Полный текст (7 040 стр.). Показаны 4971–5010 · переход к 4976.
стр. 4971
الهدي الإسلامي في الألقاب
وأما بالنسبة للألقاب: فإن الله يقول: ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات:١١] وقبل أن نذكر ما تحت اللقب من الفوائد نقول: إنه ﵊ قد نهى عن الجمع بين اسمه وكنيته، وسمح بأن نتسمى باسمه: (تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي) وهذا الحديث صحيح.
واختلف العلماء في توجيهه: فمنهم من قال: لا يجوز أن يجمع لإنسان بين محمد وأبي القاسم في حياته ﵊ فقط وبعد حياته زال المحذور، ومنهم من قال: النهي عام في حياته وبعد مماته، ومنهم من قال: إن النهي عن الجمع بأن يقال: يا محمد يا أبا القاسم، لكن لو أفرد كلاً منها عند النداء فلا بأس، والأحوط ألا يجمع لإنسان بين كنيته ﷺ واسمه، فلا ينادى بمحمد ويكنى بأبي القاسم في نفس الوقت.
стр. 4972
المنع من التلقيب للسخرية وجوازه للحاجة
وأما التنابز بالألقاب الذي نهى الله عنه في القرآن فقد أخرج الترمذي في سننه وغيره عن أبي جبيرة بن الضحاك قال: (كان الرجل يكون له الأسماء الاثنان والثلاثة، فيدعى ببعضها، فعسى أن يكره) كان الجاهليون يسبون بعضهم ويلقبون بعضهم بألقاب سيئة، فعسى أن يكره عندما ينادى بعدما دخل في الإسلام، فنزلت هذه الآية ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات:١١] ولذلك روى أبو ذر ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (من دعا رجلاً بالكفر أو قال: يا عدو الله! وليس كذلك إلا حار عليه) رواه مسلم.
فهذا من الألقاب (يا عدو الله) هذا لقب سيئ، أو يا كافر ونحو يا فاجر، فإذا لم يكن المنادى هكذا رجع الاسم على المنادي وحار عليه.
ومن الألقاب ما يكون فيه نوعٌ من العيب، مثل يا أعرج، يا أحول، يا أعمش، يا أفطس، ونحو ذلك، فهذا من هذا الباب منهيٌ عنه بنص الآية ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات: ١١] إلا في حالة واحدة نص عليها أهل العلم: إذا كان الرجل لا يعرف ولا يميز إلا بهذا اللقب، فإنه يجوز للتعريف، كأن تحتار في كيفية وصف إنسان لآخر فتضطر أن تقول له: هو الرجل الذي في رجله عرج، أو هو الأعرج، فيتميز من الواصف للموصوف، فإذا كان ليس على سبيل التنقص فلا بأس بذلك، كما ورد في صحيح مسلم عن عبد الله بن سرجس قال: [رأيت الأصلع يقبل الحجر] وفي رواية: [رأيت الأصيلع يقبل الحجر] يقصد عمر بن الخطاب ﵁، فإنه قصد تمييزه وتعريفه لا عيبه وذمه وانتقاصه.
стр. 4973
ألقاب يمنع منها الشرع
ومن هذه الأمور أيضاً: التلقيب بسيد الكل وسيد الناس، وست الكل وست الناس فإنها من الأمور المذمومة الجامعة بين الكراهة والقبح والكذب؛ لأن هذا من خصائص رسول الله ﷺ فقط، لأنه ﵊ قال: (أنا سيد ولد آدم) فعندما تقول لإنسان: أنت سيد الكل أو أنت سيد الناس أو يقال لامرأة أنتِ ست الكل فإنه ﵊ يدخل في هذا الكل، ولذلك صار أمراً معيباً ينبغي اجتنابه خصوصاً عند الشعراء الذين يمدحون والذي يكذبون كثيراً في مدحهم، ومن هذا الباب تسمية البنت بست الناس أو ست العلماء أو ست النساء أو ست الفقهاء كما كان ذلك شائعاً في بعض العصور الماضية.
ومن الألقاب أيضاً التي ذكر بعض أهل العلم الكراهية فيها: تلقيب الذي يحج بلقب الحاج، فيقال: الحاج فلان ونحو ذلك، وقد حكى بعض أهل العلم أنه بدعة، وحكى بعضهم أنه لا بأس به، والأحوط عدم استخدامه لما فيه من إظهار الأعمال المفضية للوقوع في الرياء، يعني: كأنه يقال له بين الناس: الحاج فلان لأنه حج، فهذا يكون فيه نوعٌ من إظهار عمله الصالح بين جميع الخلائق، وبعضهم لا يرضى إلا أن ينادى بالحاج فلان، ولو قلت له: يا أبا فلان أو يا فلان لم يرض بذلك، ولم يرد هذا التلقيب عن الصحابة ولا عن السلف الصالح ﵏، فلم يعرف بأنه قيل الحاج أبو بكر والحاج عمر والحاج عثمان والحاج سعيد بن المسيب، والحاج أحمد بن حنبل، ونحو ذلك، وإنما هو لقبٌ حادثٌ في الأزمان المتأخرة.
وأما تسمية النصارى الذين يحجون إلى بيت المقدس، يزورونه ويشدون الرحل إليه بأنهم حجاج فإنه أمرٌ ممنوع لما فيه من تشبيه المشرك الكافر بالمسلم في عبادة من العبادات.
وكذلك أصحاب القبور الذين يعظمون القبور في بعض البلدان عندما يزور قبر البدوي يقال له: الحاج فلان، ولذلك ترى بعضهم عندهم كتب مكتوب على الغلاف مناسك حج المشاهد، مناسك حج القبور، يعني: يقال في الشوط الأول حول قبر البدوي كذا وكذا، وفي الشوط الثاني كذا وكذا وهكذا، وعند الدخول على القبر كذا وكذا، وعند قبر الحسين كذا وكذا، وهذا من الشرك العظيم الذي وقعت فيه هذه الأمة ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 4974
هديه ﷺ في تلقيب أصحاب المهن
ومن هديه ﷺ تسمية أصحاب المهن الذين غلبت عليهم أسماء فيها نوعٌ من القبح بالأسماء الحسنة، حتى أصحاب المهن والصناعات، فقد روى ابن ماجة في سننه وهو حديث صحيح عن قيس بن أبي غرزة ﵁ قال: (كنا نسمى في عهد رسول الله ﷺ السماسرة -جمع سمسار- فمر بنا رسول الله ﷺ فسمانا باسم هو أحسن منه، فقال: يا معشر التجار! -ما قال: يا معشر السماسرة- إن البيع يحضره الحلف واللهو فشوبوه بالصدقة) يا معشر التجار! إن البيع يكثر فيه الحلف واللغو فاخلطوه بالصدقة كي يزكوا وتطرد تلك الآثام التي وقعت أثناء البيع.
ومن الألقاب السيئة التي يلقب بها كثير من الناس أولادهم (يا شاطر) فإنك إذا رجعت إلى كلام العرب ومعاني هذا في قواميس العربية لوجدت أن الشاطر هو الحرامي اللص قاطع الطريق، وقال في لسان العرب: الشاطر هو الذي أعيا أهله ومؤدبه خبثاً يعني: أتعبهم فلا فائدة من تربيته فهو خبيث إلى أبعد الدرجات قد تعبوا في تربيته بدون فائدة، هذا معنى الشاطر، ولذلك الأحسن ألا ينادى به الأولاد؛ لأن معنى الكلمة قبيح، وإن غلب على الناس أنها كلمة حسنة.
стр. 4975
اختصار الصلاة والسلام على النبي كتابة
ونختم بأمر درج بين كثيرٍ من الناس وخصوصاً عند الكتابة وهو أنهم إذا قالوا: فجاء النبي بدل أن يقول: ﷺ يكتب بين قوسين (صلعم) وبعضهم يضع بين قوسين (ص) وهذا استخدام قبيح.
قال: ابن حجر الهيثمي ﵀: لا يجوز بل الواجب الصلاة والتسليم ﷺ .
وقال الفيروز أبادي: ولا ينبغي أن ترمز الصلاة كما يفعله بعض الكسالى والجهلة وعوام الطلبة فيكتبون صورة (صلعم) بدلاً من ﷺ .
وقال العلامة أحمد شاكر ﵀: هو اصطلاح سخيف، وللعلامة الأثري الشيخ عبد العزيز مقالة عن هذه المسألة وأنا أتساءل عندما يكتبون صلعم ماذا يختصرون؟ في الحقيقة يختصرون الأجر، بدلاً من أن يكتب بيده ﷺ فيكون له أجر الصلاة والسلام على الرسول ﷺ يسيئون الأدب معه ﵊ فيكتبون اختصاراً (ص) و (صلعم) وهل هناك بابٌ جيد من أبواب الأجر مثل أن تكتب بيدك ﷺ ، ﵊، فإذاً: ينبغي الحذر من ذلك وكتابتها كاملة ليحصل الأجر.
ومن الأسباب التي ذكرها العلماء في تفضيل أهل الحديث المشتغلين بالحديث: أنهم كثيراً ما يتعرضون لصلى الله عليه وسلم فهو دائماً يحدث الأحاديث ويقول: قال رسول الله ﷺ ، ودائماً يكتب الأحاديث ويقول: قال النبي ويكتب ﷺ ، ولذلك هم من أكثر الناس أجراً في هذا الباب العظيم من أبواب الأجر، وهو الصلاة عليه ﷺ .
عن عائشة قالت: (جاءت عجوز إلى النبي ﷺ وهي عنده، فقال لها رسول الله ﷺ : من أنت؟ قالت: أنا جثامة المزنية، فقال: بل أنت حسانة المزنية، كيف أنتم؟ كيف حالكم؟ كيف بعدنا؟ -يعني: كيف حالكم بعدنا- قالت: بخيرٍ بأبي أنت وأمي يا رسول الله! فلما خرجت قلت: يا رسول الله تقبل على هذه العجوز هذا الإقبال، فقال: إنها كانت تأتينا زمن خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان) هنا أدركت الغيرة أمنا عائشة ﵂ فقالت: تقبل على هذه العجوز هذا الإقبال؟ فقال: إنها كانت تأتينا زمن خديجة وإن حسن العهد من الإيمان، وهذا حديث صحيح.
وأما تغييره ﷺ لاسم شهاب فإنه ورد أيضاً بإسنادٍ حسن عند البخاري في الأدب المفرد عن عائشة ﵂: (ذكر عند رسول الله ﷺ رجلٌ يقال له: شهاب، فقال رسول الله ﷺ : بل أنت هشام) وهذا الحديث يفيد أمرين: تغيير شهاب، وسنة التسمية باسم هشام، وأنت ترى التقارب بين شهاب وهشام في الأحرف.
стр. 4976
فائدة لمن ولد له مولود على كبر
وهذه قصة عن إمام من أئمة المسلمين: أبو نصر المروزي رحمه الله تعالى: فقد حُكي أن الإمام المروزي كان يتمنى على كبر سنه أن يولد له ابن، فرزقه الله مولوداً في كبر سنه فقال الحاكي: كنا عنده يوماً وإذا برجل من أصحابه قد جاء وساره في أذنه، فرفع الإمام المروزي يديه وقال: الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل، وهذا جزء من آية، قال: فرأينا أنه استعمل في تلك الكلمة الواحدة ثلاث سنن، تسمية الولد، وحمد الله على الموهبة، وتسميته إسماعيل لأنه ولد على كبر سنه، وقال الله : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:٩٠] قال ﵀: فنستفيد من هذا أنه يستحب لمن ولد له ابن على الكبر أن يسميه إسماعيل، وهذه مسألة حسنة، والقصة في كتاب تعظيم قدر الصلاة.
وسأل بعض الإخوان عن بعض أسماء فسألت عنها شيخنا عبد العزيز بن باز، وهذه بعض الأسماء المضافة إلى لفظ الجلالة، مثل: (نفع الله وفتح الله وجار الله ومد الله ولطف الله) ونحو ذلك، فأفتى الشيخ عبد العزيز بأنه لا بأس أن يسمى بهذه الأسماء، لا بأس يسمى: رزق الله، دفع الله، مد الله، مد الله أي مدد الله، وسألته عن اسم غرم الله، فقال: في النفس من هذا شيء والأحسن أن يترك، لا يسمى غرم الله وإنما يسمى ببقية الأسماء الحسنة.
