Полный текст (7 040 стр.). Показаны 5181–5220 · переход к 5186.
стр. 5181
عمليات العقم
مثلاً العمليات التي تسبب العقم، مثل: عملية ربط المبايض، هناك أشياء ينبغي ألا يلجأ إليها إلا عند الضرورة والخوف على حياة المرأة، وإذا ما وجد علاج آخر أقل ضرراً من هذا، وبالذات إعطاء أشياء لمنع الحمل؛ لأن من مقاصد الشريعة تكاثر الأمة، والطبيب عندما يعطي هذه الأشياء يصادم مقصود الشريعة بتكثير النسل للمسلمين، فعليه ألا يعطي هذه الأشياء إلا في الحالات الضرورية، كأن يخشى على صحة المرأة، فلا يمكن أن تحمل نهائياً، ولو حملت فإنه خطر مؤكد على حياتها، ولا بد أن يوافق الزوج؛ لأن له حقاً في الولد وليست المرأة فقط هي التي لها حق في الولد، فالمسألة إذاً لا بد أن يبحث فيها أيضاً.
الأدوية التي تخفف الشهوة قد يجوز إعطاء مريض دواءً يخفف الشهوة -مثلاً- حتى لا يجد العنت وحتى لا يقع في شيء، لكن لا يجوز إعطاؤه دواء يقطع الشهوة بالكلية ويجعله عنيناً لا يقوى على الوقاع.
стр. 5182
عمليات التجميل
أيضاً: عمليات التجميل فإن بعض عمليات التجميل مباحة، مثلاً: رجل حدث له حروق فلا بد من عملية التجميل، أو آخر عنده حَوَلٌ ممكن أن يعمل عملية تجميل، أيضاً: سحب الدهن والشحم من البطن، هذه سألنا فيها بعض العلماء فقال: إذا لم تسبب ضرراً فلا بأس أن يسحب الشحم، كذلك إزالة الإصبع الزائدة وبعض الأشياء المشوهة، أو إزالة الوشم، وقد سأل أحد الإخوة عن هذه فقال: أنا عندي وشم، وشمت وأنا ما زلت صغيراً، يقول: والرسول ﷺ لعن الفاعل لهذا الفعل، فأريد أن أذهب الآن لعملية التجميل، فما حكم إزالة الوشم بهذا؟ فكان جواب الشيخ ابن عثيمين لما سألته عن المسألة قال: يجوز أن يعمل العملية لإزالة هذا المنكر، لأنه فعل منكراً هنا في الجلد، فيجوز له أن يزيله بعملية تجميل.
لكن لو أتى إليك أحدهم وقال: أريد عملية تصغير الثدي، ووشر، وتفليج، وشد إلخ فهنا أشياء فيها تغيير واضح لخلق الله، وليس هناك داع وليس فيه عيب، وقد كان جواب الشيخ ابن عثيمين فيها واضح، حيث قال: هذه مثل التفليج فلا يجوز عملها.
وليس قصدي أن أطرح لكم أحكاماً تفصيلية في المواضيع بقدر ما أقصد أن أثير هذه النقاط عند إخواني الأطباء والطبيبات حتى يحصل فيها اهتمام وسؤال.
стр. 5183
قطع الأعضاء ودفنها
كذلك: عملية إسقاط الأجنة ما حكم إسقاط الجنين؟ قد تأتي بعض النساء اللاتي يفعلن الفاحشة -والعياذ بالله- وفي بطنها جنين، فتقول: تعال أسقط الجنين أيضاً الأعضاء المبتورة، قد تقطع يد، وقد تقطع رجل، إذا كان المرض سرطان، فهذه الأعضاء -كما يقول الشيخ ابن باز لما سألته عن هذه المسألة-: هذه أعضاء محترمة مصانة، لا بد أن تلف ولا بد أن تدفن، إلا الأشياء مثل الأظفار والشعر والمخلفات البسيطة؛ لأن الظاهر الآن أن بعض هذه الأشياء تجمع ويلقى بها في سلة المهملات أو في الزبالة أو في أي مكان، فهنا لا بد أن يراعى (ما قطع من حي فهو ميت) ولا بد أن هذا الشيء يصان ويدفن، ولا بد أن يكون فيها إجراءات، وأنتم بينكم وبين إدارة المستشفى تتواصون بالحق حتى هذه الأشياء لا تذهب هكذا.
مثلاً: الجنين الذي سقط إذا لم يأخذه أهله أين يذهب؟ إذا كان الجنين قد نفخ فيه الروح فلا بد من معاملته كجنازة كاملة، وأن يدفن في المقبرة، وإذا كان الجنين لم ينفخ فيه الروح أو كان شيئاً بسيطاً نزل فيدفن في أرض، لكن لا يشترط أن تكون مقبرة، لكن لا بد أن يدفن في أرض ولو لم تكن مقبرة، أما إذا كان الجنين لا بد من دفنه، كأن يكون سقط ومات وقد نفخت فيه الروح، فلا بد أن يدفن في المقبرة.
стр. 5184
عملية التشريح
كذلك: قضية التشريح يمكن أن يحدث تساهل -لا سمح الله- فيؤتى بجثة إنسان مسلم لتشرح، فإذا اكتشفت أنت بالقرائن وتبين لك أن هذه جثة مسلم فلا يجوز لك مطلقاً أن تشرح فيها، والرسول ﷺ يقول في الحديث الصحيح: (إن كسر عظم المؤمن ميتاً مثل كسره حياً) أتي لك بجثة، وتأتي بالمنشار الكهربائي وتفك الرأس وتخرج الدماغ، وتريد أن تفحص هذا على جثة أخيك لو أنت مكانه هل ترضى بهذا الكلام؟ فالأصل أن الأجساد محترمة فتدفن، ولا تبقى حتى على وجه الأرض، فإن الدفن واجب، لكن لضرورة التعليم يؤتى بأجساد ليست أجساد مسلمين، فيحصل فيها قضايا التعليم، ولذلك قال أهل العلم: ويحرم قطع شيء من أطراف الميت وإتلاف ذاته أو إحراقه ولو أوصى به.
وحتى في مسألة الجنين الذي يتحرك في بطن الأم الميتة تردد بعض الفقهاء في شق بطن الأم، وقالوا: يمكن أن يخرج الولد ويمكن أن يموت، فنكون قد شققنا بطن الميتة، لكن القول الراجح في هذا: أنه إذا غلب على ظن الطبيب أن الولد سيخرج حياً فيجوز له أن يشق بطن الأم الميتة لإخراج الولد الذي يغلب على الظن أنه سيعيش، لكن إذاك كان ميتاً والأم ميتة فلا تشق بطنها، وهناك قضايا تنبه لها العلماء، قالوا: لو أن امرأة نصرانية كافرة تزوجها رجل مسلم، وماتت وفي بطنها جنين قد نفخت فيه الروح، ومات الجنين معها، فكيف تدفن؟ حتى هذه المسألة فكروا فيها، فقالوا: تدفن الأم وظهرها إلى القبلة لماذا؟ لأن الجنين الذي في البطن جنين مسلم، والمسلم عند الدفن يوجه إلى القبلة، وهو في بطه أمه يكون وجهه إلى ظهرها، فعندما تدفن تكون هي موجهة إلى غير القبلة وظهرها إلى القبلة ليكون الولد المسلم في بطنها متوجهاً إلى القبلة.
وهنا جاءت مسألة أخرى: هذه امرأة كافرة هل يجوز قبرها في مقابر المسلمين؟ لا يجوز، لكن في بطنها ولد مسلم فهل يدفن في مقابر الكفار؟ لا يجوز، ولذلك كان الحل أن يقبر في مدفنة خاصة لا هي من مقابر المسلمين ولا من مقابر الكفار، أو جزء معين من المقبرة خاص لمثل هذه الحالة.
انظر إلى الفقهاء! هذه أمور من الدين ليست سهلة، ونحن الآن نفعل أشياء ولا نعرف ولا نفكر أصلاً ما هو الحكم في المسألة هذه! بقي عندنا حالة، أو فتوى في جهاز الإنعاش ودراسة، ملخص دراسة في الموضوع، ونقف عند هذه؛ لأنني أخشى أن أطيل عليكم، ولكن -أيها الإخوة- أذكركم أخيراً بمسألة مهمة بتقوى الله، واستشعار الأمانة، فهو أهم ما يعتمد عليها في مهنة الطب، قضية الأمانة التي يسميها الغربيون "شرف المهنة" ونحن نسميها "أمانة" أوصانا الله بها.
وأسأل الله لي ولكم السداد.
стр. 5185
سلامة الصدر من الأحقاد
لقد جاءت هذه الشريعة بإصلاح ذات البين؛ من أجل أن تكون العلاقة بين المؤمنين على أحسن ما يمكن؛ وتكون صدورهم سليمة، لكن الواقع اليوم مليء بالأحقاد والشحناء، والتي تسببها الغيبة والنميمة، وبعض الآفات الأخرى، وهذه المادة خطوة في طريق إصلاح هذه الاختلالات.
стр. 5186
سلامة الصدر وأهميته
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا مضل له، وأشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: عباد الله! إن هذه الشريعة جاءت فيما جاءت به إصلاح ذات البين، لأجل أن تكون العلاقة بين المؤمنين على أحسن ما يمكن، وأمر الله تعالى بإصلاح ذات البين لأجل حفظ سلامة الصدور، فقال الله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال:١] وجاءت الشريعة بكل الأمور التي تكفل سلامة صدر المسلم لأخيه، كما قال النبي ﷺ : (ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم: أفشوا السلام بينكم) كل هذه الإجراءات لسلامة لصدور، سلامة الصدر مطلب شرعي، وقيل للنبي ﷺ : (أي الناس أفضل؟ قال: كل مخموم القلب صدوق اللسان، قالوا: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: هو التقي النقي، لا إثم فيه ولا بغي، ولا ذل ولا حسد) رواه ابن ماجة وهو حديث صحيح.
عباد الله: لقد كثر اليوم في الناس الشحناء، وصارت الأحقاد في القلوب كثيرة، لقد صرنا نجد تقطع العلاقات، وحمل الناس في قلوب بعضهم على بعض، مع أن هذه الشريعة قد جاءت فيما جاءت به تصفية القلوب والنفوس ومراعاة المشاعر، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [النور:٢٨] علم الله تعالى أن بعض الناس إذا استأذن فلم يؤذن له وقيل له: ارجع، أنه قد يجد في نفسه على أخيه صاحب البيت، فقال الله معزياً ومسلياً حتى يرجع المؤمن ونفسه راضية عن أخيه المؤمن قال: ﴿فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [النور:٢٨] فسلاه وعزاه بالتزكية التي تحصل له في قلبه إذا رجع لما يقال له ارجع، ولذلك كان بعض السلف يفرح إذا قيل له: ارجع، ولم يؤذن له بالدخول؛ لأنه يريد موعود الله بحصول التزكية التي وعد الله ﴿هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [النور:٢٨].
وسلامة الصدر نعمة من النعم التي توهب لأهل الجنة حينما يدخلونها قال الله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧] فأهل الجنة لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلبٌ واحد، يسبحون الله بكرة وعشياً، كما جاء في صحيح البخاري ﵀.
سلامة القلب: طهارته من الحقد والغل للمسلم، وهذه راحة ونعمة، ولذلك أكدت عليها الشريعة حتى يعيش الناس في بحبوحة من أمرهم، وفي سلامة وعافية، فإن سلامة صدر المسلم لأخيه من أعظم الأسباب لتحقيق ذلك، وهذه مسألة صعبة ولا شك، فإن الإنسان قد يحسن مكابدة الليل وقيام ساعاته، ولكنه قد لا يستطيع أن يزيل من قلبه كل شيء فيه على إخوانه، وقد وصف العلماء ﵏ أخلاق طالب العلم فقالوا: لا مداهن، ولا مشاحن، ولا مختال، ولا حسود، ولا حقود، ولا سفيه، ولا جاف، ولا فظ، ولا غليظ، ولا طعان، ولا لعان، ولا مغتاب، ولا سباب، يخالط من الإخوان من عاونه على طاعة ربه، ونهاه عما يكرهه مولاه، ويخالط بالجميل من لا يأمن شره إبقاءً على دينه، سليم القلب للعباد من الغل والحسد، يغلب على قلبه حسن الظن بالمؤمنين في كل ما أمكن فيه العذر، لا يحب زوال النعم على أحدٍ من العباد، هذا دأب طالب العلم والداعية إلى الله والمتمسك بالدين، هذا حاله وهذا خلقه، لقد أثنى الله على الأنصار لأمر مهمٍ في غاية الأهمية قال الله : ﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ [الحشر:٩].
