Полный текст (7 040 стр.). Показаны 4936–4975 · переход к 4941.
стр. 4936
نيران الدنيا [الاستدانة]
إن كثيراً من الناس قد خالفوا أمر الله في إبراء ذممهم، فأقدموا على أمر يقلق أنفسهم ويقض مضاجعهم، ألا وهو الاستدانة وأخذ القرض، حتى ركبت كثيراً منهم الديون، وقد كان النبي ﷺ حريصاً أشد الحرص على قضاء الدين؛ لأن الدين مذلة ومهانة، وهو كذلك مدعاة للكذب وإخلاف الوعد كما أخبر النبي ﷺ .
стр. 4937
اهتمامه ﷺ بوفاء الدَّين
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين.
عباد الله: إن كثيراً من الناس قد خالفوا أمر الله ورسوله في إبراء ذممهم، وأتوا على أمر من الأمور الذي يقلق أنفسهم ويقض مضاجعهم، ألا وهو الاستدانة من الغير وأخذ القرض والسلف؛ حتى ركبت كثيراً منهم الديون، واجتمع عليهم من الهموم ما لا يذوقون معه طعماً للنوم ولا يهنئون بعيش.
إن النبي ﷺ قد حذرنا من الاستدانة، الاستدانة التي لا يكون لها داعٍ وإنما يدفع إليها عدم القناعة والحرص على الاستكثار من الدنيا، والتوسع في الملذات الفانية، إن النبي ﷺ كان يقول: (لو كان لي مثل أحدٍ ذهباً ما يسرني ألا يمر عليَّ ثلاثٌ وعندي منه شيء إلا شيء أرصده لدين) كان اهتمامه بأمر وفاء الدين عظيماً.
إن الإنسان قد يضطر أحياناً للاستدانة، وإنه ﵊ يقول: لو كان عندي مثل أحدٍ ذهباً لأنفقته في سبيل الله، لا يمر عليَّ ثلاث إلا أنفقت في سبيل الله ما عدا أمراً واحداً وهو إعداده لإيفاء الدين.
أيها المسلمون: ولقد حرصت الشريعة أيما حرص على حقوق العباد، فإن حقوق العباد عظيمة، والله قد يتسامح في حقوقه لكن حقوق العباد باقية، ولذلك فقد جاءت الشريعة بالأمر بقضاء الدين قبل الوصية، فلو مات الميت وعليه دين وقد أوصى بوصية ولأهل الميراث حقوق، فإن الدين يقدم على الوصية، وعلى ميراث الورثة، فيقضى الدين أولاً لقوله ﷺ : (الدين قبل الوصية).
إن الذين يرهبون أنفسهم بالدين لا يعلمون المعنى الذي كان النبي ﷺ يشير إليه بقوله: (لا تخيفوا أنفسكم بالدين) لأنه خوفٌ ومخافة، وكان النبي ﷺ يجعل من دعائه شيئاً يستعين به ربه على هذا الأمر، فكان يقول: (اللهم استر عورتي، وآمن روعتي، واقض عني ديني) وكان ﵊ يقول أيضاً: (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين وغلبة الرجال) أما ضلع الدين: فهو غلبة الدين؛ لأنه يرهق صاحبه إرهاقاً، وضلع الدين: هو الذي لا يجد الدائن من يدينه، وكان يقول -أيضاً- في رواية: (اللهم إني أعوذ بك من غلبة الدين) بل إنه ﵊ كان يدعو في الصلاة بقوله: (اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم، فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ يا رسول الله من المأثم والمغرم! فقال: إن الرجل إذا غرم حدث فكذب، ووعد فأخلف) وانظر إلى حال هؤلاء الذين يركض أصحاب الديون وراءهم لأخذ الديون، ترى العجب في الكذب في الحديث وإخلاف الوعد، يعده مرات كثيرة ثم لا يوفي، لو قال له: لا أستطيع، أو ليس لدي مال لكان أهون، لكنه يعد ويخلف، ويعد ويخلف، ويعد ويتهرب وهو على هذا الحال.
стр. 4938
إجراءات الشريعة لحفظ الدَّين وتوثيقه
والشريعة قد جعلت للدين إجراءات لحفظه وتوثيقه، فمن ذلك توثيقه بالكتابة لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:٢٨٢].
ثانياً: توثيقه بالشهادة لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:٢٨٢].
ثالثاً: توثيق الدين بالرهن لقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة:٢٨٣] فيرهن أرضه أو شيئاً عنده لأجل أن يوثق الدين لصاحب الدين.
رابعاً: توثيقه بالكفالة، كل هذه الإجراءات دالة على أن الشريعة تحفظ حقوق العباد، وأنها حريصة على عدم تضييعها.
стр. 4939
مذلة الدَّين
إن الدين مذلة؛ لأنه قد يدخل صاحبه السجن فتسوء سمعته وسمعة أولاده وأهله بين الناس، وقد يحرج مع الديَّانة حتى يلجأ إلى الكذب وربما علمه لأولاده، فيقول: قل لهذا الطالب للدين الطارق للباب إن أبي غير موجود، وكذلك إذا اتصل به بالهاتف -مثلاً- يكذب ويعلم أولاده الكذب، وقد يحلف حراماً بالحرام، أو يطلق وهو حانث وكذاب، أو يضطر للتخفي ويتحرج من مواجهة الناس الذين يطالبونه فيتوارى عن الأنظار والمجالس، ويحرم المعيشة الطبيعية ومعاشرة الخلق، وربما ذهب الحياء منه وصار ليس في وجهه ماء، فمهما ألح عليه الديَّانة وطاردوه قابلهم بوجه صلف ونفس ليست بنفس طيبة، فيزول من حيائه ومن ماء وجهه ما الله به عليم، ويكفي وقوعه في بعض آيات المنافق (وإذا وعد أخلف) فهو كثيراً ما يعد فيخلف، وقد يضطر للوقوع في الربا ليس اضطراراً شرعياً وإنما نفسياً لا يجيزه له الله ولا رسوله، فيقترض من المرابين ليسدد بالزيادة ليفر من السجن، والسجن أهون وأحب للمؤمن من الاقتراض بالربا؛ لأنه إذا سجن وهو مغلوب على أمره كان السجن ابتلاء وكفارة، وإذا اقترض بالربا ليسدد الدين فهو ملعون؛ لأن النبي ﵊ قال: (لعن الله آكل الربا وموكله) والموكل: الذي يدفعه إلى المرابي، وقال: (الآخذ والمعطي سواء) فالسجن أحب إلى المؤمن من الاستلاف بالربا لو كانوا يعلمون، ولو كانوا يعقلون، ولكنهم قوم لا يفقهون، وربما استدان من مرابٍ ليوفي مرابياً آخر، وهكذا يزداد عليه الدين ويعظم حتى لا يكون له أملٌ في السداد مطلقاً في حياته.
يقول بعض السلف: لأن تلقى الله وعليك دَين ولك دِين -لأنك لم تدفع بالربا- خيرٌ من أن تلقاه وقد قضيت دَينك وذهب دِينك.
وهو مذلة لما فيه من شغل القلب والبال، والتذلل للغريم عند لقائه، وتحمل منة الناس بالتأخير إلى حين أوانه، وربما مات فصار مرتهناً بدينه، فإن النبي ﵊ قد أخبر أن نفس المؤمن مرتهنةٌ بدينه، فهو محبوس مأسور حتى يوفى عنه دينه، وهو يجعل المستدين ذليلاً من جهة أنه يحس في قرارة نفسه أنه محتاجٌ إلى غيره، وقد يجر على نفسه تسلط غيره عليه، فإن كان الدائن الذي أعطاه لا يراعي حقوق الأخوة فقد يبدأ بالتدخل في شئونه الخاصة، وقد يتكلم فيما يؤذيه في أهله وولده ومسكنه، بل قد يتدخل في تجارته ومصروفه وراتبه، فيقول: بع كذا، ولا تشتر كذا، وارهن كذا، والمدين المسكين يحرج ولا يستطيع أن يخالف حتى وجهة نظر دائنه، وهو مذلة -أيضاً- لأنه سيسمع من الدائن كلاماً قاسياً ومن الناس كذلك، ويضطر إلى السكوت على مضض، وربما لا يجد جواباً، وروى عبد الرزاق عن ابن جريج قال: [رآني عمر وأنا متقنع، فقال: يا أبا خالد! إن لقمان كان يقول: القناع بالليل ريبة، وبالنهار مذلة، فقلت: إن لقمان لم يكن عليه دين].
وقال عياض بن عبد الله: الدين راية الله في أرضه، فإذا أراد أن يذل عبداً جعلها طوقاً في عنقه.
ومن أمثالهم: لا هَمَّ إلا هَمُّ الدين، ولا وجع إلا وجع العين.
ويروى عن عمر أنه قال: [إياكم والدين فإن أوله هَمٌّ وآخره حرب].
وقال عمر بن عبد العزيز: " الدين وقر طالما حمله الكرام ".
ومن أمثالهم: الدين رق فلينظر أحدكم أين يضع رقه.
وساير بعضهم رجلاً وهو يحادثه وفجأة قطع الحديث واصفر لونه، فقال له الرجل: ما هذا الذي رأيت منك؟ فقال: رأيت غريماً لي من بعيد.
ونفَّس بعض المدينين عن نفسه بقوله:
ألا ليت النهار يعود ليلاً فإن الصبح يأتي بالهموم
حوائج ما نطيق لها قضاءً ولا دفعاً لروعات الغريم
الدين هم بالليل وذل بالنهار، نقول هذا الكلام -أيها الإخوة- لأننا نجد في الواقع من الأمراض الاجتماعية تساهل الناس بأمر الدين والاستدانة، نحن لا نعتب على الذين استدانوا اضطراراً فهذه ضرورة وحاجة، لكن الذين يشترون الكماليات التي لا يملكون قيمتها أو بعض قيمتها، فيصبح الاقتراض عندهم من أسهل الأمور، الدين سهل حلو عند أخذه في البداية، ولكنه حنظل مر عند حلول أجله والمطالبة به.
التبذير والإسراف من العادات القبيحة التي فشت بين الناس، وهم لا يرضون بأن يمدوا أرجلهم على قدر لحافهم ولكنهم يريدون أن يصلوا من لحاف غيرهم بلحاف أنفسهم حتى يمدوا أرجلهم أقصى ما يستطيعونه، ولو أنهم تعقلوا فأنفقوا على قدر طاقتهم واستطاعتهم ما حصل لهم هذا الخزي، والعجيب أنك ترى بعض هؤلاء يسكن بيتاً فخماً ويركب سيارةً فارهة، وربما وضع بها هاتفاً سياراً كل ذلك بالدين، ولعله لا يجد في جيبه ما يملأ به خزان وقود سيارته من أجل المظهر، حب المظاهر والشهرة، وحب الظهور أمام الخلق، والمراءاة، وحتى يقال عنه: صاحب كذا وله كذا، مرض والعياذ بالله، يجدد سيارته وليس عنده مال، ويشتري بالتقسيط ولا يقنع، وبعض البنوك تعطي بعض الناس مبالغ يقولون: هذه مليون ضارب بها، يعطونه إياها بالربا، فيعطون المجال لبعض الناس بأن يسلفوهم مالاً يركبه الدين والربا، وهذا الذي يريد المخاطرة والمجازفة وليس عنده دين يأخذه ليضارب به، ثم قد يكسب وقد يخسر، والدين والربا عليه باقيان.
وبعض الناس يستلفون من البنوك بالربا ليعملوا المشاريع، ويشتروا الأراضي ويقول: هذه أرض جيدة وليس عندي مال وفيها مربح، فيستلف من البنك على أمل أن يبيع الأرض بربح يسدد به الدين ويبقى له ربح ولا يعلم بأنه لم يبق له دين.
هؤلاء الجشعين الذين يريدون أن يتوسعوا في التجارات، وليس التوفيق حليفهم والله، ولا بركة لهم في مكاسبهم، يأخذون بالربا، وبعض الناس يتساهلون في الاستلاف من أموال اليتامى أو النساء، ويكون بعض النساء عندهن أموال من الوظائف والرواتب فيأخذها سلفاً ليضارب بها، ولو أنه أخذها إحساناً لأجر، ولكن توسعاً في الدنيا وجرياً، والنبي ﵊ يقول: (أحرج عليكم حق الضعيفين اليتيم والمرأة).
وبعض الناس يستلفون من أموال الأمانات والصدقات التي عندهم وهذا حرام، لا يجوز أن تأخذ من الأمانة، ولو أعطيت صدقة لا بد أن تؤديها إلى مستحقها؛ لأنك وكيل، أعطيت الصدقة فلا يجوز أن تأخذ منها شيئاً.
стр. 4940
أنواع المدينين
والمدينون ثلاثة أنواع: أولاً: أن يستدين وهو يعلم من حاله ودخله أنه سيوفي.
ثانياً: منهم من يستدين وهو يعلم من حاله ودخله أنه يستحيل عليه أن يوفي.
ثالثاً: منهم من يستدين وهو لا يدري هل يستطيع الوفاء أم لا.
وأشدهم الأوسط الذي يستدين وهو يعلم من حاله ودخله أنه لا يمكنه الوفاء.