стр. 4977
أحاديث مشتهرة لا أساس لها
ونختم أيها الإخوة موضوع الأسماء والكنى والألقاب في ميزان الشريعة ببعض الأحاديث المشتهرة على الألسنة مما لم يصح عن الرسول ﷺ ، ومن ذلك الحديث الموضوع بلفظ: (أحب الأسماء إلى الله ما تعبد به).
وكذلك الحديث المشابه له: (أحب الأسماء إلى الله ما عبد وما حمد) فإنه أيضاً حديث لا أصل له، ويغني عن هذين الحديثين الحديث الصحيح المذكور آنفاً: (أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن) فقد رواه الإمام مسلم وغيره، وهذا الحديث الصحيح يغنينا عن الأحاديث السابقة التي لم تثبت.
إضافة إلى أنه قد فهم البعض حديث خير الأسماء (ما عبد وحمد) مفهوم أدى إلى وقوعهم في بدعة جديدة وهي إضافة اسم محمد أو أحمد إلى اسم الشخص فيكون له اسمان، فلو أن أناساً سموا ولدهم مثلاً: سالم، فتراهم يسمونه محمد سالم، أو أحمد سالم يضيفون أحمد ومحمد للبركة هذا في بعض البلدان منتشر واقع يضيفون محمد أو أحمد للبركة على اسم الشخص، فيصبح له اسمين، وهذا أيضاً خطأ ومستنده محدث، لا أصل له عن الرسول ﷺ ولا عن الصحابة.
وكذلك يوجد حديثٌ آخر موضوع وهو: (من ولد له ثلاثة فلم يسم أحدهم محمداً فقد جهل) فهذا الحديث مكذوب على الرسول ﷺ ، وهناك كثيرٌ من السلف جاءهم ثلاثة أولاد ما سموا ولا واحداً منهم محمد مع أنهم فقهاء علماء صلحاء، وربما سمى بعضهم: عبد الله، عبد الرحمن، عبد اللطيف، عبد الرحيم، ولكن تسمية محمداً أثر طيب كما يقول ﵊: (تسموا باسمي) تسموا باسمه فلا بأس ولكن أن يوصف بالجهل من لم يسم أحد أولاده بمحمد فهذا غير صحيح أبداً.
وعموماً فإن هذه الأسماء أيها الإخوة تذكرنا بحديث البراء الطويل الصحيح الثابت عن الرسول ﷺ : (إن الرجل صاحب الروح الطيبة من أهل الجنة عندما تقبض روحه ويصعد بها إلى السماء، فإذا جاءت السماء نادى منادٍ من معكم؟ فيقال: فلان بن فلان بأحب أسمائه التي كان ينادى بها في الدنيا، وإذا كان صاحب روح خبيثة والعياذ بالله وسئل عن اسمه على باب السماء فوق يقال: فلان بن فلان بأخبث أسمائه التي كان ينادى بها في الدنيا، ثم تطرح روحه طرحاً وتلا ﵊: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١]).
فنسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن حسنت أسماؤهم في الدنيا والآخرة، وأن يجعلنا ممن تفتح لهم أبواب السماء يلجون فيها ويعرجون إلى ربهم، ونسأله أن يجعلنا وإياكم من السعداء في دار المقامة.
وصلى الله وسلم على نبيه الكريم، والله أعلم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 4978
التساهل في الاحتجاج بالضرورة
إن النبي ﷺ قد أخبر بأن الجهل سوف ينتشر في هذه الأمة، بسبب موت العلماء الربانيين، واتخاذ علماء ضلالاً يفتون الناس بغير علم فيضلونهم، وهاهم قد ظهروا في عصرنا، فأصبحوا يفتون الناس بارتكاب المحرمات بحجة الضرورة، فأعملوا القاعدة الشرعية في غير مكانها، واستدلوا بها على غير مدلولها، وذلك يرجع إلى أسباب ذكرها الشيخ حفظه الله، مع بيان أن لهذه القاعدة الشرعية ضوابط لا بد أن تراعى عند تطبيقها.
стр. 4979
قاعدة: الضرورات تبيح المحظورات أدلتها وصورها
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.
أيها المسلمون: حديثنا في هذه الخطبة عن موضوعٍ صعب، ولكننا نستعين الله في فهمه، وإدراك بعض المسائل المتعلقة به، وهو موضوع حصل فيه خلط كثير، وحصل فيه استغلالات سيئة كثيرة من كثير من أصحاب النوايا السيئة، ولذلك كان لا بد للمسلم من فهمه، وفهم ما يتعلق به، ألا وهو القاعدة الشرعية العظيمة: الضرورات تبيح المحظورات، هذه القاعدة التي ظُلمت ظلماً عظيماً من كثير من أبناء المسلمين، هذه القاعدة التي أصبح الاستدلال بها على ما هب ودب من الأمور ديدن عامة الذين يعصون الله .
كلما أراد أحدهم أن يفعل معصية أو فعلها فناقشته في ذلك كان من حججه: الضرورات تبيح المحظورات.
فما هي حقيقة هذه القاعدة؟ وما هي أدلتها وصورها؟ وما هي ضوابطها؟ وما هي الاستخدامات الصحيحة أو المجالات وبعض المجالات التي استخدمت فيها من قبل علماء الشرع الثقات؟ وذكر أمثلة على بعض الاستخدامات السيئة التي استخدمت فيها هذه القاعدة.
قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام:١٤٥] وقال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٧٣] وقال : ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام:١٤٥] ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام:١١٩] لماذا شرع ربنا جواز أكل الميتة للضرورة وجواز تناول الأمر المحرم للضرورة؟ لأنه قال : ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥] وقال: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة:٦] وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء:٢٨] ولأن الله رحيم شرع لنا هذا.
وقد أجمع الفقهاء على أن للجائع المضطر الذي لا يجد شيئاً حلالاً يدفع به الهلاك عن نفسه أن يتناول المحرم إذا لم يجد غيره، فيتناول منه بقدر ما يزيل ضرورته، لأن الله قال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٣] وقال الله مبيناً حالة أخرى من حالات الاضطرار: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦] فإذا كان المسلم قد تعرض لتهديد حقيقي وتعذيب وحشي يُراد منه أن ينطق بكلمة الكفر نطق بها لسانه وقلبه مطمئن بالإيمان.
كان جبابرة مكة يعذبون المسلمين المستضعفين حتى ربما قالوا لأحدهم: هذا الجُعل إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم.
تحت وطأة التعذيب، فإذاً هذه القاعدة في الشريعة محفوظة بأدلتها، قائمة من علامات وميزات هذا الدين، ومن رحمة الله بالأمة وبالناس.
ولكن أيها المسلمون! متى يصبح الشيء ضرورة؟ ما معنى كلمة الضرورة؟ إن كثيراً من الناس يفسرون الضرورة بأي مشقة تعرض، بأي درجة تكون، أو يفسرون الضرورة بحاجتهم إلى التوسع في الأمور الدنيوية، ولأجل ذلك ينتهكون حرمة الشريعة.
فأما الضرورة فقد ذكر العلماء تعريفها، وقالوا: إذا ترتب على عدم فعل شيء محرم هلاك، أو إلحاق الضرر الشديد بأحد الضروريات الخمس وهي: الدين، والنفس، والعقل، والمال، والعرض، فإنه عند ذلك يجوز له أن يتناول المحرم للضرورة.
فتأمل كلامهم ﵏ في قولهم: هلاك أو إلحاق ضرر شديد كتلف عضو من الأعضاء مثلاً، عند ذلك يجوز له أن يرتكب هذا المحرم للضرورة، وهذا الكلام أيضاً فيه تفصيل، ولذلك فإننا لا يجوز لنا أن نترك الجهاد في سبيل الله من أجل المحافظة على النفوس، ونقول: إن ترك الجهاد ضرورة لأن الجهاد يسبب قتل النفس، كلا.
لأن حفظ الدين أعلى، والجهاد لا بد منه لحفظ الدين، وهناك أمور تقدم وتؤخر في أبواب الضرورة، فلو أنه غص بلقمة لم يجد إلا خمراً ليبتلعها أمامه وإلا لمات وهلك واختنق، جاز له أن يتناول ما يسلك به تلك الغصة وينجو به من الهلاك، فتنجو نفسه ولو أدى لإلحاق ضرر بعقله.
стр. 4980
ضوابط قاعدة: الضرورات تبيح المحظورات
ولكن لا بد لنا أن نعلم ونعرف ما هي القواعد أو بعض القواعد التي ذكرها العلماء لنكون على بينة عند استخدام هذا الأمر الخطير الذي إن لم يُحسن استخدامه تعرض المستخدم للهلاك في العاجل والآجل.
أولاً: يجب ألا يتسبب الإنسان لإيقاع نفسه في الضرورة، فلو أنه أتلف ماله وطعامه الطيب، وهو يعلم أنه سيضطر لأكل طعام محرم كان آثماً عند الله بفعله هذا.
وكذلك فإن الضرورة لا بد أن تقدر بقدرها.
إن باب الضرورة أيها المسلمون! ليس مفتوحاً على مصراعيه يدخل منه كل من هب ودب بأي طريقة شاء، وإنما هو مضبوط بضوابط وقواعد يعلمها أهل العلم الثقات، ذكروها في كتبهم، ويذكرها المفتون المخلصون للناس إذا سئلوا.
فالضرورة لا بد أن تقدر بقدرها، فمن اضطر إلى الكذب مثلاً فإن أمكنه التورية لا يجوز له أن يكذب، والتورية أن يأتي بلفظ له معنى بعيد في نفسه، ومعنى قريب في نفس الوقت يقصده الشخص السامع، أو يفهمه السامع، فعند ذلك لا يجوز أن يكذب، ويستخدم التورية، وإذا اضطر إلى الكذب كأن يكون عنده مال إنسان معصوم مخبأ، فجاء ظالم يقول له: هل عندك المال؟ ولم يجد طريقة للتورية، فيجوز له أن يكذب في هذا الأمر فقط، بجملةٍ محددة لا ينتشر الكذب إلى غيرها، ومن أكره على النطق بكلمة الكفر، لا يجوز له أن يكفر بقلبه مثلاً، لأن الكفر على اللسان فقط إذا اضطر إلى ذلك.
ومن جاز له التيمم للضرورة، فإذا قدر على استعمال الماء لا يجوز له أن يواصل في التيمم، ومن اضطر للإفطار في شهر رمضان من أجل المرض مثلاً، فإذا اشتد وقوي وأطاق الصيام ما جاز له أن يكمل في إفطاره، وكذلك المسافر لو أقام لا يجوز له الإكمال في الإفطار في رمضان.
وخذ مثلاً من الأمثلة التي يتعرض لها كثير من الناس في هذه الأيام بسبب عدم الاحتياط في الشريعة، وعدم وجود الجهود الصحيحة التي تزيل الحرج عن كثير من نساء المسلمين، كشف الطبيب على المرأة المسلمة أو على المرأة عموماً.
كشف الطبيب على المرأة المريضة، بسبب تقصيرنا وإهمالنا، وعدم تخطيطنا وانتباهنا للمحرمات وحرمات رب العالمين؛ حصل تقصير شديد في تنظيم الأمور، فصارت المرأة تضطر في كثير من الأحيان للكشف عند الطبيب الأجنبي، وهنا لا بد أن نفهم معنى تقدير الضرورة بقدرها في مثل هذا الموضع.
فمثلاً: لا بد أن تبحث عن طبيبة مسلمة لزوجتك أو بنتك، فإن لم يوجد طبيبة مسلمة مؤهلة، في أي مكان تستطيع الوصول إليه وتستطيع دفع أجره، جاز اللجوء إلى طبيبة كافرة، فإن لم توجد طبيبة كافرة مؤهلة أيضاً جاز اللجوء إلى الطبيب المسلم المؤهل، فإن لم يوجد جاز اللجوء إلى الطبيب الكافر، فهل يتبع الناس هذا التنفيذ؟ ثم: إذا جاز للطبيب الكشف عن المرأة الأجنبية، فيجب أن يكون بغير خلوة، وأن يحضر محرمها مثلاً، وأن يكشف على موضع العلة فقط، وإذا كان النظر إلى موضع العلة يكفي فلا يجوز له أن يلمس، وإذا كان يكفيه لمس من وراء حائل لا يجوز له أن يلمس بغير حائل، وإذا كان يتوجب أن يلمسه بغير حائل فلا يلمس ما حوله من المنطقة التي لا علاقة لها بالعلة، ولا علاقة لها بالعلاج أيضاً، وإذا كان يكفيه أن يفحص لمدة دقيقة مثلاً، فلا يجوز له أن يتعدى هذه الفترة، وكل إنسان مؤتمن على حريمه، وما أكثر التفريط في هذا الأمر في هذه الأيام! ثم إن الضرر لا يزال بمثله أو شيء أكبر منه، فمثلاً لو قالوا له: اقتل فلاناً وإلا سلبنا مالك، فلا يجوز له أن يقتله، بل لو قالوا له: اقتل فلاناً وإلا قتلناك، وفلان هذا مسلم معصوم، لا يجوز له أن يقتله لأن النفوس في الشريعة سواسية، فكيف يجوز له أن يقتل غيره من المسلمين لكي يدفع القتل عن نفسه؟ ولذلك قال العلماء: لا يجوز للجنود المسلمين قتال الجنود من المسلمين بغير وجه حق، ولو كانوا مكرهين، ولو كان الإكراه بالقتل.
