← Джавами‘

Джавами‘ · id 7704

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (7 040 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.

стр. 4586

ابن مسعود صاحب النعلين والوساد أليس منا عبد الله بن مسعود؟ ساقاه أثقل في الميزان من جبل أحد، مِن أقرب الناس عند الله وسيلة يوم القيامة: (من سره أن يقرأ القرآن غضاً كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد) أقرب الناس سمتاً وهدياً ودلاً بالنبي ﷺ ، صاحب النعلين والوساد، وكان كاتماً لسره ﵊، والمطهرة فكان يصحبها لطهور النبي ﷺ ، أخذ من فم النبي ﷺ سبعين سورة، قال فيه: (إنك غلام مُعلَّم كنيِّف ملئ فقهاً) فضرب لنا مثلاً في المقرئ الذي يقرئ الناس ويعلمهم، رجل بأمة يأتي إلى الكوفة فيدرس هناك فيخرج أجيالاً من التابعين من الفقهاء العلماء المفتين عبد الله بن مسعود، وقل عن عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص وغيرهم من نفس هذا المثال، علماء يخرجون علماء، ما دفنوا علمهم، ولا قبعوا في بيوتهم، وإنما برزوا للناس فتصدروا فأفتوا وعلموا وصاروا كالسحابة تمطر الخير حيثما جاءت، وكالآبار يُستقى منها، وكالعيون العذبة رضي الله تعالى عنهم.

стр. 4587

مصعب بن عمير داعية الإسلام مصعب بن عمير ألم يضرب لنا مثلاً بشخصيته في صبره على الأذى، وترك النعيم، وحياة الترفه، والشباب اللاهي واللذات؟ كل ذلك في سبيل الله، يضرب لنا مثلاً في الدعوة بالقرآن قبل السنان، أسلم على يديه كثير من أهل المدينة فوطأ المكان لقدوم النبي ﷺ ، ومع ذلك مات بين يديه حاملاً اللواء في غزوة أحد، فوقع أجره على الله، مضى ولم يأكل من أجره شيئاً، ترك اللذات في حياة الشباب، وهاجر وترك الوطن، وكان داعية ناجحاً وغازياً مجاهداً، ما أدرك وقت الفتوح ولا الغنائم ولا كثرة الأموال، حتى ما وجدوا شيئاً يغطون به جسده عند موته من الكفن، فغطوا رأسه بالثوب ورجليه بشيء من الإذخر، فمضى إلى ربه محتسباً ما نقص من أجره شيء.

стр. 4588

البراء بن مالك البطل الكرار أليس منا البراء بن مالك البطل الكرار الذي ضرب لنا مثلاً بشخصيته في حرب مسيلمة لما أمرهم أن يحتملوه على ترس على أسنة رماحهم ويلقوه في حديقة مسيلمة فاقتحم عليهم وشد وقاتل حتى افتتح باب الحديقة، رجل بأمة، مقدام وجريء. هذه شخصياتهم ﵃ تتكامل في جميع الجوانب، وتكون ذلك المجتمع الذي لن يمر على الأمة مثله أبدا، فجرح بضعاً وثمانين جرحاً، وقتل في حروبه مائة من الشجعان مبارزة، كان من الذين قال رسول الله ﷺ فيهم: (كم من ضعيف متضعَّف ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره) فكان المسلمون في الفتوحات يقدمونه فيقولون: ادع يا براء.

стр. 4589

جعفر بن أبي طالب ﵁ صاحب الجناحين وهذا جعفر بن أبي طالب أبو المساكين، هاجر الهجرتين ودعا النجاشي إلى الله، ضرب لنا مثلاً في عدم كتم الحق والمواجهة بالحق، أشبه خَلق رسول الله ﷺ وخُلقه، وقدم على رسول الله ﷺ فاستشهد في غزوة مؤتة، له جناحان يطير بهما في الجنة.

стр. 4590

أبو دجانة آخذ سيف رسول الله بحقه وأبو دجانة سماك بن خرشة الذي أخذ سيف رسول الله ﷺ بحقه، خرج يتبختر عليه عمامة حمراء في مشية يبغضها الله إلا في ذلك الموطن، ففلق بسيف رسول الله ﷺ هام المشركين، إنهم أناس يقدرون المسئولية، من يأخذ السيف بحقه؟ أخذه سماك بن خرشة ﵁ بحقه، ففعل به الأفاعيل، رمى بنفسه يوم مسيلمة إلى داخل الحديقة؛ فانكسرت رجله فقاتل حتى قتل ﵁.

стр. 4591

خبيب بن عدي ﵁ يقتل صبراً وخبيب بن عدي الذي سن لنا الركعتين عند القتل وقال: [والله لولا أن تظنوا أنما طولت جزعاً من القتل؛ لاستكثرت من الصلاة] كان يأكل وهو محبوس قطفاً من عنب ولم يكن في مكة عنب أبداً، كرامة من الله لهذا الرجل، فيعلمنا الصبر ومعنى محبة الرسول ﷺ ، وأنه لا يرضى أن يشاك رسول الله ﷺ بشوكة وأن يكون هو حراً طليقا، فهل جزع لما ربطوه ولما أطلقوا عليه رماحهم وسهامهم؟ كلا، بل دعا الله أن يبارك على أوصال شلوٍ ممزع، وصبر في ذات الله . حتى شيبان المسلمين وكبار السن ضربوا لنا مثالاً فكانت شخصياتهم مثالاً يحتذى.

стр. 4592

عمرو بن الجموح يطأ بعرجته الجنة عمرو بن الجموح الذي قاتل في أحد وهو أعرج ليطأ بعرجته في الجنة وهو ابن ثمانين سنة، فقتل فيها شهيداً رحمه الله تعالى.

стр. 4593

عبد الله بن حرام يكلم ربه كفاحاً أليس كذلك من هذه النوعية من كبار السن الذين أبلوا في الإسلام بلاء على تقدم أسنانهم وعلى شيخوختهم عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر أحد النقباء ليلة العقبة الذي استشهد في أحد؟ قال ﵊ لولده جابر: (تبكيه أو لا تبكيه ما زالت الملائكة تظلله بأجنحتها حتى رفعتموه) كفن هو وصاحبه أخوه في الله: عمرو بن الجموح، الشيخ الكبير الآخر، قتلا سوياً في معركة أحد، ما توقف العطاء رغم كبر السن، يضربون لنا المثل بكبر سنهم وأفعالهم في سبيل الله، يقول ﵊ لـ جابر: (ألا أخبرك أن الله كلم أباك كفاحاً -مباشرة بعد موته- فقال: يا عبد! سلني أعطك؟ قال: أسألك أن تردني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية، فقال: إنه قد سبق مني أنهم إليها لا يرجعون، قال: يا رب! فأبلغ من ورائي) فأنزل الله رسالة تبليغ من عبد الله بن عمرو بن حرام إلى المسلمين من إخوانه الأحياء: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩].

