Полный текст (7 040 стр.). Показаны 4901–4940 · переход к 4906.
стр. 4901
إغضاب الإخوة في الله بغير حق
ومنها كذلك: إغضاب الإخوة في الله بغير حق؛ عن عائذ بن عمرو أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر في المدينة، فقالوا: (ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها -كان المفروض أن السيوف تأخذ مكانها في عنق عدو الله أبي سفيان وكان لم يسلم بعد- فقال أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟ فأتى أبو بكر النبي ﷺ فأخبره فقال: يا أبا بكر لعلك أغضبتهم؟ لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك -بكلمة قالها لإخوانه أتقولون هذا الكلام الشديد لسيد قريش- فأتاهم أبو بكر فقال: يا إخوتاه! أغضبتكم؟ قالوا: لا، ثم قالوا: يغفر الله لك) أخرجه الإمام مسلم.
قارن بين هذا وبين ما يقع في أوساط الإخوة من اعتداء على حق الجماعة، أو أنه يقوم بأفعال وتصرفات تغضب من حوله، هذه حرمة من وسط الأخوة الإسلامية، له حرمة يجب أن تصان، وللإخوة في الله حق يجب أن يقام به، ومن أغضب إخوانه في الله بشيء فهو معرض لهذا الوعيد الوارد في الحديث.
فافقهوا ذلك يا دعاة الإسلام! يا من تحرصون على تكوين أجواء التربية الإسلامية لتعيشوا فيها وتنقلوا فيها وتنقلون الناس إليها! احذروا من مداخل الشيطان للتفرقة، ولإيقاع العداوة والبغضاء فيما بينكم.
стр. 4902
التحايل لأكل حقوق الناس بغير حق
ومن الأمور: التحايل لأكل حقوق الناس بغير حق؛ عن أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ سمع جلبة خصمٍ بباب حجرته فخرج إليهم، فقال: (إنما أنا بشر وإنه يأتيني الخصم، فلعل بعضهم يكون أبلغ من بعض) واحد من الخصمين يكون عنده قدرة في الجدال، ولسانه يكون أبلغ من صاحبه وهو الظالم، ولكن يقنعني بأنه الحق له، (فأحسب أنه صادق -لأن لي الظاهر، وأحكم بالظاهر والله يتولى السرائر- فأقضي له، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار، فليحملها أو يذرها) وكذلك في الرواية الصحيحة الأخرى أن رسول الله ﷺ قال: (إنما أن بشر وإنكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له بنحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه -لأنه لسن ومجادل ويستطيع أن يثبت ولو على باطل- فإنما أقطع له قطعة من النار) أخرجه البخاري ومسلم.
قارن بين هذا وبين ما يتم اليوم من بعض الخصوم عند الحاكم؛ وهم يعلمون أنهم ظلمة من الكلام أمام القاضي بالباطل فيتكلم بلسانه، وإن من البيان لسحراً، فيبين ويتكلم، ويرفع صوته، ويقنع وهو على الباطل، وقد يكون خصمه (صاحب الحق) ضعيفاً ليس عنده مثل بيانه، ولا مكانته، فيخرج المظلوم مسكيناً؛ لأن القاضي يقضي بالظاهر إذا لم تتبين له الأدلة، وقارن بين هذا أيضاً وبين عمل كثير من المحامين المشتغلين في مجال المحاماة الذين لا يتقون الله ليس كلهم، ولكن كثيراً منهم لا يتقون الله، فيهمه أن يكسب القضية لموكله ويأخذ المبلغ والأتعاب، ولا يدري أو لا يبالي إن كان خصمه محقاً أم لا، فانظر في المنكرات الحاصلة من هذه المهنة على ضوء هذا الحديث.
стр. 4903
ترك الحج مع الاستطاعة
ومن الأمور كذلك: ترك الحج مع الاستطاعة، فإن كثيراً من الناس اليوم يستطيعون الحج لكنهم لا ينوونه ولا يعزمون عليه ولا يبادرون إليه، قال تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران:٩٧] ماذا قال بعد ذلك؟ ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٧] فإذاً هو وعيد لمن استطاع الحج ولم يحج قال: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٧] وقال ﷺ : (يا أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا) ولذلك قال أهل العلم على القول الراجح من أقوالهم: إن الحج واجب على الفور من استطاع وجب عليه أن يحج، ولا يجوز له أن يؤخر إلى السنة التي بعدها أو التي بعدها، فما يدريه لعله يموت، لعله يمرض، لعله تعرض له حاجة، لعله يحال بينه وبين الحج، فليبادر الآن إذا استطاع ولا يؤخر، وإلا فالآية حسبه وعيداً.
стр. 4904
الفخر بالأحساب والطعن في الأنساب
ومن المنكرات الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة؛ عن أبي مالك الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة).
قارن بين هذا وبين ما يقع من الناس اليوم من الفخر بمآثرهم وبطولاتهم، أو بمآثر قبائلهم وعوائلهم يفخرون بها على الناس، وقد يكونون فحماً من فحم جهنم، أهون عند الله من الجعلان التي تدهده الأذى بفمها وبرجلها وبرأسها، يكونون أهون عند الله من أولئك، ولكن يفخرون ويقولون: نحن ونحن، وفعلنا وفعلنا، وأصلنا وحسبنا كذا، ولا يكتفون بل يطعنون بالأنساب، فيقولون: أنت ما لك أصل، أنت خضيري، أنت ليس لك منزلة، أنت حقير ومهين، ومن افتراءاتهم: أنت لست من ولد آدم، إن آدم تناسل منه فقط أهل القبائل، وغيرهم احتلم آدم على التراب فخلق الخضيريين منهم، وهذه من الفرى المضحكة إذ أننا نعلم أن البشر كلهم من ولد آدم، وهل كان آدم من قبيلة معروفة أو من غير قبيلة معروفة؟! وهل كان قبلياً أو خضيرياً كما يقولون؟! فكر وتدبر.
стр. 4905
إتيان النساء في أدبارهن
ومن المنكرات: إتيان النساء في أدبارهن؛ عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ملعون من أتى امرأة في دبرها) أخرجه أبو داود، وهو حديث صحيح.
تأمل في قوله: (ملعون) لتعلم عظم الذنب، والمقصود إتيانها في الدبر، أما إتيانها في مكان الولد فيجوز بأي طريقة شئت من الأمام أو الوراء، متى كان الجماع في مكان الولد فجائز، أما إتيانها في الدبر في مكان خروج الغائط فهو ملعون صاحبه: (ملعون من أتى امرأة في دبرها).
وإنني أحذركم أيها الإخوة من هذه الأفلام الإباحية الداعرة المنتشرة بين كثير من الناس التي تروج لمثل هذه الشذوذات، إذ أن الله أجاز للمتزوج أن يطأ زوجته أو أمته في مكان الولد: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣] كيف شئتم ما دام في مكان الولد.
هذه بعض تلك المنكرات التي لا يتورع كثير من الناس عن الوقوع فيها رغم الوعيد.
نسأل الله السلامة والعافية، وأن ينجينا وإياكم من هذه المهلكات.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 4906
التصاوير التي تصور والرسوم
الحمد لله الذي لا إله إلا هو، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ ، بين للناس ما أنزل إليهم من ربهم، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى من تبعه بإحسان واستقام على سنته إلى يوم الدين.
أيها الإخوة! ومن الأمور التي تساهل فيها كثيرٌ من الخلق في هذا الزمن: هذه التصاوير التي يصورونها؛ عن عائشة ﵂ أنها اشترت نمرقة -مخدة أو مرتفق- فيها تصاوير، صور ذات الأرواح على هذا القماش، فلما رآها النبي ﷺ قام على الباب فلم يدخل، فعرفت في وجهه الكراهية، فقالت: (يا رسول الله! أتوب إلى الله ماذا أذنبت؟ فقال رسول الله ﷺ : ما بال هذه النمرقة؟ قلت: اشتريتها لك لتقعد عليها وتوسدها، فقال رسول الله ﷺ : إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة فيقال لهم: أحيوا ما خلقتم) ثم قال ﵊: (إن البيت الذي فيه صور لا تدخله الملائكة) ثم تعال وقل بعد ذلك: إن المقصود بها التماثيل، تماثيل على القماش، أم أنها صور ذوات الأرواح؟! وقال ﷺ لها أيضاً: (أما علمت أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة، وأن من صنع هذه الصور يعذب يوم القيامة فيقال لهم: أحيوا ما خلقتم) زاد في رواية أنها قالت: (فأخذته فجعلته مرفقتين، فكان يرتفق بهما في البيت) أزالت الوجه وقطعته وجعلته مرفقتين، تصرفت بالقماش، أزالت الصورة فصار ﷺ يستعمله، حديث صحيح.
وجاء رجل إلى ابن عباس فقال: (إني رجل أصور هذه الصور فأفتني، فقال له: ادن مني، فدنا منه، ثم قال: ادن مني، فدنا منه، حتى وضع يده على رأسه وقال: أنبئك بما سمعت من رسول الله ﷺ ، سمعت رسول الله ﷺ يقول: كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفساً فيعذبهم في جهنم) ثم قال له: (إن كنت لا بد فاعلاً فاصنع الشجر وما لا نفس له) ما دامت ليست من ذوات الأرواح افعل، وفي رواية عن النضر بن أنس قال: كنت جالساً عند ابن عباس، فجعل يفتي ولا يقول قال رسول الله، حتى سأله رجل فقال: إني أصور هذه الصور، فقال ابن عباس ادن، فدنا الرجل، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من صور صورة في الدنيا كلف أن ينفخ فيها الروح يوم القيامة وليس بنافخ، فربا الرجل ربوة شديدة، واصفر وجهه، فقال ابن عباس: ويحك! إن أبيت إلا أن تصنع فعليك بهذا الشجر) كل شيء ليس فيه روح إن أردت أن تصنع فاصنعه.
قارن بين هذا وبين الصور المعلقة اليوم في بيوت الناس، والتماثيل التي يزينون بها الرفوف في بيوتهم، ويشترونها بالأثمان الباهظة، يبذرون أموالهم في الحرام، ويكونون سبباً لعدم دخول الملائكة إلى بيوتهم، ويدخلون في هذا الوعيد الوارد في الأحاديث، وتأمل في حال بعض مدرسي التربية الفنية في المدارس الذين يأمرون التلاميذ والتلميذات برسم صور ذوات الأرواح، أو يقولون: هذه وسائل فنية فينحتون منها هذه التماثيل على شكل صور ذوات الأرواح، مالهم وهم يأمرون بإحيائها يوم القيامة، وإنما تباح الصور في حال الضرورة كالوثائق الرسمية، وتتبع المجرمين، ونحو ذلك من الحاجات التي تمس الضرورة وتدعو إليها في بعض الأحيان، وقال ﷺ : (إن أشد الناس عذاباً عند الله المصورون) وقال في الحديث الصحيح: (لعن الله المصورين).
وكذلك من المنكرات التي يتساهل فيها بعضهم قوله ﵊: (من تحلم كلف أن يعقد بين شعيرتين) الذي كذب في المنام وذكرنا ذلك، ثم قال: (ومن استمع إلى حديث قوم يسرونه عنه صب في أذنيه الآنك يوم القيامة) الذي يتجسس على الناس بغير حق، ويسمع كلامهم وهم لا يريدون أن يصل إليهم، فإنه يصب في أذنيه الآنك؛ الرصاص الأسود المذاب في أذنيه يوم القيامة.