والدين دينان كما قال النبي ﵊: (الدين دينان: فمن مات وهو ينوي قضاءه فأنا وليه، ومن مات وهو لا ينوي قضاءه فذاك الذي يؤخذ من حسناته ليس يومئذٍ دينارٌ ولا درهم)، وقال ﷺ : (من مات وعليه دين فليس ثَمَّ دينار ولا درهم ولكنها الحسنات والسيئات).
إذاً: من الناس من يستلف وهو ينوي الأداء، ومن الناس من يستلف وهو ينوي عدم الأداء، وهذه من المصائب الموجودة في الناس، وهي من أسباب العداوات، قال ﵊: (ما من أحدٍ يدّان ديناً يعلم الله منه أنه يريد قضاءه إلا أداه الله عنه في الدنيا) ما من عبدٍ كانت له نية في أداء دينه إلا كان له من الله عون.
من أخذ ديناً وهو يريد أن يؤديه أعانه الله، خصوصاً إذا احتاج إلى الاستلاف لكي يتزوج لإعفاف نفسه، لأنه يخشى على نفسه الوقوع في الحرام، أو اضطر إلى الاستدانة لإطعام أولاده وهو ينوي الأداء خالصاً لله وفياً لصاحبه، فالله يعينه ويكون معه: (إن الله تعالى مع الدائن حتى يقضي دينه ما لم يكن دينه فيما يكره الله).
هؤلاء الذين يتوسعون ويشترون بالأقساط، كثيرٌ من الذين يشترون بالأقساط في الحقيقة يجرون وراء الدنيا ليسوا بمحتاجين، وهذه الشركات التي فتحت أبوابها لإغراء الناس بالشراء بالأقساط -أيضاً- تتحمل جزءاً في ذلك، وقال النبي ﵊ مبيناً خطورة الذي يستدين وهو لا يريد الوفاء: (أيما رجل تدين ديناً وهو مجمع -أي: عازم- ألا يوفيه إياه لقي الله سارقاً) وقال النبي ﵊: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله) فهذا الذي يؤخذ من حسناته يوم القيامة وترمى عليه السيئات، هذا إنسان متساهل في الدين، يستدين بدون حاجة فيما يكره الله، هذا الذي لا يعينه الله، بل إنه يكون عليه وبالاً يوم القيامة، فالمسألة مسألة نية، ومن علاج الاندفاع للدين أمور: منها: القناعة، فإنه لو قنع بحاله فرزقه الله القناعة بعيشه لم يتطلب أكثر، لكن الناس لا يقنعون، القناعة كنزٌ مفقود.
وثانياً: الزهد في الدنيا، فإنه لو علم أنها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، وأن (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه) ملعونة لا تساوي عند الله جناح بعوضة، حقيرة زائلة فانية، ما ركض وراء متاعها وركب الديون على ظهره.
وقد تكون الاستدانة لضرورة مثل علاج لا يملك قيمته، أو صاحب زواج يخشى على نفسه الحرام، لكن يشترط أن ينوي الوفاء عند الاستدانة، وأن يبحث بكل الوسائل من تجارات طيبة، واستثمارات، وأعمال إضافية حلال؛ ليخلص نفسه من رق الدين.
ألم تعلم -يا عبد الله- أن النبي ﵊ قال: (إن قتلت في سبيل الله صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر كفر الله عنك خطاياك إلا الدين، كذلك قال لي جبريل آنفاً) وقال ﵊: (أول ما يهراق من دم الشهيد يغفر له ذنبه كله إلا الدين) حديث صحيح.
(من فارق الروح جسده وهو بريء من ثلاث دخل الجنة الكبر، والدين، والغلول) والغلول: السرقة من الغنيمة، وقال النبي ﵊: (سبحان الله ما أنزل من التشديد في الدين! والذي نفسي بيده لو أن رجلاً قتل في سبيل الله ثم أحيي، ثم قتل ثم أحيي، ثم قتل وعليه دين ما دخل الجنة حتى يقضى عنه دينه) حديث حسن.
وقال ﷺ : (نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه).
مات في عهد النبي ﵊ رجل، قال جابر: (فغسلناه وكفناه وحنطناه ووضعناه لرسول الله ﷺ حيث توضع الجنائز عند مقام جبريل، ثم آذنا رسول الله ﷺ بالصلاة عليه، فجاء معنا فتخطى خطاً ثم قال: لعل على صاحبكم ديناً؟ قالوا: نعم ديناران، فتخلف وقال: صلوا على صاحبكم، فقال له رجل منا يقال له أبو قتادة: يا رسول الله! صل عليه وعلي دينه، فصلى عليه النبي ﷺ ، ثم لقيه ﵇ من الغد -لقي أبا قتادة - فقال: ما صنعت الديناران؟ قال: يا رسول الله! إنما مات أمس، ثم لقيه من الغد، فقال ما فعل الديناران؟ قال: قد قضيتها يا رسول الله! قال: الآن حين بردت عليه جلده، أو الآن حين بردت عليه جلدته) لما قضي عليه الدين بردت عليه جلدته وهو في القبر.
وأخبر رجلٌ رسول الله ﷺ أن أخاه مات وترك ثلاثمائة درهماً، وترك عيالاً، قال: فأردت أن أنفقها على عياله، فقال لي رسول الله ﷺ : (إن أخاك محبوس بدينه فاقض عنه) النبي ﷺ رفض أن يصلي على من كان له دين لم يقضه، وهذا محمول على الذي استلف وهو متهاون لا يريد القضاء، أما من استلف وهو يريد القضاء ثم مات فالله يعينه، ويتكفل الله له بحسن نيته بأن يقضي عنه في الدنيا، ويبرئ ذمته بمحسنين أو بورثةٍ، أو أنه يعطي الدائن حسنات يوم القيامة نظراً لحسن نية المدين الذي استدان اضطراراً وهو يريد الوفاء، قال ﵊: (هاهنا أحدٌ من بني فلان؟ إن صاحبكم مأسورٌ بدينه عن الجنة، فإن شئتم فافدوه وإن شئتم فأسلموه إلى عذاب الله) هذه النصيحة للورثة؛ إذا علموا أن على ميتهم ديناً أن يسارعوا إلى قضائه، الحقوق في الشريعة مكفولة، والله لا يضيع حقاً لعبد حتى الكفار غير المحاربين، الكفار حقوقهم باقية، ويجب أداء الديون لهم، ويجب إعطاء الناس حقهم.
اللهم إنا نسألك القناعة، اللهم إنا نسألك القناعة، اللهم قنعنا بما رزقتنا، اللهم اقض عنا ديوننا.
стр. 4941
تقديم الدين على الحج
الحمد لله رب العالمين.
عباد الله: إن هذا البلاء الاجتماعي الذي أصبنا به وهو التوسع في الدنيا ولو بالديون أمرٌ خطير، إن من الناس من يجعل له أرصدة في الداخل أو في الخارج ثم يقترض بالربا ليتاجر ويقول: أخاطر بمال غيري ثم أدعي أنه ليس عندي شيء، وحتى النساء سمعنا فيما سمعنا أنه قد صار عندهن شراء الذهب بالدين والأقساط، شراء الذهب بالأقساط حرام لأنه فيه ربا، شراء الذهب يجب أن يكون يداً بيد، تسلم النقود وتشتري الذهب في نفس المجلس في الدكان أو المحل، ولا يجوز لك أن تستلم الذهب وتؤخر القضاء والسداد، والآن لطمعهن في الدنيا وقلة عقول الرجال معهن صار شراء الذهب بالأقساط من أجل التفاخر والتكاثر: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر:١].
والدين -يا عباد الله- منه ما هو دينٌ لله مثل الكفارات والنذور، وقضاء الصوم والزكاة، والحج من أعظم الديون التي في رقبة العبد لربه.
روى البخاري عن ابن عباس ﵄: أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: (إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ قال: نعم.
حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك ديناً أكنت قاضيته؟ اقضوا الله فالله أحق بالوفاء).
إذا كان على الإنسان دين يستغرق ما عنده من المال -وقد طرحنا الموضوع لقربه من الحج، وسؤال بعض الناس عن مسألة الحج والديون- إذا كان على الإنسان دين يستغرق ما عنده من المال، فإنه لا يجب عليه الحج؛ لأنه في هذه الحالة ليس من أهل الاستطاعة ولا داخلاً في قول الله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران:٩٧] فعليه أن يوفي الدين أولاً.
وأما إذا كان الدين أقل مما عنده بحيث يتوفر عنده ما يحج به من بعد أداء الدين، فإنه يقضي الدين ويحج وجوباً حج الفريضة، وإذا كان مطالباً من أصحاب الدين فلا يجب عليه الحج إذا لم يكن عنده وفاء وهو مطالب، ولا يحج إلا بعد الوفاء ما لم يطالبوه، فإذا علم منهم التسامح وأذنوا له وقالوا: قد أجلناك، فإنه يجوز له الحج، وربما يكون الحج سبباً في قضاء دينه، ولا يلزمه الاستدانة ولو وجد من يسلفه، الذي ليس لديه مال لا يلزمه شرعاً أن يستدين للحج ولو وجد من يسلفه، ولو حج بمال غيره بأن أهداه له، أو تبرع له به، أو حج على نفقته، فحجه صحيح ولو كان حج فريضة.
والذين عليهم أقساط سيارات أو بيوت أخذوا قروضاً من صندوق التنمية ونحو ذلك، إذا كانوا منتظمين في التسديد، فإنه لا حرج عليهم في الحج، وكذلك إذا كانوا يملكون من المستحقات ما يكفي لتسديد ديونهم لو حصل لهم شيء من أمر الله فمات الشخص وعنده من التقاعد أو مكافأة نهاية الخدمة ونحو ذلك ما يسدد به، يكتب في الوصية ويذهب إلى الحج.
ومن حج بمالٍ اقترضه فحجه صحيح، لكن الأفضل والأولى ألا يفعل ذلك؛ لأن الله إنما أوجب الحج على من استطاع إليه سبيلاً، ولا يصلح أن تشغل ذمتك وتستدين، والله لم يوجب عليك أن تستدين، إذا كان الدين غير محدد القضاء لوقت معين، بل على التيسير، وأصحاب الدين متسامحون فلا بأس أن يذهب إلى الحج، وإذا طالبوا وشددوا وقالوا: هات المال، فيعطيهم المال ويخفف عن نفسه.
وبعض الناس -يا عباد الله- يعتقد أن الإنسان إذا كان عليه صيامٌ فإن حجه غير صحيح، وهذا غير صحيح، وبعضهم يعتقد أنه إذا لم تذبح عقيقة الشخص فلا حج له، وهذا غير صحيح -أيضاً- وهو من المعتقدات الخاطئة؛ لأن العامة عندهم معتقدات فقهية خاطئة، فالذي لم يعق عنه فحجه صحيح.
وأذكركم وأذكر نفسي في ختام هذه الخطبة، بأن الله سبحانه قد جعل للدين آداباً للمدين والدائن في الإقراض والاستقراض والأداء لا يمكن ذكرها الآن لقصر الوقت.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 4942
وسائل محاربة الشيطان وأتباعه
لقد حذرنا الله من دخول سبل الشيطان، الذي هو عدونا وعدو أبينا آدم، هذا الشيطان الذي طرده الله من رحمته وتوعده بالنار خالداً فيها، فطلب من رب العزة أن يمهله وأخذ العهد على نفسه أن يعمل على إضلال بني آدم، ولما كان الشيطان بهذا الخبث والمكر شرع الله لنا كل طريق للاستعاذة منه ومن شره، والوقاية منه ومن مكره.
стр. 4943
وسائل الوقاية من الشيطان
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً﴾ [فاطر:٥ - ٦].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة:٢٠٨].
على رأس كل طريق شيطان يدعو إليه، فإياك أيها المسلم! من دخول سُبل الشيطان التي حذرنا الله منها، هو عدوك وعدو أبيك آدم، هذا الشيطان الذي طرده الله من رحمته وتوعده بالنار خالداً فيها، فطلب من رب العزة أن يمهله وأخذ العهد على نفسه أن يعمل على إضلال بني آدم، ولما كان الشيطان بهذا الخبث والمكر شرع الله لنا كل طريق للاستعاذة منه ومن شره، والوقاية منه ومن مكره، وتجنبه ورد كيده في نحره.
ومن أعظم طرق الشيطان ما قاله الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:٩٠ - ٩١] وكم من المسلمين يقعون اليوم في شرب الخمور التي هي من أعظم وسائل الشيطان لصد المسلم عن طاعة ربه وعبادة الله الواحد الأحد، وكذلك أنواع الميسر التي انتشرت بين الناس في بيوعهم وشراءاتهم، فلا يزالون يقعون فيها ويلعبون مختلف الألعاب التي تقوم على فكرة الميسر: ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٦٨].
فهناك مجالس لأعوان الشيطان؛ يزين الشيطان للمسلم أن يقعد فيها، فيحذر الله من هذا أشد التحذير، وللشيطان سُبل كثيرة، لكن ما هي الوسائل التي تقي المسلم كيد إبليس؟ وما هي الأعمال التي يقوم بها فيبتعد بها عن شر هذا العدو؟ إن الشريعة قد جاءت بأمور كثيرة فمن ذلك: الأذان: (إن الشيطان إذا سمع النداء بالصلاة أحال -تحول من موضعه- وله ضراط حتى لا يسمع صوت التأذين، فإذا سكت -يعني: المؤذن- رجع فوسوس، فإذا سمع الإقامة ذهب حتى لا يسمع صوته -صوت المؤذن- فإذا سكت رجع فوسوس للمصلي) فعليكم -عباد الله- بالأذان وإقام الصلاة، ولا تفعلوا كبعض الضعفاء الذين يستحيون إذا صاروا في بر أو موضع فيه أناس يستحيون من التأذين، وهذا شعار الإسلام ومطردة للشيطان.