стр. 4594

سعد بن معاذ يهتز عرش الرحمن لموته أليس منا سعد بن معاذ الذي ترك السيادة لله ، وكان سيد قومه فتنازل للرسول ﷺ ، أسلم على يد مصعب فقام في قومه وهو سيدهم يضرب لنا مثلاً في الداعية كيف يحمل قومه على الإسلام، قال: [إن كلامكم عليَّ حرام رجالكم ونساؤكم، حتى تؤمنوا بالله ورسوله] قال: فوالله ما بقي في دار بني الأشهل رجل ولا امرأة إلا أسلموا، وهو الذي تحدى أبا جهل بـ مكة ليظهر لنا عزة المسلم في الطواف، فقال: [والله لو منعتني لقطعت عليك متجرك بـ الشام] جرح يوم الخندق فقال: [اللهم لا تخرج نفسي حتى تقر عيني في بني قريظة] مع أنهم كانوا حلفاءه في الجاهلية، لكنه نسي الأحلاف والعلاقات كلها التي تقطعت بسبب الإسلام، فحكم فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات، ثم دعا الله أن يقبضه لكي لا يفوته وجه الشهادة، فمات فنزلت الملائكة تحمل جنازته، اهتز العرش فرحاً لموت سعد، فتحت له أبواب السماء، وشهده سبعون ألف ملك، إنه يضرب لنا مثلاً. هذه الشخصيات أيها الإخوة! نرى منها العجب والعجاب نتيجة التربية النبوية، ماذا ظهر من الشخصيات؟ وما هي جوانب التكامل التي بناها أولئك الأشخاص في ذلك المجتمع؟

стр. 4595

ثابت بن قيس خطيب الأنصار ثابت بن قيس خطيب الأنصار، لقد كان للمسلمين دور في الخطابة، كانت منبراً إعلامياً، قال عند مقدم رسول الله ﷺ : [نمنعك مما نمنع منه أنفسنا وأولادنا] إعطاء العهد والوثاق، ولما جاء وفد تميم فافتخر خطيبهم، قال له ثابت بن قيس بخطبة فأسكتته، ولما نزل قول الله: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات:٢] يضرب لنا هذا الصحابي مثلاً في حساسية المؤمن وتأثره وتفاعله مع الآيات، وكان امرأً من طبعه أنه صيت جهوري الصوت بطبعه، إذا تكلم كان صوته عالياً فقال: [ويلي هلكت فقعد في بيته] لما نزلت الآية أخشى أن أكون قد هلكت، هذا الذي تحنط يوم اليمامة ولبس ثوبين أبيضين فلما انهزم المسلمون في بداية الأمر قال: [اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء - مسيلمة وأصحابه- وأعتذر مما صنع هؤلاء، بئس ما عودتم أقرانكم، خلوا بيننا وبينهم ساعة] فتحمل فقاتل حتى قتل، ولم تنفذ لرجل وصية بعد موته إلا هو فقد حكم بذلك الصديق.

стр. 4596

معاذ بن عمرو بن الجموح ﵁ وغيرته على رسول الله ﷺ ومعاذ بن عمرو بن الجموح الفتى الصغير، حتى الشباب الصغار كانت في جوانب شخصياتهم أمور تحمل على العجب، يميل على عمه في الإسلام عبد الرحمن بن عوف يقول: [يا عم! أتعرف أبا جهل؟ فقال له: لماذا؟ ماذا تصنع به؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول الله ﷺ ] هل سمعه يسب رسول الله؟ لا. لكن أخبرت وأريد أن أنتقم من رجل سب رسول الله ﷺ ، فالحمية لرسول الله في نفوس الفتيان الناشئة في ذلك المجتمع [والذي نفسي بيده لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا] فحمل على عدو الله فضربه فقتله، وأصيبت يده فصارت معلقة بجلده على جنبه فصار يقاتل ويسحبها خلفه، فلما آذته قال: [وضعت قدمي عليها ثم تمطأت عليها حتى طرحتها].

стр. 4597

سعد بن الربيع وإيثاره للصحابة وسعد بن الربيع، وما أدراك ما سعد بن الربيع! وجانب الإيثار في شخصية سعد بن الربيع واضحة عندما قال لـ عبد الرحمن بن عوف: [أشاطرك مالي، واختر أي زوجتيّ أحب إليك أطلقها كي تتزوجها]، وهو أحد النقباء في ليلة العقبة، قُتل في أحد شهيداً، ضرب لنا مثلاً في الثبات والوصية عند الممات بالثبات إلى آخر لحظة على المنهج والبيعة لرسول الله ﷺ ، قال في آخر رمق: [أبلغ رسول الله ﷺ وقل: إن سعداً يقول: جزاك الله عني خير ما جزى نبياً عن أمته، وأبلغ قومك السلام، وقل لهم: إن سعداً يقول لكم: إنه لا عذر لكم عند الله إن خُلص إلى نبيكم ومنكم عين تطرف] فالوصية بالثبات والاستمرار، فإن الرجل إذا مات وانتقل فإنه لا زال يوصي لمن بعده بالثبات على ما مات هو عليه.

стр. 4598

ابن أم مكتوم خليفة النبي ﷺ على المدينة حتى المعوقون في المجتمع الأول كانت لهم أدوار، وقد فعل الإسلام فعله العجيب بنفوس أولئك القوم، فهذا ابن أم مكتوم الأعمى من السابقين المهاجرين، الضرير مؤذن الرسول ﷺ ، والخليفة على المدينة في غيابه ﵊ يصلي ببقايا الناس، أنزلت فيه سورة عبس، كان حريصاً على طلب العلم وعلى الفائدة، يأتي إلى رسول الله ﷺ يقول: [علمني مما علمك الله] وتظهر غيرته على رسول الله ﷺ لما كانت امرأة تخدمه من اليهود، وكانت تسب رسول الله ﷺ ؛ فينهاها فلا تنتهي، فغفلها يوماً فضربها بحربة في صدرها واتكأ عليها حتى ماتت، فأهدر رسول الله ﷺ دمها، هو الذي لما سمع قول الله: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:٩٥] قال: يا رب! أنزل عذري، فنزل قول الله : ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥] وكان يغزو وهو ضرير ويقول: [ادفعوا اللواء إلي؛ فإني أعمى لا أستطيع أن أفر، وأقيموني بين الصفين].