стр. 4907
الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة
ومن المنكرات التي يستهان بها: الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة، قال رسول الله ﷺ : (الذي يشرب في إناء الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم) وقال: (إن الذي يأكل ويشرب في آنية الفضة والذهب فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم)، للكفار في الدنيا، وللمؤمنين في الجنة، فلا يجوز الأكل بها، سواءً كانت صحناً أو ملعقة أو شوكة أو سكيناً لا مطلياً بذهب ولا فضة، أو ما كان خالصاً -وهو أشد- من الذهب والفضة، ثم قارن بين ذلك وبين الأطقم النفيسة الثمن المذمومة عند الله التي يزينون بها خزانات بيوتهم، ولا يجوز الاحتفاظ بها للزينة سداً للذريعة، لأنه قد يستخدمها، ولو قال: أنا لا أستخدمها نقول: أخرجها من بيتك، لا تحفظ في البيوت ولا يؤكل بها، ولا يشرب بها، ثم بعد ذلك فكر وتدبر في لوحات المكتوبات على بعض المطاعم، مطعم الصحن الذهبي، ومطعم الملعقة الفضية لتعلم مدى تغلغل هذه الأمور في أفكار الناس، يتهاونون ويقولون: وما هو الفرق بين ملعقة الذهب وملعقة النحاس، أو ملعقة الألمنيوم ونحوها؟ نقول: الفرق هو الحديث، إن كنت مسلماً استسلم.
اللهم أغننا بحلالك عن حرامك وبفضلك عمن سواك، اللهم اجعلنا ممن يخافك ويتقيك، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين.
стр. 4908
مظاهر نقص الاستقامة
حث الإسلام على الاستقامة في الدين وأخذ الإسلام كله، لكن واقع الناس مع الاستقامة عجيب جداً، فإن الناظر يجد التباين بين الظاهر والباطن ظاهراً، ولزيادة الإيضاح فقد ذكر الشيخ صوراً من مرض نقص الاستقامة إضافة إلى آثارها السلبية.
стр. 4909
فضل الاستقامة وتعريفها
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد: إخواني! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
نسأل الله تعالى أن يجعل لقاءنا هذا لقاءً نافعاً، وأن يرزقنا وإياكم الإخلاص والاستقامة، فالله قد أوصانا بالاستقامة وأمرنا بها، فقال جل وعلا: ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ [فصلت:٦]، ورسولنا ﷺ قال لنا: (استقيموا ونعما إن استقمتم)، وقال: (استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن).
وقد أمر الله نبيه بالاستقامة، فقال: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ [هود:١١٢]، وقال لموسى وهارون: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا﴾ [يونس:٨٩]، ولما أراد رجلٌ من النبي ﷺ أن يوصيه وصية لا يسأل بعدها أحداً غيره عن شيء، قال: (قل آمنت بالله ثم استقم)، وفي رواية قال لرجل: (استقم وليحسن خلقك)، وقد وعد الله أهل الاستقامة بالثواب العظيم، فقال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف:١٣] ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠] ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً﴾ [الجن:١٦] والله سبحانه قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير:٢٧ - ٢٨].
أما الاستقامة فقد تنوعت ألفاظ السلف في تعريفها، فمنهم من قال: استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله.
- ومنهم من قال: استقاموا على أداء الفرائض.
- ومنهم من قال: أخلصوا الدين والعمل.
- ومنهم من قال: استقاموا على طاعة الله.
- ومنهم من قال: لم يروغوا روغان الثعلب.
قال ابن رجب ﵀: "الاستقامة سلوك الصراط المستقيم، وهو الدين القيم من غير تعريجٍ عنه يمنة ولا يسرة، ويشمل ذلك فعل الطاعات كلها الظاهرة والباطنة، وترك المنهيات كلها كذلك".
إذاً: نحن الآن أمام التعريف الجامع للاستقامة، وهو: فعل الطاعات وترك المنهيات؛ فعل الطاعات الظاهرة والباطنة وترك المنهيات الظاهرة والباطنة.
стр. 4910
واقع الاستقامة في حياة الناس
أيها الإخوة! عند النظر للواقع الذي نعيش فيه الآن، نرى أن أكثر الناس على غير دين الله، وأكثرهم يصدون عن سبيل الله، وفي وسط هذه الظلمات قامت الدعوة بدين الله لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وهي لا تزال في تقدمٍ وانتشارٍ ولله الحمد.
إن بوادر اليقظة الإسلامية التي تعم اليوم أرجاء العالم الإسلامي وحتى الأقليات الإسلامية في بلدان كثر هي أمر واقع، وإن ظهور علامات التدين على كثيرٍ من الأشخاص لا شك أنه نتيجة لهذه الصحوة وظهور هذه اليقظة هو أمرٌ من أمر الله .
ونحن مع فرحنا واستبشارنا بهذه النعمة الإلهية من ظهور أمر الدين وانتشاره؛ فإننا في نفس الوقت نحذر حذراً عظيماً مما يخالط هذه الصحوة، وهؤلاء الناس الذين تظهر عليهم بوادر الاستقامة ومظاهرها، الخشية العظيمة التي نخشاها على أنفسنا وعلى الآخرين من فشو الأمراض الباطنة ونقص الاستقامة الذي هو عيب أي عيب، فإن الكثير ضعف عندهم معيار الالتزام، وتقلص المفهوم الحقيقي للتمسك بهذا الدين، ولقد ظهرت علامات التدين على كثيرٍ من الأشخاص تأثراً بالجو العام، وإذعاناً لبعض الفتاوى، أو حماساً بعد سماع موعظة أو محاضرة، فهؤلاء الذين يغشون اليوم التجمعات الإسلامية من هم هؤلاء؟ ما هي صفاتهم؟ ما مقدار تمسكهم بهذا الدين؟ لا بد أن ننقد أنفسنا لنصحح الواقع، ولا بد أن نعلم مواطئ أقدامنا ومواقعنا حتى ننظر هل نحن على الصراط المستقيم أم أنه يوجد عندنا من الانحرافات ما يجب علينا أن نصححه؟ فهذا بيان للحقيقة، وتنبيه للغافلين، ونصيحة للمقصرين، وكلنا مقصرون.
بيان الاستقامة أمر مهم؛ لأننا لن نسلم إلا إذا جئنا الله بقلب سليم، وكذلك فإننا لا نريد أن نكون عقبة في طريق التزام الناس بالإسلام لا نريد أن نكون منفرين عن شرع الله لا نريد أن يكون عندنا من التصرفات ما يكون سداً بين الناس وبين الدخول في هذا الدين والشريعة، فكم من الكفرة لما رأوا بعض التصرفات من بعض المسلمين عدلوا عن الدخول في دين الله، وكم من العامة الذين رأوا تصرفات بعض الذين عندهم شيء من الالتزام الظاهر حملوا على هذا الدين وعلى هذه الاستقامة، وقالوا: هؤلاء المتدينون انظروا إليهم ماذا يفعلون! هل تريدون أن نكون مثل هؤلاء؟ والناس كثيرٌ منهم جهلة، لا يفرقون بين الإسلام والمسلمين، يقولون: الإسلام هو هذه التصرفات التي نراها من المسلمين الاستقامة والالتزام والتدين هو هذه المعاملة التي نلقاها من المتدينين الناس عندهم هذا المبدأ وهم لا يميزون، ليتهم يعرفون الرجال بالحق، لكنهم مع الأسف يعرفون الحق بالرجال! ولذلك فإن كثيراً منهم يكون عنده تصورات خاطئة وقناعات مغلوطة عن حقيقة الاستقامة مما يرونه من تصرفات بعض المتدينين في الظاهر.
стр. 4911
الاستقامة على الدين ظاهراً وباطناً
إن الالتزام بالإسلام والاستقامة على دين الله هو ظاهرٌ وباطن، هو مخبرٌ ومظهر، هو حقيقة وجوهر كما أنه شكل ومظهر ينتج ويظهر على المسلم في الخارج، ونحن نريد أن يكون التزامنا بالإسلام داخلي وخارجي، شيء يقر في القلب فينعكس على التصرفات وعلى الأعمال أعمال القلب وأعمال الجوارح.
ينبغي أن نعالج القلب قبل أن نعالج العادات والتقاليد والملابس مع أن الكل من الدين، لكن هناك أولويات، ونحن نوقن بالارتباط بين الظاهر والباطن، ونحن نعتقد أن هناك مضغة في الجسد إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله.
نعتقد أن تحكيم الشريعة في كل شيء يقود إلى إصلاح الظاهر والباطن، وأن ديننا قد أمر بإصلاح الظاهر والباطن، والله قال: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام:١٢٠] لم يقل: ذروا ظاهر الإثم فقط، ولا قال: ذروا باطن الإثم فقط، قال: ذروا ظاهر الإثم وباطنه، فظاهر الإثم كل ما يظهر للناس من البذاءة والفحش والسب واللعن والشتم ونحو ذلك.
وباطن الإثم كل ما يكون في القلب من الحقد والحسد والعجب والغش واحتقار الخلق ونحو ذلك: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام:١٢٠] الباطن مهم جداً والظاهر مهم كذلك، ولولا أن الظاهر مهم ما جاءت الشريعة بأحكام اللباس وسنن الفطرة والزينة والشعر والانتعال والنظافة وكل أمرٍ من الأمور التي تميز المسلم ظاهرياً عن غير المسلم، ولما شرعت الشريعة لنا وجوب مخالفة أهل الكتاب وغير المسلمين حتى في صبغ الشعر وفي الصلاة حفاة بغير نعال، وفي اللحية والشارب وغير ذلك، حتى نهينا عن التشبه بالحيوانات والبهائم، والذين يطيلون شواربهم اليوم مخالفون للهدي النبوي الذي أمرنا النبي ﷺ بقوله وحذرنا: (من لم يأخذ من شاربه؛ فليس منا) يجب قص ما طال عن الشفة، وأولئك النسوة اللاتي أطلن أظافرهن مثل الوحوش وصبغنها بالمناكير الحمراء وغيرها، هؤلاء المتشبهات بالحيوانات والبهائم والوحوش الكاسرة هن على استعداد بالخدش بها في أقرب مناسبة تقوم بها قائمة.
إذاً أيها الإخوة! الظاهر أمر عظيم وليس هناك في الإسلام شيء اسمه قشور ولب، والذين ينادون بتقسيم الإسلام إلى قشور ولباب أناسٌ ضالون مخطئون، الإسلام كلٌ لا يتجزأ الإسلام يؤخذ كله ويطبق كله، ومع الأسف فإن الناس اليوم يغترون بالظاهر، وليت أن ظاهر الأكثرية ظاهراً إسلامياً؛ إذاً لقلنا: إنهم على الأقل قد امتثلوا شيئاً من الدين، لكن الناس اليوم يعتنون بالمظاهر في الثياب والحفلات والزينات والطعام والشراب والسياحة، حتى العبادات إذا سمعوا قارئاً يقرأ بصوتٍ جميل، قال: صوتٌ رائع، ويجعلون حجهم سياحة، وعمرتهم أكل وحكايات في الحرم، هذا حالهم.
وطائفة أخرى من الناس دخلوا في الدين ظاهرياً؛ فهذا أطال لحيته وأعفاها، والتزم الثوب بطوله الشرعي الذي لا ينزل عن الكعبين، ولكن قلبه ينطوي على أنواع من المفاسد، والأمور العظيمة، ولذلك التصرفات الناتجة عنه والتعامل مع الناس بل مع زوجته وأولاده في البيت وأقربائه وجيرانه من أسوأ ما يمكن.
وأناسٌ قد أخذوا بنصيبٍ من هذا وهذا الالتزام الظاهري والباطني، ولكن عندهم نقص، نحن كلنا مقصرون ولذلك هذه دعوة حقيقة للالتزام بالإسلام ظاهراً وباطناً.
