Полный текст (7 040 стр.). Показаны 4551–4590 · переход к 4556.
стр. 4551
أذكار المطر والريح والفزع
عند المطر: (مطرنا بفضل الله ورحمته)، وكان ﵊ إذا رأى المطر يقول: (رحمة رحمة) ويقول: (اللهم صيباً نافعاً) وإذا رئي القمر قال لـ عائشة: (استعيذي بالله من شر هذا الغاسق إذا وقب).
وإذا جاء لمريض: (طهور، لا بأس إن شاء الله) بالإضافة للأدعية الأخرى.
وإذا بدأ صلاح الثمرة -الثمر بدأ الآن ينضج ويستوي- (اللهم بارك لنا في مدينتنا وفي ثمارنا، وفي مدنا وفي صاعنا، بركة مع بركة)، وإذا جيء به إلى شخص يعطيه إلى أصغر الصبيان عنده ليأكله كما هي السنة.
وإذا عصفت الريح: (اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به)، وإذا اشتدت قال: (اللهم لقحاً لا عقيماً) يعني: مفيدة لا ضارة.
وإذا فزع من النوم: (أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون، فلو قالها: لا يضره شيء)، وكان إذا تضور من الليل قال: (لا إله إلا الله الواحد القهار، رب السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفار).
стр. 4552
أذكار الغضب والمصائب
وعند الغضب ماذا يقول؟ (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، وإذا جاءه الشيطان في الصلاة: (يستعيذ ويتفل عن يساره ثلاثاً)، وإذا نزل منزلاً في رحلة في بر في سفر: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق)، وإذا ذكر رسول الله ماذا يقول؟ ﷺ ، وفي كل مجلس يقول: ﷺ ، وقبل الدعاء يصلي على الرسول ﷺ ، يوم الجمعة في التشهد الأول أحياناً ثبت أنه يصلي على الرسول ﷺ ، وفي الأخير وجوباً يصلي على الرسول ﷺ .
وعند المصيبة: (اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها، إنا لله وإنا إليه راجعون)، في التعزية: (إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب).
стр. 4553
أذكار أخرى متفرقة
وعند وضع الميت في القبر: (بسم الله وعلى ملة رسول الله)، وعند التعجب من أمر: سبحان الله، وعند السرور من أمر: الله أكبر، لما أخبرهم قال: (أنتم ربع أهل الجنة فكبروا، أنتم نصف أهل الجنة فكبرنا)، عند السرور بشيء، وعند البشارة بشيء: الله أكبر، عند اللقاء: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وردها، وأيضاً: مرحباً، كان يقولها ﷺ ، وإذا تعثرت الدابة يقول: بسم الله، والمسافر يقول: (استودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك)، ماذا يرد؟ (أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه) فإن قال المودع: (أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه) ورد في السنة أيضاً.
وعند لبس الثوب الجديد: (البس جديداً وعش حميداً ومت شهيداً)، ويقال: ابلي واخلقي، وماذا يقول اللابس؟ (اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه، أسألك من خيره وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له)، وإذا رأى رؤيا طيبة يحمد الله، وإذا رأى حلماً سيئاً يستعيذ بالله من الشيطان ومن شر ما رأى ثلاث مرات، ويتفل عن يساره ثلاثاً.
وإذا سبك أحد عند الصيام تقول: (إني صائم إني صائم).
أذكار الحج في طوافه وسعيه وتلبيته ورميه ووقوفه كثيرة جداً، وإذا خاف قوماً: (حسبنا الله ونعم الوكيل، اللهم إني أجعلك في نحورهم، وأعوذ بك من شرورهم)، وإذا قدم إنسان بصدقة ماذا نقول له؟ (اللهم صل على آل أبي فلان) لو كان اسمه عبد الرحمن نقول: اللهم صل على آل عبد الرحمن كما ورد في السنة.
إذا خاف إنسان أن يصيب نفسه بالعين أو أولاده أو صديقه أو مالاً من الأموال ماذا يقول؟ (إذا رأى أحدكم من نفسه أو ماله أو من أخيه ما يعجبه فليدع له بالبركة فإن العين حق)، (استعيذوا بالله من العين فإن العين حق) حديثان صحيحان.
إذا عطس يقول: الحمد لله رب العالمين، فيقول له صاحبه: يرحمك الله، فيقول هو: يغفر الله لنا ولكم، هذه إحدى الصيغ.
الصيغة الأخرى: الحمد لله على كل حال، يقول له من حوله: يرحمك الله، يقول هو: يهديكم الله ويصلح بالكم.
صيغة ثالثة: يقول: الحمد لله، يقول له صاحبه: يرحمك الله، يقول هو: يهديكم الله ويصلح بالكم، وهي المشهورة، وكل الثلاثة صحيحة ومن ينكر على من يفعل واحدة منها فإنه جاهل.
إذا عطس الكافر وقال: الحمد لله، ماذا نقول له؟ نقول: يهديكم الله ويصلح بالكم.
كما رد ﵊ على اليهود الذين كانوا يتعاطسون عنده.
في كفارة المجلس: (سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك)، إذا رأيت شيئاً ساراً ماذا تقول؟ إذا جاءك خبر طيب، إذا جاءك الخبر كما تريد: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
إذا رأيت شيئاً مكروهاً وحصل لك ما ليس مرغوباً تقول: الحمد لله على كل حال.
إذا نزل بك كرب أو هم أو غم أو بلاء (ألا أخبركم بشيء إذا نزل بأحد منكم كرب أو بلاء من أمر الدنيا دعا به ففرج عنه دعاء ذي النون: ((لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)) [الأنبياء:٨٧])، (دعوة ذي النون إذ دعا بها وهو في بطن الحوت ((لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)) [الأنبياء:٨٧] لم يدعُ بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب له).
(ألا أعلمك كلمات تقولهن عند الكرب: الله الله ربي لا أشرك به شيئاً)، (كان إذا راعه شيءٌ قال: الله الله ربي لا أشرك به شيئا).
(كان إذا كربه أمر قال: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث).
دعوات المكروب: (اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت).
(من أصابه هم أو غم أو سقم أو شدة فقال: الله ربي لا شريك له، كشف عنه).
كلها أحاديث صحيحة.
إذا صابك دين هم من الدين وأصبح الدائنون يطاردونك ويقضون مضجعك ويقلقون راحتك: (ألا أعلمك كلمات لو كان عليك مثل جبل صبير ديناً أداه الله عنك قل: اللهم اكفني بحلالك عن حرامك وأغنني بفضلك عمن سواك) حديث صحيح.
هذه -أيها الإخوة- طائفة من الأذكار التي تقال عند الأحوال المختلفة، فلماذا يقصر الناس في الأذكار؟ لأنهم لا يعلمون ماذا يقولون، ما هو الواجب؟ قراءتها وحفظها، واستعمالها دائماً لترسخ في الذهن.
стр. 4554
من أسباب إهمال الأذكار
стр. 4555
الجهل بأجر الأذكار
ومن الأسباب التي نعالج بها قضية الإهمال في الأذكار: معرفة الأجر؛ لأنك إذا عرفت الأجر يحصل حماس للعمل.
فمثلاً: إذا قلت بعد الوضوء الذكر الذي ذكرناه تفتح أبواب الجنة الثمانية من أيها شاء دخل، وإذا خرجت من المنزل وقلت الدعاء المعروف في خروجك من المنزل حفظت من الشيطان، وإذا قلت: آمين، في الصلاة (من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه)، (من وافق قوله: اللهم ربنا لك الحمد، قول الملائكة بعد الرفع من الركوع غفر له ما تقدم من ذنبه)، من قال: (ربنا ولك الحمد حمداً كثيرً طيباً مباركاً فيه، قال ﷺ : رأيت بضعاً وثلاثين ملكاً يبتدرونها أيهم يكتبها أولاً)، (وإذا سبح ثلاثاً وثلاثين بعد الصلاة وحمد وكبر وأكمل المائة لا إله إلا الله، غفرت له خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر)، (من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت)، (من صلى صلاة الصبح في مسجدي جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين تسبيحة الضحى كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة) حديث صحيح من روايات مجتمعة.
والمرأة إذا صلت في بيتها لأن السنة لها أن تصلي في البيت، وقعدت في مصلاها تذكر الله إلى طلوع الشمس يرجى لها نفس الأجر.
سيد الاستغفار إذا قيل في الصباح ومات الإنسان وقد قاله موقناً به أو في المساء دخل الجنة.
(من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي).
بل ورد في الحديث الصحيح: (أن الله يبعث له مسلحة تحرسه في النهار -يعني: ملائكة- ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل عملاً أكثر من ذلك).
