Полный текст (7 040 стр.). Показаны 5146–5185 · переход к 5151.
стр. 5146
استسلام إبراهيم ﵇ لأوامر ربه
لقد كان إبراهيم مسلماً لأمر ربه لا يخرج عن طاعته، وكان استسلامه لأمر الله عجيباً يتمثل ذلك في عدة مواقف منها:
стр. 5147
حادثة ذبح ابن إبراهيم
في حادثة الذبح المشهورة، إبراهيم ما كان ينجب من زوجته، ومع ذلك يدعو الله ولو كان في الكبر، يقول: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات:١٠٠] ولم يقل: هب لي ولداً ذكراً وإنما ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ يريد صالحاً؛ لأن مجرد الولد قد يكون عاراً وشناراً على أبويه: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات:١٠٠] فتعلم يا عبد الله! يا أيها المتزوج! كيف تطلب الولد من الله من سيرة أبيك إبراهيم ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات:١٠٠].
المهم أن يكون صالحاً: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ [الصافات:١٠١ - ١٠٢] لما كبر الولد وشب وأطاق السعي مع أبيه، إذا بهذا الابتلاء العظيم من الله: يرى إبراهيم في المنام رؤيا ورؤيا الأنبياء حق: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات:١٠٢] الولد من تربية الوالد: ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ [الصافات:١٠٢ - ١٠٣] الولد والوالد: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات:١٠٣] قلبه على قفاه لكي لا يشاهد علامات التألم عند الذبح، فربما يتردد، فشرع في الذبح ولكن الله كان يريد أن يبتلي ابتلاء يرفع به درجة ذلك النبي وولده: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ﴾ [الصافات:١٠٤ - ١٠٦].
أن يذبح الولد الذي جاءه الآن بعد انتظار سنين طويلة دون إنجاب، بعدما بلغ معه السعي، فأي استسلام هذا! وأي طاعة لأمر الله! وفداه الله بذبح عظيم صار شعاراً وسنة وإلى الآن يذبح الناس الضحايا تذكيراً بسيرة ذلك النبي الكريم.
стр. 5148
ترك إبراهيم لزوجه وولده في مكة
أيها الإخوة: لقد كان إبراهيم ﵇ آية من آيات الله ، كان إبراهيم نبياً كريما، تجلى استسلامه أيضاً لله لما ترك ولده وأم الولد في مكة في أرض ليس فيها بشر ولا زرع لأن الله أمره بهذا، ورفض أن يتردد ومضى حتى علمت ولحقت به أم الولد تقول: أين تتركنا في هذا المكان؟ حتى علمت أن الله أمره بهذا، فقالت: لن يضيعنا.
كان إبراهيم يرجع ليتفقد أولاده وتركته، فهو يرعى مصلحة الأسرة فلما رأى الزوجة التي عند ولده فيها فساد واعوجاج أمر بطلاقها، ولما رأى الزوجة التي تليها صالحة بارة، أمر بإبقائها.
стр. 5149
من مناقب إبراهيم ﵇
كان إبراهيم يستعين بولده في بناء البيت، وهو يدعو أن يبعث الله فيمن بعده نبياً حتى تستمر الدعوة ويستمر التوحيد؛ لأنه يعلم أنه ميت، فإبراهيم حريص على مستقبل هذه البشرية، ولذلك فإن لهذا النبي الكريم من المناقب أموراً كثيرة: الأولى: أنه أول من يكسى من الخلق كما قال النبي ﷺ ، ونحن نتبع في الحج كثيراً من شعائر إبراهيم، كونوا على مشاعركم هذه، فإنكم اليوم على إرث من إرث إبراهيم، ونحن نتخذ من مقام إبراهيم مصلى كما أمرنا: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً﴾ [البقرة:١٢٥].
وقد كان النبي ﷺ يحب إبراهيم حباً شديداً حتى سمى ولده باسمه: (إنه ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم)، ولما شبه الأنبياء قال: (أما إبراهيم فأشبه الناس بي فانظروا إلى صاحبكم) يعني نفسه، ولقد استفدنا من إبراهيم حياً وميتاً، واستفدنا من إبراهيم بعد وفاته بهذه السيرة التي ذكرها الله لنا، ونستفيد منه لكفالة أولاد المسلمين الذين ماتوا، قال النبي ﷺ : (أطفال المسلمين في جبل في الجنة يكفلهم إبراهيم وسارة، حتى يردهم إلى آبائهم يوم القيامة).
فهنيئاً لك يا عبد الله، يا من مات لك ولد وأنت في الإسلام ثابت على هذا الدين صابر ومحتسب لأمر الله، فإن ولدك عند إبراهيم، لقد استفدنا من إبراهيم بعد وفاته في أنه يكفل أولاد المسلمين، وهذه وصية من إبراهيم لنا بعد وفاته، قال النبي ﷺ : (لقيت إبراهيم ليلة أسري بي فقال: يا محمد! أقرئ أمتك مني السلام -هذا إبراهيم يسلم علينا نحن أمة النبي ﷺ وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) فمن شاء أن ينفذ وصية إبراهيم له، وأن يقوم بهذه الوصية من إبراهيم بعد موته؛ فليأخذها إذاً بكثرة ذكر الله، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر اليهود والمشركين، اللهم عليك بأعداء الدين، اللهم إنهم طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد؛ فصب عليهم سوط عذاب، اللهم إنا نسألك أن تجعلنا ممن يخافك ويتقيك، اجعلنا من عبادك الأخيار، وجندك الأبرار، وارحمنا في هذه الساعة في هذا المكان يا أرحم الراحمين.
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:١٨٠ - ١٨٢].
стр. 5150
ذكرى المثوى
هذا اللهو وهذه الغفلة، وهذا التجاهل المتعمد لحقيقة وجودنا، كل ذلك يمثل احتشاداً لمهرجان البكاء الأعظم، والحزن الذي لا ينتهي، يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم، فالموت أمره عظيم، وكفى به واعظاً!! وهذه المادة عبارة عن تنبيهات هامة في موضوع الموت وسكراته، وكيف أهمّ السلف وأهمله الخلف، وكيف ينبغي أن نتعامل معه كحقيقة مرة لا محيص عنها.
стр. 5151
أهمية تذكر الموت
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
الجواب
=٦٠٠٠٣٩٤> يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] لقد ألهانا ما في هذه الدنيا عن الاستعداد للدار الآخرة، إن هذا البهرج وهذه الزينة، إن هذه الألوان والسلع، إن هذه التسالي والألعاب، إن هذه الأفلام والمسلسلات، إن هذه الأسفار والسياحات، إن هذه الملابس والصناعات؛ قد ألهتنا عن الله تعالى والاستعداد للدار الآخرة، ولا يزال أهل الدنيا في غفلة حتى يأتيهم الموت، فإذا ماتوا انتبهوا.
الموت -يا عباد الله- حثنا النبي ﷺ على تذكره وأمرنا بذلك فقال: (أكثروا من ذكر هادم اللذات) وامتثالاً لأمره ﷺ ، تعالوا بنا نتذكر شيئاً من الأمر الذي أمرنا به ﷺ ، وهو تذكر الموت، لعل الله تعالى أن ينعش قلوبنا بذكره، وأن يزيل الغفلة عن القلوب الصدئة، وأن يعود من انحرف إلى الجادة، وأن يزداد الذي سلك الجادة عبادة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة:٨] نَفِرُّ من الحوادث والأمراض إلى الأطباء والمستشفيات، نَفِرُّ من الموت والموت ملاقينا: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق:١٩] إنه مجيءٌ أكيدٌ ولابد: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ [الأنعام:٩٣] إن هذا الموت يا عباد الله آتٍ لا محالة، كيف بأمرٍ إذا نزل قطَّع الأوصال، أمر يقطع أوصالك، ويفرق أعضاءك، ويهدم أركانك؟ إنه حقاً أمرٌ عظيمٌ وخطبٌ جسيم، وإن يومه لهو اليوم العظيم، قال ابن مسعود ﵀: [ليس للمؤمن راحة دون لقاء الله] وهذا الأمر قد نسيناه، دهانا مجرد ذكر الموت والحديث فيه، والكثير يغضب إذا ذكر الموت ويقول: تنغص علينا حياتنا وعيشتنا، تنغص علينا أكلنا ومعيشتنا، وذِكر الموت ليس لتكدير حياة الناس وإفساد مجالسهم ونزع السعادة منهم، ولكن لإصلاح حالهم وتنوير قلوبهم، وجعلهم مستعدين للقاء الله والقدوم عليه.
قيل للحسن ﵀: يا أبا سعيد! كيف نصنع؟ نجالس أقواماً يخوفونا حتى تكاد قلوبنا تطير، فقال: والله أن تخالل أقواماً يخوفونك حتى يدركك أمنٌ؛ خيرٌ من أن تصحب أقواماً يؤمنونك حتى يدركك الخوف.
وقال ﵀: كان من كان قبلكم يقربون هذا الأمر، كان أحدهم يأخذ ماءً لوضوئه ثم يتنحى لحاجته مخافة أن يأتيه أمر الله وهو على غير طهارة، فإذا فرغ من حاجته توضأ.
стр. 5152
الاتعاظ بالموت للشباب والشيوخ
يا عبد الله! إن ملك الموت إذا جاء لم يمنعه منك وفرة مالك ولا كثرة احتشادك، أما علمت أن ساعة الموت ذات كربٍ شديد، وغصص وندامة على تفريط، رحم الله عبداً عمل لساعة الموت، وما نراه في المقابر أعظم عظةٍ وأكبر معتبر.
تمر بنا أيامٌ أيها الإخوة! تتابع علينا أخبار الوفيات، تتابع الجنازات وأخبار الأموات، هذا صديق، وهذا قريب، وهذا جار، قد اختطفهم الموت بأمر الله تعالى، وما نراه في المقابر أعظم عظة وأكبر معتبر، فحامل الجنازة اليوم محمولٌ غداً، ومن يرجع من المقبرة إلى بيته اليوم سيُرجع عنه غداً ويترك وحيداً فريداً مرتهناً بعمله، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
يا أيها الشاب! لا تغرنك الصحة والقوة والعافية، ولا يغرنك الشباب وكلام الأصحاب، لا يغرنك عِشاءٌ ساكن قد يوافي بالمنيات السحر، قد يأخذك على حين غفلة، وأنت لا ترى الموت يصل إليك، بل تراه بعيدا.
أيها المسلمون! أيها الإخوان! يا عباد الله! هذه ذكرى للشاب، أما من وخطه الشيب وأمد الله في عمره، وتخطاه الموت في سن الشباب فإن شيبه نذير الموت.
تقول النفس غَيِّرْ لون هذا عساك تطيب في عمرٍ يسيرِ
فقلت لها المشيب نذير عمري ولست مسوداً وجه النذير
قال ﷺ : (من شاب شيبة في الإسلام كانت له نوراً يوم القيامة).