ولسنا من الذين ينخدعون بالظاهر، ولا بالذين يقومون الناس على الظاهر، فإن رسول الله ﷺ كان جالساً وعنده رجل، فمر رجلٌ فقال النبي ﵊ للرجل الذي عنده: (ما رأيك في هذا؟ فقال: يا رسول الله! هذا رجلٌ من أشراف الناس، هذا والله حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع، فسكت رسول الله ﷺ ، ثم مر رجلٌ آخر، فقال رسول الله ﷺ للجالس عنده: ما رأيك في هذا؟ فقال: يا رسول الله! هذا رجلٌ من فقراء المسلمين، هذا حري إن خطب ألا ينكح، وإن شفع ألا يشفع، وإن قال ألا يسمع لقوله، فقال رسول الله ﷺ : هذا خيرٌ من ملء الأرض مثل هذا) هذا الضعيف المستضعف خيرٌ من ملأ الأرض من أمثال هذا الذي تقول عنه: إنه من أشراف الناس.
ولما كانت امرأة من بني إسرائيل ترضع صبياً لها، أقبل رجلٌ ذو شارة حسنة وهيئة وفخامة ولباس وحشم، فقالت: اللهم اجعل ابني مثل هذا، فترك الصبي الثدي، وأقبل وقال: اللهم لا تجعلني مثله، أنطقه الله في المهد، ونحن اليوم في خضم هذه الجاهلية التي يتعارك فيها ومعها؛ فإننا نحتاج إلى شخصيات إسلامية قوية ذات إيمان وإخلاص ذات علم وعمل: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً﴾ [النساء:٦٦] نحتاج إلى أناسٍ يتمسكون بالدين ظاهراً وباطناً نحتاج إلى أناس لا يلعبون بالدين، وإنما يكونون صادقين مع الله في تمسكهم به، وقلنا أن الناس اليوم قد اهتموا بالمظاهر السيئة، وبعضهم عنده مظاهر طيبة وبواطن سيئة، ولكن الأكثرية -كما قلنا- بعيدون عن شرع الله يلعبون بهذا الدين لعباً، وهؤلاء هم الذين ذمهم الله ، فقال: ﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف:٩٨] ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء:٢] ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ [الطور:١١ - ١٢]، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ * وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة:٥٧ - ٥٨] ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [الأنعام:٧٠].
هذه النوعية التي تلعب بالدين ابتداءً من العقيدة:
ولا تك مرجياً لعوباً بدينه ألا إنما المرجي بالدين يمزح
وقل إنما الإيمان قولٌ ونيةٌ وفعل على قول النبي مصرح
فهذا الإيمان قول وعمل واعتقاد، والذين يقولون: إن الإيمان بالقلب فقط هم أناسٌ يلعبون بالدين، ويتخذونه لعباً ولهواً، هؤلاء الذين يتحايلون على شرع الله قد عرفناهم، وقد جاءت تصريحاتهم موافقة لما في قلوبهم من الاستهزاء بالدين هؤلاء الذين سموا الربا فوائد وعوائد استثمار، والذي سموا الخمر مشروبات روحية، والذين سموا الرقص والموسيقى والغناء والتماثيل فن، والذين سموا الرشوة أتعاب، هؤلاء الذين يلعبون بالدين قد عرفناهم، وميزناهم جيداً في الواقع، هؤلاء الذين يتتبعون الرخص ويضربون كلام العلماء بعضه ببعض، هؤلاء يلعبون بالنار، الذين يفتون في المجالس في الأهواء ويتكلمون في الدين يخبطون بغير علم، كما قال الأول:
ما قال ربك ويلٌ للأُلى سكروا وإنما قال ويل للمصلين
قد عرفنا الذين يقولون: لِمَ يأخذ رجل أربعة نسوة ولا تأخذ المرأة إلا واحد؟ فلماذا لا تأخذ المرأة أكثر من رجل؟ قد عرفنا هؤلاء.
أيها الإخوة! نريد أن نلقي الضوء على عقيدتنا وتصرفاتنا نحن؛ نحن الذين نرى أننا نريد الصراط المستقيم والهداية، نسعى للتمسك بهذا الدين نريد أن نرى أنفسنا على ضوء الشريعة، الشريعة أمرتنا بأي شيء؟ هل أمرتنا بجزء من الإسلام أو أمرتنا بالإسلام كله؟ هل قالت: أسلموا في وقت الرخاء، ثم تراجعوا في وقت الشدة؟ بماذا طالبتنا الشريعة؟ ما هو المنهج والموقف من هذه الشريعة؟ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة:٢٠٨ - ٢٠٩] ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨] كلكم ادخلوا في الإسلام أو ادخلوا أنتم جميعاً في شعائر الإسلام كلها، لا تتركوا شعيرة إلا وطبقتوها بما تستطيعون: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] اعملوا بجميع الأعمال ووجوه البر: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف:١٧٠] فالله قال: يُمسِّكون بالكتاب، فيها معنى التكرير والتكثير للتمسك، هذا الفرق بين يمسِكون بالكتاب ويمسِّكون بالكتاب، إنها صيغة القبض على الكتاب بقوة وجد وصرامة، وهذه الصورة هي التي يريد الله منا أن نأخذ بها كتابه، ونحن نعلم كما علمنا الله ورسوله أن الجد والقوة في أخذ الدين شيء والتعنت والتنطع والغلو والتطرف هو شيء آخر، ولذلك نحن نعلم جيداً الذين يوجهون إلينا سهام التطرف والتنطع بلفظة الأصولية اليوم، نعرفهم ونميزهم ونعرف معنى التمسك بالدين على وجهه صحيح.
إن الجد والقوة والصرامة لا تنافي اليسر، لكنها تنافي التميع إنها لا تنافي سعة الأفق، لكنها تنافي الاستهتار لا تنافي مراعاة الواقع، لكنها تنافي أن يكون الواقع هو الحكم على الشريعة، لأن الدين يقول: إن الشريعة هي الحكم على الواقع، وليس العكس.
والله علمنا ونبهنا إلى أن كتابه الكريم هذا قولٌ فصل وما هو بالهزل، بل هو حقٌ وجد، ليس فيه سائبة هزلٍ بل كله جدٌ محض، هو فاصل بين الحق والباطل قد بلغ الغاية في ذلك، فليس بالهزل ولم ينزل باللعب، ويجب أن يكون مهيباً في الصدور: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٦٣] خذوا ما ألزمناكم من
стр. 4912
هل نحن مستقيمون على الشريعة ؟
أيها الإخوة! نحن نريد أن نعرف جيداً ما مدى التزامنا وتمسكنا بهذا الدين، وهل نحن صادقون فعلاً فيما نزعمه من أننا مستقيمون على الشريعة وأننا متدينون، السؤال الكبير: هل نحن متدينون حقاً؟ السؤال المطروح: هل نحن فعلاً في أنفسنا مستمسكون بالكتاب؟ هل نحن قد أخذنا الكتاب بقوة كما أمرنا الله فقال: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ [البقرة:٦٣] ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا﴾ [البقرة:٩٣] وكما قال الله آمراً موسى: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف:١٤٥]، وقال عن يحيى: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم:١٢] أم أننا نحن عندنا تلاعب وعندنا قصورٌ كبير؟ ما مدى حرصنا على الاستقامة؟ هل استقامتنا كاملة أم أن عندنا نقص في الاستقامة؟ مرض نقص الاستقامة أسوء من مرض نقص المناعة، فإن الأشياء الجسدية ابتلاء، أما الأشياء التي تكون في الدين؛ فإن مصيبة الدين لا تعدلها مصيبة، ولذلك إذا ألقينا الضوء الآن على الواقع الموجود وعلى هذه النوعيات الموجودة من الذين يقولون آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم من جهة وقد عرفنا صفاتهم، ونريد أن نلقي الضوء أيضاً على هذه الفئة التي تقول باستقامتها على الشريعة، والذي يقول لنفسه: قد تدينت والتزمت واستقمت، نريد أن نناقش أنفسنا ونقدم كشف حساب.
إن نظرةً في الواقع وفي النفس لتوحي بأن هناك تقصيراً كبيراً للغاية، وأن هناك مرضاً يستشري وهو مرض نقص الاستقامة.
стр. 4913
صور مرض نقص الاستقامة
مرض نقص الاستقامة له عدة صور في الواقع: - مرض نقص الاستقامة الذي أودى بالإيمان في وادٍ سحيق.
- مرض نقص الاستقامة الذي شوه صورة الإسلام وشوه جمال الإسلام في أعين الناظرين إلى بعض الذين يزعمون التدين.
- مرض نقص الاستقامة الذي سبب الانتكاس حقيقة، والارتداد على الأعقاب، والنكوص على الأدبار.
- مرض نقص الاستقامة الذي أوجد عناصر مشوهة تزعم الانتساب إلى الدين، وليس عندها منه إلا النزر اليسير.
- مرض نقص الاستقامة الذي جعل بعض الناس يقولون: نحن نلتزم بالإسلام إلى حدٍ معين لأنه لا طاقة لنا بأخذ الدين كله، والذين يقولون: ما عندنا استعداد لتقديم التضحيات.
стр. 4914
من مظاهر نقص الاستقامة: عدم الاستعداد لتقديم التضحيات
أيها الإخوة! الذي يسير معك ثم يقول: ليس عندي استعدادٌ لإكمال المشوار، أنت تطالبنا بأمورٍ لا طاقة لنا بها، والحقيقة أنك تطالبهم بالدين، ليس عندنا استعداد للتضحية والتقديم والعمل لهذا الدين، نحن نريد أن نكون طيبين في أنفسنا، مصلين مزكين صائمين نحج ونعتمر، نذكر الله وندعو، لكن أن نقدم تضحيات لهذا الدين ليس عندنا استعداد، أن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ونتحمل الأذى ليس عندنا استعداد هل هؤلاء فعلاً أصحاب تدين حقيقي؟ إذا احتاجت الدعوة إلى الله إلى إنفاق وبذل أموال وبذل أنفس وبذل جهد وبذل الأعمار تراجعوا، فقالوا: إن أموالنا نحتاج إليها، وأوقاتنا نحتاج إليها، إننا لا نصبر على الأذى، ولا نتحمل ولا نطيق، حتى الأذى الكلامي لا يريدون سماعه، ثم يقولون: نحن متدينون، هذا الالتزام البارد وهذه الاستقامة الناقصة لا تغني شيئاً، ولذلك قال رسول الله ﷺ : (إذا ظهر السوء في الأرض؛ أنزل الله بأسه بأهل الأرض، وإن كان فيهم قومٌ صالحون، يصيبهم ما أصاب الناس من العذاب، ثم يرجعون إلى رحمة الله ومغفرته) فأين النوعية المصلحة التي تكفل الله بإنجائها إذا حلَّ العذاب بأهل القرى: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف:١٦٥].
стр. 4915
الرياء والنفاق في الأعمال
إن الذين يتحركون بعباداتٍ جسدية ليس فيها إخلاص ولا روح ولا توجه لله، بل إن الكثير من أعمالهم يغشاها الرياء والنفاق، هؤلاء يجب أن يعودوا إلى الله ويتوبوا إليه من هذا الخطر العظيم وهذا السوس الذي نخر عظامهم من الداخل، والذي أودى بعباداتهم وقلل أجرها أو أعدمها بالكلية، الذين لا يصلون إلا مع الناس، ولا يطيلون الصلاة والخشوع إلا أمام الناس، الذين لا يتعلمون العلم إلا للمباهاة، الذين قال رسول الله ﷺ في شأنهم: (من تعلم العلم ليباهي به العلماء، أو يماري به السفهاء، أو يصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله جهنم).
وفي رواية: (لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء، أو تماروا به السفهاء، ولا لتجترءوا به المجالس، فمن فعل ذلك؛ فالنار النار).