لما فضل المهاجرون على الأنصار كانت قلوب الأنصار سليمة لإخوانهم، ولم يعترضوا على تفضيلهم ولم يحسدوهم على ما آتاهم الله من فضله، وإنما كانت الأنصار كما قال الله: ﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ [الحشر:٩] أي: مما أوتي إخوانهم المهاجرون من الفضل: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩] لو كان بهم حاجة مع ذلك يؤثرون على أنفسهم.
إن مما يدل على صعوبة تحقيق سلامة الصدر هذه القصة العظيمة التي رواها الإمام أحمد وغيره: عن أنس بن مالك ﵁ قال: (كنا جلوساً مع الرسول ﷺ فقال: يدخل عليكم الآن رجلٌ من أهل الجنة، فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوئه، قد تعلق نعليه في يده الشمال، فلما كان الغد، قال النبي ﷺ مثل ذلك، فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى، فلما كان اليوم الثالث، قال النبي ﷺ مثل مقالته أيضاً، فطلع الرجل على مثل حاله الأولى، فلما قال النبي ﷺ تبعه -أي تبع الرجل الممدوح- عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال للرجل: إني لاحيت أبي فأقسمت ألا أدخل عليه ثلاثاً، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي -أي: هذه الأيام الثلاث- فعلت، قال: نعم، قال أنس: وكان عبد الله يحدث أنه بات معه تلك الليالي الثلاث فلم يره يقوم من الليل شيئاً، غير أنه إذا تعارَّ وتقلب على فراشه ذكر الله وكبر حتى يقوم لصلاة الفجر، قال عبد الله: غير أني لم أسمعه يقول إلا خيراً، فلما مضت الثلاث الليالي وكدت أن أحتقر عمله، قلت: يا عبد الله! إني لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا عداء، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول لك ثلاث مرار: يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة، فطلعت أنت الثلاث المرار، فأردت أن آوي إليك لأنظر ما عملك فأقتدي به، فلم أرك تعمل كثير عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله ﷺ ؟ فقال الرجل: ما هو إلا ما رأيت، قال: فلما وليت دعاني، فقال: ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشاً، ولا أحسد أحداً على خيرٍ أعطاه الله إياه، فقال عبد الله بن عمرو: هذه التي بلغت بك، وهي التي لا نطيق) حديث صحيح.
стр. 5187
حرص السلف على سلامة الصدر
إنها ليست مسألة سهلة أن يكون الإنسان دائماً سليم الصدر لإخوانه، ليس في قلبه غش ولا حقد ولا حسد على أحدٍ من إخوانه، إنه أمرٌ بالغ الصعوبة، ولكن يحصل بالمجاهدة، فمن وفقه الله له حصل له.
كان الصحابة رضوان الله عليهم يلتمسون إزالة أي شيء يحصل في صدر الأخ على أخيه، لما أتى أبو سفيان على سلمان وصهيب وبلال في نفر قالوا: (والله ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها، فقال أبو بكر مستدركاً -لعله يطيب خاطر الرجل الذي يرجى إسلامه- قال أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ قريشٍ وسيدهم -لعلها عبارة أراد أن يتألف بها قلب الرجل- فأتى النبي ﷺ فأخبره، فقال: يا أبا بكر لعلك أغضبت إخوانك من أجل هذا المشرك، -قبل إسلامه ﵁ يا أبا بكر لعلك أغضبتهم، لأن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك، فأتاهم أبو بكر فقال: يا إخوتاه! أغضبتكم؟ قالوا: لا.
ويغفر الله لك) رواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه.
فهذا يدل على أنه ينبغي على المسلم إذا خشي أن يكون أخوه المسلم قد أخذ عليه في نفسه، أن يسارع لتطييب خاطره والاعتذار إليه، وأن يتأكد بأن صفحة قلب أخيه لا زالت بيضاء، وأنه لم يتصرف تصرفاً يدخل في قلب أخيه شيئاً عليه.
وفي المقابل ينبغي على من اعتذر إليه أن يقبل العذر وأن يسارع إلى تطييب خاطر الآخر، وأن يدعو له بالمغفرة، يغفر الله لك يا أخي، لقد كانت المناشدة بأسلوبٍ غاية في المحبة، يا إخوتاه! أغضبتكم؟ تلك أخلاق الصديق رضي الله تعالى عنه.
وقد قال ابن عباس >-أيضاً- كلماتٍ تدل على صلاح قلبه لإخوانه ولجميع المسلمين، لما شتمه رجل قال له: [إنك لتشتمني وفي ثلاث خصال: إني لآتي على الآية في كتاب الله فلوددت أن جميع الناس يعلمون منها ما أعلم] ابن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن، دعا له النبي ﷺ بأن يعلمه الله القرآن، ففتح الله على ابن عباس أشياء كثيرة في تفسير كتابه، كان ابن عباس يتمنى أن جميع المسلمين يعلمون ما يعلم من تفسير الآية إذا مر بها، ولم يكن يتمنى أن يتفرد بالعلم، ليكون بارزاً بينهم، متميزاً عليهم، وإنما يتمنى أن كل المسلمين يعلمون منها ما يعلم، ثم قال: [وإني لأسمع بالحاكم من حكام المسلمين -أي القضاة الذين ينظرون في قضايا الناس- يعدل في حكمه فأفرح به، ولعلي لا أقاضي إليه أبدا] أفرح به لأجل مصلحة إخواني المسلمين، لأنه عادل أفرح لوجوده بين المسلمين، ولعلي لا أجد فرصة ولا علاقة لي بهذا الرجل ولا أتوقع أن أعرض قضية لي عليه، ثم قال ابن عباس: [وإني لأسمع أن الغيث قد أصاب بلداً من بلدان المسلمين فأفرح به، ومالي به سائمة] لا غنم ولا زرع في تلك البلد، ولكنني أفرح لأن مطراً أصاب بلداً من بلاد إخواني المسلمين فانتفعوا به، هذه أخلاق ابن عباس.
وأما أبو دجانة ﵁ لما دخل عليه وهو مريض كان وجهه يتهلل، فقيل له: [ما لوجهك يتهلل؟ فقال: ما من عمل شيء أوثق عندي من اثنتين: كنت لا أتكلم فيما لا يعنيني، -والأخرى- وكان قلبي للمسلمين سليماً].
وعن أبي حبيبة عمران بن طلحة قال: [أدخلت على علي ﵁ بعد وقعة الجمل -المعركة التي استشهد فيها طلحة - فرحب به، ثم أدناه، ثم قال لولد طلحة يطيب خاطره بعد مقتل أبيه: إني لأرجو أن يجعلني الله وأباك ممن قال الله فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧]] وهكذا مضى علماء هذه الأمة على هذا الطريق؛ طريق سلامة الصدر للمسلمين، فهذا شيخ الإسلام رحمه الله تعالى كان فيما يجمع من الخصال: سلامة الصدر لإخوانه من أهل العلم، مع أن بعضهم حصل لهم حسدٌ عليه، بل قاموا ضده، بل سعوا في سجنه، وألبوا عليه الحكام، ومع ذلك كان ممسكاً للسانه، وممسكاً لألسنة أصحابه أن تنال أحداً من أهل العلم، فقال في رسالته التي بعثها من السجن، قال لأصحابه خارج السجن، وهو يتوقع أن صدورهم كالغلال على أولئك الذين كانوا سبباً في جعله في ذلك السجن، يقول: تعلمون رضي الله عنكم أني لا أحب أن يؤذى أحدٌ من عموم المسلمين، فضلاً عن أصحابنا بشيء أصلاً، لا ظاهراً ولا باطناً، ولا عندي عتبٌ على أحدٍ منهم ولا لومٌ أصلاً، بل هم عندي من الكرامة والإجلال والمحبة والتعظيم أضعاف أضعاف ما كان، كلٌ بحسبه، ولا يخلو الرجل من أن يكون مجتهداً مصيباً، أو مخطئاً، أو مذنباً، فالأول مأجور مشكور، والثاني مع أجره على الاجتهاد معفوٌ عنه مغفور له، والثالث المذنب فالله يغفر لنا وله ولسائر المؤمنين, فنطوي بساط الكلام المخالف لهذا الأصل، لا تتكلموا بأي عبارة، كقول القائل: فلان قصر، فلان ما عمل، فلان أوذي الشيخ بسببه، فلان كان سبب هذه القضية، فلان كان يتكلم في كيد فلان، ونحو هذه الكلمات التي فيها مذمة لبعض الأصحاب والإخوان، فإني لا أسامح من آذاهم من هذا الباب، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
قال ابن القيم ﵀: كان بعض أصحاب ابن تيمية الأكابر يقولون: وددت أني لأصحابي كـ ابن تيمية لأعدائه وخصومه، وما رأيته يدعو على أحدٍ من خصومه قط، بل كان يدعو لهم، وجئته يوماً مبشراً بموت أكبر أعدائه وأشدهم عداوة وأذىً له، من أصحاب المذاهب، فنهرني وتنكع لي واسترجع وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، أما أخبرت بموت الرجل، ثم قام من فوره إلى بيت أهله -أي أهل الميت- فعزاهم وقال: إني لكم مكانه، ولا يكون لكم أمرٌ تحتاجون فيه إل مساعدة إلى وساعدتكم فيه، فسروا به ودعوا له.
وقال ابن مخلوف -وكان من أشد الناس عداوة لـ ابن تيمية ﵀، بل أفتى بقتله- كان يقول: ما رأينا مثل ابن تيمية حرضنا عليه فلم نقدر عليه، وقدر علينا فصفح عنا وحاجج عنا، ذلك أن الأيام قد دارت وتولى السلطان الناصر وقرب شيخ الإسلام، وأراد أن ينتقم له من أعدائه ممن أمر بسجنهم ولكنه ﵀ أبى ذلك، وقال: إن قتلتهم من أين تأتي بمثلهم، وهم علماؤك ونحو ذلك من الكلام حتى سكنه.
عباد الله: (إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب) كلمة قالها النبي ﷺ لأصحابه: (إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب) في ذلك الوقت قال هذه الكلمة: (ولكن في التحريش بينهم) فالشيطان هو الذي يئز هذا على هذا، ويريد أن يحقد هذا على هذا، وينفخ في نفس هذا، ويريد أن يمتلئ القلب غيظاً على أخيه، فلنحرص على تجنب عداوة اللعين الذي طرده الله من رحمته وأبعده إلى يوم الدين، ولنعلم أن كل حقدٍ أو حسد مصدره هذا الشيطان، وكذلك لنعلم أن الحقد على المسلم أو الحسد له يعرض الإنسان لرد عمله وحرمانه من الفضل العظيم، قال النبي ﷺ : (تعرض الأعمال كل إثنين وخميس فيغفر الله لكل امرئ لا يشرك به شيئاً، إلا امرءاً كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقول: اتركوا هذين حتى يصطلحا) رواه مسلم.
فلذلك المشاحن لأخيه يحرم من المغفرة يوم الإثنين والخميس؛ بسبب الشحناء، وبسببها حرم الناس من معرفة ليلة القدر على التعيين.
كما أن هذا الحقد بين المسلمين سببٌ لسوء الخاتمة، قال ﵊ (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثٍ، فمن هجره فوق ثلاثٍ فمات دخل النار) رواه أبو داود وهو حديث صحيح.
نسأل الله أن يجعل قلوبنا سليمة لإخواننا المسلمين، اللهم طهر قلوبنا من كل غلٍ وحقدٍ وحسدٍ وغش، اللهم اجعل قلوبنا تقية نقية، واجعلها سليمة يا رب العالمين، واجعلنا ممن يأتيك يوم القيامة بقلبٍ سليم، واغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا إنك رءوف رحيم.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم، وتقاربوا وأفسحوا لإخوانكم يفسح الله لكم.
стр. 5188
باب وحر الصدر
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى أزواجه وذريته الطيبين الطاهرين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
عباد الله: إنه ينبغي الكف عن أعراض المسلمين، وإن من أعظم الأشياء التي تسبب وحر الصدر الغيبة والنميمة، وهما أمران عظيمان، فكم صار بين المسلمين أحقاد بسببهما، وكم جرت من مآسي في انفصام عرى الأخوة بين أطرافهما، ولذلك كان حرياً بالمسلم أن يمسك لسانه عن الفري في أعراض المسلمين، وكم من رجلٍ متورعٍ عن الفواحش والظلم، ولسانه يفري في أعراض الأحياء والأموات، وربما تورع بعضهم عن أكل بعض اللحم المستورد وهو لا يزال يأكل لحم إخوانه: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً﴾ [الحجرات:١٢].