стр. 5153
عظم أمر الموت
إذا جاءنا هذا الأمر من الله فهل إلى الطبيب من سبيلٍ، فتدعى الأطباء؟ أو إلى الشفاء طريقٌ فيرجى الشفاء؟ ما يقال إلا فلانٌ أوصى، ولماله أحصى، قد ثقل لسانه فلا يكلم إخوانه، ولا يعرف جيرانه، وعرق الجبين، وتتابع الأنين، وثبت اليقين، وصدقت الظنون، وتلجلج اللسان وبكى الإخوان، هذا ابنك فلان، وهذا أخوك فلان، قد منعت الكلام فلا تنطق، وختم على لسان فلا ينطق، ثم حل بك القضاء، وانتُزعت النفس من الأعضاء، ثم عرج بها إلى السماء، فاجتمع عند ذلك إخوانك وأحضرت أكفانك، فغسلوك وكفنوك، فانقطع عوادك، واستراح حُسادك، وانصرف أهلك إلى مالك، وبقيت مرتهناً بأعمالك.
قال سفيان الثوري ﵀ مبيناً حال شيخٍ كبيرٍ في استعداده للموت: رأيت شيخاً كبيراً في مسجد الكوفة يقول: أنا في هذا المسجد منذ ثلاثين سنة أنتظر الموت أن ينزل بي، لو أتاني ما أمرته بشيء، ولا نهيته عن شيء، ولا لي على أحدٍ شيء، ولا لأحدٍ عندي شيء، أنتظر الموت، أنتظر أمر الله على عبادةٍ وطاعة.
لو أتانا الموت يا عباد الله! فقرع بابنا واستأذن للولوج -ولن يستأذن- لاحتجنا إلى سنوات طويلة نرتب أمورنا ونسدد حقوقنا، ولكن السلف كانوا على استعدادٍ دائم.
انظر يا أخي في غدك ودنو أجلك وقلة عملك، فقد كتب بعض أهل الحكمة إلى رجلٍ من إخوانه: يا أخي! احذر الموت في هذه الدار قبل أن تصير إلى دارٍ تتمنى الموت فيها فلا تجده؛ يُتمنى الموت في ذلك اليوم: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧] فلنحذر في هذه الدار قبل أن نصير إلى دارٍ نتمنى فيه الموت فلا يحصل.
قال يحيى بن معاذ ﵀: مصيبتان للعبد في ماله لم يسمع بمثلها الأولون والآخرون، قيل: وما هما؟ قال: يؤخذ منه كله ويسأل عنه كله، فأي مصيبة في المال أعظم من هذه؟ لو احترق، أو ذهب في الدنيا لأتى غيره بدلاً منه، يأتي هو ببدلٍ منه، لكن عند الموت يؤخذ منه كله، ولا يأتي ببدل، ويسأل عنه كله، وعن كل درهمٍ: من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ قيل لـ عبد الله بن عمر ﵁: [توفي فلانٌ الأنصاري، قال: ﵀، قالوا: ترك مائة ألف، قال: لكن هي لم تتركه] وكيف تتركه وهنالك كتابٌ لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها.
стр. 5154
حال خير الناس في سكرات الموت
(إن للموت لسكرات) قالها النبي ﷺ وهو يدخل يديه في ركوة ماء ويمسح بها وجهه الشريف، وهو يحتضر يقول: (لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات) (ولما رأت فاطمة ﵂ ما برسول الله ﷺ من الكرب الشديد الذي يتغشاه قالت: واكرب أبتاه! فقال لها: ليس على أبيك كربٌ بعد اليوم) ولما احتضر أبو بكر الصديق ﵁ تمثلت عائشة ببيت من الشعر:
أعاذل ما يغني الحذار عن الفتى إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر
فقال أبو بكر ﵁: [ليس كذلك يا بنية! ولكن قولي: ((وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ)) [ق:١٩] ثم قال: انظروا ثوبيَّ هذين فاغسلوهما ثم كفنوني فيهما، فإن الحي أحوج إلى الجديد من الميت].
وعمر بن عبد العزيز ﵁ ورحمه لما كان في مرضه الذي مات فيه، قال: " أجلسوني، فأجلسوه، ثم قال: أنا الذي أمرتني فقصرت، ونهيتني فعصيت، ولكن لا إله إلا الله، ثم رفع رأسه، وأَحدَّ النظر وقال: قد أصبحنا، أعوذ بالله من ليلةٍ صباحها إلى النار ".
هذه كلمات أخرى لـ معاذ بن جبل لما نزل به الموت قال: [مرحباً بالموت زائراً مغيباً، وحبيباً جاء على فاقة، اللهم إني كنت أخافك وأنا اليوم أرجوك، اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لجري الأنهار، ولا لغرس الأشجار ولكن لطول ظمأ الهواجر، وقيام ليل الشتاء، ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر].
فكانوا ثابتين عند الموت لما كان لهم الثبات في الحياة، الطاعة في الحياة تثمر ثباتاً عند الموت، والمعصية في الحياة تثمر اللجلجة والحشرجة، وعدم التوبة وقلة الثبات عند الموت، ولذلك كان السلف ﵏ أثبت ما يكونون في تلك الساعة، وهي أحوج ما يكون فيها الإنسان إلى الإيمان، وإلى سلامة العقيدة.
نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن ثبتهم بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، اللهم هوِّن علينا سكرات الموت، وارزقنا الثبات عند الممات، اللهم إنا نسألك المغفرة والرحمة والعتق من النار.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 5155
استعداد الصحابة والسلف للموت وتأثرهم به
الحمد لله الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً، أشهد أن لا إله إلا الله الحي القيوم، لا إله إلا هو يحيي ويميت وهو حيٌ لا يموت والجن والإنس يموتون، وأشهد أن محمداً رسول الله ﷺ ؛ بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
عباد الله: بكى أبو هريرة في مرضه فقيل له: [ما يبكيك؟ فقال: أما إني لا أبكي على دنياكم هذه، ولكني أبكي على بُعد سفري وقلة زادي، وأنا أصبحت في صعودٍ مهبطٍ على جنة ونار، ولا أدري إلى أيتهما يؤخذ بي].
وهذا عمر ﵁ لما حضره ابن عباس فقال له: [أبشر يا أمير المؤمنين! أسلمت مع رسول الله حين كفر الناس، وقاتلت مع رسول الله حين خذله الناس، وتوفي رسول الله ﷺ وهو عنك راضٍ، ولم يختلف في خلافتك رجلان، فقال عمر: أعد، فأعاد، فقال عمر: المغرور من غررتموه، لو أن لي ما على ظهرها من بيضاء وصفراء من الذهب والفضة لافتديت به مِنْ هَوْلِ المطلع].
ولما حضرت سلمان الفارسي الوفاة بكى فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: [ما أبكي جزعاً على الدنيا، ولكن عَهِد إلينا رسول الله ﷺ أن تكون بُلغة أحدنا من الدنيا كزاد الراكب] هذا هو الذي يكون معه في الدنيا كزاد الراكب، فلما مات سلمان نُظر في جميع ما ترك، فإذا قيمته بضعة عشر درهماً، خاف من بضعة عشر درهماً أن يكون خالف فيها وصية النبي ﷺ .
وقد ذكَّر عمر بن عبد العزيز من حوله فقال: " ألا ترون أنكم تجهزون كل يومٍ غادياً أو رائحاً إلى الله ، وتضعونه في صدعٍ من الأرض قد توسد التراب، وخلف الأحباب وقطع الأسباب ".
سفري بعيد وزادي لن يبلغني وقسوتي لم تزل والموت يطلبني
ولي بقايا ذنوبٍ لست أعلمها الله يعلمها في السر والعلن
стр. 5156
تأثر السلف عند رؤية الجنازة
نظر عمر بن عبد العزيز وهو في جنازة إلى قومٍ قد تلثموا من الغبار والشمس، وانحازوا إلى الظل، فبكى وقال:
من كان حين تصيب الشمس جبهته أو الغبار يخاف الشين والشعثا
ويألف الظل كي تبقى بشاشته فسوف يسكن يوماً راغماً جدثا
في قعر مظلمةٍ غبراء موحشةٍ يطيل في قعرها تحت الثرى اللبثا
تجهزي بجهازٍ تبلغين به يا نفس قبل الردى لم تخلقي عبثا
هانحن نمر في الجنائز ونمشي فيها ونحملها ولا تدمع العيون، ولا تتحرك القلوب، ولا ترى على الوجوه آثار الخشية من هذا المصير، والله إنها غفلة! وإلا فمن لا يعتبر بميت محمولٍ إلى حفرة ضيقة؟ قال الأعمش: كنا نشهد الجنازة ولا ندري من المعزى فيها لكثرة الباكين، ليس أهل الميت فقط هم الذين يبكون، كل الناس يبكون فيها، وإنما كان بكاؤهم على أنفسهم لا على الميت.
وقال ثابت البناني: كنا نشهد الجنازة فلا نرى إلا باكياً! وقال إبراهيم النخعي: كانوا يشهدون الجنازة فيرى فيهم ذلك أياماً.
وقال أسيد بن حضير: ما شهدت جنازة وحدثت نفسي بشيء سوى ما يفعل بالميت وما هو صائرٌ إليه.
وقال إبراهيم النخعي ﵀: كنا إذا حضرنا الجنازة أو سمعنا بميت عُرف فينا أياماً؛ لأنا قد عرفنا أنه قد نزل به أمرٌ صيره إلى الجنة أو إلى النار، وإنكم في جنازتكم تتحدثون بأمور الدنيا.
стр. 5157
غفلة الخلف ونتائجها
والله يا إخوان! يرى في الجنازة من يضحك، ويرى في المقبرة من يضحك، ويرون خارجين من المقابر وبأيديهم السجائر يدخنون، ضحك وتدخين، هذا في أعظم مكان يمكن أن يتذكر فيه الإنسان على وجه الأرض، في المقبرة غاية الغفلة فماذا تعرف وتنتظر وتتوقع خارج المقبرة؟ إذا كانت الغفلة في المقبرة فماذا نتوقع خارج المقبرة؟ ولذلك لا عجب إذاً أن يقعوا في المعاصي متواليات، ويسهروا الليالي في المعاصي، وهؤلاء اليوم وفي هذا الشهر (شهر الحر) يريدون السفر بأي طريقة إلى بلاد الكفر والمعصية، وهؤلاء بائعو السياحة يتفننون في إغراء المسلمين بقضاء إجازتهم في بلاد الكفر التي غابت عنها شمس الدين والفضيلة، وهي محاولات للسطو على أماناتنا من الأموال والأولاد؛ لأن الله قال: ﴿لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال:٢٧ - ٢٨] وهذا وليٌ لا يحفظ ولده، وهذا صاحب مالٍ لا يحفظ ماله.