وكذلك لو أكره جندي مسلم بالقتل على أن يدل العدو على ثغرة ينفذون منها إلى البلد المسلم، لكي يحتلونه ويوقعون القتل والتشريد في أهله، ما جاز له أن يدلهم ولو قتلوه.
ويرى أكثر أهل العلم أنه لو أكره على الزنا بامرأة مسلمة عفيفة، لا يجوز له أن يزني بها، ولو أكره بالقتل لما يترتب على ذلك من المفسدة العظيمة المنتشرة، من انتهاك عرضها، وتحطيم شرفها وشرف أسرتها، أو زوجها، واختلال النسب، وإنما يصبر على القتل صابراً محتسباً لوجه الله تعالى.
стр. 4981
ضوابط الإكراه وشروطه
ثم إن كثيراً من الناس يقولون لك: نحن أكرهنا فما هو الإكراه الذي يباح به الأمر المحرم؟ هل هو ضرب سوط أو سوطين مثلاً لأن ينتهك حرمة الله بالزنا على سبيل المثال؟ قال الفقهاء: الضرب الذي يعتبر إكراهاً هو ما كان فيه خشية تلف النفس، أو أحد الأعضاء، أو ألم شديد لا يطيق تحمله، فعند ذلك قد يجوز أن يفعل أمراً، وينبغي أن يدرك الأمر أيضاً قبل الإقدام عليه، فما هو الإكراه؟ ليست المسألة سهلة أيضاً، بل إنهم ذكروا شروطاً للإكراه، كأن يكون المكره متمكناً من التنفيذ، أو يكون المكرَه عالماً أو غالباً على ظنه أن المكرِه سينفذ وعيده، فلو قال الظالم لزوجته: إن لم تكشفي وجهك على إخواني، فأنت طالق، أو إني سأطلقك، فإن هذا الإكراه إذا كانت تعلم أنه سيوقعه جاز لها الكشف عن وجهها في هذه الحالة للضرورة مع كرهها لذلك؛ لأن الإكراه بالطلاق في بعض المواضع يعتبر إكراهاً سائغاً.
وكذلك أن يكون المكره عاجزاً عن دفع الإكراه عن نفسه، إما بالمقاومة أو الفرار.
وكذلك أن يكون الإكراه بشيء فيه هلاك للمكره، أو ضرر عظيم كالقتل أو إتلاف عضو من الأعضاء، أو التعذيب المبرح، أو السجن الطويل الذي لا يخرج منه، وكذلك أن يكون الإكراه فورياً كأن يهدده بالقتل فوراً إذا لم ينفذ، أما إذا قال له: إذا لم تفعل كذا ضربتك غداً أو بعد غدٍ فلا يعتبر إكراهاً صحيحاً، فتأمل الشروط التي وضعها الفقهاء لهذا؛ لتعلم -أيها المسلم- أن المسألة ليست ألعوبة، وأن القضية ليست سهلة.
стр. 4982
أسباب التساهل في إفتاء الناس بحجة الضرورة
ثم قارن بين هذا وبين ما يقوم به كثير من مفتي السوء بإفتاء الناس ببعض الأمور بحجة الضرورة في غير محلها، فما هي أسباب ذلك؟ لماذا يتساهل بعضهم في إفتاء الناس في أمور بحجة الضرورة وليس فيها ضرورة؟
стр. 4983
عدم الخوف من الله سبحانه
أولاً: عدم خوفهم من الله، وعدم تمكنهم من العلم أيضاً، وكذلك سيطرة روح التيسير ورفع الحرج في غير محله على نفوسهم، والتيسير أيها الإخوة! أمر معتبر في الشريعة، لكن التيسير إذا تعارض مع أحد مقاصد الشريعة فلا يعتبر تيسيراً شرعياً، قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء:٩٧] فلماذا لم يعتبروا مكرهين؟ لأنهم كانوا يستطيعون الهجرة من بلاد الكفر، أقاموا تحت راية الكفر يفتنون في دينهم، ويتنازلون عن أمور الدين، وقالوا: مستضعفين، لماذا لم تهاجروا؟ وكذلك لو قال إنسان: إن من التيسير ألا نخرج إلى الجهاد في وقت الحر، فاسمع ماذا يقول الله: ﴿وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة:٨١].
стр. 4984
الحرص على موافقة رغبة المستفتي
ومن الأمور التي تجعل بعض المفتين بالباطل يفتون الناس بالضرورة: الحرص على موافقة رغبة المستفتي لإغراءاته مثلاً أو ضغوطه على المفتي، من جهة ترغب مثلاً استصدار فتوى لتوافق ميولها وأهواءها، فالمفتي إذا لم يكن عنده خوف من الله أفتى بما يوافق رغبة القوم مستنداً إلى رفع الحرج أو التيسير على الأمة، أو أن الضرورة تبيح المحظورات، أو أن اختلاف الأمة رحمة، أو أن هذا الزمان والعصر يختلف، وأن له حكماً خاصاً، وأن الأحوال قد تغيرت، ونحو ذلك من أبواب الكلام الخطير الذي يقول به بعضهم، كلام يحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم.
стр. 4985
تورط بعض المفتين في محرم من المحرمات
وقد يكون الشخص الذي يقول للناس: افعلوا ولا حرج هذه ضرورة، قد يكون متورطاً في أمر محرم في حياته الشخصية، فلكي لا يلومه الناس يفتيهم بالجواز.
وكذلك عدم العلم الدقيق والقدرة على تصور الواقع، وهناك أناس عندهم حسن نية يقولون للناس: افعلوا ضرورة، ما هو السبب؟ قالوا: نحن نريد أن نحبب الناس إلى الدين، ولذلك نحن نيسر عليهم ونفتح المجالات لهم، ونقول: اعملوا ولا حرج، وهذه ضرورة، لماذا؟ لتحبيب الناس في الدين.
هؤلاء -أيها الإخوة- يدخلون الناس إلى الدين من باب، ثم يخرجونهم من الدين من باب آخر، مسيئون وليسوا بمحسنين، وأضرب لكم مثلاً: شيخ في حلقة جاءه شخص فقال -ومع الأسف أيها الإخوة أهل العلم المتمكنون من العلم قلة جداً، ولذلك الناس لا بد لهم أن يذهبوا إلى المأمون ولا يسألوا أي شخص- جاءه شخص وقال: يا شيخ! أريد أن أنقل عفش بيتي في نهار رمضان، وهذا أمر متعب في رمضان هل يجوز أن أفطر؟ قال: لا بأس؛ للضرورة أفطر، حتى قال أحد الحاضرين من النبهاء من عامة الناس، قال: يا شيخ! لماذا لا تقول له أن ينقل عفش بيته في الليل؟!
стр. 4986
توجيهات لابد أن يعلمها المستفتي
стр. 4987
أن يعلم أن الضرورة حالة استثنائية
ولذلك لا بد للشيخ والمفتي أن يقول للناس إذا وقعوا في ضرورة فعلاً أن يبين لهم أموراً، ومن هذه الأمور أن يقول: أيها الناس! إن الضرورة حالة استثنائية، وليست هي الأصل، لكي يشعر المستفتي أنه يعيش في دائرة ضيقة وهو يفعل هذا الأمر المحرم، وأن عليه أن يخرج منها بأي وسيلة.
стр. 4988
أن المباح للضرورة ليس من الطيبات
ثانياً: أن المباح للضرورة ليس من الطيبات، الميتة إذا أبيحت للضرورة لا تصبح طيبة لا زالت خبيثة نتنه، لكن الفرق أن الذي يتناولها للضرورة يسقط عنه الإثم، فلا بد أن يشعر الذي يأكل الميتة للضرورة أنه يأكل شيئاً منتناً حراماً لا يجوز في الأصل، لا بد أن يستشعر هذا.
стр. 4989
أن يحمل المفتي المستفتي المسئولية في صحة المعلومات
ثالثاً: أن يحمل المفتي المستفتي المسئولية عن كامل التفاصيل التي يقدمها له، وأن فتواه له بالضرورة مبني على صحة المعلومات، فإذا كان المستفتي مزوراً ويقدم معلومات خاطئة، ويقول: ما دام الشيخ سيفتي فأنا أخرجت نفسي من العهدة ما دام أخذتها من فمه، وهو يقدم معلومات خاطئة، يقدم معلومات ليشعر الشيخ أنه في حرج وأن المسألة لا مخرج منها، حتى يقول له الشيخ: افعل للضرورة.
стр. 4990
أن الإفتاء بالضرورة عند عدم وجود حلول أخرى
رابعاً: لا يجوز الإفتاء بالضرورة إلا بعد انسداد جميع الأبواب، واستنفاذ جميع الحلول والبدائل، وكذلك لا بد أن يشعر المضطر عند الاضطرار بالحرج وهو يقدم على هذا الفعل، وأضرب لكم مثلاً: أفتى العلماء الثقات بجواز وضع النقود في البنوك الربوية للضرورة إذا لم يوجد غيرها، هل يشعر الشخص اليوم وهو يدخل بنكاً ربوياً ليضع فيه مالاً أو يأخذ منه ماله، هل يشعر بالحرج الشديد؟ هل يشعر وكأنه يأكل ميتة؟ هل يدخل وهو يستغفر الله ويخاف أن يقع عليه عذاب في هذه القلعة من قلاع الربا؟ أم أن الناس يتباهون بشعارات البنوك، ودفاتر البنوك، وبطاقات السحب الآلي للبنوك، ودعايات البنوك، ويتفاخر أنه قد أودع في البنك الفلاني، وأن أمواله في البنك الفلاني، ويتفاخر بتسهيل الخدمات المصرفية في البنك الفلاني.
ماذا الذي يحدث أيها الناس؟ الشعور بالحرج وأنت تضع أموالك في البنوك الربوية للضرورة وبدون فوائد أو ربا أم أن الذي يحدث أحياناً نوع من التفاخر بالبنك وشد النفس به؟ مثلاً: وأنت تعلم أن تناول كوباً من الشاي من مال هذا البنك كضيافة من البنك أنه حرام لا يجوز أين الحرج وأنت ترتكب الضرورة؟
стр. 4991
لابد من التخلص من الضرورة وإزالتها
ثم إن من القواعد المهمة: أنه لا بد من السعي لإزالة الضرورة، على المضطر أن يسعى بكل قوته أن يتخلص من الضرورة، لا أن يستسلم لها، لا بد أن يتخلص، كم من الناس الآن إذا وقعوا في ضرورة يحاولون التخلص فعلاً من هذا المجال الضيق الحرج الذي وقعوا فيه، وأن المضطر إذا لم يسعَ للخروج من الضرورة فإنه يأثم، فإذا قدر -مثلاً- كما ضرب العلماء مثلاً حياً في كتبهم، ولو اطلعوا على حالنا اليوم ماذا سيقولون أيها الإخوة؟ قالوا في كتبهم: إذا جاز للمسلمين في عصر من العصور مصالحة العدو لضرورة مع توفر الشروط الشرعية فلا بد أن يسعى المسلمون للخروج من هذه الضرورة التي ألجأتهم إلى مصالحة العدو، ومعنى الشروط الشرعية: أن يتولى عقد الصلح مثلاً خليفة المسلمين الذي وكله المسلمون عليهم أو نائبه الذي وكله الخليفة، أما أن يتولى عقد الصلح مع العدو رجل ظالم تسلط على المسلمين، أو كافر أو قومي علماني، أو نصراني أو ملحد أو لاديني يتكلم باسم المسلمين ويفاوض عنهم من الذي وكله، ومن هي الأمة الإسلامية التي وكلته في شئونها؟! وأن يكون هذا الصلح هو أفضل حل للمسلمين فعلاً، وألا يؤدي إلى مفاسد أكثر بترك الصلح، وأن يكون موقتاً بوقت معين كما اشترط الفقهاء لذلك، وأكثر مدة اشترطها الفقهاء للصلح عشر سنين بناء على صلح الحديبية إذا توفرت الشروط في الصلح فعلاً، توفرت الشروط فإنه يجب على المسلمين أن يسعوا لإزالة الضعف والتقوي والشعور بأنهم في ذل، وأنه لا بد أن يعدوا العدة للجهاد حتى ينهوا هذا الظلم والهوان المفروض عليهم، ولذلك تعلم أن كثيراً مما يحدث في هذه الأيام لا علاقة له بالإسلام أصلاً، ولم يسأل عنه الإسلام ابتداء.