стр. 4599

خالد بن الوليد ومواهبه العسكرية ظهرت المواهب العسكرية والشجاعة الحربية في شخصيات أولئك النفر تكاملاً على تكامل، وزينة على زينة، فهذا خالد بن الوليد سيف الله وفارس الإسلام قائد المجاهدين أبو سليمان هاجر مسلماً سنة ثمان ثم سار غازياً فشهد مؤتة فاستشهد أمراء رسول الله ﷺ فأخذ الراية قال: رأيتني يوم مؤتة اندق في يدي تسعة أسياف فصبرت في يدي صفيحة يمانية -سيف يماني- وقد احتبس أدراعه ولأمته في سبيل الله، وكان مغرماً بالجهاد، فجعل أدراعه ومتاعه وقفاً في سبيل الله، وحارب أهل الردة ومسيلمة وغزا العراق وانتصر، ثم اخترق البرية السماوية وقطع المفازة من حد العراق إلى أول الشام في خمس ليال في عسكره، وشهد حروب الشام، ولم يبق في جسده قيد شبر إلا وعليه طابع الشهداء، وكان يقول: [ما من ليلة يهدى إلي فيها عروس أنا لها محب، أحب إلي من ليلة شديدة البرد، كثيرة الجليد، في سرية أصبح فيها العدو].

стр. 4600

النجاشي وإكرامه للنبي ﷺ وصحابته حتى الملوك لما دخل فيهم الدين، فهذا النجاشي الملك المعدود في الصحابة من وجه وفي التابعين من وجه آخر، هو الذي بكى لما قرأ عليه جعفر بن أبي طالب صدر سورة مريم، فحمى المسلمين وأكرمهم، وآمن برسول الله ﷺ ، وقال لمهاجرة الحبشة: [أنتم شيوم بأرضي -آمنون- من سبكم غرم، ثم من سبكم غرم] آثر الحق ولم يخش ثورة البطارقة لما نخروا حوله فقال: وإن نخرتم والله. زوج النبيَّ ﷺ من أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان التي كانت في أرض الحبشة ودفع الصداق إليها أربعمائة دينار إكراماً لرسول الله ﷺ وجهزها، لذلك لما مات قام ﷺ وقال: (إن أخاً لكم قد مات بأرض الحبشة) فخرج بهم إلى الصحراء فصفهم صفوفاً ثم قام فصلى عليه.

стр. 4601

جرير بن عبد الله ومبايعته للنبي ﷺ وقريبٌ منه جرير بن عبد الله البجلي، الذي جاء من اليمن أميراً لكنه ترك الإمارة بيعةً لرسول الله ﷺ .

стр. 4602

سلمان الفارسي الباحث عن الحق وسلمان الفارسي الذي كان في شخصيته مضرب المثل في البحث عن الحق، الذي ظل يبحث عن الحق والتوحيد حتى أوذي وقيد وسجن، وعمل خادماً، واسْتُرِقَّ، وظل يتنقل حتى رأى رسول الله ﷺ فعرفه وآمن به، كان متواضعاً يخدم صاحبه في السفر، حتى قال صاحب له: إن أنا عجنت خبز، وإن خبزت طبخ. وهو الذي أشار بحفر الخندق (سلمان منا آل البيت).

стр. 4603

أبو طلحة الأنصاري ﵁ ينافح عن رسول الله ﷺ إن أغنياء المسلمين قد ضربوا المثل منهم أبو طلحة الأنصاري وكان من أعيان أهل بدر، وأحد النقباء ليلة العقبة الأولى: (صوت أبي طلحة في الجيش خير من مائة أو خير من فئة) لما كان يوم أحد جوب على رسول الله ﷺ بحجفة، ورمى وكسر يومئذ قوسين أو ثلاثة وهو ينافح عن رسول الله ﷺ ، وكان الرجل يمر معه الجعبة من النبل فيقول ﷺ : (انثرها لـ أبي طلحة، ويقول أبو طلحة: يا نبي الله! بأبي أنت لا تشرف لا يصيبك سهم، نحري دون نحرك) قتل يوم حنين عشرين رجلاً، وهو صاحب الأموال الكثيرة وقد تصدق بأحب ماله إليه (بيرحاء) بستان عظيم جداً، تفاعل مع الآية لما نزل قول الله: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢] قال: (يا رسول الله! ضعها حيث أراك الله، إنها صدقة لله، أرجو برها وذخرها، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله) هذا الرجل العظيم الذي يضرب به المثل في النفقة في سبيل الله والإيثار رغبةً فيما عند الله وقد غزا آخر عمره في غزوة في البحر، وكان قد قرأ أمام بنيه قول الله : ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً﴾ [التوبة:٤١] فقال: [استنفرنا الله وأمرنا شيوخنا وشبابنا، جهزوني، فقال بنوه: يرحمك الله إنك قد غزوت على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر ونحن نغزو عنك الآن] قال: فغزا البحر فمات فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد سبعة أيام فلم يتغير.

стр. 4604

خديجة بنت خويلد ﵂ وتثبيتها للنبي ﷺ والطائفة الأخرى من المجتمع والنوع الثاني: النساء. أليست منا خديجة بنت خويلد؟ أم المؤمنين، أول من آمن برسول الله ﷺ على الإطلاق قبل كل أحد، حمته وآزرته وثبتت من جأشه، مصونة كريمة، كاملة من بين النساء، وأنفقت عليه من مالها، أنفقت على الدعوة من مالها، كانت وزيرة صدق، تحميه، وتدافع عنه رضي الله تعالى عنها: (بشر خديجة ببيت في الجنة، من قصب لا صخب فيه ولا نصب).