وكذلك لنتوجه عن تتبع العثرات وتسقط العيوب، فإن الاشتغال بعيوب النفس يشغل عن عيوب الغير، وقد قال الإمام مالك ﵀: "كان هنا -يعني: بـ المدينة - أناسٌ لهم معايب، فسكتوا عن عيوب الناس، فنسيت عيوبهم، وكانت أناسٌ لهم معايب، فتكلموا في عيوب الناس فبقيت عيوبهم وذكرت من بعدهم" ثم إن النفس الأصل فيها الجهل والظلم والتعدي على الخلق، فلذلك يرى الإنسان كما قال النبي ﷺ : (يبصر أحدكم القذى في عين أخيه، وينسى الجذع في عينه) فهو يبصر أخطاء الناس وإن دقت، وينسى أخطاءه هو.
وكذلك ينبغي على الإنسان ليسلم صدره لأخيه أن يترك المراء والجدال والخصومة، فإن من أكثر ما يحدث الحقد والضغائن بين الإخوة: المراء، والجدل، والنقاش العتيل، وكذلك فإنه ينبغي الحذر من التعصب، فكم كان التعصب سبباً في إثارة الأحقاد والضغائن، قال يوسف الصدفي ﵀: ما رأيت أعقل من الشافعي، ناظرته يوماً في مسألة ثم افترقنا، ولقيني فأخذ بيدي ثم قال: يا أبا موسى! ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في مسألة واحدة؟ إذاً الخلاف في الرأي لا يفسد الود بين المسلمين، لا يفسد للود قضية.
ثم إن التعصب لغير الحق، لمذهبٍ، أو قبيلة، أو حزبٍ، أو جماعة، أو شخص تقليداً أو حمية من أعظم الأسباب التي تورث الضغائن بين المسلمين، قال شيخ الإسلام ﵀: ومن نصب شخصاً كائناً من كان، فوالى وعادى على موافقته في القول والفعل، فهو من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً.
فكان التعصب سبباً عظيماً لوقوع العداوة والبغضاء بين المسلمين.
وقال الشيخ ابن القيم: وإنما كثر الاختلاف وتفاقم أمره بسبب التقليد وأهله، وهم الذين فرقوا الدين، وصنفوا أهله شيعاً كل فرقة تنصب متبوعها وتدعو إليه، وتذم من خالفها ولا يرون العمل بقولهم، حتى كأنهم ملة أخرى سواهم يدأبون ويكدحون في الرد عليهم، ويقولون: كتبهم وكتبنا، وأئمتهم وأئمتنا، ومذهبهم ومذهبنا، هذا والنبي واحد، والدين واحد، والرب واحد، ولذلك كان لا بد من ترك هذا التعصب، والحوار بالحسنى، والمباحثة في مسائل العلم بصدر متسع، وأن ينشد الجميع صحة الدليل والفهم السليم.
عباد الله: إن التنافس في الدنيا من الأشياء التي توغر الصدور، لماذا حرمت الشريعة بيع المسلم على المسلم، وشراء المسلم على المسلم، وسوم المسلم على المسلم؟ حتى في حال المساومة لا يجوز أن تدخل بينه وبينه، وخطبة المسلم على خطبة أخيه، لأن الشريعة تريد المحافظة على صدور المسلمين نقية، وقال ﵊: (أوغير ذلك؟ تتنافسون، ثم تتحاسدون، ثم تتدابرون، ثم تتباغضون) قالها لما بشرهم بما يفتح عليهم من فارس والروم.
وكذلك فإن حب الرئاسة هو من أعظم أسباب الحقد على الإخوان، قال الفضيل ﵀: ما من أحدٍ أحب الرئاسة إلا حسد وبغى، وتتبع عيوب الناس، وكره أن يُذكر أحد بخير.
ثم إن هناك بعض الأمور التي يتساهل فيها بعض الناس، ولها صلة وثيقة بقضية اختلاف القلوب، مثل اختلاف الصفوف للصلاة، وعدم تسوية الصفوف، وسد الفرج، والتقدم والتأخر، وعدم الإتمام من الجانبين، قال النبي ﷺ : (لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم).
وينبغي على المسلم أن يترك كل ما يكون سبباً للعداوة كالمزاح الثقيل، والنجوى بين اثنين التي تحزن الثالث، وليكن الشعار الدعاء دائماً وأبداً، بأن يجعل الله قلبه سليماً، قال الله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠].
عباد الله: إن الهدية تذهب وحر الصدر كما قال النبي ﷺ : (تهادوا تحابوا) فلو كان بين إنسان وأخيه شيءٌ فأهدى له هدية، فلا شك أن مثل هذه الهدية كفيلة في الغالب بإذهاب ما في القلب، فهذه من العلاجات الشرعية.
عباد الله: إن بعض الناس لا يفرق بين صاحب القلب السليم الطيب، وبين الإنسان المغفل الساذج، ويظن أنه عندما يقول: فلان قلبه طيب أي: مغفل وساذج، وأن الدعوة إلى أن يكون الشخص طيب القلب سليم القلب، يعني: أن يكون مغفلاً ساذجاً، كما يقولون: على نياته، فما هو الفرق بين المغفل والساذج، وبين الإنسان سليم الصدر طيب القلب الذي ننشده ونتحدث عنه؟ قال شيخ الإسلام ﵀: القلب السليم المحمود هو الذي يريد الخير لا الشر، وكمال ذلك بأن يعرف الخير والشر، إذاً ليس أن يكون مغفلاً أمراً مطلوباً، أن يكون الإنسان مغفلاً لا يدري عن طرق أعداء الله، ولا يدري عن وسائل المجرمين؛ المجرمون لهم وسائل في اصطياد الناس، والمخدرات، وأوكار الرذيلة، وجر الناس إلى الفساد، ومن المهم بالذات في هذا الوقت، وفي هذا الزمان أن يكون المسلم واعياً منتبهاً، فكثير من الناس قد جروا إلى فاحشة، وجروا إلى مسكرات ومخدرات، وجروا إلى محرمات، بسبب الغفلة والسذاجة، مغفل لا يدري عن طرق أهل الشر، وليس هذا هو سليم الصدر طيب القلب الذي ننشده، نعم.
ربما يكون حاله في الإثم مختلفاً عن حال القاصد الذي يعلم الشر وينجر إليه، ولكن على المسلم أن يكون نبيهاً غير مغفلاً، قال ابن القيم ﵀ معقباً على كلام شيخ الإسلام الذي قال فيه: فأما من لا يعرف الشر فذاك نقص فيه لا يمدح به.
عبارة ذهبية، قال ابن القيم ﵀: الفرق بين سلامة القلب، وبين أن يكون أبله مغفل: أن سلامة القلب تكون مع عدم إرادة الشر بعد معرفته، فيسلم قلبه من إرادته وقصده، لا من معرفته والعلم به، هذا بخلاف البله والغفلة فإنها جهل وقلة معرفة، وهذا نقص لا يحمد به صاحبه، فالأمر كما قال عمر ﵁: [لست بخب ولا يخدعنا الخب، وكان عمر أعقل من أن يُخدع، وأورع من أن يَخدع] قال عمر ﵁: لست بخبٍ يعني: لست بلئيم ولا مخادع، لست بخبٍ ولكن في نفس الوقت الذي لست بخبٍ قال عمر: ولا يخدعنا الخب، وكان عمر أعقل من أن يخدع وأورع من أن يخدع، فهذا الذي نريده، نريد مسلماً يعرف طرق الشر، ويعرف أهل الشر وهو نبيه فطن، ولكنه لا يريد شراً لأحد، ولا يخدع أحداً، فإذا وصل المسلم ووصل المسلمون إلى هذا الحد، فهذا ما نتمناه.
فينبغي التفرقة إذاً بين المغفل الأبله، وبين طيب القلب الممدوح شرعاً.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من المتفقهين لأهل الشر وكيدهم، وأن يباعد عنا كيد الفجار وشر الأشرار إنه سميعٌ مجيب.
اللهم اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم.
اللهم انصر المجاهدين في سبيلك يا رب العالمين، وأهلك أعداء الدين إنك على كل شيء قدير، اللهم أخرج اليهود من بيت المقدس أذلة صاغرين، اللهم اجعلنا في بلادنا آمنين مطمئنين، واجعلهم في ديارهم خائفين مذعورين، واغفر لمن قتل في سبيلك يا رب العالمين.
اللهم اغفر لنا ولآبائنا ولمن مات من المسلمين على التوحيد يا رب العالمين، واجعلنا ممن يلقاك بقلبٍ سليم.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 5189
سيرة سفيان الثوري
إننا بحاجة إلى معرفة سير سلفنا الصالح، أولئك الرجال الأفذاذ الذين أنجبتهم هذه الأمة المباركة المعطاءة، وذلك حتى نسير على ما ساروا عليه، ونترسم خطاهم ونقتفي آثارهم، فإنهم هم القدوة الحسنة لمن أراد الاقتداء، وهم خير متَّبع لتابع من أولئك الرجال الأفذاذ سفيان الثوري ﵀ فقد تكلم الشيخ عن جوانب من سيرته الفذة، وذكر بعض أقوال العلماء في الثناء عليه، وذكر بعض فضائله.
стр. 5190
أهمية معرفة سير السلف
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.
لقد ضيعت هذه الأمة فيما ضيعت حفظ سير السلف والتعرف على رجالاتها في القرون الماضية، يوم أن التفتنا إلى أسماء اللاهين واللاعبين، وسير العابثين والفاسقين، ضيعنا من ضمن ما ضيعنا سير الأجداد المصلحين، والآباء الفاتحين، والعلماء العاملين.
أيها المسلمون: إن ديناً في رقابنا أن نتعرف على سير أسلافنا، وخصوصاً رجال خير القرون الذين مضوا وخلفوا سيراً وعبراً.
إن سير أولئك الرجال لتبعث في النفس الشجاعة في الحق، والحماسة في طلب العلم، والسعي لتغيير المنكر، والقيام لله بالعبادة، وسائر الفوائد التي تنبع من دراسة سير أولئكم الأفذاذ.
стр. 5191
سيرة سفيان الثوري ﵀
ونحن مع سيرة رجل من الرجال الذين أنجبتهم هذه الأمة إنه عَلَم بحق، كان رأساً في العلم، ورأساً في الزهد والورع وإنكار المنكر والجهر بالحق والعبادة والحفظ رحمه الله تعالى ورضي عنه وأرضاه، وقل من الناس من يعرفه، فلا تكاد ترى له عند العامة ذكراً أو تسمع له عندهم حساً وخبراً.
стр. 5192
نسبه ومولده
إنه أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق بن حبيب الثوري رحمه الله تعالى، من قبيلة ثور، وهي قبيلة من مضر، ولد ﵀ سنة سبع وتسعين للهجرة، ودرس على أبيه سعيد بن مسروق، الذي كان ثقة عند المحدثين، وأخرج له أصحاب الكتب الستة.
стр. 5193
طلبه للعلم ورحلته
طلب سفيان العلم وهو حدثٌ باعتناء والده المحدث الصادق، وأمه كان لها أثر حسن في توجيهه، قالت أم سفيان لـ سفيان: يا بني! اطلب العلم وأنا أكفيك بمغزلي.
كانت تعمل بالغزل وتقدم لولدها نفقة الكتب والتعلم وقالت له مرة: يا بني! إذا كتبت عشرة أحرف فانظر هل ترى في نفسك زيادة في خشيتك وحلمك ووقارك، فإن لم تر ذلك فاعلم أنها تضرك ولا تنفعك! من هذا البيت خرج هذا الرجل، فالتربية التربية يا عباد الله! فإن النشء يخرج هكذا.
أفنى عمره في طلب العلم وطلب الحديث، وقال ﵀: لما أردت أن أطلب العلم قلت: يا رب! لا بد لي من معيشة، ورأيت العلم يُدرس -أي: يذهب ويندثر تدريجياً- فقلت: أفرغ نفسي في طلبه، قال: وسألت الله الكفاية.
وقال: أنا في هذا الحديث منذ ستين سنة.
وقال: ينبغي للرجل أن يكره ولده على طلب الحديث، فإنه مسئول عنه.