(من قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر) قال ﵊: (أيعجز أحدكم أن يكسب كل يوم ألف حسنة؟ فسأله سائل: كيف يكسب أحدنا ألف حسنة؟ قال: يسبح الله مائة تسبيحة فيكتب له ألف حسنة ويحط عنه ألف خطيئة).
стр. 4556
الجهل بمعاني الأذكار
من الأسباب أيضاً أيها الإخوة التي تؤدي إلى إهمال الأذكار: عدم معرفة معانيها.
فمثلاً أسألكم: سيد الاستغفار ما نصه؟ (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي) ما معنى أبوء؟ يعني: أعترف بنعمتك علي وأقر بذنبي، وأبوء بذنبي الذي لا يعرف معنى: أبوء سيصبح هذا لغزاً بالنسبة له، فلن تتشوق نفسه وتنجذب إلى قوله، ولذلك ينبغي فهم معاني الأذكار وهناك كتاب اسمه تحفة الذاكرين للشوكاني جيد في معرفة معاني الأذكار وفيه في أحاديث صحيحة وضعيفة لكن خذ شرح الأحاديث الصحيحة من هذا الكتاب.
стр. 4557
البيئة الفاسدة من أسباب إهمال الأذكار
لقيت شخصاً مرة من المبتعثين إلى الخارج فقلت له: برأيك ما السبب في إهمال الناس للأذكار؟ فقال: أنت يا أخي إذا سافرت إلى ذلك المكان، كل الذين حولك لا يذكرون الله أبداً، فكيف سيخطر ببالك ذكر الله؟ قال: نحن في أمريكا نعيش مع ناس كفار من جميع الجوانب معك دائماً في كل مكان لا يمكن أن نتذكر ذكر الله، كل أحاديثهم عن الدنيا.
إذاً: من الأسباب أن بعض الناس يعيشون في بيئات لا تذكر بالله أصلاً أصحاب معاصٍ وفجور وفسق وكفر واستهزاء بالدين، أو على أقل أحوالهم اقتصار الكلام في الدنيا والدنيا: الأسعار والأسواق والسلع والوظائف والترقيات! فكيف سيتذكرون أصلاً ذكر الله؟! ولذلك لا بد للإنسان أن يعيش في جو يذكره بالله.
هذا من العلاجات المهمة.
стр. 4558
التلفظ بالأذكار وإسرارها
بعض الناس يعتقدون أن التلفظ بالأذكار بدعة، فقال لي واحد: أنا كنت أظن منذ أن تعلمت أن النية محلها القلب والتلفظ بها بدعة، أقول: معنى ذلك ينبغي أن ننوي الأذكار نية بالقلب، فلا نتلفظ بشيء، لأن التلفظ بدعة، فهذا أتي من باب عدم التفريق بين النية وبين الأذكار، النية شيء و (سبحان ربي الأعلى) شيء ثان، النية شيء و (الله أكبر) في تكبيرة الإحرام شيء آخر، فإذاً من أسباب الإهمال: اعتقادات خاطئة مغلوطة مثل هذا الاعتقاد.
أحياناً بعض الناس يظن أن الجهر بالأذكار والتلفظ بها يخالف الحضارة والرقي، وأن المدير والطبيب والمهندس لا يليق يعني في صالة الاجتماعات في المستشفى وفي القاعات وهذه الأمكنة الراقية كما يقولون مطعم راق، فندق راق، يعني هذا ليس محلاً يقال فيه: سبحان الله، يعني لا يتلاءم، بهو المستشفى، وفخامة القاعات والناس الذين يأتون للتجارة والأعمال والوظائف، كيف أقول فيها: بسم الله ولا إله إلا الله، فلذلك تجد بعض الكبار في السن يدخل في أكبر قاعة فتجد لسانه من عادته تحصله يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، بعض الناس ينظرون إليه ويقولون: انظروا إلى هذا المتخلف القادم من العصور الحجرية، قادم من آخر الدنيا لكي يقول: لا إله إلا الله، انظر إلى أي درجة تصل الأمور الآن فعلاً أضرب لك مثالاً: ذهب أحدهم ليحضر مؤتمراً دولياً مثلاً يمثل البلد في مؤتمر دولي، وحضر الكفار وأجهزة الإعلام والتصوير والمصورون من كل جانب والقاعات والأنوار والكراسي الفخمة هل تراه سيقول في ذلك الموضع: لا إله إلا الله وحده لا شريك له؟ أحياناً الواحد يحضر مثلاً بحثاً في جامعة، يقدم بحثاً في جامعة ويحضره الدكاترة، وهذا البرفسور فلان والبرفسور فلان، شيء أبهة، فالآن يرى أن (سبحان الله وبحمده وسبحان الله العظيم)، ليست مناسبة ولا تتلاءم مع هذا الديكور الموجود.
وإذا دخل واحد مجمعاً تجارياً ضخماً وسوقاً وطوابق وسلالم كهربائية تطلع وتنزل ونوافير! كيف يقول دعاء دخول السوق: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير)!! يرى أن المسألة لا تتناسب، نعم صحيح هذا موجود، هذه الهزيمة النفسية التي أصبنا بها.
وإذا دخل غرفة مسئول كبير قد لا يجرؤ على أن يتلفظ بأي ذكر من الأذكار، يقول لك: هذا مكان عمل، مكان عمل ماذا يعني مكان عمل؟! يعني لا نذكر الله في مكان العمل؟! أيها الإخوة! من أسباب التفريط في الأذكار: النوم بعد الفجر مباشرة، ثم الذهاب إلى العمل بسرعة، فهذا كيف يقول أذكار الصباح؟! بعد الفجر مباشرة نام ووضع الساعة وقام من النوم فزعاً إلى العمل والشغل! يلبس بسرعة، ويقود السيارة بسرعة، ويدخل بسرعة، ويوقع بسرعة!! من أين له بوقت لأذكار الصباح والمساء؟! هذه مشكلة أخرى.
стр. 4559
مشكلة التسويف في وقت الأذكار
ومن المشاكل أيضاً: التسويف في الأذكار في الوقت المعين، فمثلاً: قد يخطر لشخص بعد الصلاة أن يخرج من المسجد بسرعة ويقول: سأذكرها في الطريق، فينسى في الطريق ولا يقول شيئاً! وإذا خرج من المسجد بسرعة ليلحق شخصاً فإنه يقول: سأذكرها بعد مقابلته، فينساها ولا يذكرها.
بعض الناس مثلاً قبل النوم يريد أن يقرأ كتاباً يقول: بعد القراءة أذكار النوم، فلا يلبث أن ينام ويسقط الكتاب بجانبه، لا هو قرأ ولا ذكر أذكار النوم.
فإذاً، إذا ما ذكرتها في لحظتها قد تفوت عليك إذا فاتت عليك حاول أن تتداركها بسرعة.
стр. 4560
إهمال الأذكار بسبب الأعباء والأشغال
من الأسباب أيضاً: كثرة الأعباء والأشغال، فالمسلم أيها الإخوة ينبغي أن يكون له خلوة بربه، وقت يخلو فيه بالله، فعصرنا هذا عصر المادة الذي طغت فيه المادة على كل شيء حتى ذكر الله، ولم يعد الفرد يجد وقتاً يذكر الله فيه، يقوم مسرعاً ويلبس مسرعاً ويخرج مسرعاً ويشتري الأغراض ويذهب للوظيفة، ثم يرجع وينام ويأكل، ثم يقوم وعنده موعد وعنده أشغال، وشغل مع فلان، وموعد مع فلان، صار اليوم مملوءاً بالأشغال لدرجة أن الإنسان ما عنده وقت يذكر الله، وهذه لا بد من التخفيف منها، ليس معقولاً أن نصل إلى مرحلة أننا نطارد وراء الأشغال والوظائف والتجارات والأعمال والدراسات ولا يكون عندنا وقت نذكر الله فيه، فهذا خطأ واقع ينبغي تصحيحه.
ولذلك تجد بعض الناس المنشغلين إذا أذن المؤذن لا يحس أنه أذن أصلاً حتى يردد معه! مع الاشتغال والانهماك في العمل لا يسمع، لا ينتبه أنه أذن أصلاً، وكذلك في اللحظات الخطيرة والطارئة الناس عادة يصيبهم الصدمة تشغلهم عن ذكر الله، مع أن المفروض أنهم في الصدمة يذكرون الله.
стр. 4561
إهمال الأذكار بسبب الذنوب
ومن أسباب التقصير في الأذكار الشرعية: كثرة الذنوب، وعدم تذكر الموت، والتوسع في المباحات فالمعاصي أيها الإخوة إذا لم يتحرز منها الإنسان ولو كانت صغائر وتراكمت الصغائر عليه فإنها توقعه في مصائب ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠] كيف يعفو عن كثير؟ ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر:٤٥] لو أن الله يريد أن يحاسب الناس فعلاً على ما يعملون ما ترك على ظهرها من دابة لكنه يعفو .