стр. 4605

عائشة بنت الصديق العالمة الكريمة وعائشة أم المؤمنين ضربت لنا مثلاً في جمع العلم فروت عن رسول الله ﷺ علماً كثيراً طيباً مباركاً فيه، قال أحد أئمة الإسلام: لا أعلم في أمة محمد ﷺ ، بل ولا في النساء مطلقاً في أي امرأة في العالم منذ أن خلق الله آدم إلى وقتها امرأةً أعلم منها، بَرَّأها الله من فوق سبع سموات، ولا يستبعد أن تكون هي أعلم نساء العالمين على الإطلاق، وأنزل الله في شأنها قرآناًَ يتلى إلى يوم القيامة، وأنزل بسببها آية التيمم، هذه الصديقة بنت الصديق تضرب لنا مثلاً لطالب العلم في جمع أنواع العلم، فإن بعض الناس يتخصص في فن ولا يدري عن بقية الفنون، وقد يحسن في بعض أنواع العلم وهو لا يحسن في أنواع أخرى كثيرة، عن أبي الضحى قال: قلنا لـ مسروق: هل كانت عائشة تحسن الفرائض؟ قال: والله لقد رأيت أصحاب محمد ﷺ الأكابر يسألونها عن الفرائض. وعن عروة ابن أخت عائشة قال: [لقد صحبت عائشة -خالته- فما رأيت أحداً قط كان أعلم بآية أنزلت، ولا بفريضة، ولا بسنة، ولا بشعر، ولا أروى له، ولا بيومٍ من أيام العرب، ولا بنسب ولا بكذا ولا بكذا ولا بقضاء، ولا طب منها، فقلت لها: يا خالة! يعني: ربما بعض العلوم الأخرى نعلم لكن الطب من أين علمتيه؟ قالت: كنت أمرض فينعت لي الشيء ويمرض المريض فينعت له، وأسمع الناس ينعت بعضهم لبعض فأحفظه] وفي بعض الرواية: (إن أهل الخبرة من الطب في البادية، كان يأتي إلى النبي ﷺ فينعت الدواء، فتحفظه عائشة). وتضرب مثلاً في الإنفاق فقد بعث إليها معاوية بمائة ألف، فقسمتها بين أمهات المؤمنين، وبعث لها ابن الزبير بمال في غرارتين يكون مائة ألف، فدعت بطبق، فجعلت تقسم في الناس، فلما أمست قالت: هاتي يا جارية! فطوري، فقالت: يا أم المؤمنين! أما استطعت أن تشتري لنا لحماً بدرهم؟ ما عندنا أكل، كل المال هذا الذي وزعتيه أما اشتريت لنا لحماً بدرهم؟ قالت: لا تعنفيني لو ذكرتيني لفعلت.

стр. 4606

حذيفة بن اليمان أمين سر رسول الله ﷺ وحذيفة بن اليمان الذي تصدق بدية أبيه على المسلمين؛ فازداد خيراً إلى خير يعلمنا درساً في كتمان السر، حافظ أسماء المنافقين، اهتم برواية أحاديث الفتن الكائنة في الأمة وضبطها [كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أساله عن الشر مخافة أن يدركني] ومثل في حسن تصرفه وشجاعته يوم الخندق لما انتدبه الرسول ﷺ ليأتي بخبر المشركين وسرعة بديهته لما قال أبو سفيان: لينظر كل رجل من بجانبه، فقال لمن بجانبه: من أنت؟ وضبط نفسه في عدم قتل أبي سفيان وكان يستطيع قتله، وَليَ إمرة المدائن فعدل وعلى يده فتحت الدينور؛ بلد من البلدان.

стр. 4607

أبو موسى الأشعري ﵁ صاحب الصوت الحسن وأبو موسى الأشعري الإمام الكبير الفقيه المقرئ قدم على أهل البصرة فأقرأهم وفقههم، كانوا سادة يعلمون الناس وجاهدوا مع النبي ﷺ ، وحمل علماً غزيراً، وكان حسن الصوت بالقرآن جداً، حتى إن من الصحابة من كان يخرج بالليل قريباً من دار أبي موسى ليسمع صوته وهو يقرأ القرآن في قيام الليل، أُعطي مزماراً من مزامير آل داود، وكان فارساً مقداماً فلما رمي عمه بسهم من أحد الكفار؛ لحقه أبو موسى قال: ألا تستحي؟ ألست عربياً؟ ألا تثبت؟ فكف، وكان في العرب من الكفار نخوة قد زالت اليوم، فالتقيا فاختلفا ضربتين فقتله أبو موسى، وهو من قواد الصحابة الستة، والمفتين الأربعة في مسجد الرسول ﵊، اجتهد قبل موته اجتهاداً شديداً في العبادة فقيل له: لو أمسكت ورفقت بنفسك، فقال: [إن الخيل إذا أرسلت فقاربت رأس مجراها أخرجت جميع ما عندها] الخيل إذا جاء نهاية السباق أخرجت جميع ما عندها، والذي بقي من أجلي أقل من ذلك فأنا أجتهد بأكثر ما عندي، وقال: [إني لأغتسل في البيت المظلم فأحمي ظهري حياء من ربي] رضي الله تعالى عنه.

стр. 4608

أبو أيوب الأنصاري وإكرامه للنبي ﷺ وأبو أيوب الأنصاري الذي نزل ﷺ في بيته وخصه بالنزول من باب إكرام الضيف، فكان أسفل البيت وأبو أيوب أعلاه، فانسكب الماء، فقام مع أم أيوب بالقطيفة ينشف الماء بسرعة؛ خشية أن ينزل منه شيء على رسول الله ﷺ ، ثم قال: يا رسول الله! انتقل إلى العلو، لا يمكن أن أمشي فوقك، لا يمكن أن أسكن في الدور العلوي وأمشي فوقك، وهو الذي نزل القرآن بلفظه لما قال في حادثة الإفك: ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٦] فنزل القرآن على لفظه، وكان يحب الغزو، وكان ورعاً لا يأتي وليمة فيها منكر، ولما مات في غزو القسطنطينية أوصى بأن يوغل به في أرض العدو، فدعي فدفن عند أسوار القسطنطينية، حتى قيل: إن الروم كانوا يستسقون به عند القحط.

стр. 4609

زيد بن ثابت شيخ أهل الفرائض وجوانب التكامل في شخصيات الصحابة كثيرة، ولقد عدَّ الرسول ﷺ بعضها لما قال: (أرأف أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدها في أمر الله عمر، وأصدقها حياءً عثمان، وأقضاهم علي، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأقرؤهم أبي بن كعب، وأفرضهم زيد بن ثابت) وزيد بن ثابت شيخ أهل الفرائض، وأحد المفتين في المدينة، رُبي يتيماً وكان أحد الأذكياء، أسلم وله أحد عشر عاماً، فلما رأى رسول الله ﷺ نجابته، والمجتمع الإسلامي يحتاج إلى رجل يتعلم لغة اليهود، لأن اليهود قوم بهت لا يؤمنون على كتاب، فأمره ﵊ بتعلم السريانية لغة اليهود، فتعلمها زيد بن ثابت في سبعة عشر يوماً، وكان يكتب الوحي، وهو الذي تولى جمع القرآن.