وكان ﵀ يقول: لا نزال نتعلم العلم ما وجدنا من يعلمنا.
وقال: لو لم يأتني أصحاب الحديث ليسمعوا ويكتبوا لأتيتهم في بيوتهم.
وبلغ عدد شيوخه ستمائة شيخ، وعن المبارك بن سعيد قال: رأيت عاصم بن أبي النجود -وكان شيخاً جليلاً- يجيء إلى سفيان الثوري يستفتيه، ويقول: يا سفيان! أتيتنا صغيراً وأتيناك كبيراً.
أي: أتيتنا صغيراً تطلب العلم عندنا فتفوقت علينا فجئناك وأنت كبير وكان يكتب ويتعلم حتى آخر عمره يشتغل بطلب العلم.
دخلوا على سفيان في مرض موته، فحدثه رجل بحديث أعجبه، فضرب سفيان بيده إلى تحت فراشه فأخرج ألواحاً فكتبه -كتب الحديث وهو على فراش الموت- فقالوا له: على هذه الحال منك! فقال: إنه حسن! إن بقيت فقد سمعت حسناً، وإن مت فقد كتبت حسناً.
رحل إلى مكة والمدينة، وحج ولم يخط وجهه بعد، وزار بيت المقدس، ورحل إلى اليمن للقاء معمر، وكانت أسفاره ما بين طلب علم وتجارة وهرب كان نابغة بحق.
عن الوليد بن مسلم قال: رأيت سفيان الثوري بـ مكة يستفتى ولم يخط وجهه بعد.
وعن أبي المثنى قال: سمعت الناس بـ مرو يقولون: قد جاء الثوري قد جاء الثوري، فخرجت أنظر إليه فإذا هو غلام قد بقل وجهه.
أي: نبت شعره من قريب، كان ينوه بذكره في صغره من فرط ذكائه وقوة حفظه.
وقال محمد بن عبيد الطنافسي: لا أذكر سفيان الثوري إلا وهو يفتي، أذكره منذ سبعين سنة، ونحن في الكتاب تمر بنا المرأة والرجل فيسترشدوننا إلى سفيان يستفتونه ويفتيهم، ولما رآه أبو إسحاق السبيعي مقبلاً في صغره تمثل بقول الله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً﴾ [مريم:١٢].
стр. 5194
حفظه للحديث
كان ذا حافظة عجيبة، قال سفيان عن نفسه: ما استودعت قلبي شيئاً قط فخانني.
وكانوا يقدمونه في الحفظ على مالك وعلى شعبة، وقال يحيى القطان: ليس أحد أحب إليَّ من شعبة ولا يعدله أحد عندي، وإن خالفه سفيان أخذت بقول سفيان.
وقد خالفه في نحو من خمسين موضعاً في حفظ الأحاديث، وكان الحق فيها مع سفيان.
وكان ليله يُقسم جزأين: جزء لقراءة القرآن وقيام الليل، وجزء لقراءة الحديث وحفظه، وكان حفظه يبلغ نحواً من ثلاثين ألفاً، وقال ابن عيينة: ما رأيت رجلاً أعلم بالحلال والحرام من سفيان الثوري.
وقال شعيب بن حرب: إني لأحسب أن يُجاء غداً بـ سفيان حجة من الله على خلقه يقول لهم: لم تدركوا نبيكم قد أدركتم سفيان.
وقال أبو بكر بن عياش: إني لأرى الرجل يصحب سفيان فيعظم في عيني.
كانت مرافقة الرجل له شرف وقال عبد الرحمن بن مهدي ﵀: كنا نكون عند سفيان فكأنه قد أوقف للحساب من خشيته لله، فلا نجترئ أن نكلمه وهو في تلك الحال من الخشية، فنعرض بذكر الحديث، ونذكر في الكلام بيننا شيئاً عن الحديث، فيذهب ذلك الخشوع فإنما هو حدثنا وحدثنا، ويبدأ بالتحديث.
وكان يطلب سماع الحديث وهو مستخف لما هرب واضطر للاختفاء كان وهو مستخف يطلب العلم، قال سليمان بن المثنى: قدم علينا سفيان الثوري، فأرسل إليَّ: إنه بلغني عنك أحاديث وأنا على ما ترى من الحال، فائتني إن خف عليك، قال: فأتيته فسمع مني، وفعل ذلك بعدد من أصحابي.
وقال ابن المبارك عن سفيان: كنت أقعد إلى سفيان الثوري فيحدث، فأقول: ما بقي شيء من علمه إلا وقد سمعته، ثم أقعد عنده مجلساً آخر فأقول: ما سمعت من علمه شيئاً.
стр. 5195
عمله بالعلم
وقال عبد الرحمن بن مهدي: سمعت سفيان يقول: ما بلغني عن رسول الله ﷺ حديث قط إلا عملت به ولو مرة واحدة.
كان يحس بالمسئولية، ويخشى أن يقابل الله فيسأله عن كل حديث حفظه: لأي شيء حفظته؟ وهل عملت به؟ رحمه الله تعالى.
стр. 5196
ورعه في الفتوى
ومع علمه كان ورعاً في الفتوى لا يتسرع في الإجابة، قال مروان بن معاوية: شهدت سفيان الثوري وسألوه عن مسألة في الطلاق، فسكت وقال: إنما هي الفروج أي: أخاف أن أفتي بالحل وهي محرمة عليه، فأتسبب في الوقيعة والوقوع في فرج لا تحل له.
وقال ابن أسباط: سئل الثوري وهو يشتري عن مسألة، فقال للسائل: دعني فإن قلبي عند درهمي فلست متفرغاً لأفتيك، وقد أخطئ وأنا منشغل بالبيع والشراء.
стр. 5197
دقته في الاستنباط
وكان له دقة عجيبة في الاستنباط والفقه، فعن الفريابي قال: رأينا سفيان الثوري بـ الكوفة، وكنا جماعة من أهل الحديث، فنزل في دار، فلما حضرت صلاة الظهر دلونا دلواً من بئر في الدار، فإذا الماء متغير -متغير بشيء من النجاسة- فقال: ما بال مائكم هذا؟ قلنا: هو كذا منذ نزلنا هذه الدار، فقال: ادلوا دلواً من ماء البئر التي قبلكم، فإذا ماء أبيض، فقال: ادلوا دلواً من بئر الدار التي شرقيكم، فإذا ماء أبيض، ثم قال: ادلوا دلواً من بئر الماء التي غربيكم، فإذا هو ماء أبيض، فقال: ادلوا دلواً من ماء البئر التي شأمكم، فدلوا دلواً فإذا هو ماء أبيض، فقال: إن لبئركم هذه شأناً، كل ما حولها من الآبار نظيفة إلا هذه التي أنتم فيها، فحفرنا فأصبنا عرق كنيف ينزل فيها -عرق من مرحاض ينزل إلى هذه البئر فينجسها- فقال: منذ كم نزلتم هذه الدار؟ فقلنا: منذ أربع سنين، فأمر بإعادة صلاة أربع سنين.
وكان -رحمه الله تعالى- حكيماً في تعليمه، وكان يقول: إذا كنت في الشام فاذكر مناقب علي؛ لأن بعضهم في تلك البلد كانوا يشتمون علياً، وإذا كنت في الكوفة فاذكر مناقب أبي بكر وعمر؛ لأن بعض المتشيعين في الكوفة كان يقع في أبي بكر وعمر.
وقال ابن المبارك ﵀: تعجبني مجالس سفيان الثوري، كنت إذا شئت رأيته في الحديث، وإذا شئت رأيته في الفروع، وإذا شئت رأيته مصلياً، وإذا شئت رأيته غائصاً في الفقه.
стр. 5198
عبادته وخشيته لله
وكانت عبادته عظيمة -رحمة الله عليه- قال يوسف بن أسباط: قال لي سفيان بعد العشاء: ناولني المطهرة أتوضأ، فناولته فأخذها بيمينه ووضع يساره على خده، فبقي مفكراً، فنمت ثم قمت وقت الفجر فإذا المطهرة في يده كما هي، فقلت: هذا الفجر قد طلع! قال: لم أزل منذ ناولتني المطهرة أتفكر في الآخرة حتى هذه الساعة.
وكان عجيباً في قيامه لليل، كان يقوم الليل حتى الصبح في أيام كثيرة، وكان يرفع رجليه على الجدار بعد قيام الليل حتى يعود الدم إلى رأسه، وكان إذا أكل اجتهد في القيام بزيادة، أكل مرة طعاماً ولحماً ثم تمراً وزبداً، ثم قال: أحسن إلى الزنجي -أي: العبد- أحسن إلى الزنجي وكده.
ومرة قدم على عبد الرزاق، فقال عبد الرزاق: طبخت له قدر سكباج -لحم مع خل- فأكل، ثم أتيته بزبيب الطائف فأكل، ثم قال: يا عبد الرزاق! اعلف الحمار ثم كده، وقام يصلي حتى الصباح.
وقال علي بن الفضيل: رأيت الثوري ساجداً، فطفت سبعة أسابيع -سبعة أشواط حول الكعبة- قبل أن يرفع رأسه وقال ابن وهب: رأيت الثوري في الحرم بعد المغرب سجد سجدة فلم يرفع رأسه حتى نودي للعشاء.
وكانت خشيته لله أبلغ من أن توصف، قال قبيصة: ما جلست مع سفيان مجلساً إلا ذكرت الموت، وما رأيت أحداً أكثر ذكراً للموت منه.
وقال يوسف بن أسباط: كان سفيان إذا أخذ في ذكر الآخرة يبول الدم من خشيته لله .
وقال سفيان: البكاء عشرة أجزاء: جزء لله، وتسعة لغير الله، فإذا جاء الذي لله في العام مرة فهو كثير.
стр. 5199
زهده وورعه وتواضعه
وكان زاهداً أقبلت عليه الدنيا فتركها وأخذ كفايته حتى لا يحتاج إلى الناس، وربما اشتغل ببيع وشراء لأجل ألا يحتاج إلى الناس ولا يمد يده، وكان له وصايا في الزهد، فكان يقول: ليس الزهد بأكل الغليظ ولبس الخشن، ولكن قصر الأمل وارتقاب الموت.
وكان يوصي من يخرج في سفر ألا يخرج مع من هو أغنى منه، فيكون إن ساويته بالنفقة أضر بك، إذا أنفقت مثله وهو أغنى منك أضر بك، وإن أنفقت أقل منه ظهرت كأنك بخيل، فاخرج مع من هو مثلك.
وأما إنكاره للمنكر فكان شائعاً كثيراً، قال شجاع بن الوليد: كنت أحج مع سفيان فما يكاد لسانه يفتر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ذاهباً وراجعاً.
وكان استشعاره لمسئولية إنكار المنكر عظيمة، وخصوصاً الشيء الذي لا يستطيع تغييره، فعن سفيان قال: إني لأرى الشيء يجب عليَّ أن أتكلم فيه فلا أفعل فأبول الدم.
وعن ابن مهدي قال: كنا مع الثوري جلوساً بـ مكة، فوثب وقال: النهار يعمل عمله قوموا نعمل، الجلوس إذا كان مضيعة للوقت لا خير فيه.
وتواضعه كان عجيباً، وإزراؤه على نفسه كان كثيراً، قال ابن مهدي: بت عنده فجعل يبكي فقيل له عن سبب بكائه، فقال: لذنوبي عندي أهون من ذا -ورفع شيئاً من الأرض- ولكني أخاف أن أسلب الإيمان قبل أن أموت! كان يخشى الله في علمه وعمله، وهذه صور من التقوى والورع، وما خفي علينا ولم ينقل إلينا أعظم بكثير.
стр. 5200
منزلته بين العلماء
وكذلك فإنه من أئمة الدنيا وطلاب العلم الكبار والعلماء الأفذاذ بقي بن مخلد ﵀ كان من علماء الأندلس، رحل من الأندلس إلى بغداد لملاقاة الإمام أحمد ﵀، وحصلت له قصة عجيبة مع الإمام أحمد قال فيما يروى عنه: لما قربت من بغداد اتصل بي خبر المحنة التي دارت على أحمد بن حنبل المحنة التي جرت على الإمام أحمد معروفة، وكان مما حصل على الإمام أحمد سجن وضرب، وحصل عليه إقامة جبرية، وحصل عليه منع من التحديث والتدريس.