يقول أحد السلف وهو الضحاك ﵀: ما نعلم أحداً حفظ القرآن ثم نسيه إلا بذنب، ثم تلا: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى:٣٠] ثم يقول الضحاك ﵀: وأي مصيبة أعظم من نسيان القرآن.
ودخل بعضهم على كرز بن وبرة وهو يبكي، فقال له: أتاك نعي بعض أهلك؟ قال: أشد، قال: وجعٌ يؤلمك؟ قال: أشد، قال: وما ذاك؟ قال: بابي مغلق ولم أذكر حزبي البارحة.
ما الذي حز في نفسه وأبكاه؟ فات عليه الحزب، فاتت عليه الأذكار ونام عنها فهو يبكي، ثم قال: لم أقرأ حزبي البارحة وما ذاك إلا بذنب أحدثته.
الله لم يفوت عليه هذه الأذكار إلا بذنب كم من ذنب منع من صلاة جماعة؟! وكم من أكلة منعت من قيام ليلة؟! وكم من نظرة منعت من قراءة سورة؟! وكما أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فالفحشاء تنهى عن الصلاة والخيرات.
وقال ابن القيم ﵀: من آثار المعصية حرمان الطاعات.
فالعبد إذا أذنب ذنباً حرم بسبب هذا الذنب طاعة وثانية وثالثة ورابعة حتى يصبح بعيداً عن الطاعات وعمله في المعاصي، وهذا كرجل أكل أكلة أوجبت له مرضة طويلة منعته من أكلات، مع أن المرضة التي تمنع من أكلات دنيوية بسيطة فإن الشخص يشفى ويأكل فهذه ليست مشكلة، لكن المشكلة عندما يحرم من الطاعات بسبب مرض القلب أو بسبب الذنوب.
стр. 4562
إهمال الأذكار بسبب الأسوة
ومن أسباب التفريط في الأذكار أيضاً: مشاهدة بعض ذوي الأسوة والقدوة على شيء من التفريط.
فلو أن واحداً يقتدي بفلان معين، ففلان هذا بشر، صحيح أنه قد يكون أحسن منه، لكن الشخص هذا عندما يعتقد أن هذا القدوة نمط فريد من الناس فإذا رأى منه تفريطاً في شيء يقول: هذا الشيء الذي فرط فيه ليس مهماً، لو كان مهماً لما فرط فيه هذا القدوة، فيحاكيه في التفريط، وتنقص هذه الطاعة في نفسه لأنه يرى القدوة لم يفعلها، ونحن أيها الإخوة نعتقد أن البشر كلهم خطاءون، ونحن لا نقلد بشراً في تقصير أو معصية، فلو شاهدت أكبر شيخ انشغل عن الأذان وما ردد مع المؤذن تعتقد أن الترديد مع المؤذن ليس شيئاً مهماً؟! فلو أنك رأيت أكبر شيخ أذن المؤذن أمامه وانشغل عن الترديد أو نسي، هل تعتقد وتظن بأن الترديد شيء غير مهم؟ لا طبعاً.
ومن الأمور المهمة: أن نربي أطفالنا على هذه الأذكار، فنحفظهم إياها ونعلمهم إياها منذ نعومة أظفارهم، وما أحسن الأب وهو يهتم بولده فيعلمه أذكار الصباح والمساء وعند النوم والأكل والشرب والعطاس والسلام ودخول الخلاء والخروج منه أذكار بسيطة تناسب الولد الصغير حتى ينشأ ويدرج على هذه الأذكار، هذه ترى مسألة مهمة، فتصبح الأذكار سهلة عليه في المستقبل، بدلاً من أن يأتي وهو بالأربعين سنة يريد أن يحفظ الآن الأذكار، فيجد في ذلك صعوبة.
стр. 4563
فوائد مراجعة الأذكار
وكذلك من المسائل المهمة: مراجعة الأذكار بين فترة وأخرى، فلو أنك حفظت أذكاراً فبعد شهر أو شهرين أو ستة أشهر راجع الأذكار، فإن في مراجعتها فوائد: منها: تذكر ما نسيته، أحياناً تكون نسيت ذكراً كاملاً فتقول: قد غاب هذا الذكر، ولم أذكره منذ فترة، أو أنك نسيت شيئاً من الذكر كلمة أو كلمات فتستعيدها.
وكذلك: قد تصحح كلمة خاطئة بالمراجعة، أحياناً يكون الواحد يلفظ الذكر بطريقة خطأ، فعندما يراجع يقول: أنا دائماً أقولها كذا والصحيح خلاف هذا، فتصحح الأخطاء التي عندك.
стр. 4564
تنويع صيغ الأذكار
ومن الأمور التي تمنع انقلاب الأذكار وهي عبادة إلى عادات وتصبح أموراً روتينية كما يقولون، من هذه الأسباب التي تمنع هذا: الإتيان بالصيغ المختلفة للأذكار والتنويع فيها، ولذلك للصلاة على الرسول ﷺ في التشهد الأخير صيغ مختلفة، أدعية الاستفتاح فيها صيغ مختلفة، أدعية الفراغ من الطعام فيها صيغ مختلفة، فإذا أتيت بهذا مرة وبذاك أخرى، تقضي على الرتابة؛ وتحدث تغييراً، إلا إذا كانت الأذكار من السنة أن تجمعها كلها في موضع معين فتجمعها، وإلا فإنك تذكر هذا مرة وهذا مرة وهذا مرة.
ومرافقة الصالحين والمعيشة معهم من أهم الأشياء والأسباب التي تؤدي إلى استرجاع الأذكار والمداومة عليها والانتباه لها، ماذا قال موسى في دعائه؟ ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً * وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً﴾ [طه:٢٩ - ٣٤] فقد طلب العون من الله بأخ صالح يشرك معه في النبوة لماذا؟ ليستعين به على ذكر الله.
стр. 4565
بعض الآداب والأحكام المتعلقة بالأذكار
وختاماً: فإننا نذكر هنا -أيها الإخوة- طائفة من الآداب والأحكام المتعلقة بالأذكار على وجه من السرعة إذا عرفت ذكراً معيناً اعمل به ولو مرة واحدة، وواظب عليه ما استطعت.
كذلك: اعلم بأنه كما يستحب الذكر فإنه يستحب مجالسة أهل الذكر.
كذلك: اعلم أن الذكر يكون بالقلب ويكون باللسان، وهو مراتب أعلى مرتبة إذا وافق القلب اللسان.
(رجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه) ماذا يحتمل؟ أنه رجل في خلوة ذكر عظمة الله في قلبه وما قال شيئاً، ذكر عظمة الله في قلبه ففاضت عيناه، ويحتمل أنه ذكره بلسانه، فذكر الله يحتمل الأمرين: ذكر في القلب مثل: تذكر عظمة الله، عذاب الله، الخوف من الله، صفات الله، معاني أسماء الله.
وذكر باللسان، لكن من الخطأ أن يذكر باللسان دون القلب، مثلما نفعل نحن في الصلوات، نقول الأذكار في الصلوات وقلوبنا في وادٍ واللسان في وادٍ آخر.
كذلك من الأشياء المهمة: أن نعلم أن الذكر ليس منحصراً في التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير، بل كل واحد يعمل بطاعة يعتبر ذاكراً لله ، فليحضر حلقة علم ويسمع، فماذا يعتبر؟ ذاكر لله، جلس في مجلس يذكر الله، وعندما يصلي أيضاً، والدليل على ذلك أن الرسول ﷺ قال: (إذا أيقظ الرجل أهله من الليل فصليا ركعتين جميعاً كتبا في الذاكرين الله كثيراً والذاكرات)، ولذلك قال بعض أهل العلم: إذا واظب على الأذكار المأثورة صباحاً ومساءً في الأوقات والأحوال المختلفة ليلاً ونهاراً كان من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات.
وهنا مسألة: نحن نعرف أن أفضل الذكر هي تلاوة الذكر فهل الذكر هو سماع الصوت؟ فبعض الناس عندما تراه في الصلاة يكبر ويطبق شفتيه من أول تكبيرة في الإحرام إلى الركوع، مطبقاً شفتيه، فهل يعتبر هذا قرأ الفاتحة بدون حركة لسان وشفتين؟ هل يعتبر قرأ الفاتحة؟ لا، هل يعتبر قرأ أذكار الركوع والسجود؟ لا، لذلك انتبهوا فهذا خطأ شائع جداً، وهو قضية أن بعض الناس يذكرون ويقرءون الفاتحة بدون حركة لسان ولا حركة الشفتين، ولذلك بعض العلماء قال: لا يعتبر الذكر ذكراً ولا ينال أجره إلا إذا أسمع نفسه، فقد قال النووي بهذا القول، وبعض العلماء قالوا: لا، المهم أنه يحرك لسانه وشفتيه، وإلا (إذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي) لكن نقول: على الأقل لا يعتبر ذكراً ولا تؤجر عليه إلا إذا حركت لسانك وشفتيك، وجرى الهواء به، سمعته أو ما سمعته فلا بد أن تحرك.