يا عباد الله! يقترضون من البنوك للسفر إلى الخارج، وتقول المرأة للأخرى لماذا لا تسافرون؟ أما عندكم مال؟ اتجهوا إلى البنك يعطيكم! فيقترضون المال بالربا لأجل سفر محرم، والمسألة حرام في حرام، وبعد ذلك يسددون الفواتير، هناك عوائل تقتر على أنفسها طيلة السنة؛ لكي يجمعوا المال ليسافروا به إلى الخارج، حتى إذا عادوا قالوا لمن حولهم: لماذا لم نركم في لندن؟ ولا في باريس؟ ما رأيناكم في كذا؟ منيتهم غاية ما يتمنون أن يقولوا: كنا في مكان كذا، وكنا في مكان كذا، أين هؤلاء من الموت؟ أين هؤلاء من القبر؟ أين هؤلاء من الآخرة؟ أقسام الجوازات تعمل ليل نهار، الناس في غاية الاندفاع إلى السفر إلى بلاد الكفار، جاء شهر الحر: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة:٨١] لو كانوا يعلمون، لو كانوا يبصرون، لكن ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم توجد غشاوة، فلا يرون الحق، ولا يرون الدين، ولا يرون التقى، وإنما يرون المعاصي والآثام والفجور.
هذه المظاهر الاجتماعية السيئة، إلى متى ستستمر؟ قالوا: نقصت أموال الناس، فإذا هم يزدادون في السفر، وعوضوا بدلاً من بعض بلاد الكفر الأغلى بلاداً أرخص، وهذه المتع المحرمة التي يسافرون إليها، وتضيع الأموال، ثلاثة مليون سائح في عشرة أيام في معدل إنفاق خمسمائة إلى ستمائة ريال، هذا من أدنى المستويات، النتيجة مليار وستمائة مليون تصب في جيوب الكفار من أموال المسلمين، والناس في بلاد المسلمين الأخرى يموتون من الجوع ويبحثون عن حبة طعامٍ تركها بعض موظفي الإغاثة بين التراب ليأكلوها، وهؤلاء يبعثرون أموالهم، ويقترون على أنفسهم، ويستدينون من البنوك، ويسافرون بالأقساط، ويبعثرون الأموال، هل تظنون أن الله سيبدل هؤلاء، أم يتركهم وقد فعلوا ما فعلوا؟ اللهم أصلح أحوال المسلمين، اللهم أصلح أحوال المسلمين، اللهم ردنا إلى الحق رداً جميلاً يا رب العالمين، بصَّرنا بعيوبنا، اللهم قوِّ إيماننا في قلوبنا، اللهم ارزقنا الغلبة على فتنة النساء والأولاد، اللهم ارزقنا الصمود أمام هذه الفتن يا رب العالمين، اللهم اجعلنا من القائمين بأمرك في أسرنا وبيوتنا، وفي أولادنا ونسائنا يا رب العالمين.
اللهم ارزق المجاهدين نصراً قريباً، عجل فرجهم يا رب العالمين، إن لنا إخواناً مستضعفين في الأرض يسامون سوء العذاب وأنت الحي القوي، يا ربنا أنت على كل شيءٍ قدير، اللهم ارحم قتلاهم، واشف جرحاهم، اللهم أطعم جائعهم، واكسُ عاريهم واحمل حافيهم، اللهم عجل بنصرهم، وعجل بفرجهم وردهم إلى الإيمان والتوحيد يا أرحم الراحمين.
اللهم دمر أعداءنا، اللهم أهلك عدونا، اللهم اجعل الفرقة بينهم وأفشل خططهم، واجعل تدبيرهم تدميراً عليهم، اللهم خالف بين قلوبهم، وألق فيها الرعب يا رب العالمين، اللهم اضرب بعضهم ببعض، اللهم خيب رميتهم واجعل دائرة السوء عليهم.
اللهم أنت على كل شيءٍ قدير، فارحم إخواننا، واكبت أعدائنا، اللهم اقض ديوننا، واستر عيوبنا، وارحم ميتنا، اللهم إذا وُضعنا في قبورنا فليس لنا إلا رحمتك، اللهم ثبتنا عند السؤال، اللهم ثبتنا عند السؤال، وباعد بيننا وبين سوء المآل، يا رب العالمين، أحسن وقوفنا بين يديك، ولا تخزنا يوم العرض عليك، وأنت الرحمن الرحيم، ونحن عبادك، ليس لنا إلا رحمتك، فإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.
стр. 5158
رسالة إلى الطبيب المسلم
إن الطبيب المسلم داعية إلى الله تعالى، ومجاله يؤهله للقيام بدور كبير في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي تصحيح واقع كثير من الناس وله مع المريض مواقف لابد أن يعلمها ويعمل بها، وقد ذكر الشيخ بعضاً من هذه المواقف، ثم تكلم عن موقف الطبيب مع المريض المحتضر بشيء من التفصيل، وعقب على ذلك بالكلام عن بعض العمليات الجراحية التي ينبغي على الطبيب أن يعرف أحكامها وفقهها، كعملية العقم، والتجميل، وبتر الأعضاء، وعملية التشريح
стр. 5159
من هو الطبيب المسلم ؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الإخوة حديثنا في هذا اليوم -إن شاء الله- عن بعض الأمور المتعلقة بالطبيب المسلم سنتكلم عن الطبيب المسلم، وسنتعرض من خلال كلامنا في هذا الموضوع لموقف الطبيب المسلم من المريض ومن المحتضر، وبعض النقاط المهمة التي تحصل -أحياناً- في المستشفيات وفي غرف العمليات، وبعض العمليات الجراحية، وقضايا تتعلق بجهاز الإنعاش، وبعض الأمور المتعلقة بعلاقة النساء والرجال داخل المستشفيات.
والكلام عن صفات الطبيب المسلم كلام طويل، ولكن لن نتطرق إليه بالتفصيل في هذه المحاضرة، بل سوف تكون محاضرة عامة أشبه بجمع بعض النقاط التي تصادف الإخوان الأطباء والطبيبات في المستشفى، فبادئ ذي بدء أقول لكم أيها الإخوة: إن الطبيب المسلم ليس هو ذلك الإنسان الذي أخذ الشهادة، أو درس مجموعة معينة من الكراسات في علم الطب في أي حقل من حقوله؛ حتى حصل على تلك الورقة التي تخبر وتثبت بأنه وصل إلى الدرجة الفلانية في حقل الطب، وإنما الطبيب المسلم حقيقة هو داعية إلى الله بالدرجة الأولى، وإن المجال الذي يعمل فيه الطبيب المسلم يؤهله للقيام بدور كبير في الدعوة إلى الله ، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي تصحيح واقع كثير من الناس.
والداعية إلى الله -عموماً- قد يواجه في المجتمع بصدود كبير، وبمقاومات عنيفة، وعوامل كثيرة تجعله لا يستطيع أن يوصل ما يريد إيصاله من الأفكار الإسلامية الصحيحة إلى الناس، ولكن الطبيب عنده فرصة ذهبية لا تكاد توجد لغيره، وهذه الفرصة أنه الآن يتعامل مع شخص في حالة ضعف، والشخص عندما يكون مريضاً أو على وشك الموت؛ فإنه يكون في حالة من التقبل لتقوية صلته بالله أكثر من أي شخص آخر، وهنا تبرز قضية الجانب الإيجابي الذي يتمتع به كثير من الأطباء، والذي لا يوجد لغيرهم من المسلمين الذين يقومون بالدعوة إلى الله في أماكن أخرى.
стр. 5160
موقف الطبيب المسلم من المريض
في البداية -أيها الإخوة- سنتحدث عن موقف الطبيب المسلم من المريض.
стр. 5161
تصبير المريض وجعله يرضى بقضاء الله
الحقيقة أنه عندما يوجد أمامك مريض فهذه فرصة كبيرة لتعليم هذا المريض أشياء كثيرة جداً، وستصادف بطبيعة الحال كما ترى أنت في الواقع العملي أكثر مما أراه أنا أو غيري، سترى فرصة للتصحيح ينبغي أن تستغلها، فمثلاً: ينبغي للطبيب المسلم أن يذكر المريض بالرضى بالله وبقضاء الله، ويذكره بمثل حديث: (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير) لأن المريض قد يكون في حالة من اليأس والقنوط، ويحس مع تزايد الألم ومع وطأة المرض عليه بأنه في حالة قد لا يشفى منها وقد يقنط من رحمة الله، والشخص في الحالة الطبيعية قد لا يأتي في نفسه هذا اليأس، ولكن الشخص في حالة المرض وتحت وطأة المرض قد يوجد عنده هذا الإحساس، وأنت -يا أخي- بصفتك طبيباً وأنتِ بصفتك طبيبة لا بد من استغلال هذه الفرصة لوضع الدواء الإسلامي الناجح؛ لتبيين قضية الرضى بقضاء الله، ومساعدة المريض بالألفاظ الطيبة التي تصبره على ما يعيشه من المحنة ومن التعب النفسي والجسدي.
وقد يتسخط بعض المرضى، وقد يسبون المرض أو أعراض المرض، ولكن عندما نرى هذا الحديث في صحيح الإمام مسلم، عن جابر: أن رسول الله ﷺ دخل على أم السائب فقال: (ما لك تزفزفين؟ قالت: الحمى، لا بارك الله فيها.
فقال: لا تسبي الحمى؛ فإنها تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد) كما أن هذا الفرن الحار وهذه النار الحامية تذهب الخبث أو الشوائب في الحديد حتى يخرج معدناً صافياً نقياً، كذلك هذه الأمراض تنقي المريض من الخطايا، فأنت إذاً تفتح له باب الأمل، وتفتح له باب رحمة الله، وتقول له: رب ضارة نافعة، وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، وهذه فرصة لمحو كثير من الذنوب والخطايا التي قد لا تمحى إلا بالمرض، لأن كثيراً من توبة الناس واستغفارهم خاطئة فيها خطأ، ولكن إذا جاء المرض يمحو الله به من السيئات ما لا يمحوه بالتوبة والاستغفار.
وقد يصل المريض إلى درجة أن يتمنى الموت، تجده يصرخ -مثلاً- في الغرفة ويدعو على نفسه بالموت، أو يدعو الله أن يميته تحت هذا الضغط من الألم، فعند ذلك تبين له حديث الرسول ﷺ : (لا يتمنى أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لا بد فليقل: اللهم أحيني ما علمت الحياة خيراً لي، وتوفني ما علمت الوفاة خيراً لي) هذه مبادئ أساسية، وهذه الأحاديث -يا إخوة- يمكن أن الشخص العادي لا يجد لها مجالاً عملياً مثل ما يجدلها الطبيب، ولكن أنت بواقعك تستطيع أن تطبق هذه الأحاديث وتعمل بها في الواقع كثيراً.