بقي بن مخلد رجل من الأندلس جاء إلى بغداد لملاقاة أحمد بن حنبل، فوجده مضروباً عليه الإقامة الجبرية والمنع من التدريس، ولا أحد يستطيع أن يقترب من بيت الإمام أحمد، فماذا فعل؟ قال: فاغتممت لذلك غماً شديداً، فلم أعرج على شيء بعد إنزالي متاعي في بيت اشتريته في بعض الفنادق أن أتيت المسجد الجامع الكبير -أنزل العفش في الفندق وجاء إلى الجامع الكبير- قال: وأنا أريد أن أجلس إلى الحلق وأسمع ما يتذاكرون، فدفعت إلى حلقة نبيلة، فإذا برجل يكشف عن الرجل فيضعف ويقوي فلان ثقة فلان ضعيف، وهكذا فقلت لمن كان بقربي: من هذا؟ قالوا: هذا العالم يحيى بن معين، فرأيت فرجة قد انفرجت قربه -قرب الشيخ- فقمت إليه فقلت له: يا أبا زكريا رحمك الله! رجل غريب نائي الدار، أردت السؤال فلا تستخفني، فقال لي: قل، فسألت عن بعض من لقيته من أهل الحديث، فبعضاً زكى وبعضاً جرح، فسألته في آخر السؤال عن هشام بن عمار فقال: صاحب صلاة، دمشقي ثقة وفوق الثقة إلخ.
стр. 5201
ابتعاده عن الأمراء والسلاطين ونصحه لهم
ولما استخلف المهدي بعث إلى سفيان فلما دخل عليه خلع خاتمه -الخليفة يخلع خاتمه لـ سفيان - فرمى به إلى سفيان وقال: يا أبا عبد الله! هذا خاتمي فاعمل في هذه الأمة بالكتاب والسنة.
فأخذ الخاتم بيده وقال: تأذن بالكلام يا أمير المؤمنين! قال السامع للراوي: قال له: يا أمير المؤمنين! قال: نعم.
فقال الخليفة: نعم.
يأذن له بالكلام.
قال: أتكلم على أني آمن؟ قال: نعم.
قال سفيان: لا تبعث إليَّ حتى آتيك، ولا تعطني حتى أسألك.
قال: فغضب الخليفة وهمَّ به، فقال له كاتبه: أليس قد آمنته؟ قال: بلى.
فلما خرج سفيان حس به أصحابه، فقالوا: ما منعك وقد أمرك أن تعمل في الأمة بالكتاب والسنة؟! فاستصغر عقولهم وخرج هارباً إلى البصرة، وكان يقول: ليس أخاف إهانتهم، إنما أخاف كرامتهم فلا أرى سيئتهم سيئة.
أي: إذا أكرموني تغاضيت عن الحق ولا أرى سيئتهم سيئة.
وكان ينكر عليهم الإسراف في الولائم في مواسم الحج، فعن محمد بن يوسف الفريابي: سمعت سفيان يقول: أُدخلت على أبي جعفر بـ منى فقلت له: اتق الله، فإنما أنزلت في هذه المنزلة وصرت في هذا الموضع بسيوف المهاجرين والأنصار وأبنائهم وهم يموتون جوعاً، حج عمر فما أنفق إلا خمسة عشر ديناراً وكان ينزل تحت الشجر.
فقال الخليفة لـ سفيان: أتريد أن أكون مثلك؟ قلت: لا.
ولكن دون ما أنت فيه وفوق ما أنا فيه.
فقال: اخرج.
ولما أُدخل على المهدي بـ منى وسلم عليه بالإمرة، فقال الخليفة: أيها الرجل! طلبناك فأعجزتنا، فالحمد لله الذي جاء بك، فارفع إلينا حاجتك.
قال: وما أرفع؟ حدثني إسماعيل بن أبي خالد قال: حج عمر فقال لخازنه: كم أنفقت؟ قال: بضعة عشر درهماً، قال عمر: أسرفنا! وإني أرى هنا أموراً لا تطيقها الجبال.
стр. 5202
تنقله في البلاد هارباً ودفنه لكتبه
أما هرب سفيان وتنقله في البلاد هارباً فترة من عمره ودفنه لكتبه، فكان بسبب أن الخليفة أبا جعفر أراده على القضاء، فأبى أن يتولاه، فأراد أن يلزمه به، وكان يسجن ويضرب حتى يرضخ القاضي للقضاء، فهرب سفيان، ولا زال هارباً متخفياً، وهو مع هربه يطلب الحديث ويطلب العلم ويعبد الله قال أبو أحمد الزبيري: كنت في مسجد الخيف مع سفيان والمنادي ينادي: من جاء بـ سفيان فله عشرة آلاف.
وقيل: إنه من أجل الطلب والملاحقة هرب إلى اليمن، فاتهموه -وهم لا يعرفونه في اليمن - بأنه سرق شيئاً؛ فأتوا به والي اليمن معن بن زائدة، وكان عنده خبر من الخليفة بشأن طلب سفيان، فقيل للأمير: هذا قد سرق منا، فقال: لم سرقت متاعهم؟ قال سفيان: ما سرقت شيئاً.
فقال لهم الأمير: تنحوا حتى نسائله -حتى أحقق معه- ثم أقبل على سفيان فقال: ما اسمك؟ فقال: عبد الله بن عبد الرحمن، وأراد ألا يكذب ولا يذكر اسمه لأنه مطلوب عند الخليفة، فقال الأمير: نشدتك بالله لما انتسبت سأله بالله، فكان لا بد أن يجيب، قال: فقلت: أنا سفيان بن سعيد بن مسروق، قال: الثوري؟ فقلت: الثوري، قال: أنت بغية أمير المؤمنين؟ قلت: أجل! فأطرق ساعة يفكر ثم قال: ما شئت أقم ومتى شئت فارحل، فوالله لو كنت تحت قدمي ما رفعتها.
أي: أحميك وأدافع عنك، وكان معن بن زائدة فيه خير كثير.
وهرب إلى البصرة أيضاً، قال ابن مهدي: قدم سفيان البصرة والسلطان يطلبه، فصار إلى بستان، فأجر نفسه لحفظ الثمار، صار ناقوراً حارساً يحفظ الثمار، فمر به بعض العشارين الذين يأخذون أجزاء الثمار للوالي، فقال: من أنت يا شيخ؟ قال: من أهل الكوفة.
فقال: أرطب البصرة أحلى من رطب الكوفة؟ قال: لم أذق رطب البصرة.
قال: ما أكذبك! البر والفاجر والكلاب يأكلون الرطب الساعة.
فرجع العامل إلى الوالي فأخبره ليعجبه بهذا الخبر العجيب، فقال الوالي: ثكلتك أمك! أدركه فإن كنت صادقاً فإنه سفيان الثوري، فخذه لنتقرب به إلى أمير المؤمنين.
فرجع في طلبه فما قدر عليه.
ولاحقه أبو جعفر ملاحقة شديدة وجدَّ في طلبه، فاختفى الثوري بـ مكة عند بعض المحدثين قال عبد الرزاق: بعث أبو جعفر الخشابين حين خرج إلى مكة وقال: إن رأيتم الثوري فاصلبوه.
فجاء النجارون ونصبوا الخشب ونودي عليه ورأسه في حجر الفضيل مختفٍ بالبيت، ورجلاه في حجر ابن عيينة، فقيل له: يا أبا عبد الله! اتق الله لا تشمت بنا الأعداء كان مختفياً في الحرم ورأسه في حجر الفضيل ورجلاه في حجر ابن عيينة، فتقدم إلى الأستار ثم أخذه وقال: برئت منه إن دخلها أبو جعفر، قال: فمات أبو جعفر قبل أن يدخل مكة، فأخبر سفيان فما قال شيئاً، قال الذهبي ﵀: هذه كرامة ثابتة.
стр. 5203
وفاته ﵀ وثناء العلماء عليه
واستمر هذا الرجل على العطاء، وكان قد دفن كتبه فلما أمن استخرجها مع صاحب له، فقال صاحبه: في الركاز الخمس يا أبا عبد الله! فقال: انتق منها ما شئت، فانتقيت منها أجزاء فحدثني بها.
استمر ﵀ عابداً لربه مستمراً على العهد الذي بينه وبين الله علماً وتعليماً وعبادة حتى جاءه الأجل ووافاه قدر الله بالموت في البصرة، في شعبان سنة إحدى وستين ومائة للهجرة، وقد غسله عبد الله بن إسحاق الكناني.
قال يزيد بن إبراهيم: رأيت ليلة مات سفيان قيل لي في المنام: مات أمير المؤمنين -أي: في الحديث.
ولم يتمكن إخوانه وأصحابه من الاجتماع للصلاة عليه، فجعلوا يفدون إلى قبره يوم وفاته، ودفن وقت العشاء، وعن بعض أصحاب سفيان قال: مات سفيان بـ البصرة ودفن ليلاً ولم نشهد الصلاة عليه، وغدونا على قبره ومعنا جرير بن حازم وسلام بن مسكين من أئمة العلم، فتقدم جرير وصلى على قبره ثم بكى وقال:
إذا بكيت على ميت لمكرمة فابك غداة على الثوري سفيان
وسكت، فقال عبد الله بن الصرباح:
أبكي عليه وقد ولى وسؤدده وفضله ناظر كالغسل ريان
وقال سعيد: رأيت سفيان في المنام يطير من نخلة إلى نخلة وهو يقول: الحمد لله الذي صدقنا وعده.
وهذا مما روي له من المنامات الصالحة بعد وفاته.
وقال إبراهيم بن أعين: رأيت سفيان بن سعيد بعد موته في المنام، فقلت: ما صنعت؟ فقال: أنا مع السفرة الكرام البررة.
قال أحمد بن حنبل ﵀: قال لي ابن عيينة: لن ترى بعينك مثل سفيان الثوري حتى تموت.
وقال الأوزاعي: لو قيل لي اختر لهذه الأمة رجلاً يقوم فيها بكتاب الله وسنة نبيه لاخترت لهم سفيان الثوري.
وقال ابن المبارك: كتبت عن ألف ومائة شيخ ما كتبت عن أفضل من سفيان.
وقال ابن أبي ذئب: ما رأيت أشبه بالتابعين من سفيان الثوري.
وقال ابن المبارك: ما نُعت إلي أحد فرأيته إلا كان دون نعته -دون الوصف- إلا سفيان الثوري، ﵀ رحمة واسعة.
стр. 5204
حاجتنا إلى معرفة سير السلف واقتفاء آثارهم
هذا من الرجالات الذين أنجبتهم هذه الأمة وصاغهم هذا الدين، فكم نحن بحاجة أن نلتزم خطاهم وأن نسير على نهجهم وأن نتمثل سيرهم! كم نحن بحاجة إلى استعادة سير أسلافنا الماضين؛ لنكون في العز كما كانوا أو نحاول، ونحن نعلم أننا لن نكون مثلما كانوا، لكن على الأقل لا يصلح -أيها المسلمون- أن تبقى سير العلماء مدفونة، وأن يبقى أولئك الأجلاء الأعلام غير معروفين عند متأخري هذه الأمة، هذه جريمة لا تغتفر، فإن هؤلاء الصالحين قدوة يجب الكلام في سيرهم ونشر نهجهم وحياتهم؛ حتى تعرف هذه الأمة الامتداد الحقيقي لها، وتعرف هذه الأمة أن لها سابقين، وتعرف هذه الأمة أنها متى قامت بالحق وعدلت بوأها الله المكانة التي ينبغي أن تكون عليها.
اللهم ارحم سفيان واجزه الجزاء الأوفى، اللهم إنا نسألك أن ترحمنا أجمعين، وأن تغفر لنا ذنوبنا يا أرحم الراحمين.
اللهم ارحم موتانا، واشف مرضانا، وفرج همومنا، ونفس عنا كروبنا اللهم إنا نسألك أن تجعلنا في هذه الليلة من عتقائك من النار، وفي هذا اليوم العظيم من الفائزين بالجنة يا رب العالمين.
الله إنا نسألك يوماً قريباً تعز فيه دينك، وتقر أعيننا فيه بنشر الإسلام والسنة يا رب العالمين.
اللهم ارحم المستضعفين من المسلمين، اللهم إنا نسألك أن ترفع الذل عن المسلمين يا رب العالمين.
عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 5205
شكاوى وحلول [٢،١]
هذا الدرس عبارة عن حل لكثير من المشكلات التي تواجه كثيراً من المسلمين، ومن أبرز القضايا التي تحدث الشيخ عنها مشاكل الحياة الزوجية الوسواس في الصلاة الوساوس في ذات الله العادة السيئة وعلاجها ومسائل أخرى فقهية، كما ذكر الشيخ كتباً مهمة في شتى الفنون لمن أراد الاستفادة.