كذلك: يجوز الذكر بالقلب وباللسان للمحدث والجنب والحائض والنفساء، ولو كان جنباً يذكر الله، (كان يذكر الله على كل أحيانه) ولو كان جنباً لكن لا يقرأ القرآن، الجنب لا يقرأ القرآن، لو أن واحداً أجنب وصارت له مصيبة هل يقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٦] أم لا؟ لو أن واحداً نام وهو جنب، هل يقول: الحمد لله والحمد لله موجودة في القرآن؟
الجواب
نعم، يقولها لا بنية تلاوة القرآن ولكن بنية الإتيان بهذا الذكر الذي علمناه في هذا الموضع.
ولو أن جنباً ركب سيارته هل يقول: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف:١٣]؟ نعم، ليس على أنه من القرآن لكن لأنه ذكر يقال في هذا الموضع.
وكذلك يستحب أن يكون الذاكر مستقبل القبلة متذللاً متخشعاً بسكينة ووقار، وإن ذكر الله على كل أحيانه، فحسن ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٩١] وأن يكون المكان الذي يذكر الله فيه نظيفاً خالياً ما أمكن.
وأن يكون متسوكاً نظيف الفم، وأن يتدبر ما يقول، ولو أن واحداً لا يعرف معنى ذكر معين حفظه لكن دون أن يعرف المعنى هل يقوله؟ هل يؤجر عليه؟ نعم.
لكن ليس مثل أجر الذي يعرف المعنى ويتدبر المعنى.
وكذلك: ينبغي إذا فات على الإنسان ذكر معين أن يتداركه، فلو فاته: سبحان الله ثلاثاً وثلاثين والحمد لله ثلاثاً وثلاثين بعد الصلاة، وخرج من المسجد ووصل إلى البيت فهل يقوله؟ نعم، يتدارك ما فات من الذكر.
ولا بأس أن يقطع الذاكر الذكر لحاجة شرعية مثل: أن يسلم عليه إنسان وهو يسبح بعد الصلاة، فيرد السلام؟ وإذا عطس عاطس عنده يشمته، وإذا أذن المؤذن، يترك الذكر ويؤذن مع المؤذن بطبيعة الحال، أو رأى منكراً وهو يذكر الله فليغيره ويقول: يا فلان لا تفعل.
ولو سأله أحد عن مكان معين فيرشده إليه وهكذا.
وإذا غلبه النعاس يقطع الذكر وينام حتى لا يسب نفسه كما أخبر ﵊.
стр. 4566
إسرار الذكر من علامات الإخلاص
والإسرار بالذكر أيها الإخوة من علامات الإخلاص: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف:٢٠٥] إلا ما دل الدليل على الجهر به ورفع الصوت، فالأفضل أنك تسره، فلا تسمع الناس إلا في حالات مثل: التلبية، وتعليم الناس، والأذان، والإقامة، يجهر طبعاً، والتكبير في العيدين في الشوارع وهم ذاهبون إلى المسجد يكبرون، وبعد الصلوات يجهر بالذكر، وإن كان في المسألة خلاف بين أهل العلم، لكن دلت الأدلة كما في صحيح البخاري: عن ابن عباس: (كنت أعرف قراءة صلاة النبي ﷺ بالتكبير، وكان رفع صوتي بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي ﷺ لكن انتبهوا لا يحدث ذكراً جماعياً؛ لأنه في بعض البلاد إذا التفت الإمام بعد الصلاة يبدأ الجميع بالأذكار بصوت واحد فهذا بدعة من البدع.
وأيضاً الأذكار التي تقال للناس الآخرين مثل: تهنئة بالزواج، فهذه يجهر فيها، وغير ما ورد فيه الجهر والإسماع للآخرين فإن الإنسان يسر به أفضل (ومن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي).
واعلموا أيها الإخوة أن الثواب في الأذكار ليس دائماً فيها على قدر المشقة، فهناك أذكار قصيرة لو قورنت بغيرها أطول منها كانت أكبر، والدليل: عن جويرية: (أن النبي ﷺ خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها، ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة فقال: ما زلت على الحال التي فارقتك عليها؟ قالت: نعم، قال النبي ﷺ : لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلتِ منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله عدد خلقه، ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته) إذاً ليس الثواب دائماً على قدر المشقة، فبعض الأذكار أكثر أجراً من أذكار أخرى مكانها ولو كانت أطول منها.
стр. 4567
تحذير من الأذكار المبتدعة
وختاماً: احذروا -أيها الإخوة- من الأذكار المبتدعة سواء في النص، فبعض الأذكار وردت في أحاديث ضعيفة أو موضوعة، أو مثلاً درج عليها الناس، إذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قالوا: "استعنا بالله" قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة "أقامها الله وأدامها" بعد الصلاة: "حرماً" وذاك يقول: "جمعاً" وبعد الوضوء: "زمزم" وذاك يقول: "الله يزمزمك" فهذه أشياء لم ترد في السنة، فهذه أذكار مبتدعة فلا يصح أن نأتي بها ولا أن نواظب عليها، لا نخترعها بالنص ولا بالهيئة والكيفية، واحفظوا هذه القاعدة المهمة جداً جداً: كل ذكر مقيد بزمان أو مكان أو كيفية أو عدد لم يرد به الشرع فهو بدعة.
فإذا جاء شخص وقال: (سبحان الله) هذه من الدين أم لا؟ قلنا: من الدين، قال: سأقولها ثلاثاً وسبعين مرة الساعة اثنين ونصف بعد الظهر واضعاً إحدى رجلي على الأخرى، نقول: بدعة، لماذا بدعة؟ كل ذكر قيد بعدد، أو زمن أو كيفية أو هيئة لم ترد في الكتاب والسنة فهو بدعة.
هذا ونسأل الله أن يوفقنا وإياكم لذكره، واللهج به، سبحانه .
وصلى الله على نبينا محمد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 4568
تأملات في الزلزال الأليم [٢]
الزلازل والمحن والابتلاءات إنما تحدث بقضاء الله وقدره، ولا يحق لنا أن نعترض على قضاء الله وقدره، بل يجب علينا التسليم لله في كل ما يفعل وما يريد دون اعتراض، كما يجب الثبات على الدين مهما أصابت المسلم مصائب في الدنيا، وإن مما يخفف أثر المصائب على المسلم اللجوء إلى الله، وذكره، وكذلك مواساة المسلمين له.
стр. 4569
لا يجوز الاعتراض على مقادير الله
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم.
وبعد: إخواني: إن الله يرسل علينا الآيات لنتعظ ونتدبر، ويُحدث لنا من الأحداث ما يجب علينا به أن نتعقل ونتفكر، ونحن أمة لا يصح لها أن تنسى تاريخها، ولا الأحداث التي ألمت بها، وإن كثيراً من الناس عن لقاء ربهم لغافلون، وأكثرهم عن الاعتبار بما يحدث من حولهم لاهون معرضون، وقد تكلمنا في الخطبة الماضية عما ألم ببعض المسلمين من الكوارث التي أنزلها الله لحكمة.
ونتكلم أيضاً لكي لا نكون غافلين عن بعض ما يتعلق بهذا الأمر من العبر والعظات؛ لأنه لا يصح لنا أن ننسى ما حدث في الأمس القريب، ولابد أن نظل على اعتبارٍ واتصالٍ بما يشاء الله أن يكون في ملكه؛ لكي تبقى القلوب حية والأفئدة بذكر الله عامرة والنفوس بالعبر قائمة، قد يقول بعض المسلمين: لماذا يُنزل الله كارثة بالمسلمين؟ لماذا تحل بهم الحروب وتنزل بهم المصائب وتُرسل عليهم الزلازل وهم مسلمون؟
الجواب
أيها الإخوة! إن هذا الكون ملكٌ لله يتصرف فيه كيف يشاء، لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] إذا شاء الله أمراً كان، وما لم يشأ لم يكن، وكثيرٌ من الناس عن قضية مشيئة الله غافلون، ما يشاء الله لابد أن يحدث، وكل أمرٍ يحدث لحكمٍ يعلمها ، وأمر المشيئة أمرٌ عظيم، والمشيئة واردةٌ في كتاب الله وسنة النبي ﷺ ؛ في نصوص كثيرة تدل على مشيئته النافذة .