ومما شرعه الإسلام لنا قول: باسم الله إذا وضع أحدنا ثوبه؛ لأن باسم الله ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم.
ومن ذلك: أن المرء المسلم ينبغي أن يخلو بذكر الله، كما قال النبي ﷺ : (ما من راكب يخلو في مسيره بالله وذكره إلا كان رادفه ملك، ولا يخلو بشعر ونحوه -من هذه الأمور المذمومة- إلا كان رديفه شيطان) فانظر إلى أصحاب السيارات والمسافرين كم يحملون معهم من أشرطة الأشعار والأغاني التي هي من سبل الشيطان، يصحبون بها أنفسهم في السفر بدلاً من أن يصحبوا أنفسهم بذكر الله فيصحبهم الله في سفرهم.
وكذلك إذا قمت من النوم -يا عبد الله- فاستنثر ثلاث مرات، قال النبي ﷺ : (إذا استيقظ أحدكم من منامه فتوضأ فليستنثر ثلاث مرات، فإن الشيطان يبيت على خياشيمه) فاعتن بهذا الاستنشاق والاستنثار، ودع عنك ما يفعله الجهال من وضع الماء على طرف الأنف دون سحبه إلى الداخل.
وإذا سمعتم نهيق حمار أو نباح كلب بالليل، فتعوذوا بالله من الشيطان فإنهن يرين مالا ترون، وكذلك استعذ بالله عند قراءة القرآن كما قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل:٩٨] وعند الغضب (إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لذهب عنه ما يجد) وعند دخول الخلاء قل: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) هؤلاء ذكران الشياطين وإناثهم، وأنت تستعيذ بالله منهم ومن شرهم قبل دخول الخلاء.
وكذلك فإن مما شرعه الله للمسلم أن يتعوذ بالمعوذتين: قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، يتلوهما بعد كل صلاة ثلاث مرات وقبل النوم ثلاث مرات مع السورة العظيمة التي تعدل ثلث القرآن، إن مجموع هذه السور تحصن المسلم أشد تحصين من الشيطان وشره، من عين أو سحر أو كيد ونحو ذلك.
وهؤلاء ينامون كالجيف لا يذكرون الله قبل النوم، ولا يتعوذون بالله فقال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق:١ - ٢] ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ [الناس:١ - ٤].
والعوام تعودوا إذا حصل لهم شيء أن يلعنوا إبليس وأن يسبوا الشيطان بدلاً من أن يذكروا الله ، وهذا أقل ما فيه أنه يفوت عليه خيراً عظيماً، قال ﷺ : (لا تسبوا الشيطان وتعوذوا بالله من شره) وأرشدنا إلى أمر أهم وقال: (لا تقل تعس الشيطان فإنه يعظم حتى يصير مثل البيت، ويقول: بقوتي صرعته ولكن قل: باسم الله، فإنك إذا قلت ذلك تصاغر حتى صار مثل الذباب).
أرشدتنا الشريعة إلى قراءة سورة البقرة في البيت، وقال ﵊: (اقرءوا سورة البقرة في بيوتكم؛ فإن الشيطان لا يدخل بيتاً يُقرأ فيه سورة البقرة) فكم من قارئ لسورة البقرة في بيته! وإذا مررت بسورة فيها سجدة فاسجد -يا عبد الله! - فإن سجودك إرغام للشيطان كما قال النبي ﷺ : (إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول: يا ويلاه! أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار) هكذا يتحسر إبليس.
وأنت يا أيها الزوج مع زوجته تجنب الشقاق والفراق، فإن هذا من أعظم مداخل إبليس، قال النبي ﷺ : (إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم -من الشياطين الصغار إلى القائد إبليس- فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئاً، ويجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله، فيدنيه منه ويقول: نعم.
أنت الذي قمت وعملت) أنت الناجح في عملك.
وهؤلاء المغتاظون من الرجال يطلقون ألفاظ الطلاق مرات عديدة متوالية، يؤزهم الشيطان أزاً، ولا يفكرون بمستقبل الأولاد، يعميهم الشيطان بالغضب أن يفكروا في مصالح أنفسهم.
رصوا الصفوف -يا عباد الله! - فإن رص الصفوف من وسائل محاربة الشيطان؛ كما قال النبي ﷺ : (أقيموا الصفوف ولا تذروا فرجات للشيطان، أقيموا صفوفكم وتراصوا فوالذي نفسي بيده إني لأرى الشياطين بين صفوفكم كأنها غنم عفر -بيضاء ليست بناصعة- بين أظهركم) فإذاً: ما حال الذين يتباعدون بينهم وبين جيرانهم في الصف، ولا يريدون إلزاقاً ولا سداً للفرجة، هؤلاء من الذين تشتد وسوسة الشيطان عليهم في صلاتهم، فإذا صليت يا أيها الإمام! ويا أيها المنفرد! اجعل سترةً أمامك فإنها مهمة في دفع الوساوس في الصلاة، قال ﵊: (إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها، لا يمر الشيطان بينه وبينها -وفي رواية- لا يقطع الشيطان عليه صلاته) فإذا جاءك في الصلاة فوسوس لك وذكرك بموضوعات الدنيا، وأدخلك في أوديتها ومتاهاتها، وأولجك شعبها فإن لك من نبيك نصيحة.
قال أحد الصحابة: (يا رسول الله! إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي، وقراءتي يلبسها عليَّ، فقال رسول الله ﷺ : ذاك شيطان يقال له: خنزب، فإذا أحسسته؛ فتعوذ بالله منه واتفل عن يسارك ثلاثاً، قال: ففعلت فأذهبه الله عني) فإذا كنت تصلي وحدك أو ليس بجانبك أحد وجاء الوسواس في الصلاة؛ فإنك تتفل عن يسارك كما في الحديث مع الاستعاذة، وإن كان بجانبك أحد فلم تحب أن تؤذي أحداً فاستعذ بالله من الشيطان أثناء الصلاة، فإن الله يُذهب عنك كيده ووسوسته، وما سجدتي السهو بهذه المناسبة إلا ترغيماً للشيطان الذي يوسوس للمصلي، فابن على الاستيقان وهو الأقل، إذا شككت ولم تعرف ترجيحاً لعدد الركعات التي صليتها، ثم بعد ذلك تسجد سجدتين للسهو ترغم بها أنف الشيطان.
ويا أيها المصلي المتشهد القارئ للتحيات! لا تنس رفع الإصبع أثناء التشهد في الصلاة، فإنه أثقل على الشيطان من الحديد، ارفعه وحركه، واجمع بين الرفع والتحريك دون عبث ولا سرعة شديدة جداً.
فإذا تثاءبت في الصلاة فلا يصدر منك ذلك الصوت الكريه، فإن الشيطان يضحك منك، وعليك أن تغطي فاك ولا تذره يدخل، فإنه يدخل مع التثاؤب ويضحك منك، بل اكتم التثاؤب ما استطعت ورده، وأغلق الفم ولا تذرها مضحكة للشيطان تؤذي عباد الله بصوتك ومنظرك الكريه.
وإذا دخلت بيتك فاذكر اسم الله تعالى حين تدخل وحين تطعم، فإنك إذا فعلت ذلك قال الشيطان لأعوانه: لا مبيت لكم ولا عشاء هاهنا وإذا دخل فلم يذكر اسم الله عند دخوله قال الشيطان: أدركتم المبيت، وإن لم يذكر اسم الله عند مطعمه؛ قال الشيطان: أدركتم المبيت والعشاء.
ولذلك فإن النبي ﷺ أمسك بيده يد أعرابي وجارية جاءا يسعيان إلى الطعام لم يذكرا الله ؛ معهما يد ثالثة وهي يد الشيطان، كما قال ﵊: (فوالذي نفسي بيده إن يده مع يديهما في يدي) وانظر إلى حال المتفرجي
стр. 4944
أتباع الشيطان وحربهم للإسلام
الحمد لله الذي لا إله إلا هو لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، لا إله إلا الله يفعل ما يشاء، لا إله إلا الله الحي القيوم، لا إله إلا الله مالك الملك، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، أشهد أنه عبد الله ورسوله وخيرته من خلقه وأمينه على وحيه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وتابعيه إلى يوم الدين.
ومن أعظم أتباع الشيطان: اليهود والنصارى والمشركون، الذين عاثوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد، هؤلاء الذين يقتلون إخواننا يومياً، يقتلون المسلمين في أرض فلسطين، ويقتلونهم اليوم في البوسنة، ويقتلونهم اليوم في الهند، هؤلاء الكفرة المشركون عباد الشيطان الوثنيون.
إن هذه الحادثة التي حدثت مؤخراً من إقدام الهندوس الكفرة الوثنيين عبدة الشيطان والأصنام، الذين يعتقدون البقرة إلهاً، ويستعد أحدهم ليحرف قطاراً عن مساره من أجل بقرة، عقولهم الوثنية التي تجعلهم يستحمون في نهرهم المقدس ويحرقون المرأة بعد موت زوجها، لأنه لا قيمة لها عند ذلك.
هذه التقاليد العفنة التي أورثها الشيطان لأولئكم القوم، والذين قاموا اليوم بتحريكٍ من أوليائهم من اليهود والنصارى بهدم مسجد تاريخي للمسلمين مسجد البابلي في الهند، هؤلاء الذين فعلوا فعلتهم ثم أتبعوها بفعلة أشنع وأقسى، ولكن كثيراً من الناس عنها غافلون، ألا وهي الإقدام على قتل المسلمين الذين احتجوا في الهند على هدم المسجد بالرصاص، حتى بلغت الإحصائيات المعلنة نحواً من تسعمائة شخص حتى الليلة الماضية.
وزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مؤمن بغير حق، وقتل المؤمن أعظم من هدم المسجد، ولكنهم أتبعوا هدم المسجد بقتل نحو من تسعمائة مسلم، هذا ما أعلن وما خفي كان أعظم، قتل المؤمن أشد من هدم المسجد، ولكنهم قتلوا مؤمنين ومسلمين كثر، وأنت يمكن أن تعرف حجم المأساة في صبيحة ذلك اليوم الذي وصلت فيه الأخبار أنك لو دخلت إلى البقالات والدكاكين التي يوجد بها عمال مسلمون من الهند، لوجدت حجم الكارثة على وجوههم، ونحن غافلون، ونحن نوظف الكفرة من الهندوس في الوظائف المختلفة عندنا.
يا أصحاب الأعمال! توبوا إلى الله، أما كفاكم أن يقوموا بتقتيل إخوانكم وهدم مساجدكم ونحن أمة واحدة لا فرق بين شرقيها وغربيها، ثم توظفونهم وتعطونهم الرواتب لكي يدفعوا منها إلى منظماتهم المنحرفة هناك، لتقوم بتمويل أعمال الاضطهاد ضد المسلمين، وتقوونهم اقتصادياً بهذه الرواتب والتحويلات الهائلة، حرام عليكم أن تفعلوا ذلك، كيف وقد نهاكم نبيكم أن تبقوهم في جزيرة العرب، فاتق الله يا من تستخدم هندوسياً أو كافراً وقد أعلنوا الحرب على إخوانك، ثم أنت توظفهم فلعنة الله على الظالمين.
ثم إن هؤلاء الهندوس قد فرحوا حتى وهم بين أظهرنا، ووزعوا الحلويات وهم بين أظهرنا بعد هدم المسجد، أقصد الذين يعيشون بيننا منهم ويشتغلون عندنا وزعوا الحلويات فرحاً بهدم المسجد.
يا من وضعت المسلمين والكفار في سكن واحد! كيف شعور إخوانك وهؤلاء يكيدون لهم ويغيظونهم الآن بعد هدم المسجد؟ أين رجل الأعمال المسلم، والتاجر المسلم، والمقاول المسلم، وصاحب البيت المسلم وهو يوظف هؤلاء الكفرة؟ نعم.
هم تآمروا على أن يجعلوا الوظائف، وعمال الاستقدام، ومكاتب الاستقدام تدفع بهم إلينا، لكن نحن لنا عقول ولنا وسائل، والمفروض أن نتجه لنصرة دين الله.
لقد نوى أمير المؤمنين عمر أن يفتح الهند، وقال النبي ﷺ : (عصابتان من أمتي أحرزهما الله من النار: عصابة تغزو الهند وعصابة يقاتلون مع المسيح ابن مريم) إذاً: هذا الجيش الذي فتح الهند ووصل إليها أحرزه الله من الشيطان، وأحرزه الله من النار بشارة بفتح الهند.