стр. 4610

أسامة بن زيد حِبُّ رسول الله ﷺ فالطاقات تنبغ في المجتمع المسلم عندما تقام فيه الشريعة ويتولى أمر المجتمع رءوس الناس. وأسامة بن زيد حبه وابن حبه ﷺ ، شديد السواد خفيف الروح، رباه ﵊ منذ صغره، أمَّره على جيش لغزو الشام وعمره ثمانية عشر عاماً، وفي الجيش عمر وكبار الصحابة.

стр. 4611

حسان بن ثابت وكعب بن مالك شاعرا رسول الله ﷺ وحسان بن ثابت كان منبراً إعلامياً منافحاً عن الدعوة، شاعر رسول الله ﷺ ، المؤيد بروح القدس، يهاجي الكفار ومعه جبريل، انتدب لنصرة الإسلام بشعره، وقال: [والذي بعثك بالحق لأفرينهم بلساني هذا، والذي بعثك بالحق لأسلنك منهم سل الشعرة من العجين] حتى قال ﵊: (لقد شفيت واشتفيت). ومثله كعب بن مالك شاعر الرسول ﷺ ، وأحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم، صادق ضرب لنا المثل بصدقه، فما حدث حديثاً إلا صدقاً بعد حادثة تبوك، قيل: أسلمت دوس فرقاً من بيت قاله كعب، وهو: نخيرها ولو نطقت لقالت قواطعهن دوساً أو ثقيفا يعني: السيوف نخيرها ولو نطقت لقالت، لأن البيت الذي قبله: قضينا من تهامة كل ريب وخيبر ثم أجمعنا السيوف نخيرها ولو نطقت لقالت قواطعهن دوساً أو ثقيفا فكانت أبياتهم ترهب العدو فجاءت قبيلة دوس مسلمين.

стр. 4612

أبو هريرة أحفظ الصحابة للحديث وأبو هريرة الذي يعلمنا درساً في الحرص على طلب العلم، وتقديم طلب العلم على طلب الدنيا، الفقيه المجتهد الإمام الحافظ الذي روى عنه أكثر من ثمانمائة نفس، هذا الرجل العظيم الذي دعا أمه للإسلام، واجتهد إلى أن أسلمت، بسط ثوبه لسماع مقالة رسول الله ﷺ ، وكان الناس يشغلهم الصفق بالأسواق وكان مرابطاً عند رسول الله ﷺ يحفظ حديثه، وعن أبي الزعيزعة كاتب مروان الخليفة أن مروان أرسل إلى أبي هريرة وجعل يسأله، وأجلسني خلف السرير، وأنا أكتب، حتى إذا كان رأس الحول دعا به -بعد سنة- فأقعده من وراء الحجاب، فجعل يسأله عن ذلك الكتاب فما زاد ولا نقص ولا قدم ولا أخر ﵁، لقد كان حفظه متيناً، وعن أبي عثمان النهدي قال: تضيفت أبا هريرة سبعاً فكان هو وامرأته وخادمه يعتقبون الليل أثلاثاً، يصلي هذا، ثم يوقظ هذا، ويصلي هذا، ثم يوقظ هذا، حتى الخادم والمرأة لها تربية من نصيب أبي هريرة من عنايته في قيام الليل، وهو الأمير المتواضع لما ولي الإمارة كان يحمل حزمة الحطب على ظهره، ويقول: طرقوا للأمير طرقوا للأمير. وعن محمد قال: كنا عند أبي هريرة فلما تمخط مسح بثوبه وقال: [أبو هريرة يتمخط في الكتان، لقد رأيتني وإني لأخر في ما بين منزل عائشة والمنبر مغشياً علي من الجوع، فيمر الرجل يحسبني مصروعاً فيقعد عليَّ -ليرقيه- فأقول: ليس الذي ترى إنما هو الجوع] وقال: [والله إن كنت لأعتمد على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع، وكان مع أهل الصفة] رضي الله تعالى عنه، وصلى بالناس يوماً فلما سلم رفع صوته مرة فقال: [الحمد لله الذي جعل الدين قواماً، وجعل أبا هريرة إماماً بعد أن كان أجيراً لابنة غزوان على شبع بطنه وحمولة رجليه].

стр. 4613

نماذج من شخصيات التابعين

стр. 4614

عامر بن عبد قيس وزهده وعبادته ولما مضى جيل الصحابة وهم أكثر مما ذكرنا بكثير جداً، ومناقبهم أكثر مما ذكرنا بكثير جداً، فقد رباهم رسول الله ﷺ وصنعهم على عينه، خرج ذلك الجيل الذي فتح الأرض فربى الجيل الذي بعده، فانتقلت تلكم الصفات الكريمة من صفات الصحابة إلى صفات الجيل الذي بعدهم، وكان لهم أتباع وتلاميذ حملوا علمهم واقتبسوا خلقهم، فهذا مجاب الدعوة أبو مسلم الخولاني رضي الله تعالى عنه ورحمه، وهذا عامر بن عبد قيس الولي الزاهد القدوة من عباد التابعين، كان يقول: من أقرئ؟ فيأتيه ناس فيقرئهم القرآن، ثم يقوم فيصلي إلى الظهر، ثم يصلي العصر، ثم يقرئ الناس إلى المغرب، ثم يصلي ما بين العشائين، ثم ينصرف إلى منزله فيأكل رغيفاً وينام نومة خفيفة، ثم يقوم لصلاته، ثم يتسحر برغيف ويخرج، ولما احتضر بكى، فقيل: ما يبكيك؟ قال: [ما أبكي جزعاً من الموت ولا حرصاً على الدنيا، ولكن أبكي على ظمأ الهواجر وقيام الليل].

стр. 4615

أويس القرني وبره بأمه أويس القرني سيد التابعين له والدة كان بها بر؛ كان به برص أذهبه الله إلا موضع درهم يذكر به نعمة ربه، هذا الذي لما توجه حاجاً وفطن له عمر وطلب أن يدعو له وطلب أن يستوصي به قال: أُحب أن أكون في أغمار الناس، ولما تفطن له الناس يطلبون منه الدعاء هرب منهم فلا يدرى أين ذهب، إخفاء العمل، والتواضع، وخمول الذكر إخلاصاً لله.

