وإذا سبح ثلاثاً وثلاثين بعد الصلاة وحمد وكبر وأكمل المائة لا إله إلا الله، غفرت له خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر)، (من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت)، (من صلى صلاة الصبح في مسجدي جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين تسبيحة الضحى كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة) حديث صحيح من روايات مجتمعة. والمرأة إذا صلت في بيتها لأن السنة لها أن تصلي في البيت، وقعدت في مصلاها تذكر الله إلى طلوع الشمس يرجى لها نفس الأجر. سيد الاستغفار إذا قيل في الصباح ومات الإنسان وقد قاله موقناً به أو في المساء دخل الجنة. (من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي). بل ورد في الحديث الصحيح: (أن الله يبعث له مسلحة تحرسه في النهار -يعني: ملائكة- ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل عملاً أكثر من ذلك). (من قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر) قال ﵊: (أيعجز أحدكم أن يكسب كل يوم ألف حسنة؟ فسأله سائل: كيف يكسب أحدنا ألف حسنة؟ قال: يسبح الله مائة تسبيحة فيكتب له ألف حسنة ويحط عنه ألف خطيئة).
следующие страницы →