وقال ﵊: (لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء، أو لتماروا به السفهاء، أو لتصرفوا به وجوه الناس إليكم، فمن فعل ذلك؛ فهو في النار).
стр. 4916
من مظاهر نقص الاستقامة: عدم مقاومة للنفس وهواها
الذين يقولون: إننا مستعدون للالتزام والاستقامة على الأمور التي لا مغالبة للنفس فيها ولا مقاومة، نحن نطلق اللحى ونقصر الثياب، ولا نشعر أن هناك شهوة نريد أن نقاومها، لكن لا تطلب منا غض البصر عن المرأة الأجنبية؛ هذا أمرٌ صعب، لا تطلب منا ترك الغناء؛ لأنه شيءٌ قد تأصل في نفوسنا هل هؤلاء الناس صابرون على منهج الله؟!! أين الصبر بأنواعه؟ أليس الصبر على طاعة الله نوع، والصبر عن معصية الله نوعٌ آخر، والصبر على أقدار الله وقضائه نوعٌ ثالث؟ أم أنهم لا يصبرون عن الأشياء التي فيها شهوات ومقاومة على النفس، ويقولون: الأمور التي فيها سهولة نعملها من الدين، والأمور التي فيها مشقة وصعوبة نتركها، هل هؤلاء الناس صادقون في استقامتهم أم أنهم مرضى؟!
стр. 4917
من مظاهر نقص الاستقامة: الخلل في معيار الحرام
إن الذين يفعلون أنواعاً من المحرمات وقد فقدوا معيار الحرام بدرجاته، فيرون أشياء كبيرة وعظيمة وهم يعملون أكبر منها وأعظم، الذين يرون -مثلاً- أن حلق اللحية أمرٌ خطير، وهو أمرٌ خطير فعلاً ومحرم في الشريعة، لكنهم يتساهلون جداً في الغيبة وهم يعلمون أن الرسول ﷺ يقول: (الربا اثنان وسبعون باباً أدناها مثل إتيان الرجل أمه، وإن أربا الربا استطالة الرجل في عرض أخيه) فكم الذين يقعون في الغيبة ويستطيلون في أعراض إخوانهم وهم يزعمون أنهم أهل صلاح وتدين؟ (أتدرون ما الغيبة؟ ذكرك أخاك بما يكره، إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته).
يأكلون لحم إخوانهم كالذي يأكل لحم أخيه ميتاً، وأسوؤهم على الإطلاق -وقد ظهرت نابتة في عصرنا هذا كما ظهرت في عصور الإسلام السابقة- الذين يقعون في أعراض الدعاة إلى الله وأهل العلم، فيستطيلون في أعراض الدعاة إلى الله ويتهمونهم بشتى التهم بحجة الإصلاح، ويلبسون الغيبة لباس النصيحة، ورسول الله ﷺ قد أخبر في الحديث القدسي الذي يرويه عن ربه : (من عادى لي ولياً؛ فقد آذنته بالحرب) فإذا قام يعادي أولياء الله، الذين قاموا لله بالحجة، ونصحوا الأمة، وحذروا وبينوا يُقام عليهم بالتشهير والشتم والتنقص ويُترك أعداء الله سالمين، هؤلاء معادين لأولياء الله، هل هم مستقيمون على الشريعة فعلاً أم أن عندهم مرضاً داخلياً مستشرٍ مثل السرطان يأكل الخلايا من الداخل؟! الذين يتساهلون في النميمة، ولا يعدون خطورة النميمة كخطورة أمرٍ آخر مثل الإسبال، فيرون الإسبال شيئاً كبيراً وهو كبيرٌ فعلاً عند الله، فالله يحرق من الإنسان الجزء الذي يكون أسفل من كعبه (ما تحت الكعبين من الإزار ففي النار) فالمسبلون تحت المشيئة إذا كانوا من أهل التوحيد، لكن النظر إلى هذا الأمر على أنه أمرٌ خطير، والنميمة ونقل كلام الناس بعضهم إلى بعض للإفساد بينهم لا يعتبرونه أمراً خطيراً، فهؤلاء أناسٌ مغفلون عندهم جهلٌ أو هوى.
الذي يزعم أنه متمسك بالشريعة في الظاهر هو مفلسٌ أشد الإفلاس، يقول النبي ﷺ : (أتدرون ما المفلس؟ إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيامٍ وزكاة، ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه، أُخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار).
إذاً هناك أناس يذهبون إلى مكة فيحجون ويعتمرون ويقرءون القرآن ويبكرون ربما إلى المساجد لكن في الوقت نفسه عندهم من أنواع الظلم لإخوانهم وللمسلمين ولعباد الله عموماً ما يأكل حسناتهم أكلاً، فيأتون يوم القيامة من المفلسين.
стр. 4918
من مظاهر نقص الاستقامة: سوء الخلق
هؤلاء الذين يقولون: نحن متدينون، لكن عندهم من سوء الخلق ما أفسد عليهم تدينهم، لديهم أخلاق سوقية فهم يتعاملون مع الناس بشراسة وعناد وقبح وفحش، عندهم من الكبر في أنفسهم ما هو أكثر من كثيرٍ من المعاصي والموبقات والفواحش، عندهم عنجهية واحتقار للخلق، هؤلاء وإن كان مظهرهم حسناً لكن الله سيحاسبهم على سوء الخلق (وإن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل) هؤلاء الذين يعاملون آباءهم وأمهاتهم بفضاضة وغضاضة، ويعاملون زوجاتهم أسوأ المعاملة، ويظلمون أولادهم، كيف يكون هؤلاء متدينون ومستقيمون فعلاً وهم بهذه الطريقة؟ لقد قلنا: إن السفهاء من الناس إذا رأوا هؤلاء يقولون: هذا هو التدين المطلوب الذي تقولون لنا عنه وتأمروننا به؟! فيكون سيئ الخلق من الذين يصدون عن سبيل الله.
الذي يزعم أنه مستقيم على الشريعة ولكنه ظالمٌ للناس للعمال، للخدم، للمراجعين، للزملاء (اتقوا دعوة المظلوم فإنها تحمل على الغمام، يقول الله: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين) (اتقوا دعوة الله المظلوم، فإنها تصعد إلى السماء كأنها شرارة) (اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافراً؛ فإنه ليس دونها حجاب) فلنتق الله في أكل الحقوق وظلم الناس.
стр. 4919
من مظاهر نقص الاستقامة: الكذب وخلف الوعد والفجور في الخصومة
الذي يقول: إن عنده تدين واستقامة؛ لكنه إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، والذين يكذبون في الحديث كثرٌ جداً، وبعضهم مع الأسف قد يكون عنده من لبوس التدين ما عنده، لكنه يكذب في الحديث، بل قد يكذب على النبي ﷺ ، ويكذب على العلماء، وقد علمنا أن من هؤلاء من يجلس في المجالس ويقول: هذا حديث صحيح أخرجه فلان وفلان، وقال فيه فلان كذا، وهو كذاب ما في كلامه حرفٌ واحدٌ صحيح، أو الذين يجترئون على العلماء في المجالس ويقولون: الشيخ الفلاني أفتى بكذا، وقال: إنها حلال، والشيخ الفلاني حرمها، وقال: إنها حرام، وهو كذاب ما سمع الفتوى من الشيخ، ولم يتثبت منها وليس عنده طريقٌ صحيح من العالم، ومع ذلك ينقل على لسان الشيخ ما ينقل.
الذين يكذبون في الفتوى ويكذبون على الله وعلى رسوله ﷺ وينسبون الأحاديث إلى النبي ﵊ وهم ليسوا متأكدين فعلاً من صحتها، هل هؤلاء مستقيمون على الشريعة أم أن عندهم مرضاً خطيراً هو مرض نقص الاستقامة؟ وهذا الذي إذا وعد أخلف، يخلف وليس عنده عذر، ويخلف دون اعتذار، ماذا يسمى؟ والذي يتخلف عن الموعد بدون عذر، والذي لو وعدك الساعة السابعة يخرج من بيته الساعة السابعة، وإخلاف الموعد درجات، فقد يخلف بالكلية، وقد يخلف جزءاً منه، لماذا تعد؟ وإذا وعدت لماذا لا تثبت على الموعد؟ وإذا لم تستطع لماذا لا تعتذر؟ أليس هذه من صفات المنافق؟ (أربعٌ من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كان فيه خصلة منهن؛ كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذَب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر).
هذا الكذاب الذي يقول لك أشياء لم تحصل، ويقول لك من القصص ما يخترعه، هذا هو الكذاب الذي يكذب فتبلغ كذبته الآفاق، وقد أخبرنا رسول الله ﷺ عنه فقال: (إذا اقترب الزمان، ولم تكد رؤيا الرجل المسلم تكذب، وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثاً) فجعل صدق الحديث من أسباب صدق الرؤيا وانطباق الرؤيا في الواقع حتى يرى الرؤيا، فتكون تنبيهاً له وتعريفاً له بأمر سيحصل.
إن الذين إذا أتوا أهل الخير جلسوا معهم، وأعطوهم من الكلام الطيب ما يقنعونهم به أنهم مثلهم وأنهم على طريقتهم وأنهم متدينون فعلاً، ثم إذا ذهبوا إلى أهل الشر جلسوا معهم وشاركوهم، وقالوا لهم من الكلام ما يدل على أنهم مثلهم ومن شيعتهم، هل هؤلاء مستقيمون على الشريعة؟! ألم يقل رسول الله ﷺ : (تجدون الناس معادن، فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقِهوا أو فقُهوا، وتجدون خير الناس في هذا الشأن أشدهم له كراهية قبل أن يقع فيه، وتجدون شر الناس يوم القيامة عند الله ذا الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجه ويأتي هؤلاء بوجه هؤلاء) حديث صحيح، هؤلاء الذين يلعبون على الحبلين ويظنون أنهم حكماء، وأنه من الذكاء والفطنة والحنكة أن تسايس أهل الدين وتسايس أهل الفسق، وأن تكون مع هؤلاء بالألفاظ الطيبة والكلام الحسن والسمت الحسن، ثم تذهب إلى أهل الشر، فتكون مثلهم وتشاركهم في منكراتهم، هؤلاء الذين إذا ذهبوا إلى أهل الشر قالوا: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة:١٤] نحن إنما نأتي هؤلاء المتدينين ما يناسبهم (من كان له وجهان في الدنيا؛ كان له يوم القيامة لسانان من نار) أخرجه أبو داود من حديث عمار مرفوعاً، وهو حديث صحيح.
تجد أحدهم من سوء التعامل أنه إذا حدث بينه وبين أخيه خصومة؛ فجر في الخصومة، ثم هجر أخاه المسلم هجراً تاماً، لا يسلم عليه إذا لقيه، ولا يجلس معه في مجلس، ولا يزوره ولا يرد سلامه مع أنه مسلم مثله، لو ترك السلام عليه؛ لأنه صاحب بدعة؛ لقلنا: أحسنت، لو ترك السلام عليه؛ لأنه صاحب منكر ظاهر؛ لقلنا له: في الله هجرت، لكن من أجل الدنيا يهجرون إخوانهم المسلمين ويقطعونهم قطعاً، ويبتونهم بتاً، هل هؤلاء من المستقيمين على شرع الله أم أن عندهم مرضاً في الاستقامة؟ (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، فمن هجر فوق ثلاث، فمات؛ دخل النار) أخرجه أبو داود عن أبي هريرة مرفوعاً، وهو حديث صحيح.