стр. 5162
العمل مع المرض الخبيث
وأحياناً يكون مرض المريض خبيثاً، قد يصاب بسرطان أو غيره، فماذا يجب عليك في هذه الحالة؟ يلجأ كثير من الأطباء إلى إخفاء واقع المرض السيئ عن المريض، وعدم إخباره نهائياً بحالته الصحية، وهذه المسألة مع ما فيها من الإيجابيات حتى لا تسوء نفسية المريض؛ فإنه لا بد -أيضاً- من إخباره بوضع معين حتى يتأهب للموت، قد يكون لم يوصِ بعد، فهو يحتاج إلى أن يوصي مثلاً، وقد يكون رجلاً عنده معاصي كثيرة يريد أن يتوب منها، فأنت لا بد أن تتوسط بين تبيين وضعه تماماً بحيث أنه -مثلاً- لا ييأس، أو بحيث أنه لا يصاب بإحباط، وبين أن تبين له مدى الخطورة التي يستعد بعدها، فلا بد -مثلاً- أن تبين له وتقول له: يا أخي! الأعمار بيد الله، قد يكون هذا المرض مميتاً وقد تشفى بإذن الله، نحن لا ندري، لكن أنت عليك أن تتأهب لملاقاة الله في أي وقت كلمات تشعر صاحب المرض الخبيث أنه قد يقدم على الله في أية لحظة فيستعد.
إذاً: السلبية من عدم إخبار المريض نهائياً بحالة المرض الخبيث الذي هو فيه، هي: أن المريض لا يتمكن من القيام بتصرفات معينة، مثل التوبة، ومثل كتابة الوصية، فأنت تتلافى هذه السلبية وتتوسط بأسلوبك الهادئ المتزن بين سلبية إشعاره باليأس كأن تقول: معك سرطان -مثلاً- مفاجأة، وبين أنك تطمئنه تماماً؛ بحيث أن الرجل يظن أنه ليس فيه شيء نهائياً، وأنه سيقوم بعد أيام، وإذا به تفاجئه المنية.
стр. 5163
وصية المريض إلى الطبيب
وقد يسر المريض للطبيب في حالة الاحتضار بأسرار معينة، وقد يوصيه بوصايا ما يطلع عليها أحد، لكن هذا عندما يجد نفسه في حالة احتضار، فقد يقول للطبيب مثلاً: قل لأبي كذا، أو قل لأمي أو قل لإخواني كذا، أو أوصي بأن يخرج من مالي كذا، أو أني -مثلاً- ظلمت عمالاً معينين، أكد على أهلي بأن يخرجوا حقوقهم أو رواتبهم الخ، ففي هذه الحالة لا بد أن ينقل، فإن من مهمات الطبيب المسلم أن ينقل إلى أولاد الميت أو أوليائه بأمانة تامة كل ما أخبره به المريض عند احتضاره، فأنت قد تسمع من الرجل وصايا ما يسمعها غيرك؛ لأنك كنت موجوداً في تلك اللحظة.
стр. 5164
عدم إكراه المريض على الطعام والشراب
كذلك -أيها الإخوة- حديث الرسول ﷺ الصحيح أو الحسن، الذي رواه الترمذي وابن ماجة عن عقبة بن عامر مرفوعاً: (لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب، فإن الله يطعمهم ويسقيهم) فالذي يفكر بمنظور مادي بحت؛ قد يجد أنه لا بد من أن يأكل المريض الطعام كله، أو لا بد أن يلتهم هذه الأطباق كلها، ولكن الحديث يقول: (فإن الله يطعمهم ويسقيهم) وبالتأمل وبالتجربة تجد فعلاً أن المريض يتحمل، أحياناً يعيش على مقادير ضئيلة من الطعام والشراب لا يعيش عليها غيره! أو أنه يبقى بحالة معينة على مقادير ضئيلة من الطعام والشراب لا يبقى عليها غيره! وهذا بسبب أن الله يساعده، وعلى قدر البلاء تكون المعونة -كما قال العلماء.
إذاً: قضية إكراه المرضى على الطعام والشراب ليست مسألة واردة أو محبذة في وضع المريض، ولكن هناك أشياء لا بد منها، مثلاً: هناك سائل معين مغذٍّ في حالته لا بد أن يأخذه، ففي هذه الحالة لا نقول له: اعزل السائل هذا ولا تأخذه لأن الله يطعمه بل لا بد من اتخاذ الأسباب.
стр. 5165
زيارة المرضى
وهنا تذكير في أثناء مرور الأطباء على المرضى في الغرف: أن ينوي الطبيب بإتيانه للمريض أنه يعوده لتحصيل الأجر، فإن بعض الإخوان من الأطباء قد يمر على المرضى بحكم أن هذا عمل، وأنه لا بد أن يقوم بالجولة المعينة على الغرف الفلانية والأسرة الفلانية، وينسى في غمرة هذا العمل أن ينوي في قلبه أنه الآن يمر عليهم ليس فقط لمعالجتهم والتأكد من أحوالهم، أو أن هذا العمل موكل إليه وهذا التوزيع المعين، وإنما -أيضاً- ينوي أن يمر للعيادة لتحصيل الأجر العظيم؛ لأن في عيادة المريض أجراً عظيماً، فعن ثوير عن أبيه قال: أخذ علي بيدي فقال: انطلق بنا إلى الحسن بن علي نعوده، فوجدنا عنده أبا موسى الأشعري، قال علي لـ أبي موسى: عائداً جئت أم زائراً؟ فقال: عائداً.
فقال علي: فإني سمعت النبي ﷺ يقول: (ما من مسلم يعود مسلماً غدوةً إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، ولا يعوده مساءً إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح، وكان له خريف في الجنة) والخريف هو المخرف، أي: الثمار المجتناة في الجنة، طوال ذهابه وعودته وهو يمشي في خرافة الجنة، في الثمار المجتناة التي تكون له في الجنة.
فإذاً: لا ننسى تحصيل هذا الأجر، ولذلك نجد بعض الإخوة الأطباء عندهم روح طبية في زيارتهم، فتجده لو مر بمريض ليس بمريضِهِ وليس بمكلف بالمرور عليه، تجد أنه يأتي ويسلم: السلام عليكم، كيف أنت يا أخي؟ هل تحتاج شيئاً؟ وهذه الأشياء ليست علاجاً، فهو لن يعطيه إبراً أو أدوية، وإنما يعطيه كلمات، وقد لا يكون المريض تابعاً لنفس الطبيب، لكن هذه الكلمات ينوي بها العيادة ولن يخسر شيئاً؛ لأنه سيمر بسريره وسرير غيره، فيحصل أجراً عظيماً، فهذه فرص للأجر لكم تستطيعون تحصيلها، ليس كغيركم من الزوار الذين لا يأتون إلا جزءاً من ساعة معينة في اليوم، وقد لا يأتي يومياً، وأنت يومياً تستطيع أن تكسب هذا الأجر.
стр. 5166
الاهتمام بالأحكام الشرعية التي تهم المريض
كذلك من الأمور المهمة بعلاقة المريض بالطبيب والتي يحصل فيها غفلة كبيرة: الاهتمام بالأحكام الشرعية التي تهم المريض، مثل: قضايا الطهارة، استقبال القبلة، وكيفية الصلاة، فإن كثيراً من المرضى ونتلقى أسئلة كثيرة جداً عن بعض المرضى يقول: تركت الصلاة بالكلية فترة المرض؛ لأني لم أكن أظن أن الصلاة تجب علي في تلك الحال! أو يقول: إن البول يخرج مني باستمرار في أثناء وجودي، أو إن عندي مرضاً معيناً لا أستطيع أن أتطهر، وقد لا أستطيع أن أذهب إلى دورة المياه للإخراج، وقد أخرج في سريري وأنا جالس، وقد تتلوث الأغطية بهذه النجاسات، فكيف أصلي؟! والطبيب يرى بعينه حالة المريض، فينبغي له أن يتفقه في أشياء كيف يصلي المريض؟ كيف يتطهر المريض؟ ما معنى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]؟ إذا كان لا يستطيع أن يصلي إلا بالنجاسة في ثيابه يصلي بالنجاسة في ثيابه إذا لم يقدر على أن يتوضأ ولا أن يؤتى له بالماء ليتوضأ يساعده الطبيب بأن يأتي له -مثلاً- بعلبة من الرمل أو التراب النظيف حتى يتيمم عليه، ينبغي أن يكون بجانب كل غرفة مرضى إناء من الرمل أو التراب بدل إناء الزهور هذا الذي قد لا يكون له فائدة؛ حتى إذا طلب المريض شيئاً وما يستطيع أن يتوضأ يأتي له الطبيب بهذا الإناء من الرمل يضرب عليه، ويمسح ظاهر كفيه ووجهه، فقد صار الآن طاهراً يؤدي الصلاة، وإذا استطاع الطبيب أن يوجهه إلى القبلة وجهه إلى القبلة، إذا لم يقدر على أن يتحرك نهائياً وبعض الأجهزة متصلة به فيصلي على حسب حاله ولو إلى غير القبلة، ويشرح له الطبيب أنه يجوز له الجمع بين صلاتي الظهر والعصر، والمغرب والعشاء؛ لأنه من أصحاب الأعذار.
إذاً: لا بد أن يكون لك موقف يا أخي، لا تقل: أنا عملي أنني فقط أحط السائل، وأرى لهذا، وأعالج وأكشف لا، أنت ترى الآن مسلماً أمامك لا يعرف كيف يصلي، لا يعرف كيف يعبد الله، ومن المهم أن يبقى الإنسان المسلم متصلاً بالله في الصلاة وغير الصلاة وبعض الأطباء يقول: ليس لي دخل، أنا ما علي من صلاة، هذه بينه وبين الله نعم.
بينه وبين الله، ولكن أنت تستطيع أن تقدم شيئاً، تستطيع أن تساعد، تستطيع أن تغير، ليس هناك مشايخ وعلماء في المستشفيات يبينون للمرضى، ولو وجد قد لا يستطيعون الدخول في كل وقت، فأنت تبين للمرضى كيفية الطهارة والصلاة بالنسبة إليهم، وهناك نشرة لطيفة كتبها الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين في كيفية طهارة المريض وصلاته، صفحة أو صفحتين تقرؤها وتحفظ ما فيها وتنتهي القضية.
كذلك -مثلاً- إذا أغمي على شخص في عملية كيف يقضي الصلاة مرتبة عندما يقوم؟ تشرح له وتقول: لقد أغمي عليك -مثلاً- من الساعة الفلانية إلى الساعة الفلانية، من الوقت الفلاني إلى الوقت الفلاني، لقد فاتك كذا وكذا من الصلوات، فأنت تبين له ما هي الأشياء التي فاتته من الصلوات لكي يقضيها.
стр. 5167
ما ينبغي على الأطباء في المستشفى التعليمي
كذلك بالنسبة للأطباء أو الأساتذة الذين في المستشفى التعليمي- والمستشفى التعليمي يتمرن فيه الطلاب على بعض الحالات المرضية التي قد تأتي، قد يجلس التلاميذ أو الطلاب في حالة انتظار للمريض الذي سيأتي، وهم يتلمسون الحالات النادرة، ويتسقطون أخبارها، وإذا جاء واحد بحالة نادرة فزعوا فوراً وأقبلوا ابتهاجاً، المريض مسكين وهم مبتهجون وجدنا حالة قلب، حالة قلب! يالله! ويقبلون على الطبيب وهم فرحون مبتهجون، لأنه أتت حالة قلب وأتى ليرى، وكل واحد يريد أن يكشف، وهذا المسكين يئن ويتألم وهذا يتبسم ويقبل فارح لأنه رآه! فهنا على الأستاذ الدكتور أن ينهى الطلاب عن إظهار الابتهاج بالمريض مراعاة لشعوره.