стр. 5206
مقدمة عن سؤال أهل العلم
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: ففي هذه الليلة نلتقي وإياكم -أيها الإخوة- على مائدة من موائد العلم، وسيكون الكلام في هذه الليلة عن بعض الشكاوى وحلولها، والإنسان في الأصل يشكو إلى ربه ، والمؤمنون من أخلاقهم أنهم يشكون ضعفهم إلى الله ويطلبون منه العون والسداد والقوة، والجاهل يشكو للعالم ولطالب العلم الحيرة التي هو فيها حتى يجليها له، وجاءت خولة بنت ثعلبة إلى رسول الله ﷺ تشكو إليه زوجها، وجاء الغلام إلى الراهب يقول له: عن ضرب الساحر له وعن ضرب أهله له، فقال له الحل المناسب في ذلك المقام وتلك الظروف بين أولئك الكفرة: إذا ضربك أهلك فقل: حبسني الساحر، وإذا ضربك الساحر أو سألك الساحر فقل: حبسني أهلي.
ووردت إلينا في المحاضرات السابقة كثير من الأسئلة أجلناها لحين تيسر مناسبة للإجابة عليها، وبعض هذه الأسئلة هي عبارة عن شكاوى من بعض الإخوان المهتمين والأخوات المهتمات في أمر الدين.
وسوف تكون طريقتنا في عرض هذا الدرس أن نتكلم عن مشكلة أو عن شكوى وعن حلها، ثم نورد فتاوي عن أسئلة وردت من بعض الإخوة أيضاً من التي عرضناها على أهل العلم فأتيناكم بإجاباتها، ثم نعرض شكوى أخرى مع حلها وهكذا، ولعلكم -إن شاء الله- تجدون الفائدة والمتعة العلمية في هذه الليلة، ونشكو إلى الله ضعفنا في الإيمان والعلم ونسأله التسديد.
стр. 5207
الشرود في الصلاة
يقول هذا الأخ: إنني أشكو من مشكلة عدم الخشوع في الصلاة، أكبر ثم أغيب عن الواقع، فأذهب في متاهات كثيرة في مشاكل عائلية، وفي أمور مادية، وفي الدراسة والامتحانات، وفي علاقاتي مع الكثيرين، وفي الهموم والغموم، ولا أرجع إلى وعيي إلا عندما يسلم الإمام من الصلاة.
فما هو الحل لهذه المشكلة؟
الجواب
نقول: إن ربنا لم يتركنا هملاً ولم يتركنا نهباً للشياطين ولله الحمد، وله المنة وهو المتفضل على عباده، وإنما بين لنا في القرآن وعلى لسان رسوله ﷺ كثيراً من العلاجات والحلول لهذه المشكلة، وهاك أيها الأخ المسلم ثلاثة وثلاثين سبباً للخشوع في الصلاة: الأول: أن يحسن الوضوء.
وسنسردها بسرعة واختصار مع بعض التنبيهات.
هناك -أيها الإخوان- في موضوع الوضوء كثير من الأخطاء التي تحدث بين الناس، والواجب على طلبة العلم والذين يعلمون أحكام الوضوء أن ينبهوا الناس، وقد كان من سلفكم ﵏ من يطوف على المطاهر في المساجد فيرقبون أحوال الناس في الوضوء ويعلمونهم، وأنت ترى في عامة الناس اليوم تقصيراً كبيراً في مسألة الوضوء، فمنهم مثلاً: إذا أراد أن يتمضمض فإنه لا يدير الماء في فيه، وبهذا تكون مضمضته باطلة، فإن أخذ الماء وإخراجه من غير إدارته في الفم لا تسمى مضمضة، وكذلك في الاستنثار تجد كثيراً منهم يأخذ الماء فيضعه على طرف أنفه وبعد ذلك يخرجه ولا يدخل إلى الداخل وهذا ليس باستنثار، وكذلك فإنهم إذا أرادوا أن يغسلوا وجوههم فإنه يأخذ الكفين مملوءة بالماء فيضرب بها وجهه من جهة المنتصف، فلا يصل الماء إلى منابت الشعر حدود الرأس ولا إلى جنبتي الرأس عند الأذنين، إن هذه المنطقة أيها الإخوة! حدود الرأس من الجانب الأيمن والأيسر من الأذن اليمنى إلى الأذن اليسرى والذقن في الأسفل، والذين يتوضئون مع الأسف الكثير منهم لا يعمم وجهه عند الوضوء، وكذلك فإنهم عند مسح الرأس محافظة على تمشيط شعورهم وخصوصاً الذين يلبسون الطاقيات ويضعون غطاء على الرأس فإنهم لا يصلون بالماء أو باليد المبللة بالماء إلى آخر الرأس حدود الرقبة عند الرقبة ثم يعودون، وبذلك يكون مسحهم على رءوسهم ناقصا.
وبعض السائلات تقول: إنني ذات شعر طويل.
فكيف أمسح رأسي في الوضوء؟ فنقول: إن أهل العلم قد بينوا أن المرأة ذات الشعر الطويل إذا أرادت أن تمسح رأسها في الوضوء فإنها تبدأ من الإمام حتى تصل إلى الخلف عند الرقبة على الشعر بما يحاذي الرقبة ثم ترجع إلى الإمام بعد ذلك، ولا يجب عليها أن تمسح الشعر إلى آخره وهو يصل إلى منتصف الظهر، وكذلك إن كثيراً من الذين يتوضئون لا يمسحون آذانهم جيداً فلا يدخلون أصابعهم في تجاويف الأذن من الداخل والخارج فيكون مسحهم لآذانهم ناقصاً، ويكون مسحهم لرءوسهم ناقصاً لأنه ﵊ قال: (الأذنان من الرأس).
ناهيك عما يقع في وضوء كثير منهم من عدم إيصال الماء إلى الأعقاب وهي النقطة القصوى أو المكان الأقصى في القدم من الأسفل من جهة الكعبين، أسفل الكعبين هذا المكان كثير من المتوضئين الذين يجعلون أقدامهم تحت صنابير المياه المفتوحة لا يتأكدون من وصول الماء إلى ذلك المكان فيكون وضوءهم باطلاً وبالتالي صلاتهم غير صحيحة.
كما أن كثيراً منهم يخالف سنة تخليل أصابع اليدين والرجلين، وقد أمر ﵊ بهذا، فلا بد أن يخلل المسلم أصابع يديه من الداخل وأصابع رجليه بالخنصر كما ورد في الحديث الصحيح عنه ﷺ ، تخليل أصابع اليدين والرجلين.
فإذاً أولاً: إحسان الوضوء.
ثانياً: التزيين للصلاة.
خذ بعض الإخوان الذين يأتون إلى المساجد في ثياب النوم مثلاً، ورائحة النوم أو العرق تفوح منهم، والذي يأتي وقد أكل ثوماً أو بصلاً ناهيك عمن يدخل المسجد وهو قد دخن فيكون متشبعاً بتلك الروائح الخبيثة، وإذا كان الإنسان يتزين في المناسبات والأعراس فالله أحق أن يتزين له.
ثالثاً: أداؤها في المسجد للرجال وأداؤها في قعر البيت بالنسبة للمرأة.
رابعاً: السكينة عند الإتيان إلى الصلاة.
خامساً: عدم التشبيك بين الأصابع.
سادساً: أذكار الخروج من المسجد ودخول المسجد.
سابعاً: تسوية الصف.
ثامناً: السترة للإمام والمنفرد فإنها تمنع الشيطان من المرور والوسوسة.
تاسعاً: أن يمنع المار بين يديه.
عاشراً: استشعاره بوقوفه بين يدي ربه ، وهذه يمكن أن تكون أهم نقطة في موضوع الخشوع، أن يستشعر أنه واقف الآن بين يدي الله .
الحادي عشر: التفكر في معنى ما يقرأ أو يسمع وتزيين الصوت بالقرآن.
الثاني عشر: إذا مر بآية رحمة سأل أو آية عذاب استعاذ، أو مر بآية سجدة سجد خصوصاً للذين يصلون في قيام الليل.
الثالث عشر: إتمام الأركان والواجبات والسنن، والطمأنينة في الصلاة.
الرابع عشر: تذكر الموت في الصلاة للحديث الصحيح الوارد في ذلك.
الخامس عشر: النظر إلى موضع السجود، والنظر إلى السبابة عند الجلوس.
السادس عشر: وضع اليمين على الشمال على الصدر، ولما سئل الإمام أحمد ﵀ عن هذا؟ قال: هو ذل بين يدي الله العزيز، فلا تحسبن المسألة شكلية وإنما لها معنىً في القلب.
السابع عشر: عدم الالتفات في الصلاة، لا التفات القلب ولا التفات البصر.
الثامن عشر: حفظ الأدعية والأذكار المختلفة والتنويع فيما من السنة تنويعه في الصلاة كأدعية الاستفتاح والتشهدات الواردة عن الرسول ﷺ .
التاسع عشر: التأمين مع الإمام.
العشرون: التفكر في معنى الأذكار التي يقرؤها المسلم.
الحادي والعشرون: تحريك الإصبع في التشهد، فإنه قد ورد في الحديث الصحيح: (أنها أشد على الشيطان من الحديد).
الثاني والعشرون: الخوف ألا تقبل الصلاة، وأن يتفكر في حديث: أن الناس يخرجون من الصلاة، فمنهم من يخرج بعشرها، ومنهم من يخرج بتسعها، ومنهم من يخرج بنصفها، ومنهم من يخرج بكلها، حسب خشوع وإتمام أركان وواجبات وسنن الصلاة.
وأن يتأمل ويتفكر أنها لو لم تقبل كيف ترد ويضرب بها وجهه.
الثالث والعشرون: الاستعاذة بالله من الشيطان عند وسوسته في الصلاة، والتفل عن اليسار ثلاثاً إذا كان مكانه مناسباً.
الرابع والعشرون: تجنب الصلاة في أماكن الصور والزخارف والضوضاء ومرور الناس وفي الحر الشديد والبرد الشديد ما أمكنه ذلك.
الخامس والعشرون: ألا يصلي وهو حاقن ولا حاقب، يعني: لا حابس البول ولا حابس الغائط.
السادس والعشرون: ألا يصلي وهو بحضرة طعام يشتهيه: (فإذا حضر العَشاء والعِشاء فقدموا العَشاء).
السابع والعشرون: ألا يصلي خلف النائم والمتحدث كما ورد في الحديث الصحيح، وألا يستقبل وجه الرجل في الصلاة، ونشاهد بعض المصلين إذا أراد أن يتسنن وهو وراء الإمام وقد التفت الإمام إلى المصلين تجده يقوم ويصلي وراء الإمام مباشرة وجهه لوجه الإمام وهذا غير صحيح.
الثامن والعشرون: كظم التثاؤب ورده ما استطاع فإن الشيطان يدخل مع التثاؤب، ويضحك من العبد وهو يتثاءب.
التاسع والعشرون: عدم رفع البصر إلى السماء والوعيد الشديد في الحديث الصحيح.
الثلاثون: ألا يبصق جهة القبلة ولا عن يمينه إذا اضطر إلى البصاق، أحياناً يضطر الإنسان في الصلاة، وإنما يبصق عن جهة اليسار في منديل أو طرف الثوب ونحو ذلك.
الحادي والثلاثون: ألا يغطي فاه في الصلاة، وقد نهى ﷺ عن التلثم.
الثاني والثلاثون: أنه إذا فاته الخشوع في أجزاء كبيرة في الصلاة فلا يقل انتهى الأمر ويستمر في اللهو، فلو لم يتذكر الإنسان أنه في الصلاة إلا وهو يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب النار ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال فليحضر قلبه عندها وليخرج بهذا أفضل ألا يخرج بشيء، وليتدارك الأمر ولو كان في آخر لحظات الصلاة.
الثالث والثلاثون: الأذكار بعد الصلاة فإنها مما تثبت خشوع الصلاة في القلب وأثر الصلاة فيه.
والله أعلم.