يختص برحمته من يشاء، ويغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء، ويجتبي من رسله من يشاء، يخلق ما يشاء، ينفق كيف يشاء، ويتوب الله على من يشاء، ويُسمع من يشاء، ويُدخل في رحمته من يشاء، ويهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ [الأعراف:١٢٨] يمحو الله ما يشاء ويثبت، وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة، وربك يخلق ما يشاء ويختار، كذلك الله يفعل ما يشاء: ﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦] ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ [الرعد:١٣] كما قال الله .
هذه النصوص تدل على مشيئة الله النافذة وأنه يفعل ما يشاء، هذا ملكه، وهؤلاء عبيده، مهما فعل بهم فإنه لا يسأل عن ذلك سبحانه، ولا يعترض على قضائه، ولا يقال: يا رب! لم أنزلت كذا؟ ولماذا فعلت بنا كذا؟ وماذا فعلنا لأجل أن تفعل بنا كذا؟ ما جاءنا وما حل بنا فبما كسبت أيدينا وبمشيئته سبحانه، لا اعتراض على فعله، مهما كان ومهما حصل، ومهما حدث، فإن هؤلاء الناس والعبيد ملك لله، ومهما نزل من الحروب، ومهما حل فإن الله هو الذي قدره، وهو الذي شاءه، قال الله : ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة:٢٥٣] بعض الناس يقولون: إن بعض الحروب التي حلت قد أخرت المسلمين إلى الوراء كثيراً، وتسببت في تسلط الكفار بمزيد، فنقول: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة:٢٥٣].
стр. 4570
التسليم لأوامر الله والثبات على دينه أمام المحن
لابد أن يسلم المسلم تسليماً تاماً لمشيئة ربه، ولا يعترض على ما حل من المصائب مطلقاً، هذه مشيئته سبحانه.
وثانياً: إذا قال بعض الناس: نحن مسلمون، فلماذا تنزل بنا الكوارث؟ هل يظنون أن الإسلام ينبغي أن يمنع عنهم كل كارثة وكل مصيبة؟ إذاً اسمع معي -أيها المسلم- هذا الجواب، قال الله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج:١١] قال ابن عباس ﵁ كما جاء في البخاري وغيره: [كان الرجل يقدم المدينة -كان الأعراب يأتون من النواحي يسلمون في المدينة - فإن ولدت امرأته غلاماً وأنتجت خيله قال: هذا دينٌ صالح، وإن لم تلد امرأته غلاماً أو ولدت جارية -وكانوا يكرهون البنات- ولم تنتج خيله قال: هذا دين سوء] وفي رواية أخرى بسندٍ صحيح عن ابن عباس قال: [كان ناسٌ من الأعراب يأتون النبي ﷺ يسلمون، فإذا رجعوا إلى بلادهم فإن وجدوا عام غيثٍ وعام خصبٍ وعام ولادٍ حسن قالوا: إن ديننا هذا صالح، فتمسكوا به، وإن وجدوا عام جدبٍ وعام ولاد سوء، وعام قحطٍ قالوا: ما في ديننا هذا من خير] فأنزل الله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ [الحج:١١] الآية.
أي: كارثة أو حلت به مصيبة أو مرض، أو جدب انقلب على وجهه وارتد: ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج:١١].
ونحن المسلمون نبقى مسلمين سواءً حلت بنا النعم أو النقم، سواءً جاءنا الرخاء أو القحط، وسواءً حل بنا الأمن أو الحرب والفزع، فإن إسلامنا يبقى على حاله، لا نرتد ولا نغير، هذا ما ينبغي أن نكون عليه، فإن الإسلام لا يُعتبر دين سوء أو دين حسن بناءً على الأحداث التي تمر بالشخص، بل هو الذي رضيه الله وشرعه، فما يحدث من الأحداث والكوارث لحكمٍ يعلمها ، والله يبتلي بالسراء ويبتلي بالضراء، ويبتلي بالرخاء ويبتلي بالشدة، ويبتلي بالغنى ويبتلي بالفقر، والله يبتلي بالأولاد ويبتلي بالعقم ، فلا يقولن إنسان: لو أن الإسلام دين حق لما حل بنا الذي حل، وإنما يقول لنفسه: ما أصابك من حسنة فمن الله وهو الذي قدرها، وما أصابنا من سيئة فبما كسبت أيدينا، بسبب ذنوبنا ومعاصينا، والله يذكرنا فيكون من حكمته سبحانه ومن رحمته أن بعض الناس يتذكر بعد الغفلة، ويعود بعد السوء والذنوب إلى الله ، فيكون الحدث مذكراً، يكون الحدث معيناً، يكون الحدث نافعاً؛ لأن الله لما مسنا بشيءٍ من العذاب تفكرنا في أنفسنا فعلمنا أن التقصير منا، فهنا يجب أن نرجع ونتذكر.
أما الذين يقولون: نتمسك بالدين، وندخل مشوار الالتزام بالإسلام والاستقامة على دين الله فننظر، فلو عافانا الله في الأبدان وأعطانا الأموال فهذه الاستقامة نستمر عليها، وإن استقمنا على الدين وتركنا المنكرات فحلت بنا الكوارث أو جاءتنا الأحداث المفزعة تركنا الاستقامة، هذا مبدأ خاطئ وخطير جداً، فإنه لا ارتباط بين الاستقامة وأقدار الله من المصائب التي تحدث، لكن المسلم إذا ابتلاه الله يصبر ويعلم أن الأمر لله، وأن كل شيءٍ بيد الله، وأن الاستقامة تنتج الصبر على الأقدار والمصائب، وأن الذين لا استقامة لديهم يصابون بالجزع، يصابون بسوء الظن بالله، يرتدون على أعقابهم، ينكصون، يرتدون على أدبارهم.
ولذلك -أيها الإخوة- ينبغي أن نستقيم على الشريعة مهما حل بنا، ومهما حدث، ولا نقول: إن الإسلام دين غنائم، إذا جاءتنا الغنائم استقر بنا الحال على الإسلام، وإذا حلت بنا المصائب تركنا الإسلام والاستقامة على الدين، وكثير من الناس يربط بين هذا وهذا، فتزل قدم ويرتد على أدباره بعد أن هداه الله.
стр. 4571
أثر ذكر الله في تخفيف المصائب
ينبغي كذلك من هذه الأحداث والعبر أن نعلم -أيها الإخوة- أن الكوارث إذا وقعت بالناس يخففها ذكر الله ، التصبير على الابتلاء أن يقول الناس بعضهم لبعض: إن لله وإنا إليه راجعون، يخفف الكارثة أن يقول الإنسان إذا حلت به الكارثة: اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها، حسبنا الله ونعم الوكيل.
ولذلك عندما حل بالمسلمين في مصر ما حل من الزلزال قام أهل الخير والدين يعزون الناس بالأذكار النبوية والأدعية المشروعة، يخفف على الناس أن تقول لهم: جبر الله مصيبتك وأحسن الله عزاءك، وأخلف لك خيراً منها، وعوضك الله في الدنيا والآخرة، وغير ذلك من العبارات، أما أن تقوم مذيعة فاجرة تلف على أسرة المجروحين المنكوبين في المستشفيات لتقول لهم: ماذا تودون من سماع وأي أغنية تريدون؟ فهذا -والعياذ بالله- من الغفلة العظيمة، هذا -والعياذ بالله- من أنواع الردة، الله يُذكر وبعض الفجرة يأبى إلا الغفلة، وإلا أن يتسبب في إيصال الإثم والسيئات لغيره، إن المصيبة التي نزلت بإخواننا المسلمين في مصر مصيبة عظيمة.
يا أيها الناس ينبغي أن نكون معهم بقلوبنا، إننا نشكو الآن من غلاء الإيجارات وارتفاعها، وعدم وجود البيوت المناسبة، وبعض المسلمين الآن لا يجدون نتيجة الزلزال بيتاً أصلاً لا بإيجارٍ مرتفع ولا منخفض، تأمل عندما يكون بيتك ومتاعك وأثاثك وربما أولادك تحت الأنقاض، تخرج لا تملك شيئاً أبداً إلا الملابس المهترئة التي عليك، كيف يكون حالك؟ فينبغي أن نقف مع الملهوف نغيثه، ومع المصاب نساعده، أما ما يحدث من بعض الناس من الشماتة بإخوانهم المسلمين، فهذا حرامٌ عليهم، لا يجوز لهم ذلك، كما قال بعض السلف: من أظهر الشماتة بأخيه يعافيه الله ويبتليه.
فقد يعافي الله أخاه ويبتليه هو، التخفيف من المصيبة يكون بالتذكير بالله والدعاء للمصابين وتقديم المعونة.
إن المصيبة كما قلنا -أيها الإخوة- كبيرة، كل ما يحل بأوطان المسلمين الآن، المصائب كبيرة في كشمير في البوسنة في الصومال وفي المقدمة ما يحل بالمسلمين في فلسطين من أنواع الاضطهاد الذي يدبره اليهود، الذين يزعمون السلام، وهم يريدون ضرب المسلمين بعضهم ببعض في سبيل مخططاتهم.