وفي حديث صحيح آخر: (هجر المسلم أخاه كسفك دمه)، وقال ﷺ : (من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه) (تعرض أعمال الناس في كل جمعة مرتين: يوم الإثنين ويوم الخميس، فيغفر لكل عبدٍ مؤمن إلا عبداً بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: اتركوا هذين حتى يصطلحا، اتركوا هذين حتى يفيئا) رواه مسلم.
وقال ﷺ : (تفتح أبواب الجنة يوم الإثنين ويوم الخميس، فيغفر فيهما لكل عبدٍ لا يشرك بالله شيئاً، إلا رجلٌ كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: انظروا هذين حتى يصطلحا) رواه مسلم.
فإذاً الذين يقطعون حبال الوصل مع إخوانهم المسلمين في الله هل هؤلاء من المستقيمين على شرع الله فعلاً؟ وبالمناسبة نقول: إنه لو انقطعت أخبار أخيك عنك لا لشحناء ولا لبغضاء، وانقطعت صلتك به لانشغالك وليس لعداوة؛ فإنك لا تكون هاجراً له، لكن احرص على وصل أخيك المسلم، لكن من أجل الدنيا تقطع أخاك المسلم فتهجره سنين ولا تسلم عليه! وهذا متفشٍ وكثير، ودقق في أحوال الناس واستمع للأخبار تجد ذلك عياناً بياناً.
стр. 4920
من مظاهر نقص الاستقامة: الكبر
تجد الذين عندهم كبر يحرصون على صدور المجالس ولا يجلس حيث انتهى به المجلس، فيرتكبون أمراً حذر منه النبي ﷺ في الحديث الصحيح بقوله: (اتقوا هذه المذابح -أي: المحاريب- حضور المجالس، تواضعوا لله) اجلس حيث ينتهي بك المجلس، هذا الذي مهما كانت هيأته ومظهره هذا الذي يجد في نفسه حنقاً لو أنه لم يقم له في صدر المجلس ليجلس، فأين يكون موقعه من الاستقامة؟ إن الذين يأتون بالكفرة من الخدم والموظفين وهم يعلمون أن النبي ﷺ قال: (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب)، وقال: (أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب) ولو كانت سيماهم سيماء أهل الخير، لكنه يرتكب منكراً ومعصية.
الذين يظلمون الخدم في البيوت بالضرب والإهانات والخصم، كيف به وهو يسمع حديث النبي ﷺ : (إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه فاكتفاه علاجه ودخانه، فليجلسه معه، فإن لم يجلسه معه؛ فليناوله أكلةً أو أكلتين) هذا طبعاً في غير النساء مع الرجال، فإن المرأة لا تجلس مع الرجل الأجنبي.
إن الذين عندهم نوع من الكبر يظنون أن نوعاً معيناً خاصاً من الدماء يجري في عروقهم، وأنهم من نسلٍ غير نسل آدم، وأنهم من طبقة من البشر ليست كباقي طبقات الناس الذين لو جاءهم خاطبٌ يخطب منهم احتقروه، وقالوا: كيف تتجرأ أصلاً أن تطرق بابنا وأنت تعلم أننا أصحاب حسب ونسب وشرف وأنت حقير؟ هؤلاء ما هو موقعهم من الاستقامة مهما كانت أشكالهم وصورهم، والنبي ﷺ يقول: (إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه؛ فزوجوه إلا تفعلوا؛ تكن فتنة في الأرض وفسادٌ عريض) إذا كنت تخشى مفاسد وقطيعة داخل العائلة؛ إذاً اعتذر بأدب، أما أن يحتقر خلق الله لماذا يتقدم أصلاً للزواج؛ لأنك ترى في نفسك خاصية من دون عباد الله، وكأنك لست لآدم الذي هو من تراب: (كلكم لآدم وآدم من تراب) فهذه النوعية من البشر أين موقعهم من الاستقامة؟
стр. 4921
من مظاهر نقص الاستقامة: أذية الجار
إن الذين يشتكي منهم جيرانهم من أنواع الأذى التي يعاملونهم بها ويؤذونهم بها، هل هؤلاء مؤمنون حقاً والنبي ﵊ يقول: (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن! قيل: من يا رسول الله! قال: من لا يأمن جاره بوائقه)، وقال ﵊: (إذا أثنى عليك جيرانك أنك محسن؛ فأنت محسن، وإذا أثنى عليك جيرانك أنك مسيء؛ فأنت مسيء).
стр. 4922
من مظاهر نقص الاستقامة: أذية المصلين في المساجد
إن الذين يضايقون خلق الله في المساجد بالروائح الكريهة من روائح البصل والثوم ونحوه، أو يتنخم في المسجد نخامة تصيب بدن أخيه أو ثوب أخيه، كيف هو؟ لقد قال ﷺ : (إذا تنخم أحدكم وهو في المسجد؛ فليغيب نخامته لا تصيب جلد مؤمنٍ أو ثوبه فتؤذيه) حتى هذه الأشياء الإسلام يراعي فيها مشاعر المسلمين.
стр. 4923
من مظاهر نقص الاستقامة: ظلم الزوجة
إن الذي تكون عنده زوجة فيظلمها ويأكل حقها، فلا يدع لزوجته ريالاً من راتبها إلا ويأخذه في آخر الشهر، حتى رواتب الصيف ومكافئة نهاية الخدمة يأخذها بدون رضاها وهو ما اشترط عليها في العقد شيئاً، فيأخذ مال أخيه المسلم بغير حق، هذا كيف يكون حاله؟ هؤلاء الذين يظهرون بالبشاشة في وجوه إخوانهم، ثم يكونون من أسوء خلق الله في التعامل مع زوجاتهم.
الذي يكون عنده أكثر من زوجة وهو يهمل إحداهن ويغيب عنها، ويتركها ولا ينفق عليها، ويقول: أنت موظفة أنفقي على نفسك، كأن الشريعة قالت: إذا كانت الزوجة موظفة فالنفقة عليها، والشريعة ما قالت هذا، وربما أدخل أولاد هذه في مدارس خاصة، وترك أولاد تلك ونحو ذلك، تفريط بدون سبب شرعي (إذا كانت عند الرجل امرأتان فلم يعدل بينهما؛ جاء يوم القيامة وشقه مائل) جزاءً وفاقاً لظلمه لزوجته.
وكذلك الزوجة التي تظلم زوجها، فترفض خدمته وتتعالى عليه أو تقول: راتبي أكثر من راتبك، وشهادتي أعلى من شهادتك، وتطلب الطلاق منه من غير ما بأس؛ فحرام عليها رائحة الجنة، ومهما كان حجابها وشكلها؛ فإن استقامتها ليست بكاملة.
стр. 4924
من مظاهر نقص الاستقامة: مماطلة الأجراء
إن الذين يستأجرون الأجراء ويماطلونهم ولا يعطونهم حقوقهم، ويخصمون عليهم من الرواتب والمستحقات والبدلات، ويقف في طريقه إذا أراد أن يعف نفسه (أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه) هؤلاء استقامتهم ليست بكاملة.
إن الذين يقترضون الأموال ويستدينون، وهم يعلمون أنهم لن يؤدوا هذه الأمانة، ويتساهلون في الاستدانة، مهما كانت أشكالهم وصورهم ومظاهرهم، فكيف يكون حالهم ورسول الله ﷺ يقول: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها؛ أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها؛ أتلفه الله)، وقال ﷺ : (سبحان الله! ماذا أنزل من التشديد في الدين، والذي نفسي بيده! لو أن رجلاً قتل في سبيل الله، ثم أحيي، ثم قتل، ثم أحيي، ثم قتل وعليه دين، ما دخل الجنة؛ حتى يقضى عنه دينه) وبعض الناس الآن يتساهلون في الدين وهو يعلم أنه لن يرد، وإن كان عنده مال يماطل ويقول: لا أريد أن تنزل مدخراتي عن مستوى كذا، إذا ارتفعت فوق كذا؛ رددت إليك مالك، هؤلاء المماطلين عليهم أن يعلموا أن استقامتهم ناقصة مهما كانوا.
стр. 4925
من مظاهر نقص الاستقامة: عدم أخذ الدين بالقوة
ونحن أيها الإخوة! نعاني ونعاني كثيراً من عدم أخذ الدين بالقوة كما أمرنا الله، نعاني من تسيبات، حتى على مستوى الصحوة توجد أنواعٌ من الغثائية والتفريط، فهذا إغراق في الضحك، وتضييع للأوقات في النكت والطرائف وليس نكت بمعنى الفوائد لكنها نكت بمعنى آخر فيه إغراق في الضحك، والنبي ﷺ قد علمنا بأن كثرة الضحك تميت القلب، فأين استشعار المسئولية تجاه هذا الدين؟ وأين حديث: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً).
نحن اليوم نعاني على مستوانا الداخلي من أنواع التسيب وعدم الجدية في طلب العلم، فهناك من الشباب من لا صبر له على القراءة ولا اهتمام له بحضور حلق الذكر والعلم، ولا دافع عنده للسؤال عن الأحكام الشرعية وتعلم دين الله، ولو سئل عن دليلٍ شرعيٍ في حجاب المرأة ما عرفه، أو في حكم الزنا ما أثبته، وكل كلامه: أو كما قال أو كما قال.
والذين يشتغلون ببعض أنواع الملهيات من الألعاب وغيرها ويجعلون جُل وقتهم فيها ويتركون العمل لهذا الدين والسعي لنصرة الدين والدعوة للدين، فهؤلاء فقههم في دين الله ضعيف.
إن واقع المجالس اليوم التي نجلس فيها مع أنواع القضايا التي تثار في هذه المجالس والمواضيع التي تطرق تحتاج إلى مراجعة كبيرة، ليتهم يتناقشون في مسائل في العلم، أو يعرضون شيئاً من أحوال المسلمين، أو يفكرون في حلول مشكلات المجتمع، أو يتداولون الخبرات، أو يذكرون شيئاً؛ ليزدادوا به إيماناً! وإنما مجالسهم لهوٌ ولعب وسهر وتضييع لصلاة الفجر ساعات طويلة تنفق من العمر.
إن مرض نقص الاستقامة قد أصاب مجالسنا إصابات بالغة، وجعل هذه المجالس قليلة الخير نادرة الفائدة، ولو كان هناك استقامة صحيحة لصارت المجالس مثمرة.
стр. 4926
من مظاهر نقص الاستقامة: تمييع الأخوة الإسلامية
إن مرض نقص الاستقامة قد انعكس كذلك على مفهوم الأخوة الإسلامية فميعه، وصارت العلاقات كثيراً ما تكون استئناسات وترويحات وتبادل للألفاظ العاطفية، وخلطة زائدة، وأضرار سلبية، وانخفاض إيمان، وتعلق بغير الله، ووصول إلى درجات العشق ونحو ذلك وإعراض عن الجلوس مع من يستفيد منهم، ومع من يكون عندهم علمٌ نافع، وإنما التقوقع على فلانٍ واحدٍ أو اثنين أو أكثر وترك البقية والحرمان -حرمان النفس من فوائد جمة- وإنما هي شجين وعواطف تنطلق بلا حساب.
стр. 4927
من مظاهر نقص الاستقامة: التهاون في السنن والمستحبات
إن مرض نقص الاستقامة قد أدى إلى حصول تهاونٍ بالسنن والمستحبات، وهناك قسمان: نقص الكمال الواجب ونقص الكمال المستحب، فأما نقص كمال الاستقامة الواجب فقد ذكرنا أمثلة منه كثيرة، ولكن ينبغي أن ننتبه لمرض نقص كمال الاستقامة المستحب.
الكمال كمالان: كمال واجب لا بد أن يؤتى به.
وكمال مستحب ولكن التفريط والتضييع أدى إلى الوقوع في أنواع من التهاونات.