стр. 4992
أن الضرورة تقدر بقدرها
ومن قواعد الشريعة: أن الضرورة التي تقدر بقدرها لا بد أن تكون ضرورة فعلاً، فيها حرج عظيم على الشخص، لا يطيق تحمله فعلاً، وليست مسألة توسع في مكاسب وزيادة أرباح مثلاً، أو مشقة بسيطة يمكن تحملها، فهذه ليست ضرورة ولا داعي لأن نخادع أنفسنا ونكذب على الله ، وهو يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فهل فقهنا -أيها الإخوة- شيئاً مما يتعلق بهذه القاعدة العظيمة التي ذكرها أهل العلم؟ وهل عرفنا الآن سبيل المتلاعبين وأنه يجب أن نصدق مع الله ؟ اللهم فقهنا في ديننا، وقنا شر أنفسنا، اللهم كن لنا عوناً على طاعتك يا رب العالمين! أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 4993
أمثلة لحالات الضرورة فيها صحيحة وحالات فاسدة
الحمد لله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم، لا إله إلا هو خلق الخلق، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وأقام الحجة، لا إله إلا الله يفعل ما يشاء، لا إله إلا الله الحي القيوم، لا إله إلا الله فعال لما يريد.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد الرحمة المهداة، السراج المنير، والبشير النذير، الذي أرسله الله رحمة للعالمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وأتباعه إلى يوم الدين.
أيَّها المسلمون: لا بأس أن نذكر الآن بعض الحالات التي فيها ضرورة صحيحة، وبعض الحالات التي ليس فيها ضرورة وإنما يستخدم الناس كلمة الضرورة زوراً وبهتاناً على الشريعة.
فمثلاً: الكذب في الحرب ضرورة مع الكفار، كما قال ﷺ : (الحرب خدعة) والكذب لأجل الإصلاح بين المتخاصمين ضرورة من أجل التوفيق بين المتخاصمين من المسلمين، إذا لم يجد حلاً إلا ذلك.
وكذلك غيبة رجل لا يصلح في الزواج تُقدِّم إلى أناس وأنت تعلم حاله، يجوز أن تغتابه للضرورة لا حرج في ذلك.
وسفر المرأة بغير محرم يكون ضرورة في حالات: كمن مات محرمها في الطريق، أو أجبرت على الخروج من بلد بالقوة وليس عندها محرم، أو مضطرة للهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام وليس عندها محرم، وعائشة ﵁ في غزوة بني المصطلق لما تركها الجيش وذهبوا وظنوا أنها في الهودج، وهي كانت تبحث عن عقدها بعيداً عن الجيش تركوها وذهبوا، فلما مر بها صفوان بن معطل السلمي ﵄ اقتاد بعيرها وذهب بها للضرورة؛ لأنها مقطوعة.
لو شاهدت حادث سيارة في طريق سفر وامرأة تحتاج إلى إسعاف تأخذها للضرورة لا حرج في ذلك، ترك الجماعة في المسجد لوجود مجنون أو مريض في البيت يخشى عليه، يحتاج إلى من يقف بجانبه ويرعاه لأن حالته خطرة، هذه ضرورة تترك لأجلها صلاة الجماعة.
لكن ترك صلاة في المسجد لأجل المباريات والكلام الفارغ، ما حال أكثر المسلمين؟ وضع النقود في البنوك الربوية لحفظها إذا لم يوجد إلا هي ضرورة، لأن المال بالتجربة يضيع أو يترك، وهناك مؤسسات عندها أموال كثيرة، وأناس أغنياء من المسلمين أين يضعون نقودهم؟ فيضعونها إذاً في البنوك الربوية إذا لم يوجد إلا هي مع وجوب السعي لإقامة البنوك الإسلامية -كما ذكرنا قبل قليل- من القادرين على السعي لا بد منه.
السفر إلى بلاد الكفار لعلاج لا يوجد إلا في بلاد الكفار جائز للضرورة، وذكر بعض أهل العلم في حالة عصرية الاضطرار إلى عقد التأمين المحرم في بلد لا تستطيع قيادة سيارتك فيه إلا بعقد التأمين، لا تستطيع، يمنعونك ويخالفونك ويسحبون رخصتك، ويمنعونك من قيادة السيارة، أنت مكره في هذه الحالة لأنك لا بد أن تستعمل سيارتك، لا تستطيع أن تمشي المسافات الطويلة، ولكن ما رأيكم بمن يؤمنون على سيارتهم لغير ضرورة؟ ما أحد دفعه إليها ولا ضرب يده عليها، ومع ذلك يقوم بعقد التأمين المحرم، يقول: أخشى أن يحدث حادث، أتوقع يمكن وبناءً على هذه الممكنات يرتكبون عقد التأمين المحرم قطعاً، وهو نوع من أنواع الميسر والقمار لا يجوز فعله.
العمل في البنوك الربوية حرام ليس بضرورة أبداً ولا يجوز، الأعمال الأخرى موجودة وأرض الله واسعة، إذا لم تجد في البلد فأرض الله واسعة، وإذا لم تجد يجوز لك أن تمد يدك إلى الناس، لو قال واحد ما وجدت، نقول: الشحاذة جائزة للضرورة، لكن العمل في البنوك لا يجوز، الشحاذة جائزة، العلماء أباحوا التسول للضرورة، فيجوز.
الاستلاف من البنوك الربوية للمشاريع التجارية أو الزواج ونحوه، حرام لا يجوز، وكذاب الذي يدعي أنها ضرورة، لا يجوز.
الاستلاف من البنوك الربوية: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣].
السماح ببيع الخمور في بلاد المسلمين، وفتح الملاهي، ودخول الكفار إلى المساجد للفرجة بحجة أن البلد مضطر إلى العملة الصعبة التي يأتي بها هؤلاء السياح، سبحانك هذا بهتان عظيم! سفر المرأة بغير محرم لغير ضرورة لا يجوز وحرام، والعلاج بالمحرمات فإن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها، أو العلاج بالموسيقى كما يقولون، أو الإفطار في رمضان لأجل نقل عفش أو وظيفة أو عمل غير ضرورة، لو كان جهاداً في الجيش لقلنا: أفطر تَقوَّ على جيش الكفار.
رجال المطافئ يطفئون حريقاً صعباً طويلاً جداً يتقوون لإطفاء الحريق، لكن هذا يقول: وقت طويل وعمل طويل.
حلق اللحية لمجرد الخوف من توقيف بسيط أو مساءلة كما يفعل في بعض البلدان الذين لا يخافون الله ، فيوقفون أصحاب اللحى ويفتشونهم، واحد ذهب إلى بلد وهو ملتحي أوقفه موظف التفتيش وين يا أخ؟ ماذا؟ ما هذا الذي عليك؟ قال: لحية، ما تعرف أن اللحية ممنوع؟ سبحان الله! ومن الذي منعها؟ فحلق اللحية لمجرد خوف توقيف بسيط أو مساءلة لا يجوز وليس بضرورة، لكن لو خاف أنه يسجن سجناً مؤبداً أو يقتل ويلحق به ضرر عظيم، يجوز له حلقها للضرورة، أما لمجرد كلمة أو كلمتين يسمعها من الأذى يجب عليه أن يتحمل ذلك في سبيل الله.
وضع البنات في مدارس مختلطة بدون حجاب للدراسة، والمرأة هذه تفتن وربما تفعل الفاحشة، وتجعل لها خليلاً من أجل الشهادة، لا، لا نريد الشهادة وليست بضرورة، قالوا: حتى يرغب المتقدمون لها بالزواج؛ لأنها صاحبة شهادة، لا يا أخي! يرزقها الله.
وزعموا أن الربا ضرورة عصرية، قاتلهم الله أنى يؤفكون، وجلب عمال الكفار إلى جزيرة العرب لفتح أعمال تجارية لا يجوز.
إجهاض الجنين من المرأة التي تريد أن تحافظ على رشاقتها، قال: هذا الجنين الآن يشوه الشكل ويسبب انتفاخ البطن، وتجعد الجلد نجهض، حرام.
أو إجهاض الزانية لكي تتوسع في الزنا بزيادة حرام.
كشف الطبيب على المرأة الأجنبية بغير حاجة ولغير ضرورة، وترك المرأة للحجاب عند السفر للخارج ليس بضرورة، وأصرفكم بهذه المسألة سمعتها في الليلة الماضية من فتاوى إذاعة لندن أستغفر الله برنامج بين السائل والمجيب.
السؤال عن حكم مصافحة المرأة الأجنبية.
بدأ المفتي يفتي في إذاعة لندن يقول: إن هناك كثيراً من الأمور التي تساهل الناس فيها، وأحوال كثيرة في الواقع مخالفة للشرع، فاستبشرنا خيراً وبعد ذلك، قال: وقد وردت الأدلة المانعة لتحريم المصافحة وقالت عائشة: (ما مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة قط) ولا كذا وكان يبايعهن فيكتفي في المبايعة من بعد، وو إلخ، قال: ولكن في النهاية كل هذه الأدلة ليس فيها دليل على التحريم لأنها خاصة بالرسول ﷺ .
الله أكبر! ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١] وهو الذي قال ﵊ وهذا دليل ما جاء به المفتي الضال المضل، قال ﵊: (لأن يطعن أحدكم بمخيط في رأسه خير له من أن يمس امرأة لا تحل له) وإنما قال: جاءت امرأة في المركز الفلاني ومدت يدها للمصافحة، هذا إحراج، قال: هذا إحراج ماذا نفعل؟ هذا إحراج صارت ضرورة يصافح المرأة الأجنبية، قال: وجاءت امرأة اسكتلندية مهرولة تريد أن تعانقني، إحراج.
أيها الإخوة! إن هذا الموضوع مؤلم وخطير، وقد آثرت أن أطرقه بنوع من التفصيل لكني أرجو من الله أن يفقهنا وإياكم في دينه، لأن الفقه في الدين أيها المسلمون! أمر مهم جداً لكي لا نقع في هذه المحظورات بحجج واهية لا يقبلها الله، هذا دين، وهذه أمانة، وهناك حساب، نسأل الله أن يخفف عنا أهوال يوم القيامة.
اللهم إنا نسألك أن تتجاوز عنا يا رب العالمين! وأن تغفر لنا ذنوبنا وتكفر عنا سيئاتنا، وأن تدخلنا الجنة مع الأبرار، اللهم سامحنا في تقصيرنا في حقك، اللهم تجاوز عنا ما فعلنا من المآثم والمعاصي والسيئات، واغفر لنا إنك أنت الغفور الرحيم.
стр. 4994
الدنيا معلونة
الكثير من الناس اليوم قد اشتغل بالدنيا ولذتها ونسي الآخرة ونعيمها، والنبي ﷺ قد ربى الصحابة على احتقار الدنيا، وعدم الاغترار بها، وعظَّم في قلوبهم الآخرة التي هي دار القرار.
стр. 4995
حقيقة الدنيا
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
стр. 4996
حقيقة الدنيا عند رسول الله ﷺ
أيها المسلم: وصية لك من النبي ﷺ ، تحملها ثنايا هذه العبارة الموجزة الجامعة من جوامع الكلم التي أوتيها نبيك محمد ﷺ ، قال ابن عمر: أخذ النبي ﷺ بمنكبي وقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) كن في الدنيا: هذا إرشاد من النبي ﷺ يبين لك الحال التي ينبغي أن تكون عليها في الدنيا: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل).