وقد تولى البداية في ذلك محمد بن القاسم رحمه الله تعالى لما استولى الوثنيون على سفينة فيها نساء للمسلمين، فاستنجدن بالمسلمين فجرد الجيش، وفتحت الأطراف، وخاض المسلمون البحر إليهم ودخلوا الدبيل وهي مدينة كراتشي اليوم، ثم اكتملت الفتوحات الإسلامية، وأشهر من توغل في بلاد الهند من المسلمين محمود بن سبكتكين الغزنوي ﵀، الذي انطلق من قاعدته غزنة في أفغانستان ليدخل بلاد الهند فاتحاً منصوراً، مكسراً أصنامهم، هادماً لمعابدهم، رافعاً راية التوحيد، عاملاً بين كل ثلاثة أميال مسجداً ورتب له إماماً ومؤذناً، وارتفعت راية التوحيد في بلاد الهند، فقتل الله من ملوكهم خلقاً عظيماً، قاتلوا المسلمين بالفيلة ولكن الله نصر عسكر التوحيد، هذا السلطان الذي آثر ما عند الله على أن يُعطَى من الجواهر واللآلئ والذهب والفضة مقابل أن يترك صنمهم الأعظم، لكنه آثر أن ينادى: يا عبد الله هادم الصنم عند الله يوم القيامة، أحسن من أن يقال: يا عبد الله يا آخذ اللآلئ والذهب والجواهر والفضة مقابل أن تتركها لهم.
هؤلاء اليوم يريدون القضاء على تاريخ المسلمين في الهند، حتى لو كان هناك مساجد لا يصلى فيها فهم يريدون هدمها، ولعلهم قد وقتوا ذلك مع هجوم شنيع على عاصمة البوسنة سراييفو، لتكون المصائب مجتمعة على المسلمين في آن واحد، وهذا تخطيط ماكر ولا شك، يريدون إيقاع المصائب متعددة في وقت واحد للمسلمين، فيوقتون هذه الأشياء لِنُصاب نحن بالإحباط، ونحن مع اعتقادنا ويقيننا أننا أكثر أمة مستهدفة في العالم.
نحن الذين نعرف كما اعترف اللورد البريطاني في الهند حينما كانت مستعمرة، قال: إننا نرى أن عدونا الأكبر هم المسلمون، إن هؤلاء القوم في قلوبهم عداوة لنا شديدة فلا بد أن نتجه إلى الهندوس، ولذلك في أيام الاستعمار ولوهم المناصب وأعطوهم أشياء كثيرة جداً، حتى آل الحال إلى ما آل إليه الآن، رغم أن الهند كانت تحكم قروناً بالإسلام.
إن جمع المصائب على المسلمين، وإغراق المسلمين بالأخبار السيئة والهجمات الشرسة التي يراد منها إحباط روح المعنوية، إنها -أيها المسلمون- خطة ماكرة، ولكننا على ثقة بأن الله سينصر دينه، المهم أن ننصر الله حتى ينصرنا الله، فإذا لم ننصر الله ولا شريعة الله ولا دين الله فكيف ينصرنا الله.
ولذلك: فإننا نتوجه إلى الله العلي العظيم مالك الملك الجبار، اللهم إنا نسألك يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام، أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، نسألك بأسمائك الحسنى أن تنصر الإسلام والمسلمين، وتقمع الكفر والكافرين، اللهم أفشل مخططات الكفار، واجعل كيدهم في نحرهم، واجعل دائرة السوء عليهم، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، اللهم أنزل عليهم بأسك الذي لا يرد عن القوم الكافرين، واشدد وطأتك عليهم يا قوي إنك على كل شيء قدير.
اللهم اجعل بأسهم بينهم، واردد سهامهم في نحورهم، ورد المسلمين إلى الإسلام رداً جميلاً، اللهم اهد فاسقنا إلى الدين، وثبت المهتدي منا على السنة والحق المبين، اللهم طهر بيوتنا من المنكرات، اللهم أصلح ذرياتنا ونياتنا، وتوفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 4945
الأسماء والكنى والألقاب في ميزان الشريعة
أورد الشيخ -حفظه الله- في درسه هدي الشريعة الإسلامية في الأسماء والكنى والألقاب، فبدأ بذكر الهدي في الأسماء، وبين أثر الاسم على المسمى، ثم ثنى بذكر الكنى وذكر طائفة من الفوائد المتعلقة بالكنية للرجل والصبي، وما فائدة هذا الأدب في الشريعة الإسلامية.
ثم ثلث بذكر الألقاب وأن الإسلام قد منع منها إلا ما كان لضرورة.
وختم الشيخ كلامه بذكر أحاديث اشتهرت على الألسنة، وهي في الحقيقة موضوعة أو ضعيفة.
стр. 4946
مدخل إلى الأسماء في الإسلام
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
ومن هديه ﷺ المحافظة على آداب الإسلام في التسمية والكنى والألقاب، وهذه من الآداب الإسلامية العظيمة التي غفل عنها كثيرٌ من المسلمين.
ونظراً لما في هذا الموضوع من الأهمية، إذ أن الاسم هو عنوانٌ للمسمى ودالٌ على معانيه، فإنه لا بد أن يحسن الاهتمام بالتسمية من قبل المسلمين.
стр. 4947
قول أهل السنة في أسماء الله وصفاته
اعلموا رحمكم الله تعالى أن ربكم قال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف:١٨٠] له الأسماء الحسنى التي بلغت في الحسن غايته، فهي ليست حسنة فقط، وإنما هي حسنى.
ولأن العباد قد قصرت معرفتهم وعقولهم أن تدرك ما هو الأحسن في أسماء الله؛ فكان من رحمة الله أن علمنا نحن العباد نحن البشر علمنا طائفة من أسمائه لكي نعبده بها ونتوسل إليه بها، ونتقرب إليه بها ؛ ولذلك كان من قواعد أهل السنة والجماعة: عدم جواز إطلاق أسماءٍ على الله سبحانه لم ترد في القرآن والسنة، كالقديم والموجود مثلاً.
ومن الأدب مع الله والأدب مع خلقه ألا نسمي ملائكة الله بأسماءٍ نجزم لهم بها لم يرد في القرآن ولا في السنة تسمية عباد الله المكرمين بهذه الأسماء، ومما شاع على ألسنة الناس تسمية ملك الموت (بعزرائيل) مثلاً، وهذه التسمية لم ترد في نصٍ صحيح؛ ولذلك كان لا بد من التوقف في هذه القضايا لأنها من عالم الغيب.
стр. 4948
حرص الإسلام على جانب الأسماء الشرعية
وقد حرص الإسلام على تثبيت الأسماء الحسنة حتى لفروض الصلاة، فإنك تجد في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ حذر المسلمين من أن يغلب عليهم تسمية الأعراب لصلاة العشاء بصلاة العتمة، وأمرهم بأن يسموها صلاة العشاء، لما في الكراهة من هجر الاسم المشروع، والاسم المشروع هو صلاة العشاء، وكان الأعراب يسمونها بالعتمة فنهاهم ﷺ عن ذلك، وأوصاهم باستعمال الاسم الشرعي، وإن ورد في بعض الأحاديث تسميتها بصلاة العتمة عند من هجر الاسم الشرعي، وإنما يجب أن يكون الاسم الشرعي متداولاً.
стр. 4949
حكم التسمي باسم أو صفة تتعلق بالله تعالى
ولعلاقة بعض الأسماء التي يطلقها العباد بأسماء الله وصفاته كان من أكبر الجرائم منازعة الله في اسم من أسمائه أو صفة من صفاته تطلق على مخلوقٍ من المخلوقين، ولذلك يقول ﵊ في الحديث الصحيح: (إن أخنع اسم عند الله: رجل تسمى ملك الأملاك؛ لا ملك إلا الله) وقال ﷺ : (أغيظ رجل عند الله يوم القيامة وأخبثه: رجلٌ كان يسمى ملك الأملاك لا ملك إلا الله).
ويدخل في هذا ما يسمي به الأعاجم ملوكهم (شاهٍ شاه) فإن معنى (شاهٍ شاه): ملك الملوك، والمتسمي بهذا الاسم هو أغيظ رجل عند الله، وأخبث رجل، ومعنى أخنع: أي أذل وأفجر وأفحش.
وبالقياس على ذلك أنكر بعض أهل العلم تسمية: (قاضي القضاة) لأنه ليس قاضي قضاةٍ يقضي بالحق إلا الله وهو خير الفاصلين، وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون، وقس على ذلك من الأسماء كسلطان السلاطين مثلاً.
стр. 4950
أحب الأسماء إلى الله وحق الولد على أبيه في ذلك
وأوصى رسول الله ﷺ العباد بأن يسموا بأسماء هي أحب الأسماء إلى ربهم، فقال ﷺ : (إن أحب أسمائكم إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن) فلما علم العباد أن أحب الأسماء إلى ربهم عبد الله وعبد الرحمن كان من المستحب لهم أن يسموا أبناءهم بهذه الأسماء.
وتسمية المولود من حق الابن على أبيه، فإن هناك حقوقاً للولد على والده، وللوالد على ولده، ومن حقوق الولد على والده التي يجب على الوالد أن يهتم بها إحسان اسم المولود، ولهذا أثر عظيم في الواقع كما سيمر معنا إن شاء الله.
وكان من هديه ﷺ إذا أتاه الرجل وله اسم لا يحبه حَوَّله، كما ورد في الحديث الصحيح: (وكان ﷺ إذا سمع بالاسم القبيح حوله إلى ما هو أحسن منه) حديث صحيح، ولذلك كان لا يقتصر هذا التغيير على أسماء الناس بل إن الأمر قد تعدى في فعله ﷺ إلى تغيير أسماء الأمكنة والأراضي التي سميت بأسماء قبيحة.
جاء في الحديث الصحيح: (كان إذا سمع اسماً قبيحاً غيره، فمر على قرية يقال لها: عثرة، فسماها خضرة) مع أنها أرض، ولكن إشاعة الأسماء الحسنة وإطلاق الأسماء الحسنة من شعائر الإسلام.
يقول خيثمة بن عبد الرحمن بن أبي سبرة أن أباه قد ذهب مع جده إلى رسول الله ﷺ فقال له: (ما اسم ابنك؟ قال: عزيز، فقال النبي ﷺ : لا تسمه عزيزاً ولكن سمه عبد الرحمن، ثم قال: أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن والحارث) أخرجه الإمام أحمد بأكثر من إسناد وابن حبان مختصراً وكذا الحاكم وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي وهو في السلسلة الصحيحة.
وفي الصحيحين: (أن رسول الله ﷺ أُتي له بـ المنذر بن أبي أسيدٍ حين ولد، فوضعه على فخذه، فأقاموه، فقال: أين الصبي؟ فقال أبو سعيد: قلبناه يا رسول الله -أي: رددناه- قال ما اسمه قالوا: فلان -ولم يعين الراوي ما هو اسم المولود، ولكن بالتأكيد اسم غير جميل- فقال ﷺ : ولكن سمّه المنذر) حديث صحيح.
وروى الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه: (أنه ﵊ غير اسم عاصية -بنت سماها أهلها عاصية- إلى جميلة، وأتي برجل يقال له: أصرم -وأنتم تعلمون ما في الصرامة من المعاني المقبوحة- فسماه ﷺ زُرعة) رواه أبو داود وهو حديث صحيح.
وكان رجلٌ من الصحابة يسمى حزناً فسماه ﷺ سهلاً، فأبى الرجل وقال: السهل يوطأ ويمتهن، كأنه لم يفطن إلى مراد رسول الله ﷺ من التسمية بسهل من السهولة، فقال: كلا إن السهل يوطأ ويمتهن ويمشي عليه العباد، وفي رواية قال: لا أغير اسماً سمانيه أبي، ولنا مع هذه الجملة وقفة إن شاء الله.
وفي صحيح مسلم عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الله سمى المدينة طيبة أو طابة) ولذلك يكره تسميتها بالاسم الذي كان مشتهراً في الجاهلية وهو يثرب من التثريب وهو العيب، فسماها الله طيبة أو طابة فكان هذا هو الاسم الصحيح أو هو الاسم المستحب أن يطلق على مدينة رسول الله ﷺ ، وإنما حكى الله في القرآن تسميتها ولكن عن المنافقين، فقال : (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً * وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ [الأحزاب:١٢ - ١٣].
стр. 4951
أسباب المنع من التسمي بأسماء معينة
стр. 4952
كراهية بعض الأسماء لاشتمالها على تزكية للنفس
وكما أن تغيير الاسم يكون لقبحه ولكراهيته فقد يكون لمعنى آخر فيه مع أن الاسم قد يكون في ظاهره جميلاً، فقد روى البخاري في الأدب المفرد وأبو داود عن محمد بن إسحاق قال: حدثني محمد بن عمر بن عطاء: (أنه دخل على زينب بنت أبي سلمة فسألته عن اسم أخت له عنده، قال فقلت: اسمها برة، قالت: غير اسمها فإن النبي ﵊ نكح زينب بنت جحش واسمها برة فسمعها تدعوني برة، فقال: لا تزكوا أنفسكم فإن الله أعلم بالبرة منكن والفاجرة، سمها زينب، فقالت أم سلمة: فهي زينب، فقلت لها اسمي، فقالت: غير إلى ما غير رسول الله ﷺ سمها زينب) قال في السلسلة الصحيحة: وهذا سند حسن، فلأنه قيل إنها تزكي نفسها، مع أن اسم برة اسم جميلٌ في الظاهر فغيره ﵊ لهذا السبب، وقال: لا تزكوا أنفسكم؛ الله أعلم بأهل البر منكم، ولذلك كان التغيير في هذا الاسم مستحباً لا واجباً.