فأقول: إن مرض نقص الاستقامة قد أدى فيما أدى إلى الاستهانة بالسلوك، حتى السواك ورص الصفوف التي يعتبرها بعض الناس أشياء ثانوية وجانبية، أي: أنهم يمكن أن يهملوها، مع أنك يا أخي المسلم لو تتبعت الأحاديث الواردة في السواك لرأيت أمراً عجباً، وقد صنف بعض العلماء كتباً في السواك فقط، والذي يتتبع هذا الأمر يخرج بانطباع أن الشريعة تريد تكميل المسلم وإحاطته من جميع الجوانب، وأن تجعله في أحسن صورة، لكن بعض الناس يصرون على الإهمال والتضييع لهذه السنن، ويقولون: هذه قشور، اترك وابتعد.
نحن لم نقل: اجعلها أولويات في الدعوة، أو قدمها على ما هو أعظم منها من الأعمال، لكن ألا تعملها وتتركها نهائياً، والذي حصل من أنواع التأخرات والتهاونات في السنن أدى إلى أشياء سيئة، فمثلاً: التهاون في النوافل، قال ﷺ : (إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله الصلاة، فإن صلحت؛ فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت؛ فقد خاب وخسر، وإن انتقص من فريضة -لو انتقص من الطهارة أو الشروط أو الأركان أو الواجبات أو الخشوع- قال الرب: انظروا هل لعبدي من تطوع؟ فيكمل بها ما انتقص من الفريضة، ثم يكون سائر عمله على ذلك) أي: لو نقص من الزكاة؛ يكمل من الصدقة، لو حدث رفث وفسوق وجدال في الحج؛ يكمل من حج النافلة، فكيف نضيع النوافل إذا كانت النوافل مهمة في تكميل النقص الحاصل في الصلوات الواجبة والفرائض؟ وكذلك التهاون في الصدقات وصيام النافلة وغيرها من العبادات.
ومن الأشياء التي تحدث في هذا الجانب أيضاً: التكاسل عن التبكير للصلاة، وخاصة صلاة الجمعة وصلاة الجماعة، ولقد هدد النبي ﷺ بقوله: (ولا يزال أناس يتأخرون حتى يؤخرهم الله)، وقال ﷺ : (احضروا الجمعة وادنوا من الإمام، فإن الرجل لا يزال يتباعد؛ حتى يؤخر في الجنة وإن دخلها) حديث صحيح.
وكذلك يوقع في أخطاء، فمن الأخطاء التي يوقع فيها مثلاً: الإسراع أثناء الحضور إلى المسجد إسراعاً يخل بالخشوع، مع أن السنة الإتيان إلى المسجد بالسكينة والوقار: (إذا ثُوب للصلاة؛ فلا تأتوها وأنتم تسعون، وائتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا، فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة؛ فهو في صلاة) فلماذا يركض؟ ولماذا يستعجل؟ ولماذا يجري فيدخل في الصف لاهثاً لا يلتقط أنفاسه إلا بصعوبة، فيفوت عليه الخشوع وحسن القراءة؟ قد نقع في أخطاء من جهة التطويل في الإمامة، فقد قال ﵊: (إذا أم أحدكم الناس فليخفف، فإن فيهم الصغير والكبير والضعيف والمريض وذا الحاجة، وإذا صلى بنفسه فليطول ما شاء) والمقصود التطويل غير الشرعي، أما أداء الصلاة كما أمر الله وإتقانها كما عمل رسول الله ﷺ فهذا من اتباع السنة.
من الأمور التي يحصل فيها تفريط أيضاً في قضايا المستحبات: عدم التورع عن المشتبهات والوقوع في الشبه، وهذا يؤدي إلى الوقوع في الحرام، وهذا يقول لك: هذا مطلي بالذهب، وهذا يقول: هذا كذا، وموقفنا الصحيح إن كان فعلاً عندنا استقامة جادة على الشريعة أن نترك هذه المشتبهات (اجعلوا بينكم وبين الحرام ستراً من الحلال، من فعل ذلك استبرأ لعرضه ودينه، ومن ارتع فيه كان كالمرتع إلى جنب الحمى يوشك أن يقع فيه، وإن لكل ملكٍ حمى، وإن حمى الله في الأرض محارمه).
إن كثرة النزول إلى الأسواق، وما فيها من المنكرات وغشيان أماكن الاختلاط لغير حاجة ما هو إلا نقص في الاستقامة (أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها) ومن الناس من همه الصفق في الأسواق.
стр. 4928
من مظاهر نقص الاستقامة: حصول الطفرات والانتكاسات
وأقول: إن مرض نقص الاستقامة قد أدى فيما أدى إليه حصول الطفرات التي ليست مؤسسة على تقوى من الله ورضوان، وحماس على غير أساس، فينقطع الطريق بالإنسان ولم يؤسس نفسه كما يريد الله ، ولذلك ترى الرجل حين يصعد فجأة من عالم الجاهلية إلى عالم الدين والعبادة، ثم يهبط فجأة وتهوي به ريح الانتكاس في وادٍ سحيق، وسبب ذلك: أن تحصيل الاستقامة يحتاج إلى تربية تحصيل الاستقامة يحتاج إلى وسط إسلامي تحصيل الاستقامة يحتاج إلى إخوة في الله يجالسهم تحصيل الاستقامة يحتاج إلى حلق ذكر يغشاها تحصيل الاستقامة يحتاج إلى تربية جماعية وفردية تحصيل الاستقامة يحتاج إلى تناصح بيننا، ولذلك فهؤلاء الذين تحدث عندهم نوع من الحماسة بعد الخطبة أو محاضرة أو شريط يستمع إليه يخفق في الوصول إلى الهدف وينكص ويرجع؛ لأنه لم يعرف كيفية تحصيل الاستقامة الكاملة ولا الطريق إلى ذلك، هو الذي يريد أن يكون فرداً لا صلة بينه وبين إخوانه، ولا يريد أن يكون مع الجماعة، ويد الله مع الجماعة.
стр. 4929
من مظاهر نقص الاستقامة: عدم التفاعل مع قضايا المسلمين
ومن آثار نقص الاستقامة: ألا نتفاعل مع قضايا المسلمين، ولا نعرف أخبار إخواننا المسلمين، ولا نمد يد العون لإخواننا المسلمين! مسلمون يشردون وآخرون يقتلون وفئة يسجنون وغيرهم يعذبون، ونحن حتى الدعاء بخلنا به، فهل هذه الاستقامة صحيحة؟ وأين مفهوم الجسد الواحد الذي حثَّ عليه الإسلام؟ ونحن نتكئ على الأرائك نتبرد ونأكل من الملذات، فهذا واحد لا يأتي بالحلوى إلا من البحرين، وعنده مشاوير خاصة من أجل الحلوى، ولو أخذت وقتاً طويلاً أو قصيراً فالأمر عادي، ولو ضاعت صلاة الجماعة فذلك ليس مهم، يعني: أحياناً نضرب في تحصيل لذائذنا أكباد الإبل، ونمتطي ونرحل، ولأجل صلاة أو حلقة علم لا نبذل شيئاً من الوقت فهذا من نقص الاستقامة.
стр. 4930
من مظاهر نقص الاستقامة: التعلق بالدنيا
إن التخلي عن الزهد والاهتمام بالمظهر والثياب والعطور والأرياش والتنعم والتحف في البيوت من الأشياء المشغلة؛ لأنها تؤدي إلى التعلق بالدنيا، والتعلق بالدنيا ينافي الاستقامة، فمفهوم الزهد أيضاً ناقص، والذي تكون استقامته كاملة يكون زهده كبيراً، فعندنا اهتمام بالمظاهر إسراف تضييع أموال كماليات، هذا يقول: أشتري قارباً بثلاثين ألفاً، من أجل إذا كانت هناك تمشية أتمشى هل هذا فكر مرة أخرى وراجع نفسه هل القرار هذا صحيح؟ أليس هناك مجالات أحسن وأفضل وأكثر أجراً لتضع فيها هذه الأموال؟ إذاً: هناك قضايا كثيرة تحصل ولكن محاسبة النفس ضعيفة، ولأجل ذلك فإنه تخترقنا كثيرٌ من سهام الشيطان.
стр. 4931
من مظاهر نقص الاستقامة: بقاء رواسب الجاهلية عند الإنسان
من نقص الاستقامة: أن توجد عند الإنسان رواسب من الجاهلية لا يسعى لتخليص نفسه منها، ولذلك فانحرافه من أسهل ما يكون، فقد تكون له علاقات محرمة لا يقطعها، وصور موجودة لا يتلفها، وأفلامٌ سيئة لا يتخلص منها، وأرقام هواتف لا زال يحتفظ بها، كل ذلك من أثر مرض نقص الاستقامة، ولو أنه جلس في مجلس فظهرت على الشاشة مباراةٌ لكرة القدم؛ لانخرط في التشجيع وانهمك به، واتخذ جانباً معيناً وصارت القضية قضية مهمة عنده، هذا لنقص استقامته، وأقرب نوعية للانتكاس هي هذه النوعية.
стр. 4932
من مظاهر نقص الاستقامة: عدم القيام بواجب الإصلاح والإنكار
من آثار نقص الاستقامة: عدم الاهتمام بالبيت وإصلاح البيوت، ويكون هذا الإنسان الذي يزعم الاستقامة شبه معطل ليس عنده طاقات يبذلها لله لا إنكار منكرات، ولا قيام لله بواجب الذب عن شريعته، وربما لو أن المجلس حصل فيه اتهامٌ للإسلام أو طعنٌ في الدين ما قامت له قائمة ولا تحرك له رمشٌ ولا اختلج فيه عرق؛ لأن من الخذلان -والعياذ بالله- ما يمنعه عن الدفاع عن بيضة الدين وحفظ هذه الشريعة.
أن تمر بالمنكر فلا تنكره، لماذا؟ أتخشى الناس؟! فالله أحق أن تخشاه: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥] أين إنكار المنكر ولو بالكلام؟ إن لم تستطع باليد فبالكلام، وماذا يضرك لو تكلمت؟ ثم إننا مطالبون بالنصيحة والكلام والصبر على الأذى: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان:١٧].
إلقاء التبعات على العلماء والخطباء والقول إنهم مسئولون عن تصحيح الانحرافات أنا مسلم عادي ما عندي شيء مقصوص الأجنحة لا أستطيع أن أفعل شيئاً، من قال ذلك؟ أنت يمكن أن ترى منكرات لا يراها أولئك العلماء والخطباء، وأن تكون في بيئات لا يأتي إليها العلماء والخطباء، وأنت تجلس في أوساط ومجالس لا يغشاها أولئك القوم؛ فعليك المسئولية والتبعية، فلماذا التخاذل عن إنكار المنكر؟ لماذا الاستسلام للدعة والخشية من أن يرد عليك أو يقال فيك كلمة؟ أين النصيحة؟ (الدين النصيحة) النصيحة لله أن تذب عن دينه وشريعته أن تقوم له سبحانه النصيحة لرسوله ﷺ النصيحة لكتاب الله، أين النصيحة لكتاب الله وهم في المجلس يتكلمون على الإسلام وأنت ساكت؟
стр. 4933
من مظاهر نقص الاستقامة: ضياع الأوقات في الأسفار
وكذلك نعاني أيضاً من ضياع الأوقات في الأسفار التي لا طائل من ورائها، وحياة الاصطياف التي يعملها كثيرٌ من الناس لا مصلحة شرعية فيها، بل فيها كثيرٌ من المضرة وإنفاق الأموال الكثيرة، ويحصل فيها من قسوة القلب ورؤية المنكر ما يجعل الإنسان مختل الإيمان ينزل إيمانه إلى الحضيض يرجع من الإجازة لم يزدد إيماناً وإنما نقص إيمانه ونقص دينه وفرط في أشياء كثيرة.