стр. 5208
حكم الجمعية التي تكون بين عدة أشخاص
وأما بالنسبة لبعض الأسئلة، فهاهنا سؤال يقول: تفادياً للوقوع في الربا وحلاً لبعض الإشكالات التي تواجه كثيراً من الناس، فإننا نقوم بعمل مجموعة يدفع كل فرد في هذه المجموعة مبلغاً معيناً متساوياً مثلاً، فإذا جاء الشهر الأول أخذ المبلغ كله فلان، كل واحد يدفع ألفاً وهم عشرة أشخاص، الشهر الأول يأخذ فلان عشرة آلاف وفي الشهر الثاني يأخذ الذي بعده العشرة الآلاف والثالث وهكذا، حتى يتم العشرة.
فما حكم ذلك من جهة الشرع؟ وقد سألني بعض الإخوان قائلين: لقد سمعنا ممن نقل عن الشيخ/ عبد العزيز بن باز أن هذا لا يجوز؟
الجواب
وكنت قد سألته حفظه الله عن هذه المسألة فقال: قد كنا فترة من الزمان نرى بعدم الجواز، ولما تمعنا في المسألة أكثر ودرسناها وجدنا أنه لا بأس بها إن شاء الله.
وللتيقن أكثر فقد سألته في مساء هذا اليوم، والفتوى هذه التي أنقلها عن الشيخ قريبة جداً يعني في الساعة السابعة إلا ربعاً بالضبط من مساء هذا اليوم، يعني قبل حوالي أقل من ساعة، فقال الشيخ: حصل فيها شبهة وقلنا لهم: تركها أحوط، ثم درسها مجلس هيئة كبار العلماء ورأى المجلس أنه لا حرج إن شاء الله بالأكثرية لأنه لا أحد يأخذ زيادة، كلهم متساوون فيها، اتفقوا على أن يقرض بعضهم بعضاً إلى آجال معلومة كل يسدد في أجل معلوم كالأقساط.
ثم سألته: وأنت ماذا ترى فيها حفظك الله شخصيا؟ فقال: أنا مع الإخوان -إن شاء الله- مع الأكثرين وأرى بالجواز.
فإذاً هذا رأي الشيخ وفتواه حفظه الله في هذه المسألة، وأرجو أن تكون القضية قد اتضحت للإخوان الذين يسألون كثيراً عن هذا الموضوع.
والحقيقة أيها الإخوة: أننا ينبغي علينا بصفتنا مسلمين أن نبحث عن كل طريقة تخلصنا من الوقوع في الربا، وكل حل يجعل القرض متيسراً للمحتاج، ومن هذا أيضاً إشاعة أجر القرض في الإسلام، فإن من أقرض قرضاً مرتين فهو كصدقة مرة، مع أن المال يرجع إليه، لو أقرضت واحداً عشرة آلاف ثم أخذتها منه ثم أقرضتها لآخر أو لنفس الشخص مرة أخرى ثم أرجعها إليك فإنك تكون كأنك تصدقت بها ولك أجر الصدقة بها.
стр. 5209
حكم إعادة الاستخارة أكثر من مرة
وهذا
السؤال
هل أعيد الاستخارة أكثر من مرة؟ بعض الإخوة يقول: أنا ما تبين لي شيء في المرة الأولى فهل يجوز ويشرع أن أعيدها أكثر من مرة؟
الجواب
سألت الشيخ حفظه الله فقال: نعم.
يشرع له أن يعيد الاستخارة أكثر من مرة حتى ينشرح صدره.
стр. 5210
كيفية توبة من أخذ مالاً من جهة حكومية بغير حق
وهذا سؤال أيضاً يقول: رجل سبق أن أخذ مالاً من جهة حكومية بغير حق، والآن يريد التوبة ولكنه يخشى من المساءلة وألا يتفهم المسئول موقفه.
فماذا يفعل؟
الجواب
فأجابني الشيخ حفظه الله على هذا
السؤال
يتصدق بها على الفقراء والجمعيات الخيرية مع التوبة.
ثم سألته: هل يعطيها لجمعية البر التي تشرف عليها الحكومة باعتبار أنه أخذ المال من الحكومة، هل يرجعها إلى جمعية البر باسم فاعل خير؟ فقال: نعم يجوز ذلك.
وبعض الناس لا يخشون الله فيقول: هم أغنياء، ولا يضر الحكومة إذا أخذت منها، ويسرق، وهذا لا يجوز وهو حرام، ولا يحل له أن يفعل ذلك مطلقاً وهي سرقة على أية حال.
стр. 5211
عُمْر الطفل الذي يزيل الخلوة بين المرأة والسائق
وهذه امرأة تسأل وتقول: أريد أن أذهب بالسيارة مع سائق أجنبي داخل البلد.
فما هو عمر الطفل الذي لو اصطحبته معي زالت الخلوة؟
الجواب
فأجاب الشيخ/ عبد العزيز حفظه الله: لا بد أن يكون معها من تزول معه الخلوة في سن عشرة ونحوها، يعني: يفهم ويستحيا منه هذا الذي تزول به الخلوة، هذا ليس في السفر هذا داخل البلد تزول الخلوة إذا كان مع المرأة في السيارة من يستحيا منه، أي: تأخذ معها ولداً واعياً عاقلاً يفهم ويدرك بحيث أن أحدهما لو أراد أن يفعل شيئاً لاستحى من وجود هذا الثالث، والآن -أيها الإخوة- نحن نرى من المنكرات التي تفشت والعياذ بالله ركوب النساء في سيارات الأجرة المرأة بمفردها، بل وصلت الوقاحة ببعضهن أن تركب بجانب السائق وتقول: أنا ما عندي أحد يوصلني للمدرسة.
عمرك لا ذهبتِ إلى المدرسة، المدرسة أهم أم تطبيق حدود الله؟! المدرسة أهم أم مراعاة الأحكام الشرعية؟! لو لم تذهبي إلى المدرسة ماذا سيحصل؟ لكن لو عصيت الله ماذا سيحصل؟
стр. 5212
كثرة الوساوس المتعلقة بذات الله
ثم ننتقل إلى مشكلة أخرى، يقول هذا السائل: إنني أشكو من كثرة الوساوس المتعلقة بذات الله ، ويطوف بخاطري أشياء لا يمكن أن أذكرها لأنها لا تليق بالله ولكنها تتردد على خاطري كثيراً، وتأتيني في الصلاة وفي غير الصلاة، ولا أدري ماذا أفعل، حتى شككت في إيماني، وشككت هل أنا مسلم أم لا.
فما هو الحل؟
الجواب
نقول: إن من رحمة الله أن هيأ لنا رسوله ﷺ ليعلمنا الحلول في هذه المشاكل والمواقف، وإليك -أيها الأخ المسلم- هذه الأحاديث الصحيحة التي تعالج المشاكل منها مشكلة الوساوس المتعلقة بالله .
يقول ﵊ -وهذه روايات مجتمعة ألفاظها بعضها إلى بعض سقتها إليكم-: (إن أحدكم يأتيه الشيطان فيقول: من خلقك؟ فيقول: الله، فيقول: من خلق السماء؟ فيقول: الله، فيقول: من خلق الأرض؟ فيقول: الله، فيقول: فمن خلق الله؟ فإذا وجد ذلك أحدكم فليقل: آمنت بالله ورسوله، فإن ذلك يذهب عنه) وقال أيضاً: (من وجد من هذا الوسواس فليقل: آمنا بالله ورسوله، فإن ذلك يذهب عنه).
قال ﷺ في الحديث الصحيح: (يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته) وقال ﷺ : (يوشك الناس يتساءلون حتى يقول قائلهم: هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله؟ فإذا قالوا ذلك فقولوا: الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، ثم ليتفل عن يساره ثلاثاً وليستعذ من الشيطان) وقال ﷺ : (تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله) وقال: (تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله) فيجتمع من هذه الأحاديث السابق ذكرها ست وسائل للتغلب على وسوسة الشيطان في هذه المسألة، القضايا الفكرية أو تجوال الفكر فيما يتعلق بالله : الوسيلة الأولى: إذا جاءك الشيطان وقال لك هذا الوسواس أو غيره فقل: آمنت بالله ورسوله، أولاً تقول: آمنت بالله ورسوله.
ثانياً: تتعوذ بالله من الشيطان، تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه.
ثالثاً: أن تتفل عن يسارك ثلاث مرات، هذا مشابه لما سبق أن ذكرناه عندما يوسوس خِنزب أو خُنزب أو خَنزب الشيطان المسئول عن الوسوسة في الصلاة.
رابعاً: أن ينتهي، قال الرسول ﷺ : (ولينته) وهذه مسألة مهمة، فإن كثيراً من الذين تأتيهم هذه الوساوس لا ينتهون، بل إنهم يستطردون في الأفكار الواحدة وراء الأخرى، لا ينتهي لا يشغل ذهنه بالمفيد ويطرد هذه الأفكار، بل إنه يواصل فيها، وهذه مشكلة.
خامساً: أنه يقرأ سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] فإن فيه ذكر صفات الرحمن ، فيها ذكر صفة الرحمن، ولذلك صارت تعدل ثلث القرآن، القرآن فيه قصص وأخبار وأحكام وتوحيد عقيدة وهذه صفة الرحمن مذكورة في هذه السورة فقراءتها وتدبرها والتمعن فيها كفيل بأن ينهي الوساوس من عقل هذا الشخص الذي يوسوس في هذه المسائل.
سادساً وأخيراً: أن يتفكر هذا الشخص في خلق الله أو في نعم الله ولا يفكر في ذات الله، لأنه لا يمكن أن نصل بعقولنا القاصرة أبداً إلى ذات الله، وليس عندنا إلا ما أخبرنا الله ورسوله في هذه المسألة.
هذه ست وسائل مذكورة في هذه الأحاديث تنهي مسألة الوسوسة في ذات الله.
نأتي الآن إلى بعض المسائل الأخرى، أو المسائل الفقهية.
стр. 5213
مسألة في سلس البول
يقول السائل: رجل به سلس سواء سلس بول أو سلس ريح فاتته صلوات مثلاً نتيجة عملية، وضع تحت المخدر في العملية ثم استفاق.
فكيف يفعل بالطهارة بالنسبة لقضاء ما فاته من الصلوات؟ هل يصلي الصلوات كلها بوضوء واحد؟ أم لا بد لوضوءٍ لكل صلاة فائتة يقضيها من وضوء مستقل؟ فكروا في هذا السؤال.
شخص عنده سلس بول أو سلس ريح فاتته صلوات بسبب، خمس صلوات عشر صلوات، ثم أراد الآن أن يقضيها فماذا يفعل بالنسبة للوضوء؟ طبعاً نحن نعلم بأن الذي فيه سلس بول أو سلس ريح أو المرأة المستحاضة التي ينزل عليها الدم باستمرار غير دم الحيض والنفاس طبعاً دم نزيف هؤلاء ماذا يفعلون؟ كيف يتطهرون للصلاة؟ يتوضأ لكل صلاة بعد الأذان بعد دخول وقتها، الذي عنده سلس يتوضأ لكل صلاة بعد دخول وقتها ثم يصليها، ولا يصلي أكثر من صلاة بوضوء واحد، هذا في الأحوال العادية، لكن الآن عندنا مسألة ثانية مختلفة: شخص فاتته عدة صلوات، الآن يريد أن يقضيها، توضأ وصلى الظهر والآن يريد أن يقضي الصلوات الفائتة عنده عشر صلوات، ماذا يفعل؟ هو أصلاً السلس حادث معه مستمر.
يقول الشيخ/ عبد العزيز حفظه الله: يجوز له أن يقضي من الصلوات ما بين الوقتين بنفس الوضوء الأول، يعني: الآن توضأ وصلى الظهر عنده عشر صلوات، رجل يستطيع أن يصلي منها الآن خمس طاقته الجسدية يستطيع أن يصلي خمساً يصلي هذه الخمس صلوات ما دام بين الظهر والعصر يصليها بنفس وضوء صلاة الظهر، وكذلك سننها لو أراد أن يقضي السنن، ويصلي من النوافل -الذي معه السلس- ما شاء بين الوقتين، فالذي عنده سلس له أن يصلي صلوات فائتة ونوافل وسنن رواتب وما شاء إذا كان ما زال بين الوقتين، لكن لو جاء عليه وقت العصر وبقي عليه صلوات فائتة فإنه يتوضأ لصلاة العصر ويصلي بقية الفوائت ثم يصلي العصر.