ويدخل في هذه الكراهية التسمية بالتقي والمتقي والمطيع والطائع والراضي والمخلص والمنيب والرشيد والسديد كما ذكر ابن القيم ﵀ وقال: وأما تسمية الكفار بذلك -إطلاق اسم الطائع أو المنيب أو الرشيد أو البر أو برة على كافر أو كافرة- لا يجوز أبداً، ولذلك لو رأيت تاركاً للصلاة هاجراً دين الله واسمه محسن فلا تناديه بمحسن، وإذا رأيت تاركاً للصلاة هاجراً دين الله قد سمي مطيعاً فلا تناديه بمطيعٍ أبداً، ولو رأيت تاركاً للصلاة عاصياً لأمر الله مصراً على الفواحش واسمه منيب فلا تناديه بمنيبٍ أبداً، فإنه لم ينب إلى ربه.
وأما تسمية الكفار من ذلك فلا يجوز التمكين منه، ولا دعاؤهم بشيء من هذه الأسماء، ولا الإخبار عنهم بها، والله يغضب من تسميهم بذلك.
وأما بقية الأسماء التي فيها معنى الصلاح، فلا يجب تغييرها وخصوصاً إذا كانت من أسماء الأنبياء، كصالح مثلاً، ولذلك كان تغيير اسم برة فيه خصوصية معينة في تلك الحالة وتلك الواقعة لا ينطرد على جميع الأسماء التي فيها معنى شبيه بمعنى برة.
стр. 4953
اشمئزاز بعض أصحاب النفوس الضعيفة
ومن الأسباب على تغيير بعض الأسماء الحسنة أحياناً كما ورد في الحديث الصحيح: (لئن عشت إن شاء الله لأنهين أن يسمى رباح ونجيح وأفلح ويسار) وفي رواية صحيحة: (لأنهين أن يسمين بنافعة وبركة ويساراً) وثبت أنه ﷺ قال: (لا تسمين غلامك يساراً ولا رباحاً ولا نجيحاً ولا أفلح) ما هو السبب؟ هل لأن الاسم قبيح؟ كلا، يقول ﵊: (فإنك تقول: أثمت هو؟) تأتي وتسأل عنه في البيت فلان موجود؟ فلا يكون موجوداً فيقال: لا، فيحصل التشاؤم والتطير بأن هذا البيت لا يسار فيه أو لا رباح فيه، وذلك عند الناس الذين تشيع بينهم مسألة التشاؤم.
وفي معنى هذا: خير وسرور ونعمة وما أشبه ذلك فإنه لو كان في البيت رجلٌ يقال له خير أو سرور أو بنت يقال لها: نعمة، فجاء إنسان فسأل: عندكم نعمة؟ فلو لم تكن موجودة سيقولون: لا، عندكم خير؟ فلو لم يكن موجود سيقولون: لا، عندكم سرور؟ فلو لم يكن موجوداً سيقولون: لا، ولذلك يحصل في بعض النفوس التي لم تتمكن منها عقيدة التوحيد نوعٌ من التشاؤم فلذلك كاد أن ينهى ﷺ عنها إذا عاش، أو نهى أن يسمى العبيد بهذه الأسماء حتى لا يحصل التشاؤم بذلك ليس لأن الأسماء هذه قبيحة.
فلأن بعض النفوس قد تشمئز وتتطير ويدخل هذا في باب المنطق المكروه نهى ﷺ عن ذلك، وإلا فإن الاسم الجميل له فوائد في التفاؤل الذي هو من هدي رسول الله ﷺ ، ولذلك ورد في الحديث الصحيح: (كان يعجبه إذا خرج لحاجته أن يسمع يا راشد) من الرشاد والنجاح فيتفاءل به وهو خارج إلى حاجته، إذا سمع يا راشد يتفاءل لأن الرشاد حليفه، والتوفيق صاحبه في هذه الحاجة.
стр. 4954
التعبيد لغير الله
ومن الأشياء المحرمة تسمية كل شيء وتعبيده لغير الله، كعبد الجن، وعبد الدار، وعبد الكعبة، وعبد تميم، وعبد الحجر، وعبد العزى، وعبد الرضا، وعبد الحسين، وعبد الرسول، وعبد المسيح، وعبد علي، وعبد الإمام، وعبد الحسن، وعبد الأمير، وعبد السجاد، وعبد الباقر، وعبد الصادق، وعبد الكاظم، وعبد المهدي، وعبد الونيس، وعبد النعيم، وعبد الراضي، وعبد النبي، وعبد طه، وعبد المقصود، لأنها ليست من أسماء الله.
وكذلك كل ما عبد لاسم لم يثبت لله كعبد العال والصحيح عبد المتعال، فإن المتعال هو اسم الله، وكذلك عبد الوحيد، وعبد الفضيل، وعبد الصاحب، وعبد السادة، وعبد الخضر، وعبد العاطي، وعبد الزبير، وعبد النور كلها لا تجوز؛ والنور ليست من أسماء الله.
هذه طائفة من الأسماء المحرمة لعلة أنها معبدة لغير الله وهو نوع من أنواع الشرك.
ومن الأدلة على أنه لا يجوز منازعة الله في اسم من أسمائه أو صفة من صفاته الحديث الصحيح الآتي: روى أبو داود في سننه عن هانئ أنه لما وفد إلى رسول الله ﷺ إلى المدينة مع قومه، سمعهم يكنونه بـ أبي الحكم، فدعاه ﵊ فقال: (إن الله هو الحكم وإليه الحكم فلم تكنى بأبى الحكم، فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم فرضي كلا الفريقين ولذلك كنوني: أبا الحكم، فقال رسول الله ﷺ : ما أحسن هذا) فالحكم بين الناس بالعدل وإرضاء الفريقين بذلك شيء حسن، ولكن هذا شيء والتكنية بـ أبي الحكم أمر آخر، قال ﵊: (فما لك من الولد؟ قال: لي شريح ومسلمة وعبد الله، قال: فمن أكبرهم؟ قلت: شريح، قال: فأنت أبو شريح).
стр. 4955
جواز التسمي بأسماء الأنبياء
وأما التسمية بأسماء الأنبياء فهي من الأشياء الطيبة وهو مما هو معروف من تاريخ المسلمين، وقد سمى ﷺ ولده بـ إبراهيم، وقال البخاري في صحيحه: باب من تسمى بأسماء الأنبياء، وساق حديثاً عن إسماعيل قال: قلت لـ أبي أوفى رأيت إبراهيم بن النبي ﷺ مات صغيراً، ولو قضي أن يكون بعد محمدٍ ﷺ نبياً عاش ابنه ليكون نبياً من بعده، ولكن لا نبي بعده.
وفي صحيح مسلم: باب التسمي بأسماء الأنبياء والصالحين، ثم ذكر حديث المغيرة بن شعبة قال: لما قدمت نجران سألوني فقال النصارى في نجران، إنكم تقرءون: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم:٢٨] وموسى قبل عيسى بكذا وكذا، اعترضوا عليه قالوا له: أنتم تقولون في القرآن عن مريم: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً﴾ [مريم:٢٨] ومريم بينها وبين هارون أخو موسى مئات السنين وربما آلاف السنين، فكيف تقولون في القرآن: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم:٢٨] عن مريم ومريم ليست أختاً لهارون.
يقول: فلما قدمت على رسول الله ﷺ سألته عن ذلك، فقال: (إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم) فإذاً هارون أخو مريم وليس هو هارون أخو موسى، وإنما هو هارون آخر ولكن من عادة قوم مريم أنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين من قبلهم ومنهم هارون.
ومن الأسماء المكروهة المقبوحة التسمية بأسماء الفراعنة والجبابرة كفرعون وقارون وهامان.
واختُلِف في حكم التسمي بأسماء الملائكة كجبرائيل وميكائيل وإسرافيل فكرهه ابن القيم في تحفة المودود والأحوط الابتعاد عن ذلك.
стр. 4956
حكم التسمي بالحروف المقطعة
ومما يمنع من التسمية به: أسماء القرآن وسوره، مثل طه ويس وحم، وقد نص الإمام مالك على كراهية التسمية بـ يس، وأما ما يذكر العوام أن يس وطه من أسماء النبي ﷺ فغير صحيح، ليس في ذلك حديثٌ واحد صحيح، وإنما طه من الحروف المقطعة مثل حم، ويس من الحروف المقطعة مثل كهيعص وليست أسماء ثابتة للنبي ﷺ ، وإن قال آلاف الناس أنها أسماء للنبي ﷺ فليست كذلك، وقد سمعت بنفسي عن رجلٍ من شبه القارة الهندية قد سمى ولده طس.
ومن البدع الحاصلة في هذه الأيام: تسمية الأولاد بطريقة فتح المصحف، فيفتحون المصحف فإذا وقعوا على اسم من الأسماء سموه للولد أو للبنت، فإذا وجدوا (أفنان) سموا البنت (أفنان) وإذا لم يجدوا شيئاً سموها آية، وهذه طريقة مبتدعة ولو كانت خيراً لسبقنا السلف إليها، وعندنا ولله الحمد في أسماء أبناء الصحابة وأبناء التابعين وأبناء من تبعهم رجالاً ونساءً ذكوراً وإناثاً أسماء في غاية الجمال.
стр. 4957
العلاقة بين الاسم والمسمى
ولما كانت الأسماء قوالب للمعاني ودالة عليها، اقتضت الحكمة أن يكون بينها وبينها ارتباطٌ وتناسب، فللأسماء تأثير في المسميات، وللمسميات تأثير في أسمائها سواء كان في الحسن أو القبح، أو الخفة والثقل، أو اللطافة والكثافة كما قال الشاعر:
وقلما أبصرت عيناك ذا لقبٍ إلا ومعناه إن فكرت في لقبه
كان ﵊ يستحب الاسم الحسن، وإذا أرادهم أن يبرزوا إليه بريداً أمرهم أن يجعلوه حسن الاسم حسن الوجه حتى لا يحصل تشاؤم من أصحاب النفوس المريضة، وحتى يكون هناك مجالٌ للتفاؤل من أهل التوحيد.
وكان ﷺ يأخذ المعاني من أسمائها في المنام واليقظة، (كما رأى ﵊ في منامه ليلة أنه وأصحابه في دار عقبة بن رافع فأتوا برطب من رطب ابن طاب فأوله ﷺ -أول هذا المنام- بأن لهم الرفعة في الدنيا من كلمة رافع، والعاقبة في الآخرة من كلمة عقبة، وأن الدين الذي قد اختاره الله لهم قد أرطب وطاب، وذلك عندما أتي برطب ابن طاب).
وكذلك تأول سهولة أمرهم يوم الحديبية من مجيء سهيل بن عمرو فقال ﵊: (سهل لكم من أمركم) فتفاءل باسم سهيل عندما قدم عليه.
ولما قدم النبي ﷺ المدينة واسمها يثرب زال عنها ما في لفظ يثرب من التثريب وحل فيها الطيبة التي تضمنها اسم طابة أو طيبة كما سماها الله ورسوله.
стр. 4958
مثال لتأثير الأسماء في مسمياتها
وإذا أردت أن تعرف تأثير الأسماء في مسمياتها فتأمل الحديث: عندما قدم حزن على رسول الله ﷺ وهو جد سعيد بن المسيب، فغير رسول الله ﷺ اسم حزن إلى سهل، فقال ذلك الرجل: لا أغير اسماً سمانيه أبي، فيقول سعيدٌ ﵀: [فما زالت تلك الحزونة فينا بعد] والحزونة هي الشدة والصلابة والعسر قال: لا زالت تلك الشدة معروفة في عائلتنا وأسرتنا لقاء عصيان ذلك الرجل تسمية رسول الله ﷺ له باسم سهل وإصراره على اسم حزن مع ما يتضمنه ذلك الاسم من القبح، فصارت تلك الغلظة في طبعهم وأخلاقهم موجودة لقاء ذلك العصيان.
ومن تأمل السنة وجد معاني في الأسماء مرتبطة بها، حتى كأن المعاني مأخوذة من تلك الأسماء، وكأن الأسماء مشتقة من تلك المعاني فتأمل قوله ﵊ مثلاً: (أسلم سالمها الله، وغفار غفر الله لها -ولكن قبيلة عصية قال:- عصية عصت الله ورسوله) مع أن الأحداث التاريخية تخبر بأن أسلم وغفار تلكما القبيلتين قد أسلمتا لله رب العالمين وجاء أفرادهما إلى رسول الله ﷺ ، أما عصية فإنها حاربت رسول الله ﷺ واشتركت مع رعل وذكوان في قتل أصحابه ﵊، فتأمل كيف جرى ذلك القدر أن يكون أسلم وغفار ممن جاءوا إلى رسول الله ﷺ منيبين مهتدين وبين عصية التي عصت الله ورسوله.
ولما نزل الحسين ﵁ وأصحابه في كربلاء سئل عن اسمها، فقيل له: كربلاء، فقال: كرب وبلاء وكان ذلك فعلاً، ولما وقفت حليمة السعدية على عبد المطلب تسأله رضاع رسول الله ﷺ وهو صغير قال لها: ومن أنت؟ قالت: امرأة من بني سعد، قال: ما اسمك؟ قالت: حليمة، قال: بخٍ بخٍ سعدٌ وحلمٌ هاتان خلتان فيهما غناء الدهر.