стр. 4934
مظاهر أخرى مخالفة للاستقامة
ينبغي أن تكون استقامتنا على الدين استقامة صحيحة كاملة واعية، أن نمسك بهذا الدين فعلاً، لا نترك إلقاء السلام على الناس بحجة أنهم غير متمسكين، وأن عندهم نوعاً من الفسق؛ بل أفشوا السلام وأطعموا الطعام، وابتسامتك في وجه أخيك صدقة، دع الغيبة التي تكون بخلاف النصيحة، ودع التظاهر بالانشغال وليس عندك شيء لتبدي نفسك شخصاً مهماً، واترك الضعف والوهن، ودافع عن عرض أخيك المسلم، أليس من السوء كل السوء أن كافراً يستهزئ بمسلم مثلاً وتضحك أنت مشاركةً لهذا الكافر؟ أليس من الخلل في الاستقامة أن يكون عندنا السرعة في الحكم على الآخرين وانطلاقه من الهوى والعاطفة؟ أليس بخلاف الاستقامة أن نحكم بالنيات بالفساد ولا يعلم النيات إلا الله، ولم يظهر لنا هذا الرجل شيء؟ وينبغي أن نحمل أمر أخينا المسلم على أحسنه، أليس مما ينافي الاستقامة إهدار الأموال العامة من المياه والكهرباء وغيرها ولو كنت أنت لا تدفع الفواتير؟ أليست هذه ملك لبيت مال المسلمين في الأصل وإن فرط فيها من فرط وضيع فيها من ضيع، فهل أنت تشارك المفرطين والمضيعين؟ أليس مما ينافي الاستقامة أن نتشدد مع من تحتنا من الناس بشيء لا تأمر به الشريعة بحجة الحزم في العمل، وننفر الناس من أهل الدين مع أن المسألة لا تساوي كل هذا الأمر من الحملة والعقاب؟ أليس مما ينافي الاستقامة أن يتأخر الإنسان من عمله ويخرج قبل الوقت ويتكلم مع بقية زملائه، والمراجعون يقفون في الطوابير، فيترك العمل ويعطل العالم؟
стр. 4935
محاسبة النفس وتقويمها
أيها الإخوة: إن الكلام في هذا الموضوع يطول ويطول، والمظاهر المخالفة للاستقامة سواءً كانت مخالفة لكمال الواجب أو لكمال المستحب كثيرة، وأعود فأقول: نحن نحتاج أن نحاسب أنفسنا وننظر في أمرنا ونسأل الله السداد.
أيها الإخوة: إن العمر قصير، وإننا مقبلون على يومٍ لا بد منه: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٨١].
إننا نحتاج أن نقوم أنفسنا فعلاً على ضوء هذه الشريعة، وأن نكون عباداً ناصحين مخلصين مستقيمين، لا نريد أن نكون أصحاب مظاهر، ولا نعمل ليقال: إننا عملنا كذا، وإنما نربي أنفسنا ونستقيم على الدين وعلى الشريعة.
ينبغي أن نكون دعاةً بأفعالنا قبل أن نكون دعاة بأقوالنا، لا بد أن تزول هذه الغثائية الموجودة في عالم الصحوة لماذا تأخر النصر؟ لماذا استمرأ الأعداء؟ لماذا طال ليلنا؟ السبب من أنفسنا نحن، فإذا كنا نريد أن نكون صادقين مع الله وصادقين في اتباع الشريعة؛ فلا بد أن نقوم بتنزيه أنفسنا من هذه النقائص والعيوب.
أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يجعلنا وإياكم هداةً مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، وأن يتوب علينا أجمعين، وأن يرزقنا حسن الخاتمة، إنه سميع مجيبٌ كريم.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 4936
نيران الدنيا [الاستدانة]
إن كثيراً من الناس قد خالفوا أمر الله في إبراء ذممهم، فأقدموا على أمر يقلق أنفسهم ويقض مضاجعهم، ألا وهو الاستدانة وأخذ القرض، حتى ركبت كثيراً منهم الديون، وقد كان النبي ﷺ حريصاً أشد الحرص على قضاء الدين؛ لأن الدين مذلة ومهانة، وهو كذلك مدعاة للكذب وإخلاف الوعد كما أخبر النبي ﷺ .
стр. 4937
اهتمامه ﷺ بوفاء الدَّين
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين.
عباد الله: إن كثيراً من الناس قد خالفوا أمر الله ورسوله في إبراء ذممهم، وأتوا على أمر من الأمور الذي يقلق أنفسهم ويقض مضاجعهم، ألا وهو الاستدانة من الغير وأخذ القرض والسلف؛ حتى ركبت كثيراً منهم الديون، واجتمع عليهم من الهموم ما لا يذوقون معه طعماً للنوم ولا يهنئون بعيش.
إن النبي ﷺ قد حذرنا من الاستدانة، الاستدانة التي لا يكون لها داعٍ وإنما يدفع إليها عدم القناعة والحرص على الاستكثار من الدنيا، والتوسع في الملذات الفانية، إن النبي ﷺ كان يقول: (لو كان لي مثل أحدٍ ذهباً ما يسرني ألا يمر عليَّ ثلاثٌ وعندي منه شيء إلا شيء أرصده لدين) كان اهتمامه بأمر وفاء الدين عظيماً.
إن الإنسان قد يضطر أحياناً للاستدانة، وإنه ﵊ يقول: لو كان عندي مثل أحدٍ ذهباً لأنفقته في سبيل الله، لا يمر عليَّ ثلاث إلا أنفقت في سبيل الله ما عدا أمراً واحداً وهو إعداده لإيفاء الدين.
أيها المسلمون: ولقد حرصت الشريعة أيما حرص على حقوق العباد، فإن حقوق العباد عظيمة، والله قد يتسامح في حقوقه لكن حقوق العباد باقية، ولذلك فقد جاءت الشريعة بالأمر بقضاء الدين قبل الوصية، فلو مات الميت وعليه دين وقد أوصى بوصية ولأهل الميراث حقوق، فإن الدين يقدم على الوصية، وعلى ميراث الورثة، فيقضى الدين أولاً لقوله ﷺ : (الدين قبل الوصية).
إن الذين يرهبون أنفسهم بالدين لا يعلمون المعنى الذي كان النبي ﷺ يشير إليه بقوله: (لا تخيفوا أنفسكم بالدين) لأنه خوفٌ ومخافة، وكان النبي ﷺ يجعل من دعائه شيئاً يستعين به ربه على هذا الأمر، فكان يقول: (اللهم استر عورتي، وآمن روعتي، واقض عني ديني) وكان ﵊ يقول أيضاً: (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين وغلبة الرجال) أما ضلع الدين: فهو غلبة الدين؛ لأنه يرهق صاحبه إرهاقاً، وضلع الدين: هو الذي لا يجد الدائن من يدينه، وكان يقول -أيضاً- في رواية: (اللهم إني أعوذ بك من غلبة الدين) بل إنه ﵊ كان يدعو في الصلاة بقوله: (اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم، فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ يا رسول الله من المأثم والمغرم! فقال: إن الرجل إذا غرم حدث فكذب، ووعد فأخلف) وانظر إلى حال هؤلاء الذين يركض أصحاب الديون وراءهم لأخذ الديون، ترى العجب في الكذب في الحديث وإخلاف الوعد، يعده مرات كثيرة ثم لا يوفي، لو قال له: لا أستطيع، أو ليس لدي مال لكان أهون، لكنه يعد ويخلف، ويعد ويخلف، ويعد ويتهرب وهو على هذا الحال.
стр. 4938
إجراءات الشريعة لحفظ الدَّين وتوثيقه
والشريعة قد جعلت للدين إجراءات لحفظه وتوثيقه، فمن ذلك توثيقه بالكتابة لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:٢٨٢].
ثانياً: توثيقه بالشهادة لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:٢٨٢].
ثالثاً: توثيق الدين بالرهن لقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة:٢٨٣] فيرهن أرضه أو شيئاً عنده لأجل أن يوثق الدين لصاحب الدين.
رابعاً: توثيقه بالكفالة، كل هذه الإجراءات دالة على أن الشريعة تحفظ حقوق العباد، وأنها حريصة على عدم تضييعها.
стр. 4939
مذلة الدَّين
إن الدين مذلة؛ لأنه قد يدخل صاحبه السجن فتسوء سمعته وسمعة أولاده وأهله بين الناس، وقد يحرج مع الديَّانة حتى يلجأ إلى الكذب وربما علمه لأولاده، فيقول: قل لهذا الطالب للدين الطارق للباب إن أبي غير موجود، وكذلك إذا اتصل به بالهاتف -مثلاً- يكذب ويعلم أولاده الكذب، وقد يحلف حراماً بالحرام، أو يطلق وهو حانث وكذاب، أو يضطر للتخفي ويتحرج من مواجهة الناس الذين يطالبونه فيتوارى عن الأنظار والمجالس، ويحرم المعيشة الطبيعية ومعاشرة الخلق، وربما ذهب الحياء منه وصار ليس في وجهه ماء، فمهما ألح عليه الديَّانة وطاردوه قابلهم بوجه صلف ونفس ليست بنفس طيبة، فيزول من حيائه ومن ماء وجهه ما الله به عليم، ويكفي وقوعه في بعض آيات المنافق (وإذا وعد أخلف) فهو كثيراً ما يعد فيخلف، وقد يضطر للوقوع في الربا ليس اضطراراً شرعياً وإنما نفسياً لا يجيزه له الله ولا رسوله، فيقترض من المرابين ليسدد بالزيادة ليفر من السجن، والسجن أهون وأحب للمؤمن من الاقتراض بالربا؛ لأنه إذا سجن وهو مغلوب على أمره كان السجن ابتلاء وكفارة، وإذا اقترض بالربا ليسدد الدين فهو ملعون؛ لأن النبي ﵊ قال: (لعن الله آكل الربا وموكله) والموكل: الذي يدفعه إلى المرابي، وقال: (الآخذ والمعطي سواء) فالسجن أحب إلى المؤمن من الاستلاف بالربا لو كانوا يعلمون، ولو كانوا يعقلون، ولكنهم قوم لا يفقهون، وربما استدان من مرابٍ ليوفي مرابياً آخر، وهكذا يزداد عليه الدين ويعظم حتى لا يكون له أملٌ في السداد مطلقاً في حياته.
يقول بعض السلف: لأن تلقى الله وعليك دَين ولك دِين -لأنك لم تدفع بالربا- خيرٌ من أن تلقاه وقد قضيت دَينك وذهب دِينك.
وهو مذلة لما فيه من شغل القلب والبال، والتذلل للغريم عند لقائه، وتحمل منة الناس بالتأخير إلى حين أوانه، وربما مات فصار مرتهناً بدينه، فإن النبي ﵊ قد أخبر أن نفس المؤمن مرتهنةٌ بدينه، فهو محبوس مأسور حتى يوفى عنه دينه، وهو يجعل المستدين ذليلاً من جهة أنه يحس في قرارة نفسه أنه محتاجٌ إلى غيره، وقد يجر على نفسه تسلط غيره عليه، فإن كان الدائن الذي أعطاه لا يراعي حقوق الأخوة فقد يبدأ بالتدخل في شئونه الخاصة، وقد يتكلم فيما يؤذيه في أهله وولده ومسكنه، بل قد يتدخل في تجارته ومصروفه وراتبه، فيقول: بع كذا، ولا تشتر كذا، وارهن كذا، والمدين المسكين يحرج ولا يستطيع أن يخالف حتى وجهة نظر دائنه، وهو مذلة -أيضاً- لأنه سيسمع من الدائن كلاماً قاسياً ومن الناس كذلك، ويضطر إلى السكوت على مضض، وربما لا يجد جواباً، وروى عبد الرزاق عن ابن جريج قال: [رآني عمر وأنا متقنع، فقال: يا أبا خالد! إن لقمان كان يقول: القناع بالليل ريبة، وبالنهار مذلة، فقلت: إن لقمان لم يكن عليه دين].