وكذلك عند فحص هذا المريض يتجنب أن يظهر أهالي المريض أنه محل تجارب، كأن يقول: تعال اكشف أنت وقد يحتاج إلى علاج حتى يسكن ألمه، فيقول: لا، لابد أن يرى هذا كل الطلاب، دعه قليلاً يتألم إن شاء الله هذا لن يحدث، لكن من باب التذكير والتنبيه.
стр. 5168
موقف الطبيب المسلم من المريض المحتضر
فإذا وصل المريض إلى مرحلة الاحتضار أو جاءت حالة طارئة إلى الطوارئ وهو الآن في حالة احتضار، فماذا ينبغي على الطبيب المسلم أن يفعل؟
стр. 5169
تلقين المحتضر الشهادتين
أوائل الأشياء التي تتبادر إلى الذهن والتي جاءت في السنة: قضية تلقين الميت أو المحتضر الشهادة، والرسول ﷺ كان يأمر بها، وفي الحديث الصحيح أنه ﵇ عاد رجلاً من الأنصار فقال: (يا خالي قل لا إله إلا الله) فالموضوع هو قضية التلقين، أن تقول للمريض: قل لا إله إلا الله، لكن قد لا يقولها هذا المحتضر للمرة الأولى، فأنت تعيدها عليه الثانية والثالثة، لكن بدون أن تضجره، لأنه في حالة النزع يكون مشغولاً جداً بسكرات الموت التي نزلت به، وهي أثقل ما يكون على الإنسان، ومهما كان الطبيب حاذقاً، ومهما رأى مئات الحالات أمامه لا يشعر أبداً بالسكرات التي يحس بها الشخص الذي يحتضر أمامه، ولذلك قد لا يستجيب، وقد يرفض، وإذا كان من أهل الخاتمة السيئة -والعياذ بالله- قد يأبى إباءً شديداً ويبعدك عنه، ولا يرضى أن يسمع منك، لأن الله قد قضى عليه بهذا لأجل عمله، لأن الرجل نفسه لم يكن صالحاً.
стр. 5170
الاتعاظ بحال الاحتضار
وينبغي عند مشاهدة المحتضرين أن يوجد في نفوس من يرون هذا المشهد الخوف من الله ، وتذكر الموت وهيبته، ومع كثرة مشاهدة الحالات تصبح القضية في النفس فيها نوع من البلادة، وهناك -أيضاً- نوع من عدم الإحساس تدريجياً لكثرة الحالات التي يراها الإنسان، وهنا كان الرسول ﷺ يقول: (إن للموت لفزعاً) وللموت سكرات، والرسول ﷺ في مبدأ أمره لما جاءت الجنازة، قام، لأن الموت يفزع، فأنت عندما ترى هذا المفروض أن تكرار الرؤيا لا يحدث عندك تبلداً في الإحساس بحيث أنك لا تدرك ما معك.
وقد نسمع عن بعض الحالات في الطوارئ، يأتي رجل على وشك الموت ويحيط به الأطباء والناس قد يصيحون، وقد يصيح من حوله أولاده، وتحدث لحظات صمت عند الوفاة، فإذا مات الرجل وذهب به مع أهله وذويه وخرجوا، رجع الأطباء والطبيبات والممرضات والمرضى يضحكون، ويتكلمون، وكأن شيئاً لم يكن، وهم قبل دقائق كانوا يرون رجلاً سيكون أحدهم في مكانه في يوم من الأيام.
فإذاً نقول: لا ينبغي أن تحدث كثرة الحالات عندنا هذه القسوة في القلب، وينبغي للإنسان أن يستشعر مهما كان هذا الرجل يعاني من سكرات الموت، وملائكة الموت تنزل به، قد تكون ملائكة رحمة وقد تكون ملائكة عذاب، ولذلك الطبيب لا يشتغل وهو ساكت صامت كأنه أغلق فمه، وإنما يطلب من الله أن يعينه ويعين المريض، ويسأل الله أن يرحم المريض وأن يثبت هذا المحتضر، ويسأل الله له حسن الخاتمة لو مات، ويدعو له، وتلك اللحظات فيها أشياء لا توجد في غيرها، وأنت قد تعاصر أشياء لا يعاصرها غيرك، ولا يعيش فيها غيرك، من ذلك -مثلاً- أن الرسول ﷺ قال: (إذا حضرتم الميت فقولوا خيراً فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون) والطبيب يحضر مرضى ويحضر موتى، بإمكانه أن يقول خيراً وأن يدعو خيراً؛ فعليه أن يستغل هذه الفرصة، ولا يقف صامتاً مجرد أنه يعمل الآن بيديه ويراقب وهو مشغول عن الموت وعن الدعاء، وعن سكرات الموت، وعن التأثر، وأن قلبه قد تحجر، وقد لا يذرف دمعة واحدة مهما رأى من الموتى.
стр. 5171
موقف الطبيب إذا أبى المحتضر أن ينطق الشهادتين
نعود إلى المسألة فنقول: لو أنك خشيت إذا أمرت المريض بأن يقول: (لا إله إلا الله) أن يضجر؛ فعليك أن تقولها أنت بلسانك حتى يحاكيك ويستجيب لك؛ لأنه قد لا يفهم، في لحظات الاحتضار قد لا يفهم ما تأمره به، فعندما تقول أنت: لا إله إلا الله، وتكررها عشرين أو ثلاثين مرة، قد يستجيب ويقولها، وتكون نهاية خاتمته على لا إله إلا الله.
ويستطيع الطبيب أن يساهم في إنقاذ أناس من جهنم إذا أراد الله له ذلك، فيكتب على يديه هداية أشخاص في اللحظات الأخيرة، أو أن يخرجوا من الدنيا بلا إله إلا الله التي قالها لهم الطبيب، وهنا قد يسأل بعض الإخوان سؤالاً فيقول: أتاني مريض في حالة خطيرة جداً إلى الطوارئ، فلو أني قلت له: قل: (لا إله إلا الله)، ثم إنه كتب له الشفاء، فهنا قد يقيم علي دعوى، ويشكوني ويقول: أنت حطمت معنوياتي لما قلت لي: قل (لا إله إلا الله)؛ لأن معناها أنك حكمت علي بالموت! هناك بعض ضعفاء العقول والإيمان يقولون هذا، فأنت الآن بين نارين: إذا قلت له: قل: "لا إله إلا الله" قد تحدث هذه السلبية، وفعلاً -إذا أردنا أن نكون متجردين- قد تضعف نفسية الرجل ويقول: معناها أني سأموت.
لكن في الجانب الآخر لو لم تقل له هذا الكلام فيمكن يموت ويخرج من الدنيا وما قال: (لا إله إلا الله) وتكون قد فوت عليه فرصة عظيمة لا يمكن أن تأتي إلا على يديك؛ ففي هذه الحالة ينبغي أن يكون الطبيب لبقاً، وأن يقول له -مثلاً- إذا أتى إليه واحد في حالة خطيرة: اذكر الله يا أخي، اذكر الله، واستعن بالله، وعندما تقول لأي واحد من العامة: اذكر الله ماذا يقول في العادة؟ سيقول: (لا إله إلا الله)، فإذاً: أنت حللت هذا الإشكال، فممكن أن تقول: اذكر الله يا أخي، فسوف يقول: (لا إله إلا الله) فتنتهي المشكلة، وتقول له: أنت الآن لا بد أن تستعين بالله في وضعك هذا.
فيقول: (لا إله إلا الله).
فلو مات انتهت القضية، وخرجت بسلام.
стр. 5172
موقف الطبيب من المريض الكافر
وإن كان المريض كافراً فينبغي للطبيب أن يدعوه إلى الإسلام؛ لحديث أنس ﵁ قال: (كان غلام يهودي يخدم النبي ﷺ ، فمرض، فأتاه يعوده فقعد عند رأسه فقال: أسلم.
فنظر إلى أبيه، فقال له -أي: الأب- أطع أبا القاسم ﷺ .
فأسلم ومات فخرج النبي ﷺ وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه بي من النار) وهنا نذكر بالمشكلة الحاصلة في نفوس الكثير من المشتغلين في حقل الطب: وهي مشكلة الفصل بين واجبات المهنة وواجبات الدين فقد يقول الواحد: ماذا علي منه أن أدعوه إلى الإسلام وأدعو له، الله يقول: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:٦] ويستشهد بآيات على ما يسوغ له، ويأخذ من القرآن ما يريد ويدع ما يريد، وهذه الآية: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:٦] هل معناها أننا ما ندعوهم إلى الإسلام؟ الرسول ﷺ دعاه إلى الإسلام وقال: (الحمد لله الذي أنقذه بي من النار) وهذا كافر أمامك، لقنه، قل له بالإنجليزي، اشرح له إذا لم يكن يفهم بالعربي، قد تكسب أجراً عظيماً: (لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم) إذاً: الإخوان الذين يقولون: نحن أطباء ما لنا علاقة بالقضايا الإسلامية أو بقضايا الدعوة إلى الله، وهذه القضية عمل المشايخ وأئمة المساجد والدعاة، نحن أطباء لنا الجانب الطبي، والجانب العلمي!! تقول: من قال: إن المسلم إما أن يكون طبيباً أو مهندساً أو شيخاً أو قاضياً وليس له علاقة بالأمور الأخرى؟ إذا كان الأطباء من النصارى يذهبون في بعثات تبشيرية ولا يعطون الرجل الدواء حتى يشهد للصليب ويؤمن به، وغالب البعثات التبشيرية من الأطباء، أولئك على باطل يستغلون الطب ويستغلون المرضى ويستغلون الموتى بنشر الأباطيل النصرانية، ونحن -يا أهل الإسلام ويا أهل الحق- نأتي ونقول: ما لنا دخل نحن الأطباء! هذا وأنت لم تذهب إلى أدغال أفريقيا ولن تسافر إلى أمكنة بعيدة كما يضحي أهل الباطل، أنت قد جاء إليك في المستشفى، أما ذاك فإنه يذهب ويقطع آلاف الأميال، ويهجر الأهل والبلد والأولاد، ويتغرب عن الوطن لكي يدعو إلى الباطل، ويستغل الطب، ويقولون له: ما نعطيك إلا كذا، أو يقولون له مثلاً: هذا من يسوع، وهذا ما أدري ممن وأنت أخونا في الله جالس وتقول: أنا ما لي علاقة بالدين!