стр. 4616

علقمة بن قيس مقرئ الكوفة علقمة بن قيس النخعي فقيه الكوفة وعالمها ومقرئها لازم ابن مسعود حتى صار رأساً في العلم والعمل، وكان أشبه الناس بـ ابن مسعود، قال علقمة: ما حفظت وأنا شاب فكأني أنظر إليه في قرطاس، أوتي عبد الله بن مسعود بشراب فقال للآتي: أعط علقمة أعط مسروقاً فكلما أعطى واحداً قال: إني صائم، فقال ابن مسعود: ((يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ)) [النور:٣٧] وكان علقمة يقرأ القرآن في خمس ويقول: أطيلوا ذكر الحديث لا يدرس، أي: كرروا الحديث حتى لا ينسى.

стр. 4617

مسروق بن الأجدع الإمام القدوة والتلميذ الآخر مسروق بن الأجدع الإمام القدوة العلم أبو عائشة، يقال: إنه سرق وهو صغير ثم وجد بعد ذلك فسمي مسروقاً، حج فلم ينم إلا وهو ساجد، وكانت امرأته تقوم وهو يصلي حتى تتورم قدماه، فربما جلست تبكي مما تراه يصنع بنفسه، وكان لا يأخذ على القضاء أجراً، أرسل إليه أمير الكوفة ثلاثين ألفاً فلم يأخذ منها شيئاً وهو محتاج.

стр. 4618

عقبة بن نافع فاتح أفريقيا عقبة بن نافع الفهري المجاهد القائد فاتح أفريقيا، الشجاع الحازم الذي اختط القيروان، وكان مجاب الدعوة، ولما أراد أن ينزل بجيشه في غابة نادى: يا أهل الوادي! إنا حالون إن شاء الله فاضعنوا، ثلاث مرات، فلم يبق شيء من السباع والأفاعي إلا خرجت، حتى الأمهات تحمل صغارها، ثم قال: انزلوا باسم الله.

стр. 4619

سعيد بن المسيب عالم أهل المدينة سعيد بن المسيب عالم أهل المدينة، الذي ما فاتته الصلاة أربعين سنة، وما أذن المؤذن ثلاثين سنة إلا وهو في المسجد، وحج أربعين حجة، وكان يكثر أن يقول في مجلسه: اللهم سلم سلم، ويسير الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد، وكان جريئاً عزيز النفس، لما قدم عبد الملك بن مروان، وقف على باب المسجد، وأرسل إلى سعيد رجلاً يدعوه ولا يحركه، قال: لا تحركوه ادعوه لي فقط، فأتاه الرسول فقال: أجب أمير المؤمنين واقفٌ في الباب يريد أن يكلمك، فقال: ما لأمير المؤمنين إلي حاجة ومالي إليه حاجة، وإن حاجته لي لغير مقضية، فرجع الرسول فأخبره، فقال: ارجع وقل له: إنما أريد أن أكلمك ولا تحركه، فرجع إليه وقال: أجب أمير المؤمنين، فرد عليه مثل ما قال أولاً، فقال: الرسول لولا أنه تقدم إلي فيك ما ذهبت إليه إلا برأسك، يرسل إليك أمير المؤمنين يكلمك تقول مثل هذا، فقال: إن كان يريد أن يصنع بي خيراً فهو لك، وإن كان يريد غير ذلك فلا أحل حبوتي حتى يقضي ما هو قاض. وعن قتادة قال: أتيت سعيد بن المسيب وقد ألبس تبان شعر، وأقيم في الشمس تعذيباً له، فقلت لقائدي - قتادة رجل ضرير لكن يطلب العلم ويأخذ عن سعيد بن المسيب - فقلت لقائدي: أدنني منه، فأدناني فجعلت أسأله - قتادة يسأل سعيداً وهو في الشمس يعذب- فجعلت أسأله خوفاً من أن يفوتني -أخشى أن يفوتني فيموت قبل أن أسأله ما في نفسي- وهو يجيبني حسبة والناس يتعجبون! أما قضيته في تزويج ابنته فهي مشهورة معلومة، فهي تضرب مثلاً للآباء الذين لا يضعون العراقيل أمام زواج بناتهم، ولا يغالون في المهور، ويرأفون بالشاب الصالح، كانت بنت سعيد قد خطبها عبد الملك لابنه الوليد، فأبى عليه مع أنه ابن الخليفة، فلم يزل يحتال عليه فأبى، حتى ضربه مائة سوط في يوم بارد، وصب عليه جرة ماء، وألبسه جبة صوف، فلم يرضخ، فهو ليس الرجل المناسب، وكان من تلاميذه كثير بن أبي وداعة، قال: كنت أجالس سعيد بن المسيب ففقدني أياماً، فلما جئته قال: أين كنت؟ قلت: توفيت زوجتي فاشتغلت بها، فقال: ألا أخبرتنا فشهدناها، ثم قال: هل استحدثت امرأة فقلت: يرحمك الله، ومن يزوجني ولا أملك إلا درهمين أو ثلاثة؟ قال: أنا، قلت: وتفعل؟ قال: نعم. ثم تحمد، وصلى على النبي ﷺ ، وزوجني على درهمين أو ثلاثة، فقمت وما أدري من شدة ما أصنع من الفرح، فصرت إلى منزلي، وجعلت أتفكر ممن أستدين، فصليت المغرب ورجعت إلى منزلي، وكنت صائماً، فقدمت عشائي أفطر، وكان خبزاً وزيتاً، فإذا بابي يقرع، فقلت: من هذا؟ قال: سعيد، ففكرت في كل من اسمه: سعيد إلا ابن المسيب، فإنه لم ير أربعين سنة إلا بين بيته والمسجد، فخرجت وإذا سعيد، فظننت أنه قد بدا له -يمكن غير رأيه- فقلت: يا أبا محمد ألا أرسلت إلي فآتيك، قال: أنت أحق أن تؤتى؛ إنك كنت رجلاً عزباً، فتزوجت وعقدنا لك، فكرهت أن تبيت الليلة وحدك وهذه امرأتك، فإذا هي قائمة من خلفه في طوله من خلف الباب، ثم أخذ بيدها فدفعها في الباب ورد الباب، فسقطت المرأة من الحياء، فاستوثقت من الباب، ثم وضعت القصعة في ظل السراج لكي لا تراه فأول عيشتها خبز وزيت، ثم صعدت إلى السطح فرميت الجيران، فجاءوني فقالوا: ما شأنك؟ فأخبرتهم ونزلوا إليها، وبلغ أمي فجاءت وقالت: وجهي من وجهك حرام إن مسستها قبل أن أصلحها إلى ثلاثة أيام، فأقمت ثلاثاً، ثم دخلت بها فإذا هي من أجمل الناس، وأحفظ الناس لكتاب الله، وأعلمهم بسنة رسول الله ﷺ ، وأعرفهم بحق الزوج -هذه تربية العلماء لأولادهم وبناتهم، هذه تربية العلماء لبناتهم- فمكثت شهراً لا آتي سعيداً -يأخذ عن بنت سعيد الآن- ثم أتيته وهو في حلقته، فسلمت، فرد عليَّ السلام، ولم يكلمني حتى تقوض المجلس، فلما لم يبق غيري قال: ما حال الإنسان؟ قلت: خير يا أبا محمد، على ما يحب الصديق ويكره العدو، قال: إن رابك شيء فالعصا، فانصرفت إلى منزلي فوجه إلي بعشرين ألف درهم، قال عبد الرحمن بن حرملة: دخلت على سعيد بن المسيب وهو شديد المرض، وهو يصلي الظهر وهو مستلقٍ يومئ إيماءً، فسمعته يقرأ بالشمس وضحاها.