وقال عياض بن عبد الله: الدين راية الله في أرضه، فإذا أراد أن يذل عبداً جعلها طوقاً في عنقه.
ومن أمثالهم: لا هَمَّ إلا هَمُّ الدين، ولا وجع إلا وجع العين.
ويروى عن عمر أنه قال: [إياكم والدين فإن أوله هَمٌّ وآخره حرب].
وقال عمر بن عبد العزيز: " الدين وقر طالما حمله الكرام ".
ومن أمثالهم: الدين رق فلينظر أحدكم أين يضع رقه.
وساير بعضهم رجلاً وهو يحادثه وفجأة قطع الحديث واصفر لونه، فقال له الرجل: ما هذا الذي رأيت منك؟ فقال: رأيت غريماً لي من بعيد.
ونفَّس بعض المدينين عن نفسه بقوله:
ألا ليت النهار يعود ليلاً فإن الصبح يأتي بالهموم
حوائج ما نطيق لها قضاءً ولا دفعاً لروعات الغريم
الدين هم بالليل وذل بالنهار، نقول هذا الكلام -أيها الإخوة- لأننا نجد في الواقع من الأمراض الاجتماعية تساهل الناس بأمر الدين والاستدانة، نحن لا نعتب على الذين استدانوا اضطراراً فهذه ضرورة وحاجة، لكن الذين يشترون الكماليات التي لا يملكون قيمتها أو بعض قيمتها، فيصبح الاقتراض عندهم من أسهل الأمور، الدين سهل حلو عند أخذه في البداية، ولكنه حنظل مر عند حلول أجله والمطالبة به.
التبذير والإسراف من العادات القبيحة التي فشت بين الناس، وهم لا يرضون بأن يمدوا أرجلهم على قدر لحافهم ولكنهم يريدون أن يصلوا من لحاف غيرهم بلحاف أنفسهم حتى يمدوا أرجلهم أقصى ما يستطيعونه، ولو أنهم تعقلوا فأنفقوا على قدر طاقتهم واستطاعتهم ما حصل لهم هذا الخزي، والعجيب أنك ترى بعض هؤلاء يسكن بيتاً فخماً ويركب سيارةً فارهة، وربما وضع بها هاتفاً سياراً كل ذلك بالدين، ولعله لا يجد في جيبه ما يملأ به خزان وقود سيارته من أجل المظهر، حب المظاهر والشهرة، وحب الظهور أمام الخلق، والمراءاة، وحتى يقال عنه: صاحب كذا وله كذا، مرض والعياذ بالله، يجدد سيارته وليس عنده مال، ويشتري بالتقسيط ولا يقنع، وبعض البنوك تعطي بعض الناس مبالغ يقولون: هذه مليون ضارب بها، يعطونه إياها بالربا، فيعطون المجال لبعض الناس بأن يسلفوهم مالاً يركبه الدين والربا، وهذا الذي يريد المخاطرة والمجازفة وليس عنده دين يأخذه ليضارب به، ثم قد يكسب وقد يخسر، والدين والربا عليه باقيان.
وبعض الناس يستلفون من البنوك بالربا ليعملوا المشاريع، ويشتروا الأراضي ويقول: هذه أرض جيدة وليس عندي مال وفيها مربح، فيستلف من البنك على أمل أن يبيع الأرض بربح يسدد به الدين ويبقى له ربح ولا يعلم بأنه لم يبق له دين.
هؤلاء الجشعين الذين يريدون أن يتوسعوا في التجارات، وليس التوفيق حليفهم والله، ولا بركة لهم في مكاسبهم، يأخذون بالربا، وبعض الناس يتساهلون في الاستلاف من أموال اليتامى أو النساء، ويكون بعض النساء عندهن أموال من الوظائف والرواتب فيأخذها سلفاً ليضارب بها، ولو أنه أخذها إحساناً لأجر، ولكن توسعاً في الدنيا وجرياً، والنبي ﵊ يقول: (أحرج عليكم حق الضعيفين اليتيم والمرأة).
وبعض الناس يستلفون من أموال الأمانات والصدقات التي عندهم وهذا حرام، لا يجوز أن تأخذ من الأمانة، ولو أعطيت صدقة لا بد أن تؤديها إلى مستحقها؛ لأنك وكيل، أعطيت الصدقة فلا يجوز أن تأخذ منها شيئاً.
стр. 4940
أنواع المدينين
والمدينون ثلاثة أنواع: أولاً: أن يستدين وهو يعلم من حاله ودخله أنه سيوفي.
ثانياً: منهم من يستدين وهو يعلم من حاله ودخله أنه يستحيل عليه أن يوفي.
ثالثاً: منهم من يستدين وهو لا يدري هل يستطيع الوفاء أم لا.
وأشدهم الأوسط الذي يستدين وهو يعلم من حاله ودخله أنه لا يمكنه الوفاء.
والدين دينان كما قال النبي ﵊: (الدين دينان: فمن مات وهو ينوي قضاءه فأنا وليه، ومن مات وهو لا ينوي قضاءه فذاك الذي يؤخذ من حسناته ليس يومئذٍ دينارٌ ولا درهم)، وقال ﷺ : (من مات وعليه دين فليس ثَمَّ دينار ولا درهم ولكنها الحسنات والسيئات).
إذاً: من الناس من يستلف وهو ينوي الأداء، ومن الناس من يستلف وهو ينوي عدم الأداء، وهذه من المصائب الموجودة في الناس، وهي من أسباب العداوات، قال ﵊: (ما من أحدٍ يدّان ديناً يعلم الله منه أنه يريد قضاءه إلا أداه الله عنه في الدنيا) ما من عبدٍ كانت له نية في أداء دينه إلا كان له من الله عون.
من أخذ ديناً وهو يريد أن يؤديه أعانه الله، خصوصاً إذا احتاج إلى الاستلاف لكي يتزوج لإعفاف نفسه، لأنه يخشى على نفسه الوقوع في الحرام، أو اضطر إلى الاستدانة لإطعام أولاده وهو ينوي الأداء خالصاً لله وفياً لصاحبه، فالله يعينه ويكون معه: (إن الله تعالى مع الدائن حتى يقضي دينه ما لم يكن دينه فيما يكره الله).
هؤلاء الذين يتوسعون ويشترون بالأقساط، كثيرٌ من الذين يشترون بالأقساط في الحقيقة يجرون وراء الدنيا ليسوا بمحتاجين، وهذه الشركات التي فتحت أبوابها لإغراء الناس بالشراء بالأقساط -أيضاً- تتحمل جزءاً في ذلك، وقال النبي ﵊ مبيناً خطورة الذي يستدين وهو لا يريد الوفاء: (أيما رجل تدين ديناً وهو مجمع -أي: عازم- ألا يوفيه إياه لقي الله سارقاً) وقال النبي ﵊: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله) فهذا الذي يؤخذ من حسناته يوم القيامة وترمى عليه السيئات، هذا إنسان متساهل في الدين، يستدين بدون حاجة فيما يكره الله، هذا الذي لا يعينه الله، بل إنه يكون عليه وبالاً يوم القيامة، فالمسألة مسألة نية، ومن علاج الاندفاع للدين أمور: منها: القناعة، فإنه لو قنع بحاله فرزقه الله القناعة بعيشه لم يتطلب أكثر، لكن الناس لا يقنعون، القناعة كنزٌ مفقود.
وثانياً: الزهد في الدنيا، فإنه لو علم أنها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، وأن (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه) ملعونة لا تساوي عند الله جناح بعوضة، حقيرة زائلة فانية، ما ركض وراء متاعها وركب الديون على ظهره.
وقد تكون الاستدانة لضرورة مثل علاج لا يملك قيمته، أو صاحب زواج يخشى على نفسه الحرام، لكن يشترط أن ينوي الوفاء عند الاستدانة، وأن يبحث بكل الوسائل من تجارات طيبة، واستثمارات، وأعمال إضافية حلال؛ ليخلص نفسه من رق الدين.
ألم تعلم -يا عبد الله- أن النبي ﵊ قال: (إن قتلت في سبيل الله صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر كفر الله عنك خطاياك إلا الدين، كذلك قال لي جبريل آنفاً) وقال ﵊: (أول ما يهراق من دم الشهيد يغفر له ذنبه كله إلا الدين) حديث صحيح.
(من فارق الروح جسده وهو بريء من ثلاث دخل الجنة الكبر، والدين، والغلول) والغلول: السرقة من الغنيمة، وقال النبي ﵊: (سبحان الله ما أنزل من التشديد في الدين! والذي نفسي بيده لو أن رجلاً قتل في سبيل الله ثم أحيي، ثم قتل ثم أحيي، ثم قتل وعليه دين ما دخل الجنة حتى يقضى عنه دينه) حديث حسن.
وقال ﷺ : (نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه).
مات في عهد النبي ﵊ رجل، قال جابر: (فغسلناه وكفناه وحنطناه ووضعناه لرسول الله ﷺ حيث توضع الجنائز عند مقام جبريل، ثم آذنا رسول الله ﷺ بالصلاة عليه، فجاء معنا فتخطى خطاً ثم قال: لعل على صاحبكم ديناً؟ قالوا: نعم ديناران، فتخلف وقال: صلوا على صاحبكم، فقال له رجل منا يقال له أبو قتادة: يا رسول الله! صل عليه وعلي دينه، فصلى عليه النبي ﷺ ، ثم لقيه ﵇ من الغد -لقي أبا قتادة - فقال: ما صنعت الديناران؟ قال: يا رسول الله! إنما مات أمس، ثم لقيه من الغد، فقال ما فعل الديناران؟ قال: قد قضيتها يا رسول الله! قال: الآن حين بردت عليه جلده، أو الآن حين بردت عليه جلدته) لما قضي عليه الدين بردت عليه جلدته وهو في القبر.
وأخبر رجلٌ رسول الله ﷺ أن أخاه مات وترك ثلاثمائة درهماً، وترك عيالاً، قال: فأردت أن أنفقها على عياله، فقال لي رسول الله ﷺ : (إن أخاك محبوس بدينه فاقض عنه) النبي ﷺ رفض أن يصلي على من كان له دين لم يقضه، وهذا محمول على الذي استلف وهو متهاون لا يريد القضاء، أما من استلف وهو يريد القضاء ثم مات فالله يعينه، ويتكفل الله له بحسن نيته بأن يقضي عنه في الدنيا، ويبرئ ذمته بمحسنين أو بورثةٍ، أو أنه يعطي الدائن حسنات يوم القيامة نظراً لحسن نية المدين الذي استدان اضطراراً وهو يريد الوفاء، قال ﵊: (هاهنا أحدٌ من بني فلان؟ إن صاحبكم مأسورٌ بدينه عن الجنة، فإن شئتم فافدوه وإن شئتم فأسلموه إلى عذاب الله) هذه النصيحة للورثة؛ إذا علموا أن على ميتهم ديناً أن يسارعوا إلى قضائه، الحقوق في الشريعة مكفولة، والله لا يضيع حقاً لعبد حتى الكفار غير المحاربين، الكفار حقوقهم باقية، ويجب أداء الديون لهم، ويجب إعطاء الناس حقهم.
اللهم إنا نسألك القناعة، اللهم إنا نسألك القناعة، اللهم قنعنا بما رزقتنا، اللهم اقض عنا ديوننا.
следующие страницы →