ولأجل هذا كان من الأسباب التي تدفع إلى اختيار الاسم الطيب الذي يحمل من المعاني أشياء حسنة فيسمي به الوالد ولده من ذكر أو أنثى، والله سبحانه بحكمته في قضائه وقدره يلهم النفوس أن تضع الأسماء على حسب مسمياتها، ولتناسب حكمة الله بين اللفظ ومعناه كما تتناسب بين الأسباب ومسبباتها.
стр. 4959
تأثير الاسم على من يسمعه
قال أبو الفتح بن جني وهو من علماء اللغة: ولقد مر بي دهرٌ وأنا أسمع الاسم ولا أدري معناه، فآخذ معناه من لفظه ثم أكشفه فإذا هو ذلك بعينه أو قريباً منه.
يقول ابن القيم ﵀ بعد سياق الكلام المتقدم: فذكرت ذلك لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقال: وأنا يقع لي ذلك كثيراً.
فتأمل مثلاً في لفظ سعيد كيف تدل تلك الكلمة على معناها، ثم تأمل لفظ شقي كيف تدل الشين والقاف مع الياء على معنى مكروه من النفس، ولو ذكرت كلمة خنزير مثلاً إلى أحد الأشخاص الذين لا يعرفون معناها ولا يعرفون مدلول هذه الكلمة ثم سألته هل هذا الاسم حسنٌ أو قبيح؟ لكان تأثير اجتماع الخاء والنون والزاي في نفسه أثراً قبيحاً، ولقال لك: إن اسم خنزير قبيح ومدلوله قبيح، لو كان سليم الفطرة.
وبالجملة فإن الأخلاق والأعمال والأفعال القبيحة تستدعي أسماء تناسبها وأضداد ذلك تستدعي أسماء تناسبها أيضاً.
وكما أن ذلك ثابت في الأوصاف فهو كذلك ثابت في الأعلام، وإن صاحب الاسم الحسن قد يستحي من اسمه وقد يحمل اسمه على فعل ما يناسب ذلك الاسم، ولهذا ترى أكثر السفلة كما يقول ابن القيم: أسماؤهم تناسبهم، أبو لهب، وأكثر العلية أسماؤهم تناسبهم محمد ﷺ ، عمر وهكذا، علي بن أبي طالب ﵁.
هذه مقدمة لطيفة في العلاقة بين الاسم والمسمى وقد لا تطرد دائماً ولكن هناك علاقة ما.
стр. 4960
منكرات تقع في باب الأسماء
وتغيير الاسم الحرام واجب، وتغيير الاسم المكروه مستحب، ويجب أن يتعاون العباد فيما بينهم على هذا التغيير، فبعض الناس قد يكون اسمه محرماً كأن يكون معبداً لغير الله كما ذكرنا آنفاً، فعندما يغير اسمه فإنه ينبغي لأصحابه وأصدقائه أن ينادوه بالاسم الجديد وأن يتفادوا مناداته بالاسم الأول القبيح، وأن يعينوه على ذلك حتى لا يحرج، وحتى يشعر بأن الأمر طبيعي وهذا داخل في قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:٢] ومن أسلم وكان اسمه معبد لغير الله أو يدل على شركٍ أو كفرٍ فإنه يجب عليه أن يغيره، وأن ينتقي بدلاً منه اسماً من أسماء أهل التوحيد، ولا يجب عليه تغيير اسم أبيه أو جده لأنه ﵊ لم يغير في أسماء أجداده ولا أصحابه وقد كان فيهم عبد العزى وعبد الكعبة وعبد الدار وغيرهم، إذ أن مسئولية الإنسان عن اسمه هو.
стр. 4961
التسمي باسم من أسماء الله
ومما يمتنع التسمية به: تسمية الإنسان نفسه بأسماء خاصة بالله ، كالأحد، والصمد، والخالق، والرزاق وهكذا.
ولا يجوز تسمية عظيمٍ من العظماء أو ملك من الملوك أبداً بأسماءٍ أو تلقيبه بألقابٍ أو وصفه بصفاتٍ هي من صفات الرب ، فلا يجوز أن يلقب بالقاهر ولا بالظاهر، كما لا يجوز أن يلقب بالمتكبر أو الأول والآخر والباطن وعلام الغيوب ونحو ذلك، وقد وقع لبعضهم في العصر الحديث أن أطلقوا على عظمائهم أسماء خاصة بالله فقال قائلهم -عامله الله بما يستحق- عن عظيمٍ من عظمائه، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وهذا من الكفر الشنيع والشرك القبيح، ومن أعظم الجرائم عند الله أن ينازعه رجلٌ في اسم من أسمائه أو صفة من صفاته، وأن يتعدى كائنٌ من كان على ذلك الاسم وتلك الصفة.
стр. 4962
التلاعب بالأسماء المعبدة لله
ومما ينبغي الحذر أيضاً فيه: التلاعب بالأسماء المعبدة لله ، كعبد الرحمن فلا يصح أن يقال: رحم، أو دحيم أو دحيّم أو دحمان أو دحمي ونحو ذلك، وإنما يبقى الاسم المعبد لله كما هو.
وكان الحافظ/ عبد الرحمن بن إبراهيم يعرف بـ دحيمٍ بين الناس وكان يكره أن يقال له: دحيم، وقال ابن حبان: دحيم تصغير دحمان، ودحمان بلغتهم، الرجل الخبيث.
ولا بأس أن يترك المسلم اسماً أحسن لاسم حسن، أو اسماً حسناً لاسم لا بأس به لمصلحة شرعية، فمثلاً: لو أراد رجلٌ أن يسمي ولده عبد الرحمن فأحس أن رغبة أبيه أن يسمي ولده سعيد؛ لأن اسم الأب سعيداً، ولأن اسم سعيد لا حذر فيه شرعاً، فإنه قد يكون من المستحب لهذا الولد أن يسمي ولده على اسم أبيه براً بالأب الذي هو جد المولود إذا أحس هذا الوالد بأن لأبيه رغبة قوية في هذا، فقد ينضاف لترك اسم أحسن إلى اسم حسن قد ينضاف إليه مصلحة شرعية لا بأس بها كالبر بالأب وهو مأجور على ذلك إن شاء الله.
وبعض الناس عندهم عقدة وهي: أنهم لا يريدون التسمية باسم معروف ويقولون: هذا اسم منتشر مستهلك، فيلجئون إلى الغرائب والشواذ؛ فيأتون بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان، وكأن المسألة هي طلبٌ للشهرة؛ فيقعون في أسماء قبيحة سعياً وراء التفرد والشهرة، وليست هكذا عادة السلف أبداً، فإنهم سموا بأسماء مشهورة منتشرة معروفة متكاثرة في الصحابة والتابعين ومن تبعهم، فإذا استعرضت كتب الرجال مثلاً لوجدت طائفة كبيرة من اسمه محمد أو إبراهيم أو عبد الله أو عبيد الله أو عبد الرحمن وهكذا، ولم يقولوا نحن نريد اسماً شاذاً غير معروف بين الناس.
стр. 4963
التسمية بأسماء الفساق حباً لهم
ومن المنكرات الحادثة في التسميات ما يلجأ إليه بعض الناس ممن رق دينهم وكان لهم نصيبٌ من الفسوق والعصيان أن يسموا أولادهم على أسماء الممثلين والممثلات أو المغنين والمغنيات أو الراقصين والراقصات، فترى واحداً منهم مع أنه أب مسئول لا يتورع أن يسمي ابنته على اسم مغنية أو ساقطة من الساقطات لأنه معجبٌ بها، وترى ديوثاً يقر الخبث في أهله لا يتورع أن يسمي ولده باسم داعرٍ أو راقصٍ أو ماجن ولو كان اسمه قبيحاً لأنه معجبٌ به، والمرء يحشر مع من أحب.
وقد يكون الاسم جميلاً أو حسناً ولكن الباعث إلى التسمية به ليس إرضاء الله وإنما اتباعاً لذلك المغني، كمن يسمي (عبد الحليم) مثلاً فهو اسمٌ حسن والحليم من أسماء الله، ولكن ما هي النية والباعث على التسمية بهذا الاسم، هل لأنه تعبيدٌ لاسم من أسماء الله، أم لأنه إعجاب بمغنٍ من المغنين أو مطربٍ من المطربين مثلاً، وإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى؟! وكذلك من المنكرات في هذا التسمية بأسماء تكره النفوس معانيها، كحرب ومرة وحية وحنش ومثل ذلك ثعلب وثعيلب وثعيل وكليب وخنفس وخنيفس، وهذا منتشر بين البادية كثيراً، وأحياناً التسمية بأسماءٍ ذات ألفاظ وحشية كخربوش وعجيريف من العجرفة أو متحس وطفشير ونحو ذلك، وهذه أسماء واقعية يسمون بها، وقد تقدم أنه ﵊ لما أقيم بين يديه قاتل حمزة وسأله عن اسمه فكان اسمه وحشي، فقال: (غيب وجهك عني) فعمله واسمه منافٍ للحق وفيه نفور تحس به النفس.
وكذلك من الأسماء القبيحة ما يفعله بعضهم من التسمي بأسماء الحيوانات، كثعيلب وثعيل ووحش ونحو ذلك، أو أن يكون الاسم قبيح المعنى مثل عناد وغسيس وغصاب وعاشق ومتروك ونحو ذلك، وهذه أسماء منتشرة كما ذكرنا، وتأمل عندما يقف رجل أمام الناس فيقال له ما اسمك؟ فيقول: اسمي كذا، وإذا كان اسمه قبيحاً فكيف يكون موقفه بينهم؟ حدثني بعضهم عن طالبٍ من الطلاب في مدرسة من المدارس لما جاء المدرس يسأل عن أسماء طلابه فلما أوقف أحدهم قال له: اسمي خايس، هذا هو اسمه خايس، كيف يكون موقف ذلك الطالب بين زملائه وهو يقول: اسمي خايس، وهذا لعمر الله من الجرائم التي يجرم بها بعض الآباء وهم لا يتقون الله في تسمية أولادهم، أو يكون لبعضهم أسماء تافهة مثل قوطي ونحو ذلك، وهذا موجود.
ومن الشناعة أن يقول بعض هؤلاء كما قال ذلك الرجل حزن لا أغير اسماً سمانيه أبي، فقد يعاقب على ذلك، كما عوقب سلفه من قبل.
ومبدأ ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣] مبدأ جاهلي آخذه القرآن وعاب أهله وذمهم، فكيف يأتي أناسٌ من المسلمين اليوم ويقولون: هذه أسماء آبائنا وأجدادنا وقبيلتنا وعشيرتنا لا نغير فيها، ومن الذي قال: إن هذا شرع وإن تسمية آبائكم وأجدادكم وقبيلتكم وعشيرتكم إن هذا في القرآن والسنة، من الذي قال بهذا؟ ولماذا نسمي أنفسنا مسلمين إذاً إذا لم نكن سنستسلم لآداب الإسلام وأوامر الله ونواهيه، فإذاً شرع الله فوق عادات القبائل وفوق أعراف المجتمعات، يجب أن يتبع شرع الله.
стр. 4964
المنكرات الواقعة في أسماء البنات
أيها الإخوة: وأما بالنسبة لأسماء البنات فحدث ولا حرج عما حدث فيها من التلاعب والتغيير والابتعاد عن آداب الإسلام وهدي نبينا محمد ﷺ في هذا الجانب، فتجد بعضهم يسمي ابنته اسماً عجيباً، فمنهم من يسميها (فتنة) أو (فاتن) ومعلوم أن الفتنة شر وأن رسول الله ﷺ استعاذ منها، ولكنهم يسمون بتلك الأسماء.
وقبل أن أسرد لكم طائفة من الأسماء المنتشرة بين الناس في تسمية البنات، أوضح نقطة ذكرتها تكلمنا عن بدعية فتح المصحف لتسمية الأولاد أو البنات، فقال بعض الإخوة: إن في القرآن أسماء حسنة مثل مريم وكوثر ونحو ذلك؟ فأقول توضيحاً: إننا لا نعيب على من يسمي بأسماء في القرآن مثل مريم، بل إن هذا شيء محمود، ولكن الانتقاد في الطريقة التي يسمي بها هؤلاء الناس بناتهم أو أولادهم، الطريقة وليس الاسم، ففتح المصحف للتسمية ليس معروفاً على عهد السلف ﵏، بل هو أقرب إلى البدعة، أما أن يجول الإنسان بذاكرته فينتقي اسماً حسناً من الأسماء الموجودة في القرآن إذا كان ذلك الاسم حسناً فعلاً وليس متكلفاً كما يفعل بعضهم إذا لم يجد شيئاً سماها آية، فإذا كان اسماً حسناً فلا يضر كونه في القرآن بل هذا شيء طيب، ومن التأسي بأسماء الأنبياء والصالحين من قبلنا أن نسمي بأسمائهم كما تقدم.