стр. 5173
واجب الطبيب المسلم بعد وفاة المريض
فإذا مات فإنك تغمض عينيه، ومن علامات الوفاة أن البصر يصعد إلى الأعلى، فتجد الرجل الميت أو الميتة يشخص ببصره إلى الأعلى لماذا؟ لأن الروح تسحب من الأعلى، والروح كما قال الرسول ﷺ تخرج من أسافل القدمين والأجزاء التي تليها حتى تصل إلى الحلق فعند ذلك يغرغر، ثم تسحب من رأسه من جهة الأعلى؛ ولذلك يقول الرسول ﷺ : (إذا قبضت الروح تبعها البصر) ولذلك تجد الموتى يشخصون بأبصارهم إلى الأعلى؛ لأن الروح تسحب إلى العلو، فيكون منظره مخيفاً أو مرعباً فعند ذلك يسن أن تغمض عيناه، وكذلك يغطى بثوب يستر جميع بدنه، وهذا قبل الدفن بعد الموت مباشرة، إذا مات بين يديك غمضت عينيه، وسترته بملاءة -برداء- يستر جميع بدنه.
وكذلك يعجل بتجهيزه، ويخبر أولياء الميت بسرعة، وإخبار أولياء الميت يتعلق به أشياء: من امرأة قد تحد، وسوف تحد من لحظة وصول خبر الموت إليها، فهناك أحكام تترتب على إخبارك أولياء الميت قضايا الاستعجال بالتجهيز والدفن هم سيقومون بها، وهناك مرأة ستدخل في الحداد، وهناك قضايا الميراث، وأشياء كثيرة ستترتب على هذا؛ ولذلك يسرع بإخبار أولياء الميت لكن برفق، ويأتي أحدهم ينتظر ويسأل: ما الخبر؟ فيقول: مات!! فلا بد أن يخبر؛ لأنه تترتب عليه أحكام، لكن بطريقة لطيفة، وعليه أن يتذكر آيات وأحاديث يقولها لأولياء الميت عندما يخرج عليهم من غرفة الإنعاش وقد مات الرجل، حتى يهون عليهم، لا يقول: مات! ويدير ظهره ويمشي، فهناك قضايا هم يسمونها إنسانية لكننا نسميها، (آداب شرعية إسلامية).
وأحياناً يحصل إهمال فيبقى الميت على سريره وسط المرضى لساعات، والمرضى يعلمون في الغرفة أن الرجل الذي في هذا السرير قد مات، وهذا خطأ كبير أن يحدث هذا، فلا بد من التفقد ومن سرعة الانتباه، وإذا استطعت أن تقدم أشياء كالروتين حتى يمشي بسرعة لأن إجراءات الوفاة من أصعب الإجراءات وأطولها يذهب ذلك ويبحث عن الدكتور يوقع له ورقة، وذاك مشغول ذاهب فأنت داخل في أمر الرسول ﷺ بالإسراع في تجهيز الميت.
وإذا رأيت عليه من علامات حسن الخاتمة شيئاً، كأن رأيت -مثلاً- بياضاً في وجهه أو نوراً، أو رأيت التجاعيد زالت عند موته؛ لأن بعض أولياء الله وبعض الصالحين قد يحدث لهم علامات من حسن الخاتمة، أو أنك شاهدته يتبسم، فمن باب أن الرسول ﷺ أمر بالثناء على الميت والإخبار بمحاسنه، فأنت تخبر بهذه المحاسن وتقول لأهله: أبشروا، ميتكم -إن شاء الله- على خير، لقد رأيته تبسم مع أنه مات، لقد رأيت نوراً يسطع بين عينيه.
وأنت ما تكذب وتؤلف لكن تخبر بالحقيقة.
وإن كنت رأيت شيئاً من علامات سوء الخاتمة -والعياذ بالله- قد ترى وجهه قد انقلب أسود وكان أبيض البشرة، وقد تجد له رائحة منتنة حالما يموت، وقد تجد أشياء كثيرة؛ فهذه تستر ولا تنشر بين الناس.
стр. 5174
دور الطبيب المسلم تجاه منكرات الأموات
وللطبيب -أيضاً- دور في منكرات أهل الميت التي يفعلونها، مثل: النياحة، فقد تخبرهم وتكون أمه أو أخته موجودة أو ابنته، فتصيح وتولول وتزعق، وقد تشق خمارها وتنشر شعرها وتحدث منكرات، فأنت عليك في هذه الحالة أن تبين لهم وأن تنهاهم عن هذا، فعن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران) وهو المعدن المصهور المذاب المتناهي في الحرارة، سربال: أي: ثوب يغطيها (ودرع من جرب) رواه مسلم فما ينبغي أن ترى هذه النائحة وترى هذا المنكر أمامك وأنت ساكت، ولا بد أن تنكر وتبين وتقول: ما يصلح هذا، اصبروا واعتصموا بالله وهكذا.
стр. 5175
مسائل متفرقة تتعلق بالطبيب المسلم
وهذه بعض الأحكام أذكرها بسرعة لابد للطبيب أن يعرف أحكام النجاسات، ونواقض الوضوء، وحكم لمس عورة المريض والسوائل الكحولية -نجاستها وعدم نجاستها- وكذلك الذين يعملون في المختبرات، لابد أن يعملوا نجاسة العينات والدم، فإن الدم نجس مثلاً، كذلك لا بد للطبيب المسلم أن يتفقه بالإضافة إلى قضايا الطهارة التي يحتاجها في أثناء عمله في أحكام الصلاة، وجمع الصلوات للذين يعملون عمليات طويلة، فإن هذا جائز للضرورة الطبيب الآن في غرفة العمليات يعمل عملية ولا يمكن أن يتركها، فنقول: أولاً لا بد أن توقت توقيتاً صحيحاً، فإذا أمكنك أن تعمل العملية بعد أن تصلي الصلاة في وقتها فتعمل العملية بعد أن تصلي الصلاة في وقتها، فإن بعض العمليات يمكن أن تؤجل ربع ساعة أو ساعات ولا يضر ذلك، وبعضها عمليات طارئة لا بد منذ أن تأتيك الحالة أن تشتغل فيها، ففي هذه الحالة يجوز لك أن تجمع الظهر مع العصر أو المغرب مع العشاء، وتوقت العملية قدر الإمكان بحيث أنك تستطيع أن تجمع، لا تأتي -مثلاً- وتبدأ العملية بعد العصر أو قبل العصر وأنت ما صليت العصر ولا جمعتها مع الظهر للضرورة، ولن تنتهي العملية إلا بعد المغرب ولا يمكن الجمع الآن فقد ذهب وقت الصلاة، ولن تؤديها لا جمعاً ولا أداءً؛ فينبغي أن ترتب المسألة قدر الإمكان.
стр. 5176
الطبيب المسلم داعية إلى الله
الطبيب -أيها الإخوة- أيضاً إنسان ناصح، وإنسان داعية، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، لا بد أن يكون له موقف من بعض المرضى بأسباب معينة، كأن يتبين لك أنه مريض بسبب شرب الخمر، أو أنه مريض بسبب شرب المخدرات، أو أن هذا المرض الذي فيه من الأمراض التناسلية الحاصلة بسبب الزنا أو اللواط، فبعض الأطباء تأتيه الحالة ويعرف ما وراءها، ويعرف ما هو السبب، وعنده الخبرة من عمليات الاحتكاك ومرور الحالات عليه أن هذه جاءت بسبب كبائر وبسبب فواحش، فلا يأتي ويقول: أنا حدي في الطب أن أقدم له العلاج وذاك يكفيه!! أنت الآن تعالجه، وإذا خرج من المرض استعمل الحرام مرة ثانية، فأنت أعنته على المنكر، ولا نقول لك: اتركه مريضاً حتى لا يتمكن من فعل المنكر! لكن نقول لك: بالإضافة إلى تقديم العلاج البدني قدم له العلاج القلبي، قل له: يا فلان! لنكن صرحاء، هذه الحالة تأتي -مثلاً- بسبب فواحش، بسبب كذا، فأنت عليك أن تتوب إلى الله، وأن تتقي الله ، وقد تأتي المرة القادمة ويمكن ما ينفعك العلاج.
كذلك الأعراض الخطيرة للمرض لكن ما يذكرها؛ مع أنها قد تمنع المريض عقلاً -لا شرعاً- قد تمنع عقلاً عن ارتكاب الفاحشة، لكن لا يخبره بها فقط، يأتي مريض فيعالج ويذهب، ثم يرجع له في المرة الثانية بمرض ثان، ثم يبدأ يعالجه وهكذا، هذا الكلام غير صحيح، ينبغي عليك أن تبين له مضاعفة الأمراض هذه بالذات، كالأمراض التناسلية وغيرها، وكذلك أضرار المخدرات والخمر، تبين له الأضرار التي قد تترتب عليها ما لا تبينه لرجل آخر ليست عنده هذه الأشياء؛ لأنه لا فائدة من أنك تهبط من معنويات رجل صالح أتى له مرض فتقول: هذا قد يتطور وقد يتضاعف وقد يؤدي إلى كذا، وهو إنسان صالح، وليس هناك مصلحة من إخباره بالمضاعفات، أما الرجل الذي يرتكب الفواحش، ويشرب هذه الأمور، عليك أن تقول: يا أخي! هذه تؤدي إلى كذا، وفيها مضاعفات كذا وكذا؛ لأنها قد تسبب أن يمتنع عقله، والإنسان قد يكون عاقلاً فيترك من باب أنه لا تؤدي إلى هذا لكي لا يتضرر، وفي نفس الوقت تبين له الحكم الشرعي في المسألة.
ولا نكون مثل بعض الناس الذين إذا رأوا طبيباً مسلماً وعنده دين وخير ويبين هذه الأشياء، فيأتي طبيب آخر ويقول: هذا غير صحيح، كيف تستغل المهنة في إملاء أفكارك؟! أنت الآن تكلم ماسونياً أو نصرانياً أتكلم عن أشياء، أنا رجل مسلم، أبين للرجل أخطار هذه شرعاً، وإن أمليت عليه أفكاري واجتهاداتي وأمليت عليه آرائي، وأنا أملي عليه قول الله وقول رسوله، أم ماذا؟ فإذاً: هذا لا يعتبر استغلالاً، وإن سميناه استغلالاً فهو استغلال في شيء حسن، أنت تستغله في إبعاده عن المنكر، تستغل هذا الشيء في تقريبه من الله ، ونعم هذا الاستغلال.
стр. 5177
العلاج بالقرآن وذكر الله تعالى ودور الطبيب في ذلك
كذلك -مثلاً- في حقل الطب النفسي، حقل الطب النفسي فيه أيضاً مجال كثير لإدخال أشياء إسلامية هي فعلاً علاجات وما هي ضحك على الناس، مثل: ذكر الله ، والتعلق بالله، وصلة المريض بالله والإقبال على الله من أنفع الأمور التي تعالج؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [طه:١٢٤] ماذا تعني "معيشة ضنكا"؟ أي: شقاء نفسي وتعب، ونفسية سيئة بسبب البعد عن الله ، وأكثر الأمراض النفسية بسبب الابتعاد عن الله ، فأنت عندما تقربه من الله فهي أيضاً من باب العلاج.