стр. 4620

الربيع بن خثيم من عباد التابعين والربيع بن خيثم الإمام القدوة العابد من عقلاء الرجال، قال له ابن مسعود: يا أبا يزيد لو رآك رسول الله ﷺ لأحبك، وما رأيتك إلا ذكرتُ المخبتين، ما تكلم الربيع بن خثيم بكلام منذ عشرين سنة إلا بكلمة تصعد، أي: من الكلم الطيب كله، وعن بعضهم قال: صحبت الربيع بن خثيم عشرين عاماً ما سمعت منه كلمة تعاب، إنهم أناس يحفظون كلامهم، وعن الثوري عن أبيه قال: كان الربيع بن خثيم إذا قيل له: كيف أصبحتم؟ قال: ضعفاء مذنبين، نأكل أرزاقنا وننتظر آجالنا.

стр. 4621

سعيد بن جبير وثباته أمام الحجاج وسعيد بن جبير الذي قرأ القرآن على ابن عباس، قال: ربما أتيت ابن عباس فكتبت في صحيفتي حتى أملؤها، وكتبت في نعلي حتى أملؤها، وكتبت في كفي، وكان لا يدع أحداً يُغتاب عنده، وعن الربيع بن أبي صالح قال: دخلت على سعيد بن جبير حين جيء به إلى الحجاج، فبكى رجل فقال سعيد: ما يبكيك؟ قال: لما أصابك، الآن الحجاج سيقتلك، قال: فلا تبك، كان في علم الله أن يكون هذا، ثم تلا: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢] ولما جيء بـ سعيد بن جبير وطلق بن حبيب وأصحابهما، دَخلتُ عليه السجن، فقلت: جاء بكم شرطي من مكة إلى القتل؟ أفلا كتفتموه وألقيتموه في الطريق -تغلبتم عليه فأنتم اثنان وهو واحد- ألا كتفتموه وألقيتموه في البرية؟ قال سعيد: فمن كان يسقيه الماء إذا عطش؟ وكان قد فر من الحجاج لكنه في النهاية ثبت، وقال: والله لقد فررت حتى استحييت من الله، ولما علم فضل الشهادة ثبت للقتل ولم يقترف ولم يعامل عدوه بالتقية، وكان لـ سعيد بن جبير ديك يقوم من الليل على صياحه، فلم يصح ليلة من الليالي حتى أصبح، ففاتت الصلاة على سعيد، فشق عليه ذلك، فقال: ماله؟ قطع الله صوته - سعيد بن جبير يقول عن الديك الذي لم يصح تلك الليلة: ماله؟ قطع الله صوته- فما سمع للديك صوت بعد ذلك، فقالت له أمه: يا بني! لا تدع على شيء بعدها.

стр. 4622

زين العابدين وصدقته في ظلمة الليل وهذا زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، كان يدخل المجلس فيشق الناس حتى يجلس في حلقة عبد من العبيد مولىً من الموالي هو زيد بن أسلم وهو من هو؟ زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وكان يقول له نافع بن جبير: غفر الله لك أنت سيد الناس، وتأتي حتى تجلس مع هذا العبد، فقال علي بن الحسين: العلم يبتغى، ويؤتى، ويطلب حيث كان، وكان يقول: يا أهل العراق! أحبونا حب الإسلام، ولا تحبونا حب الأصنام. وكان يتذلل إلى الله تعالى بفناء الكعبة، وإذا أحرم ولبى ربما غُشي عليه، وإذا صلى أخذته رعدة وهيبة ممن يناجي، وكان يحمل الخبز في الليل على ظهره يتبع به المساكين في الظلمة، وربما قال: إن الصدقة في سواد الليل تطفئ غضب الرب. وكان ناس من أهل المدينة يعيشون لا يدرون من أين يأتي معاشهم، يأتيهم الطعام ولا يدرون المصدر، فلما مات علي بن الحسين فقدوا الطعام، فعرفوا أنه هو الذي كان يأتيهم بالليل، ويضع الطعام على باب بيوتهم، ولما مات وجدوا بظهره أثراً مما كان ينقل الجرب بالليل إلى منازل الأرامل، ولما مات وجدوه يعول مائة بيت، وهو لما حج هشام بن عبد الملك قبل أن يتولى الخلافة كان إذا أراد أن يستلم الحجر زُوحم عليه، وإذا دنا علي بن الحسين من الحجر تفرقوا عنه إجلالاً له فوجم هشام وقال: من هذا فما أعرفه؟ فأنشأ الفرزدق وكان حاضراً يقول: هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرم هذا ابن خير عباد الله كلهم هذا التقي النقي الطاهر العلم إلى أن قال: هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله بجده أنبياء الله قد ختموا وهو النبي ﷺ .