بعض الناس في مجال تسمية البنات يقتبسون من الكفار ويأخذون منهم، وإليكم طائفة من الأسماء الواقعية التي سمي بها في هذا الزمان، من آباء مسلمين، فمنهم من يسمي ابنته: (سوزان أو سالي أو منوليا أو مايا أو هايدي أو ليندا أو لارا أو لسندا أو انجلا أو جلوريا أو ديانا) ونحو ذلك، انظر إلى حديث رسول الله ﷺ : (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، وحذو النعل بالنعل، حتى لو دخلوا جحر ضبٍ لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن!) من غيرهم؟ وهؤلاء المسلمون الآن تبعوا اليهود والنصارى في التسمية في الأسماء حذو القذة بالقذة، ولذلك ترى من المسلمين من سمى ابنته بمثل هذه الأسماء، وهي أسماء لكافرات بنات كفارٍ وكافرات، وينبغي أن يبحث المسلم لابنه أو ابنته عن اسم عربي جميل المعنى سهل اللفظ؛ لأن هذا عنوان سيحمله ذلك المسمى من ذكرٍ أو أنثى يسير به بين الناس، لابد أن يكون شيئاً مشرفاً جميلاً، وليس شيئاً يجلب الخجل والعار، ولا ينبغي أن يلجأ إلى أسماء الأعاجم كما يفعل بعضهم، فيسمي مثلاً (ميرفت وناريمان وشيريهان ونيفين وشيرين) ونحو ذلك.
وتفكر في حال من سميت (بفيفي أو ميمي) مثلاً في تفاهة هذا الاسم وعدم دلالته على أي معنى، تأمل في حال تلك المرأة عندما تكبر وتصبح أماً أو جدة واسمها (ميمي) كيف يكون موقفها أمام أولادها أو أحفادها وهم ينادونها بهذا الاسم.
وبعض الناس لا تتعدى نظرتهم أرنبة أنوفهم، فلا يفكرون في المستقبل وقد ينتقون اسماً يناسب الطفل الصغير الوليد فيه تدليل، ولكن لا يحسبون الحساب عندما يكبر هذا كيف سيكون، وقد يقولون: انتهت الأسماء فلم نجد اسماً مناسباً ماذا نفعل؟ نقول: ارجعوا إلى كتب أسلافكم، ارجعوا إلى كتب العلماء، انظروا ماذا سمى الصحابة بناتهم وماذا سمى التابعون بناتهم، وماذا سمى أتباع التابعين بناتهم، عند ذلك ستجد الأسماء العربية ذات المعنى الحسن واللفظ السلس التي يحسن بأب أن يسمي بها ابنته، وأنا أعرض لكم أمثلة لهذا.
فمن أسماء المسلمات في الماضي: (آمنة وأروى وأسماء وأمامة وجمانة وأميمة وحكيمة وحسانة) حسانة هذا الاسم العظيم، لماذا؟ (جاءت عجوزٌ إلى رسول الله ﷺ فسألها عن اسمها فقالت: جثامة المزنية، فقال: بل أنت حسانة) فقد غير الرسول ﷺ اسم جثامة إلى حسانة، وعاملها بلطفٍ واحترامٍ وأقبل عليها فأدركت الغيرة أمنا عائشة فقالت: يا رسول الله ما رأيتك تقبل على امرأة كما أقبلت على هذه العجوز ما شأنها، فأخبرها ﵊ أنها من صديقات خديجة، وكانت تأتيهم أيام خديجة، ثم قال ﵊: (وإن حسن العهد من الإيمان) الاحتفاظ بالفضل لأهل الفضل، وبالمعروف لأهل المعروف، وتذكر أصدقاء الماضي وعدم نسيانهم (إن حسن العهد من الإيمان) فما أخلق المسلم أن يسمي ابنته حسانة كما سمى رسول الله ﷺ هذا المرأة.
(وأمينة وأنيسة وبشيرة وجميلة وحميدة وحليمة وحبيبة وحسنة ورفيدة ورقية وزينب وروضة وريحانة وسارة وسعيدة وسكينة وسلمى وسمية وسهلة وشفاء وصفية وعائشة ويسيرة وعميرة وفاضلة وفاطمة ولبابة ولبنى ومريم ومعاذة وميمونة ونائلة ونسيبة وهند) وغير ذلك من الأسماء طافحة بها كتب الأعلام في الماضي، فهل انتهت الأسماء فعلاً حتى نسمي بأسماء الكافرات، والماجنات والمغنيات والتافهات؟ فعوداً أيها المسلمون إلى شخصيتكم الإسلامية، اعلموا بأن هذه الأمور ليست فكرية أو سطحية تافهة وإنما لها معنى.
ومن الأسماء من لا تصلح إلا لله، لا لفظاً ولا معنىً لا تصلح إلا لله، ولا يجوز تسمية المخلوق بها في أي حالٍ من الأحوال، كالخالق والرازق والرحمن لا بـ (ال) ولا بغير (ال) لا يجوز أن يسمى بها المخلوق.
стр. 4965
الاعتقاد بأن الاسم يدفع العين
ومن الأمور الشائنة الحادثة والمعتقدات الباطلة: اعتقاد بعضهم -وخصوصاً في البادية- أنه لو سمى الولد باسمٍ بغيضٍ أو قبيح فإن العين لا تصيبه أو أنه لا يموت صغيراً ونحو ذلك، ولهذا صار بعضهم يسمي أسماء قبيحة كما سمى بعضهم ولده طمث ونحو ذلك والعياذ بالله، وتأمل في حال الولد وهو يُنادى بين الناس بالاسم القبيح ولو كان اسمه غريباً تستك منه الأسماع، فإن الذي يسأله عن اسمه لأول مرة فيقول له: ما اسمك؟ فيقول: فلان فيستغرب السائل ويعيد السؤال، فيقول: ماذا؟ فيعيد المسئول الاسم وهكذا يضل الولد في إحراجٍ بسبب جهل الأب وإعراضه عن سنة رسول الله ﷺ مما يؤدي في كثيرٍ من الأحيان إلى أن يكره الأبناء آباءهم لأن ذلك الأب قد جر على ولده القبح في مجامع الناس والاشمئزاز منه.
وعلى وجه العموم نختم قضية الأسماء بما ذكره الطبري ﵀ فقال: لا ينبغي التسمية باسم القبيح المعنى، ولا باسمٍ يقتضي التزكية لهذا الشخص، ولا باسم معناه السب، ولو كانت الأسماء إنما هي أعلامٌ للأشخاص لا يقصد بها حقيقة الصفة ولكن وجه الكراهة أن يسمع سامعٌ بالاسم فيظن أنه صفة للمسمى، ولذلك كان ﵊ يغير الأسماء القبيحة.
وليعلم أن من الأسماء التي فيها تزكية وقد ذمها أهل العلم ما راج في هذا العصر والعصور السالفة المتأخرة في الإسلام من التسمية بزكي الدين وتقي الدين ونحو ذلك، مثله فخر الإسلام مثلاً فإن هذه الأسماء حادثة في العصور المتأخرة من الإسلام، لا يعرف أن الصحابة ولا السلف الصالح تسموا بهذه الأسماء، ومن العجيب أن هذه الأسماء قد شاعت في الوقت الذي ضعف فيه المسلمون، ولما كان المسلمون أقوياء كانوا لا يحتاجون إلى التسمية بهذه الأسماء ولكن لما صار الضعف حاصلاً صارت عقدة نقصٍ عند الكثيرين فصاروا يسمون زكي الدين وسراج الدين وتقي الدين وفخر الإسلام ونحو ذلك.
وهذا مركب نقص في النفوس دفع إليه الشعور بالضعف، زد على هذا السبب وهو: أن المسألة محدثة مبتدعة، زد عليه: أن فيه تزكية للنفس ومخالفة لقول الله: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢].
وكان من هديه ﷺ أن يرخم الاسم عند النداء للملاطفة بأن يحذف الحرف الأخير منه مثلاً، ولذلك كان عندما ينادي عائشة يقول: يا عائش! من باب الملاطفة فهذا لا بأس به؛ لأن فيه مداعبة وتحبباً وكما يكون من ينادي فاطمة يا فاطم، ونحو ذلك.
стр. 4966
الهدي الإسلامي في الكنى
وأما بالنسبة للكنى فإنها من هدي السلف الصالح ﵏، وعلى رأسهم رسول الله ﷺ فإنه كان يكني أصحابه وكان له ﵊ كنية وهي أبو القاسم.
стр. 4967
جواز التكني ولو لم يوجد ولد
ولما أرادت زوجته عائشة أن تكتني ولم يكن لها ولد قالت للنبي ﷺ : (يا رسول الله! كل نسائك لها كنية غيري، فقال لها رسول الله ﷺ : اكتني بابنك عبد الله) يعني: ابن الزبير، مع أنه ليس ولدها وهي خالته ولكن أطلقه عليها لأن الخالة بمنزلة الأم كما ورد في الحديث الصحيح، فقال: (اكتني بابنك عبد الله أنت أم عبد الله) وهذا سندٌ صحيح، والحديث رواه الإمام أحمد، فلو كانت المرأة ليس لها كنية فإنه يسن لها أن تكتني بأقرب الناس إليها، مثل أن تسمى بأم فلان، وهذا فلان ولد أختها مثلاً.
وقال البخاري في صحيحه: باب الكنية للصبي وقبل أن يولد الرجل، وساق حديث (يا أبا عمير ما فعل النغير) وهذه الجملة التي داعب بها الرسول صبياً صغيراً من صبيان الصحابة، وهو أخا أنس بن مالك ﵄ فقال له ﵊: (يا أبا عمير! -مع أنه صغيرٌ جداً- ما فعل النغير) اسم طائرٍ كان عنده.
стр. 4968
الكنية للصغير
وكنى ﷺ ابن مسعودٍ أبا عبد الرحمن قبل أن يولد له، رواه الطبراني قال الحافظ: إسناده صحيح، ولذلك من السنة أيضاً أن يكنى الرجل بأبي فلان حتى قبل أن يرزق بمولود.
قال العلماء: كانوا يكنون الصبي تفاؤلاً بأنه سيعيش حتى يولد له، وكذلك للأمن من التلقيب، ولهذا قال قائلهم: بادروا أبناءكم بالكنى قبل أن تغلب عليهم الألقاب.
стр. 4969
جواز التكني بأكثر من كنية
وكنى النبي ﷺ علياً بـ أبي تراب، كما ورد في الحديث الصحيح الذي عنون عليه البخاري ﵀: باب التكني بـ أبي ترابٍ وإن كانت له كنية أخرى، فعن سهل بن سعد قال: إنه إن كانت أحب أسماء علي ﵁ إليه لـ أبو تراب، وإن كان ليفرح أن يدعى بها، وما سماه أبا ترابٍ إلا النبي ﷺ ، فقد غاضب يوماً فاطمة، حصل بين علي وفاطمة ما يحصل بين الرجل وزوجته، فخرج فاضطجع إلى الجدار في المسجد، فجاءه النبي ﷺ يتبعه فقال: هو ذا مضطجع في الجدار، فجاءه النبي ﷺ وقد امتلأ ظهر عليٍ تراباً من جراء الاضطجاع على الأرض أو على الجدار، فجعل النبي ﷺ يمسح التراب عن ظهره ويقول مداعباً: اجلس يا أبا تراب، مع أن علياً له كنية أخرى وهي كنيته بابنه الحسن، فكان يقول: أنا أبو الحسن.
قال ابن حجر ﵀: وفيه جواز تكنية الشخص بأكثر من كنية، والتلقيب بلفظ الكنية وبما يشتق من حال الشخص، كما اشتق ﵊ أبا تراب، وأن اللقب إن صدر من الكبير في حق الصغير تلقاه بالقبول ولو لم يكن لفظه لفظة مدح، ولكن لا يصح أن تكون الكنية أبداً قبيحة، كأن يقول: أبو كذا، وهي من أسماء الحيوانات على سبيل المثال، وأيضاً قال ﷺ لبنتٍ صغيرة لبست لبساً حسناً قال: (هذا سنا يا أم خالد) يعني: جميل بلسان الحبشة.
стр. 4970
فوائد التكني
والتكني ولو لم يكن له ولدٌ أدب إسلاميٌ ليس له نظير عند الأمم الأخرى، ولذلك انظر إلى حال الكفرة في بلاد الغرب والشرق مثلاً، هل رأيت أمريكياً يقال له: أبو فلان، أو رأيت إنجليزياً يقال له: أبو فلان كلا، وإنما التكنية أدبٌ إسلاميٌ شاع بين المسلمين ومن فوائده: أولاً: توقير الشخص واحترامه فإنك عندما تقول: يا أبا فلان، هذه منزلة أعلى من أن تقول يا فلان باسمه.
ثانياً: إن تكنيته بها يمنع من تلقيبه بالألقاب السيئة لأن له كنية، فلا يطلق عليه لقبٌ سيئ فتكون التكنية حائلة بينه وبين اللقب السيئ.
ثالثاً: إن تكنية الصغار فيه إشعار لهم بالمسئولية كأنهم آباء، فعندما يقال للولد الصغير: يا أبا فلان، فإنه يعظم في نفسه ويكبر في عين نفسه، ويشعر بأن الكبار يحترمونه وكأنه يُخاطب على أنه رجلٌ كبير، وهذا من دقائق التربية الإسلامية التي غفل عنها كثيرٌ من المسلمين.