стр. 5214
رجل دَخْلُ أبيه من الربا
يقول
السؤال
رجل دَخْلُ أبيه من البنك، يعني: حرام -يعني: أبوه من كتاب الربا ملعون على لسان الرسول ﷺ ، وليس لأبيه دخل آخر- ماذا يفعل هذا الولد إذا أراد أن يتزوج؟ هل يجوز له أن يأخذ من مال أبيه للزواج؟ هل يجوز أن يشتري سيارة من مال أبيه؟ هل يجوز له أن يدعو أصدقاءه إلى وليمة من مال أبيه؟
الجواب
فكان جواب الشيخ/ عبد العزيز حفظه الله: إذا كان ليس لأبيه دخل آخر فإن كل ما ذكر لا يجوز، لو كان لأبيه دخل آخر نقول: اختلط الحلال والحرام ولم يميز فربما الذي أخذه من الحلال، المسألة أهون، لكن يقول الشيخ: لو كان ليس لأبيه دخل آخر إلا الحرام، وقس على ذلك: شخص أبوه -مثلاً- صاحب دكان فيديو يبيع أفلاماً حرمة، يبيع أدوات موسيقية، يبيع أشرطة غناء، عمله كله حرام، ودخله كله حرام، فيقول الشيخ: إذا كان ليس له مصدر آخر والولد يعلم بذلك -يقول الشيخ: لو كان الولد لا يعلم لكان سهلاً، لكن إذا كان الولد يعلم بذلك فإنه لا يجوز له أن يأخذ من مال أبيه، وقال: إن كان يعلم هذا يبتعد عن هذا الشيء ويطلب الرزق من عند الله ويحاول أن يأخذ من جهة أخرى ولا يأخذ من مال أبيه- طبعاً في ماذا؟ في هذه الأشياء المتوسعة- لكن أبوه عليه النفقة على الولد، فإن استطاع الولد أن يخرج من البيت ويستقل بنفسه فهذا طيب، أما من له الأخذ من الوالد النفقة الواجبة على الوالد فإنه يأخذ منها، لكن لو استطاع أن يستقل بنفسه حتى في الأشياء الواجبة حتى في الأكل والشرب واللبس والسكن لو استطاع الولد فإنه يخرج عن أبيه، قارن بين هذا الموقف وبين ما يحدث اليوم من الكثيرين في قضية ماذا؟ التساهل في كسب المحرمات، ويأخذون الأموال ولا يبالون من حلال من حرام، سلفنا ﵏ كانوا يخرجون الشبه من بطونهم ويتقيأ أحدهم ليخرج أمراً فيه شبهة، والواحد من هؤلاء الناس في هذا الزمان يدخل إلى بطنه الحرام عمداً وهو يعلم أنه حرام فانظروا الفرق، سلفنا يخرجون الشبه من بطونهم بعدما دخلت بالقيء وهذا يدخلها في بطنه وهو يعلم أنها حرام ولا يخرجها.
стр. 5215
حكم صبغ الحاجب بلون غير اللون الأسود
السؤال
وهذه تسأل وتقول: ما حكم صبغ الحاجب الكثيف بلون يشابه لون البشرة بحيث لا يبدو الجزء الأعلى منه فيظهر الحاجب رقيقاً.
فما هو الحكم؟
الجواب
هذه عملية تسمى عند بعض النساء بالتشقير تصبغ جزءاً من الحاجب بلون يشابه لون البشرة، فيقول الشيخ/ عبد العزيز حفظه الله جواباً على هذا السؤال: إذا كان لون الصبغ ليس بأسود فلا بأس ويجوز، فالأصل أنه يجوز ما دام أنه ليس بأسود، ولذلك فالعجب من كثير من الرجال كبار السن الذين نبت لديهم الشيب أنهم يصبغونه بالسواد وهو محرم في دين الله، غير الخداع والتمويه، يقول الرسول ﷺ : (من شاب شيبة في الإسلام كانت له نوراً يوم القيامة) ولذلك لا يصح أن يغير الإنسان هذا الشيب بالسواد لكن يمكن أن يغيره بلون آخر، فلو غيره بأي لون آخر جاز لا إشكال كما كان ﵊ يغير شيبه بالحناء مثلاً.
стр. 5216
تقديم الرجل في الكلام على المرأة الأكبر منه سناً
السؤال
هل تدخل المرأة إذا تكلمت مع رجل في حديث: (كبر كبر)؟ يعني: إذا كانت أكبر منه سناً فهل يجب أن يسكت هو لتتكلم هي أولاً؟
الجواب
يقول الشيخ/ محمد بن صالح العثيمين لما سألته: لا، أبداً حتى ولو بالمناقشة: (أخروهن حيث أخرهن الله) فإذاً لا تدخل المرأة في نقاشها مع الرجل في هذا الحديث، وإنما يقدم الرجل عند النقاش، فمثلاً: القاضي لو جاء يسمع من رجل وزوجته، والمسألة تساويا فيها، وليس أحدهما هو صاحب الشكوى ويريد أن يسمع منه أولاً، بل تساوت المسألة، ولو كانت أكبر منه سناً يقدم الرجل في الكلام.
стр. 5217
حكم تسبب الطبيب في وفاة المريض نتيجة الإهمال
السؤال
وهذا سؤال جاءنا من طبيب يقول: إذا تسبب الطبيب في وفاة المريض نتيجة إهمال الطبيب ولكن لم يثبت قانونياً -مثلاً لدى اللجنة المشكلة لهذه القضية- ليست هناك أدلة مادية تدين الطبيب.
فما هو موقف الطبيب؟
الجواب
يقول الشيخ/ ابن عثيمين لما سألته عن هذا: يقول له: إذا عرفت أنك تسببت في قتل خطأ يجب عليك الكفارة حتى لو لم تثبت إدانتك قانونياً، فيجب عليه الكفارة، ولذلك الطبيب المسلم من أوجه اختلافه عن الطبيب الكافر والفاسق والفاجر أنه لا يهمل في العلاج، فبعض الأطباء لا يخافون الله، وفي الحالات الخطرة تجد إهمالاً وتسيباً من بعضهم، وقد يموت المريض نتيجة إهمال الطبيب فيكون الطبيب عليه كفارة قتل الخطأ، وبعضهم قد يصرف دواء لا يتقي الله فلا يتدبر ولا يفكر ولا يتأكد فيصرف هكذا وقد يكون هذا الدواء أو هذه الإبرة سبباً في موت المريض وعند ذلك يجب عليه التوبة إلى الله توبة عظيمة لأنه تسبب في قتل وعليه كفارة القتل.
стр. 5218
حرمة تأجير الدكان لحلاّق أو بائع دخان
السؤال
وهذا سؤال وجهته للشيخ/ عبد العزيز بن باز حفظه الله: ما الفرق بين تأجير الدكان لحلاق يحلق اللحى وبين تأجير الدكان لبقال يبيع مع السلع الدخان؟ بعض الإخوان سألني قال: عندنا دكاكين نؤجرها فيستأجرها حلاق أو بقال صاحب سوبر ماركت ويبيع فيه دخاناً مثلاً؟
الجواب
فيقول الشيخ/ عبد العزيز حفظه الله: كلها لا تجوز هذا وهذا، يشترط عليهم ألا يحلقوا اللحى ولا يبيعوا الدخان، ما هو الدليل؟: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢] فتأمل في حال الناس الذين يؤجرون الدكاكين الآن والعقارات كم يتعاونون على الإثم والعدوان وهو يأجر دكانه لحلاق يحلق اللحى أو لصاحب بقالة يبيع الدخان، أو لمحل يبيع أشرطة فيديو، أو لواحد يبيع استريو أغاني، أو لخياط نسائي فيه اختلاط يعلم أنه غير مطبقٍ للشروط.
وأن دكانه صار بؤرة فساد، وقد يقول قائل: أنا لا دخل لي في ذلك؛ أنا وقعت معه عقد الإيجار انتهيت، كيف؟ هذه مسئوليتك هذا دكانك، أنت باستطاعتك أن تخرجه منه، وأن تمنع وقوع الفساد، فلماذا لا تفعل؟
стр. 5219
مشكلة الفوضى وضياع الأوقات عند الشباب
ثم ننتقل إلى مشكلة أخرى من المشاكل أو الشكاوى مع حلها، يقول: إنني شاب طالب أشكو من الفوضى وضياع الوقت، لا أعرف ماذا أفعل، قد أبدأ بعمل ثم لا أنتهي منه وأنا مقصر في الدراسة وأيضاً في طلب العلم وأيضاً في الدعوة إلى الله، لا أعلم ماذا أُقدم وماذا أؤخر، وأخشى من ضياع عمري بلا فائدة، أحس كأني أسير لغير هدف، فكيف أفعل في تنظيم وقتي؟
الجواب
نقول: سبق أن أجبنا عن هذه المشكلة، أو سبق أن كانت المحاضرة الماضية: كيف ينظم المسلم وقته عن هذا، ولكن بعض الإخوان يقول: نحتاج لتركيز في الموضوع، بين لنا المسألة بخطوات، فإجابة لهذا الطلب، وتبييناً لحل هذه الشكوى، فإننا نقول: هاك واحداً وعشرين نقطة في مسألة تنظيم الوقت: الأولى: أن يشعر الإنسان المسلم بالغيرة على وقته، وأنه إذا ذهب فإنه لن يعود.
ثانياً: أن يستشعر الهدف الذي خُلق من أجله، وأن عبادة الله شاقة، وأن الواجبات أكثر من الأوقات.
ثالثاً: أن ينظر في حاله وإمكاناته وأن يدرس وضعه جيداً، وبناءً على ذلك يخطط لتنظيم وقته.
رابعاً: ليعلم بأن الترتيب مهم جداً، وأنه يوفر أوقاتاً كثيرة وخصوصاً عند البحث عن الأشياء الضائعة.
خامساً: التخطيط وكتابة مذكرات بما ينوي أن يفعله الإنسان كل يوم مثلاً.
سادساً: عمل جداول زمنية سواء للأيام أو للأعمال التي يريد أن يقوم بها بحيث تتلاءم مع واقعه ومع قدراته دون تسريح في الخيال أو الأحلام أو وضع أشياء لا يستطيع أن يطبقها.
سابعاً: تحديد مواعيد الأشياء الثابتة كالأكل والنوم والمذاكرة والزيارة.
ثامناً: توزيع المهمات التي يستطيع أن يساعده فيها الآخرون.
تاسعاً: أن يبذل كل ما يستطيع من مال من أجل توفير وقته.
عاشراً: قتل مضيعات الوقت كالنوم الكثير والأكل الكثير والكلام الكثير والخلطة الكثيرة والمكالمات الهاتفية ووسائل اللهو بأنواعها.
الحادي عشر: أن يعود الآخرين على احترام وقته.
الثاني عشر: أن يتعلم كيف يستغل وقته بالسماع والقراءة في أوقات الانتظار مثلاً، أو في الأوقات الضائعة في السفر ونحوه.
الثالث عشر: أن يستغل وقته بأكثر من شيء إن استطاع.
الرابع عشر: أن يحارب التسويف، وأن يعلم بأنها عادة قبيحة وأن يقدم على تنفيذ المهمات ولو كانت صعبة وشاقة لكي يستريح، وأن يجزئها إلى أجزاء صغيرة ما أمكنه ذلك ليسهل قضاؤها.
الخامس عشر: أن يستعين بالالتزام مع الآخرين ليتشجع ويستمر، قضية الالتزام الجماعي وقد سبق أن بيناها.
السادس عشر: إياك والكمال الزائد.
стр. 5220
جثة الآدمي لا تنجس
السؤال
ما الحكم في رجل لمس جثة أو هيكلاً عظمياً.
فهل يجب أن يغسل يده أم لا؟
الجواب
يقول الشيخ/ ابن عثيمين إجابة على هذا السؤال: الآدمي ليس بنجس سواء كان كافراً أو مسلماً، وبناء عليه فإنه لو لمس الجثة بيده وهو متوضئ فلا ينفسخ وضوءه ولا يجب عليه غسل يده، وكذلك بالنسبة للهياكل العظمية، لكن يقول الشيخ: لكن إذا كان هيكلاً عظمياً لشيء مذكى يعني: مثلاً: جملاً مذبوحاً، خروفاً مذبوحاً، الهيكل العظمي له طاهر أو نجس؟ الهيكل العظمي لبهيمة من بهائم الأنعام قد ذكيت وذبحت طاهر، أما إذا كان هيكلاً عظمياً لقرد فيقول الشيخ: الظاهر أن القرود نجسة، وكذلك الميتة لو قتلوها وبعد ذلك أخذوا الهيكل العظمي للدراسة فهذا الهيكل نجس، فلو لامسه بيده ويده رطبة من العرق ونحوه فإنه لا بد أن يغسل يده.
следующие страницы →