نسأل الله أن يحبط كيدهم، وأن يردهم على أعقابهم، وأن يجعل دائرة السوء عليهم.
إن المصاب يخفف بالأذكار الشرعية والأدعية النبوية، المصاب يخفف بتقديم المساعدات، ليس بالأغاني ولا بالمسلسلات، الكارثة التي ألمت بإخواننا كبيرة تحتاج إلى إمامٍ عادل، وليس إلى عادل إمام، الوقت ليس وقت مسرحيات ومسلسلات، لكن الوقت وقت اتعاظ وتدبر وتفكر وتقديم المساعدة والمعونة، وليس وقت شماتة، ولا غفلة، ولا إعراض، وإلا فإن الله قال: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٣] وربما يصيبنا ما أصاب غيرنا، إذا لم نتعظ ونتفكر ونعود إلى الله.
اللهم إنا نسألك أن تردنا إلى الإسلام رداً جميلا، اللهم إنا نسألك أن تعافينا في أبداننا، اللهم عافنا في ديننا، وعافنا في أسماعنا وأبصارنا، اللهم اجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 4572
انتشال رجل حيِّ من بين الأنقاض بعد مرور أربعة أيام
الحمد لله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير، هو الأول والآخر والظاهر والباطن، وهو بكل شيءٍ عليم، سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، وصلى الله على محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا.
كان من العبر التي حدثت في ذلك الزلزال -أيها الإخوة- مما رأيتم وقرأتم ذلك الرجل الذي خرج من تحت الأنقاض والحطام بعد مرور أربعة أيام، تأمل في قدر الله سبحانه كيف يحيي ويميت، يحيي من يشاء ويميت من يشاء، وينقذ من يشاء ويهلك من يشاء، تلك العمارة المرتفعة التي سقطت على من فيها من الأحياء وهم بداخلها وتحتها، تأمل كيف نجى الله منها رجلاً حتى لا يقولن أحد: إنهم كلهم يموتون ولا ريب، ولا يقطع أحد بحياة حيٍ، ولا بموت ميت؛ لأن الأقدار مكتوبة والأعمار عند الله معلومة، لا يتخطى شيءٌ شيئا: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤] بعد مرور أكثر من ثمانين ساعة على انهيار العمارة في الزلزال عُثر على أحد سكانها حياً تحت الأنقاض، وانتشل وسط ذهول أفراد قوات الإنقاذ والدفاع المدني وجموع الناس المتحلقين حول الأنقاض، الذين أخذوا يصيحون: الله أكبر الله أكبر، والناس لو ترك بينهم وبين الدين يرجعون إلى الفطرة، فيوحدون الله لما يرونه أمامهم من الآيات، فوجئ رجال الإنقاذ بصراخٍ شابٍ ينبعث من تحت الأنقاض، يستغيث بالإنقاذ، يطلب الإنقاذ، وأعطي زجاجة ماء، وبعض الإسعافات، ثم أخذ يذكر أن والدي لم يكن موجوداً معي في العمارة وقت الحادث، فهل هو حيٌ أم ميت؟ فلما خرج قال: كان يوجد شخصٌ بجواري يفصلنا دولاب خشب، وكنا نتعامل بالطرق على الدولاب لكنه مات قبل ساعات، عند وقوع الزلزال كنت في الشقة مع والدتي وزوجتي وبنتي، ولما اهتزت العمارة في الهلع والذعر فتحنا باب الشقة وخرجنا على أمل أن نهبط على السلم، إلا أن العمارة قد انهارت في لحظات وتشابكت أيدينا ووجدنا أنفسنا في مكانٍ ضيق ومظلم، تحسسناه فإذا بنا وسط ركامٍ وأخشابٍ وطوب ورمال، وشعرت أن قدمي محشورة وسط هذا الحطام، وتحدثنا مع بعضنا البعض، ما الذي جرى؟ وهل سنخرج من هذا المكان، أم أن هذه هي النهاية المحتومة؟ تساؤلات وخواطر كثيرة كانت تمر، وبعد أن استوعبت ما حصل وبعد ساعاتٍ قليلة كنت أسمع أنين الضحايا بقربي في أماكن مختلفة، وكان هذا الأنين يتوقف تدريجياً لأنهم فارقوا الحياة، وشاهدت بعيني والدتي وهي تحتضر وتفارق الحياة، وكذلك ابنتي الصغيرة، ثم زوجتي وكانت هذه أصعب لحظات تمر عليَّ في مثل هذه الظروف، واضطررت أن أشرب من بولي بعد ما شعرت بالعطش الشديد، وكان قلبي يتمزق لرؤية من مات من الأقرباء، ولكن ماذا يمكنني أن أفعل؟ أُخرج الرجل من تحت الأنقاض بعد مرور ساعات طويلة قرابة أربعة أيام، لم يكن يتوقع أحد وجود حي تحت هذا الركام، لكن لنعلم أن الله على كل شيءٍ قدير، أربعة أيام يجلس تحت الأنقاض ليس عنده إلا بوله يشربه فقط.
فإذا أراد الله أن ينجي أحداً نجاه، وإذا أراد الله أن يهلك من يشاء أهلكه، إن في ذلك لآيات، يا أيها الناس! إن في ذلك لآيات، هذه فيها عبر، لكن أين المعتبرون؟ ولو جلسنا نتتبع الأخبار وأصحاب المآسي، وعندهم أحداثٌ أخرى وقصص لم نسمعها، لكن يبقى الدرس الكبير أن الله يفعل ما يشاء، ويبقى الدرس الكبير أنه يجب علينا أن نعود إلى الله، ونتمعن فيما أصابنا، ويبقى الدرس في أن نقف بجانب إخواننا، أن تشمت بكنيسة انهارت نعم، أو بنصراني أجل، أو فاجرةٍ أو فنانةٍ قد انهد بيتها، لكن بإخوانك المسلمين هذا لا يجوز قطعاً.
ثم يسأل بعض الناس يقولون: ما حكم إعطاء الزكاة لمن أصابهم هذا الزلزال؟ ف
الجواب
أن ذلك جائزٌ إذا كانوا لا يملكون شيئاً، صاروا فقراء معدمين بعد أن ذهبت ممتلكاتهم كلها، وكانوا مسلمين، ووجدت الطريقة الآمنة الصحيحة الموثوقة لإرسالها إليهم، فإذاً أَرسل زكاتك إليهم -يا عبد الله- فإنهم من المستحقين، ونحن ندعو الله لمن مات في ذلك المصاب من المسلمين أن يتغمده برحمته.
اللهم ارحمهم واغفر لهم، اللهم اجعلهم في قبورهم من الآمنين، واجعل ما أصابهم من المحنة تكفيراً عن ذنوبهم يا رب العالمين، واجبر مصاب أقربائهم وإخوانهم يا أرحم الراحمين، اللهم عوض من أوذي من المسلمين خيراً، اللهم إنا نسألك أن تجعلنا في بيوتنا آمنين.
стр. 4573
جوانب التكامل في شخصيات السلف
إن الله نظر إلى قلوب الأمة، فوجد الصحابة أطهرها قلوباً فاختارهم لصحبة نبيه ﷺ ، فضرب الصحابة أروع الأمثلة في تبجيل النبي ﷺ وتوقيره، فلذلك كملت شخصياتهم، وكلٌّ شجعه النبي ﷺ حسب ميله وحبه، ونمى موهبته؛ فصار مجتمعاً متكاملاً في جميع جوانب الدين والحياة.
стр. 4574
لا يصلح هذه الأمة إلا بما صلح به أولها
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فأرحب بكم -أيها الإخوة- في هذه الليلة في هذا اللقاء الذي نسأل الله أن يكون لقاء خير وبر، وأن يجعلنا وإياكم فيه من المتعظين، وأن يرزقنا الاقتداء بسيرة السلف الصالحين رضوان الله عليهم أجمعين.
أيها الإخوة: إن هذا الدين يحمله من كل خلف عدوله، يحمل هذا الدين رجالٌ صدقوا بالله وآمنوا، وصدقوا المرسلين، هذا الدين لا يمكن أن يتحرك في الواقع ولا يمكن أن يؤثر إلا إذا كان هناك أناس آمنوا به فجعلوه عقيدة تحركهم، وجعلوه حياتهم وهمهم، فصار يحركهم للعمل لأجل رفعة شأنه ونصرة أمره هذا الدين العظيم دين الإسلام، وخيرية هذه الأمة على بقية الأمم من أسبابها ما وجد في هذه الأمة من الرجال الذين حملوا لواء الإسلام، ما وجد فيها من الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب:٢٣]، ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧] هؤلاء الرجال هم الذين يحملون هذا الدين، وقد شاء الله أن يوجد في هذه الأمة من هذه النوعية من حملة الدين عدداً كثيراً والحمد لله على فضله وإحسانه.