وبناءً على ذلك أيها الإخوة! فإن ما حدث من ترك التكني قد ولد استخدام ألقاب مقتبسة من الكفرة أو من الأعاجم (كالبيك والأفندي والباشا والمسيو أو السيد والسيدة والآنسة) ونحو ذلك، وليس في هذه الطائفة كلها من الألقاب أبداً أدبٌ إسلاميٌ واحد؛ فهو إما أن يكون اقتباساً من الأعاجم وإما أن يكون تشبهاً بالكفار الذين يطلقون على المرأة سيدة، ومتى كانت المرأة سيدة؟ ولذلك ترى هؤلاء المعجبين بالكفرة يتشدقون عند تقديم البرامج بقولهم مثلا: (سيداتي آنساتي سادتي) وليس في ذلك شيء أبداً من أدب الإسلام، وإنما يقال للمرأة: يا أم فلان إن كان لا يصلح أن تسمى باسمها أمام الناس، ويقال للرجل: يا أبا فلان، ونحو ذلك، ولا بأس بتلقيب أهل العلم بألقابٍ دالة على فضائلهم، أما هذه الألقاب فليست أبداً من الإسلام في شيء، وخصوصاً إذا كان في بعضها تزكية، مثل كلمة الأفندي.
واعلموا أيها الإخوة أن كثيراً من أصحاب رسول الله ﷺ قد كنوا بكنى ولم يكن لهم أولاد بنفس هذه الكنية، فلم يكن لـ أبي بكرٍ ابنٌ اسمه بكرٌ، ولا لـ عمر ابن اسمه حفص، ولا لـ أبي ذر ابن اسمه ذر، ولا لـ خالد ولدٌ اسمه سليمان، وكذلك أبو سلمة لم يكن له ولد اسمه سلمة، فعلى ذلك يجوز التكنية باسم الولد ولو لم يكن كذلك، وهذا مثلما يحدث أحياناً أن يكنى رجل بكنية ثم يأتيه ولد فيسميه باسم آخر، فيجوز أن يطلق عليه هذه الكنية وهذه الكنية إذا كان يحب ذلك.
ومن الفوائد للكنى: التنبيه، ولذلك جاء على لسان بعض السلف: أشيعوا الكنى فإنها منبهة، يعني يا أبا فلان تنبهه أكثر من يا فلان وهكذا.
ومن الكنى القبيحة أبو مرة؛ لأن العرب كانت تطلقه على الشيطان، وهذا ما يحدث عند كثيرٍ من الناس في السباب والشتائم.
ومن الأمور المحرمة تكنية الكافر والمبتدع بكنى المسلمين، ولا يجوز تكنيته على سبيل التوقير، فلو رأيت تاركاً للصلاة أو مستهزئاً بالدين لا يصح لك أن توقره بأن تقول: يا أبا فلان على سبيل التوقير للفاجر والعاصي لا يصح أو للكافر أو المبتدع، وكذلك أن يطلق عليه عدو الدين أو خراب الدين ونحو ذلك.
стр. 4971
الهدي الإسلامي في الألقاب
وأما بالنسبة للألقاب: فإن الله يقول: ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات:١١] وقبل أن نذكر ما تحت اللقب من الفوائد نقول: إنه ﵊ قد نهى عن الجمع بين اسمه وكنيته، وسمح بأن نتسمى باسمه: (تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي) وهذا الحديث صحيح.
واختلف العلماء في توجيهه: فمنهم من قال: لا يجوز أن يجمع لإنسان بين محمد وأبي القاسم في حياته ﵊ فقط وبعد حياته زال المحذور، ومنهم من قال: النهي عام في حياته وبعد مماته، ومنهم من قال: إن النهي عن الجمع بأن يقال: يا محمد يا أبا القاسم، لكن لو أفرد كلاً منها عند النداء فلا بأس، والأحوط ألا يجمع لإنسان بين كنيته ﷺ واسمه، فلا ينادى بمحمد ويكنى بأبي القاسم في نفس الوقت.
стр. 4972
المنع من التلقيب للسخرية وجوازه للحاجة
وأما التنابز بالألقاب الذي نهى الله عنه في القرآن فقد أخرج الترمذي في سننه وغيره عن أبي جبيرة بن الضحاك قال: (كان الرجل يكون له الأسماء الاثنان والثلاثة، فيدعى ببعضها، فعسى أن يكره) كان الجاهليون يسبون بعضهم ويلقبون بعضهم بألقاب سيئة، فعسى أن يكره عندما ينادى بعدما دخل في الإسلام، فنزلت هذه الآية ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات:١١] ولذلك روى أبو ذر ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (من دعا رجلاً بالكفر أو قال: يا عدو الله! وليس كذلك إلا حار عليه) رواه مسلم.
فهذا من الألقاب (يا عدو الله) هذا لقب سيئ، أو يا كافر ونحو يا فاجر، فإذا لم يكن المنادى هكذا رجع الاسم على المنادي وحار عليه.
ومن الألقاب ما يكون فيه نوعٌ من العيب، مثل يا أعرج، يا أحول، يا أعمش، يا أفطس، ونحو ذلك، فهذا من هذا الباب منهيٌ عنه بنص الآية ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات: ١١] إلا في حالة واحدة نص عليها أهل العلم: إذا كان الرجل لا يعرف ولا يميز إلا بهذا اللقب، فإنه يجوز للتعريف، كأن تحتار في كيفية وصف إنسان لآخر فتضطر أن تقول له: هو الرجل الذي في رجله عرج، أو هو الأعرج، فيتميز من الواصف للموصوف، فإذا كان ليس على سبيل التنقص فلا بأس بذلك، كما ورد في صحيح مسلم عن عبد الله بن سرجس قال: [رأيت الأصلع يقبل الحجر] وفي رواية: [رأيت الأصيلع يقبل الحجر] يقصد عمر بن الخطاب ﵁، فإنه قصد تمييزه وتعريفه لا عيبه وذمه وانتقاصه.
стр. 4973
ألقاب يمنع منها الشرع
ومن هذه الأمور أيضاً: التلقيب بسيد الكل وسيد الناس، وست الكل وست الناس فإنها من الأمور المذمومة الجامعة بين الكراهة والقبح والكذب؛ لأن هذا من خصائص رسول الله ﷺ فقط، لأنه ﵊ قال: (أنا سيد ولد آدم) فعندما تقول لإنسان: أنت سيد الكل أو أنت سيد الناس أو يقال لامرأة أنتِ ست الكل فإنه ﵊ يدخل في هذا الكل، ولذلك صار أمراً معيباً ينبغي اجتنابه خصوصاً عند الشعراء الذين يمدحون والذي يكذبون كثيراً في مدحهم، ومن هذا الباب تسمية البنت بست الناس أو ست العلماء أو ست النساء أو ست الفقهاء كما كان ذلك شائعاً في بعض العصور الماضية.
ومن الألقاب أيضاً التي ذكر بعض أهل العلم الكراهية فيها: تلقيب الذي يحج بلقب الحاج، فيقال: الحاج فلان ونحو ذلك، وقد حكى بعض أهل العلم أنه بدعة، وحكى بعضهم أنه لا بأس به، والأحوط عدم استخدامه لما فيه من إظهار الأعمال المفضية للوقوع في الرياء، يعني: كأنه يقال له بين الناس: الحاج فلان لأنه حج، فهذا يكون فيه نوعٌ من إظهار عمله الصالح بين جميع الخلائق، وبعضهم لا يرضى إلا أن ينادى بالحاج فلان، ولو قلت له: يا أبا فلان أو يا فلان لم يرض بذلك، ولم يرد هذا التلقيب عن الصحابة ولا عن السلف الصالح ﵏، فلم يعرف بأنه قيل الحاج أبو بكر والحاج عمر والحاج عثمان والحاج سعيد بن المسيب، والحاج أحمد بن حنبل، ونحو ذلك، وإنما هو لقبٌ حادثٌ في الأزمان المتأخرة.
وأما تسمية النصارى الذين يحجون إلى بيت المقدس، يزورونه ويشدون الرحل إليه بأنهم حجاج فإنه أمرٌ ممنوع لما فيه من تشبيه المشرك الكافر بالمسلم في عبادة من العبادات.
وكذلك أصحاب القبور الذين يعظمون القبور في بعض البلدان عندما يزور قبر البدوي يقال له: الحاج فلان، ولذلك ترى بعضهم عندهم كتب مكتوب على الغلاف مناسك حج المشاهد، مناسك حج القبور، يعني: يقال في الشوط الأول حول قبر البدوي كذا وكذا، وفي الشوط الثاني كذا وكذا وهكذا، وعند الدخول على القبر كذا وكذا، وعند قبر الحسين كذا وكذا، وهذا من الشرك العظيم الذي وقعت فيه هذه الأمة ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 4974
هديه ﷺ في تلقيب أصحاب المهن
ومن هديه ﷺ تسمية أصحاب المهن الذين غلبت عليهم أسماء فيها نوعٌ من القبح بالأسماء الحسنة، حتى أصحاب المهن والصناعات، فقد روى ابن ماجة في سننه وهو حديث صحيح عن قيس بن أبي غرزة ﵁ قال: (كنا نسمى في عهد رسول الله ﷺ السماسرة -جمع سمسار- فمر بنا رسول الله ﷺ فسمانا باسم هو أحسن منه، فقال: يا معشر التجار! -ما قال: يا معشر السماسرة- إن البيع يحضره الحلف واللهو فشوبوه بالصدقة) يا معشر التجار! إن البيع يكثر فيه الحلف واللغو فاخلطوه بالصدقة كي يزكوا وتطرد تلك الآثام التي وقعت أثناء البيع.
ومن الألقاب السيئة التي يلقب بها كثير من الناس أولادهم (يا شاطر) فإنك إذا رجعت إلى كلام العرب ومعاني هذا في قواميس العربية لوجدت أن الشاطر هو الحرامي اللص قاطع الطريق، وقال في لسان العرب: الشاطر هو الذي أعيا أهله ومؤدبه خبثاً يعني: أتعبهم فلا فائدة من تربيته فهو خبيث إلى أبعد الدرجات قد تعبوا في تربيته بدون فائدة، هذا معنى الشاطر، ولذلك الأحسن ألا ينادى به الأولاد؛ لأن معنى الكلمة قبيح، وإن غلب على الناس أنها كلمة حسنة.
стр. 4975
اختصار الصلاة والسلام على النبي كتابة
ونختم بأمر درج بين كثيرٍ من الناس وخصوصاً عند الكتابة وهو أنهم إذا قالوا: فجاء النبي بدل أن يقول: ﷺ يكتب بين قوسين (صلعم) وبعضهم يضع بين قوسين (ص) وهذا استخدام قبيح.
قال: ابن حجر الهيثمي ﵀: لا يجوز بل الواجب الصلاة والتسليم ﷺ .
وقال الفيروز أبادي: ولا ينبغي أن ترمز الصلاة كما يفعله بعض الكسالى والجهلة وعوام الطلبة فيكتبون صورة (صلعم) بدلاً من ﷺ .
وقال العلامة أحمد شاكر ﵀: هو اصطلاح سخيف، وللعلامة الأثري الشيخ عبد العزيز مقالة عن هذه المسألة وأنا أتساءل عندما يكتبون صلعم ماذا يختصرون؟ في الحقيقة يختصرون الأجر، بدلاً من أن يكتب بيده ﷺ فيكون له أجر الصلاة والسلام على الرسول ﷺ يسيئون الأدب معه ﵊ فيكتبون اختصاراً (ص) و (صلعم) وهل هناك بابٌ جيد من أبواب الأجر مثل أن تكتب بيدك ﷺ ، ﵊، فإذاً: ينبغي الحذر من ذلك وكتابتها كاملة ليحصل الأجر.
ومن الأسباب التي ذكرها العلماء في تفضيل أهل الحديث المشتغلين بالحديث: أنهم كثيراً ما يتعرضون لصلى الله عليه وسلم فهو دائماً يحدث الأحاديث ويقول: قال رسول الله ﷺ ، ودائماً يكتب الأحاديث ويقول: قال النبي ويكتب ﷺ ، ولذلك هم من أكثر الناس أجراً في هذا الباب العظيم من أبواب الأجر، وهو الصلاة عليه ﷺ .
عن عائشة قالت: (جاءت عجوز إلى النبي ﷺ وهي عنده، فقال لها رسول الله ﷺ : من أنت؟ قالت: أنا جثامة المزنية، فقال: بل أنت حسانة المزنية، كيف أنتم؟ كيف حالكم؟ كيف بعدنا؟ -يعني: كيف حالكم بعدنا- قالت: بخيرٍ بأبي أنت وأمي يا رسول الله! فلما خرجت قلت: يا رسول الله تقبل على هذه العجوز هذا الإقبال، فقال: إنها كانت تأتينا زمن خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان) هنا أدركت الغيرة أمنا عائشة ﵂ فقالت: تقبل على هذه العجوز هذا الإقبال؟ فقال: إنها كانت تأتينا زمن خديجة وإن حسن العهد من الإيمان، وهذا حديث صحيح.
وأما تغييره ﷺ لاسم شهاب فإنه ورد أيضاً بإسنادٍ حسن عند البخاري في الأدب المفرد عن عائشة ﵂: (ذكر عند رسول الله ﷺ رجلٌ يقال له: شهاب، فقال رسول الله ﷺ : بل أنت هشام) وهذا الحديث يفيد أمرين: تغيير شهاب، وسنة التسمية باسم هشام، وأنت ترى التقارب بين شهاب وهشام في الأحرف.
следующие страницы →