هذا الحديث أصل في قصر الأمل في الدنيا، وأن المؤمن لا ينبغي له أن يتخذ الدنيا وطناً ولا مسكناً، ولا يطمئن إليها، ولكن ينبغي أن يكون فيها كمن كان على جناح سفر، يهيئ جهازه للرحيل: (ما لي وللدنيا؟ إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب قال في ظل شجرة -قيلولة- ثم راح وتركها) هكذا أوصانا ﷺ .
هذا ما ينبغي أن يكون عليه حالنا في هذه الدنيا، ينبغي أن يعتبر بهذا الحديث التاجر الذي تعلق قلبه بتجارته، وصاحب المال الذي تعلق قلبه بماله، وصاحب المنصب الذي تعلق قلبه بمنصبه، وصاحب القصر الذي عمره وزخرفه ونقشه، هكذا ينبغي أن يكون حال كل واحد منا ممن أوتي شيئاً من الدنيا ألا يغتر به، وأن يعلم أن الرحيل حاصل حاصل -يا عباد الله- ولكننا غافلون لا تذكرنا إلا أخبار موت فلان أو موت فلان ممن حولنا من الناس أو من الأقرباء، اعتبروها ولا تعمروها، اعمروها بطاعة الله ولكن لا تعمروا بطول الأمل والزخارف والزينات
من الذي يبني على موج البحر داراً تلكم الدنيا فلا تتخذوها قراراً
стр. 4997
حقيقة الدنيا عند السلف
دخل رجل على أبي ذر ﵁ فجعل يقلب بصره في بيته فقال: [يا أبا ذر! أين متاعكم؟ لا أرى أثاثاً في البيت ولا متاعاً! أين متاعكم؟ قال: إن لنا بيتاً نوجه إليه صالح متاعنا وليس هذا.
قال: لا بد لك من متاع ما دمت هاهنا.
قال أبو ذر: إن صاحب المنزل لا يدعنا فيه، لا بد أن يأخذه منا ويأخذنا منه يوماً من الأيام].
وكان علي بن أبي طالب ﵁ يقول: [إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة، ولكل منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا فإن اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل].
قال بعض الحكماء: عجبت ممن الدنيا مولية عنه والآخرة مقبلة إليه، يشتغل بالمدبرة ويعرض عن المقبلة! وإذا لم تكن الدنيا -يا إخواني- دار إقامة للمؤمن ولا وطناً له فينبغي أن يكون حال المؤمن فيها أحد حالين: إما أن يكون كأنه غريب، مقيم في بلاد غربة همه التزود للرجوع إلى وطنه، كن في الدنيا كأنك غريب لا تحس بالتعلق في هذه البلد التي أنت فيها، وإنما همك رجوعك إلى بلدك الأصلي، وإنما تأخذ من هذه البلد ما تتزود به لبلدك الأصلي كأنك غريب، أو عابر سبيل مسافر غير مقيم البتة لا في بلد غربة ولا في البلد الأصلي.
ولذلك فالمسافر إحساسه بأنه مسافر في الدنيا أعلى من إحساسه بأنه غريب فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) وعابر السبيل المسافر يسير باستمرار ليصل إلى المكان، لو وقف وجلس انقطع هدفه في الوصول إلى مكانه الذي يريد، وكذلك الذين يركنون إلى الدنيا ينقطع هدفهم في الوصول إلى الآخرة بسلام؛ لأنه يتيهون في أوديتها.
نزل نفسك -يا عبد الله- منزلة الغريب غير المتعلق قلبه ببلد الغربة، بل قلبه متعلق بوطنه الأصلي الذي يريد أن يرجع إليه، المؤمن في الدنيا مهموم محزون؛ همه أن يصل إلى المكان الذي يريد، ولذلك من كانت هذه حاله فإنه لا ينافس أهل البلد الذي هو متغرب فيه، لا ينافسهم في عزهم، ولا يجزع من الذل عندهم، قال الحسن: [المؤمن في الدنيا كالغريب لا يجزع من ذلها، ولا ينافس في عزها، لها شأن وللناس شأن].
ما هو وطننا الأصلي أيها المسلمون؟ أين موطننا الأصلي نحن؟ أسكن آدم وزوجه الجنة ثم أهبطا منها إلى الأرض، ووعدا بالرجوع إليها مع صالح ذريتهما، فالمؤمن أبداً يحن إلى موطنه الأصلي، إلى وطنه الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتى وحنينه أبداً لأول منزل
موطننا الأصلي إذاً هو جنات عدن، هذا هو موطننا الأصلي، وما نحن فيه الآن كله غربة في غربة، وشيء مؤقت وإنما المصير النهائي في دار الكرامة أو دار الهوان
فحي على جنات عدن فإنها منازلنا الأولى وفيها المخيم
ولكننا سبي العدو فهل ترى نعود إلى أوطاننا ونسلم
وقد زعموا أن الغريب إذا نأى وشطت به أوطانه فهو مغرم
وأي اغتراب فوق غربتنا التي لها أضحت الأعداء فينا تحكم
كان بعض السلف يقول: اللهم ارحم في الدنيا غربتي، وارحم في القبر وحشتي، وارحم موقفي غداً بين يديك.
وقال يحيى بن معاذ الرازي: الدنيا خمر الشيطان، من سكر منها لم يفق إلا في عسكر الموت نادماً مع الخاسرين.
قيل لـ محمد بن واسع: كيف أصبحت؟ قال: ما ظنك برجل يرتحل كل يوم إلى مرحلة من مراحل الآخرة؟ وقال الحسن: يا بن آدم! إنما أنت أيام مجموعة كلما مضى يوم مضى بعضك.
وقال: ابن آدم! إنما أنت بين مطيتين يوضعانك (يوضعك النهار إلى الليل والليل إلى النهار) حتى يسلمانك إلى الآخرة، فمن أعظم منك يا بن آدم خطراً؟ وقال: الموت معقود في نواصيكم والدنيا تطوى من ورائكم.
كل يوم يمضي من حياتنا يقربنا إلى الموت
سبيلك في الدنيا سبيل مسافر ولا بد من زاد لكل مسافر
ولا بد للإنسان من حمل عدة ولا سيما إن خاف صولة قاهر
كيف يفرح بالدنيا من يومه يهدم شهره، وشهره يهدم سنته؟ كل يوم يهدم شهرك، اليوم يجعل الثلاثين تسعة وعشرين، والتسعة والعشرين ثمانية وعشرين وهكذا، وشهره يهدم سنته، وسنته تهدم عمره، وكيف يفرح من يقوده عمره إلى أجله، وتقوده حياته إلى موته؟ قال الفضيل بن عياض لرجل: كم أتت عليك؟ قال: ستون سنة.
قال: فأنت من ستين سنة تسير إلى ربك، يوشك أن تبلغ.
فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون! فقال الفضيل: أتعرف تفسير ما تقول؟ أنا لله وأنا إليه راجع، أنا لله عبد وإليه راجع، إنا لله وإنا إليه راجعون فمن علم أنه لله عبد وأنه لا بد إليه راجع فليعلم أنه موقوف، ومن علم أنه موقوف فليعلم أنه مسئول، ومن علم أنه مسئول فليعد للسؤال جواباً، فقال الرجل: فما الحيلة؟ قال: يسيرة.
قال: وما هي؟ قال: تحسن فيما بقي يغفر لك ما مضى، فإنك إن أسأت فيما بقي أخذت بما مضى وبما بقي.
قال بعض الحكماء: من كانت الليالي والأيام مطاياه سارت به وإن لم يسر.
وتأمل هذا المعنى الذي نظمه الناظم:
وما هذه الأيام إلا مراحل يحث بها داع إلى الموت قاصد
هذه الأيام مثل المطايا التي تسير، تسير بنا:
وأعظم شيء لو تأملت أنها منازل تطوى والمساكن قاعد
العادة أن المسافر يمضي، يحس أنه يمشي ويذهب، لكن هذه الأيام تذهب والمسافر قاعد حتى يفاجأ بأنه قد وصل، لم يزل الليل والنهار سريعين في نقص الأعمار وتقريب الآجال، هيهات قد صحب نوح وعاد وثمود وقرون بين ذلك كثيراً، وقدموا على ربهم ووردوا على أعمالهم، وأصبح الليل والنهار غضين جديدين، بليت الأجساد والليل والنهار يعودان: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً﴾ [الفرقان:٦٢] ففي الليل والنهار تقع الأعمال والعبادات.
وقال الأوزاعي لأخ له: أما بعد فقد أحيط بك من كل جانب، واعلم أنه يسار بك في كل يوم وليلة، فاحذر الله والمقام بين يديه، وأن يكون آخر عهدك به، والسلام.
стр. 4998
قصر الأمل عند السلف الصالح
أيها المسلمون: ينبغي علينا ألا نظن لحظة واحدة أننا مقيمون في هذه الدنيا، ينبغي أن يلازمنا هذا الشعور باستمرار، فإن الذي يلازمه هذا الشعور لا يقع في المعاصي، ولا يتعلق بالفاني وإنما يسارع إلى الله بالعبادة.
قال ثلاثة من العلماء لبعضهم، كل اثنين يقولان للآخر: ما أملك؟ فقال أحدهم: ما أتى علي شهر إلا ظننت أني سأموت فيه.
فقال صاحباه: إن هذا لأمل.
فقالا للآخر: ما أملك؟ قال: ما أتت علي جمعة إلا ظننت أنني سأموت فيها.
فقال له صاحباه: إن هذا لأمل.
فقالا للأخير: ما أملك؟ قال: ما أمل من نفسه بيد غيره؟ قال داود الطائي: سألت عطوان بن عمر التميمي قلت: ما قصر الأمل؟ قال: ما بين تردد النفس.
فحدث بذلك الفضيل بن عياض فبكى، وقال -يقول في معنى كلامه-: يتنفس فيخاف أن يموت قبل أن ينقطع نفسه، يأخذ الزفير يخاف أن يموت بعده فلا يرد الشهيق هذا حال الصالحين؛ لأننا فعلاً لو تأملنا في الميت يموت إما بعد أخذ النفس أو بعد رده، واحدة منهما فيحدث الموت فيها، فتأمل الآن وتفكر في نفسك أنك ستموت بعد هذا أو بعد هذا، فماذا يكون حالك وشعورك؟ قال بعض السلف: ما نمت نوماً قط فحدثت نفسي أني سأستيقظ، وإنما أوطن نفسي أني ربما لا أقوم: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً﴾ [الزمر:٤٢] وكان حبيب أبو محمد يوصي كل يوم بما يوصي به المحتضر عند موته من تغسيله ونحو ذلك، وكان يبكي فكلما أصبح وأمسى أوصى، فسألت امرأته عن بكائه فقال: يخاف الله إذا أمسى ألا يصبح، وإذا أصبح ألا يمسي.
وكان محمد بن واسع إذا أراد أن ينام قال لأهله: أستودعكم الله فلعلها أن تكون منيتي التي لا أقوم منها.
وقال بكر المزني: إن استطاع أحدكم ألا يبيت إلا وعهده -وصيته- عند رأسه مكتوب فليفعل، فإنه لا يدري لعله يبيت في أهل الدنيا فيصبح في أهل الآخرة.
وكانت امرأة متعبدة بـ مكة كلما أمست قالت لنفسها: يا نفس! الليلة ليلتك، لا ليلة لك غيرها فاجتهدت في العبادة، فإذا أصبحت قالت: يا نفس! اليوم يومك ستقبضين فيه، لعلك تؤخذين فيه، اليوم يومك لا يوم لك غيره، فاجتهدت، وهكذا سارت من اجتهاد إلى اجتهاد.
إذا أردت أن تنفعك صلاتك يا عبد الله فقل: لعلي لا أصلي غيرها، صل صلاة مودع كما قال النبي ﷺ .
ولذلك عندما اجتمع بعض السلف للصلاة فقدم، كل منهم صاحبه، حتى قدموا رجلاً منهم، فقال هذا الرجل وهو يتقدم بحرج: إن صليت بكم الظهر لا أصلي بكم العصر، يصلي غيري.