стр. 4623

عروة بن الزبير أحد الفقهاء السبعة وعروة بن الزبير بن العوام عالم المدينة وأحد الفقهاء السبعة، قال: لقد رأيتني قبل موت عائشة بأربع حجج وأنا أقول: لو ماتت في اليوم ما ندمت على حديث عندها لأني وعيت كل الأحاديث، وقد كان يبلغني من الصحابي الحديث فآتيه فأجده قد قال -من القيلولة- فأجلس على بابه حتى يخرج وأسأله عنه، وكان يقرأ ربع القرآن كل يوم في المصحف نظراً، ثم يقوم به في الليل، وإذا كانت أيام الرطب سلم حائط البستان الذي له، وأذن للناس أن يدخلوا، فيدخلون فيأكلون ويحملون، وقد ابتلاه الله بابتلاء عظيم فصبر، فإنه قد قدم في أحد السنوات على الوليد ومعه ابنه محمد وكان ابنه محمد بن عروة بن الزبير من أحسن الناس وجهاً، فأصابه بالعين بعضهم، فخرج الولد متوسلاً به نعاس، فوقع في اصطبل للدواب فلم تزل الدواب تطؤه بأرجلها حتى مات، وبعدها بقليل حدث أن الآكلة وقعت في رجل عروة فبعث إليه الوليد الأطباء فقالوا: إن لم تقطعها سرت إلى باقي الجسد فتهلك، فعزم على قطعها، فقالوا: لو سقيناك شيئاً كي لا تتوجع، قال: إنما ابتلاني ليرى صبري، فنشروها بالمنشار، فقطعها الطبيب من نصف الساق فما زاد أن يقول: حسبي، فقال الوليد: ما رأيت شيخاً أصبر من هذا. فلما صار المنشار إلى قصبة الساق وضع رأسه على الوسادة ساعة؛ فغشي عليه، ثم أفاق والعرق يتحدر من وجهه، وهو يقول: لا إله إلا الله والله أكبر، فأخذ رجله المقطوعة وجعل يقبلها في يده ثم قال: أما والذي حملني عليك إنه ليعلم أني ما مشيت بك إلى حرام، ولا إلى معصية، ولا إلى ما يسخط الله، ثم أمر بها فغسلت وطيبت ولفت في قطيفة وبعث بها إلى مقابر المسلمين، فلما رجع إلى المدينة وقد أصيب بولده ورجله تلقاه أهل بيته وأصدقاؤه يعزونه، فما زاد أن يقول: ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً﴾ [الكهف:٦٢] وكان يقول: اللهم إنه كان لي بنون سبعة فأخذت واحداً وأبقيت لي ستة، وكان لي أطراف أربعة فأخذت طرفاً وأبقيت ثلاثة، ولئن ابتليت لقد عافيت ولئن أخذت لقد أبقيت.

стр. 4624

ابن سيرين وزهده وورعه وهذا ابن سيرين العالم إذا سئل عن الحلال والحرام تغير لونه حتى نقول: كأنه ليس بالذي كان، وذلك ورع من الفتيا، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وكان يبر أمه ولم ير رافعاً صوته عليها قط، كان إذا كلمها كهيئة المصغي إليها، وكان إذا كان عند أمه لو رآه رجل لا يعرفه ظن أن به مرضاً، من شدة ما يخفض صوته عند أمه. هذه طائفة من سيرة أولئك النفر الذين قيضهم الله لحمل دينه ونشر دعوة نبيه، ضربوا لنا الأمثال في التقوى والورع والزهد والعبادة والتعليم والشجاعة والجرأة والجهاد والصبر وبر الوالدين والآداب العظيمة، هؤلاء أيها الإخوة حري بنا فعلاً إن كنا نريد أن نكون اليوم نحن حملة الرسالة، وأن نكون نحن من الطائفة التي يكون إنقاذ الأمة على أيديها، أن نبلو أخبارهم وأن نقتدي بهم، وفي التاريخ سطر كثير من العبر من حياة أولئك القوم، وإن تربية لا تأخذ في عين الاعتبار سير أولئك الكرام لهي تربية ناقصة، ونحن اليوم أشد ما نكون إلى معرفة هذه السير للتأسي والعمل، نحن بأشد حاجة إلى تربية متكاملة، ولذلك كنا نقول اليوم: جوانب التكامل في شخصيات السلف تربية متكاملة لا تركز على العبادة فقط، ولا على العلم فقط، ولا على الآداب فقط، ولا على الجهاد فقط، ولا على العقيدة وأمورها النظرية فقط، وإنما تلم كل ذلك وتحويه، وكل نقص في أبناء الإسلام اليوم مرده إلى عدم التكامل في التربية، وضعفت هذه التربية، ولن نستطيع أن نجابه كفار الشرق والغرب بنفوس مهلهلة وضعيفة، ونحن نعلم أن الدنيا ما فتحت لأسلافنا إلا لما كان فيهم أمثال من ذكرنا، في صفات أعظم، وما ذكرنا قطرة من بحر، ولذلك فإننا نرى اليوم ونحن نتطلع إلى فجر إسلامي قادم، أن طلائع الصحوة هذه لا يمكن أن تثبت وأن تؤدي دورها في العالم الآن إلا إذا ربيت التربية على منهاج هؤلاء السلف، وتخلقت بمثل أخلاق أولئك السلف. وإن الوصية العظيمة في الاقتداء بهم والتأسي بأفعالهم لهي أمر متعب جداً؛ لأن جمع الفضائل لا يطيقه كل أحد، فإن الإنسان قد يجمع فضيلة أو فضيلتين، وقد ينشط في نوع من أنواع العبادة، أو يتجلد في بعض مجالس العلم أو في قراءة كتاب أو كتابين، لكن الجمع والتكامل مع الاستمرار على ذلك هذا هو الذي في غاية الصعوبة، وهو الذي نحتاج إليه اليوم في أشد الحاجة. وإننا أيها الإخوة في هذا العصر الذي ضعف فيه أهل الإسلام لنرى من بصيص الأمل والنور أمراً كبيراً ولله الحمد، في أن الله لن يخلي هذه الأمة من مجددين ومجاهدين ومصلحين، ونحن نسمع اليوم من أخبارهم في الواقع من جرأتهم وجهادهم وصبرهم ودعوتهم ما هو فعلاً أمل في الله كبير بأن ينصر الإسلام وأهل الإسلام، ولكن نرجو أن نكون نحن من هؤلاء، ونرجو الله أن يجعلنا ممن لهم حظ وافر من نصر الدين وأهله، وأن يجعلنا ممن يحملون لواء هذا الدين ويتبعون سنة سيد المرسلين.

стр. 4625

الأسئلة
следующие страницы →