أيها الإخوة: إنا حين ننشد التغيير الذي نحلم به من منطلق إسلامي من قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١] عندما ننشد هذا التغيير في الواقع المر الذي نعيش فيه، إننا لنعلم علماً يقينياً أن هذا التغيير لن يحدث إلا إذا وجد هناك النفر المخلصون من الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، هم الذين يخلصون الأمة وينقذونها من الشتات وعالم الضياع، إن هذه الفئة -جيل الإنقاذ- التي تريد أن تصل بسفينة المجتمع وسفينة الأمة إلى بر الأمان هم من نوعية مخصوصة اختارها الله ، جعل فيهم من الصفات والميزات ما يستطيعون به حمل هذا الدين، والصبر على تبليغه، وعلى أذى المخالفين في سبيل الله ، ونحن لا نريد أن نكون بمنأى عن هؤلاء الأشخاص، ولا نريد أن نقف متفرجين، وأن نرقب النصر المنشود من أناس آخرين، نحن نريد أن نكون من هذا الركب، ومن هذه الطائفة، ولكن المسألة تخليص الأمة من الهاوية التي انحدرت إليها أمرٌ في غاية الصعوبة، ويحتاج إلى تربية عميقة تصقل مواهب الرجال، وتنشئ فيهم حب الله ورسوله، وتجعل منهم قادة يقودون الأمة نحو الصلاح المنشود، وإننا في هذا الطريق نتلفت إلى الوراء لنرى من سلفنا عَبر تاريخنا فننشد من تلكم الشخصيات هذه الصفات التي ينبغي أن يكون فينا بعضها، ودرجات منها على الأقل، ولا يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
من أجل هذا سنتحدث في هذه الليلة عن موضوع بعنوان: جوانب التكامل في شخصيات السلف.
الشخصيات التي خرجت في صدر الإسلام، والتي كُتبت سيرتهم في تاريخ هذه الأمة، هذه الشخصيات قد تميزت بميزات، من أجل ذلك كانت الأمة منصورة، وكان علم الدين قائماً، وكانت راية الجهاد مرفوعة، وكان المسلم يسير عزيزاً من شرق بلاد المسلمين إلى غربها رافعاً رأسه، كان الكفر في ذلة، وكان أهل الذمة في صغار، وكان أعداء الدين يَرهبون المجتمع الإسلامي، كان المجتمع فيه من الخصائص ما ضاع كثير منه في هذه الأيام، طبقت الشريعة، وأقيمت الحدود، وعقدت حلق العلم، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وجردت السيوف للجهاد، وعقدت الألوية، وحورب أهل البدعة، كان مجتمعاً فيه من الأخلاق الإسلامية والآداب الشرعية ما يفوق الوصف.
لقد جاء على المسلمين يوم يقدمون فيه المال للزكاة والصدقة فلا يوجد من يقبل منه؛ لأن أمير المؤمنين عمر قد أغنى الناس.
ونحن في هذه المحاضرة سنستعرض بعض الجوانب من تلكم الشخصيات التي ظهرت في هذه الأمة، وإن هذه الشخصيات كثيرة وكثيرة جداً لمن استعرض كتب التراجم والسير والتاريخ الإسلامي، ولعلنا سنذكر بعضاً منها من جيل الصحابة وتابعيهم، إذ أن الوقت لن يُسعف في أن نستقصي حتى جيل الصحابة والتابعين، ولن تخلو الأمة من خير أبداً، ولا تزال الشخصيات التي تحمل لواء هذا الدين تظهر بين آونة وأخرى، ولا يزال المجددون الذين تكفل الله بإظهارهم يظهرون بين حين وآخر، والحمد لله على نعمه وآلائه.
стр. 4575
أبو بكر الصديق يبذل ماله ونفسه في سبيل الله
أليس منا أبو بكر الصديق الذي كان من أمن الناس على رسول الله ﷺ في نفسه وماله؟ أحب الناس إلى رسول الله ﷺ من الرجال وأولهم إسلاماً (ما نفعني مالٌ قط ما نفعني مال أبي بكر) وهو يقول: (وهل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله، وهل نفعني الله إلا بك يا رسول الله) أتى بماله كله وقال: (أبقيت لهم -لأهلي- الله ورسوله).
دافع عنه لما أرادوا ضربه، ونفض له الضرع وظلل عليه في طريق الهجرة، وجمع من خصال الخير ما لو وزن إيمانه بإيمان الأمة لرجح إيمان أبي بكر ﵁، إن جئت إلى الرأفة فهو أرأف الأمة بعد نبيها ﷺ : (أرأف أمتي بأمتي أبو بكر) وإن جئت إلى القيادة فهو حازم خليفة جمع الله عليه المسلمين، وإن جئت إلى الأعمال الصالحة: (من أصبح منكم اليوم صائماً؟ قال أبو بكر: أنا، من عاد منكم اليوم مريضاً؟ قال أبو بكر: أنا، من تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا، من أطعم منكم اليوم مسكيناً؟ قال أبو بكر: أنا).
كان حازماً في حرب المرتدين، فأرانا بسيرته البصيرة التي تكشف ظلمة الشبهات حزم العادلين، وكيف يكون موقف الرجل المسلم في موقف الأزمة لما ارتد المرتدون، وإن جئت إلى كونه أباً للزوجة كان موقفه من زوجة النبي ﷺ -ابنته- موقفاً يدل على عقل وحكمة حتى في الجوانب الاجتماعية.
стр. 4576
عمر بن الخطاب ﵁ المحدث الملهم
أليس منا عمر ﵁ الشهيد العبقري، صاحب القصر في الجنة، المحدث الملهم؟ جعل الله الحق على لسانه وقلبه، ينطق على لسانه ملك، وافق ربه في عدة مواضع، أنزل الله فيها قرآناً يتلى إلى يوم الساعة، ما لقيه الشيطان سالكاً فجاً إلى وسلك فجاً غير فجه، شياطين الجن والإنس قد فروا من عمر، ما زال المسلمون أعزة منذ أسلم عمر، وهو الباب بين هذه الأمة وبين الفتن؛ فلما كسر الباب جاءت الفتن، كان وقافاً عند كتاب الله، إن جئت على الشدة في أمر الله فـ عمر رأس المقدم وأشدها في أمر الله، عمر أشد الناس على أهل البدعة، ما تجرأ أحد من المبتدعة أن يخرج لسانه وأن يرفع رأسه في عهد عمر، إن جئت إلى محاسبة الولاة فـ عمر المقدم الظاهر، وإلى استشعار المسئولية: [لو أن دابة عثرت بأرض العراق لخشيت أن أسأل عنها يوم القيامة، لِمَ لَمْ تذلل لها الطريق يا عمر].
إن جئت على تفقد الرعية فهو يسير بين البيوت يتفقد أهلها، ويحرس المسلمين بالليل، ويخرج إلى الأرض البعيدة؛ ليرقب خيمة فيها امرأة وحولها أولاد صغار يبكون، ليتأثر عمر فيحمل لهم الطحين على ظهره.
شديد في أمر الله، وفي المعارك على الكفار لا يملك نفسه أن يرد على عدو الله في ذلك الوقت رداً تشعر فيه بعزة المسلم.
стр. 4577
عثمان بن عفان ﵁ أصدق الأمة حياءً
أليس منا عثمان ﵁ الشهيد الذي بشر بالجنة على بلوى تصيبه؟ أصدق الأمة حياءً تستحيي منه الملائكة، جهز جيش العسرة (ومن جهزه فله الجنة) اتفقت الأمة على البيعة له، مات ودمه على المصحف، إن جئت إلى خلق الحياء فأعظم وأصدق الأمة حياءً عثمان، وإلى الإنفاق في سبيل الله فقد جهز جيشاً كاملاً من ماله، وإلى قراءة كتاب الله فقد كان له مصحف يقرأ فيه حتى كانت نهايته وهو يقرأ في المصحف، وقيام الليل، هو الذي فدى الأمة بدمه كان بإمكانه أن يقول للصحابة وأبناء الصحابة: دافعوا عن خليفتكم لكنه نهى الناس عن الدفاع عنه لما جاء هؤلاء الثوار الذين حرضهم عبد الله بن سبأ اليهودي وغيره، وصارت الفتنة، وفدى عثمان الأمة بدمه ﵁.