أيضاً: قضايا الاستشفاء بالقرآن، والله يقول: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء:٨٢] ونعلم أن الرسول ﷺ كان يداوي نفسه بالقرآن، كانت عائشة تجمع يدي الرسول ﷺ وتقرأ فيهما فتمسح بهما رجاء بركة يديه عليه ﷺ ، فإذاً: أنت تعلم المريض استخدم المعوذات، استخدم آية الكرسي، استخدم سورة الفاتحة، يقول ابن القيم ﵀: ومرضت مرة بـ مكة مرضاًَ شديداً أقعدني وآلمني، فجاء الأطباء فعجزوا تماماً عن فعل شيء، قال: فشرعت في مداواة نفسي بسورة الفاتحة، فكان لها أثر عجيب، وقمت من مرضي بعد فترة بسيطة! والمشكلة الآن أن كثيراً من الأطباء درسوا في الخارج فإن المهندس يمكن أن يجلس أربع سنوات، والطبيب يمكن أن يجلس عشر سنوات في الخارج، فالطبيب العادي يتشبع بأفكار الغرب إذا لم يكن عنده حصيلة إسلامية طيبة، ولذلك الغربيون لا يؤمنون بأنك إذا قلت: الحمد لله، قل أعوذ برب الفلق، سوف تشفى، يقول لك: هذا كلام فارغ، إما أن تقدم شيئاً مادياً محسوساً بالتجارب والمختبرات، أما هذا فلا أعترف به، فالذي منزعه ومشربه مشرب غربي، وتفكيره تفكير غربي، لا يؤمن إلا بالمادة وينكر ما وراء المادة، وينكر أثر القرآن، وهذه الأشياء لن تدخل عقله مطلقاً.
أما أنت -يا أخي- فإنك رجل تأخذ الحضارة الغربية بخيرها وتترك شرها، تأخذ حلوها وتترك مرها، فإذاً: مثل هذه الأمور لها حسبان عندك، أنت تعني قول الله : ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء:٨٢] عندك شيء، أما أستاذك الغربي الكافر قد لا يفهم شيئاً فإذاً: هذه مسألة مهمة.
стр. 5178
الطب النبوي وأثره
أيضاً: مسألة الطب النبوي إذا نحن راجعنا بعض كتب الحديث سنجد أن هناك أشياء في الطب النبوي مذكورة، والمفروض أن ينتبه لها، وتعمل عليها أبحاث؛ لأنه قد تكتشف أنت التركيبة التي فيها شفاء هذا الداء مثلاً: بالنسبة لمرض العين، لما نقرأ حديث: (إذا اشتكى عينيه وهو محرم ضمدهما بالصبر) أو (اكتحلوا بالإثمد فإنه يجلو البصر وينبت الشعر) أو إخبار الرسول ﷺ بأن في العسل العلاج، وقبل ذلك في القرآن، وإخباره بأن السنا والسنوت من العلاجات، وهي أنواع معروفة من النباتات، ينبت أجودها في أرض الحجاز، ويعرفها العطارون، فإن بعض الأشياء قد لا يعرفها الأطباء، وليس لها مسمى علمي عندهم، لكن هذه الأشياء في الأحاديث عند العطارين معروفة، كالحبة السوداء، وكذلك حديث الرسول ﷺ : (شفاء عرق النسا إلية شاة أعرابية تذاب ثم تجزأ ثلاثة أجزاء، ثم تشرب على الريق كل يوم جزءاً) شاة أعرابية، مثلاً: خروف نجدي يعيش ويرعى في البر، هذه الإلية تؤخذ وتصهر -تذاب- ثم تقسم إلى ثلاثة أجزاء، وتشرب لمن به مرض عرق النسا فيشفى بإذن الله قد يكون هذه الوصف غير معروف طبياً، لكن الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى يعرف هذا الأمر، وقد تجري فيه بحوث، وقد تكون فاتحة أمور طبية.
مثلاً: ألبان البقر وسمن البقر، والكمأة بالنسبة للعين، يقول الرسول ﷺ : (الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين) يمكن أن ماء الكمأة يستفاد منه، وإذا جرب أحد هذا الأمر حصل له أشياء، فإذاً: هذه أبحاث أريد أن أشير إليها إشارة سريعة، فلابد من الاهتمام بالطب النبوي.
стр. 5179
كشف العورات وحكمها في العلاج
من الأمور المهمة -أيها الإخوة- قضية العورات فإنه عند الفحص وعند العمليات يحدث كشف للعورات، ونحن نعلم حرص الإسلام على ستر العورة، والرسول ﷺ أخبر في الحديث الصحيح بقوله: (لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يفضي الرجل إلى الرجل في الثوب الواحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد) رواه مسلم، والإفضاء هو الملامسة متجردين من الثياب تحت فراش أو تحت غطاء واحد، فالشاهد: كل ما حرم الشرع النظر إليه حرم لمسه هذه قاعدة، فالشرع يحرم النظر إلى العورات، إذاً: لا يجوز لمس العورة.
في باب الطب هناك ضرورات معينة، فهنا لا بد من الرجوع إلى أقوال أهل العلم عن الضرورة، وما هي الضرورة التي تبيح المحظورات؟ لأن بعض الإخوان قد يقول: الضرورة تبيح المحظورات، ويفعل أشياء ليست من الضرورات في شيء، ويكون قد ارتكب المحظور بدون حاجة، وكذلك الضرورة تقدر بقدرها، حتى لو وصلنا إلى نتيجة أن هذا الأمر ضرورة فلا يعني أن نسترسل فيه وأن يأخذ الواحد راحته لأنها صارت ضرورة، لا بد أن تقدر بقدرها مثلاً: المرأة لا يجوز أن يفحصها رجل، هذا أمر محرم في الشريعة، وهو معروف ومتفق عليه مهما رأيت من الحالات وتبلد إحساسك في المستشفى، وقد رأيت مئات من هذه الأشياء ومن حالات النساء مع رجال، فيبقى الأمر حراماً لا يجوز، وهو عند الله إثم عظيم لكن ما توفرت المرأة المؤهلة لفحص هذه المرأة المريضة ماذا نفعل؟ هل نقول لها: تموت، تتضاعف حالتها وتبقى على ألمها؟ لا، في هذه الحالة نقول: يجوز أن يؤتى برجل ليعالج المرأة، وحتى هذا الأمر فيه ترتيب، فأولى الناس بالعلاج المرأة المسلمة، ثم المرأة الكتابية، ثم الرجل المسلم، ثم الرجل الكتابي أو الكافر، فلا يقدم رجل مسلم على المرأة الكافرة، المرأة الكافرة تعالج مع أنها كافرة لماذا؟ لأن الشريعة تحتاط في قضايا الاختلاط، وقضايا الملامسة والنظر إلى العورات احتياطاً شديداً، وهذا الترتيب ذكره أهل العلم.
وهناك أشياء يتوسع فيها الناس وليست ضرورات، فينبغي لك يا أخي الطبيب ألا تستجيب، أو -مثلاً- أتت امرأة لها حالة غير طارئة، ويمكن أن تبحث صاحبتها عن حل وتجد، وأنت تعلم الحل، فلا يلزم أن تكشف عليها، بل تدلها وتقول لها: المستشفى الفلاني فيه نساء، لأنها ليست ضرورة، لكن لو قال: والله ما وجدنا ولا أي مستشفى، وبحثنا على قدر طاقتنا، فهنا يجوز أن تكشف، وأنت لست مكلفاً بالتنبيش عن الناس، هذه هي شغلتهم ومسئوليتهم، لكن أنت إذا كنت تعلم أن هناك حلاً فالمفروض أنك ما تدخل لكي لا تعين على المنكر.
مثلاً: بعض حالات العقم قد يكون هناك رجل امرأته فيها عقم، أو فيها شيء يمنع الإنجاب، فهذه الآن ليست حالة طارئة؛ فإن من الممكن أن تبحث وتواصل البحث عن امرأة وقد تجد، فليس هناك ضرورة أن يكشف عليها رجل إذا لم تجد امرأة الآن؛ لأنها ليست حالة طارئة، لكن لا يعني هذا أن تبقى طيلة عمرها بدون علاج حتى ترى امرأة لا، لكن إن بحثت مع الفترة الزمنية الكافية المقنعة عن امرأة فلم تجد، فلا بأس أن تذهب لتتعالج عند الرجل.
أيضاً حالات الطوارئ، حتى لو أن هناك أناساً في أماكن أخرى فما يكفيك الوقت أن تستدعي المرأة من بيتها لتقول: تعالي، هنا حالة طارئة، أنت الموجود في الطوارئ، إذاً أنت الذي تشرف بنفسك مباشرة.
وهنا ننبه إلى مسألة فيها جانب من التضحية مهم جداً، لكن لأنه ليس فيها احتساب للأجر فلا تعطى هذه القضية حقها أحياناً تنتهي فترة دوام الطبيبة المناوبة أو المشرفة، أو التي موجود في الجدول أنها في الوقت الفلاني، جاءت مريضة بعد انتهاء النوبة، والموجود رجل، فمن المفروض شرعاً -لله- أن هذه الطبيبة التي انتهت فترة النوبة عندها، لكي لا تحرج أختها المسلمة التي أتت للعلاج، وتضطرها للكشف على الرجل، من المفروض أن تكشف عليها ولو كان خارج الدوام، ولو كانت خارج النوبة، وتحتسب الأجر عند الله، والرجل مثلها، لو رأى رجلاً قد أتى، وأنه الآن سيكشف على امرأة وهي الموجودة الآن في العيادة، فيحاول هو أن يأخذ الدور ويأخذ الرجل ويعالجه، وهذه المسألة نابعة من احتساب الأجر عند الله ، ونابعة من أنك أنت الآن تحاول ألا يقع المنكر، وبالذات في حالات الولادة التي تنكشف فيها من العورات ما الله به عليم أشياء كثيرة جداً.
وللأسف أن الغربيين يراعون هذا الأمر؛ فلو أن امرأة في الغرب في المستشفى قالت: أنا لا أريد إلا امرأة، لأتوا لها بامرأة من أي مكان، حرصاً على نفسية المريض، وعلى النواحي الإنسانية، ونحن لأن القضية كتاب الله وسنة الرسول ﷺ ، والمسألة إسلامية وشرعية نضيعها! فهل الكفار أحسن منا في هذا الجانب؟! مع أنهم ما عندهم وازع ديني يدفعهم لهذا، لكن بمجرد أن طلبت المرأة هذا الأمر، نحن عندنا ليس فقط طلب المرأة، عندنا دين، عندنا قانون إلهي نعمل به، فلا يجوز التفريط بسهولة، والله ما هو موجود عندنا إلا يا فلان دبر نفسك بعض الناس يجيبون إجابات عجيبة، مع أنه قد يمكن التوفير.
نعم.