فقال له بعض الحاضرين من السلف: نعوذ بالله من طول الأمل، أو تأمل أن تصلي الصلاة الأخرى؟ عندك يقين بأنك ستصلي الصلاة الأخرى؟ تشترط تقول: إن صليت بكم الظهر لا أصلي العصر؟ وهكذا -أيها الإخوة- كل يوم يمضي يذهب فيه من عمرنا جزء، فماذا قدمنا في هذه الأيام التي تمضي؟ نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من طول الأمل، وأن يجعلنا متصلين بحبله المتين، قائلين بالركن الركين، متعبين لسنة سيد المرسلين.
أيها الناس: خذوا من الصحة للمرض، ومن الحياة للموت، فإن الاعتراضات التي تعترضنا كثيرة، فربما يمرض الإنسان ولا يستطيع العمل، وربما يقع له ظرف يؤدي به إلى الأجل ويكون الخسران هو العاقبة لقلة العمل وضعفه، فأنيبوا إلى ربكم كما قال الله: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر:٥٤] قبل أن تتحسر النفس وتقول: ﴿يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر:٥٦ - ٥٨] ماذا ننتظر؟ ننتظر هرماً أو مرضاً أو فقراً، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر، ولذلك يقول النبي ﵊: (بادروا بالأعمال -اعملوا قبل أن تأتي أشياء- بادروا بالأعمال ستاً: طلوع الشمس من مغربها، أو الدخان، أو الدجال، أو الدابة، أو خاصة أحدكم، أو أمر العامة) بادروا بالأعمال فاستبقوا بها قبل أن يحين الأجل، وقبل أن يأتي ما يقطع عن العمل، والناس مغبونون في الصحة والفراغ، فعندهم الصحة لا يفكرون في المرض، وعندهم المال لا يفكرون في الفقر، عندهم الفراغ لا يفكرون في الشغل فإن الله يشغل بعض الناس بنفسه.
стр. 4999
ماذا قال الله في كتابه عن الدنيا ؟
إن الله قد بين لنا حقيقة هذه الدنيا في كتابه، وذكرها رسول الله ﷺ في حديثه ذكراً كثيراً جداً حتى لا ينطلي أمرها على المسلمين، وحتى يعرفوا حقيقتها وفناءها وزوالها وهوانها على الله، قال الله في كتابه العزيز: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾ [الكهف:٤٥] نزل الماء فاختلط بنبات الأرض فأصبح مورقاً أخضر يانعاً، ونضجت الفواكه والثمار وطابت واصفرت واحمرت، ولكن ماذا بعد هذا؟ قال الله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ [الكهف:٤٥] أصبح يابساً متكسراً متفتتاً، تفرقه الرياح وتنسفه لخفته: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً﴾ [الكهف:٤٥].
وقال الله : ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً﴾ [الحديد:٢٠] في النهاية، هشيماً متكسراً يابساً: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد:٢٠] فهي تغر بفتنتها وزينتها ولكنها هينة، ولكنها عند الله لا تساوي شيئاً، هذه الحياة الدنيا وصفها ربنا بأنها لهو ولعب، وعقد المقارنة بينها وبين الآخرة وقال الله: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام:٣٢] ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت:٦٤] هي الحياة الحقيقية، هي الحيوان: يعني الحياة الدائمة المستقرة الباقية: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ * أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ﴾ [القصص:٦٠ - ٦١] في الآخرة: ﴿كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [القصص:٦١] أي: للجزاء والحساب.
هذه الحياة الدنيا سميت دنيا لدنوها وسفولها، الحياة الدنيا، هي القليلة الصغرى، هذه الحياة الدنيا مليئة بالشهوات والفتن ولكنها شهوات زائلة، وأمور تفتن ولكن لحظات عابرة لا يستمتع بها حق الاستمتاع أحد: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [آل عمران:١٤] الأشياء المتشهاة: ﴿وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ﴾ [آل عمران:١٤] المضاعفة بعضها فوق بعض: ﴿مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران:١٤] المعلمة المطهمة: ﴿وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ [آل عمران:١٤] يعني: الزرع والثمار والشجار والنبات: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران:١٤] هذه أنواع البهجات الدنيوية هذا متاع الحياة الدنيا: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران:١٤].
стр. 5000
الدنيا بالنسبة للآخرة
إن الدنيا بطبيعتها خضرة حلوة كما قال النبي ﷺ ، لها بهجة وجاذبية، والله قد استخلفنا فيها لينظر كيف نعمل، قال النبي ﷺ : (فاتقوا الدنيا واتقوا النساء) رواه مسلم.
هذه الدنيا -أيها الإخوة- مقارنتها بالآخرة ونسبتها إلى الآخرة كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (ما الدنيا في الآخرة إلا كما يمشي أحدكم إلى اليم فأدخل إصبعه فيه فما خرج منه فهو الدنيا) هذه الدنيا بالنسبة للآخرة، رجل أدخل إصبعه في اليم ثم أخرجها فما علق في الإصبع من ماء البحر هو نسبة الدنيا إلى الآخرة.
وهذه الدنيا التي احتقرها ربنا وذكر فناءها وزوالها لأنها فانية وزائلة، وما فيها من الفتن والشهوات التي تفتن وتجذب لا تساوي عند الله شيئاً، قال النبي ﷺ : (إن الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، وعالماً أو متعلماً) لأنها هينة على الله لا تساوي شيئاً عند الله، متاعها يغر أصحاب الاغترار.
يكفيك يا طالب الدنيا أن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه إلا ما ابتغي به وجه الله مما في الدنيا، إذا ابتغيت وجه الله خرجت من هذه الأشياء الملعونة في الزوجة والولد والمال والعلم -قبل ذلك- والعبادة هذا الذي ليس بملعون، والباقي كله ملعون بنص الحديث.
وقد كان النبي ﷺ حريصاً على تهوين شأن الدنيا في نظر الصحابة، وانتهاز الفرص لعرض هذا المفهوم، وهو مفهوم حقارة الدنيا لما ينبني على إيضاح هذا المفهوم من الفوائد العظيمة والتربية الجسيمة في نفوس الصحابة.
روى الإمام أحمد بإسناد صحيح عن جابر ﵁ (أن رسول الله ﷺ أتى العالية -ناحية في المدينة - فمر بالسوق، فمر بجدي أسك -صغير الأذن- ميت فتناوله، فرفعه، فقال: بكم تحبون أن هذا لكم؟ قالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، ولا نشتريه بفلس، وما نصنع به؟ قال: بكم تحبون أنه لكم؟ قالوا: والله لو كان حياً لكان عيباً فيه أنه أسك -صغير الأذن- فكيف وهو ميت؟ فقال النبي ﷺ : فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم).
وعاقبة الدنيا إلى فناء وزوال، عاقبة الدنيا إلى شيء كريه بغيض، قال النبي ﷺ : (إن مطعم ابن آدم -الطعام الذي نأكله- قد ضرب مثلاً للدنيا وإن قزحه وملحه، فانظر إلام يصير) أشهى أكلة في الدنيا خذها، قزح وملح، وضع والتوابل، وزين الأكلة واجعلها أشهى ما تكون، ثم كلها والتهمها فماذا تكون في البطن وكيف تخرج في النهاية؟ كيف تخرج أشهى أكلة في الدنيا؟ كيف تخرج من دبر الإنسان في النهاية؟ (إن مطعم ابن آدم قد ضرب مثلاً للدنيا، وإن قزحه وملحه فانظر إلام يصير).
ولذلك حث النبي ﷺ على التقلل منها، وكان ﷺ يتقلل منها أيضاً، وأوصى بوصايا في هذا المجال، من ذلك قوله: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) والغريب وعابر السبيل لا يثقل بدنه وكاهله وظهره بالمتاع؛ لأن عابر السبيل يريد أن يتحرك ويتنقل، وكثرة المتاع على ظهره تثقله وتعيق حركته، ولذلك عندما أوصانا بقوله: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) يعني: تخففوا من المتاع، قللوا من زينة الدنيا، لا تأخذوا منها وتعبوا عباً، وإنما كلما كان أخذك أيسر كلما كان حسابك أخف.
وضرب ﵊ المثل بذلك فقال: (ما لي وللدنيا؟ وما للدنيا ومالي؟ والذي نفسي بيده، ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من النهار ثم راح وتركها) فارقها وذهب عنها، ساعة من النهار، ظل، والظل من طبيعته أنه يزول.
والله إذا أحب عبداً حماه من الدنيا، وباعد بينه وبين زخرفها وزينتها، والانغماس فيها والانشغال فيها؛ كما قال النبي ﷺ (إذا أحب الله عبداً حماه من الدنيا كما يحمي أحدكم سقيمه الماء) وقال ﵊: (إن الله ليحمي عبده المؤمن من الدنيا وهو يحبه كما تحمون مريضكم الطعام والشراب تخافون عليه) رواه أحمد وهو حديث صحيح.
стр. 5001
عدم الاغترار بما عليه الكفار من نعيم الدنيا
وكان ﷺ متقللاً متخففاً، لا يكاد يُرى في بيته شيء، دخل عمر على النبي ﷺ -في قصة مع نسائه مشهورة- قال: فرآه وإنه على حصير ما بينه وبينه شيء، ليس بين جلده وجسده الشريف وهذا الحصير حائل، وتحت رأسه وسادة من أدم -من جلد- حشوها ليف وإن عند رجليه قرضاً مضبوراً مجموعاً، وعند رأسه أُهباً معلقة -والإهاب: هو الجلد الذي لم يدبغ- فرأيت أثر الحصير في جنب رسول الله ﷺ فبكيت، فقال: ما يبكيك؟ فقلت: يا رسول الله! كسرى وقيصر فيما هما فيه -يعني: من الملك والنعيم والرياش والقصور والحرير، وأنت رسول الله ﷺ على حصير؟ هذا متاعك من الدنيا؟ فقال النبي ﷺ : (أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ -وفي رواية- ولك الآخرة) وقال لـ عمر أيضاً: (أوفي شك أنت يا بن الخطاب! أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا).
ولذلك إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا ما يحب وهو مقيم على معاصيه فإنما ذلك منه استدراج، حديث صحيح.
إذا رأيت -أيها المؤمن- الدول الكافرة ومجتمعات الكفر والكفرة والفسقة والمجرمين، إذا رأيت عندهم متاع الدنيا: سيارات فارهة، وقصور مرتفعة، وثمار ناضجة، وصحة وأجساد، وإذا رأيت عندهم الرياش والنعيم، ورأيت عندهم بهجة الدنيا وزينتها وزخرفها؛ فاعلم أنما هذه طيباتهم عجلت لهم في الحياة الدنيا لأنه ليس لهم في الآخرة من نصيب.
وإذا رأيت الفسقة يتطاولون ويتفاخرون بالأموال، ويتكاثرون في الأرصدة، إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا ما يحب وهو مقيم على معاصيه فإنما ذلك منه استدراج لهذا الفاسق حتى يزداد ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً﴾ [آل عمران:١٧٨] ولأن هذه الدنيا وضيعة عند الله لا تساوي شيئاً جعل الله في حكمته أنه لا يدوم فيها شيء، متاع زائل، أعمار منقضية، وأجساد للتراب، دول تنقرض ومجتمعات تزول، والثمار نراها تتعففن أمامنا، وهؤلاء المتفوقون في الدنيا حتى في الرياضات انظر إليهم هل يحتفظ أحدهم بقوة عنده في رياضته وتدوم له؟ قال النبي ﵊: (إن حقاً على الله تعالى ألا يرفع شيئاً من أمر الدنيا إلا وضعه) فكر في هذا السر وهذه الحكمة: (إن حقاً على الله تعالى ألا يرفع شيئاً من أمر الدنيا إلا وضعه) فترى صاحب الحافظة في النهاية ينسى ويخرف، وصاحب القوة في النهاية أمره إلى ضعف: ﴿مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً﴾ [الروم:٥٤] وصاحب المال قد يفتقر ويزول ماله أو يموت وهو غني فلا يستفيد من ماله في قبره بشيء، وصاحب الملك يزول ملكه وهكذا، أو يموت فلا يستفيد من ملكه شيء: (إن حقاً على الله تعالى ألا يرفع شيئاً من أمر الدنيا إلا وضعه).