стр. 4578
علي بن أبي طالب ﵁ أقضى الأمة بعد نبيها
أليس منا علي؟ أول من أسلم من الصبيان، رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، أعطاه الراية يوم خيبر ففتح الله عليه، هو من رسول الله بمنزلة هارون من موسى (لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق)، (أنت مني وأنا منك) كما قال له المصطفى ﷺ : (من سب علياً فقد سبني، من آذى علياً فقد آذاني، من كنت مولاه فـ علي مولاه) رابع الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين، إن جئت إلى القضاء فأقضى الأمة بعد نبيها علي بن أبي طالب، وإن جئت إلى قتال أهل البدعة والخوارج والقضاء على الفتن فـ علي بن أبي طالب الرأس المقدم في ذلك، إن جئت إلى لحكمة والعلم تجده قاضياً مفتياً رضي الله تعالى عنه.
стр. 4579
طلحة بن عبيد الله الذي فدى الرسول بيده
أليس منا طلحة بن عبيد الله؟ أحد العشرة المبشرين، وقى بيده رسول الله ﷺ حتى شلت، طلحة ممن قضى نحبه، أوجب طلحة، أي: عمل عملاً يوجب له الجنة.
стр. 4580
الزبير بن العوام الذي تولى الدفاع عن النبي ﷺ
أليس منا الزبير بن العوام؟ حواري رسول الله ﷺ ، ومن الذين استجابوا لله وللرسول من بعد ما أصابهم القرح، جمع له رسول الله ﷺ بين أبويه فقال: (فداك أبي وأمي) تولى الدفاع عن الرسول ﵊، وعن القائد، ضَرب هذا الرجل والذي قبله وغيره من صحابة الرسول ﷺ أروع الأمثلة في ذلك.
стр. 4581
سعد بن أبي وقاص صاحب الدعوة المستجابة
واعتزل الفتنة سعد بن أبي وقاص وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله (ارم سعد فداك أبي وأمي) صاحب الدعوة المستجابة، نزلت آيات من كتاب الله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ [العنكبوت:٨] فاخر به ﷺ فقال: (هذا خالي فليرني امرؤٌ خاله) حرس رسول الله ﷺ ، وفتح الله على يديه بلاد فارس.
فإن جئت إلى القيادة وإلى الحكم وتخطيط المدن وبعد النظر في مصلحة المسلمين فـ سعد بن أبي وقاص.
стр. 4582
أبو عبيدة أمين الأمة
أليس منا أبو عبيدة أمين هذه الأمة؟ نعم الرجل أبو عبيدة تولى فأحسن الولاية، وقاد الجيش فأحسن القيادة رضي الله تعالى عنه.
стр. 4583
حمزة ﵁ أسد الله ورسوله
حمزة سيد الشهداء، أسد الله ورسوله، نافح عن الإسلام، وقد ﵊ مع أفواج من المسلمين الذين استشهدوا في أحد يصلي عليهم في كل مرة، (ما كان الله ليدخل شيئاً من حمزة النار) أعز الله به الدين كما أعزه بـ عمر بن الخطاب، فأعز الله بـ حمزة وبـ عمر ما لم يعز بغيرهما من كفار قريش الذين أسلموا.
стр. 4584
بلال الحبشي مؤذن رسول الله ﷺ
وهذا بلال سابِق الحبشة إلى الإسلام، الذي سَمع رسول الله ﷺ دف نعليه في الجنة، وصابر مع النبي ﷺ في حصار الشعب ما ارتد عن دينه، ضرب لنا المثل في الصبر في وقت الشدة، وكان مؤذناً محتسباً لله يؤذن بلا أجرة، كان يؤذن فيأتي الناس إلى المسجد لأذانه، ضرب لنا مثلاً في المؤذن المحتسب، هانت عليه نفسه في سبيل الله، ألبسوه الدروع، وصهروه في الشمس، وأعطوه الولدان يطوفون به وهو يقول تحت الصخرة: أحد أحد، فإن أردت مثالاً في الثبات على دين الله تحت التعذيب فخذ بلالاً ﵁، فعن أسلم مولى عمر قال: قدمنا الشام مع عمر فأذن بلال والناس مجتمعون في الشام في ذلك الوقت عند فتحها، جاء عمر ﵁ يشهد الفتح، وأذن بلال فتذكر الناس النبي ﷺ وأيامه، فما رئي يوم أكثر باكياً منه في ذلك اليوم.
стр. 4585
عمار بن ياسر الصابر في الفتنة
أليس منا عمار بن ياسر؟ من آل ياسر موعدهم الجنة، ملئ عمار إيماناً إلى مشاشه، أجاره الله من الشيطان، وما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما وأرشدهما، تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار (أبشر عمار) فضَرب مع بلال وخباب وغيرهم المثل في الثبات مع وقوع الفتنة.
стр. 4586
ابن مسعود صاحب النعلين والوساد
أليس منا عبد الله بن مسعود؟ ساقاه أثقل في الميزان من جبل أحد، مِن أقرب الناس عند الله وسيلة يوم القيامة: (من سره أن يقرأ القرآن غضاً كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد) أقرب الناس سمتاً وهدياً ودلاً بالنبي ﷺ ، صاحب النعلين والوساد، وكان كاتماً لسره ﵊، والمطهرة فكان يصحبها لطهور النبي ﷺ ، أخذ من فم النبي ﷺ سبعين سورة، قال فيه: (إنك غلام مُعلَّم كنيِّف ملئ فقهاً) فضرب لنا مثلاً في المقرئ الذي يقرئ الناس ويعلمهم، رجل بأمة يأتي إلى الكوفة فيدرس هناك فيخرج أجيالاً من التابعين من الفقهاء العلماء المفتين عبد الله بن مسعود، وقل عن عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص وغيرهم من نفس هذا المثال، علماء يخرجون علماء، ما دفنوا علمهم، ولا قبعوا في بيوتهم، وإنما برزوا للناس فتصدروا فأفتوا وعلموا وصاروا كالسحابة تمطر الخير حيثما جاءت، وكالآبار يُستقى منها، وكالعيون العذبة رضي الله تعالى عنهم.
стр. 4587
مصعب بن عمير داعية الإسلام
مصعب بن عمير ألم يضرب لنا مثلاً بشخصيته في صبره على الأذى، وترك النعيم، وحياة الترفه، والشباب اللاهي واللذات؟ كل ذلك في سبيل الله، يضرب لنا مثلاً في الدعوة بالقرآن قبل السنان، أسلم على يديه كثير من أهل المدينة فوطأ المكان لقدوم النبي ﷺ ، ومع ذلك مات بين يديه حاملاً اللواء في غزوة أحد، فوقع أجره على الله، مضى ولم يأكل من أجره شيئاً، ترك اللذات في حياة الشباب، وهاجر وترك الوطن، وكان داعية ناجحاً وغازياً مجاهداً، ما أدرك وقت الفتوح ولا الغنائم ولا كثرة الأموال، حتى ما وجدوا شيئاً يغطون به جسده عند موته من الكفن، فغطوا رأسه بالثوب ورجليه بشيء من الإذخر، فمضى إلى ربه محتسباً ما نقص من أجره شيء.
стр. 4588
البراء بن مالك البطل الكرار
أليس منا البراء بن مالك البطل الكرار الذي ضرب لنا مثلاً بشخصيته في حرب مسيلمة لما أمرهم أن يحتملوه على ترس على أسنة رماحهم ويلقوه في حديقة مسيلمة فاقتحم عليهم وشد وقاتل حتى افتتح باب الحديقة، رجل بأمة، مقدام وجريء.
هذه شخصياتهم ﵃ تتكامل في جميع الجوانب، وتكون ذلك المجتمع الذي لن يمر على الأمة مثله أبدا، فجرح بضعاً وثمانين جرحاً، وقتل في حروبه مائة من الشجعان مبارزة، كان من الذين قال رسول الله ﷺ فيهم: (كم من ضعيف متضعَّف ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره) فكان المسلمون في الفتوحات يقدمونه فيقولون: ادع يا براء.
стр. 4589
جعفر بن أبي طالب ﵁ صاحب الجناحين
وهذا جعفر بن أبي طالب أبو المساكين، هاجر الهجرتين ودعا النجاشي إلى الله، ضرب لنا مثلاً في عدم كتم الحق والمواجهة بالحق، أشبه خَلق رسول الله ﷺ وخُلقه، وقدم على رسول الله ﷺ فاستشهد في غزوة مؤتة، له جناحان يطير بهما في الجنة.
стр. 4590
أبو دجانة آخذ سيف رسول الله بحقه
وأبو دجانة سماك بن خرشة الذي أخذ سيف رسول الله ﷺ بحقه، خرج يتبختر عليه عمامة حمراء في مشية يبغضها الله إلا في ذلك الموطن، ففلق بسيف رسول الله ﷺ هام المشركين، إنهم أناس يقدرون المسئولية، من يأخذ السيف بحقه؟ أخذه سماك بن خرشة ﵁ بحقه، ففعل به الأفاعيل، رمى بنفسه يوم مسيلمة إلى داخل الحديقة؛ فانكسرت رجله فقاتل حتى قتل ﵁.
следующие страницы →