إن هذه القضية إدارية أكثر من أنها تتعلق بنفس الطبيب، لكن سددوا وقاربوا، ولا بد من التعاون والتكاتف على إيجاد الحلول، وإذا لم أتحرك أنا ولم تتحرك أنت فما الذي يصلح الأمور؟ مثلاً: هناك بعض العلميات قد يجرد المريض فيها من ثياب لا يحتاج إلى إزالتها، أحياناً تكون عملية جيوب أو عملية الغدة الدرقية، فما هو الداعي إلى كشف ثياب المريض من الأسفل؟! أو كشف أشياء من المرأة في الساقين والعملية في الغدة الدرقية أو في الجيوب لماذا تكشف الساقين؟ أو -مثلاً- من باب أن الضرورة تقدر بقدرها ما الداعي لكشف العورة على عمال النظافة؟ فالقضية الآن كلها قضية أطباء، فإذا كان الطبيب يريد أن يطلع عليه أن يترك المجال للمريض كي يغطي، فإن بعض الأطباء يهمل المريض، وقد يكون هذا في السرير، فأنت إذا مررت بين الأسرة والعنابر من المفروض إنك إذا رأيت مريضاً قد كشفت فخذه أو جزء من عورته أن تغطيه حتى لو كان نائماً، فإنه قد يكون مخدراً لا يدري عن نفسه، ولو أنه كان في اليقظة لراعى نفسه ولستر عورته، لكنه مسكين مستسلم بين يديك، المفروض أنت الآن الذي تحرص عليه، أحب لأخيك ما تحب لنفسك، هل ترضى أن تكون عورتك مكشوفة والناس يمرون ويجيئون ويذهبون؟ لا ترضى بهذا، فينبغي أن يكون عندك حرص على هذا الجانب، وعلى ستر عورات المرضى وعدم كشفها إلا في الضرورة، وألا يراها الناس الذين ليس لهم علاقة بالموضوع، أو أنهم مستثنون من الرؤية.
стр. 5180
بعض العمليات التي ينبغي على الأطباء أن يعرفوا أحكامها
هناك عمليات معينة ينبغي على الإخوان الأطباء أن يلتفتوا إليها وإلى أحكامها
стр. 5181
عمليات العقم
مثلاً العمليات التي تسبب العقم، مثل: عملية ربط المبايض، هناك أشياء ينبغي ألا يلجأ إليها إلا عند الضرورة والخوف على حياة المرأة، وإذا ما وجد علاج آخر أقل ضرراً من هذا، وبالذات إعطاء أشياء لمنع الحمل؛ لأن من مقاصد الشريعة تكاثر الأمة، والطبيب عندما يعطي هذه الأشياء يصادم مقصود الشريعة بتكثير النسل للمسلمين، فعليه ألا يعطي هذه الأشياء إلا في الحالات الضرورية، كأن يخشى على صحة المرأة، فلا يمكن أن تحمل نهائياً، ولو حملت فإنه خطر مؤكد على حياتها، ولا بد أن يوافق الزوج؛ لأن له حقاً في الولد وليست المرأة فقط هي التي لها حق في الولد، فالمسألة إذاً لا بد أن يبحث فيها أيضاً.
الأدوية التي تخفف الشهوة قد يجوز إعطاء مريض دواءً يخفف الشهوة -مثلاً- حتى لا يجد العنت وحتى لا يقع في شيء، لكن لا يجوز إعطاؤه دواء يقطع الشهوة بالكلية ويجعله عنيناً لا يقوى على الوقاع.
стр. 5182
عمليات التجميل
أيضاً: عمليات التجميل فإن بعض عمليات التجميل مباحة، مثلاً: رجل حدث له حروق فلا بد من عملية التجميل، أو آخر عنده حَوَلٌ ممكن أن يعمل عملية تجميل، أيضاً: سحب الدهن والشحم من البطن، هذه سألنا فيها بعض العلماء فقال: إذا لم تسبب ضرراً فلا بأس أن يسحب الشحم، كذلك إزالة الإصبع الزائدة وبعض الأشياء المشوهة، أو إزالة الوشم، وقد سأل أحد الإخوة عن هذه فقال: أنا عندي وشم، وشمت وأنا ما زلت صغيراً، يقول: والرسول ﷺ لعن الفاعل لهذا الفعل، فأريد أن أذهب الآن لعملية التجميل، فما حكم إزالة الوشم بهذا؟ فكان جواب الشيخ ابن عثيمين لما سألته عن المسألة قال: يجوز أن يعمل العملية لإزالة هذا المنكر، لأنه فعل منكراً هنا في الجلد، فيجوز له أن يزيله بعملية تجميل.
لكن لو أتى إليك أحدهم وقال: أريد عملية تصغير الثدي، ووشر، وتفليج، وشد إلخ فهنا أشياء فيها تغيير واضح لخلق الله، وليس هناك داع وليس فيه عيب، وقد كان جواب الشيخ ابن عثيمين فيها واضح، حيث قال: هذه مثل التفليج فلا يجوز عملها.
وليس قصدي أن أطرح لكم أحكاماً تفصيلية في المواضيع بقدر ما أقصد أن أثير هذه النقاط عند إخواني الأطباء والطبيبات حتى يحصل فيها اهتمام وسؤال.
стр. 5183
قطع الأعضاء ودفنها
كذلك: عملية إسقاط الأجنة ما حكم إسقاط الجنين؟ قد تأتي بعض النساء اللاتي يفعلن الفاحشة -والعياذ بالله- وفي بطنها جنين، فتقول: تعال أسقط الجنين أيضاً الأعضاء المبتورة، قد تقطع يد، وقد تقطع رجل، إذا كان المرض سرطان، فهذه الأعضاء -كما يقول الشيخ ابن باز لما سألته عن هذه المسألة-: هذه أعضاء محترمة مصانة، لا بد أن تلف ولا بد أن تدفن، إلا الأشياء مثل الأظفار والشعر والمخلفات البسيطة؛ لأن الظاهر الآن أن بعض هذه الأشياء تجمع ويلقى بها في سلة المهملات أو في الزبالة أو في أي مكان، فهنا لا بد أن يراعى (ما قطع من حي فهو ميت) ولا بد أن هذا الشيء يصان ويدفن، ولا بد أن يكون فيها إجراءات، وأنتم بينكم وبين إدارة المستشفى تتواصون بالحق حتى هذه الأشياء لا تذهب هكذا.
مثلاً: الجنين الذي سقط إذا لم يأخذه أهله أين يذهب؟ إذا كان الجنين قد نفخ فيه الروح فلا بد من معاملته كجنازة كاملة، وأن يدفن في المقبرة، وإذا كان الجنين لم ينفخ فيه الروح أو كان شيئاً بسيطاً نزل فيدفن في أرض، لكن لا يشترط أن تكون مقبرة، لكن لا بد أن يدفن في أرض ولو لم تكن مقبرة، أما إذا كان الجنين لا بد من دفنه، كأن يكون سقط ومات وقد نفخت فيه الروح، فلا بد أن يدفن في المقبرة.
стр. 5184
عملية التشريح
كذلك: قضية التشريح يمكن أن يحدث تساهل -لا سمح الله- فيؤتى بجثة إنسان مسلم لتشرح، فإذا اكتشفت أنت بالقرائن وتبين لك أن هذه جثة مسلم فلا يجوز لك مطلقاً أن تشرح فيها، والرسول ﷺ يقول في الحديث الصحيح: (إن كسر عظم المؤمن ميتاً مثل كسره حياً) أتي لك بجثة، وتأتي بالمنشار الكهربائي وتفك الرأس وتخرج الدماغ، وتريد أن تفحص هذا على جثة أخيك لو أنت مكانه هل ترضى بهذا الكلام؟ فالأصل أن الأجساد محترمة فتدفن، ولا تبقى حتى على وجه الأرض، فإن الدفن واجب، لكن لضرورة التعليم يؤتى بأجساد ليست أجساد مسلمين، فيحصل فيها قضايا التعليم، ولذلك قال أهل العلم: ويحرم قطع شيء من أطراف الميت وإتلاف ذاته أو إحراقه ولو أوصى به.
وحتى في مسألة الجنين الذي يتحرك في بطن الأم الميتة تردد بعض الفقهاء في شق بطن الأم، وقالوا: يمكن أن يخرج الولد ويمكن أن يموت، فنكون قد شققنا بطن الميتة، لكن القول الراجح في هذا: أنه إذا غلب على ظن الطبيب أن الولد سيخرج حياً فيجوز له أن يشق بطن الأم الميتة لإخراج الولد الذي يغلب على الظن أنه سيعيش، لكن إذاك كان ميتاً والأم ميتة فلا تشق بطنها، وهناك قضايا تنبه لها العلماء، قالوا: لو أن امرأة نصرانية كافرة تزوجها رجل مسلم، وماتت وفي بطنها جنين قد نفخت فيه الروح، ومات الجنين معها، فكيف تدفن؟ حتى هذه المسألة فكروا فيها، فقالوا: تدفن الأم وظهرها إلى القبلة لماذا؟ لأن الجنين الذي في البطن جنين مسلم، والمسلم عند الدفن يوجه إلى القبلة، وهو في بطه أمه يكون وجهه إلى ظهرها، فعندما تدفن تكون هي موجهة إلى غير القبلة وظهرها إلى القبلة ليكون الولد المسلم في بطنها متوجهاً إلى القبلة.
وهنا جاءت مسألة أخرى: هذه امرأة كافرة هل يجوز قبرها في مقابر المسلمين؟ لا يجوز، لكن في بطنها ولد مسلم فهل يدفن في مقابر الكفار؟ لا يجوز، ولذلك كان الحل أن يقبر في مدفنة خاصة لا هي من مقابر المسلمين ولا من مقابر الكفار، أو جزء معين من المقبرة خاص لمثل هذه الحالة.
انظر إلى الفقهاء! هذه أمور من الدين ليست سهلة، ونحن الآن نفعل أشياء ولا نعرف ولا نفكر أصلاً ما هو الحكم في المسألة هذه! بقي عندنا حالة، أو فتوى في جهاز الإنعاش ودراسة، ملخص دراسة في الموضوع، ونقف عند هذه؛ لأنني أخشى أن أطيل عليكم، ولكن -أيها الإخوة- أذكركم أخيراً بمسألة مهمة بتقوى الله، واستشعار الأمانة، فهو أهم ما يعتمد عليها في مهنة الطب، قضية الأمانة التي يسميها الغربيون "شرف المهنة" ونحن نسميها "أمانة" أوصانا الله بها.
وأسأل الله لي ولكم السداد.
стр. 5185
سلامة الصدر من الأحقاد
لقد جاءت هذه الشريعة بإصلاح ذات البين؛ من أجل أن تكون العلاقة بين المؤمنين على أحسن ما يمكن؛ وتكون صدورهم سليمة، لكن الواقع اليوم مليء بالأحقاد والشحناء، والتي تسببها الغيبة والنميمة، وبعض الآفات الأخرى، وهذه المادة خطوة في طريق إصلاح هذه الاختلالات.
следующие страницы →