стр. 5002
أعمالٌ خيرٌ من الدنيا وما فيها
أما الذين يعملون للآخرة فإن الله يبقي لهم ذكراً جميلاً وأجراً عظيماً، وأعمالهم تنمو وتزداد، وهذه العبادات بالنسبة للدنيا لا شيء؛ لأن الدنيا زائلة والعبادة أجرها باق؛ ولذلك قال النبي ﷺ : (رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة -في الصباح أو في المساء في سبيل الله- خير من الدنيا وما عليها) لماذا؟ لأن العبادة أثرها وأجرها باق، خير من الدنيا وما عليها، حسنة واحدة يوم القيامة أجرك عليها خير من الدنيا وما عليها، وموضع السوط في الجنة، المكان الذي يأخذه السوط من الجنة، المكان هذا القليل خير من الدنيا وما عليها.
وقال النبي ﷺ : (لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها، ولقاب قوس أحدكم أو موضع قدمه في الجنة خير من الدنيا وما فيها، ولو اطلعت امرأة من نساء أهل الجنة إلى الأرض لملأت ما بينهما -ما بين السماوات والأرض- ريحاً، ولأضاءت ما بينهما بالنور والضياء، ولنصيفها على رأسها -خمارها على رأسها- خير من الدنيا وما فيها).
(ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها) هاتان ركعتان خير من الدنيا وما فيها! واعقلوا -يا عباد الله- كيف أن النعيم في الدنيا حساب في الآخرة كما قال النبي ﷺ : (حلوة الدنيا مرة الآخرة، ومرة الدنيا حلوة الآخرة) قد يكون مرضاً، مصاباً، كموت حبيب أو قريب يصبر عليه حلو في الآخرة، هو مر في الدنيا، كفقر، أو شيء مؤلم، لكنه حلو في الآخرة، وحلوة الدنيا من المناصب والأموال والرياش مُرة في الآخرة.
والله جعل الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر كما ورد في الحديث الصحيح، كثير من المؤمنين لا يرون فيها زينة وبهجة، بل يمكن أن يكون ابتلاء متوالياً، سلب أموال وسجن وتقييد حرية، مرض وموت قريب، قلة الملابس وما يستر به جسده، يجد الطعام يوماً ولا يجده يوماً آخر، الدنيا سجن المؤمن، نفسه تضيق بالدنيا لأنه يتطلع إلى العالم الفسيح، وجنة الكافر لأن هذا منتهى أملهم وهذا هو كل ما يعيشون لأجله: الدنيا، ولذلك تراهم حريصين كل الحرص على الاستمتاع بها، ما عندهم إيمان بالآخرة ولا تطلع للآخرة، ولا أمل أن يكون لهم شيء في الآخرة؛ لأنهم لا يؤمنون بالآخرة أصلاً.
ولذلك ترى عند الكفرة انتشار قضية الترفيه، قضايا الترفيه والألعاب؛ لأن هذا هو عيشهم وأملهم الوحيد، فهم يريدون أن يستمتعوا من هذه الدنيا بكل لحظة، فترى انتشار قضية الاستمتاعات ولو كانت محرمة، وانتشار قضية الترفيه، ونحن مقبلون على إجازة، والناس سيسيحون سياحة يطلبون ملذات الدنيا، والله أعلم بما هم صانعون، لكن الدنيا هذه ولو ساحوا فيها فهي سجن للمؤمن وجنة للكافر.
стр. 5003
إزالة النبي ﷺ لكل شيء يذكره بالدنيا
وكان النبي ﵊ يزيل كل شيء يذكره بمتاع الدنيا من الأشياء المحرمة المنهي عنها، والتي تشغل ولو بالصلاة، كان لنا ستر فيه تماثيل طير، فقال رسول الله ﷺ : (يا عائشة! حولي هذا فإني كلما دخلت فرأيته ذكرت الدنيا).
وماذا نحتاج من الدنيا أيها الإخوة؟ أمور قليلة يسيرة هي التي تبلغنا، قال النبي ﷺ موضحاً هذه الضروريات الثلاث: (من أصبح منكم آمناً في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها) حديث حسن، من أصبح منكم آمناً في سربه: آمناً في بيته، لا يخاف على نفسه ولا على ماله ولا على أهله وعرضه، معافى في جسده: صحيح ما فيه مرض، عنده قوت يومه فهو شبعان، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها، هذا كل ما هو موجود مما نحتاجه في الدنيا، أما البقية فهي استكثارات مشغلة ملهية.
كان النبي ﷺ يذكر بمثل الدنيا في الآخرة، وبمثل الدنيا في نعيم الجنة، ولذلك قال في الحديث: (سأل موسى ربه فقال: يا رب! ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ قال: هو رجل يجيء بعدما يدخل أهل الجنة الجنة، فيقال له: ادخل الجنة.
فيقول: أي رب كيف وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم؟ فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل ملك من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت ربي.
فيقول: هو لك ومثله ومثله ومثله ومثله -لك الأولى وأربعة وخمسة- فقال في الخمسة: رضيت ربي، فيقول: هذا لك -الذي ذكرنا لك قبل- هذا لك وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك.
فيقول: رضيت ربي، -هذا أدنى أهل الجنة منزلة، خمسة في عشرة بخمسين، ضعف ملك من ملوك الدنيا، خمسين ضعفاً! هذا أدنى أهل الجنة منزلة، بالإضافة إلى ذلك لك ما اشتهت نفسك ولذت عينك- قال ربي: فأعلاهم منزلة؟ قال: أولئك الذين أردت، غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها فلم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر) رواه أحمد وهو حديث صحيح.
стр. 5004
نعيم الدنيا وبؤسها بالنسبة للآخرة
وهذه الدنيا نعيمها في الآخرة أيضاً لا يساوي شيئاً، كما أن نعيم الآخرة بالمقارنة بالدنيا لا يمكن أن يقارن، ضرب النبي ﵊ المثل فقال: (يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار -أنعم واحد من أهل الدنيا، أكثرهم مالاً وأكثرهم لذات في الدنيا لكنه من أهل جهنم، يؤتى به في يوم القيامة- فيصبغ في جهنم صبغة ويرفع، ثم يقال له: يا بن آدم! هل رأيت خيراً قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب! ويؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا من أهل الجنة -مؤمن فقير، كان عارياً، مريضاً، مصاباً، مضطهداً- يؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ في الجنة صبغة واحدة فيقال له بعد ما صبغ بهذه الصبغة: يا بن آدم! هل رأيت بؤساً قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا والله يا رب ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط) هذا على غمسة فكيف وهم سيعيشون فيها خالدين ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧].
стр. 5005
ولا تنس نصيبك من الدنيا
إن الآيات والأحاديث -أيها الإخوة- تركز على هذا المفهوم تركيزاً عظيماً، يجب أن يستقر هذا المفهوم في أنفسنا، وينبغي أن يكون حياً في أذهانناً ومشاعرنا لأن الأحوال لا تستقيم، حال المؤمن لا يستقيم إلا وهذه جزء منه وركيزة من ركائزه، لا يصلح أن يكون من انعكاسات هذا الموضوع في أنفسنا ترك الأخذ بالأسباب التي أمرنا بالأخذ بها شرعاً، لا يصلح ولا يعني عرض هذا الموضوع ترك السعي لتحصيل القوة التي نهزم بها الكفار، وليس معنى هذا أن نترك السعي لطلب الرزق الذي نعيش به الأنفس التي نحن مسئولون عنها، وليس الموضوع لترك العلاج والتداوي أو ترك الدراسة والجد والتحصيل، أو ترك الغرس والبناء وعمارة الأرض كما أمر الله؛ بل إن القضية بعدم التعلق بالدنيا مع الأخذ بنصيبنا منها فإن الإسلام وسط، وهذه الأمة التي اصطفاها الله وأخرجها لعمارة هذه الأرض والجهاد في سبيل الله لا بد أن تأخذ بالأسباب، قال الله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ [القصص:٧٧] أولاً ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧].
إذاً لا تنس نصيبك من الدنيا، فخذ ما تحتاج إليه، واعمل ما تقتات به، واكسب عيشك، الله جعل في الدنيا معايش وأخبرنا بأنه جعل لنا فيها معايش، لا بد من الطعام والشراب، لا بد من الغذاء والسكن واللبس.
ولكن -أيها المسلمون- الانشغال الحاصل الآن في هذا التنوع والتوسع والكماليات -مع الأسف- التي غرق فيها الناس وأدخلوها بيوتهم، وأنفقوا فيها الأموال الطائلة، الكماليات والتعلق بالزينة، إذا مرت سيارة فارهة قال: آخ لو أن عندي مالاً.
وإذا رأى قصراً مشيداً ضرب كفاً بكف وقال: لو أن لي مثله.
اعلم أن الذين رأوا أموال قارون التي تنوء بمفاتحها الرجال أولو القوة قالوا: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ [القصص:٧٩] لكن ماذا قال أهل العلم؟ ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ [القصص:٨٠].
فإذاً -أيها الإخوة- لا بد من أخذ الأسباب التي نرفع بها شأن الدين، وإن نحن ابتعدنا بأنفسنا عن هذه المهالك في الدنيا، وكذلك الدنيا هذه هي الفرصة للعمل، فلا يعني هم الدنيا أن نقعد عن العبادة وننتظر الأجل لا.
لأن الدنيا هي الفرصة للعمل للتزود للآخرة والعبادة، الدنيا ساعة فاجعلها طاعة.
يا بن آدم! الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما.
стр. 5006
فوائد معرفة حقارة الدنيا
يستفاد من عرض هذا المفهوم ألا نتعلق بزينة الدنيا فنهلك، ألا نمد أعيننا إلى ما متع الله به أقواماً من الكفرة والفسقة ﴿وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٣١] قال بعض السلف: بيننا وبين الأغنياء والملوك يوم واحد، أما أمس فقد مضى علينا وعليهم، وذهبت لذتهم وذهب بؤسنا في الأمس، فنحن وإياهم سواء، وفي الغد هم على وجل وخوف أن يذهب ملكهم أو غناهم، ونحن ما جاءنا بؤس الغد بعد، فنحن وإياهم في الغد سواء، وإنما هو اليوم هذا الذي نعيشه، فما عسى أن يكون ساعات وينقضي.
هذا يستفاد منه -أيها الإخوة- الاستعداد ليوم الرحيل بالعمل، قال سليمان بن عبد الملك لـ أبي حاتم الواعظ: ما لنا نكره الموت؟ قال: لأنكم أخربتم آخرتكم، وعمرتم دنياكم، فكرهتم أن تنتقلوا من العمار إلى الخراب.
كل جهده وضعه في هذه الدنيا، بناء بيوت وتحصيل أموال؛ فيكره الانتقال من الدنيا إلى الآخرة، ما عمل للآخرة شيئاً، عمله للآخرة قليل، لكن هذه الدنيا التي وضع فيها حيله وحاله.
وكذلك فإن الآخرة تقدم في العمل على الدنيا، الله يقول: ﴿فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩] وابتدأ بالآخرة بالأمر بالعمل ثم الدنيا، قال في الدنيا: تمشي، وقال في الآخرة: تسعى، والسعي أسرع من المشي، إذا اشتغلت بالدنيا أضررت بالآخرة والعكس بالعكس كما قال بعض السلف: مثل الدنيا والآخرة مثل ضرتين إن أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى.
هذا الموضوع -يا أيها المسلمون- حتى إذا رأينا صاحب متاع لا نتأسف ولا نتحسر، وإنما نقول: هذه زينة، إن كان إنساناً تقياً فهو يطيع الله في هذا المال، وإن كان فاسقاً فهو استدراجٌ له، وإن كان كافراً فهذا غاية مناه وقصارى ما يأمل في هذه الحياة.
الدنيا مثل الحية لين مسها قاتل سمها، الدنيا إما نقمة نازلة أو نعمة زائدة، لا بد إذاً أن توطن النفس على الذهاب من هذه الدنيا والرحيل، الدنيا لا تصفو لشارب، ولا تبقى لصاحب، ولا تخلو من فتنة ولا من محنة، فأعرض عنها قبل أن تعرض عنك، واستبدل بها قبل أن تستبدل بك، فإن نعيمها يتنقل، وأحوالها تتبدل، ولذاتها تفنى، وآثارها تبقى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس:١٢] خطوات المشي إلى المساجد تبقى عند الله، والصدقات تبقى للآخرة، الآثار هذه الآثار وليست الآثار التي يتفرج عليها الناس في السياحة.
وهذا المفهوم أيضاً يجعل الإنسان سخياً بما في يده في سبيل الله، يضع ما عنده في سبيل الله؛ لأنه يعلم أن هذا الذي ينفق هو الذي يبقى، والذي يدخره عنده هو الذي يزول كما قال الرسول ﷺ لـ عائشة، ما بقي منها إلا كتفه، أنفقت وبقي جزء، فأخبرها أن الباقي هو الفاني وأن ما أنفقته هو الباقي.
روى ابن المبارك في كتابه الزهد أن عمر بن الخطاب ﵁ أخذ أربعمائة دينار فجعلها في صرة، ثم قال للغلام: اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجراح، ثم تلهَّ ساعة في البيت حتى تنظر ما يصنع، فذهب بها الغلام إليه فقال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حوائجك.
فقال أبو عبيدة: وصله الله ورحمه كما وصلني، ثم قال: تعالي يا جارية! اذهبي بهذه السبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان حتى أنفذها وانتهت كلها! فرجع الغلام إلى عمر بن الخطاب فأخبره، ووجده قد أعد مثلها لـ معاذ بن جبل فقال: اذهب بها إلى معاذ بن جبل، ثم تلهَّ في البيت ساعة حتى تنظر ما يصنع، فذهب بها إليه فقال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذا في حاجتك.
فقال: وصله الله ورحمه، ثم قال: تعالي يا جارية! اذهبي إلى فلان بكذا، وإلى بيت فلان بكذا، وإلى بيت فلان بكذا.
فاطلعت امرأة معاذ، فقالت: ونحن والله مساكين فأعطنا، هذه زوجته تقول: اجعلنا في عداد المساكين، نحن محتاجون، فلم يبق في الخرقة إلا ديناران فدحا بهما إليها.
فرجع الغلام إلى عمر فأخبره فسر بذلك وقال: إنهم إخوة بعضهم من بعض.
فحقارة الدنيا إذاً وزوالها يدفع الإنسان للإنفاق والبذل والعطاء؛ لأن ما عندكم ينفد وما عند الله باق، ولو أنفقتها فقد جعلتها في كف الرحمن، وما عند الله باق، فهي في كفه يربيها لصاحبها حتى تكون كالجبل العظيم.
стр. 5007
الدار الآخرة هي الباقية
وفوائد هذا المفهوم -أيها الإخوة- وهو زوال الدنيا وفناؤها وحقارة زينتها، ودوام الآخرة وبقاء ونعيمها أمر عظيم جداً يحتاج إلى كثير من الوقت لبيان فوائده.
اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من المتعلقين بدار كرامتك، العاملين لآخرتهم يا رب العالمين! وضاعف لنا الأجور والحسنات وارفع لنا الدرجات، واجزنا الجزاء الأوفى، اللهم لا تجعلنا بدار الهوان والدنيا من المتعلقين، اللهم اصرف عنا نقمتها وفتنتها وبأسها وشدتها يا أرحم الراحمين.
اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
اللهم ارفع الظلم عن المستضعفين من المسلمين، اللهم إنهم حفاة فاحملهم، وإنهم عراة فاكسهم، وجياع فأطعمهم، أنت أعلم بهم وأرحم إنهم عبادك وإنك لا تضيعهم، اللهم فانصرهم على عدوهم، واجمع شملهم على الحق المبين يا رب العالمين! اللهم اجعل آخرتنا إلى خير، واجعل أمرنا إلى نعيم، اللهم إنا نسألك الثبات عند الممات، والأمن من فتنة القبر، اللهم إنا نسألك الثبات على الصراط، جز بنا عليه بأسرع ما يمر عليه يا أرحم الراحمين.
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.
стр. 5008
الرد على من أحل الربا
للربا صور كثيرة مختلفة، نهى الشرع عنها وبينها، وفي هذا العصر كانت الطامة في وجود من يفتي بجواز الربا ويلبس على الناس في ذلك، ويسميه بغير اسمه، لذلك كان لا بد من البيان والإيضاح.
стр. 5009
حرب الله على أهل الربا
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
يقول الله : ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٧٥] يقوم آكل الربا من قبره يتخبط كأنه حبلى، جزاءً بما أكل في بطنه من المال الحرام، يخرج الناس من الأجداث سراعاً، ولكن آكل الربا يتخبط في مشيته عقاباً له من الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٨ - ٢٧٩] لا تَظلمون: بأخذ الزيادة، ولا تُظلمون: فيكون لكم رأس المال كما أعطيتموه، تأخذونه عدلاً من الله .
﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ﴾ [البقرة:٢٧٩] ولم يحدد الله هل الحرب عسكرية، أم مرضية، أو وبائية، أو جوع، أو خوف، إنها كلمة عامة تتضمن جميع أنواع الحرب، ولذلك قال أهل العلم: إن من كان مقيماً على الربا لا ينزع؛ فحق على إمام المسلمين -واجب- أن يستتيبه من أكل الربا، فإن نزع وإلا ضرب عنقه، وإذا مات رسول الله ﷺ فإن الحرب على أكلة الربا وشنها عليهم منوطة بنوابه وخلفائه ﵊، وكل إمام يسير على نهجه.
والربا باب من السبع الموبقات الكبيرة التي لعن رسول الله ﷺ من فعلها، وحذر الأمة فقال: (اجتنبوا السبع الموبقات) وحذر ﵊ منه تحذيراً شديداً: (إذا ظهر الزنا والربا في قرية؛ فقد أحلو بأنفسهم عذاب الله) حديثان صحيحان، ولذلك لعن رسول الله ﷺ الربا وآكله وموكله وجميع من يساعد عليه فقال: (لعن الله الربا وآكله وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال: هم فيه سواء) وفي لفظ آخر: (الآخذ والمعطي فيه سواء) لا تقولن: إني محتاج سأقترض من البنك، أنت والبنك ملعونان على لسان رسول الله ﷺ .
إن أبواب الربا اثنان وسبعون باباً، فهو إذاً كما قال ﵊: (إن أبواب الربا اثنان وسبعون باباً) فهو متنوع وله صور متعددة، فلا تغتروا أيها المسلمون باستهزاء المستهزئين، وألاعيب المتلاعبين، وحيل المتحايلين على الله ، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور (إن أبواب الربا اثنان وسبعون باباً، أدناه كالذي يأتي أمه في الإسلام) أدنى باب من أبواب الربا كالذي يزني بأمه في الإسلام، وقال ﵊: (الربا سبعون حوباً -والحوب هو الذنب الكبير- أيسرها أن ينكح الرجل أمه) وقال ﷺ : (درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم، أشد عند الله من ست وثلاثين زنية) أحاديث صحيحة ثابتة عن الرسول ﷺ .
وقد أخبرنا ﵊: (أنه قد رأى في الرؤيا الصالحة -ورؤيا الأنبياء حق- رجلاً يسبح في نهر، ورجلاً آخر قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح، ثم يأتي ذلك الذي قد جمع الحجارة، فيفغر له فاه، فيلقمه حجراً) وهكذا يظل يفعل به عقاباً من الله وعذاباً.
ولذلك كان كل من ساهم في معاملة ربوية، أو إنشاء مكان ربويٍ حتى ولو بنظافته وصيانته، أو تأجيره أو بنائه داخل في لعنة رسول الله ﷺ ، مستحق للعقاب إذا لم يمتثل ذلك النهي، قال ربنا: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢] فكم من أناس ملعونون على لسان رسول الله ﷺ في هذا الزمان؟ ولقد وصل الأمر إلى مهازل، أناس يخرجون زكواتهم من الربا، وأناس يحجون من الربا، وآخرون يتصدقون من الربا، وطائفة يبنون المساجد من الربا، وبعضهم يطبع الكتب الإسلامية من الربا، يتقربون إلى الله بالحرام: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً) هذا بخلاف من يتخلص منها اتقاء غضب الله، فإنه يجوز أن يصرفها في أي مصرف خير، لكن تخلصاً لا صدقة ولا قربة إلى الله .
وبعضهم يظن أن الربا في المطعومات والمشروبات، ولذلك فهو يبني سكنه من الربا، ويدفع أجور العمال والخادمات من الربا، ويشتري السيارات من الربا، ويقول: الشريعة حرمت أكله ولكنه إنسان متلاعب، مستهزئ بآيات الله، فإن الله حرم الانتفاع به من أي وجه كان، وجاء التعبير بالأكل في بعض الآيات والأحاديث؛ لأن أكثر ما يستخدم الناس الربا في الأكل، وإن كانوا يستخدمونها في أشياء أخرى كلها من الحرام، سحت في سحت، يبنون أجسادهم خلية خلية من الربا والمال الحرام، لا يتقون الله (وكل لحم نبت من سحت، فالنار أولى به) يأكل منه، ويطعم أولاده وزوجته من المال الحرام، ثم يريد مغفرة الله، ثم يريد أن ينجو من عذاب الله، كيف له ذلك وهو مصر على أكل الربا، حتى لو صلى صلاة الفجر في المسجد.
стр. 5010
أنواع الربا وضوابط البيع المشروع
لكي يكشف ﵊ أنواع الربا، ولكي يضبط الأمر ويحدده قال: (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، سواء بسواء، يداً بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، فإن اختلفت الأصناف؛ فبيعوا كيف شئتم؛ إذا كان يداً بيد) رواه مسلم وغيره.
ولذلك يشترط في بيع الأشياء المتماثلة من الأشياء المكيلة والموزونة شرطان: أولاً: التماثل، مائة غرام ذهب بمائة غرام ذهب، بلا زيادة هللة.
ثانياً: التقابض في مجلس العقد، سلمني مائة غرام ذهب الآن، وأسلمك مقابلها مائة غرام ذهب الآن، أو ما يقوم مقام الذهب من العملة النقدية الآن؛ لو تأخر لحظة واحدة وقع في الحرام، لو قال: هات الذهب وسأذهب إلى البيت وآتيك بالمال، فيكون هذا البيع حراماً، فالشرط واضح في الحديث: (يداً بيد) لو قال: هذا مائة غرام من الذهب القديم آخذ منك سبعين غراماً من الذهب الجديد، فهذا لا يجوز، وإنما يبيع الذهب القديم أولاً، ويقبض المال، ثم يشتري به ذهباً جديداً لو أراد، عقدان لا ترابط بينهما لكي تصبح المسألة حلالاً.
(فإذا اختلفت الأصناف؛ فبيعوا كيف شئتم) سيارة بسيارة مع دفع الفرق جائز، ساعة بساعة مع دفع الفرق جائز، لكن ذهب بذهب مع دفع الفرق حرام، تمر بتمر غير متماثلين حرام، يجب أن يكون التماثل وزناً في الأشياء الموزونة، وكيلاً في الأشياء المكيلة، يداً بيد في مجلس العقد، لا يتأخر الدفع لحظة واحدة.
روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد ﵁: (جاء بلال إلى النبي ﷺ بتمر برني-نوع جيد من التمور يقال له: التمر البرني- فقال له النبي ﷺ : من أين هذا؟ فقال بلال: كان عندي تمر رديء، فبعت منه صاعين بصاع -تمر أقل جودة، أعطيته صاعين، وأخذت صاعاً من النوع الجيد، والغرض شريف يريد به نفع النبي ﷺ ولا يريد أن يأكله هو- ولكنه ﵊ قال: أوه أوه! عين الربا، عين الربا، لا تفعل ولكن إذا أردت أن تشتري؛ فبع التمر بيعاً آخر ثم اشتر به) وهكذا يحدد ﵊ المسألة، ويقطع الطريق على المتلاعبين المتحايلين.
ولذلك قال أهل العلم: الربا أنواع: منه ربا الفضل، ومنه ربا النسيئة، ومنه ربا اليد، ومنه ربا القرض الذي يجر منفعة، لو وضعت ألف ريال في بنك، وأخذت عليها زيادة، فهو حرام لا يجوز، كذلك لو أعطيته ذهباً وأخذت أكثر من الذي أعطيته، مثلاً أعطيته مائة غرام وأخذت مائة وعشرة أو أخذت سبعين؛ كان ذلك حراماً، لو قلت: هات الذهب؛ وسأدفع لك بعد خمس دقائق أو أذهب إلى البيت وأحضر الثمن، فذلك حرام.
ولو أنك أقرضته على أن يرجع لك الشيء المقترض بسلة؛ فالسلة حرام، لو قلت له: أقرضك على أن توصلني بسيارتك إلى البيت، وترجع لي القرض نفسه، فذلك حرام، كل قرض جر نفعاً فهو ربا، تأخذ مثلما أعطيت، نفس الشيء بلا تلاعب.
следующие страницы →